بابُ دِيَاتِ الجِرَاحِ (١)
كُلُّ مَا فِيْ الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَفِيْهِ دِيَةٌ، كَلِسَانِهِ، وَأَنْفِهِ، وَذَكَرِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَشَمِّهِ، وَعَقْلِهِ، وَكَلامِهِ، وَبَطْشِهِ، وَمَشْيِهِ (٢)،
ــ
(١) قوله «بابُ دِيَاتِ الجِرَاحِ»: الجراح نوعان:
أحدهما: الشجاج؛ وهي ما كان في رأس أو وجه .
النوع الثاني: ما كان في سائر البدن ، وينقسم قسمين:
أحدهما: قطع عضو كيد، أو رجل، أو لسان ونحو ذلك.
الثاني: قطع لحم، وذلك كله مضمون من الآدمي، ويضاف إليه تفويت المنفعة كالسمع والبصر، ونحوها.
(٢) قوله «كُلُّ مَا فِيْ الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَفِيْهِ دِيَةٌ، كَلِسَانِهِ، وَأَنْفِهِ، وَذَكَرِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَشَمِّهِ، وَعَقْلِهِ، وَكَلامِهِ، وَبَطْشِهِ، وَمَشْيِهِ»: جملة ذلك أن كل عضو لم يخلق الله سبحانه منه إلا واحداً كالأنف واللسان ونحو ذلك مما ذكره المؤلف ففيه دية كاملة لأن في إتلافه إذهاب منفعة الجنس وإذهابها كالنفس، وهذه قاعدة ديات الأعضاء ومنافعها، فمن أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد، كالأنف واللسان والذكر ففيه الدية كاملة، لما ورد في كتاب عمرو بن حزم المتقدم: «وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ ... وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ ... » (١). =
стр. 2347
وَكذلِكَ فِيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَعَرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ فِيْ جَانِبِهِ (١)،
ــ
=ومعنى «أُوعِبَ جَدْعُهُ» أي: قطع جميعه، ولأن إتلاف الذي لم يخلق الله منه في الإنسان إلا شيئاً واحداً ذهابُ منفعة الجنس، وإذهابها كالنفس.
(١) قوله «وَكذلِكَ فِيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَعَرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ فِيْ جَانِبِهِ»: هذه أيضاً بعض أنواع الجنايات التي تجب فيها الدية، فمن ذلك قوله: «والصَّعَرِ» بفتح الصاد المهملة والعين المهملة، من صَعِرَ يَصْعَرُ صَعَراً، وقد عرفه المؤلف بقوله «أَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ فِيْ جَانِبِهِ»، كأن يضربه فيصير الوجه في جانب.
وأصل الصعر: داء يأخذ البعير فيلتوي منه عنقه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ (١)، أي لا تعرض عنهم بوجهك تكبراً كإمالة وجه البعير الذي به الصعر، فمن جنى على إنسان جناية فعوج عنقه حتى صار وجهه في جانب فعليه دية كاملة، دليل ذلك أن زيد بن ثابت ﵁ قال: «وَفِي الصَّعَر الدِّيَةُ» (٢)، ولم يعرف له مخالف من الصحابة، فكان إجماعاً، ولأنه أذهب الجمال والمنفعة، فإنه لا يقدر على النظر أمامه واتقاء ما يحذره إذا مشى، وقال الشافعي (٣): فيه حكومة، لأنه إذهاب جمال من غير منفعة.
قلت: والأول أظهر.
стр. 2348
وَتَسْوِيْدِ وَجْهِهِ، وَخَدَيْهِ (١)، وَاسْتِطْلاقِ بَوْلِهِ أَوْ غَائِطِهِ (٢)، وَقَرْعِ رَأْسِهِ، وَلِحْيَتِهِ دِيَةٌ (٣)، وَمَا فِيْهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، فَفِيْهِمَا الدِّيَةُ (٤)،
ــ
(١) قوله «وَتَسْوِيْدِ وَجْهِهِ وَخَدَيْهِ»: أي إذا جنى عليه بتسويد وجهه كأن يصب عليه ماء حاراً أو يصب عليه ماء نارٍ فيجعل وجهه أسود بزوال بشرة وجهه بعد أن كان أبيض ففيه دية كاملة، لأنه بذلك يذهب كمال الجمال، فوجب فيه كمال الدية.
(٢) قوله «وَاسْتِطْلاقِ بَوْلِهِ أَوْ غَائِطِهِ»: أي ففيهما كمال الدية، لأن كلا منهما منفعة كبيرة مقصودة ليس في البدن مثلها، أشبه السمع والبصر، فوجب في تفويتها دية كاملة، كسائر الأعضاء، فإن فاتت المنفعتان ولو بجناية واحدة فديتان، كما لو أذهب سمعه وبصره.
(٣) قوله «وَقَرْعِ رَأْسِهِ، وَلِحْيَتِهِ دِيَةٌ»: القَرَعُ، بفتحتين: الصَّلَعُ، وهو مصدر قَرِعَ الرأس، من باب تَعِبَ: إذا لم يبق عليه شعر. فإذا جُني على شعر رأسه ولم يعد، ففيه الدية، وكذا إذا جُني على شعر لحيته ولم تعد، لأن في إذهاب كل واحد منهما ذهاب منفعة جنس، فأشبهت اليدين والرجلين ونحوهما.
(٤) قوله «وَمَا فِيْهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، فَفِيْهِمَا الدِّيَةُ»: أي وما في الإنسان منه شيئان كاليدين والرجلين والعينين ففيهما الدية، وفي كل واحد منهما نصف الدية كما سيأتي. وما فيه ثلاثة كالأنف يشتمل على المنخرين والحاجز بينهما، ففيه الدية، وفي كل واحد منها ثلثها، وما فيه أكثر ففيها الدية، وفي كل واحد منها قسطه من الدية، لأن في إتلاف ذلك كله ذهاب منفعة الجنس، وذلك=
стр. 2349
وَفِيْ أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالعَيْنَيْنِ، وَالحَاجِبَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَالأُذُنَيْنِ، وَاللِّحْيَيْنِ، وَاليَدَيْنِ، وَالثَّدْيَيْنِ، وَالأَلْيَتَيْنِ، وَالإِسْكَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ (١)، وَفِي الأَجْفَانِ الأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَهْدَابِهَا الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُهَا، فَإِنْ قَلَعَهَا بِأَهْدَابِهَا، وَجَبَتْ (٢)،
ــ
=كإتلاف النفس، وأما كون أحدهما فيه نصفها فلأن في إتلافه إذهاب نصف منفعة الجنس.
(١) قوله «وَفِيْ أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا، كَالعَيْنَيْنِ، وَالحَاجِبَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَالأُذُنَيْنِ، وَاللِّحْيَيْنِ، وَاليَدَيْنِ، وَالثَّدْيَيْنِ، وَالأَلْيَتَيْنِ، وَالإِسْكَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ»: سبق الإشارة إلى ذلك قريباً، فما فيه منه شيئان وأتلفا جميعاً ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية، كما ذكر المؤلف هنا، وقوله: «وَاللِّحْيَيْنِ» هما العظمان النابت عليهما الأسنان، فإذا أتلفهما ففيهما دية النفس، وفي أحدهما نصف الدية، وقوله: «وَالأَلْيَتَيْنِ» مثنى «ألية» وهي المقعدة التي يقعد عليها الإنسان، فإذا جنى عليهما شخص ففيهما الدية، وفي الواحدة نصف الدية، وقوله «وَالإِسْكَتَيْنِ» بفتح الهمزة وكسرها، وهما حافتا فرج المرأة، فلو جنى عليهما إنسان وقطعهما ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وقوله: «وَالثَّدْيَيْنِ» يعني ثديي المرأة وهذا واضح، فلو جنى عليهما إنسان وقطعهما ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية.
(٢) قوله «وَفِي الأَجْفَانِ الأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَهْدَابِهَا الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُهَا، فَإِنْ قَلَعَهَا بِأَهْدَابِهَا، وَجَبَتْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ»: الأجفان هما غطاء=
стр. 2350
وَفِيْ أَصَابِعِ اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ إِصْبَعٍ عُشْرُهَا (١)،
ــ
= العينين، وفي كل عين غطاءان، أحدهما فوق والآخر تحت، ففي كل
جفن ربع الدية، وفي الجميع الدية كاملة، وفي الثلاثة ثلاثة أرباع الدية، ولا فرق في الدية بين الأعلى والأسفل، ووجه كون الدية فيها لأن في إتلافها إذهاب منفعة الجنس، فأشبهت اليدين، لأن في الأجفان جمالاً وكمالاً ونفعاً كثيراً، لأنها تقي العينين مما يؤذيهما، وسواء في هذا البصير والأعمى، لأن العمى عيب في غيرها، وهذا هو المشهور في المذهب (١)، وهو قول الحنفية (٢).
