. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: موارد الفيء متعددة منها:
١ - ما جلا عنه الكفار خوفاً من المسلمين من الأراضي والعقارات.
٢ - ما تركه الكفار وجلوا عنه من المنقولات.
٣ - ما أخذ من الكفار من خراج، أو أجرة عن الأراضي التي ملكها المسلمون، ودفعت بالإجارة لمسلم أو ذمي، أو عن الأراضي التي أقرت بأيدي أصحابها من أهل الذمة صلحاً أو عنوة على أنها لهم، ولنا عليها الخراج.
٤ - الجزية.
٥ - عُشور أهل الذمة.
٦ - ما صولح عليه الحربيون من مال يؤدونه إلى المسلمين.
٧ - مال المرتد إن قتل أو مات.
٨ - مال الذمي إن مات ولا وارث له وما فضل من ماله عن وارثه فهو فيء.
٩ - الأراضي المغنومة بالقتال وهي الأراضي الزراعية عند من يرى عدم تقسيمها بين الغانمين.
- الفائدة الثانية: الفرق بين الغنيمة والفيء:
الغنيمة والفيء بينهما عموم وخصوص، فالفيء أحياناً يدخل تحت الغنيمة وأحياناً ينفرد عنها، فالفيء يكون من غير قتال، كأن يأتي المسلمون إلى موضع فيه كفار فيسمع الكفار بالمسلمين فيفرون، =
стр. 2557
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ويتركون أموالهم وديارهم، فهذا يعتبر من الفيء، كما وقع في جلاء بني النضير وغيرهم، بخلاف الغنيمة، فإنها لا تكون إلا من وقعة، والغالب أنها تكون بالجهاد ومقابلة العدو وقتاله، فالغنيمة هي نتاج الغزوة، والخلاصة في الفرق بين الغنيمة والفيء:
أن الغنيمة ما أخذ من أهل الحرب عنوة والحرب قائمة، والفيء ما أخذ من أهل الحرب بغير قتال ولا إيجاف خيل.
ومن الفروق أيضاً: أن الفيء لا يخمس كما تخمس الغنيمة، فللمجاهدين أربعة أخماس، والخمس الأخير هو الذي يصرف في مصارف الفيء فقط، فمن هنا يقول بعض العلماء: إن بينهما عموماً وخصوصاً من هذا الوجه.
- الفائدة الثالثة: هل الفيء كالزكاة ؟ بمعنى أنه يجوز الاقتصار على واحد من هؤلاء المذكورين في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١)، أو يجب التعميم؟
المشهور من المذهب أنه يجب التعميم بحسب القدرة والطاقة، فلا يجزئ أن نعطي ثلاثة منهم ونقول بأن هذا أقل الجمع، بل لابد من إعطاء كل يتيم في البلد من هذا الذي هو خمس الخمس، أما مستحق الزكاة فقد=
стр. 2558
وَمَا تَرَكَهُ الكُفَّارُ فَزَعًا وَهَرَبُوْا، لَمْ يُوْجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ، وأُخِذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ (١)، فَهُوَ فَيْءٌ يُصْرَفُ فِيْ مَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ (٢)،
ــ
=سبق أنه يجوز الاقتصار على واحد.
(١) قوله «وَمَا تَرَكَهُ الكُفَّارُ فَزَعًا وَهَرَبُوْا، لَمْ يُوْجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ، وأُخِذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ»: هذا هو معنى الفيء الذي سبق بيانه مفصلاً.
وقوله «لَمْ يُوْجَفْ» أصل الإيجاف التحريك، والمراد هنا الحركة في السير فمعنى ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: ما أجلبتموه وحشدتموه، ولم تتعبوا بتحصيله، لا بأنفسكم ولا بمواشيكم، بل قذف الله في قلوبهم الرعب، فهذا هو الفيء الذي سيأتي بيان أحكامه.
(٢) قوله «فَهُوَ فَيْءٌ يُصْرَفُ فِيْ مَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ»: ذهب جمهور الفقهاء (١) إلى أن الفيء لا يخمس، بل يصرف في مصالح المسلمين، وأن الإمام يعطي منه للمقاتلين، والولاة، والقضاة، والعمال، والأئمة، والمؤذنين، والفقهاء، وكل من يحتاج إليه المسلمون، ويصرف على بناء القناطر، والمساجد، وشق الطرق وغير ذلك، ويبدأ الإمام بالأهم فالمهم، فإن بقي بعد ذلك منه شيء قسمه بين المسلمين، ولا فرق بين الأغنياء والفقراء.
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ=
стр. 2559
وَمَنْ وَجَدَ كَافِرًا ضَالاً عَنِ الطَّرِيْقِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ دَارِ الإِسْلامِ، فَأَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ (١)،
ــ
=وَاللَّهُ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
وذهب الشافعية (٢) وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٣) إلى تخميس الفيء وصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة لقول الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٤)، فذكر الأصناف في هذه الآية من باب التعديد للأصناف الذين يستحقون هذا المال ومن ثم فلا يتعدى به هؤلاء.
وقال القاضي من الحنابلة (٥): إن الفيء لأهل الجهاد خاصة دون غيرهم من الأعراب ومن لا يعد نفسه للجهاد؛ لأن ذلك كان للنبي ﷺ لحصول النصرة به، فلما مات أعطي لمن يقوم مقامه في ذلك، وهم المقاتلة دون غيرهم.
(١) قوله «وَمَنْ وَجَدَ كَافِرًا ضَالاً عَنِ الطَّرِيْقِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ دَارِ الإِسْلامِ، فَأَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ»: وذلك لأنه وجده في دار الإسلام، فأشبه المباحات، والصيد، واللقطة، وفي رواية أنه يكون فيئاً، لأنه لم يوجف عليه وهو من مال الكفار، فأشبه ما لو أخذ من دراهم.
стр. 2560
وَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لَهُمْ أَرْضَ الحَرْبِ مُتَلَصِّصِيْنَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ، فَمَا أَخَذُوْا، فَهُوَ لَهُمْ بَعْدَ الخُمُسِ (١)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لَهُمْ أَرْضَ الحَرْبِ مُتَلَصِّصِيْنَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ، فَمَا أَخَذُوْا، فَهُوَ لَهُمْ بَعْدَ الخُمُسِ»: في هذه المسألة ثلاث روايات:
الأولى: أن غنيمتهم كغنيمة غيرهم يخمسها الإمام ويقسم الباقي بينهم لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١) , وبالقياس على ما إذا دخلوا بإذن الإمام، وهذا هو الأظهر، وهو قول عمر بن عبد العزيز ﵀.
الثانية: أن ما أخذوه فهو لهم من غير أن يخمس لأنه اكتساب مباح من غير جهاد أشبه الاحتطاب، فإن الجهاد إنما يكون بإذن الإمام أو من طائفة لهم منعة, فأما هذا فتلصص وسرقة ومجرد اكتساب.
الثالثة: أنه فيء لا حق لهم فيه لأنهم عصاة بفعلهم فلم يكن لهم فيه حق والأولى أولى (٢).
стр. 2561
بابُ الأَمانِ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ الأَمانِ»: الأمان في اللغة: عدم توقع مكروه في الزمن الآتي، وأصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، وعرفه الفقهاء بأنه: رفع استباحة دم الحربي، ورقه، وماله حين قتاله، أو الغرم عليه، مع استقراره تحت حكم الإسلام.
