. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ذلك بحديث: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (١).
والراجح: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار من أن القسامة مشروعة، ويثبت بها القصاص أو الدية لما ذكرناه من هذه الأدلة السابقة.
- الفائدة الثانية: الحكمة في مشروعية القسامة:
قال الفقهاء: شرعت القسامة لصيانة الدماء وعدم إهدارها، حتى لا يهدر دم في الإسلام، وكي لا يفلت مجرم من العقاب.
قال علي لعمر ﵄ فيمن مات من زحام يوم الجمعة، أو في الطواف: «يا أمير المؤمنين لا يطل دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعطه ديته من بيت المال» (٢).
فالشريعة الإسلامية تحرص أشد الحرص على حفظ الدماء وصيانتها وعدم إهدارها، ولما كان القتل يكثر بينما تقل الشهادة عليه؛ لأن القاتل يتحرى بالقتل مواضع الخلوات، جعلت القسامة حفظا للدماء (٣).
стр. 2382
رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِيْ حَثْمَةَ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيْجٍ: أَنَّ مُحَيِّصَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قَبْلَ خَيْبَرَ فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتُّهِمَ اليَهُوْدُ بِهِ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «يُقْسِمُ خَمْسُوْنَ مِنْكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» فَقَالُوْا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، فَكَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: «فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُوْدٌ بِأَيْمَانِ خَمْسِيْنَ مِنْهُمْ» قَالُوْا: قُوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَدَاهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ» (١):
ــ
- الفائدة الثالثة: صفة القسامة: هي أن يدعي قومٌ أن مورِّثَهم قتله فلان، ويحلفون على أنه هو القاتل، ويكررون الأيمان، فإذا فعلوا ذلك وتمت شروط القسامة أُعطي المدَّعَى عليه لهؤلاء يقتلونه، فليس فيها بيِّنة، وإنما فيها هذه الأيمان فقط.
مثال ذلك: ادعى ورثة زيد على شخص بأنه هو الذي قتل مورثهم، فقال الشخص: لم أقتله، وقالوا: بل أنت القاتل، ثم تحاكموا إلى القاضي، فقال لهم: أتحلفون على هذا أنّه قتل مُورِّثكم؟ قالوا: نعم، نحلف، فإذا حلفوا خمسين يميناً على هذا الرجل أنه قاتل مورثهم، أُخذ وقتل.
(١) قوله «رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِيْ حَثْمَةَ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيْجٍ: أَنَّ مُحَيِّصَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا قَبْلَ خَيْبَرَ فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتُّهِمَ اليَهُوْدُ بِهِ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «يُقْسِمُ خَمْسُوْنَ مِنْكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» فَقَالُوْا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، فَكَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: «فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُوْدٌ بِأَيْمَانِ خَمْسِيْنَ مِنْهُمْ» قَالُوْا: قُوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَدَاهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ» (١): هذا الحديث بجميع طرقه التي سبق بيانها هو العمدة في باب القسامة ولأهميته نتعرف على بعض الأحكام المتعلقة به. =
стр. 2383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ١ - هذا الحديث أًصل في مسألة القسامة كما سبق.
٢ - أنه لابد في صحة دعوى المدَّعِي من قرينة العداوة بين المقتول والمدعى عليه، وهو ما يسمى «باللوث»، فإن لم يكن ثَمَّ عداوة، فلا قسامة، وسيأتي في ثنايا الشرح مزيد إيضاح لهذه المسألة مع ذكر الخلاف فيها وبيان الراجح من الأقوال.
٣ - دعوى القسامة خالفت سائر الدعاوى بأمور:
الأول: أن اليمين توجهت على المدعي، وبقية الدعاوى، البينة على المدَّعي واليمين على المدعى عليه المنكر.
الثاني: أنه يبدأ بأيمان المدعي أو المدعين، إن كانوا أكثر.
الثالث: تكرير اليمين، وفي سائر الدعاوى يمين واحدة.
٤ - إذا وجد القتيل المجهول القاتل، ووجدت القرائن على قاتله، حلف أولياء المقتول خمسين يميناً على صحة دعواهم، فيستحقون دم المدعى عليه إذا كان القتل عمداً محضاً، وإن كان القتل غير عمد وثبت القود على المتهم فعليه الدية.
٥ - إذا نكل المدعون عن الدعوى، أو كانوا من غير أهل الأيمان «النساء والصبيان» توجهت الأيمان على المتهمين في القتل فيحلفون خمسين يمينا، أنهم لم يقتلوه، وأنهم لا يعلمون قاتله فإذا حلفوا برئوا، وإن نكلوا، أُدِينُوا بصدق الدعوى عليهم.
٦ - إذا نكل أولياء المقتول عن الأيمان، وحلف المدعى عليهم فحينئذ=
стр. 2384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=تكون دية القتيل من بيت المال، حتى لا يضيع دمه. ومثله المقتول في زحام حج، أو مسجد، أو حفل، أو وجد مقتولاً ولا يعلم قاتله، ولا تدل القرائن على قاتل. كل هؤلاء ونحوهم تكون دياتهم من خزينة الدولة.
٧ - أن اليمين تكون في جانب الأقوى من المتخاصمين.
ففي «دعوى القسامة» توجهت الأيمان على أولياء المقتول أولاً، لأن جانبهم تقوى بالقرائن الدالة على صحة دعواهم في قتل صاحبهم. والقرائن إذا قويت، فإنها من البينات الواضحة.
فإن نكلوا عن الأيمان، دل نكولهم على قوة جانب المدعى عليهم فيحلفون ويبرأون من التهمة.
٨ - استحباب تقديم الأكبر سنا في الأمور، لما له من شرف السن، وكثرة العبادة، وممارسة الأمور، وكثرة الخبرة
٩ - قوله: «فوداه بمائة من إبل الصدقة»: استدل به من يقول بجواز صرف الزكاة في المصالح العامة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيل الله﴾، فسبيل الله، كل مصلحة عامة، فيها نفع للمسلمين. وقد ذكرنا الخلاف في هذه المسألة مع بيان الراجح فيها في كتاب الزكاة.
١٠ - جواز الوكالة في المطالبة بالحدود.
١١ - وفيه دليل على رد اليمين على المدَّعِي من المدَّعَى عليه، أو عند نكول المدعي عليه.
١٢ - وعلى أن الدعوى بين المسلم والذمي، كالدعوى بين المسلمين، وأن الأيمان تُقَبل من الكفار.
стр. 2385
فَمَتىَ وُجِدَ قَتِيْلٌ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلى رَجُلٍ قَتْلَهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَلَوْثٌ، كَمَا كَانَ بَيْنَ الأَنْصَارِ، وَأَهْلِ خَيْبَرَ، أَقْسَمَ الأَوْلِيَاءُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَاسْتَحَقُّوْا دَمَهُ (١)،
ــ
(١) قوله «فَمَتىَ وُجِدَ قَتِيْلٌ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلى رَجُلٍ قَتْلَهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَلَوْثٌ، كَمَا كَانَ بَيْنَ الأَنْصَارِ، وَأَهْلِ خَيْبَرَ، أَقْسَمَ الأَوْلِيَاءُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَاسْتَحَقُّوْا دَمَهُ»: هذه هي الشروط المعتبرة في القسامة .
فالشرط الأول: هو اتفاق أولياء المقتول في الدعوى ، فإن ادعى بعضهم وأنكر بعض لم تثبت القسامة، لأنه دعوى قتل، فاشترط اتفاق جميع الأولياء، كالقصاص في غير القسامة، كما لو قال القتيل قبل موته: قتلني فلان عمداً، وقالوا: بل قتله خطأ أو العكس، فإنه لا قسامة لهم وبطل حقهم، وليس لهم أن يرجعوا إلى قول الميت بعد ذلك، ولا يجابون لذلك، لأنهم كذبوا أنفسهم.