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤) أنه ليس فيه دية، وذلك لأن الأصل في مال المسلم العصمة ولا نص ولا إجماع ولا قياس يدل على ما ذكره الحنابلة، ولا شك أنها لا تصل إلى المنافع التي تقدم ذكرها، فإنها جمال وليست بمنفعة تشبه منفعة السمع والبصر، فلا يقال إنها تقاس على السمع والبصر، وعليه فلو اعتدى على لحيته أو شعر رأسه ففيه حكومة وليس فيه دية.
(١) قوله «وَفِيْ أَصَابِعِ اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِيْ كُلِّ إِصْبَعٍ عُشْرُهَا»: أي وفي أصابع اليدين الدية وكذا أصابع الرجلين، =
стр. 2351
وَفِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِهَا، إِلاَّ الإِبْهَامَ فِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ نِصْفُ عَقْلِهَا (١)، وَفِيْ كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ إِذَا لَمْ تَعُدْ (٢)،
ــ
=فما كان في البدن منه عشر، ففي كل واحد منه عشر الدية، فأصابع اليدين عشر، ففيها الدية كاملة، وفي كل إصبع عشر الدية، لا فرق بين الخنصر والإبهام، لما ورد في كتاب عمرو بن حزم ﵁ المتقدم: «وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ اليَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنْ الإِبِلِ»، ولما ورد عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «دِيَةِ الأَصَابِعِ، اليَدَينِ وَالرِّجْلَينِ سَوَاءٌ، عَشْرٌ مِنْ الإِبِلِ لِكُلِّ أُصْبُعٍ» (١).
(١) قوله «وَفِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ ثُلُثُ عَقْلِهَا، إِلاَّ الإِبْهَامَ فِيْ كُلِّ أَنْمُلَةٍ نِصْفُ عَقْلِهَا»: أي أن كل أنملة فيها ثلاث من الإبل وثلث، وكل أصبع من الأصابع فيه ثلاثة أنامل ما عدا الإبهام، ففيه أنملتان، فالدية تقسم على الاثنين، فيكون في كل مفصل نصف عشر الدية، يعني خمساً من الإبل.
(٢) قوله «وَفِيْ كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ إِذَا لَمْ تَعُدْ»: فدية السن خمس من الإبل لا فرق بين ضرس ولا ثنية، وهي نصف عشر الدية، لما ورد في كتاب عمرو بن حزم المتقدم: «وفِي السِّنِّ خَمسٌ مِنَ الإبِلِ».
واشترط المؤلف عدم عود السن مرة أُخرى فإن عادت فليس فيه شيء.
وكذلك الظفر فيه خمس من الإبل، هذا إذا لم يرجع الظفر، أما إذا=
стр. 2352
وَفِيْ مَارِنِ الأَنْفِ، وَحَلَمَةِ الثَّدْيِ، وَالكَفِّ، وَالقَدَمِ، وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وَمَا ظَهَرَ مِنَ السِّنِّ، وَتَسْوِيْدِهَا دِيَةُ العُضْوِ كُلِّهِ (١)، وَفِيْ بَعْضِ ذلِكَ بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ (٢)،
ــ
=رجع فليس فيه شيء إلا أن يكون فيه شيء من التشويه فيكون فيه حكومة كما تقدم.
(١) قوله «وَفِيْ مَارِنِ الأَنْفِ، وَحَلَمَةِ الثَّدْيِ، وَالكَفِّ، وَالقَدَمِ، وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وَمَا ظَهَرَ مِنَ السِّنِّ، وَتَسْوِيْدِهَا دِيَةُ العُضْوِ كُلِّهِ»: سبق تعريف هذه المذكورات، فمتى تعدى عليها بجناية ففيها دية العضو كله، وذلك لأن قطع بعض عضو تتعطل به جل منفعته قطع له، فوجبت فيه الدية كاملة، فقطع مارن الأنف - مثلاًـ يذهب الجمال أشبه الأنف كله، وكذا حشفة الذكر لأن منفعته كمنفعة اليد بالأصابع، وحلمتي الثديين لأنه ذهب من الثديين ما تذهب المنفعة بذهابه فوجب دية كاملة، وفي كسر ظاهر السن ديته وهو ما ظهر من اللثة لأن ذلك هو المسمى سنا فيدخل في عموم النص، وهكذا.
(٢) قوله «وَفِيْ بَعْضِ ذلِكَ بِالْحِسَابِ مِنْ دِيَتِهِ»: أي فإن كانت الجناية في بعض هذه المذكورات فإنها تكون بالحساب من ديته يقدر بالأجزاء كالثلث والربع ثم يؤخذ مثله من الدية، لأن ما وجبت الدية في جميعه وجبت في بعضه، فإن كان الذاهب النصف وجب نصف الدية، وان كان الثلث وجب ثلثها، وان كان أقل أو أكثر وجب بحساب ذلك، كما تقسط دية اليد على الأصابع.
стр. 2353
وَفِي الأشل مِنَ اليَدِ وَالرِّجْلِ وَالذَّكَرِ، وَذَكَرِ الخَصِيِّ وَالعِنِّيْنِ، وَلِسَانِ الأَخْرَسِ، وَالعَيْنِ القَائِمَةِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ، وَالذَّكَرِ دُوْنَ حَشَفَتِهِ، وَالثَّدْيِ دُوْنَ حَلَمَتِهِ، وَالأَنْفِ دُوْنَ أَرْنَبَتِهِ، وَالزَّائِدِ مِنَ الأَصَابِعِ وَغَيْرِهَا، حُكُوْمَةٌ (١)،
ــ
(١) قوله «وَفِي الأشل مِنَ اليَدِ وَالرِّجْلِ وَالذَّكَرِ، وَذَكَرِ الخَصِيِّ وَالعِنِّيْنِ، وَلِسَانِ الأَخْرَسِ، وَالعَيْنِ القَائِمَةِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ، وَالذَّكَرِ دُوْنَ حَشَفَتِهِ، وَالثَّدْيِ دُوْنَ حَلَمَتِهِ، وَالأَنْفِ دُوْنَ أَرْنَبَتِهِ، وَالزَّائِدِ مِنَ الأَصَابِعِ وَغَيْرِهَا، حُكُوْمَةٌ»: هذه جملة من الأعضاء التي تعطل النفع بها قبل الجناية عليها من قِبل الجاني، فمن ذلك اليد الشلاء وهي اليابسة التي ذهبت منها منفعة البطش وكذلك الرجل مثلها في الحكم قياساً عليها والعين القائمة التي ذهب بصرها وصورتها باقية كصورة الصحيحة والسن السوداء المتعطل نفعها، فأما إذا لم يتعطل ففيها ديتها كاملة، والذكر الأشل يعني المتعطل نفعه، وغير ذلك مما ذكره المؤلف، متى جني عليها إذا قطعت فإن فيها حكومة، كما هو مذهب جمهور العلماء، وهو أحد الروايتين (١) عن الإمام أحمد.
والرواية الثانية: أن في اليد الشلاء أو في السن السوداء وفي العين القائمة السادة محلها، أن في ذلك كله ثلث ديتها فاليد الشلاء فيها ثلث دية اليد الصحيحة، وهذا هو القول الراجح، ودليله: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي العَيْنِ القَائِمَةِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا، أَي: البَاقِيَة فِي مَكَانهَا عَلَى مَا كَانتْ عَلَيه وَلَمْ يَذْهَب جْمَال=
стр. 2354
وَفِيْ الأَشَلِّ مِنَ الأُذُنِ وَالأَنْفِ الأَخْشَمِ، وَأُذُنِ الأَصَمِّ دِيَتُهَا كَامِلَةً (١)،
ــ
=الوَجْه، لَكن ذَهَبَ إبصارهَا ثُلُثِ دِيَتِهَا، وَفِي اليَدِ الشَّلاءِ إِذَا قُطِعَتْ ثُلُثِ دِيَتِهَا، وَفِي السِّنِّ السَّودَاءِ إِذَا قُلِعَتْ ثُلُثُ دِيَتِهَا» (١).
وعن ابن عباس ﵄ أن عمر ﵁ قال: «فِي العَيْنِ القَائِمَةِ، وَالسِّنِّ السَّودَاءِ، وَاليَدِ الشَّلاءِ ثُلُثُ دِيَتِهَا» (٢)، ولأنها كاملة الصورة فكان فيها مقدر كالصحيحة.