والعقود التي تفيد الكفار بالأمان ثلاثة: الأمان، والهدنة، والجزية، لأنه إن تعلق بمحصور فالأمان، أو بغير محصور، فإن كان إلى غاية فالهدنة، وإلا فالجزية، وهما مختصان بالإمام، بخلاف الأمان فعام، كما سيأتي.
والمراد بالأمان هنا: العهد للمحارب بعدم الاعتداء على نفسه، وماله، وعرضه، ودينه.
فَيُؤَمَّنُ الكافر مدة محدودة حتى يبيع تجارته ويرجع، أو حتى يشاهد بلاد المسلمين ويرجع، أو حتى يسمع كلام الله ويرجع.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، ومعنى ﴿اسْتَجَارَكَ﴾: طلب منك الجوار وهو الأمان، وقوله ﷺ : «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بهَا أَدْنَاهُمْ» (٢)، وهو من مكايد الحرب ومصالحه.
стр. 2562
وَمَنْ قَالَ لِحَرْبِيٍّ: قَدْ أَجَرْتُكَ، أَوْ أَمَّنْتُكَ، أَوْ لا بَأْسَ عَلَيْكَ، وَنَحْوَ هَذَا، فَقَدْ أَمَّنَهُ (١)، وَيَصِحُّ الأَمَانُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، عَاقِلٍ، مُخْتَارٍ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَمَنْ قَالَ لِحَرْبِيٍّ: قَدْ أَجَرْتُكَ، أَوْ أَمَّنْتُكَ، أَوْ لا بَأْسَ عَلَيْكَ، وَنَحْوَ هَذَا، فَقَدْ أَمَّنَهُ»: هذه هي الألفاظ التي يحصل بها الأمان.
فمتى تلفظ المسلم بشيءٍ منها لأهل الحرب حرم قتلهم، ومالهم، والتعرض لهم.
(٢) قوله «وَيَصِحُّ الأَمَانُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، عَاقِلٍ، مُخْتَارٍ»: هذه هي الشروط التي يجب أن تتحقق فيمن يعطي الأمان:
الأول: أن يكون مسلماً ، فلا يصح الأمان من كافر ليهودي، أو نصراني أو مشرك، لأنه متهم في الدين، فلا يؤمن على ذلك لقول النبي ﷺ : «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بهَا أَدْنَاهُمْ» (١)، فجعل الذمة للمسلمين فلا تحصل لغيرهم، فقد يكون تأمينه لغيره مصدر ضرر للمسلمين.
الثانِي: أن يكون عاقلاً ، فلا يصح الأمان من مجنون، لأن المجنون لا عقل له ولا قصد له فلا يعتد بأمانه.
الثالث: أن يكون مختاراً ، فلا يصح أمان المكره، لأن قول المكره لا يترتب عليه حكم شرعي، فلو دخل كافر مسلح، ووجد رجلاً من المسلمين وقال له: أمّنِّي وإلا قتلتك، فأمَّنه مكرهاً، فهذا الأمان لا يصح.
стр. 2563
حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «الْمُؤْمِنُوْنَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» (١)،
ــ
(١) قوله «حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «الْمُؤْمِنُوْنَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» (١): أي ويصح أمان الحر والعبد، والرجل والمرأة الكل في ذلك سواء، أما المرأة فقد اتفق الفقهاء على صحته منهما، فعن أم هانئ أنها قالت: يا رسول الله زعم ابن أمي أنه قاتل رجلاً قد أجرته فلان ابن هبيرة فقال رسول الله ﷺ : «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (٢)، وأجارت زينب بنت رسول الله ﷺ أبا العاص بن الربيع فأمضاه رسول الله ﷺ .
أما العبد فقد ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز عقد الأمان منه.
وقال أبو حنيفة (٣): لا يجوز أمان العبد إلا أن يكون مأذوناً له، لأنه لا يجب عليه الجهاد فلا يصح أمانه كالصبي، ولأنه مجلوب من دار الحرب فلا يؤمن أن ينظر لهم في تقديم مصلحتهم.
والصحيح: هو قول الجمهور لعموم قوله ﷺ : «الْمُؤْمِنُوْنَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» (٤)، وقال عمر: «العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم»، ولأنه مسلم مكلف أشبه الحر.
стр. 2564
وَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الرَّعِيَّةِ لِلْجَمَاعَةِ اليَسِيْرَةِ (١)، وَأَمَانُ الأَمِيْرِ لِلْبَلَدِ الَّذِيْ أُقِيْمَ بِإِزَائِهِ (٢)، وَأَمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيْعِ الكُفَّارِ (٣)، وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانِهِمْ، فَقَدْ أَمَّنَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ (٤)،
ــ
(١) قوله «وَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الرَّعِيَّةِ لِلْجَمَاعَةِ اليَسِيْرَةِ»: أي ويصح الأمان من واحد من الرعية، يعني عامة المسلمين للجماعة القليلة كعشرة رجال أو أكثر، وذلك لعموم حديث: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (١).
و هل لذلك عدد معين ؟ نقول اختلفت الرواية (٢) في ذلك فقيل: لقافلة صغيرة وحصن صغير، وأطلق في الروضة لحصن أو بلد، وأنه يستحب استحباباً أن لا يجار على الأمير إلا بإذنه، وقيل لمائة.
والأظهر عندي أنه لا يصح أمانه لأهل بلدة كبيرة، لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد والافتيات على الإمام.
(٢) قوله «وَأَمَانُ الأَمِيْرِ لِلْبَلَدِ الَّذِيْ أُقِيْمَ بِإِزَائِهِ»: أي ويصح الأمان من الأمير لأهل بلدة جُعل بإزائهم، أي: بحذائهم، لأن له الولاية على من بإزائه دون غيره، فاختص به.
(٣) قوله «وَأَمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيْعِ الكُفَّارِ»: أي ويصح أمان الإمام لجميع الكفار، لأن له الولاية على جميع المسلمين، فجاز أن يكون تأمينه عاماً.
(٤) قوله «وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانِهِمْ، فَقَدْ أَمَّنَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ»: أي متى أعطوه الأمان فلا يجوز لهم أن يتعرضوا له بسوءٍ، لأنهم إنما أعطوه الأمان=
стр. 2565
وَإِنْ خَلَّوْا أَسِيْرًا مِنَّا بِشَرْطِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَعْلُوْمًا، لَزِمَهُ الوَفَاءُ لَهُمْ (١)، فَإِنْ شَرَطُوْا عَلَيْهِ أَنْ يَعُوْدَ إِلَيْهِمْ، إِنْ عَجِزَ عَنْهُ، لَزِمَهُ العَوْدُ (٢)،
ــ
=مشروطاً بأمنه إياهم من نفسه وترك خيانتهم حتى وإن لم يكن ذلك مذكوراً حال إعطاءهم الأمان، فهو معلوم في المعنى ولا يصلح في ديننا الغدر.
(١) قوله «وَإِنْ خَلَّوْا أَسِيْرًا مِنَّا بِشَرْطِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَعْلُوْمًا، لَزِمَهُ الوَفَاءُ لَهُمْ»: لأن الله سبحانه قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (١)، ولأن النبي ﷺ صالح أهل الحديبية على رد من جاءه فوفى لهم، ولأنه لا يصلح في ديننا الغدر، ولأن في الوفاء مصلحة للأسرى وفي منعه مفسدة في حقهم لأنهم لا يأمنون بعده أسيراً، والحاجة داعية إلى ذلك فلزم الوفاء به كما يلزم الوفاء بعقد الهدنة.