الشرط الثاني: أن يكون هناك لوث: واللوث هو الجراحات والمطالبات بالأحقاد، وهو في الاصطلاح: أمر ينشأ عنه غلبة الظن بصدق المدعي.
واختلفت الرواية في المذهب (١) في اللوث المشترط في القسامة.
فالرواية الأولى: وهي المذهب أن اللوث هو العداوة الظاهرة كنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضاً بثأر، وما بين الشرط واللصوص، وكل من بينه وبين المقتول ضغن=
стр. 2386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= يغلب على الظن قتله.
والرواية الثانية: أن اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي وذلك من وجوه.
أحدها: العداوة المذكورة.
الثاني: أن يتفرق جماعة عن قتيل.
الثالث: أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بالدم، ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنه قتله.
الرابع: أن يقتتل فئتان فيفترقون عن قتيل من إحداهما فاللوث على الأخرى.
الخامس: أن يشهد جماعة بالقتل ممن لا يثبت القتل بشهادتهم.
واختار هذه الرواية شيخ الإسلام ابن تيمية، قال صاحب الإنصاف: «وهو الصواب» (١)، ووجه تفسير اللوث بذلك لأن غلبة الظن مُنَزَّلةٌ مَنْزِلة العلم في كثير من المواضع، فلأن تُنَزَّلَ منْزلة العداوة الظاهرة بطريق الأولى، قال الحافظ ابن حجر: «اتفقوا على أنها لا تجب القسامة لمجرد دعوى الأولياء حتى تقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها» (٢).
وقوله: «أَقْسَمَ الأَوْلِيَاءُ عَلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَاسْتَحَقُّوْا دَمَهُ» هذه كيفية القسامة وهي: أن يحلف المدعي على تعيين القاتل خمسين=
стр. 2387
فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوْا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَبَرِئَ (١)،
ــ
= يميناً، تعظيماً لشأن الدم، فإذا حلف، استحق دم الذي يزعم أنه القاتل، إن كان القتل عمداً، أو استحق الدية إن كان خطأ.
(١) قوله «فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوْا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، وَبَرِئَ»: أي فإن امتنع الورثة من الحلف خمسين يميناً، وقالوا: لا نحلف على شيء لم نره، أو عن بعضها، أو كان الورثة نساء، لأن النساء لا مدخل لهن في القسامة، لقوله ﷺ : «يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلاً» حلف المدعى عليه خمسين يميناً، وبرئ من التهمة، لقوله ﷺ : «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِيناً» (١). أي: يخلصونكم من الأيمان، بأن يحلفوا خمسين يميناً، فإذا حلفوا انتهت الخصومة، ولم يثبت عليهم شيء، وخلصتم أنتم من اليمين.
وظاهر كلام المؤلف ﵀: «حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا» أنه يُبدأ بأيمان المدعين، وأنه إن كان الوارث واحداً حلف خمسين يميناً، لأن أيمان القسامة أيمان في دعوى، فلم تشرع في حق غير الوارث، كسائر الأيمان، ولأن الوارث الواحد قائم مقام الجماعة في استحقاق الدية، فكذلك يجب أن يقوم مقامهم في الأيمان، وهذا هو المذهب.
والقول الثانِي: أنه لابد من خمسين رجلاً، سواء كانوا وارثين أم لا، على كل واحد منهم يمين، لقوله ﷺ للأنصار: «يَحلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ» ولم يقل: تحلفون خمسين يميناً، مع علمه ﷺ أنه لم يكن لعبد الله بن سهل ﵁ منهم خمسون رجلاً وارثاً، لأنه لا يرثه إلا أخوه أو مَن هو في درجته=
стр. 2388
فَإِنْ نَكَلُوْا فَعَلَيْهِمُ الدِّيَةُ (١)،
ــ
= أو أقرب منه نسباً، ولأنه خاطب بذلك ابني عمه، وهما غير وارثين، ولأن هذا أحوط وأبلغ، لأن هؤلاء الجماعة، أو القبيلة إذا علموا أنه لا بد أن يحلف خمسون منهم، قد ينصح بعضهم بعضاً، ويقول: اتق الله ولا تؤثمنا مثلاً، وحينئذٍ يكون فيه فائدة ومصلحة.
وهذا القول الأقرب إلى ظاهر الأدلة، أنه لا بد من حَلِف خمسين رجلاً.
(١) قوله «فَإِنْ نَكَلُوْا فَعَلَيْهِمُ الدِّيَةُ»: أي إذا قال الورثة لا نحلف على شيء لم نره، فتوجه اليمين إلى المدّعى عليه، فأبوأْ أن يحلفوا لزمتهم الدية، لأنه حكم ثبت بالنكول فيثبت في حقهم ها هنا بالنكول كسائر الدعاوى ولا يثبت القود لأن القود لا يثبت في النكول وإنما يثبت الدية.
وفي رواية أخرى: أنهم يحبسون حتى يحلفوا أو يقروا، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وأحد الروايتين في مذهب أحمد (٤).
قلت: والصواب عندي أنهم لا يحبسون لأنها يمين مشروعة في حق المدعى عليه فلم يحبس عليها كسائر الأيمان ولا يجب القصاص؛ لأن النكول حجة ضعيفة فلا يتغلظ بها الدم كالشاهد واليمين، ويديه الإمام من بيت المال لأنه مال وجب لامتناع الأيمان في القسامة فكانت الدية في=
стр. 2389
فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعُوْنَ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِيْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَدَاهُ الإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (١)، وَلا يُقْسِمُوْنَ عَلى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (٢)، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِيْنًا وَاحِدَةً، وَبَرِئَ (٣)،
ــ
=بيت المال كما لو امتنع المدعون منها ودليل ذلك حديث: «فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ» (١).
(١) قوله «فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعُوْنَ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِيْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَدَاهُ الإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ»: أي فإن نكل المدعى عليه وأبى أن يحلف، أو لم يرض المدعون يمينه ودي القتيل من بيت المال، لأن أولياء عبد الله بن سهل ﵁ لم يحلفوا ولم يرضوا بأيمان اليهود، وقالوا: كيف بأيمان قوم كفار؟ أي: وهم يقدمون على الكذب والأيمان الفاجرة، وقوله في الحديث: «فَوَدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ» يدل على أن دية القتيل في بيت المال، وهذا لا يعارض قوله: «فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ من عِندِهِ» لأن معناها: تحت أمره وحكمه.
(٢) قوله «وَلا يُقْسِمُوْنَ عَلى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ»: أي ولا يقسم أولياء المقتول على أكثر من واحد يتهمونه بقتل مورثهم
(٣) قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِيْنًا وَاحِدَةً، وَبَرِئَ»: أي فإن لم يكن بين المدعين والمدعى عليهم عداوة ولا لوث، حلف المدعى عليه يميناً واحداً وبرئ لقوله ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (٢).
стр. 2390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن الشروط الأُخرى التي لابد منها في القسامة:
١ - أن يكون المتهم بالقتل مكلفاً حتى تصح الدعوى بالقسامة حيث لا قسامة على الصبي والمجنون، هذا عند الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
أما غيرهم فعلى عدم اشتراطه، وأن المكلف وغيره سواء في القسامة.
٢ - أن يكون المدعي مكلفاً ، فلا تسمع دعوى صبي ولا مجنون، بل يدعي لهما الولي أو يوقف إلى كمالهما، ولو كان صبياً أو مجنوناً وقت القتل كاملاً مكلفاً عند الدعوى سمعت؛ لأنه قد يعلم الحال بالتسامع، وله أن يحلف إذا عرف ما يحلف عليه بإقرار الجاني، أو بسماع ممن يثق به.