وقوله: «حُكُوْمَةٌ»: الحكومة: أصلها من الحكم بمعنى القضاء، ومعناها: أن يقوَّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية فيه، ثم يقوم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة فله مثله من الدية، والمراد دية النفس، فلو كانت قيمته وهو عبد صحيح عشرة آلاف، وقيمته وهو عبد به الجناية تسعة آلاف، فيكون فيه عُشر ديته، لأن الناقص واحد من عشرة، وهكذا.
(١) قوله «وَفِيْ الأَشَلِّ مِنَ الأُذُنِ وَالأَنْفِ الأَخْشَمِ، وَأُذُنِ الأَصَمِّ دِيَتُهَا كَامِلَةً»: أي متى جنى على هذه المذكورات فقد وجبت عليه الدية كاملة، وذلك لأن نفعها وجمالها باق بعد شللها، فإن منفعة الأذن جمع الصوت، ومنع دخول الماء، والهوام في صماخه، فإذا قطعها وجبت ديتها ولأنه قطع أذنا فيها الجمال والنفع فأشبه ما لو قطعها قبل الشلل,=
стр. 2355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= والأنف الأشل كذلك لأنه قطع أنفاً فيه الجمال والنفع فوجبت ديته كغير الأشل، وأنف الأخشم - يعني الذي لا يشم - تجب ديته كما لو قطع أذن الأصم فإنه يجب ديتها كاملة لما ذكرناه.
стр. 2356
بابُ الشِّجاجِ وَغَيْرِهَا (١)
الشِّجَاجُ هِيَ: جُرُوْحُ الرَّأْسِ وَالوَجْهِ (٢). وَهِيَ تِسْعٌ (٣)،
ــ
(١) قوله «بابُ الشِّجاجِ وَغَيْرِهَا»: أي في هذا الباب سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالجناية، والاعتداء بالشجاج، وغير ذلك ككسر العظام.
(٢) قوله «الشِّجَاجُ هِيَ: جُرُوْحُ الرَّأْسِ وَالوَجْهِ»: الشجاج: جمع شجة، تقول العرب: شج المفازة إذا قطعها، وأصل الشج في لغة العرب: القطع، و الشجاج لا يكون إلا في الرأس والوجه كما ذكر المؤلف، ومن هنا تختص بالجناية على الرأس والوجه، وتشمل الشجة ما كان في مقدم الرأس عند الناصية، وما كان في وسط الرأس عند الهامة، وما كان آخر الرأس، وكذلك أيضاً تشمل الشجة ما كان في أعراض الرأس، مثل أن تكون في العظم الذي يلي الأذن، سواءً من الأذن اليمنى أو اليسرى، فكل هذا تقع الجناية عليه وتسمى: بالشجة، فتارة تكون جرحاً للجلدة، وتارة تنفذ من الجلدة إلى اللحم، وتارة تنفذ من اللحم إلى العظم، وتارة تكسر العظم وتهشمه، وتارة تكسره وتهشمه وتنقله، وتارة تصل إلى خريطة الدماغ، كما إذا كانت الضربة في جهة الدماغ، هذا بالنسبة للشجاج في الرأس.
(٣) قوله «وَهِيَ تِسْعٌ»: أي الشجات، أو الشجاج، أو الجنايات المتعلقة بالرأس والوجه تسع، وهذا إجمالٌ قبل البيان والتفصيل.
وهذه التسع منقسمة إلى قسمين: الخمس الأولى التي فيها الحكومة وليس فيها مقدر ولا دية، والباقي هي التي فيها مقدر.
стр. 2357
أَوَّلُهَا الحَارِصَةُ: الَّتِيْ تَشُقُّ الجِلْدَ شَقًّا لا يَظْهَرُ مِنْهُ دَمٌ (١)، ثُمَّ البَازِلَةُ: الَّتِيْ يَنْزِلُ مِنْهَا دَمٌ يَسِيْرٌ (٢)، ثُمَّ البَاضِعَةُ: الَّتِيْ تَبْضَعُ اللَّحْمَ بَعْدَ الجِلْدِ (٣)، ثُمَّ الْمُتَلاحِمَةُ: الَّتِيْ أَخَذَتْ فِيْ اللَّحْمِ (٤)،
ــ
(١) قوله «أَوَّلُهَا الحَارِصَةُ: الَّتِيْ تَشُقُّ الجِلْدَ شَقًّا لا يَظْهَرُ مِنْهُ دَمٌ»: الحارصة، وتسمى: القاشرة، وهي الجرح الذي يكون في الوجه أو الرأس، يقشر الجلد ولكنه لا يخرج معه الدم، فهي سهلة جداً كحكة الظفر، فلو أنه ضربه على رأسه ضربة قشرت جلدة الرأس ولم يخرج الدم منها، فهذه تسمى: بالحارصة وبالقاشرة. فهذه فيها حكومة وليس فيها دية مقدرة عن الشرع.
(٢) قوله «ثُمَّ البَازِلَةُ: الَّتِيْ يَنْزِلُ مِنْهَا دَمٌ يَسِيْرٌ»: هذا النوع الثاني: وهي ما تسمى بالبازلة أو الدامية أو الدامعة فهذه ثلاثة أسماء لها، فالدامعة هي أن يضربه على رأسه أو وجهه ضربة تقشر الجلد، ثم يخرج الدم ويسيل، وسميت دامعة، لأن الدم يخرج ويسيل مثل دمع العين، وسميت دامية، لأنها أدمته فأسالت الدم منه، وسميت البازلة، لأنها بزلت الدم فأخرجته.
(٣) قوله «ثُمَّ البَاضِعَةُ: الَّتِيْ تَبْضَعُ اللَّحْمَ بَعْدَ الجِلْدِ»: هذا هو النوع الثالث، وهي الباضعة، وأصل البضع القطع، فالباضعة تقطع اللحم لكنها لا تغوص فيه، يعني: تأتي إلى مشارف اللحم فتقطع فيه.
(٤) قوله «ثُمَّ الْمُتَلاحِمَةُ: الَّتِيْ أَخَذَتْ فِيْ اللَّحْمِ»: هذا هو النوع الرابع وهو المتلاحمة، ودرجتها فوق الباضعة، والشق فيها أمكن، ويأتي=
стр. 2358
ثُمَّ السِّمْحَاقُ: الَّتِيْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيْقَةٌ (١)، فَهَذِهِ الخَمْسُ لا تَوْقِيْتَ فِيْهَا، وَلا قِصَاصَ بِحَالٍ (٢)،
ــ
=بالضربات الشديدة سواءً في الوجه أو في الرأس، وسواءً في الخطأ أو في العمد، فتبضع اللحم ثم تغوص فيه، كما لو ضربه بسكين أو بآلة حادة، وغاصت هذه السكين في لحمه دون أن تصل إلى العظم فهي متلاحمة.
(١) قوله «ثُمَّ السِّمْحَاقُ: الَّتِيْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيْقَةٌ»: السِّمحاق: هي التي تقطع اللحم وتظهر الجلدة الرقيقة التي بين اللحم والعظم. وهذه القشرة رقيقة أشبه بالماء أو بالزجاج حينما تظهر ترى العظم من ورائها، فسميت الشجة بها لوصولها إليها.
(٢) قوله «فَهَذِهِ الخَمْسُ لا تَوْقِيْتَ فِيْهَا، وَلا قِصَاصَ بِحَالٍ»: أي أن هذه الخمس الجنايات المذكورات آنفاً لا مقدر فيها شرعاً فإنه لم يثبت ذلك عن الشارع، وللعلماء في هذه الخمس وجهان:
الوجه الأول: أن هذه الخمس فيها الحكومة، وليس فيها تقديرٌ شرعي، وحينئذٍ نقدر هذه الجناية في المجني عليه، فننزله منزلة العبد ونقدره قبل الجناية، ثم نقدره بعد الجناية، ثم نوجب على الجاني أن يدفع الفرق بينهما، وهذه هي الحكومة وهو قول المؤلف هنا.
ثم هذا التقدير يتأثر فربما يأتي يضربه ضربة فيها حارصة فتشين وجهه، يعني: إذا شفي واندمل الجرح وبرئ تبقى آثار تشين الوجه؛ لأنها في الوجه تظهر، بخلاف ما إذا كانت في الرأس فهي مستترة، وللعلماء في =
стр. 2359
ثُمَّ الْمُوْضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ وَصَلَتْ إِلى العَظْمِ، وَفِيْهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَالقِصَاصُ إِذا كَانَتْ عَمْدًا (١)،
ــ
=في هذا الشين وجهان:
بعض العلماء يقول: تقدر الجناية حكومة، ثم يقدر الشين استقلالاً، يعني ينظر إلى أثر هذا الشين ويدفع له حقه فيه.