(٢) قوله «فَإِنْ شَرَطُوْا عَلَيْهِ أَنْ يَعُوْدَ إِلَيْهِمْ، إِنْ عَجِزَ عَنْهُ، لَزِمَهُ العَوْدُ»: هذا في إحدى الروايتين في المذهب (٢)، لأن النبي ﷺ عاهد أهل الحديبية على رد من جاء مسلماً فرد أبا جندل وأبا بصير، ولأنه لا يصلح في ديننا الغدر.
والرواية الأخرى: لا يرجع لأن الرجوع إليهم معصية فلم يلزم بالشرط كما لو كان امرأة، وكما لو شرط شرب الخمر أو قتل مسلم.
стр. 2566
إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ امْرَأَةً فَلا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ (١)،
ــ
(١) قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ امْرَأَةً، فَلا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ»: أي فإن كان الأسير امرأة لم ترجع إليهم ولم يحل لها ذلك لقول الله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١)، ولأن في رجوعها تسليطاً لهم على وطئها حراماً، وقد منع الله رسوله رد النساء إلى الكفار.
стр. 2567
فَصْلٌ فِيْ الهُدْنَةِ (١)
وَتَجُوْزُ مُهَادَنَةُ الكُفَّارِ (٢)، إِذا رَأَى الإِمَامُ المَصْلَحَةَ فِيْهَا (٣)،
ــ
(١) قوله «فَصْلٌ فِيْ الهُدْنَةِ»: الهدنة: مشتقة من هَدَنْتُ الصبي إذا سكنته، والمراد بها هنا: الاتفاق على وقف القتال بين المتحاربين مدة معينة، بعوض أو غيره، مع استمرار حالة الحرب.
(٢) قوله «وَتَجُوْزُ مُهَادَنَةُ الكُفَّارِ»: لا خلاف بين الفقهاء في ذلك دليل ذلك قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (٢).
أما من السنة فمن ذلك: مهادنته ﷺ قريشاً عام الحديبية عشر سنين.
وقد أجمعت الأمة على مشروعية الهدنة مع غير المسلمين في الجملة.
وهي جائزة لا واجبة كما ذكر المؤلف.
وقد تجب لضرورة كأن يترتب على تركها إلحاق ضرر بالمسلمين لا يتدارك.
(٣) قوله «إِذا رَأَى الإِمَامُ المَصْلَحَةَ فِيْهَا»: هذا شرط في الهدنة، وهو أن يكون فيها مصلحة للمسلمين لأن ما لا مصلحة للمسلمين فيه لا يجوز للإمام فعله.
стр. 2568
وَلا يَجُوْزُ عَقْدُهَا إِلاَّ مِنَ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (١)، وَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنَ المُسْلِمِيْنَ (٢)، دُوْنَ أَهْلِ الحَرْبِ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَلا يَجُوْزُ عَقْدُهَا إِلاَّ مِنَ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ»: هذا هو قول جمهور الفقهاء، أي أنه يلزم أن يكون العاقد للهدنة هو الإمام أو نائبه، فلا يصح أن يعقدها غير الإمام أو نائبه، لما فيه من الخطر، ولأن النبي ﷺ هادن بني قريظة بنفسه، وهادن قريشاً بالحديبية بنفسه، وأمَّن صفوان بن أمية عام الفتح بنفسه، ولأن إشراف الإمام على جميع الأمور العامة فهو أعرف بمصالحها من أشتات الناس، ولأن تجويزه لغيره يتضمن تعطيل الجهاد، وفيه افتيات على الإمام.
وذهب الحنفية (١) إلى أنه لا يشترط إذن الإمام، فيجوز عقد الهدنة لفريق من المسلمين كما يجوز للإمام ونائبه ولو بغير إذن الإمام؛ لأن المعول عليه وجود المصلحة في عقدها؛ فحيث وجدت جازت.
والصحيح هو قول الجمهور.
(٢) قوله «وَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنَ المُسْلِمِيْنَ»: أي وعلى الإمام حماية من هادنهم من المسلمين، لأنه أمَّنَهم ممن هو في قبضته وتحت يده، وليس عليه حمايتهم من غير المسلمين، لأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط.
(٣) قوله «دُوْنَ أَهْلِ الحَرْبِ»: أي لا يلزم الإمام حمايتهم من أهل الحرب ولا حماية بعضهم من بعض لأن الهدنة التزام الكف عنهم فقط.
стр. 2569
وَإِنْ خَافَ نَقْضَ العَهْدِ مِنْهُمْ نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ (١)، وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارُ آخَرُوْنَ، لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ خَافَ نَقْضَ العَهْدِ مِنْهُمْ نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ»: أي متى خاف الإمام ممن عاهدهم أن ينقضوا العهد لوجود قرائن فإنه يَنْبِذُ إليهم عهدهم، أي يطرحه ويلغيه، ويخبرهم بذلك قبل الهجوم عليهم، لئلا يقع في الخيانة، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (١).
ومعنى ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: أي أعلمهم بنقض عهدهم حتى تصير أنت وهم سواء في العلم، ولا يكفي وقوع ذلك في قلبه حتى يكون عن أمارة تدل عليه.
(٢) قوله «وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارُ آخَرُوْنَ، لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ»: أي فان أغار عليهم قوم آخرون فسبوهم لم يلزمه استنقاذهم وليس للمسلمين شراؤهم لأنهم في عهدهم، ولا يجوز لهم شراؤهم ولا استرقاقهم، ويحتمل جواز ذلك، لأنه لا يجب عليه أن يدافع عنهم فلم يحرم.
ذكر بعض المسائل المتعلقة بالهدنة:
المسألة الأولى: هل تجوز الهدنة مع الكفار بعوض ؟
لا إشكال أنه يجوز أن يكون العوض من الكفار فإنه من جنس الجزية.
لكن: هل يجوز أن يكون العوض من المسلمين؟
نقول اختلف الفقهاء في ذلك، والصحيح من أقوالهم: أن ذلك لا يجوز=
стр. 2570
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= لما في فيه من ذلة وصغار، ولأنه من جنس الجزية، ولا يجوز للمسلمين أن يرضوا بالصغار والذلة وقد أظهرهم الله، لكن يستثنى من ذلك ما لو اضُطر المسلمون إلى ذلك فإن الضرورات تبيح المحرمات، فإذا خشي المسلمون على أنفسهم، وأموالهم، وذراريهم، وبلادهم وكان للكفار سطوة، وقوة، والمسلمون على ضعف فيجوز إقامة الهدنة بعوض من المسلمين من باب الوقوع في المفسدة الصغرى دفعاً للمفسدة الكبرى.
المسألة الثانية: في مدة الهدنة:
اختلف الفقهاء في اشتراط تحديد مدة معينة لصحة الهدنة:
فذهب جمهور الفقهاء إلى أنها لا تنعقد مطلقة، لأن إطلاقها بلا تحديد مدتها يؤدي إلى ترك الجهاد، واختلفوا في المدة المذكورة:
فقال المالكية (١) لا حد واجب لمدة الهدنة، بل هي على حسب اجتهاد الإمام ورأيه.