٣ - أن يكون أولياء القتيل ذكوراً مكلفين: فيشترط فيمن يحلف الأيمان أن يكون ذكرا مكلفاً، وأما النساء فلا يحلفن في العمد، وأما إن كانت الدعوى بالقتل خطأ، فإن الذي يحلف أيمان القسامة هو من يرث المقتول ذكوراً كانوا أو إناثاً.
ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «يُقْسِمُ خَمْسُوْنَ مِنْكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ» (٣)، ولأنها حجة يثبت بها قتل العمد، فلا تسمع من النساء كالشهادة؛ ولأن الجناية المدعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل، ولا مدخل للنساء في إثباته.
стр. 2391
كِتابُ الحُدُوْدِ (١)
ــ
(١) قوله «كِتابُ الحُدُوْدِ»: الحدود: جمع حد، وهو في الأصل المنع، ويطلق على معانٍ كثيرة، ففي كتاب الله تطلق الحدود على المحرمات، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ (١)، وتطلق على الواجبات، وما حدَّده الشرع وقدَّره، كالمواريث، والزواج من الأربع ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وتطلق على العقوبات المقدَّرة، لكونها تمنع عن المعاودة، ولأنها مقدَّرة من الشارع.
والحد شرعاً: عقوبة بدنية مقدَّرة شرعاً لحق الله تعالى.
فقولنا: عقوبة بدنية: قيد أول يخرج العقوبة المالية، مثل: جزاء الصيد.
وقولنا: مقدَّرة شرعاً: قيد ثان خرج به التعزير، لأنه غير مقدَّر، كالعقوبة التي يقدرها القاضي كأن يحكم على شخص بأن يجلد خمسين جلدة، فليس هذا حداً، لأن قائلها هو القاضي.
وقولنا: لحق الله تعالى: يخرج القصاص ونحوه مما يكون فيه الحق للآدمي، وهذا باعتبار الأغلب، لأن القصاص وإن كان فيه حق لله تعالى إلا أنه غُلِّبَ حق الآدمي، ولهذا إذا عفا الأولياء سقط القصاص.
- فائدة: الحكمة من إقامة الحدود ما يلي:
أولاً: الردع لأجل ألا يفعلها هو، أو غيره مرة ثانية، فهي زواجر تمنع =
стр. 2392
لا يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلى مُكَلَّفٍ (١)،
ــ
= من الوقوع في مثل هذه الجريمة، وتمنع من انتشار الفساد وشيوع الجرائم، وتحقق الأمن في البلاد.
ثانياً: التطهير والكفارة، فإن الإنسان إذا فعل ذنباً وحُدَّ عليه كفَّر الله عنه، فلا يجمع الله عليه بين عقوبة الدنيا والآخرة، لحديث عبادة بن الصامت ﵁ وفيه: «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيئاً فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ» (١).
(١) قوله «لا يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلى مُكَلَّفٍ»: أي لا يقام الحد إلاَّ على مكلف: وهو البالغ العاقل، فلا حَدَّ على صغير ولا مجنون، لأنهما غير مكلفين بالعبادة، ولقوله ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ» (٢)، وذكر منهم الصغير والمجنون، لأنهما ليسا أهلاً للعقوبة لعدم صحة القصد التام منهما، ولهذا منع الله من إتيانهم أموالهم حتى لا يضيعوها.
ولكن لا يعني ذلك أن الصغير لا يُعزَّر، بل يعزر، والتعزير غير الحد، ولهذا قال ﷺ : «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ» (٣)، فأمر بضربهم قبل البلوغ، فالتعزير شيء وإقامة الحد شيء آخر، وعلى هذا فلو أن صغيراً فعل الفاحشة فلا نقول: هذا صغير، لا يجب عليه الحد، اتركوه، بل لا بد أن يعزر بما يردعه وأمثالَه عن هذه الفِعلة، وكذلك - أيضاً - لو سرق فإنه لا يُترك، بل لو أفسد شيئاً دون =
стр. 2393
عَالِمٍ بِالتَّحرِيمِ (١)،
ــ
= شيئاً دون ذلك فإنه لا يُترك بدون تعزير.
والبلوغ كما سبق يحصل بواحد من أمور ثلاثة: إما بإنزال المني، وإما بإنبات العانة، وإما بتمام خمس عشرة سنة.
- فائدة: قال شيخنا تعليقاً على قول صاحب الزاد: «لا يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلى مُكَلَّفٍ»، قال: «ليت المؤلف قال: «يجب الحدّ على كل بالغ» لأن الإثبات أحسن من النفي؛ لأنه إذا قال: لا يجب الحد إلا على كذا، كأن الأصل عدم وجوب الحد، لكن لو قال: «يجب الحد على كل بالغ عاقل ملتزم عالم بالتحريم» صار أبلغ؛ لأن الحد إقامته واجبة بالكتاب، وبالسنة، والإجماع» (١).
(١) قوله «عَالِمٍ بِالتَّحرِيمِ»: خرج به الجاهل بالتحريم، فهذا لا حد عليه، وهذا هو الشرط الثانِي، فلابد أن يكون عالماً بالتحريم، فإن كان جاهلاً، كحديث عهدٍ بالإسلام، أو ناشئ في بادية بعيدة عن المسلمين فلا حدَّ عليه، لأن الحد يدرأ بالشبهة والجهل شبهة، فإن ادعى الجهل وقد نشأ في بلاد الإسلام لم تقبل دعواه.
- فائدة: هل يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة ؟
لا يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة، فلو قال الرجل المحصن الذي زنا: إنه لو علم أن حده الرجم ما زنا أبداً، لكنه ظن أن المسألة جلد فقط، وهو يصبر على الجلد فإننا نرجمه؛ لأنه لا يشترط العلم بالعقوبة، فإذا كان=
стр. 2394
وَلا يُقِيْمُهُ إِلاَّ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (١)، إِلاَّ السَّيِّدُ، فَإِنَّ لَهُ إِقَامَتَهُ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلى رَقِيْقِهِ القِنِّ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَجْلِدْهَا» (٢)،
ــ
=عالماً بالتحريم فمعنى ذلك أنه رضي بأن ينتهك حرمات الله، والله قد أوجب العقوبة على هذا الفاعل لهذه المعصية، ولا عذر له.
(١) قوله «وَلا يُقِيْمُهُ إِلاَّ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ»: أي لا يقيم الحد إلا إمام المسلمين والمراد به من له السلطة العليا في الدولة أو من ينيبه، ويرجع في تحديد نائبه إلى العرف، كالأمراء والقضاة على حسب عادة الإمام، وإنما خُصَّ إقامة الحد بالإمام أو نائبه، لأن إقامته تفتقر إلى ثبوت اجتهاد ونظر، ولأجل أن يؤمن الحيف في استيفائه، وأما كونه يجوز لنائب الإمام أن يقيمه، فلأن أنيساً ﵁ رجم امرأة بطريق النيابة عن النبي ﷺ .
(٢) قوله «إِلاَّ السَّيِّدُ، فَإِنَّ لَهُ إِقَامَتَهُ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلى رَقِيْقِهِ القِنِّ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَجْلِدْهَا»: هذا معطوف على ما قبله، أي: ولا يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه أو السَّيد إذا كان الحد جلداً، فله أن يقيمه على رَقِيقِهِ، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول ﷺ يَقُولُ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَليَجْلِدْهَا الحَدَّ ... » (١) الحديث، وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (٢)، وظاهره أن للسيد إقامة حد السرقة والشرب.