الوجه الثاني: إن هذه الخمس لها نسبة من الموضحة، إذا كان في الموضحة فيعطى خمساً من الإبل، فهذه الخمس نقسط الجناية التي دون الموضحة على حسبها، فنجعل لكل جناية من الجنايات قدراً ينزل عن حصة الخمس من الخمس، يعني: عن البعير، حتى تصل إلى حد الموضحة.
والوجه الأول هو الأظهر عندي.
(١) قوله «ثُمَّ الْمُوْضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ وَصَلَتْ إِلى العَظْمِ، وَفِيْهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَالقِصَاصُ إِذا كَانَتْ عَمْدًا»: شرع المؤلف ببيان الجناية على العظم، فإن وقعت الجناية، ووصلت إلى العظم ولم تصبه فإنها تكون الموضحة، أما لو وصلت إلى العظم فهشمته وكسرته كسراً يسيراً أو كثيراً متفاحشاً، منحصراً في الموضع، أو متفرقاً في نفس الموضع فإنه تكون الجناية بالهاشمة، وسيأتي بيانها قريباً.
والموضحة فيها خمس من الإبل، ودليل ذلك ما ثبت في حديث عمرو بن حزم المتقدم أن النبي ﷺ قال: «دية الموضحة خمس من الإبل» (١).
стр. 2360
ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ العَظْمَ وَتُهَشِّمُهُ، وَفِيْهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ (١)، ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ وَتُهَشِّمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، وَفِيْهَا خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الإِبِلِ (٢)،
ــ
(١) قوله «ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ العَظْمَ وَتُهَشِّمُهُ، وَفِيْهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ»: الهاشمة: هي التي توضح العظم وتهشمه، والهشم الكسر للعظم، ويقال: هشم الشيء إذا فكَّه وكسره، فالهاشمة هي التي تهشم العظم في الوجه والرأس، وفيها عشر من الإبل.
وللعلماء في هذه العشر وجهان:
الوجه الأول: أن خمساً من العشر لكونها أوضحت العظم، والخمس الثانية؛ لأنها هشمت العظم.
الوجه الثاني: أن الهاشمة فيها عشرٌ من الإبل ولا يفصل.
و فائدة الخلاف بين الوجهين: أنه لو ضربه فهشم عظمه دون أن يجرحه، يعني هشم العظم داخل الجلد دون جرح، فعلى القول الأول لا يجب عليه إلا خمس من الإبل؛ لأنه لم يقع إلا الهشم، ولم تقع الموضحة، وعلى القول الثاني يجب عليه عشرٌ من الإبل، سواء كان هناك جرح وإيضاح للعظم، أو لم يكن هناك جرحٌ وإيضاح للعظم.
(٢) قوله «ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تُوْضِحُ وَتُهَشِّمُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، وَفِيْهَا خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الإِبِلِ»: المنَقَّلَة بتشديد القاف مع الكسر هي التي تنقل العظم من مكانه، فتفصله عن بعض حتى ينتقل، ويعرف ذلك الآن عن طريق الأشعة، وكانوا في القديم يعرفون ذلك بالسبر، ويلاحظون العظم=
стр. 2361
ثُمَّ الْمَأْمُوْمَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَفِيْهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ (١)، فِيْ الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى الجَوْفِ (٢)،
ــ
=ويلاحظون انتقاله، ويكون ذلك من أهل الخبرة كالأطباء.
فإذا ضربه في رأسه أو ضربه في وجهه فكسر عظمه وانتقل هذا العظم المكسور، فإنه حينئذٍ يلزمه خمس عشرة من الإبل؛ ودليل ذلك حديث عمرو بن حزم المتقدم أن النبي ﷺ قال: «وفي المنقّلة خمسة عشر من الإبل» (١).
(١) قوله «ثُمَّ الْمَأْمُوْمَةُ وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَفِيْهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ»: أُمُّ الشيء أصله، وأم الدماغ خريطة الدماغ، فإذا ضربه على دماغه ضربة أوضحت عظم الدماغ، فإنها يقال لها: مأمومة، وأم الدماغ.
وهذه غالباً ما تحدث أضراراً توجب الديات مثل أن تخرسه فلا يتكلم، أو يصبح أصمّ لا يسمع، خاصة إذا جاءت على مواضع الحواس، فالشاهد عندنا أنه إذا ضربه على دماغه ضربة كشفت خريطة الدماغ، فحينئذٍ يجب عليه ثلث الدية، وهذا قضاء رسول الله ﷺ في كتابه لعمرو بن حزم «أن المأمومة فيها ثلث الدية» (٢).
(٢) قوله «فِيْ الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهِيَ الَّتِيْ تَصِلُ إِلى الجَوْفِ»: الجائفة تكون في غير الرأس والوجه، فتكون جائفة في البطن، وجائفة في =
стр. 2362
فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ (١)، وَفِيْ الضَّلَعِ بَعِيْرٌ (٢)،
ــ
=الصدر، وتكون الجائفة في ثغرة النحر، وتكون جائفة فيما بين السبيلين، وهذه الجائفة فيها ثلث الدية، فلو طعنه بسكين ودخلت السكين إلى جوفه فأبانت أحشاءه فهي جائفة، وهكذا لو ضربه من ظهره فأظهر عظمه فهي جائفة، ولو ضربه على صدره فأبان جوف الصدر فهي جائفة.
(١) قوله «فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَهِيَ جَائِفَتَانِ»: قال ابن قدامة في المغني: هذا هو قول أكثر أهل العلم منهم.
قال ابن عبد البر: «لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أنه قال هي جائفة واحدة، وحكي أيضاً عن أبي حنيفة وهي قول في المذهب، وعللوا لذلك بقولهم لأن الجائفة هي التي تنفذ من ظاهر البدن إلى الجوف، وهذه الثانية إنما نفذت من الباطن إلى الظاهر» (١).
والصحيح: هو القول الأول، فقد قضى بذلك أبو بكر ﵁ بثلثي الدية، ولأنه أنفذه في موضعين فأشبه ما إذا كان من الظاهر إلى الباطن.
(٢) قوله «وَفِيْ الضَّلَعِ بَعِيْرٌ»: أي لو كَسَرَ ضلعاً من المجني عليه ففيه بعير، وهذا مروي عن عمر بن الخطاب ﵁ حين كتب إلى عامله: أن في كل ضلع وترقوة بعيراً.
فإذا كسر أحد أضلع شخص فإنه يجب عليه ضمان الكسر ببعير، لكن=
стр. 2363
وَفِيْ التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيْرَانِ (١)، وَفِيْ الزَّنْدَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ (٢)،
ــ
= لو أنه كسر هذا العظم أو هذا الضلع ثم برئ مستقيماً فلا إشكال، وإن برئ مشوهاً معوجاً ففيه وجهان للعلماء:
الأول: أنه يأخذ فقط المقدر ولا شيء زائد.
الثاني: وهو الصحيح أن فيه حكومة في الشين، والحكومة في هذا تتبع الشين، وتتبع الضرر، وتتبع الألم، فلو أنه كسر الضلع أو مثلاً الترقوة فحصل شيء مثلاً في الترقوة كأن ينعقد العظم، ويصبح موضع الإصابة مثل الكرة عند الالتحام، فهذا الشين يقدر بحكومة، ينظر إليها أهل الخبرة، وسيأتي معنا الحكومة، فنقدر كم تضرر؟ وكم نسبة هذا الضرر؟ فيعطى حقه في ذلك.
لو حصل أيضاً ألم، حيث برئ ورجع العظم على صفته، ولكن يوجد ألم في الموضع إذا قام وإذا قعد، وإذا تنفس فينظر في هذا الألم، وقدر تضرره ويقدر له حقه.
(١) قوله «وَفِيْ التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيْرَانِ»: الترقوتان هما العظمان المحيطان بالعُنُق، ففي كل ترقوة بعير، وفي الثنتين بعيران.
(٢) قوله «وَفِيْ الزَّنْدَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ»: الزندان: هما عند مفصل الكف مع الساعد، الزند الأعلى والأسفل، فهذان العظمان الناتئان هما زندا اليد وفي كل يد زندان، ففي الزندين أربعة أبعرة، وهذا له أصل من كتاب عمر بن الخطاب ﵁ أيضاً، فإنه كتب إلى عامله بذلك، ومن هنا عمل به جمهور العلماء ﵏ على أن فيه بعيرين.