وذهب الشافعية (٢) إلى أنها أربعة أشهر إن كان المسلمون بقوة وكانت المصلحة في عقدها رجاء إسلامهم أو بذلهم الجزية أو غير ذلك من المصالح، غير ضعف المسلمين وهي عشر سنين وما دونها إن كان بالمسلمين ضعف؛ لأن النبي ﷺ هادن صفوان بن أمية أربعة أشهر عام الفتح رجاء إسلامه وكان المسلمون في قوة، وهادن قريشاً عام الحديبية=
стр. 2571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=عشر سنين وكان بالمسلمين ضعف، فإن زاد في الحالة الأولى على أربعة أشهر، وعلى العشر في الحالة الثانية لم يصح العقد.
وذهب الحنابلة (١) إلى أنه متى رأى الإمام أو نائبه المصلحة في عقدها لضعف في المسلمين عن القتال، أو لمشقة الغزو أو لطمعه في إسلامهم، أو في أدائهم الجزية، أو غير ذلك من المصالح جاز له عقدها مدة معلومة.
وإن هادنهم مطلقاً بأن لم يقيد بمدة لم يصح، لأن الإطلاق يقتضي التأييد وذلك يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية وهو غير جائز.
وذهب الحنفية (٢) إلى أن عقد الهدنة يصح أن يكون مطلقاً عن المدة، ويصح أن يكون مؤقتاً بمدة معينة، فإذا رأى الإمام أن يصالح أهل الحرب أو فريقاً منهم وكان في ذلك الصلح مصلحة للمسلمين فلا بأس به، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ﴾ (٣)، والآية وإن كانت مطلقة لكن أجمع الفقهاء على تقييدها برؤية مصلحة للمسلمين في ذلك بآية أخرى هي قوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ (٤)، ووادع رسول الله ﷺ أهل مكة عام الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، ولا يقتصر جواز الهدنة على المدة المذكورة في الحديث لتعدي المعنى - وهو حاجة المسلمين - =
стр. 2572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=أو ثبوت مصلحتهم ودفع الشر عنهم إلى ما زاد عليها، لأن مدة الهدنة تدور مع المصلحة، وهي قد تزيد وتنقص.
وهذا هو الأقرب عندي، وهو اختيار شيخنا (١)، فيجوز أن تكون الهدنة مطلقةً بدون تحديد للمصلحة، ولكن تكون عقداً جائزاً، بمعنى أن المسلمين إذا رأوا من أنفسهم القوة نبذوا العهد، ولكن لا بد أن يُعلموا عدوهم بأننا عقدنا معكم هذه الهدنة للحاجة، والآن لا نحتاجها، فإما أن تسلموا، وإما أن نقاتلكم، فالمرجع في ذلك إلى المصلحة، ولو زاد على عشر سنين.
المسألة الثالثة: إذا كان في الهدنة شرط يخالف كتاب الله أو يخالف مقتضى العقد: فإن الهدنة لا تصح. فلا يجوز للإمام أن يعقد الهدنة على شروط محظورة قد منع الشرع منها، كأن يهادنهم على خراج يضربونه على بلاد المسلمين، أو على مال يحمله الإمام إليهم، أو على رد ما غنم من سبي ذراريهم؛ لأنها أموال مغنومة، أو على دخول الحرم، أو استيطان الحجاز، أو على ترك القتال أبداً، أو على ألا يستنقذ أسرانا منهم، فهذه وما شاكلها شروط محظورة قد منع الشرع منها، فلا يجوز اشتراطها في عقد الهدنة، فإن شرط بطلت الشروط وعلى الإمام نقضها، لقوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ (٢).
стр. 2573
وَتَجِبُ الهَجْرَةُ عَلى مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إِظْهَارِ دِيْنِهِ فِيْ دَارِ الحَرْبِ (١)،
ــ
(١) قوله «وَتَجِبُ الهَجْرَةُ عَلى مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إِظْهَارِ دِيْنِهِ فِيْ دَارِ الحَرْبِ»: الهجرة لغة: مفارقة بلد إلى غيره، وهي اسم من هاجر مهاجرة.
وفي الاصطلاح: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن كانت قربة لله فهي الهجرة الشرعية.
وقد قسم الفقهاء الناس في شأن الهجرة من دار الحرب إلى ثلاثة أضرب:
الأول: من تجب عليه الهجرة: وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه مع المقام في دار الحرب، وإن كانت أنثى لا تجد محرماً، إن كانت تأمن على نفسها في الطريق، أو كان خوف الطريق أقل من خوف المقام في دار الحرب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١)، ففي الآية وعيد شديد، والوعيد الشديد لا يكون إلا في ارتكاب المحرم وترك الواجب، ولحديث: «أَنَا بَرِاءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» قالوا يا رسول الله لم: قال «لا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» (٢).
أما حديث: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» (٣)، فمعناه لا هجرة من مكة بعد=
стр. 2574
وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدِرَ عَلى ذلِكَ (١)،
ــ
= فتحها، لصيرورة مكة دار إسلام إلى يوم القيامة.
الثاني: من لا هجرة عليه وهو من يعجز عنها، إما لمرض، أو إكراه على الإقامة في دار الكفر، أو ضعف كالنساء، والولدان لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ (١).
الثالث: من تستحب له الهجرة، ولا تجب عليه ، وهو: من يقدر على الهجرة ويتمكن من إظهار دينه في دار الحرب، فهذا يستحب له الهجرة ليتمكن من الجهاد، وتكثير المسلمين.
وقال الحنفية (٢): لا تجب الهجرة من دار الحرب لخبر: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (٣)، أما حديث: «ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ» (٤) فمنسوخ بحديث: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ».
والصواب عندي قول جمهور الفقهاء، وهو قول المؤلف كما نرى.
(١) قوله «وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَدِرَ عَلى ذلِكَ»: أي وتستحب الهجرة لمن قدر عليها، وقد سبق بيان ذلك قريباً في أقسام الناس مع الهجرة.
стр. 2575
وَلا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا قُوْتِلَ الكُفَّارُ، إِلاَّ مِنْ بَلَدٍ بَعْدَ فَتْحِهِ (١)،
ــ
(١) قوله «وَلا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا قُوْتِلَ الكُفَّارُ، إِلاَّ مِنْ بَلَدٍ بَعْدَ فَتْحِهِ»: أي وتستحب الهجرة، ولا تجب عليه، لمن قدر عليها ويتمكن من إظهار دينه في دار الحرب كما سبق بيانه.
стр. 2576
بابُ الجِزْيَةِ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ الجِزْيَةِ»: الجزية في اللغة: مشتقة من الجزاء والمجازاة، قال الجوهري: الجزية ما يؤخذ من أهل الذمة، والجمع الجزى - بالكسر - مثل لحية ولحى.
وهي عبارة عن المال الذي يعقد الذمة عليه للكتابي، وهي فعلة من الجزاء كأنها جزت عن قتله.
والمراد بها هنا: ما يؤخذ من الكفار جزاء الكف عن قتالهم، أو إسكانهم دار الإسلام.
والأصل فيها: الكتاب والسُّنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١)، ومعنى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، أي ذليلون عند إعطائها، فلا يرسلون بها رسولاً، ولا يتعاظمون, ولا يُعظَّمون عند تسليمها.
وأما السُّنة فمنها: ما روى المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند: «أَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا ﷺ أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، أَو تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ» (٢). =
стр. 2577
وَلا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ إِلاَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَهُمُ اليَهُوْدُ وَمَنْ دَانَ بِالتَّوْرَاةِ، وَالنَّصَارَى وَمَنْ دَانَ بِالإِنْجِيْلِ، وَالْمَجُوْسُ إِذَا التَزَمُوْا أَدَاءَ الجِزْيَةِ وَأَحْكَامَ الْمِلَّةِ (١)،
ــ
=وقد أجمع المسلمون في الجملة على جواز أخذ الجزية.