стр. 2395
وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهُ فِيْ السَّرِقَةِ، وَلا قَتْلُهُ فِيْ الرِّدَّةِ (١)، وَلا جَلْدُ مُكَاتَبِهِ وَلا أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ (٢). وَحَدُّ الرَّقِيْقِ فِيْ الْجَلْدِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ (٣)، وَمَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ سَقَطَ (٤)،
ــ
(١) قوله «وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهُ فِيْ السَّرِقَةِ، وَلا قَتْلُهُ فِيْ الرِّدَّةِ»: أي ليس للسيد أن يقيم حد السرقة أو حد الردة على عبده، فالحد الذي خوِّل له أن يقيمه عليه هو الحد الذي ليس فيه إتلاف عضو ولا نفس، وهو الجلد، لأنه أقرب إلى التأديب، وللسيد تأديب رقيقه.
(٢) قوله «وَلا جَلْدُ مُكَاتَبِهِ وَلا أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ»: أي وليس له كذلك أن يجلد مكاتبه وهو من كاتبه على العتق لأنه قد انعقد في حقه سبب الحرية، وكذا لا يجوز له أن يجلد أمته المتزوجة لقول ابن عمر ﵁: «إذا كانت الأمة ذات زوج فزنت دفعت إلى السلطان فإن لم يكن لها زوج جلدها سيدها نصف ما على المحصن» (١)، ولا يعرف له مخالف.
(٣) قوله «وَحَدُّ الرَّقِيْقِ فِيْ الْجَلْدِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ»: أي ويتنصف الجلد بسبب الرق، فيجلد الرقيق إذا زنا خمسين جلدة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢) وإذا ثبت التنصيف في حق الأمة فإنه يقاس عليها الرقيق.
(٤) قوله «وَمَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ سَقَطَ»: أي ومن أقر على نفسه بحد كزنا، ثم رجع عن إقراره قُبل منه وتُرك، وكذا لو رجع في أثناء إقامة الحد عليه فإنه لا يتمم الحد، لأن الصحابة ﵃ لما ذكروا للنبي ﷺ =
فَصْلٌ فِيْ كَيْفِيَةِ إِقَامَةِ الحَدِّ (١)
وَيُضْرَبُ فِيْ الْحَدِّ بِسَوْطٍ (٢)، لا جَدِيْدٍ وَلا خَلَقٍ (٣)، وَلا يُمَدُّ، وَلا يُرْبَطُ وَلا يُجَرَّدُ (٤)،
ــ
(١) قوله «فَصْلٌ فِيْ كَيْفِيَةِ إِقَامَةِ الحَدِّ»: أي هذا فصل في بيان صفة الجلد وكيفيته التي جاءت بها السنة، فقد جاءت السنة ببعض الضوابط لهذه العقوبة، كما سيأتي ذلك مفصلا.
(٢) قوله «وَيُضْرَبُ فِيْ الْحَدِّ بِسَوْطٍ»: السوط: هو خيزرانة أو عصا أو ما أشبه ذلك، ولا يكون بشيء قاسٍ كالحديد.
(٣) قوله «لا جَدِيْدٍ وَلا خَلَقٍ»: الخلق: هو القديم والبالي؛ لأنه يتكسر ويتهشم ولا يؤلم، والجديد أكثر إيلاماً وتمزيقاً للجسد، وإنما يكون سوطاً بين سوطين، لا جديد ولا خلق.
(٤) قوله «وَلا يُمَدُّ، وَلا يُرْبَطُ وَلا يُجَرَّدُ»: أي لا يمد على الأرض، ولا يربط: أي لا يقيد، ولا يجرد من ثيابه لقول ابن مسعود ﵁: «ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد» (١) لكن الأثر ضعيف، والمعنى صحيح ويدل عليه ما في الأحاديث من إقامة الحد من النبي ﷺ فإنه لم يجرد ولم يمد ولم يقيد، فإن دعت الحاجة إلى القيد فإنه يُفعل ولا بأس بذلك.
ويكون عليه قميص أو قميصان مما جرت العادة بلبسه مما يجعله يشعر بألم الضرب، وأما إذا كانت عليه ثياب كثيرة بحيث لا يبالي بالضرب فلا.
стр. 2398
وَيُتَّقَى وَجْهُهُ وَرَأْسُهُ وَفَرْجُهُ (١)، وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا (٢)، وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا (٣)،
ــ
(١) قوله «وَيُتَّقَى وَجْهُهُ وَرَأْسُهُ وَفَرْجُهُ»: أما الوجه فليس فيه إشكال، فكلهم متفقون على أن الوجه لا يجوز ضربه، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك كما في صحيح البخاري أنه نهى عن ضرب الوجه في الحدود وفي غيرها، فالوجه يتقى ولا يضرب، وإنما يكون الضرب على الأعضاء.
وأما الرأس فقال بعض الفقهاء يجوز ضرب الرأس، وذلك لقول أبي بكر ﵁ لما أمر بتعزير: «اضرب الرأس؛ فإن فيه شيطاناً» (١)، وجاء عن عمر ﷺ أنه كان يعلو بالدرة ويضرب بها.
قلت: والصواب ما ذكرنا، وهو - ظاهر السنة - أن الضرب يكون على الظهر، لأن المقصود هو التأديب وليس هو الإتلاف.
(٢) قوله «وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا»: وذلك ليعم الضرب بدنه، لأنه إذا كان قاعداً لا يفرق على كل الأعضاء بالوجه المعتبر حتى يصيب كل عضو حقه، ولئلا يخص ذلك موضعاً منه فيضّر به، ولأنه يمكن الجالد من الجلد.
(٣) قوله «وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا»: هذه أمور ثلاثة تراعى عند إقامة الجلد على المرأة، وهي:
أولاً: تضرب جالسة؛ لأن ذلك أستر لها.
ثانياً: تشد عليها ثيابها أي: تربط؛ لأنه ربما مع الضرب تضطرب، وتتحرك، وتنحل ثيابها.
стр. 2399
وَمَنْ كَانَ مَرِيْضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أُخِّرَ حَتَّى يَبْرَأَ، لِمَا رَوَى عَلِيٌّ ﵁: أَنَّ أَمَةَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ زَنَتْ، فَأُمِرْتُ أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيْثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيْتُ إِنْ أَنا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَحْسَنْتَ» (١). فَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ وَخُشِيَ عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ، جُلِدَ بِضِغْثٍ فِيْهِ عِيْدَانٌ بِعَدَدٍ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً (٢)،
ــ
=ثالثاً: تمسك يداها حتى لا تنكشف؛ لأنها ربما تفرج ثيابها بيديها فتنكشف. فهذا هو الذي يفرق فيها بينها وبين الرجل؛ لأن الحاجة داعية له، وإلا فالأصل أنها كالرجل.
(١) قوله «وَمَنْ كَانَ مَرِيْضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أُخِّرَ حَتَّى يَبْرَأَ، لِمَا رَوَى عَلِيٌّ ﵁: أَنَّ أَمَةَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ زَنَتْ، فَأُمِرْتُ أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيْثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيْتُ إِنْ أَنا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَحْسَنْتَ» (١): أي فإن كان من سيقام عليه الحد مريضاً مرضاً يرجى السلامة منه فإنه يؤخر عنه الجلد حتى يبرأ، والحجَّة ما تقدم من حديث علي ﵁ فإنه لا يحد بالجلد المريض والنفساء حتى تخرج من نفاسها لأنه مرض، وأما من حدَّه القتل فيحد كل حين، لأنه لا فائدة فيه إذا كان قتله متحتمًا.
(٢) قوله «فَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ وَخُشِيَ عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ، جُلِدَ بِضِغْثٍ فِيْهِ عِيْدَانٌ بِعَدَدٍ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً»: أي أما المريض الذي لا يرجى برؤه فهذا يقام عليه الحد في الحال ولا يؤخر، فان خيف عليه من ذلك=
стр. 2400
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=جمع ضغثاً فيه مائة شمراخ فيضرب به ضربة واحدة، وبهذا قال الشافعي (١). وأنكر مالك (٢) هذا، وقال: قد قال الله تعالى ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣)، وهذا جلدة واحدة.