стр. 2364
وَمَا عَدَا هَذَا مِمَّا لا مُقَدَّرَ فِيْهِ، وَلا هُوَ فِيْ مَعْنَاهُ، فَفِيْهِ حُكُوْمَةٌ (١): وَهِيَ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لا جِنَايَةَ بِهِ، ثَمَّ يُقَوَّمَ، وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَتِهِ، فَلَهُ بِقِسْطِهِ مِنْ دِيَتِهِ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَمَا عَدَا هَذَا مِمَّا لا مُقَدَّرَ فِيْهِ، وَلا هُوَ فِيْ مَعْنَاهُ، فَفِيْهِ حُكُوْمَةٌ»: أي وما عدا ذلك من الجراح وكسر العظام ففيه حكومة.
(٢) قوله «وَهِيَ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لا جِنَايَةَ بِهِ، ثَمَّ يُقَوَّمَ، وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنْ قِيْمَتِهِ، فَلَهُ بِقِسْطِهِ مِنْ دِيَتِهِ»: سبق تعريف الحكومة: وقلنا هي أن يقدر هذا المجني عليه وينزل منزلة العبد، فيقدر قبل الجناية ويقدر بعد الجناية، وينظر كم أنقصته الجناية من القيمة، وهذه النسبة تكون مقدرة من دية المجني عليه، وسميت بحكومة؛ لأنها راجعة إلى الحكام وهم القضاة، فلا يقدر هذا التقدير ولا يجتهد هذا الاجتهاد ولا يبين حكم هذه المسائل إلا الحكام والقضاة، ومن هنا وصفت بكونها حكومة.
وقوله: «ثَمَّ يُقَوَّمَ، وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ» أي: بعد البرء فينظر ماذا حدث في الجسم أو في العضو من النقص؟ فإذا قوم قبل الجناية بمائة، ثم قوم بعد الجناية بخمس وتسعين أو بسبع وتسعين ونصف، فيكون قد نقص نصف نصف عشره، فيقدر ذلك القدر الذي نقص من الدية؛ لأنه لا تقدير في تلك الجناية.
- فائدة: في شروط صحة الحكومة في الأمور التي لا تقدير فيها:
يشترط في صحة الحكومة ما يلي: =
стр. 2365
إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ الجِنَايَةُ عَلى عُضْوٍ فِيْهِ مُقَدَّرٌ، فَلا يُجَاوِزُ بِهِ أَرْشَ الْمُقَدَّرِ، مِثْلَ أَنْ يَشُجَّهُ دُوْنَ الْمُوْضِحَةِ، فَلا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِهَا، أَوْ يَجْرَحُ أَنْمُلَةً، فَلا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهَا (١)،
ــ
= الشرط الأول: أن تكون الجناية لا تقدير فيها في الشرع ، فهذا محل اتفاق على أن هذا الأمر - وهو الحكومة - يختص بالجنايات التي لا تقدير لها في الشرع، هذا أول شرط.
الشرط الثاني: أن يكون من يقدرها من ذوي الخبرة والنظر والمعرفة ،
الشرط الثالث: أن لا يبلغ التقدير أكثر من قيمة العضو الذي فيه الجناية .
(١) قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ الجِنَايَةُ عَلى عُضْوٍ فِيْهِ مُقَدَّرٌ، فَلا يُجَاوِزُ بِهِ أَرْشَ الْمُقَدَّرِ، مِثْلَ أَنْ يَشُجَّهُ دُوْنَ الْمُوْضِحَةِ، فَلا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِهَا، أَوْ يَجْرَحُ أَنْمُلَةً، فَلا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهَا»: أي وإن كانت الحكومة في محل له مقدر، كاليد والرجل فإنه لا يُبلغ بها أرش المقدر، فإذا شجه دون الموضحة لم يبلغ بهذه الشجة دية الموضحة، وهي خمس من الإبل، فنعطيه خمساً من الإبل إلا قليلاً، وهكذا لو كانت في إصبع فإنه لا يُبلغ بها دية الإصبع.
стр. 2366
بابُ كَفاَّرَةِ القَتْلِ (١)
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ شَارَكَ فِيْهِ، وفِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (٢)، أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ (٣)،
ــ
(١) قوله «بابُ كَفاَّرَةِ القَتْلِ»: شرع المؤلف ﵀ في هذا الباب ببيان كفارة القتل، وهذه الكفارة قد دل عليها قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١).
(٢) قوله «وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ شَارَكَ فِيْهِ، وفِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ»: هذه بعض الصور التي تجب بها كفارة القتل:
أولها أن يقَتَلَ مسلماً أو ذمياً بغير حق، أو يشارك في قتله فيجب عليه كفارة القتل، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، للآية السابقة، وقد أجمع العلماء على أن القاتل خطئًا عليه كفارة، سواء كان المقتول ذكراً أو أنثى، صغيراً أو كبيراً (٢).
(٣) قوله «أَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ»: الذمي هو اليهودي أو النصراني ممن عقدت له الذمة، بأن يقيم في بلاد المسلمين مع دفع الجزية، فالإسلام مسيطر =
стр. 2367
أَوْ شَارَكَ فِيْهِ (١)،
ــ
= عليه وخاضع لأحكامه، فهذا متى قتله المسلم خطأً أو شبه عمدٍ فعليه الكفارة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١)، والميثاق: هو العهد، والذمِّي له ميثاق.
(١) قوله «أَوْ شَارَكَ فِيْهِ»: أي أو شارك في القتل فعليه الكفارة، وعليه وعلى شريكه دية واحدة، فالدية واحدة والكفارة متعددة.
مثال ذلك: أن يصطدم اثنان بسيارتيهما وكلاهما مخطئ، وهذا يحصل كثيراً ويموت رجل بينهما، فعليهما دية واحدة وكفارتان، ولو مات شخصان فعليهما ديتان وأربع كفارات، وهكذا، وهذا هو القول الأول في المسألة، وهو مذهب الجمهور من أهل العلم، لأن الكفارة لا تتبعض، وهي من موجَب قتل الآدمي، فكُملت في حق كل واحد من المشتركين، بخلاف الدية فإنها تتبعض.
والقول الثانِي: أن على الجميع كفارة واحدة، وهي رواية عن أحمد، حكاها أبو الخطاب (٢)، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣)، قالوا: لفظ ﴿وَمَنْ﴾ =
стр. 2368
أَوْ فِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ (١)، وَهِيَ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، تَوْبَةً مِنَ اللهِ (٢)،
ــ
=يتناول الواحد والجماعة، ولم يوجب إلا كفارة واحدة ودية، والدية لا تتعدد فكذلك الكفارة.
وهذا القول في الحقيقة بالنسبة للعتق قد يقال: إنه ممكن، بأن يشتركا في شراء رقبة وعتقها، ولكن بالنسبة للصيام فغير ممكن؛ لأنه إذا صام شهراً، والآخر شهراً، لم يكن كل واحد منهما صام شهرين كفارة القتل، ولا يصدق عليه أنه صام شهرين، وهي كفارة القتل. ولهذا فالأحوط في المسألة هو القول الأول، وهو أن على كل واحد كفارة مستقلة، سواء كانت عتقاً أو صياماً، وهذا هو اختيار شيخنا ﵀ (١).
(١) قوله «أَوْ فِيْ إِسْقَاطِ جَنِيْنٍ»: أي وتجب الكفارة كذلك بإسقاط المرأة، فإذا جُني على امرأة فألقت جنينها ميتاً أو حياً، ثم مات فعلى الجاني الكفارة، لأنه قتل نفساً محرمة، أشبه قتل الآدمي بالمباشرة.
(٢) قوله «وَهِيَ تَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، تَوْبَةً مِنَ اللهِ»: أي والواجب في هذه الكفارة عتق رقبة مؤمنة، فإن عجز فلم يجدها عدل إلى الصوم وهو صيام شهرين متتابعين ودليلها قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ=
стр. 2369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١).
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: هل تجب الكفارة في قتل العمد ؟
قولان للفقهاء: الأول: وجوب الكفارة في قتل العمد، لأنه إذا وجبت الكفارة في الخطأ ففي العمد من باب أولى؛ لأن العمد أشد إثماً، فإذا أوجب الله الكفارة في الخطأ، فهو إشارة وإيماءٌ إلى وجوب الكفارة في العمد.
الثاني: أنه لا كفارة في العمد، واستدلوا بأن الله تعالى شرط لوجوب الكفارة أن يكون خطأ فقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾، ثم أتى بعد ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، فلم يجعل له شيئاً يقيه من النار، ولأن العمد أعظم جرماً من أن تدخله الكفارة، وليس فيه إلا هذا الوعيد الشديد، وهذا القول هو الصواب.
- الفائدة الثانية: هل تجب الدية والكفارة على من قتل نفسه ؟
نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب الجمهور (٢)، وهو رواية عن أحمد (٣) أن من قتل نفسه خطأ =
стр. 2370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=لا تجب الدية بقتله ولا تحمل العاقلة ديته، لأن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ ولم يأمر النبي ﷺ فيه بكفارة، ولم يقض فيه بدية، ولو وجبت لبينه؛ ولأنه جنى على نفسه فلم يضمنه غيره كالعمد.