وأما المعقول فهو أن الذمي يتمتع بحماية الدولة من أيِّ عدوان خارجي أو داخلي، ويُعفى من الخدمة العسكرية، فلابد من دفع ضريبة مقابل تلك الحماية ومقابل استقراره في دار الإسلام وحقن دمه والكفِّ عن قتاله.
(١) قوله «وَلا تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ إِلاَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَهُمُ اليَهُوْدُ وَمَنْ دَانَ بِالتَّوْرَاةِ، وَالنَّصَارَى وَمَنْ دَانَ بِالإِنْجِيْلِ، وَالْمَجُوْسُ إِذَا التَزَمُوْا أَدَاءَ الجِزْيَةِ وَأَحْكَامَ الْمِلَّةِ»: أي إن الجزية لا تؤخذ إلا من كتابي أو مجوسي.
والمراد بالكتابي: اليهودي، والنصراني، والمراد بالكتاب: «التوراة» المنَزلة على موسى، و «الإنجيل» المنَزل على عيسى - عليهما الصلاة والسلام -.
ودليل ذلك الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١).
فقوله: ﴿مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية، بيان للذين في قوله: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
وأما المجوس فهم عَبَدَة النيران، القائلون إن للعالم أصلين: نوراً وظلمة، يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد.
стр. 2578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والدليل على أخذ الجزية منهم، حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» (١)، وهَجَرُ بالتحريك: اسم بلد معروف بالبحرين.
ويشهد له حديث عمرو بن عوف الأنصاري ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ إِلَى البَحْرَينِ يَأتِي بِجِزْيَتِهَا» (٢).
وما ذكره المصنف من أن الجزية إنما تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس هو المذهب (٣)، وهو قول الشافعية (٤)، وابن حزم الظاهري (٥)، فلا تؤخذ من غيرهم، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال، ودليل ذلك حديث ابن عمر ﵁: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ» (٦)، فدلَّ على وجوب مقاتلة جميع الناس، وخصّ منهم أهل الكتاب بنص القرآن، والمجوس بالسنة، فيبقى سائر الكفار على عموم الحديث، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال.
القول الثانِي: أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار إلا عَبَدَة الأوثان من العرب، فلا تؤخذ منهم، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وهو=
стр. 2579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=قول الحنفية (١)، ورواية عن أحمد (٢)، واستدلوا بأن الرسول ﷺ لم يأخذها منهم، ولأنهم أغلظ كفراً من غيرهم، لأنهم رهط النبي ﷺ ، ونزل القرآن بلغتهم، فكانت المعجزة في حقهم أظهر.
القول الثالث: أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار، وهذا قول المالكية (٣)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وتلميذه ابن القيم (٥)، لحديث بريدة ﵁ المتقدم وفيه: «وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ ... فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَسَلهُمْ الجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَل مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ»، وهذا دليل على العموم.
ويدل لذلك أيضاً كون النبي ﷺ كما تقدم أخذها من مجوس هجر (٦)، مع أنهم ليسوا من أهل الكتاب فيدل على أنها تؤخذ من كل كافر، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأنه إذا جاز أخذها من أهل الكتاب والمجوس، فغيرهم مثلهم، لأن المقصود إقرار الكافر على دينه على وجه معين أو مخصوص وهو حاصل لكل كافر، وهذا هو الراجح، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٧).
стр. 2580
وَمَتَى طَلَبُوْا ذلِكَ، لَزِمَ إِجَابَتُهُمْ وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ (١). وَتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ فِيْ رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ (٢). مِنَ المُوْسِرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِمَّنْ دُوْنَهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا (٣)،
ــ
(١) قوله «وَمَتَى طَلَبُوْا ذلِكَ، لَزِمَ إِجَابَتُهُمْ وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ»: أي متى طلبوا منا أن يعطوا إلينا الجزية وأنهم ملتزمون بها، لزم إمام المسلمين قبول ذلك منهم وحرم عليه قتالهم لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، إلى قوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ , فجعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم فمتى بذلوها لم يجز قتالهم.
(٢) قوله «وَتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ فِيْ رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ»: أي تؤخذ الجزية بداية كل عام، لأنه مال يتكرر بتكرر الحول فلا تجب إلا بأوله كالزكاة والدية.
(٣) قوله «مِنَ المُوْسِرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُوْنَ دِرْهَمًا، وَمِمَّنْ دُوْنَهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا»: هذا هو القدر الواجب دفعه ممن تلزمه الجزية، وهو شيء زهيد مقابل ما يتمتع به الذمي من الحماية، فمقدارها ثمانية وأربعون درهماً على الغني، وأربعة وعشرون على المتوسط، واثنا عشر على الفقير، لأن عمر ﵁ فعل هكذا بمحضر من الصحابة ولم يُنْكَر عليه، بل عمل به من بعده الخلفاء ﵃، فصار إجماعاً.
وأما ما تقدم في حديث معاذ ﵁ في بعثه إلى أهل اليمن: «خُذْ مِنْ كُلّ حَالِم دِينَاراً» فلأن الفقر كان في اليمن أغلب، فراعى النبي ﷺ حالتهم.
والأظهر عندي، وهو اختيار شيخنا ﵀ أن تقدير الجزية موكول إلى =
стр. 2581
وَلا جِزْيَةَ عَلى صَبِيٍّ، وَلا امْرَأَةٍ، وَلا شَيْخٍ فَانٍ، وَلا زَمِنٍ، وَلا أَعْمَى، وَلا عَبْدٍ (١)،
ــ
= رأي الإمام، واجتهاده، كما اجتهد عمر ﵁، وذلك لتغير الأحوال، بتغير الأزمان، فيرجع فيها إلى ما يراه ولي الأمر مصلحة، وما يرضى به المعاهدون، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١).
(١) قوله «وَلا جِزْيَةَ عَلى صَبِيٍّ، وَلا امْرَأَةٍ، وَلا شَيْخٍ فَانٍ، وَلا زَمِنٍ، وَلا أَعْمَى، وَلا عَبْدٍ»: هؤلاء هم الأصناف الذين تسقط عنهم الجزية وهم الصبي، أو المرأة، أو زائل العقل، أو شيخٍ فانٍ - أي الضعيف -، أو الزمن - وهو من مرضه يدوم طويلاً -، أو أعمى، ونحوهم فلا جزية عليه، لأن الجزية تؤخذ لحقن الدم، وهؤلاء دماؤهم محقونة بدونها.
وعن نافع، عن أسلم مولى عمر أن عمر ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد: «أَنْ يَضْرِبُوا الجِزْيَةَ، ولا يَضْرِبُوها عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، ولا يَضْرِبُوها إِلا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيهِ المَوَاسِي» (٢)، يعني: من أنبت.
وعن معاذ ﵁ قال: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اليَمَنِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَاراً، أَو عِدْلَهُ مِنَ المَعَافِر ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ» (٣). =
стр. 2582
وَلا فَقِيْرٍ عَاجِزٍ عَنْهَا (١). وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ وُجُوْبِهَا، سَقَطَتْ عَنْهُ (٢)، وَإِنْ مَاتَ، أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ (٣)،
ــ
=فهذا دليل على أن الجزية إنما تجب على الذكر دون الأنثى، لأن الحالم عبارة عن الرجل، كما أن فيه دليلاً على نوع التسامح الإسلامي في الجزية حيث أخذت قيمتها من صنائع أهل الذمة وأموالهم، كالثياب ونحوها.