قلت: والصواب هو ما ذهب إليه المؤلف دليل ذلك حديث أمامة بن سهل بن حنيف عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: كان بين أبياتنا رجل مخدج ضعيف فلم نرع إلا وهو على أمة من إماء الدار يخبث بها فرفع شأنه سعد بن عبادة إلى رسول الله ﷺ فقال «اجْلِدُوهُ مِائَةَ سَوْطٍ». فقالوا: يا نبي الله هو أضعف من ذاك لو ضربناه مائة سوط مات قال: «فَخُذُوا لَهُ عِثْكَالاً فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَاضْرِبُوهُ وَاحِدَةً» (٤).
ولأنه لا يخلو من أن يقام عليه الحد على ما ذكرنا أو لا يقام أصلاً أو يضرب ضرباً كاملاً: فلا يجوز تركه بالكلية لأنه يخالف الكتاب والسنة، ولا أن يجلد جلداً تاماً لأنه يفضي إلى إتلافه فتعين ما ذكرناه، وقولهم هذا جلدة واحدة قلنا يجوز أن يقام ذلك في حال العذر كما قال الله تعالى في حق أيوب ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ (٥)، وهذا أولى من ترك حده بالكلية أو قتله بما لا يوجب القتل.
стр. 2401
فَصْلٌ فِيْ تَدَاخُلِ الحُدُوْدِ (١)
وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ للهِ تَعَالى فِيْهَا قَتْلٌ، قُتِلَ، وَسَقَطَ سَائِرُهَا (٢)،
ــ
(١) قوله «فَصْلٌ فِيْ تَدَاخُلِ الحُدُوْدِ»: اتفق الفقهاء على أن الحدود - كحد الزنا والسرقة والشرب - إذا اتفقت في الجنس والموجب أي الحد فإنها تتداخل، فمن زنى مراراً، أو سرق مراراً، أو شرب مراراً، أقيم عليه حد واحد للزنا المتكرر، وآخر للسرقة المتكررة، وآخر للشرب المتكرر، لأن ما تكرر من هذه الأفعال هو من جنس ما سبقه، فدخل تحته.
ومثل ذلك حد القذف إذا قذف شخصاً واحداً مراراً، أو قذف جماعة بكلمة واحدة، فإنه يكتفي فيه بحد واحد اتفاقاً، بخلاف ما لو قذف جماعة بكلمات، أو خص كل واحد منهم بقذف.
(٢) قوله «وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ للهِ تَعَالى فِيْهَا قَتْلٌ، قُتِلَ، وَسَقَطَ سَائِرُهَا»: فإن كان فيها قتل، مثل: إن شرب، وسرق، وزنا وهو محصن، أو لزمه قتل بردة، فإنها تتداخل - أيضاً - ويستوفى القتل، ويسقط سائرها، على الراجح من قولي أهل العلم، وهو قول الجمهور، وقد ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «إِذَا جَاءَ القَتْل مَحَا كُلّ شَيء» (١)، وعن عطاء وابن شهاب والنخعي وحماد وغيرهم أنهم قالوا مثل ذلك (٢).
قال ابن قدامة (٣): «وهذه أقوال انتشرت في عصر الصحابة والتابعين، ولم=
стр. 2402
وَلَوْ زَنَى مِرَارًا، أَوْ سَرَقَ مِرَارًا، وَلَمْ يُحَدَّ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ (١)، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ مِنْ أَجْنَاسِ لا قَتْلَ فِيْهَا، اسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا (٢)، وَيُبْدَأُ بِالأَخَفِّ فَالأَخَفِّ مِنْهَا (٣)،
ــ
=يظهر لها مخالف، فكانت إجماعاً»، ولأن المقصود من إقامة الحد هو الزجر وهو يحصل بالقتل، ولا فائدة تشرع بعد ذلك من تطبيق غيره معه فيكتفى به.
(١) قوله «وَلَوْ زَنَى مِرَارًا، أَوْ سَرَقَ مِرَارًا، وَلَمْ يُحَدَّ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ»: أي وإن اجتمعت حدود الله تعالى وكانت من جنس واحد مثل الزنا مراراً، أو السرقة مراراً، أو الشرب كذلك فإنها تتداخل ويجزي حد واحد كما سبق، لأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل، وذلك حاصل بالحد الواحد، ولأن الواجب هنا من جنس واحد، فوجب التداخل فيه، كالكفارات.
(٢) قوله «وَإِنِ اجْتَمَعَتْ حُدُوْدٌ مِنْ أَجْنَاسِ لا قَتْلَ فِيْهَا، اسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا»: أي: فإن كانت الحدود من جنس واحد كزنا وشرب، أو لم يكن فيها قتل فلا تتداخل، لأن التداخل إنما يمكن إذا كانت من جنس واحد، أما من أجناس فلا يمكن، فتستوفى كلها، لأنه لو حُدَّ في واحد من الحدود ربما اعتقد أنه لا حدّ للباقي، فلا ينْزجر عنها، لذلك تقام عليه كلها، ولأن الحدود تختلف مقاصدها، فإن المقصود من حد الخمر صيانة العقول، والمقصود من حد الزنا صيانة الأنساب، وحد السرقة حفظ الأموال، وهكذا.
(٣) قوله «وَيُبْدَأُ بِالأَخَفِّ فَالأَخَفِّ مِنْهَا»: أي: إذا أريد إقامة أكثر من حد فإنه يبدأ بالأخف منها، فإذا زنا، وشرب، وسرق بدئ بالجلد للشرب، ثم=
стр. 2403
وَتُدْرَأُ الحُدُوْدُ بِالشُّبُهَاتِ (١)،
ــ
=الجلد للزنا، لأن الأول أخف من الثانِي، ثم قطعت يده
(١) قوله «وَتُدْرَأُ الحُدُوْدُ بِالشُّبُهَاتِ»: هذه قاعدة عظيمة جداً في باب الحدود، وقد أجمع الفقهاء على أن الحدود تدرأ بالشبهات.
والشبهة ما يشبه الثابت وليس بثابت، سواء كانت في الفاعل: كمن وطئ امرأة ظنها حليلته. أو في المحل: بأن يكون للواطئ فيها ملك أو شبهة ملك كالأمة المشتركة. والأصل في هذه القاعدة العظيمة قوله ﷺ : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» (١)، وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِى الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِى الْعُقُوبَةِ» (٢).
قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحدود تدرأ بالشبهات» (٣).
стр. 2404
فَلَوْ زَنَى بِجَارِيَةٍ لَهُ فِيْهَا شِرْكٌ وَإِنْ قَلَّ (١)، أَوْ لِوَلَدِهِ (٢)،
ــ
(١) قوله «فَلَوْ زَنَى بِجَارِيَةٍ لَهُ فِيْهَا شِرْكٌ وَإِنْ قَلَّ»: أي فلو أن رجلاً يشترك مع آخر في أمةً فليس لأحدهما أن يطأها لكن إن وطئها فلا يقام عليه الحد لوجود الشبهة.
مثال ذلك: رجل بينه وبين رجل آخر أمة مشتركة، اشترياها بعشرة آلاف، كل واحد قدم في ثمنها خمسة آلاف ريال، فهل تحل لواحد منهما؟ لا تحل لأحدهما، لا بالتسري، ولا بالنكاح، وإن وافق أحدهما، لكن تحل لغيرهما بالنكاح، فلو اتفقا على أن يزوجاها شخصاً حل ذلك، فإن وطئها أحدهما فلا حد عليه؛ لأن له بعضها، ففيه شبهة مُلك، حتى لو كان يعلم أنها لا تحل له، وأن هذا الجماع محرم، لأن شبهة الملك تمنع من إقامة الحد.