وقال الحنابلة في الأظهر من الروايتين (١): إن على عاقلته ديته لورثته إن قتل نفسه، أو أرش جرحه لنفسه إذا كان أكثر من الثلث، واستدلوا بأن رجلاً ساق حماراً فضربه بعصا كانت معه فطارت منها شظية ففقأت عينه فجعل عمر ﵁ ديته على عاقلته، ولم يعرف له مخالف في عصره».
وأما بالنسبة للكفارة فقد قال الشافعي (٢)، والحنابلة (٣): تجب فيه الكفارة.
وقال أبو حنيفة (٤) ومالك (٥): لا تجب؛ لأن الكفارة مشروطة بعدم القتل فإذا حصل القتل بطل الخطاب بها كما تسقط ديته عن العاقلة لورثته.
والأظهر عندي عدم وجوب الدية والكفارة على من قتل نفسه، وهذا هو قول الموفق (٦)، واختاره الشيخ السعدي (٧).=
стр. 2371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ويدل عليه حديث عامر بن الأكوع (١)، فلم يوجب النبي ﷺ الكفارة في ماله.
- الفائدة الثالثة: تجب الكفارة كما سبق في حوادث السيارات لكل آدميٍّ معصوم ركب باختياره وإذن السائق، ومات بالحادث إذا حصل بتعدٍّ أو بتفريط: والتعدي: فعل ما لا يسوغ، كأن يحمل عليها حملاً يكون سبباً للحادث، أو يسرع بها سرعة تكون سبباً له. والتفريط: ترك ما يجب، كأن يتهاون في تعبئة العجلات بالهواء، أو تبديل غير الصالح، أو يتهاون في شَدِّ مسترخٍ يحتاج إلى شَدٍّ ونحو ذلك.
فإن كان الحادث بتصرف من السائق يريد به السلامة من الخطر، كأن يقابله ما يخشى الضرر باصطدامه به، فينحرف ليتفادى الخطر، أو يكون الحادث بغير سبب منه، كأن ينفجر إطار السيارة، فلا كفارة عليه، لأنه في المسألة الأولى أمين قائم بما يجب عليه، وفي الثانية أمين لم يحصل منه تعدٍّ ولا تفريط، لأنه لم يكن منه تسبب في هذا الحادث.
فإن كانت الإصابة في غير الركاب، وإنما هي بسبب من المصاب نفسه، كأن تقابله سيارة في خط سيره لا يمكن الخلاص منها، فلا ضمان على سائق السيارة، لأن المصاب هو الذي تسبب في قتل نفسه أو إصابته، وعلى سائق السيارة المقابلة الضمان لتعديه. =
стр. 2372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فإن كانت الإصابة بسبب من المصيب، كأن يدهس شخصاً يسير أمامه في الطريق، أو يرجع إلى الوراء فيصيب شخصاً، فعليه كفارة القتل، والدية على العاقلة (١).
- الفائدة الرابعة: لا تسقط الكفارة بعفو الورثة عن الدية ، لأن الكفارة حق لله تعالى، والدية حق الآدمي، ولا دخل لهذه في تلك (٢).
- الفائدة الخامسة: اختلف الفقهاء فيمن لا يستطيع الصيام: هل يجب عليه إطعام ستين مسكيناً، كما في كفارة الظهار؟
فمنهم من قال: يجب عليه الإطعام، لأنها كفارة فيها عتق وصيام، فكان فيها إطعام، وإنما لم يذكرها هنا، لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام، لما فيه من التسهيل والترخيص، وهذا رواية عن أحمد، وقول للشافعي (٣).
والقول الثانِي: لا يعدل إلى الإطعام، لأنه لو كان واجباً لما أُخِّرَ بيانه عن وقت الحاجة، وهذا هو المذهب، والأظهر عند الشافعية (٤)، وعلى هذا فيثبت الصيام في ذمته، ولا يجب شيء آخر، لكن إذا كان الذي وجب عليه الصيام كبيراً فإنه يسقط عنه، ولا يجب عليه الإطعام، لأن الله تعالى لم يوجبه في حالة عدم استطاعة الصيام، وإن كان مريضاً مرضاً لا يرجى=
стр. 2373
سَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ (١)،
ــ
=برؤه فهو كالكبير، فإن كان ضعيفاً ضعفاً يمنعه من الصيام ولا يتضرر به فيبقى الصيام في ذمته، فمتى قدر عليه فعله، لأنه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
- الفائدة السادسة: القتل بحق لا كفارة فيه: كقتل الباغي أو قتله دفعاً عن نفسه، أو قتله حداً أو قصاصاً، وغير ذلك، لأن هذا قتل مأذون فيه لم تجب فيه الكفارة.
(١) قوله «سَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ»: أي تجب الكفارة على الجاني سواءً كان بالغاً عاقلاً أو غير بالغ أو غير عاقل، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١)، فقوله «ومن» اسم شرط، وأسماء الشرط للعموم، فيشمل كل قاتل، حتى الصغير، والمجنون، والحر، والعبد، والذكر، والأنثى.
وأيضاً فإن الله أوجب الكفارة في الخطأ فدل ذلك على عدم اشتراط القصد، وإنما يشترط التكليف في العبادات من أجل القصد الصحيح، والصغير والمجنون لا قصد لهما فلا تجب عليهما العبادات، ووجوب الكفارة في القتل ليس من شرطها القصد بدليل وجوبها على المخطئ.
وذهب جماعة من العلماء: إلى أنه لا كفارة على الصغير والمجنون، قالوا: لأن الكفارة حق لله، وليست حقاً مالياً محضاً؛ لقول النبي ﷺ : =
стр. 2374
حُرًّا أَوْ عَبْدًا (١). فَلَوْ تَصَادَمَ نَفْسَانِ فَمَاتَا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ (٢)،
ــ
= «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ» (١)، ومنهم الصغير والمجنون، فلا تلزمهما الكفارة؛ لأنهما ليسا من أهل التكليف، وهذا هو الأقرب إلى الصواب.
- فائدة: هل النائم مثل الصغير والمجنون ؟ بمعنى أنه لو نامت امرأة على طفلها، ولم تشعر به فمات، فهل عليها كفارة؟
نعم؛ عليها الكفارة، فهي وإن كانت مرفوعاً عنها القلم، لأنها من أهل التكليف، والنوم مانع، وليس فوات شرط، بخلاف الصغير والمجنون فإن الصفة فيهما فوات شرط، وأما الصفة في النائمة فهي وجود مانع، وإلا فهي من أهل التكليف.
(١) قوله «حُرًّا أَوْ عَبْدًا»: أي وتجب الكفارة على الجاني سواءً كان حراً أو عبداً في قول أكثر أهل لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾، ولأنه يجب بقتله القصاص في الجملة فوجب بقتله الكفارة كالحر، ولأنه مؤمن أشبه الحر.
(٢) قوله «فَلَوْ تَصَادَمَ نَفْسَانِ فَمَاتَا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ»: أي إذا ارتطم رجلان، وكان كل واحد منهما مخطئاً، فماتا جميعاً فعلى كل واحد منهما الكفارة لأن كل واحد منهما قتل صاحبه بصدمته له فوجبت عليه كفارة كما لو لكمه فقتله.
стр. 2375
وَدِيَةُ صَاحِبِهِ عَلى عَاقِلَتِهِ (١)، وَإِنْ كَانَا فَارِسَيْنِ، فَمَاتَ فَرَسَاهُمَا فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَمَانُ فَرَسِ الآخَرِ (٢)، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَاقِفًا وَالآخَرُ سَائِرًا، فَعَلى السَّائِرِ ضَمَانُ دَابَّةِ الوَاقِفِ، وَعَلى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَدِيَةُ صَاحِبِهِ عَلى عَاقِلَتِهِ»: أي وعلى عاقلة كل واحد منهما دية صاحبه لأن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه.
(٢) قوله «وَإِنْ كَانَا فَارِسَيْنِ، فَمَاتَ فَرَسَاهُمَا فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَمَانُ فَرَسِ الآخَرِ»: أي وإن كان المتصادمان فارسين فاصطدما جميعاً فمات فرسهما فعلى كل واحد منهما ضمان فرس صاحبه لأن التلف حصل بفعليهما فيستويان في الضمان سواء استوى فعلاهما أو اختلف.
وقال بعض الفقهاء: يجب على كل واحد منهما نصف قيمة دابة الآخر لأنهما استويا في الاصطدام فكل منهما مات في الفعلين فوجب على كل واحد نصف قيمة دابة الآخر كما لو جرح كل واحد منهما نفسه وجرح صاحبه.