(١) قوله «وَلا فَقِيْرٍ عَاجِزٍ عَنْهَا»: أي لا تجب الجزية على فقير، لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١)، ولأنه مال يجب بحول الحول، فلم يلزم الفقير، كالزكاة والعقل، واشترط المصنف في الفقير العجز عن الأداء، لأنه هو الذي يتعذر عليه، وتشمله الآية، فلو كان قادراً عليها ولو بصنعةٍ وجبت عليه، لأنه في حكم الأغنياء.
(٢) قوله «وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ وُجُوْبِهَا، سَقَطَتْ عَنْهُ»: أي إن من أسلم ممن لزمته الجزية بعد وجوبها عليه سقطت عنه الجزية، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢)، ولأن الجزية صَغَارٌ فلا تجب عليه كالمسلم، ولأنها وجبت بسبب الكفر، فوجب أن يسقطها الإسلام، كالقتل.
(٣) قوله «وَإِنْ مَاتَ، أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ»: أي فان مات من تلزمه الجزية بعد الحول لم تسقط عنه الجزية لأنه دين وجب عليه في حياته فلم يسقط بموته كديون الآدميين، وقيل: أنها تسقط بالموت لأنها عقوبة فتسقط بالموت كالحدود، ولأنها تسقط بالإسلام فسقطت بالموت كما قبل الحول.
стр. 2583
وَمَنِ اتَّجَرَ مِنْهُمْ إِلى غَيْرِ بَلَدِهِ، ثُمَّ عَادَ، أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ العُشْرِ (١)،
ــ
(١) قوله «وَمَنِ اتَّجَرَ مِنْهُمْ إِلى غَيْرِ بَلَدِهِ، ثُمَّ عَادَ، أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ العُشْرِ»: أي ومن أتجر ممن يدفع الجزية إلى غير بلده بأن انتقل من بلد إلى آخر عندنا، أُخذ منه ضريبة تجارة بمقدار نصف العشر في المال الذي يتجرون به مرة في السنة، لما روى أنس بن مالك ﵁ قال: «أمَرَنِي عُمَر آخُذُ مِنَ المُسلِمِينَ رُبعَ العُشرِ، وَمِن أهلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ العُشرِ» (١).
وقال الشافعي (٢) ليس عليه إلا الجزية إلا أن يدخل أرض الحجاز فينظر في حاله، فإن كان لرسالة أو نقل ميرة أذن له بغير شيء، وإن كان لتجارة لا حاجة بأهل الحجاز إليها لم يأذن له إلا أن يشترط عليه عوضاً بحسب ما يراه.
والصواب: هو ما ذهب إليه المؤلف لفعل عمر ﵁، وقد عمل الصحابة ﵃ بفعل عمر ﵁ فيكون إجماعاً، قاله ابن قدامة (٣)، وإنما كان مرة في السنة، لأنه أشبه الزكاة والجزية، فلا يؤخذ إلا مرة في العام، وشرط ذلك بلوغ النصاب، وألا يكون على الذمي دين يستوعب هذا المال، فإن أثبته بالبينة لم يُعَشَّرْ.
وإنما أُخذ من الذمي نصف العشر، لأنه لا يؤخذ من أمواله شيء، سوى ما يؤخذ من أمواله التجارية التي ينتقل بها من بلد إلى بلد، أما أمواله في بلده=
стр. 2584
وَإِنْ دَخَلَ إِلَيْنَا تَاجِرٌ حَرْبِيٌّ، أُخِذَ مِنْهُ العُشْرُ (١)، وَمَنْ نَقَضَ العَهْدَ بِامْتِنَاعِهِ مِنِ التِزَامِ الجِزْيَةِ، أَوْ أَحْكامِ الْمِلَّةِ، أَوْ قِتَالِ المُسْلِمِيْنَ وَنَحْوِهِ، أَوِ الْهَرَبِ إِلى دَارِ الحَرْبِ، حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ (٢)،
ــ
= وأمواله الباطنة كالذهب، والفضة، وزروعه، وسوائمه، فلا يؤخذ منها شيء، بخلاف المسلم فإنه يدفع زكاة جميع أمواله، وعلى هذا فما يؤخذ من الذمي أقل بكثير مما يؤخذ من المسلم.
(١) قوله «وَإِنْ دَخَلَ إِلَيْنَا تَاجِرٌ حَرْبِيٌّ، أُخِذَ مِنْهُ العُشْرُ»: أي إن الحربي - وهو من يحمل جنسية الدولة الكافرة المحاربة للمسلمين - يؤخذ منه عشر المال الذي يتجر به إذا مر في بلدنا، وقال أبو حنيفة (١) لا يؤخذ منهم شيء إلا أن يكونوا يأخذون منا شيئاً فنأخذ منهم مثله.
والصواب: هو القول الأول لأن عمر ﵁ أخذ من أهل الحرب العشر (٢)، واشتهر فيما بين الصحابة والخلفاء بعده، فكان إجماعاً.
(٢) قوله «وَمَنْ نَقَضَ العَهْدَ بِامْتِنَاعِهِ مِنِ التِزَامِ الجِزْيَةِ، أَوْ أَحْكامِ الْمِلَّةِ، أَوْ قِتَالِ المُسْلِمِيْنَ وَنَحْوِهِ، أَوِ الْهَرَبِ إِلى دَارِ الحَرْبِ، حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ»: لأنه عقد بشرط، فمتى لم يوجد الشرط زال حكم العقد، كما لو امتنع من التزام الأحكام فإنه إذا امتنع منها وقد حكم بها حاكم أو من ترك الجزية انتقض عهده، وقد روي أن عمر ﵁ رُفع إليه رجل قد أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا فقال: «ما على هذا صالحناكم وأمر به فصلب=
стр. 2585
وَلا يَنْتَقِضْ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلادِهِ بِنَقْضِهِ (١)، إِلاَّ أَنْ يَذْهَبَ بِهِمْ إِلى دَارِ الحَرْبِ (٢)،
ــ
=في بيت المقدس؛ ولأن فيه ضرراً على المسلمين فأشبه الامتناع من بذل الجزية».
(١) قوله «وَلا يَنْتَقِضْ عَهْدُ نِسَائِهِ وَأَوْلادِهِ بِنَقْضِهِ» لان النقض وجد منه دونهم فاختص حكمه به
(٢) قوله «إِلاَّ أَنْ يَذْهَبَ بِهِمْ إِلى دَارِ الحَرْبِ»: لأنهم صاروا بذلك حربيين مثله بانتقالهم إلى دار الحرب، وقيل: لا يباح سبي الذرية وإن ذهب بهم إلى دار الحرب لأن النقض إنما وجد منه دونهم.
- فائدة: في ذكر بعض الأحكام المتعلقة بأهل الذمة (١): هذه جملة من الأحكام المتعلقة بأهل الذمة والتي لم يذكرها المؤلف ﵀ ذكرتها لأهميتها، فمن هذه الأحكام:
١ - يلزم أهل الذمة أن يكونوا متميزين عن المسلمين في الحياة وفي الممات.
أما في الممات فيلزم أن تكون قبورهم منفردة لا يقبرون مع المسلمين، حتى لو كان صبيّاً مات وأبواه كافران فإنه لا يجوز أن يدفن في مقابر المسلمين، بل يتميزون. وكذلك في الحياة يجب أن يتميزوا عن المسلمين في المظهر والملبس والمركب؛ لئلا يغتر الناس بهم.