(٢) قوله «أَوْ لِوَلَدِهِ»: وكذا إذا وطئ أمةً لولده فإنه لا يقام عليه الحد لوجود شبهة الملك لقول النبي ﷺ «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» (١). فلو زنا بأمةٍ لولده فيها شِرك، فالأب لا يملكها، لكن يملك أن يتملك ما يملكه ولده من هذه الأمة، فلما كان له أن يتملك صار زناه بهذه الأمة التي لولده فيها شرك فيه شبهة، فلا يقام عليه الحد، ولو لم يكن للولد فيها إلا واحد من عشرة آلاف سهم، لعموم قوله ﵀: «لَهُ فِيْهَا شِرْكٌ وَإِنْ قَلَّ».
стр. 2405
أَوْ وَطِئَ فِيْ نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيْهِ (١)، أَوْ مُكْرَهًا (٢)،
ــ
(١) قوله «أَوْ وَطِئَ فِيْ نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيْهِ»: النكاح المختلف فيه: كالنكاح بلا ولي، ونكاح المتعة، والشغار، والتحليل، وبلا شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها البائن، ونكاح المجوسية «لم يحد» في قول أكثر أهل العلم لأن الاختلاف شبهة والحد يدرأ بالشبهات، وهذا هو المشهور في المذهب أي أنه لا يقام عليه الحد وإن اعتقد بطلانه وذلك لوجود الشبهة.
وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (١): أنه يقام عليه الحد، وذلك لأنه لا شبهة له في ذلك.
(٢) قوله «أَوْ مُكْرَهًا»: أي وكذلك يسقط الحد إذا أُكره الشخص على الزنا، وفي قول أخر أنه لو أكره الرجل أقيم عليه الحد، لأن الإكراه في حق الرجل لا يتصور؛ لأنه لا جماع إلا بانتشار، ولا انتشار إلا بإرادة، والإرادة رضا وليست إكراهاً، فلما لم يتصور الإكراه في حقه صار الحد واجباً عليه، ولا يعارض هذا الحديثَ: «وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٢) لأنهم يقولون: هذا الرجل ما استكره، بل رضي.
والصواب: هو القول الأول وهو اختيار شيخنا ﵀ (٣).
стр. 2406
أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيْهِ حَقٌّ (١)،
ــ
(١) قوله «أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيْهِ حَقٌّ»: أي وكذلك يسقط الحد إذا سرق من مال له فيه حق كأن يكون شريكاً فيه، أو أن يسرق من بيت المال، أو من الغنيمة، ونحو ذلك فإنه لا يحد.
واختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢) في الأصح عندهم، والحنابلة (٣) إلى عدم إقامة الحد، على من سرق من مال له فيه حق كأن يكون شريكاً فيه، لأن للسارق حقا في هذا المال، فكان هذا الحق شبهة تدرأ عنه الحد. وذهب المالكية (٤) إلى إيجاب القطع إن تحقق شرطان:
أحدهما: أن يكون المال في غير الحرز المشترك، كأن يكون الشريكان قد أودعاه عند غيرهما، فإن لم يكن المال محجوباً عنهما وسرق أحدهما منه فلا يجوز القطع.
الثاني: أن يكون فيما سرق من حصة صاحبه فضل عن جميع حصته ربع دينار فصاعدا.
وللشافعية (٥) في سرقة الشريك من مال الشركة قولان: الراجح منهما أن لا قطع، والقول الآخر إيجاب القطع؛ لأنه لا حق للشريك في نصيب=
стр. 2407
أَوْ لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ (١)،
ــ
=شريكه، فإذا سرق نصف دينار من المال المشترك بينهما بالسوية كان سارقاً لنصاب من مال شريكه فيقطع به.
أما السرقة من بيت المال: فذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢) إلى عدم إقامة الحد على من سرق من بيت المال، إذا كان السارق مسلماً، غنياً كان أو فقيراً؛ لأن لكل مسلم حقاً في بيت المال، فيكون هذا الحق شبهة تدرأ الحد عنه، كما لو سرق من مال له فيه شركة. وقد روي أن عبد الله ابن مسعود كتب إلى عمر بن الخطاب يسأله عمن سرق من بيت المال، فقال: أرسله، فما من أحد إلا وله في هذا المال حق.
وذهب المالكية (٣) إلى وجوب إقامة الحد على السارق من بيت المال، لعموم نص الآية، وضعف الشبهة، لأنه سرق مالا من حرز لا شبهة له فيه في عينه، ولا حق له فيه قبل حاجته إليه.
(١) قوله «أَوْ لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ»: أي ولا يقام الحد على من سرق من مال ابنه أو ابن ابنه، أو ابن ابن ابنه، لأن للسارق شبهة حق في مال المسروق منه. وذلك لقوله ﷺ لمن جاء يشتكي أباه الذي يريد أن يجتاح ماله: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ» (٤).
стр. 2408
أَوْ مِنْ مَالِ غَرِيْمِهِ الَّذِيْ يَعْجِزُ عَنْ تَخْلِيْصِهِ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، لَمْ يُحَدَّ (١)،
ــ
(١) قوله «أَوْ مِنْ مَالِ غَرِيْمِهِ الَّذِيْ يَعْجِزُ عَنْ تَخْلِيْصِهِ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، لَمْ يُحَدَّ»: هذه المسألة لها ثلاث حالات:
١ - إن كان المدين باذلاً غير ممتنع عن أداء ما عليه، ثم ترك الدائن مطالبته ، وعمد إلى سرقة حقه، وجب قطعه إن بلغت قيمة المسروق نصاباً، إذ لا شبهة له في الأخذ ما دام الوصول إلى حقه ميسوراً.
٢ - وإن عجز الدائن عن استيفاء حقه فسرق قدر دينه فلا يقام عليه الحد لأن اختلاف الفقهاء في إباحة أخذه حقه يورث شبهة تدرأ عنه الحد، كالوطء في نكاح مختلف في صحته.
٣ - وإن عجز رب الدين عن استيفاء حقه فأخذ من مال مدينه أكثر من حقه وبلغت الزيادة نصاباً: فإن أخذ الزائد من نفس المكان الذي فيه ماله، فلا قطع؛ لأن هتك الحرز لأخذ ماله جعل المكان غير محرز بالنسبة لكل ما فيه، وإن أخذ الزائد من غير الحرز الذي فيه ماله وجب القطع؛ لعدم الشبهة.
стр. 2409
فَصْلٌ فِيْ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ فِيْ الْحَرَمِ وَالغَزْوِ
وَمَنْ أَتىَ حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إِلى الحَرَمِ، أَوْ لَجَأَ إِلَيْهِ مَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ حَتَّى يَخْرُجَ (١)،
ــ
(١) قوله «فَصْلٌ فِيْ اسْتِيْفَاءِ القِصَاصِ فِيْ الْحَرَمِ وَالغَزْوِ. وَمَنْ أَتىَ حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إِلى الحَرَمِ، أَوْ لَجَأَ إِلَيْهِ مَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ حَتَّى يَخْرُجَ»: أي من وجب عليه حد من حدود الله كجلد أو رجم أو قصاص أو قطع ثم لجأْ إلى الحرم هارباً، فإنه لا يقام عليه الحد. هذا معنى كلامه ﵀.
وما ذكره المؤلف هنا محل خلاف بين الفقهاء، فالمشهور في مذهب الإمام أحمد (١)، وهو اختيار المؤلف، واختيار ابن القيم (٢) أنه لا يقام عليه الحد في الحرم، لكن: يضيق عليه فلا يؤاكل ولا يشارب ولا يؤوى ولا يبايع ولا يشارى؛ بمعنى: إن استأجر لم يؤجر، وإن طلب ماءً لا يسقى، ولا يجالس، ويناشد الله أن يخرج من الحرم إلى الحل ليقام عليه حد الله تعالى، واستدلوا لذلك بأدلة منها:
قوله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٣)، ولأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَومَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وإِنَّمَا أحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِن نَهْار، ثُمَ عَادت إلى حُرمَتِها، فَلا يُسْفَكُ فِيهَا دَم ... » (٤).