والصواب: أن يقال أنه يجب على المتصادمين أو على عاقلتهما من الدية والضمان بقدر خطأ كل منهما، لأن الإنسان لا يلزمه إلا بقدر ما أخطأْ فيه، ولا يكلف شيئاً من جناية غيره.
(٣) قوله «وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَاقِفًا وَالآخَرُ سَائِرًا، فَعَلى السَّائِرِ ضَمَانُ دَابَّةِ الوَاقِفِ، وَعَلى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ»: أي وإن كان أحد المصطدمين واقفاً أو قاعداً والآخر سائراً فضمان دابة الواقف أو القاعد على السائر لأنه الصادم المتلف، وديتهما أي الواقف والقاعد على عاقلته أي السائر لحصول التلف بصدمه. وإن انحرف الواقف فصادفت الصدمة انحرافهما كالسائرين =
стр. 2376
إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ الوَاقِفُ مُتَعَدِّياًّ بِوُقُوْفِهِ، كَالقَاعِدِ فِيْ طَرِيْقٍ ضَيِّقٍ، أَوْ مِلْكِ السَّائِرِ (١)، عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَضَمَانُ السَّائِرِ وَدَابَّتِهِ، وَلا شَيْءَ عَلى السَّائِرِ وَلا عَلى عَاقِلَتِهِ (٢). وَإِذَا رَمَى ثَلاثَةٌ بِالْمَنْجَنِيْقِ، فَقَتَلَ الحَجَرُ مَعْصُوْمًا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ (٣)،
ــ
= «كما لو كانا» أي الواقف والقاعد «بطريق ضيق مملوك لهما» وصدمهما السائر فيضمنهما وما يتلف من مالهما لتعديه بسلوكه في ملك غيره بلا إذنه و «لا» يضمنهما ولا ما تلف لهما السائر.
(١) قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ الوَاقِفُ مُتَعَدِّياًّ بِوُقُوْفِهِ، كَالقَاعِدِ فِيْ طَرِيْقٍ ضَيِّقٍ، أَوْ مِلْكِ السَّائِرِ»: أي فإن كان الواقف متعدياً بوقوفه كالقاعد بطريق ضيق أو واقفاً في ملك السائر وصدمه السائر فلا يضمنه السائر؛ لتعديه بالوقوف في الطريق الضيق أو بتعديه بالوقوف في ملك غيره.
(٢) قوله «عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَضَمَانُ السَّائِرِ وَدَابَّتِهِ، وَلا شَيْءَ عَلى السَّائِرِ وَلا عَلى عَاقِلَتِهِ»: أي فإن كان المصاب بالاصطدام هو السائر فيجب على المتعدي بالوقوف أو القعود ضمان ما أتلفه في السائر ودابته، ولا شيء على السائر ولا على عاقلته، لأن السائر لم يتعد، وإنما المتعدي هو الواقف.
(٣) قوله «وَإِذَا رَمَى ثَلاثَةٌ بِالْمَنْجَنِيْقِ، فَقَتَلَ الحَجَرُ مَعْصُوْمًا، فَعَلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ»: المنجنيق بمنزلة المدفع الآن، وقد كانوا في الأول يضعون المنجنيق بين خشبتين وعليهما خشبة معترضة، وفيها حبال قوية، ثم يُجعل الحجر بحجم الرأس أو نحوه في شيء مقبب، ثم يأتي رجال أقوياء يشدونه ثم يطلقونه، وإذا انطلق الحجر انطلق بعيداً، =
стр. 2377
وَعَلى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ (١)، وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ فَكَذلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَسْقُطُ ثُلُثُ دِيَتِهِ فِيْ مُقَابَلَةِ فِعْلِهِ (٢)،
ــ
=فكانوا يستعملونه في الحروب، فإذا اشترك ثلاثة برمي هذا الحجر فأصاب معصوماً، فقد وجب على كل واحد من هؤلاء الثلاثة الكفارة لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ , ولأن كل واحد منهم مشارك في إتلاف آدمي معصوم
(١) قوله «وَعَلى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ»: أي وعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث الدية، لأنه ليس لكل قتيل سوى دية واحدة فيشتركون فيها جميعاً يكون على عاقلة كل واحد منهم ثلثها.
(٢) قوله «وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ فَكَذلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَسْقُطُ ثُلُثُ دِيَتِهِ فِيْ مُقَابَلَةِ فِعْلِهِ»: أي إذا اشترك ثلاثة في الرمي، فأصيب أحد هؤلاء الثلاث أثناء الرمي فَقُتِل فإنه لم تسقط الكفارة عنه، لأنه شارك في قتل نفسه والكفارة تجب بحق الله تعالى فوجبت عليه بالمشاركة في قتل نفسه كما تجب بالمشاركة في قتل غيره.
وأما الدية ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن على عاقلة كل واحد منهم ثلث الدية، ويجب ثلثها على عاقلة المقتول لورثته، وهذا ينبني على إحدى الروايتين في أن جناية المرء على نفسه خطأ تحملها عاقلته.
الوجه الثاني: أن ما قابل فعل المقتول هدر لا تضمنه العاقلة ولا غيرها ويجب الثلثان الباقيان على عاقلة شريكيه وهذا ينبني على الرواية =
стр. 2378
وَإِنْ كَانُوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةٍ، سَقَطَتْ حِصَّةُ القَتِيْلِ وَبَاقِيْ الدِّيَةِ فِيْ أَمْوَالِ البَاقِيْنَ (١).
ــ
=الأخرى في أن جناية الإنسان على نفسه هدر.
الوجه الثالث: أن يلغى فعل المقتول في نفسه وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين.
والأظهر عندي كما سبق عدم وجوب الكفارة على من قتل نفسه، ويدل عليه حديث عامر بن الأكوع، فلم يوجب النبي ﷺ الكفارة في ماله (١).
(١) قوله «وَإِنْ كَانُوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةٍ، سَقَطَتْ حِصَّةُ القَتِيْلِ وَبَاقِيْ الدِّيَةِ فِيْ أَمْوَالِ البَاقِيْنَ»: أي فإن كان المشاركون في القتل عن طريق الرمي بالمنجنيق أكثر من ثلاثة والمقتول واحد منهم، سقطت حصة القتيل، وباقي الدية في أموال الباقين من الرماة ولا يتحمل العاقلة شيء من الدية لأنها أقل من الثلث وما كان أقل من الثلث في الدية فلا تحمله العاقلة لأنه قليل وقد سبق بيان ذلك.
стр. 2379
بابُ القَسَامَةِ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ القَسَامَةِ»: القَسَامَةُ، بالفتح: اسم القسم أقيم مقام المصدر من قولهم: أقسم إقساماً، وقسامة، والقسامة: هي اليمين، سميت بذلك، لأنها تقسم اليمين على أولياء الدم، يقال: قُتل فلان بالقسامة: إذا اجتمع الأولياء وادعوا على رجل أنه قتل صاحبهم، وحلفوا خمسين يميناً.
وشرعاً: أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم.
فقولنا: «أيمان مكررة»: أي لابد أن تتكرر اليمين في القسامة بخلاف سائر الدعاوى، وذلك لعظم شأن الدماء.
وقولنا: «في قتل»: يفيد أنه لا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجراح، لأن القسامة ثبتت في النفس لحرمتها، فاختصت بها دون الأطراف، ولأنها ثبتت لأن المجني عليه لا يمكنه التعبير عن نفسه وتعيين قاتله، ومن قطع طرفه يمكنه ذلك.
وقولنا: «معصوم»: يخرج به غير معصوم الدم كالمرتد، وهذا يدل على أنه لا أيمان ولا دعوى أصلاً في قتيل غير معصوم.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القسامة مشروعة: وأنه يثبت بها القصاص أو الدية إذا لم تقترن الدعوى ببينة أو إقرار، ووجد اللوث، واستدلوا على مشروعيتها بحديث سهل بن أبي حَثْمَةَ ﵁ قال: انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بنُ مَسْعُودِ، إِلَى خَيبَرَ - وَهِيَ يَومَئِذٍ=
стр. 2380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=صُلحٌ - فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلاً فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَبِّرْ كَبِّر» - وَهُوَ أَحْدَثُ القَومِ - فَسَكَتَ -، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَو صَاحِبَكُمْ؟ » قَالُوا: كَيفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ، قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنهم» فَقَالُوا: كَيفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَومٍ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ»، وفي رواية فقال رسول الله ﷺ : «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ؟ » قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَومٌ كُفَّارٌ؟ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ»، وفي رواية أخرى: «فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ» (١).