فمثلاً: في المظهر قال أهل العلم: يحلقون مقدم رؤوسهم، فتكون لهم قصة للشعر يتميزون بها عن غيرهم من المسلمين، وفي الملبس يشدون=
стр. 2586
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أوساطهم بالزِّنّار حتى يعرف أنهم من أهل الذمة.
وكذلك يجعل لهم علامة عند دخول الحمامات، فيجعل لهم جرس صغير أو طوق تطوق به أعناقهم، بشرط ألاّ يكون فيه الصليب، لأنهم يمنعون من إظهار الصليب، إذ إن الصليب شعار دينهم، فيمنعون من إظهاره.
وكذلك أيضاً في المراكب، لا يركبون الخيل أبداً، لأن الخيل هي مادة القتال والجهاد، وإنما يركبون الإبل والحمير، ولا يُسرجونها أي لا يجعلون عليها سَرْجاً، والسَّرج هو عبارة عن «الرحل المنمق المحسن»، بل يركبون بإكاف، وهو البردعة، وهي عبارة عن شيء كالمخدة مستطيل على طول ظهر الحمار، تربط عليه ثم يركب عليها لأنها لا تنبئ عن كبرياء أو شرف، أما السرج فمعروف أنه يكون له نقوش، ووشي، وأشياء تتدلى، ويكون حسناً.
ويجب أن يكون ركوبهم عرضاً ليس كركوب المسلمين، أي إذا ركب الإنسان الدابة يجعل إحدى رجليه عن اليمين والثانية عن اليسار، وهم يجعلون الأرجل إما على اليمين، وإما على اليسار جميعاً، ولا يجعل الرجل اليمنى على اليمين واليسرى على اليسار؛ بل يركبون عرضاً، هكذا جرت الشروط التي بينهم وبين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
وفي عهدنا الآن ليس هناك خيل، ولا حمير تركب وتستعمل؛ ولكن يوجد سيارات، فماذا يركبون من السيارات؟ =
стр. 2587
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=الجواب:
١ - أما الأشياء الفخمة فَيُمنعون منها؛ لأن هذا يدعو إلى شرفهم وسيادتهم وأن يشار إليهم بالأصابع. ويحتمل أن يقال: إنهم منعوا من ركوب الخيل؛ لأنها مادة الحرب وآلة الحرب لا من أجل أن فيها الفخر وفيها الزينة، ولكن الأول أولى، أي أنهم يمنعون من ركوب الأشياء الفخمة قياساً على الخيل.
٢ - لا يجوز أن يكونوا في صدر المجلس بل في آخره ، هذا عند ابتداء الجلوس لا إشكال فيه، أي إذا دخل جماعة من المسلمين، ومعهم أحد من أهل الذمة، فإنه لا يمكن أن يتقدم أهل الذمة حتى يكونوا في صدر المجلس، لأن صدر المجلس إنما هو لأشراف القوم وأسيادهم، وهم ليسوا من أهل الشرف والسيادة. لكن إذا كانوا في مجلس جالسين، ثم دخل جماعة من المسلمين هل يُقَامُون من صدر المجلس؟
الجواب: نعم إذا كان المجلس عاماً، أما إذا كان المجلس بيتاً لهم فهم في بيوتهم أحرار، وإن كان عامّاً فإنهم لا يصدرون في المجالس؛ لأن الإسلام هو الذي له الشرف، وهو الذي يعلو ولا يُعلى عليه.
٣ - إذا أقبلوا فلا يقام لهم، لأن ذلك إكرام لهم ، ولو كان كبيراً، بأن كان وزيراً، أو كان رئيساً، لكن إذا لم يكن من أهل الذمة وقدم إلى بلد الإسلام فهل يقام له، لأنه من ذوي الشرف والجاه في قومه، ولأن ذلك مما جرت به العادة بين الناس ورؤساء الدول، أو لا يقام له؟ =
стр. 2588
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=الجواب: هذا محل نظر، وفرق بين هذه المسألة وبين مسألة أهل الذمة، لأن أهل الذمة تحت ولايتنا، ونحن لنا الولاية عليهم فلا يمكن أن نكرمهم بالقيام لهم.
٤ - لا يجوز أن نبدأهم بالسلام ، فإن سلموا وجب الرد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، ولقول النبي ﷺ : «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم»، فأمرنا أن نرد عليهم، أما البداءة فلا. وهل يجوز أن نبدأهم بكيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ وما أشبه ذلك؟
الجواب: المذهب لا يجوز؛ لأن النهي عن بداءتهم بالسلام، لئلا نكرمهم بدليل قوله ﷺ : «وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه»، فإذا قلنا: كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ كيف أنت؟ كيف حالك؟ فهذا نوع من الإكرام.
وقال شيخ الإسلام: يجوز أن نقول له كيف حالك؟ وكيف أصبحت؟ وكيف أنت؟ ؛ لأن الرسول ﷺ إنما نهى عن بداءتهم بالسلام، والسلام يتضمن الإكرام والدعاء؛ لأنك إذا قلت: السلام عليك فأنت تدعو له، أما هذا فهو مجرد ترحيب وتحية. وينبغي أن يقال: إذا كانوا يفعلون بنا مثل ذلك فلنفعله بهم، أو كان هذا لمصلحة كالتأليف لقلوبهم فلنفعله بهم، أو كان ذلك خوفاً من شرهم فلنفعله بهم.
فإذا قدر مثلاً أنك في شركة مديرها كافر، فإنك لو دخلت عليه لتراجعه=
стр. 2589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=في شأن هذه الشركة ولم تسلم عليه، لكان في قلبه عليك شيء وربما يضرك، فإذا قلت: كيف أصبحت؟ كيف حالك؟ فهذا يزيل ما في قلبه من الضغينة وتَسلم من شره، ولا يدخل هذا في نهي الرسول ﷺ عن بداءتهم بالسلام.
وإذا سلموا فيجب علينا أن نرد عليهم بدلالة القرآن والسنة، ولكن هل نرد عليهم بقول: وعليكم؟ أو نرد عليهم بمثل ما سلموا؟
الجواب: نقول: لا يخلو السلام الذي ألقوه إلينا إما أن يكون صريحاً بقولهم: السلام عليكم، أو صريحاً بقولهم السام عليكم، أو غير صريح، لم يبيّنوا اللام ولم يحذفوها حذفاً واضحاً، فإن صرحوا بقولهم
السلام عليكم كما يوجد الآن في الكفار الذين عندنا يقولون: السلام عليكم، صراحة؛ لأن ألسنتهم أعجمية فهم يتعلمون السلام تلقيناً فتجده يقول: السلام عليكم بصراحة، فهنا لنا أن نرد عليهم ونقول: عليكم السلام، ولنا أن نقول: وعليكم، وإن صرحوا بقولهم: السام عليكم فإننا نقول: عليكم السام، أو نقول وهو أولى: وعليكم، ودليل ذلك حديث عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكُمْ قَالَتْ عَائِشَةُ فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَهْلاً يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»، فَقُلْتُ =
стр. 2590
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= يَا رَسُولَ اللهِ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ» (١).
مسألة: هل يجوز أن نهنئهم، أو نعزيهم، أو نعود مرضاهم أو نشهد جنائزهم ؟
الجواب: أما التهنئة بالأعياد فهذه حرام بلا شك، وربما لا يسلم الإنسان من الكفر؛ لأن تهنئتهم بأعياد الكفر رضا بها، والرضا بالكفر كفر، ومن ذلك تهنئتهم بما يسمى بعيد الكريسمس، أو عيد الفَصْح أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز إطلاقاً، حتى وإن كانوا يهنئونا بأعيادنا فإننا لا نهنئهم بأعيادهم.