стр. 2410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وروى ابن جرير عن ابن عمر قال: «لو رأيت قاتل عمر في الحرم ما ندهته» (١)، أي ما زجرته.
وعن ابن عباس أنه قال: «من قتل أو سرق في الحل ثم دخل الحرم فلا يجالس ولا يكلم ولا يؤوى ويناشد أن يخرج فإذا خرج أقيم عليه الحد» (٢).
وهذان الأثران لا يعلم لهما عن الصحابة مخالف، بل قال ابن القيم: «إن هذا القول هو قول جمهور التابعين وإنه لا يحفظ صحابي ولا عن تابعي عن خلاف هذا القول» (٣).
القول الثاني: وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥) أنه يقام عليه الحد، واستدلوا بعمومات النصوص التي تدل على إقامة الحد، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٦)، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٧)، وغير ذلك من الآيات العامة فإنها عامة في الحل والحرم.
والصواب في هذه المسألة أن يقال: بأن من قتل في الحرم فأنه يقتل فيه، =
стр. 2411
لَكِنْ لا يُبَايِعُ وَلا يُشَارِيْ (١)، وَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ فِيْ الحَرَمِ، اسْتُوْفِيَ مِنْهُ فِيْهِ (٢)،
ــ
= أما إن قتل خارجه ثم لجأ إليه فهنا إن أمكن إخراجه منه وقتله خارجه فهو أولى، فإن تعذر ذلك أو ترتب على إخراجه مفاسد فيقتل في الحرم قطعاً لشره.
(١) قوله «لَكِنْ لا يُبَايِعُ وَلا يُشَارِيْ» أي: ومن قتل أو أتى حداً خارج الحرم، ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه - كما تقدم - ولكن يضيق عليه، فلا يبايع ولا يُشارى حتى يخرج إلى الحل فيقام عليه، لأن الاستيفاء واجب في الجملة، وفي مبايعته ومشاراته إبقاءً له في الحرم، وذلك يفضي إلى عدم استيفاء الواجب.
والمراد بالحرم: حرم مكة، فأما حرم المدينة فليس كذلك على الصحيح من المذهب، والله تعالى أعلم.
(٢) قوله «وَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ فِيْ الحَرَمِ، اسْتُوْفِيَ مِنْهُ فِيْهِ»: أي إن فعل ما يوجب الحد في الحرم استوفي منه فيه، لأن الله تعالى حرم القتال في الحرم وأباحه لمن قوتل فيه، فقال تعالى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (١)، ولأنه انتهك حرمة الحرم وعَرَّضَ نفسه للعقوبة، ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عند ارتكاب المعاصي، حفظاً لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، كما يحتاج إليه غيرهم، فلو لم يشرع الحد على من ارتكبه في الحرم، لتعطلت حدود الله في حقهم، وفاتت هذه المصالح التي لا بد منها.
стр. 2412
إِنْ أَتَى حَدًّا فِيْ الغَزْوِ، لَمْ يُسْتَوْفَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ (١)،
ــ
=فإن قيل: فما الفرق بين من فعل ذلك في الحرم ومن فعله في الحل ثم لجأ إلى الحرم؟ نقول: بأن الفرق بينهما ظاهر وهو من وجهين:
الوجه الأول: أن يقال إن من فعل ذلك في الحل ثم لجأ إلى الحرم هارباً مستعيذاً فهو معظم للحرم، وأما من فعل ذلك في الحرم فهو مستهين به.
الوجه الثاني: أن في عدم إقامة الحد في أهل الحرم فوضى وفساداً كبيراً، وتعطيلاً لحدود الله، ولا شك أن مثل هذا الفساد العظيم يجب درؤه.
(١) قوله «إِنْ أَتَى حَدًّا فِيْ الغَزْوِ، لَمْ يُسْتَوْفَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ»: أي من أتى حدا من الغزاة أو ما يوجب قصاصاً في أرض الحرب لم يقم عليه حتى يقفل فيقام عليه حده، وما ذكره المؤلف هو المشهور في المذهب، وهو من مفردات مذهب الإمام أحمد أي لا يقام عليه الحد، دليل ذلك قوله ﷺ : «لا تُقْطَعُ الأَيْدِى فِى الْغَزْوِ» (١)، وذلك لئلا يترتب على إقامة الحد ما هو أعظم ضرراً كأن يلحق بالعدو فراراً يعني تأخذه العزة بالإثم.
وأيضاً ليكون أنكى في قتال العدو فإن إقامة الحد يضعفه، فإذا رجع أقيم عليه الحد، للأدلة في ذلك.
واختار ابن القيم «أنه إن ظهرت منه التوبة النصوح أو ظهرت منه حسنات كنكاية عظيمة في العدو فإنه يعفى، ويدل على ذلك: ما كان=
стр. 2413
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=من سعد بن أبي وقاص مع أبي محجن، وهي قصة صحيحة رواها عبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي سعد، وسعيد بن منصور، وغيرهم، وقد صحح إسنادها الحافظ ابن حجر، والقصة أنه شرب الخمر وكان له بعد ذلك نكاية بالعدو فحلف سعد بن أبي وقاص ألا يجلده البتة لما كان له من النكاية بالعدو» (١).
стр. 2414
بَابُ حَدِّ الزِّنا (١)
الزَّانِيْ، مَنْ أَتَى الفَاحِشَةَ فِيْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ (٢)،
ــ
(١) قوله «بَابُ حَدِّ الزِّنا»: الزنا حرمه الله في جميع الشرائع لعظم فحشه وكثرة أضراره، فهو يفسد الفرد، ويدمر المجتمعات، ومن رحمة الله بعباده أنه حرمه عليهم، وزجرهم عنه بالحدود الشديدة التي تختلف باختلاف حال الزاني، ولابد من توافر شروط محددة حتى تقام هذه الحدود.
(٢) قوله «الزَّانِيْ، مَنْ أَتَى الفَاحِشَةَ فِيْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ»: الزنا: فيه لغتان: المد «الزنا»، والقصر «الزنى» اسم مقصور على لغة أهل الحجاز، وبها ورد القرآن الكريم، وهو مصدر زنا يزني زناءً بالمد على لغة أهل نجد، وقيل: لبني تميم منهم خاصة، أو زنى بالقصر كما مضى.
والأصل أن تكتب الكلمة بالألف المقصورة، وعليه جرى الرسم في القرآن، ويجوز كتابتها بالألف الممدودة «الزنا».
واصطلاحاً: ذكره بقوله: «مَنْ أَتَى الفَاحِشَةَ فِيْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ»، وهذا هو أقصر تعريف له.
وقال صاحب الزاد في تعريفه «وهو تَغيِيبُ الحَشَفَةِ أو قَدرِهَا في قُبُلٍ أصلِيٍّ، أو دبرٍ، من آدَمِيٍّ، حَرَامَاً مَحْضَاً، مُختاراً، بِلا شُبهةٍ»، وهذا تعريف مُطَوَّل له.
ولما كان هذا التعريف أشمل وأوسع مما ذكره المؤلف سنقوم بتوضيح هذا التعريف وذلك لحاجتنا لبعض ألفاظه فيما بعد.
فقوله «وهو تَغيِيبُ الحَشَفَةِ أو قَدرِهَا»: أي تغييب الزاني حشفته، =
стр. 2415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=والحشفة هي الجزء المكشوف من رأس الذكر بعد الختان، فإن حصل تغييب بعض الحشفة أو وطئ دون الفرج فليس بزنا، فلا يثبت به الحد، لكن يعزر، كما سيأتي إن شاء الله.
وقوله «في قُبُلٍ أصلِيٍّ» احتراز من الخنثى المشكل لو جُومع في قُبُله فلا حَدَّ، لاحتمال أن يكون ذكراً، لكن على الواطئ التعزير.
وقوله «أو دُبرٍ»: أي أو تغييب الحشفة في دبر امرأة أجنبية فهو زنا، يحد الواطئ حد الزنا.
قال الموفَّق: «والوطء في الدبر مثله في كونه زنا، لأنه وطء في فرج امرأة لا ملك فيها ولا شبهة، فكان زناً كالوطء في القبل» (١).
وقال الخرقي الزاني من أتى الفاحشة من قبل أو دبر. وعلى هذا فوطء المرأة في دبرها يعتبر زنا، فيشمله التعريف، وعقوبته عقوبة الزاني، وهذا مذهب المالكية (٢) أيضاً، وكذا الشافعية (٣) على الخلاف عندهم في عقوبته.
وعند الحنفية (٤) أنه كاللواط، لا حدَّ فيه، بل فيه التعزير، والصواب القول الأول.
وقوله «من آدَمِيٍّ»: احتراز من غير الآدمي، بأن يطأ بهيمة، فلا يعتبر زنا، لا لغة ولا شرعاً، ولا يجب فيه الحد، بل يعزر على الراجح من أقوال أهل=
стр. 2416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=العلم، لأنه فَعَل محرماً مجمعاً عليه، فاستحق العقوبة، والبهيمة لا حرمة لها، وليس بمرغوب فيها، فلا حاجة للزجر عنها بالحد، وأما حديث ابن عباس ﵁: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا البَهِيمَةَ» (١)، فلم يثبت ثبوتاً تقوم به الحجة.
وقد ورد عن عمر وابن عباس ﵄: «أَنَّهُ لا حَدَّ عَلَيهِ» (٢).
وقوله «حَرَاماً مَحضَاً»: أي في فرج تمحَّض تحريمه، قُبلاً كان أم دُبُراً.
وقوله «مُختَاراً»: هذا شرط من شروط وجوب حد الزنا، وهو أن يكون الزانِي مختاراً، فإن كان مُكرهاً فلا حد عليه، كما سبق لقوله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (٣)، ولأن الإكراه يمنع من نسبة الفعل إلى الفاعل، وهذا بالنسبة إلى المرأة إذا أكرهت.
وأما الرجل إذا أكره على الزنا فالمذهب أنه يحد، لأن الإكراه في حقه غير متصور، فإن الوطء لا يتم إلا بالانتشار، وذلك لا يحصل إلا من شهوته وإرادته، وحصول الشهوة والإرادة تنفي حصول الإكراه.
والقول الثانِي: أنه لا يُحد إذا كان مُكرهاً على الزنا، وهو رواية عن أحمد، =
стр. 2417
مِنِ امْرَأَةٍ لا يَمْلِكُهَا (١)، أَوْ مِنْ غُلامٍ (٢)،
ــ
=قال ابن قدامة: «وهذا أصح الأقوال إن شاء الله تعالى» (١). ودليله ما تقدم، ولأن الحد يدرأ بالشبهة، والإكراه شبهة، وما ذكره أصحاب القول الأول من أن الإكراه غير متصور، لأنه إذا انتشرت آلته فقد اختار، غير صحيح، فإنه قد يكون قوي الشهوة فيكره على الزنا وهو لا يختار، وشدة شهوته توجب له الانتشار ولو على الإكراه، وهذا هو الصواب وهو اختيار شيخنا ﵀ (٢).
وقوله «بِلا شُبْهَةٍ»: هذا أيضاً شرط من شروط وجوب الحد، وهو انتفاء الشبهة.
والشبهة: التردد بين الحلال والحرام، أو ما لم يُتَيَقَّن كونه حراماً أو حلالاً، فلا بد من انتفاء الشبهة لإقامة الحد، فإن كان في ثبوت الزنا شبهة فلا حَدَّ، كما سبق.
(١) قوله «مِنِ امْرَأَةٍ لا يَمْلِكُهَا»: هذا قيد لما سبق وهو أنه لا يكون زنى إذا وطء امرأة يملكها سواء بنكاح صحيح أو بملك يمين، فإذا أتى الفاحشة في قبل أو دبر من امرأة لا يملكها فقد وقع في جريمة الزنا.
(٢) قوله «أَوْ مِنْ غُلامٍ»: أي وكذلك يكون زنى إذا أتى غلاماً في دبره فيقام عليه الحد، إن كان محصناً رجم حتى الموت وإن كان غير محصن جلد مائة جلدة، هذا هو المشهور في مذهب أحمد، واستدلوا: بما روى البيهقي أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ وَإِذَا أَتَتِ الْمَرْأَةُ=
стр. 2418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=الْمَرْأَةَ فَهُمَا زَانِيَتَانِ» (١)، لكن الحديث ضعيف.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)، أن من فعل مثل فعل قوم لوط فإنه يقتل مطلقاً لا ينظر هل محصن أو ليس بمحصن، واستدلوا بالسنة والإجماع.
أما السنة: فعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» (٥).
قال ابن القيم: «إن الإمام أحمد احتجَّ بهذا الحديث» (٦).
وأما الإجماع: فقد نقل ابن قدامة (٧)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٨)، وابن القيم، وغيرهم إجماع الصحابة على قتله.
يقول ابن القيم: «اتفق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله، ولم يختلف فيه=
стр. 2419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=منهم رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم في قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة ﵃، وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع» (١).
والقول الثالث: أنه يعزَّر، وهو قول أبي حنيفة (٢)، والظاهرية (٣)، وقول عند الشافعية (٤)، واحتجوا بأن الصحابة اختلفوا فيه، واختلافهم فيه يدل على أنه ليس فيه نص صحيح، وأنه من مسائل الاجتهاد.
والراجح عندي: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٥)، أي أن عقوبته القتل مطلقاً، أحصن أم لم يحصن، لقوة أدلة هذا القول، وهي السُّنة، والإجماع المؤيد لها - على ما تقدم - وقاعدة الشريعة المطردة من تغليظ العقوبات كلما تغلَّظت المحرمات، فإن وطء من لا يباح بحال أعظم جرماً من وطء مَنْ يباح في بعض الأحوال فيكون حدُّه أغلظ.
وأما صفة قتله: فالراجح أن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام فيفعل ما يرى أنه أردع سواء قتلاً بالسيف أو رجماً.
وإن كان أقواها أنه يرجم لقول ابن عباس، أنه قال في البكر يوجد على اللوطية قال: «يرجم»، ويشهد له قوله سبحانه: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا=
стр. 2420
أَوْ مَنْ فُعِلَ بِهِ ذلِكَ (١)، فَحَدُّهُ الرَّجْمُ، إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، أَوْ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «خُذُوْا عَنِّيْ، خُذُوْا عَنِّيْ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيْلاً؛ البِكْرُ بِالبِكْرِ، جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ» (٢)،
ــ
=وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (١).
(١) قوله «أَوْ مَنْ فُعِلَ بِهِ ذلِكَ»: أي وكذلك يقام الحد على المفعول به لحديث ابن عباس ﵄ «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» (٢).
(٢) قوله «فَحَدُّهُ الرَّجْمُ، إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، أَوْ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «خُذُوْا عَنِّيْ، خُذُوْا عَنِّيْ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيْلاً؛ البِكْرُ بِالبِكْرِ، جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ» (٣): شرع المؤلف في بيان حد الزنا. و لا يخلو الزاني من حالين:
الأول: أن يكون محصناً ، فهذا حكمه أنه يرجم بالحجارة حتى الموت.
الثاني: غير المحصن؛ أي غير المتزوج ، فحده أن يجلد مائة ويُبعد عن بلده عاماً، لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، وفيه: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَينَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ عَليكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، واغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (٤) =