وذهب بعض أهل العلم (٢)، إلى عدم الأخذ بالقسامة، وعدم وجوب العمل بها؛ لأنها مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها.
ومن هذه الأصول: أن لا يحلف أحد إلا على ما علم قطعاً أو شاهد حسًّا، وإذا كان كذلك فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القاتل، بل قد يكونون في بلد والقاتل في بلد آخر، واستدلوا على =
стр. 2381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ذلك بحديث: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (١).
والراجح: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار من أن القسامة مشروعة، ويثبت بها القصاص أو الدية لما ذكرناه من هذه الأدلة السابقة.
- الفائدة الثانية: الحكمة في مشروعية القسامة:
قال الفقهاء: شرعت القسامة لصيانة الدماء وعدم إهدارها، حتى لا يهدر دم في الإسلام، وكي لا يفلت مجرم من العقاب.
قال علي لعمر ﵄ فيمن مات من زحام يوم الجمعة، أو في الطواف: «يا أمير المؤمنين لا يطل دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعطه ديته من بيت المال» (٢).
فالشريعة الإسلامية تحرص أشد الحرص على حفظ الدماء وصيانتها وعدم إهدارها، ولما كان القتل يكثر بينما تقل الشهادة عليه؛ لأن القاتل يتحرى بالقتل مواضع الخلوات، جعلت القسامة حفظا للدماء (٣).
стр. 2382
رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِيْ حَثْمَةَ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيْجٍ: أَنَّ مُحَيِّصَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قَبْلَ خَيْبَرَ فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتُّهِمَ اليَهُوْدُ بِهِ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «يُقْسِمُ خَمْسُوْنَ مِنْكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» فَقَالُوْا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، فَكَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: «فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُوْدٌ بِأَيْمَانِ خَمْسِيْنَ مِنْهُمْ» قَالُوْا: قُوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَدَاهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ» (١):
ــ
- الفائدة الثالثة: صفة القسامة: هي أن يدعي قومٌ أن مورِّثَهم قتله فلان، ويحلفون على أنه هو القاتل، ويكررون الأيمان، فإذا فعلوا ذلك وتمت شروط القسامة أُعطي المدَّعَى عليه لهؤلاء يقتلونه، فليس فيها بيِّنة، وإنما فيها هذه الأيمان فقط.
مثال ذلك: ادعى ورثة زيد على شخص بأنه هو الذي قتل مورثهم، فقال الشخص: لم أقتله، وقالوا: بل أنت القاتل، ثم تحاكموا إلى القاضي، فقال لهم: أتحلفون على هذا أنّه قتل مُورِّثكم؟ قالوا: نعم، نحلف، فإذا حلفوا خمسين يميناً على هذا الرجل أنه قاتل مورثهم، أُخذ وقتل.
(١) قوله «رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِيْ حَثْمَةَ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيْجٍ: أَنَّ مُحَيِّصَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قَبْلَ خَيْبَرَ فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتُّهِمَ اليَهُوْدُ بِهِ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «يُقْسِمُ خَمْسُوْنَ مِنْكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» فَقَالُوْا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، فَكَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: «فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُوْدٌ بِأَيْمَانِ خَمْسِيْنَ مِنْهُمْ» قَالُوْا: قُوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَدَاهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ» (١): هذا الحديث بجميع طرقه التي سبق بيانها هو العمدة في باب القسامة ولأهميته نتعرف على بعض الأحكام المتعلقة به. =
стр. 2383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ١ - هذا الحديث أًصل في مسألة القسامة كما سبق.
٢ - أنه لابد في صحة دعوى المدَّعِي من قرينة العداوة بين المقتول والمدعى عليه، وهو ما يسمى «باللوث»، فإن لم يكن ثَمَّ عداوة، فلا قسامة، وسيأتي في ثنايا الشرح مزيد إيضاح لهذه المسألة مع ذكر الخلاف فيها وبيان الراجح من الأقوال.
٣ - دعوى القسامة خالفت سائر الدعاوى بأمور:
الأول: أن اليمين توجهت على المدعي، وبقية الدعاوى، البينة على المدَّعي واليمين على المدعى عليه المنكر.
الثاني: أنه يبدأ بأيمان المدعي أو المدعين، إن كانوا أكثر.
الثالث: تكرير اليمين، وفي سائر الدعاوى يمين واحدة.
٤ - إذا وجد القتيل المجهول القاتل، ووجدت القرائن على قاتله، حلف أولياء المقتول خمسين يميناً على صحة دعواهم، فيستحقون دم المدعى عليه إذا كان القتل عمداً محضاً، وإن كان القتل غير عمد وثبت القود على المتهم فعليه الدية.
٥ - إذا نكل المدعون عن الدعوى، أو كانوا من غير أهل الأيمان «النساء والصبيان» توجهت الأيمان على المتهمين في القتل فيحلفون خمسين يمينا، أنهم لم يقتلوه، وأنهم لا يعلمون قاتله فإذا حلفوا برئوا، وإن نكلوا، أُدِينُوا بصدق الدعوى عليهم.
٦ - إذا نكل أولياء المقتول عن الأيمان، وحلف المدعى عليهم فحينئذ=
стр. 2384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=تكون دية القتيل من بيت المال، حتى لا يضيع دمه. ومثله المقتول في زحام حج، أو مسجد، أو حفل، أو وجد مقتولاً ولا يعلم قاتله، ولا تدل القرائن على قاتل. كل هؤلاء ونحوهم تكون دياتهم من خزينة الدولة.
٧ - أن اليمين تكون في جانب الأقوى من المتخاصمين.
ففي «دعوى القسامة» توجهت الأيمان على أولياء المقتول أولاً، لأن جانبهم تقوى بالقرائن الدالة على صحة دعواهم في قتل صاحبهم. والقرائن إذا قويت، فإنها من البينات الواضحة.
فإن نكلوا عن الأيمان، دل نكولهم على قوة جانب المدعى عليهم فيحلفون ويبرأون من التهمة.
٨ - استحباب تقديم الأكبر سنا في الأمور، لما له من شرف السن، وكثرة العبادة، وممارسة الأمور، وكثرة الخبرة
٩ - قوله: «فوداه بمائة من إبل الصدقة»: استدل به من يقول بجواز صرف الزكاة في المصالح العامة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيل الله﴾، فسبيل الله، كل مصلحة عامة، فيها نفع للمسلمين. وقد ذكرنا الخلاف في هذه المسألة مع بيان الراجح فيها في كتاب الزكاة.
١٠ - جواز الوكالة في المطالبة بالحدود.
١١ - وفيه دليل على رد اليمين على المدَّعِي من المدَّعَى عليه، أو عند نكول المدعي عليه.
١٢ - وعلى أن الدعوى بين المسلم والذمي، كالدعوى بين المسلمين، وأن الأيمان تُقَبل من الكفار.
стр. 2385
فَمَتىَ وُجِدَ قَتِيْلٌ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلى رَجُلٍ قَتْلَهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَلَوْثٌ، كَمَا كَانَ بَيْنَ الأَنْصَارِ، وَأَهْلِ خَيْبَرَ، أَقْسَمَ الأَوْلِيَاءُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَاسْتَحَقُّوْا دَمَهُ (١)،
ــ
(١) قوله «فَمَتىَ وُجِدَ قَتِيْلٌ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلى رَجُلٍ قَتْلَهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَلَوْثٌ، كَمَا كَانَ بَيْنَ الأَنْصَارِ، وَأَهْلِ خَيْبَرَ، أَقْسَمَ الأَوْلِيَاءُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَاسْتَحَقُّوْا دَمَهُ»: هذه هي الشروط المعتبرة في القسامة .
فالشرط الأول: هو اتفاق أولياء المقتول في الدعوى ، فإن ادعى بعضهم وأنكر بعض لم تثبت القسامة، لأنه دعوى قتل، فاشترط اتفاق جميع الأولياء، كالقصاص في غير القسامة، كما لو قال القتيل قبل موته: قتلني فلان عمداً، وقالوا: بل قتله خطأ أو العكس، فإنه لا قسامة لهم وبطل حقهم، وليس لهم أن يرجعوا إلى قول الميت بعد ذلك، ولا يجابون لذلك، لأنهم كذبوا أنفسهم.
الشرط الثاني: أن يكون هناك لوث: واللوث هو الجراحات والمطالبات بالأحقاد، وهو في الاصطلاح: أمر ينشأ عنه غلبة الظن بصدق المدعي.
واختلفت الرواية في المذهب (١) في اللوث المشترط في القسامة.
فالرواية الأولى: وهي المذهب أن اللوث هو العداوة الظاهرة كنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضاً بثأر، وما بين الشرط واللصوص، وكل من بينه وبين المقتول ضغن=