والفرق أنّ تهنئتهم إيانا بأعيادنا تهنئة بحق، وأن تهنئتنا إياهم بأعيادهم تهنئة بباطل، فلا نقول: إننا نعاملهم بالمثل إذا هنئونا بأعيادنا فإننا نهنئهم بأعيادهم للفرق الذي سبق.
وأما تهنئتهم بأمور دنيوية كما لو ولد له مولود، أو وجد له مفقود فهنأناه، أو بنى بيتاً فهنأناه، أو ما أشبه ذلك فهذه ينظر، إذا كان في هذا مصلحة فلا بأس بذلك، وإن لم يكن فيه مصلحة فإنه نوع إكرام فلا يهنَّؤون، ومن المصلحة أن يكون ذلك على وجه المكافأة، مثل أن يكون من عادتهم أن يهنِّئونا بمثل ذلك فإننا نهنئهم.
стр. 2591
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وأما تعزية أهل الحرب فلا يجوز أن نعزيهم؛ لأن التعزية تسلية للمصاب وجبر لمصيبته، ونحن لا نود أن يَسلَموا من المصائب، بل نقول: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ (١)، وهذا لا شك في أهل الحرب، أما أهل الذمة، فقال بعض أهل العلم: تعزيتهم تجوز للمصلحة، كمصلحة التأليف لقلوبهم، أو للمكافأة، إذا فعلوا بنا ذلك فإننا نفعل بهم.
وأما عيادتهم فالصحيح جواز ذلك، لكن للمصلحة أيضاً، بأن يرجى إسلامه بعرض الإسلام عليه، كما زار النبي ﷺ خادماً له يهودياً فعرض عليه الإسلام، فرد بصره إلى أبيه كأنه يشاوره، فقال له أبوه: أطع محمداً، فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (٢)، فإذا كان في عيادتهم مصلحة كالدعوة للإسلام فلا بأس، بل قد تكون مندوبة مستحبة.
٥ - يمنع أهل الذمة كذلك من الأمور الآتية:
أولاً: يمنعون من بناء الكنيسة لأن هذا إحداث شعائر كفرية في بلاد الإسلام.
ثانياً: يمنعون من إحداث بِيَع وهي متعبد اليهود، كما يمنعون من =
стр. 2592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= إحداث الكنائس. فإن قال قائل: إذا كانوا لا يمنعوننا من إحداث المساجد في بلادهم، فهل لنا أن نمنعهم من إحداث الكنائس في بلادنا؟
الجواب: نعم، وليس هذا من باب المكافأة أو المماثلة، لأن الكنائس دور الكفر والشرك، والمساجد دور الإيمان والإخلاص، فنحن إذا بنينا المسجد في أرض الله فقد بنيناها بحق، فالأرض لله، والمساجد لله، والعبادة التي تقام فيها كلها إخلاص لله، واتباع لرسوله ﷺ ، بخلاف الكنائس والبيع.
ثالثاً: لا يجوز بناء ما انهدم منها، كما لو كان هناك كنائس موجودة قبل فتحنا البلاد واستيلائنا عليها، وصار أهلها أهل ذمة بالنسبة لنا فإننا نمنعهم من بنائها؛ لأن البناء إحداث فنمنعهم منه.
رابعاً: إذا كانوا في حي من الأحياء، وأرادوا أن يبنوا عمارات رفيعة تعلو بناء المسلمين فإننا نمنعهم، ولا فرق بين أن يكونوا مجاورين ملاصقين أو غير ملاصقين، حتى لو كان بينهم وبين المسلم شارع، فإنه لا يجوز أن يمكنوا من تعلية البنيان على المسلم، لما في ذلك من إذلال المسلم واحتمال الأذى له لأن العالي يستطيع أن يطلع على النازل ولا عكس، ونحن لا نأمن هؤلاء الكفار فلذلك يمنعون من تعلية البنيان على المسلم.
خامساً: يمنعون من إظهار الخمر، ومن إظهار أكل لحم الخنزير ؛ لأن ذلك عند المسلمين حرام، فيمنعون منه، أما لو شربوه في بيوتهم أو صنعوه في بيوتهم ولم يبيعوه علناً فإننا لا نمنعهم.
стр. 2593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سادساً: يمنعون كذلك من إظهار صوت ناقوسهم، والجهر بكتابهم لأن ذلك شعار دينهم فمنعوا من ذلك لما في ذلك من الصد عن سبيل الله، ولأنهم في بلاد الإسلام.
وهل يمنعون من هذه الإذاعات التي تنشر الآن عبر المذياع ؟
نقول هذه الإذاعات ليس لنا سلطة عليها؛ لأنها تبث من بلادهم، لكن يجب علينا أن نحول بين الناس وبين سماعها بقدر الإمكان، فإذا أمكن أن نشوش عليها بأجهزة التشويش المعروفة، فيجب على المسلمين أن يشوشوا عليها.
فإن قيل: يُخْشَى إذا شوشنا عليهم دعوتهم للنصرانية أن يشوشوا علينا دعوتنا للإسلام، وهذا وارد، فهل نتركهم ونحذر المسلمين من شرهم؟ أم ماذا؟
هذا محل بحث ونظر، وتتنازعه مصالح ومفاسد تقدر في وقتها حسب ما يراه من تعرض عليه، وكل يوم تجد مخترعات وتقنيات تَعْظُم آثارها وأضرارها، فإلى الله المشتكى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 2594
كِتابُ القَضَاءِ (١)
ــ
(١) قوله «كِتابُ القَضَاءِ»: في اللغة له عدة معان فمن ذلك: إحكام الشيء والفراغ منه، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (١)، ويأتي أيضاً بمعنى التقدير الأزلي كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (٢)، وأيضًا قد يأتي بمعنى التقدير الشرعي كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٣).
فإذا كان أمراً شرعياً فالقضاء بمعنى الإحكام، وإذا كان أمراً مُقدراً فإما أن يراد به التقدير الأزلي، أو الفراغ من الشيء، فقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي: فرغ منهن، وقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ أي: قدرناه في الأزل، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾، أي: شرع شرعاً محكماً، فرضاً على العباد.
أما في الشرع فالقضاء يتضمن ثلاثة أمور: تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الحكومات أو الخصومات.
فقولنا: «تبيين الحكم الشرعي» جنس يشمل القاضي والمفتي.
وقولنا: «والإلزام به» هذا قيد يخرج المفتي، لأنه لا يلزم بالحكم الشرعي.
وقولنا «وفصل الخصومات» فيه بيان الغرض من القضاء وهو قطع الخصومة
بين المتخاصمين ببيان حكم الشرع في القضية مع الإلزام. =
стр. 2595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=والأصل في مشروعيته الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٢).
وأما السُّنة فقد ثبتت مشروعيته بدلالة القول والفعل:
فمن دلالة القول حديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (٣).
ومن دلالة الفعل فإن النبي ﷺ قضى كما في الصحيحين في قصة اختصام علي وجعفر، وكذلك قصة الزبير مع جاره، وكذلك أيضاً ولّى القضاة، كما بعث علياً ﵁ إلى اليمن قاضياً، وكذا غيره من الصحابة ﵃.
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس.