← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

وَيَجُوْزُ تَبْيِيْتُ الكُفَّارِ وَرَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيْقِ، وَقِتَالُهُمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ عَلى بَنِيْ المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّوْنَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ (١)، ــ =أكله وإهداؤه لأن اليسير مما تجري فيه المسامحة، قال الأوزاعي: أدركت الناس يقدمون بالقديد فيهديه بعضهم لبعض ولا ينكره أحد (١). (١) قوله «وَيَجُوْزُ تَبْيِيْتُ الكُفَّارِ وَرَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيْقِ، وَقِتَالُهُمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ عَلى بَنِيْ المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّوْنَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ»: تبييت الكفار معناه: بأن يغير المسلمون عليهم ليلاً على حين غفلة منهم. وقد ذهب جمهور الفقهاء بأنه يجوز ذلك ولو قتل في هذا التبييت من لا يجوز قتله من امرأة وصبي، وغيرهما كمجنون وشيخ فان إذا لم يقصدوا، لحديث الصعب بن جثامة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يُسأل عن ديار المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم فقال: «هُمْ مِنْهُمْ» (٢). فإن قيل: قد نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والذرية. نقول: هذا محمول على التعمد لقتلهم. والجمع بينهما ممكن بحمل النهي على التعمد والإباحة على ما عداه.

стр. 2522

وَلا يُقْتَلُ مِنْهُمْ صَبِيٌّ، وَلا مَجْنُوْنٌ، وَلا امْرَأَةٌ، وَلا رَاهِبٌ، وَلا شَيْخٌ فَانٍ، وَلا زَمِنٌ، وَلا أَعْمَى، وَلا مَنْ لا رَأْيَ لَهُمْ (١)، إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلُوْا (٢)، ــ (١) قوله «وَلا يُقْتَلُ مِنْهُمْ صَبِيٌّ، وَلا مَجْنُوْنٌ، وَلا امْرَأَةٌ، وَلا رَاهِبٌ، وَلا شَيْخٌ فَانٍ، وَلا زَمِنٌ، وَلا أَعْمَى، وَلا مَنْ لا رَأْيَ لَهُمْ»: أما كون الصبي والمرأة والشيخ الفاني لا يقتلون فلأن النبي ﷺ : «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» (١)، ولأن الشيخ الفاني ليس من أهل القتال، فلا يقتل، كالمرأة. وأما كون الراهب لا يقتل، فكما في حديث أبي بكر ﵁ في وصيته ليزيد ابن أبي سفيان: «سَتَمُرُّونَ عَلَى قَومٍ فِي صَوَامِعَ لَهُم، وَاحتَبَسُوا أنفُسَهُم فِيهَا، فَدَعُوهُم حَتَّى يُمِيتَهُمُ الله عَلَى ضَلالَتِهِم» (٢). ولأن الراهب لا يقاتل تَدَيُّناً، فأشبه من لا يقدر على القتال. وأما الزَّمن - بفتح الزاي المشددة وكسر الميم، وهو الضعيف الذي لا يقدر على القيام - والأعمى فبالقياس على الشيخ الفاني، لاشتراكهم في عدم النكاية. (٢) قوله «إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلُوْا»: هذا شرط في عدم قتل المذكورين، وهو ألا يكون لهم رأي في القتال أو مشاركة، فإن كان أحدهم يقاتل أو كان له رأي فإنه يُقتل، لأن الرأي من أعظم المؤنة في الحرب، بل ربما كان أبلغ من القتال. وأما كون من قاتل يقتل، فلحديث رباح بن الربيع ﵁ قال: كُنَّا مَعَ =

стр. 2523

وَيُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيْ أُسَارَى الرِّجَالِ، بَيْنَ القَتْلِ، وَالاِسْتِرْقَاقِ، وَالفِدَاءِ، وَالْمَنِّ (١)، ــ = رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيءٍ، فَبَعَثَ رَجُلاً فَقَالَ: «انْظُرْ عَلامَ اجْتَمَعَ هَؤُلاءِ؟ » فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ ... » الحديث (١). (١) قوله «وَيُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيْ أُسَارَى الرِّجَالِ، بَيْنَ القَتْلِ، وَالاِسْتِرْقَاقِ، وَالفِدَاءِ، وَالْمَنِّ»: هذه هي الخصال التي تفعل في المقاتلة، فالإمام مخيّر بين هذه الخصال الأربع: الخصلة الأولى: القتل: لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٢). ٢ - وروى البيهقي عن سعيد بن جبير أن النبي ﷺ «قُتِل يوم بدر ثلاثة صبراً» (٣). وقال بعض الفقهاء: لا يجوز قتل الأسير، لأن ظاهر قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾، أنه ليس للإمام بعد الأسر إلا المنّ أو الفداء، والراجح جواز قتلهم. الخصلة الثانية: المنّ: أي أن يطلق من غير مال، فقد قال ﷺ في أسارى=

стр. 2524

وَلا يَخْتَارُ إِلاَّ الأَصْلَحَ لِلْمُسِلِمِيْنَ (١)، ــ =بدر: «لَو كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيّاً، ثُمَ سَألَني هَؤُلاءِ النَّتْنَى لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ» (١). «وقد مَنَّ النبي ﷺ عَلَى ثُمَامَة بْن أُثَال» (٢)، «ومَنَّ عَلَى أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ» (٣). الخصلة الثالثة: الفداء: أي يفدي نفسه بمال، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ (٤) الخصلة الرابعة: الاسترقاق ، أي أن يكون رقيقاً. (١) قوله «وَلا يَخْتَارُ إِلاَّ الأَصْلَحَ لِلْمُسِلِمِيْنَ»: أي هذه التخييرات الأربع حسب المصلحة، لأن القاعدة الشرعية «أن كل من يتصرف لغيره إذا خيِّر بين شيئين فإن تخييره للمصلحة وليس للتشهي». فالإمام يخيّر بين أن يقتل الأسير، وإن شاء جعله رقيقاً، وإن شاء قبل فيه المال فدية، وإن شاء منَّ عليه، هذا كله تحت خياره، وعلى حسب المصلحة التي يراها.

стр. 2525

وَإِنِ اسْتَرَقَّهُمْ أَوْ فَادَاهُمْ بِمَالٍ، فَهُوَ غَنِيْمَةٌ (١)، وَلا يُفَرَّقُ فِيْ السَّبْيِ بَيْنَ ذَوِيْ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنُوْا بِالغِيْنِ (٢)، ــ (١) قوله «وَإِنِ اسْتَرَقَّهُمْ أَوْ فَادَاهُمْ بِمَالٍ، فَهُوَ غَنِيْمَةٌ»: أي ما أخذ الإمام من فدية الأسرى فهو غنيمة، لأن النبي ﷺ قسم فداء أسارى بدر بين الغانمين، ولأنه مال حصل بقوة الجيش أشبه الخيل والسلاح. و هل الهدية من جنس الفداء فتدخل في الغنيمة ؟ نقول في ذلك تفصيل: فان كان في حال الغزو فهي غنيمة، لأن الظاهر أنه لا يفعل ذلك إلا لخوف من المسلمين، فظاهر هذا يدل على أن ما أهدي لآحاد الرعية فهو له، وإن كانت الهدية من دار الحرب إلى دار الإسلام فهي لمن أهديت له سواء كان الإمام أو غيره لان النبي ﷺ قبل هدية المقوقس فكانت له دون غيره. (٢) قوله «وَلا يُفَرَّقُ فِيْ السَّبْيِ بَيْنَ ذَوِيْ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنُوْا بِالغِيْنِ»: أي وإن حصل بعد القتال سَبْيٌ لم يجز التفريق ببيع، أو قسمة، أو هبة بين ذوي رحم محرم، وهو القريب قرابة سببها الولادة، كأب وابن، وكأخوين، وأختين، وكالعمة مع ابن أخيها والخالة مع ابن أختها ونحو ذلك، لما ورد عن علي ابن أبي طالب ﵁ قال: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَبِيعَ غُلامَينِ أَخَوَينِ فَبِعْتُهُمَا فَفَرَّقْتُ بَينَهُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلا تَبِعْهُمَا إِلا جَمِيعاً» (١).

стр. 2526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وعن أبي موسى ﵁ قال: «لَعَن رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ فَرَّقَ بَينَ الوَالِدِ وَوَلَدِهِ، وَبَينَ الأَخِ وأَخِيهِ» (١). وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يحرم التفريق بين القرابة إلا في الأخوة، لثبوت النص، وأما من عداهم من الأرحام فليس عليه دليل، وإلحاقه بالقياس فيه نظر، لأنه لا تحصل منهم بالمفارقة مشقة، كما تحصل بالمفارقة بين الوالد والولد، وبين الأخ وأخيه، فلا إلحاق لوجود الفارق، وينبغي الوقوف على ما تناوله النص، وهذا اختيار الشوكاني (٢). أما التفريق بين الأم وولدها الصغير فهذا حرام بالإجماع، لما روى أبو أيوب الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ فَرَّقَ بَينَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَينَ أَحِبَّتِهِ يَومَ القِيَامَةِ» (٣). وقوله: «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنُوْا بِالغِيْنِ»: أي فيجوز التفريق بعد البلوغ، وهو رواية عن الإمام أحمد، والمذهب أنه لا يجوز ولو بعد البلوغ (٤). ودليل الجواز قول سلمة بن الأكوع ﵁: «غَزَونَا فَزَارَةَ وَعَلَينَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَينَا، فَلَمَّا كَانَ بَينَنَا وَبَينَ المَاءِ سَاعَةٌ أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا، ثُمَّ شَنَّ الغَارَةَ، فَوَرَدَ المَاءَ، فَقَتَلَ مَن قَتَلَ عَلَيهِ، وَسَبَى، وَأَنْظُرُ=

стр. 2527

وَمَنِ اشْتُرِيَ مِنْهُمْ عَلى أَنَّهُمْ ذَوُوْ رَحِمٍ، فَبَانَ خِلافُهُ، رُدَّ الفَضْلُ الَّذِيْ فِيْهِ بِالتَّفْرِيْقِ (١)، ــ =إِلَى عُنُقٍ مِنْ النَّاسِ فِيهِم الذَّرَارِيُّ، فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إِلَى الجَبَلِ، فَرَمَيتُ بِسَهْمٍ بَينهُمْ وَبَينَ الجَبَلِ، فَلَمَّا رَأَوا السَّهْمَ وَقَفُوا، فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ، وَفِيهِمْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ عَلَيهَا قَشْعٌ مِنْ أَدَمٍ، مَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ العَرَبِ، فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ، فَنَفَّلَنِي ابْنَتَهَا ... » الحديث (١). قال النووي: «فيه جواز التفريق بين الأم وولدها البالغ، ولا خلاف في جوازه عندنا» (٢). فأما من ليس بينهما رحم مُحرَّم فلا يُمنع من التفريق بينهم، لعدم النص فيهم، وامتناع قياسهم على المنصوص، فيجوز التفريق بين الأم من الرضاع وولدها، والأخت من الرضاع وأخيها. (١) قوله «وَمَنِ اشْتُرِيَ مِنْهُمْ عَلى أَنَّهُمْ ذَوُوْ رَحِمٍ، فَبَانَ خِلافُهُ، رُدَّ الفَضْلُ الَّذِيْ فِيْهِ بِالتَّفْرِيْقِ»: أي ومن اشترى الأسرى على أنهم ذوو رحم فبان خلافه رد الفارق لأنه إذا اشتراهم على أنهم ذوو رحم ثم بان أنهم ليس بينهم رحم فإن قيمتهم تزيد بذلك، فإنه إذا اشترى امرأتين على أن إحداهما بنت الأخرى لم يتمكن من وطئهما جميعاً ومتى وطئ إحداهما حرمت الأخرى على التأبيد, ولا يتمكن من بيعها فإذا بانت أجنبية حل وطئها وبيعها وهبتها فتزيد قيمتها بذلك فيجب عليه رد =

стр. 2528

وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا يَسْتَعِيْنُ بِهِ فِيْ غَزْوِهِ، فَإِذَا رَجَعَ، فَلَهُ مَا فَضَلَ (١)، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ لَمْ يُعْطَ لِغَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا، فَيَرُدُّ الفَضْلَ فِيْ الغَزْوِ (٢)، وَإِنْ حُمِلَ عَلى فَرَسٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، فَهِيَ لَهُ إِذا رَجَعَ، إِلاَّ أَنْ يُجْعَلَ حَبِيْسًا (٣)، ــ =الفضل كما لو أخذ دراهم بحقه فبانت أكثر عددا مما حسبت عليه. (١) قوله «وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا يَسْتَعِيْنُ بِهِ فِيْ غَزْوِهِ، فَإِذَا رَجَعَ، فَلَهُ مَا فَضَلَ»: لأنه أعطى على سبيل المعاونة والنفقة لا على سبيل الإجارة فكان له الفاضل، كما لو أوصى أن يحج عنه حجة بألف فإن الفضل له. (٢) قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ لَمْ يُعْطَ لِغَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا، فَيَرُدُّ الفَضْلَ فِيْ الغَزْوِ»: هذا مستثنى مما قبله، فإن كان ما أعطاه الإمام لغزوة بعينها فإنه يرد ما فضل في الغزو لأنه أعطاه شيئاً ينفقه في الغزو أو في سبيل الله ففضل منه فضل أنفقه في غزوة أخرى لأنه أعطاه الجميع في سبيل الله مطلقاً فلزمه امتثال ما أمره به. (٣) قوله «وَإِنْ حُمِلَ عَلى فَرَسٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، فَهِيَ لَهُ إِذا رَجَعَ، إِلاَّ أَنْ يُجْعَلَ حَبِيْسًا»: أي إن حمل على فرس يعني أعطيها ليغزو عليها فإذا غزا عليها ملكها كما يملك النفقة المدفوعة إليه إلا أن تكون لصاحبه أو حبيسا فيبقى حبيساً بحاله، قال عمر بن الخطاب ﵁: «حملت على فرس عتيق في سبيل الله فباعه صاحبه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص فسألت رسول الله ﷺ فقال: «لا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» (١).

стр. 2529

وَمَا أُخِذَ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِيْنَ، رُدَّ إِلَيْهِمْ، إِذَا عُلِمَ صَاحِبُهُ قَبْلَ القَسْمِهِ، وَإِنْ قُسِمَ قَبْلَ عِلْمِهِ، فَلَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ الَّذِيْ حُسِبَ بِهِ عَلى آخِذِهِ (١)، ــ (١) قوله «وَمَا أُخِذَ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمِيْنَ، رُدَّ إِلَيْهِمْ، إِذَا عُلِمَ صَاحِبُهُ قَبْلَ القَسْمِهِ، وَإِنْ قُسِمَ قَبْلَ عِلْمِهِ، فَلَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ الَّذِيْ حُسِبَ بِهِ عَلى آخِذِهِ»: أما قبل القسمة فقد اتفق الفقهاء على أنه يرد إلى صاحبه إذا علم، دليل ذلك ما ورد عن ابن عمر ﵁ أن غلاماً له أبق إلى العدو فظهر عليه المسلمون فرده رسول الله ﷺ إلى ابن عمر ولم يقسم» (١). أما بعد القسمة فقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد (٢) ففي رواية عنه أن صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب به على من هو في يده، وكذلك إن بيع ثم قسم ثمنه فهو أحق به بالثمن، لئلا يفضي إلى ضياع الثمن على المشتري، وحرمان آخذه من الغنيمة، وحقها ينجبر بالثمن، فرجوع صاحب المال في عين ماله بثمنه جمع بين الحقين، كأخذ الشقص بالشفعة. والرواية الثانية أنه إذا قسم فلا حق له فيه, وهذا هو الصواب. قال الإمام أحمد: أما قول من قال هو أحق به بالقيمة فهو قول ضعيف عن مجاهد.

стр. 2530

وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ (١)، وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، رَدَّهُ (٢)، وَمَنِ اشْتَرَى أَسِيْرًا مِنَ العَدُوِّ، فَعَلى الأَسِيْرِ أَدَاءُ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ (٣)، ــ (١) قوله «وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فَلِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ»: أي ولو باع مال المسلم آخذه من الكفار أخذه بثمنه إن أخذ منهم بشراء لأنه اشتراه بثمن، فلم يجز أخذه منه بغير شيء. (٢) قوله «وَإِنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، رَدَّهُ»: دليل ذلك حديث عمران بن حصين ﵁: «أسرت امرأة من الأنصار وأصيبت العضباء فكانت المرأة في الوثاق وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء فلم ترغ قال وناقة منوقة فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت ونذروا بها فطلبوها فأعجزتهم - قال - ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها فلما قدمت المدينة رآها الناس. فقالوا العضباء ناقة رسول الله ﷺ فقالت إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها. فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له. فقال: «سُبْحَانَ اللَّهِ بِئْسَمَا جَزَتْهَا نَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلا فِيمَا لا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» (١). (٣) قوله «وَمَنِ اشْتَرَى أَسِيْرًا مِنَ العَدُوِّ، فَعَلى الأَسِيْرِ أَدَاءُ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ»: أي فإن تطوع أحد من المسلمين بشراء أسير من المسلمين فعلم الأسير=

стр. 2531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =المسلم أداء ما اشتراه به لقول عمر ﵁: « ..... وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد إليهم رؤوس أموالهم فإن الحر لا يباع ولا يشترى»، فحكم للتجار برؤوس أموالهم؛ ولأن الأسير يجب عليه فداء نفسه ليتخلص من حكم الكفار ويخرج من تحت أيديهم فإذا ناب عنه غيره في ذلك وجب عليه قضاؤه كما لو قضى الحاكم عنه ما امتنع من أدائه.

стр. 2532

بابُ الأَنْفالِ (١) ــ (١) قوله «بابُ الأَنْفالِ»: الأنفال: جمع نفل، والنَّفَل في اللغة: الزيادة، فإذا زاد الشيء على الأصل فإنه يقال: هذا نافلة. أي: شيء زائد، ومنه سميت نافلة الصلوات؛ لأنها زائدة على الفريضة التي أوجب الله، فالنَّفَل هو: زيادة على حظ الإنسان في الغنيمة، كما سيذكر ذلك المؤلف. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى مشروعية التنفيل مطلقاً. وذهب المالكية (١) والشافعية (٢) إلى أنه لا تنفيل إلا إذا مسّت الحاجة بأن كثر العدو وقل المسلمون، واقتضى الحال بعث السرايا، وحفظ المكامن؛ لذلك نفل رسول الله ﷺ في بعض الغزوات دون بعض. وقال الحنفية (٣) هو مستحب، لأنه نوع من التحريض على الجهاد. والأظهر عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء: أي أنه مشروع مطلقاً، لما فيه من التحريض على القتال، والله تعالى يقول ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (٤)، فلا بأس أن يُنفِّل الإمام في حال القتال، ويحرض بالنَّفَل على القتال، فيقول: من قتل قتيلاً فله سلبه، أو يقول لسرية: قد جعلت لكم الربع، أو النصف بعد أخذ الخمس، لما فيه من تقوية القلوب، وإغراء المقاتلة على المخاطرة وإظهار الجلادة رغبة في القتال.

стр. 2533

وَهِيَ: الزِّيادَةِ عَلى السَّهْمِ المُسْتَحَقِّ، وَهِيَ ثَلاثَةُ أَضْرُبٍ (١): أَحَدُهَا: سَلَبُ المَقْتُوْلِ غَيْرُ مَخْمُوْسٍ لِقَاتِلِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلَبُهُ (٢)، : «وَهُوَ مَا عَلَيْهِ مِنْ لِبَاسٍ، وَحَلْيٍ، وَسِلاحٍ، وَفَرَسِهِ بِآلَتِهِ (٣)، ــ (١) قوله «وَهِيَ: الزِّيادَةِ عَلى السَّهْمِ المُسْتَحَقِّ، وَهِيَ ثَلاثَةُ أَضْرُبٍ»: النفل: سبق تعريفه، وهو ما يعطاه المجاهد زيادة على سهمه، وهي على ثلاثة أضرب. (٢) قوله «أَحَدُهَا: سَلَبُ المَقْتُوْلِ غَيْرُ مَخْمُوْسٍ لِقَاتِلِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلَبُهُ» (١): هذا هو الضرب الأول من ضروب النفل، وحقيقته: أن كل مَن قتل رجلاً بعينه فإنه يستحق سَلَبه. والسَّلَب كما سيأتي: هو ما على المقتول من سلاح، وثياب، ودابته، وحلي، وكل ما عليه، فهذا الشيء يستحقه، وله أخذه، والأصل في ذلك ما ذكره المؤلف وهو قوله ﷺ كما في الصحيحين: «مَن قتل قتيلاً فله سَلَبُه». فإذا قتل قتيلاً وله عليه علامة أي: بينة، فإن من حقه أن يأخذ سلبه، لأن النبي ﷺ نفَّل السَّلَب. (٣) قوله «وَهُوَ مَا عَلَيْهِ مِنْ لِبَاسٍ، وَحَلْيٍ، وَسِلاحٍ، وَفَرَسِهِ بِآلَتِهِ»: هذا هو تعريف السلب الوارد في الحديث ، فالسلب: هو ما على القتيل من ثيابه وحليه، وسلاحه، وإن كثر. =

стр. 2534

وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ قَتَلَهُ حَالَ قِيَامِ الحَرْبِ غَيْرَ مُثْخَنٍ، وَلا مُمْتَنِعٍ مِنَ القِتَالِ (١)، ــ =و هل الدابة وآلتها من السلب ؟ فيها روايتان: الأولى: هي من السلب لأنها يستعان بها في الحرب فهي كالسلاح، وهذا هو الصواب. والثانية: ليست منه لأن السلب ما كان على البدن والدابة ليست كذلك. (١) قوله «وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ قَتَلَهُ حَالَ قِيَامِ الحَرْبِ غَيْرَ مُثْخَنٍ، وَلا مُمْتَنِعٍ مِنَ القِتَالِ»: هذه هي الشروط التي يستحق بها القاتل سلب قتيله . الأول: أن يقتله وهو مقبل على الحرب ، وهذا معنى قوله «غَيْرَ مُثْخَنٍ»، فإن قتل مثخناً، يعني مجروحاً لم يستحقه لأن ابن مسعود ذفف على أبي جهل يوم بدر فلم يعط سلبه، ولأن استحقاق السلب للمخاطرة والتغرير بالنفس ولا خطر هاهنا. الثاني: أن لا يكون «مُمْتَنِعاً مِنَ القِتَالِ» حراً كان، أو عبداً رجلاً، أو صبياً، أو امرأة لعموم الخبر، وإن لم يكن ذا حق كالمخذل، والمرجف، والكافر إذا حضر بغير إذن لم يستحقه لأنه لا حق له في السهم الثابت فغيره أولى. الثالث: أن يقتله لأن الخبر خصّ القاتل بالسلب فاختص به دون غيره، فإن أسره لم يستحق سلبه كذلك. وقيل: له سلبه سواء قتله الإمام، أو منّ عليه، أو فاداه، وله فداؤه لأن مال حصل بسبب تغريره في تحصيله أشبه سلب القتيل.

стр. 2535

الثَّانِيْ: أَنْ يُنَفِّلَ الأَمِيْرُ مَنْ أَغْنَى عَنِ المُسْلِمِيْنَ غَنَاءً مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ يَوْمَ ذِيْ قَرَدٍ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَنَفَّلَهُ أَبُوْ بَكْرٍ ﵁ لَيْلَةَ جَاءَهُ بِتِسْعَةِ أَهْلِ أَبْيَاتٍ امْرَأَةً مِنْهُمْ (١)، ــ (١) قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يُنَفِّلَ الأَمِيْرُ مَنْ أَغْنَى عَنِ المُسْلِمِيْنَ غَنَاءً مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ يَوْمَ ذِيْ قَرَدٍ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَنَفَّلَهُ أَبُوْ بَكْرٍ ﵁ لَيْلَةَ جَاءَهُ بِتِسْعَةِ أَهْلِ أَبْيَاتٍ امْرَأَةً مِنْهُمْ»: هذا هو الضرب الثاني: وهو أن يخص الإمام بعض الغانمين بشيء لغنائه وبأسه أو لمكروه تحمله ككونه طليعة أو عيناً فيجوز من غير شرط لما روى سلمة بن الأكوع قال: «أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ فتبعتهم ... »، وذكر الحديث إلى قوله: «فأعطاني رسول الله ﷺ الفارس والراجل» (١). وعنه ﵁: «أن النبي ﷺ أمَّر أبا بكر فبيتنا عدونا فقتلت منهم تسعة أهل أبيات فأخذت منهم امرأة فنفلنيها أبو بكر ﵁ فلما قدمت المدينة استوهبها مني رسول الله ﷺ فوهبتها له» (٢). ولأن في هذا تحريضا على القتال ونفعاً للمسلمين والدفع عنهم فجاز كإعطاء السهم.

стр. 2536

الثَّالِثُ: مَا يُسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُوْلَ الأَمِيْرُ، مَنْ دَخَلَ النَّقْبَ، أَوْ صَعِدَ السُّوْرَ، فَلَهُ كَذَا، وَمَنْ جَاءَ بِعَشْرٍ مِنَ البَقَرِ، أَوْ غَيْرِهَا، فَلَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، فَيَسْتَحِقُّ مَا جُعِلَ لَهُ (١)، ــ (١) قوله «الثَّالِثُ: مَا يُسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُوْلَ الأَمِيْرُ، مَنْ دَخَلَ النَّقْبَ، أَوْ صَعِدَ السُّوْرَ، فَلَهُ كَذَا، وَمَنْ جَاءَ بِعَشْرٍ مِنَ البَقَرِ، أَوْ غَيْرِهَا، فَلَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا، فَيَسْتَحِقُّ مَا جُعِلَ لَهُ»: هذا هو الضرب الثالث من ضروب النفل، وهو ما كان مشروطاً. وهو نوعان: الأول كما ذكر المؤلف، ومعناه أن يجعل الأمير جعلاً لمن يعمل عملاً فيه غناءً عن المسلمين مثل أن يقول: من طلع هذا الحصن فله كذا، أو من نقبه، أو من جاء بأسير فله كذا، ومن جاء بعشرة رؤوس فله رأس، وأشباه هذا مما يراه الإمام مصلحة للمسلمين فيجوز لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلَهُ سَلَبُهُ» (١). ويجوز أن يجعل الجعل من مال المسلمين ومما يؤخذ من المشركين، فإن جعله من مال المسلمين لم يجز إلا معلوماً مقدراً كالجعل في المسابقة ورد الضالة. وإن كان من الكفار جاز مجهولاً لأن النبي ﷺ جعل الثلث والربع وسلب المقتول وهو مجهول، ولأنه لا ضرر فيه على المسلمين، فجاز مع الجهالة كسلب القتيل.

стр. 2537

الثَّانِيْ: أَنْ يَبْعَثَ الأَمِيْرُ فِيْ البَدَاءَةِ سَرِيَّةً، وَيَجْعَلَ لَهَا الرُّبُعَ، وَفِي الرَّجْعَةِ أُخْراى، وَيَجْعَلَ لَهَا الثُّلُثَ، فَمَا جَاءَتْ بِهِ، أَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ أَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَهَا، وَقَسَّمَ البَاقِيَ فِيْ الجَيْشِ وَالسَّرِيَّةَ مَعًا (١)، ــ (١) قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَبْعَثَ الأَمِيْرُ فِيْ البَدَاءَةِ سَرِيَّةً، وَيَجْعَلَ لَهَا الرُّبُعَ، وَفِي الرَّجْعَةِ أُخْراى، وَيَجْعَلَ لَهَا الثُّلُثَ، فَمَا جَاءَتْ بِهِ، أَخْرَجَ خُمُسَهُ، ثُمَّ أَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَهَا، وَقَسَّمَ البَاقِيَ فِيْ الجَيْشِ وَالسَّرِيَّةَ مَعًا»: هذا هو النوع الثاني من الضرب الثالث. ومعناه أن الأمير إذا دخل دار الحرب غازياً بعث سرية بين يديه تغير على العدو ويجعل لهم الربع بعد الخمس، فإذا قفل بعث سرية تغير ويجعل لهم الثلث بعد الخمس، فما قدمت به السرية خمسه، ثم أعطى السرية ما جعل لها ثم قسم الباقي في الجيش والسرية معه. وهل تجوز الزيادة على الثلث؟ نقول: لا تجوز الزيادة على الثلث لأن نفل النبي ﷺ انتهى إليه ويجوز النقص منه لأنه إذا جاز أن لا ينفل شيئاً فلأن يجوز تنفيل القليل أولى ولا يستحق هذا النفل إلا بالشرط لأن استحقاقه بغير شرط إنما يثبت بالشرع، ولم يرد الشرع باستحقاقه على الإطلاق.

стр. 2538

فَصْلٌ فِيْ الرَّضْخِ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ (١) وَيَرْضَخُ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَالعَبِيْدِ، وَالكُفَّارِ، فَيُعْطِيْهِمْ عَلى قَدْرِ غِنَائِهِمْ (٢)، ــ (١) قوله «فَصْلٌ فِيْ الرَّضْخِ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ»: الرضخ: بفتح أوله وسكون ثانيه، مصدر رَضَخَ، ومعناه هنا: هو أن يعطى من لا سهم له وهم العبيد والنساء والصبيان شيئاً من الغنيمة دون السهم ولا تقدير لما يعطونه بل ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى التسوية بينهم سوى، وإن رأى التفضيل فضل، وهذا قول أكثر العلماء. هل يخرج الرضخ قبل الخمس أم بعده ؟ قولان لأهل العلم: القول الأول: أن الرضخ يخرج قبل أن تخمس الغنيمة قياساً على أجرة الحامل والحافظ للغنيمة. القول الثاني: أن الرضخ يخرج بعد الخمس، لأنه أخذ بسبب حضور الوقعة فأشبه سهام الغانمين، وهذا هو الأظهر. (٢) قوله «وَيَرْضَخُ لِمَنْ لا سَهْمَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَالعَبِيْدِ، وَالكُفَّارِ، فَيُعْطِيْهِمْ عَلى قَدْرِ غِنَائِهِمْ»: أي فيعطى هؤلاء ممن شهدن المعركة من الغنائم، دليل ذلك أما النساء فلقول ابن عباس ﵄: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ فَيدَاوِينَ الجَرْحَى، وَيُحْذَينَ مِنْ الغَنِيمَة، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِب لَهُنَّ» (١). وقوله: «يحذين» أي: يعطين. =

стр. 2539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وأما الصبيان فلقول سعيد بن المسيب: «كان الصبيان يُحْذَونَ من الغنيمة إذا حضروا الغزو» (١)، ولأنه ليس من أهل القتال فلم يسهم له. وأما العبيدُ، فلما جاء عن عمير مولى أبي اللحم (٢)، قال: «شَهِدْتُ خَيبَرَ مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا فِيَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِي فَقُلِّدْتُ سَيفاً فَإِذَا أَنَا أَجُرُّهُ، فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ، فَأَمَرَ لِي بِشَيءٍ مِنْ خُرْثِيِّ المَتَاعِ» (٣)، والخُرثي - بضم الخاء المعجمة -: سَقَطُ المتاع، وما لا قيمة له كبيرة، كالقدر ونحوه. وعن نجدة بن عامر الحروري حين سأل ابن عباس ﵄ عن العبد والمرأة يحضران المغنم هل يقسم لهما؟ قال «ليس لهما شيء إلا أن يحذيا من غنائم القوم»، أي إلا أن يُعطَى ويُمنَح من الغنائم. وأما الكافر إذا غزا مع الإمام بإذنه ففيه روايتان: الأولى: أنه يرضخ له، ولا يسهم له، لأنه من غير أهل الجهاد، فَرُضِخَ له، كالعبد، وهذا قول الأئمة الثلاثة أيضاً. الثانية: أنه يسهم له، كالمسلم، وهذا هو المذهب (٤)، لأن صفوان بن أمية خرج مع النبي ﷺ يوم حنين وهو على شِركه، فأسهم له، قال الزبير: أعطاه من الغنائم فأكثر، فقال: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبِي، فأسلم (٥). =

стр. 2540

وَلا يَبْلُغُ بِالرَّاجِلِ مِنْهُمْ سَهْمَ رَاجِلٍ، وَلا بِالفَارِسِ مِنْهُمْ سَهْمَ فَارِسٍ (١)، ــ =ولأن الكفر نقص في الدين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق، وبهذا فارق العبد، فإن نقصه في دنياه وأحكامه، قال ابن مُنَجَّا: «وهذه الرواية أصح» (١). (١) قوله «وَلا يَبْلُغُ بِالرَّاجِلِ مِنْهُمْ سَهْمَ رَاجِلٍ، وَلا بِالفَارِسِ مِنْهُمْ سَهْمَ فَارِسٍ»: أي ولا يبلغ العطاء لهؤلاء المذكورين سهم غيرهم من الرجال والفرسان الأحرار. ومعنى الراجل: هو الماشي على رجليه، لكونه لا مركوب له، والفارس: راكب الفرس. وذهب بعض الفقهاء إلى التسوية بين الراجل من هؤلاء بالراجل من هؤلاء، وكذا الفارس بالفارس وبخاصة إذا كان فيهم نفع بالمسلمين لأنهم تساووا فأشبهوا الرجال الأحرار لما جاء عن سفيان بن وهب الخولاني قال: «قسم عمر بين الناس غنائمهم، فأعطى كل إنسان ديناراً وجعل سهم المرأة والرجل سواء، فإذا كان الرجل مع امرأته أعطاه ديناراً, وإذا كان وحده أعطاه نصف دينار» (٢)، وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أتى بظبية «الظبية جراب صغير من جلد ظبي» فيها خرز فقسمها للحرة والأمة. قالت عائشة كان أبي ﵁ يقسم للحر والعبد» (٣)، تعني: أنه كان يسوي بين الأحرار والعبيد، وأنه يعطي هؤلاء ويعطي هؤلاء.

стр. 2541

وَإِنْ غَزَا العَبْدُ عَلى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ، قُسِمَ لِسَيِّدِهِ سَهْمُ الفَرَسِ، وَرُضِخَ لِلْعَبْدِ (١)، ــ (١) قوله «وَإِنْ غَزَا العَبْدُ عَلى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ، قُسِمَ لِسَيِّدِهِ سَهْمُ الفَرَسِ، وَرُضِخَ لِلْعَبْدِ»: أما الرضخ للعبد فلما تقدم من الأدلة، وأما الفرس الذي تحته فيستحق مالكها سهمها. وقال أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢) لا يسهم للفرس لأنه تحت من لا يسهم له، فلم يسهم له كما لو كان تحت مخذل. والصواب الأول لأنه فرس حضر الوقعة وقوتل عليه فأسهم له كما لو كان السيد راكبه.

стр. 2542

بابُ الغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَا (١) وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الأَرْضُ، فَيُخَيَّرُ الإِمَامِ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِيْنَ، وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِيَ فِيْ يَدِهِ كُلَّ عَامٍ أَجْرًا لَهَا (٢)، ــ (١) قوله «بابُ الغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَا»: الغنائم: جمع غنيمة على وزن فعيلة بمعنى مفعولة، أي: مغنومة، واشتقاقها من الغُنْم، وهو الربح والفضل. والمراد بها: ما أُخِذَ من مال حربي قهراً بقتال، وما ألحق به، كالمأخوذ فدية، وما أهداه حربي لأمير الجيش، فخرج بقولنا «من مال حربي»: ما يؤخذ من أموال أهل الذمة من جزية وخراج، ونحو ذلك. وبقولنا «قهراً بقتال»: أي ما رحلوا عنه وتركوه فزعاً، خرج منه ما يؤخذ من العشر، من تجار أهل الحرب وأهل الذمة إذا اتجروا إلينا. (٢) قوله «وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الأَرْضُ، فَيُخَيَّرُ الإِمَامِ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا لِلْمُسْلِمِيْنَ، وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا، يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِيَ فِيْ يَدِهِ كُلَّ عَامٍ أَجْرًا لَهَا»: أي الغنيمة نوعان: فإن كانت الغنيمة أرضاً فإن الإمام يخُيِّر بين أمرين: الأول: قَسْمُها بين الغانمين، كالأشياء المنقولة، ودليل ذلك قول عمر ﵁: «لَولا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلا قَسَمْتُهَا بَينَ أَهْلِهَا، كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيبَرَ»، وفي رواية: «وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا» (١). وعن سهل ابن حثمة ﵁ قال: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيبَرَ نِصْفَينِ: نِصْفاً لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنِصْفاً بَينَ المُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَينَهُمْ، عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ=

стр. 2543

وَمَا وَقَفَهُ الأَئِمَّةُ مِنْ ذلِكَ، لَمْ يَجُزْ تَغْيِيْرُهُ وَلا بَيْعُهُ (١). الثَّانِيْ: سَائِرُ الأَمْوَالِ (٢)، فَهِيَ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ، مِمَّنْ يُمْكِنُهُ القِتَالُ، وَيَسْتَعِدُّ لَهُ (٣)، ــ =سَهْماً» (١). والأمر الثانِي: أن يقفها على المسلمين، فيقرها بحالها، ويضرب عليها خراجاً مستمراً، يؤخذ ممن هي بيده، يكون أجرة لها كل عام، كما فعل عمر ﵁ فيما فتحه من أرض الشام ومصر والعراق، ودليل ذلك ما تقدم من قول عمر ﵁ فإنه رأى أن توقف الأرض المغنومة عنوة، ويضرب عليها خراجاً يدوم نفعه للمسلمين، ولهذا قال: «وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا» أي: يقتسمون خراجها. (١) قوله «وَمَا وَقَفَهُ الأَئِمَّةُ مِنْ ذلِكَ، لَمْ يَجُزْ تَغْيِيْرُهُ وَلا بَيْعُهُ»: أي ليس لأحد نقضه ولا تغييره, ولا بيعه لأن الوقف لا يجوز بيعه. (٢) قوله «الثَّانِيْ: سَائِرُ الأَمْوَالِ»: ما يناله المسلمون من الأعداء: إما أن يكون أرضاً ودوراً ونحوها، فهذه تسمى: العقارات كالأراضي، والدور، والمزارع، وغيرها، وهذه سبق الحديث عنها آنفاً. وإما أن يكون من الأموال كالذهب، والفضة، والدواب، والسلاح، والكراع، ونحوها مما يُغْنَم، فشرع المؤلف ﵀ في بيانه هنا. (٣) قوله «فَهِيَ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ، مِمَّنْ يُمْكِنُهُ القِتَالُ، وَيَسْتَعِدُّ لَهُ»: هذا شرط في إعطاء من حضر من الغنيمة، وهو أن يكون قادراً على القتال، ومستعداً=

стр. 2544

مِنَ التُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ (١)، سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِيْ شَهِدَ الوَقْعَةَ فِيْهَا، مِنْ كَوْنِهِ فَارِسًا، أَوْ رَاجِلاً، أَوْ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا (٢)، ــ =له، قاتل أو لم يقاتل، لعموم ما تقدم عن عمر ﵁، ولأنه رِدْءٌ للمقاتل، ومستعد له، أشبه المقاتل. أما العاجز عن القتال من مريض ونحوه فلا حق له في الغنيمة، لأنه ليس من أهل الجهاد، أشبه العبد. (١) قوله «مِنَ التُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ»: كالصانع، والخياط، والخباز، والبيطار، ونحوهم. (٢) قوله «سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِيْ شَهِدَ الوَقْعَةَ فِيْهَا، مِنْ كَوْنِهِ فَارِسًا، أَوْ رَاجِلاً، أَوْ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا»: أي يسهم لهم إذا حضروا قاتلوا أو لم يقاتلوا. وقال مالك (١)، وأبو حنيفة (٢) لا يسهم لهم إلا أن يقاتلوا. والصواب القول الأول لما جاء عن عمر ﵁ أنه قال: «الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ» (٣). ولأن غير المقاتل ردء له معين ومستعد للقتال، فأشبه المقاتلين فشاركه كردء المحارب.

стр. 2545

وَلا يُعْتَبَرُ مَا قَبْلَ ذلِكَ وَلا بَعْدَهُ (١)، وَلا حَقَّ فِيْهَا لِعَاجِزٍ عَنِ القِتَالِ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ (٢)، وَلا لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ مَا تَنْقَضِيْ الحَرْبُ مِنْ مَدَدٍ، أَوْ غَيْرِهِ (٣)، ــ (١) قوله «وَلا يُعْتَبَرُ مَا قَبْلَ ذلِكَ وَلا بَعْدَهُ»: أي والاعتبار في كونه عبداً، أَو فارِساً، أو راجلاً، أَو كافراً، أَو مسلماً حال الحرب ونشوب المعركة، فلو دخل دار الحرب فارساً، ثم حضر الوقعة راجلاً حتى فرغت الحرب لموت فرسه أو شروده أو مرضه فله سهم راجل ولو صار فارساً بعد الوقعة، اعتباراً بحال شهودها، ولو دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرساً أو استعاره وشهد به الوقعة فله سهم فارس ولو صار بعد الوقعة راجلاً، لأن الفرس حيوان يُسهم له فاعتبر وجوده حالة القتال، فيسهم له مع الوجود، ولا يسهم مع العدم، كالآدمي. (٢) قوله «وَلا حَقَّ فِيْهَا لِعَاجِزٍ عَنِ القِتَالِ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ»: أي أما العاجز عن القتال من مريض ونحوه فلا حق له في الغنيمة، لأنه ليس من أهل الجهاد، أشبه العبد. وقيل في ذلك تفصيل: فإن كان مرضه يسير لا يخرجه عن كونه من أهل القتال كالصداع والحمى لم يسقط سهمه، وإن خرج عن كونه من أهل القتال كالزمن والأشل سقط سهمه؛ لأنه ليس من أهل القتال والجهاد أشبه العبد. (٣) قوله «وَلا لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ مَا تَنْقَضِيْ الحَرْبُ مِنْ مَدَدٍ، أَوْ غَيْرِهِ»: أي فإذا جاء بعدها فلم يشهدها فلا سهم له، ولأنه قد جاء وقد ملكت وصارت للغانمين الذين حضروها فلم يبق له فيها نصيب, وروى أبو هريرة ﵁ =

стр. 2546

وَمَنْ بَعَثَهُ الأَمِيْرُ لِمَصْلَحَةِ الجَيْشِ، أَسْهَمَ لَهُ (١). وَيُشَارِكُ الجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيْمَا غَنِمَتْ، وَتُشَارِكُهُ فِيْمَا غَنِمَ (٢)، ــ =أن أبان بن سعيد وأصحابه قدموا على رسول الله ﷺ بخيبر بعد أن فتحها فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله، فقال أَبُو هريرة: لا تقسم لهم يا رسول الله، فقال أَبان: أَنْت بِها يا وبْر، تحدَّر من رأْس ضال، فقال النبي ﷺ : «اجْلِسْ يَا أَبَانُ» (١)، ولم يقسم لهم رسول الله ﷺ . وعن طارق بن شهاب ﵁: إن أهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة فكتب في ذلك إلى عمر ﵁ فكتب عمر: «الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ» (٢). (١) قوله «وَمَنْ بَعَثَهُ الأَمِيْرُ لِمَصْلَحَةِ الجَيْشِ، أَسْهَمَ لَهُ»: أي ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش مثل الرسول والدليل والجاسوس وأشباههم فانه يسهم له وان لم يحضر لأنه في مصلحة الجيش أشبه السرية ولأنه إذا أسهم للمتخلف عن الجيش فهؤلاء أولى. (٢) قوله «وَيُشَارِكُ الجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيْمَا غَنِمَتْ، وَتُشَارِكُهُ فِيْمَا غَنِمَ»: وجملة ذلك أن الجيش إذا فصل غازياً فخرجت منه سرية أو أكثر فأيهما غنم شاركه الآخر في قول عامة العلماء لأن الجيش واحد، والمراد سراياه التي يبثها إذا دخل دار الحرب، وما غنمته السرايا يضم إلى غنيمة الجيش، وكذلك غنائم الجيش تضم إلى غنائم السرايا. =

стр. 2547

وَيَبْدَأُ بِإِخْرَاجِ مُؤْنَةِ الغَنِيْمَةِ؛ لِحِفْظِهَا وَنَقْلِهَا، وَسَائِرِ حَاجَاتِهَا (١)، ثُمَّ يَدْفَعُ الأَسْلابَ إِلى أَهْلِهَا (٢)، وَالأَجْعَالَ لأَصْحَابِهَا (٣)، ــ = لكن سبق أن للإمام أن ينفل الثلث في الرجعة والربع في البدأة. عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح، قام في الناس خطيباً، فقال «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ الإِسْلامَ لَمْ يَزِدْهُ إِلاَّ شِدَّةً، وَلا حِلْفَ فِي الإِسْلامِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، تُرَدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعَدِهِمْ، لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، دِيَةُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ .. » (١). (١) قوله «وَيَبْدَأُ بِإِخْرَاجِ مُؤْنَةِ الغَنِيْمَةِ؛ لِحِفْظِهَا وَنَقْلِهَا، وَسَائِرِ حَاجَاتِهَا»: لأن أجرتهم منها والفاضل للغانمين كما يبدأ بأجرة العامل على الزكاة. (٢) قوله «ثُمَّ يَدْفَعُ الأَسْلابَ إِلى أَهْلِهَا»: أي ثم يدفع سلب المقتول لقاتله. (٣) قوله «وَالأَجْعَالَ لأَصْحَابِهَا»: وهم من جعل لهم الأمير جعلاً، فيقوم الإمام بإعطائهم ما وعدهم به من الجعل، كأن يقول: من فعل كذا أعطيه كذا، أو يعطيه أيضاً من باب التشجيع، ويعطي أيضاً تنفيل السرايا، وقد سبق ذلك.

стр. 2548

ثُمَّ يُخَمِّسُ بَاقِيَهَا، فَيَقْسِمُ خُمْسَهَا خَمْسَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ للهِ تَعَالى وَلِرَسُوْلِهِ ﷺ ، يُصْرَفُ فِي السَّلامِ وَالكُرَاعِ، وَمَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ (١)، ــ (١) قوله «ثُمَّ يُخَمِّسُ بَاقِيَهَا، فَيَقْسِمُ خُمْسَهَا خَمْسَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ للهِ تَعَالى وَلِرَسُوْلِهِ ﷺ ، يُصْرَفُ فِي السَّلامِ وَالكُرَاعِ، وَمَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ»: أي ثم يقسم الغنيمة إلى خمسة أقسام، أو خمسة أجزاء متساوية، وهذا ما يسمى «بالتخميس»، والخمس هو الواحد من الخمسة، ويصرف لمن ذكرهم الله في القرآن في قوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١)، فهؤلاء خمسة، والجمهور أنه لا يتعدى الخُمس هذه الأصناف المنصوص عليها، وقد نسب القرطبي لجمهور العلماء أن هذه الآية ناسخة لما في أول السورة من أن حكم الأنفال، وهي الغنائم مختص بالله ورسوله، فيقسمها الرسول ﷺ حسب أمر الله فيها، وأن ذلك كان في أول الإسلام، وقد قسم النبي ﷺ غنائم بدر على ما أراه الله من غير أن يخمِّسها (٢)، ثم نزلت آية الخمس، فنسخت الآية الأولى (٣). والقول الثانِي: أن آية ﴿يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤)، محكمة وليست بمنسوخة، وهذا اختيار ابن جرير (٥)، =

стр. 2549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وابن الجوزي (١) وهؤلاء اختلفوا، فمنهم من قال: إن المراد بالأنفال: الزيادة التي ينفلها الإمام لبعض السرايا من الأسلاب فوق نصيبهم من الغنيمة، ومنهم من قال: إن الأنفال هي الغنائم وتكون الآية عامة، ثم نزلت آية الخمس وبيَّنت مصرف الخمس من الغنائم (٢). والراجح من الأقوال أن سهم الله تعالى وسهم رسوله ﷺ واحد، وكونه استفتح بذِكْرُ اسمه تعالى فإنه من باب التعظيم، قال بذلك ابن عباس ﵁ وجماعة من السلف (٣). ويؤيد ذلك ما رواه عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين قال: أتَيتُ رَسُولَ الله ﷺ وَهوَ بِوَادِي القُرَى وَهوَ يَعرِضُ فَرَسَاً، فَقُلتُ: يا رسول الله، مَا تَقُولُ فِي الغَنِيمَة؟ فَقَالَ: «للَّهِ خُمُسهَا، وَأربَعةُ أخْمَاسٍ لِلجَيشِ» (٤). فما لله ولرسوله يدخل في بيت المال، ويصرف في مصالح المسلمين (٥)، لحديث عبد الله بن عمرو بأن النبي ﷺ قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَيسَ لِي مِنْ هَذَا الفَيءِ شَيءٌ، وَلا هَذَا - وَرَفَعَ أُصْبُعَيهِ - إِلا الخُمُسَ، وَالخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» (٦).

стр. 2550

وَسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى، وَهُمْ بَنُوْ هَاشِمٍ وَبَنُوْ المُطَّلِبِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيْرُهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ (١)، وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى الفُقُرَاءِ (٢)، ــ (١) قوله «وَسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبى، وَهُمْ بَنُوْ هَاشِمٍ وَبَنُوْ المُطَّلِبِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيْرُهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ»: هذا هو السهم الثانِي من أسهم الخمس، وهو لذوي قربى النبي ﷺ ، وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب أبناء عبد مناف دون غيرهم من بني نوفل وبني عبد شمس، لقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾، وقد أعطاهم النبي ﷺ كما في حديث جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله ﷺ فقلنا يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ ﴿إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ﴾ (١)، وكيف يقسم بينهم؟ قيل: يقسم بينهم بحسب الحاجة، وقيل: بل للذكر مثل حظ الأنثيين، وقيل: بل الذكر والأنثى سواء. والأقرب الأول وهو أننا نراعي الحاجة، فإن كانوا كلهم سواء في الغنى أو في الحاجة أعطيناهم بالتساوي. (٢) قوله «وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى الفُقُرَاءِ»: هذا هو السهم الثالث من أسهم الخُمس، وهو لليتامى - جمع يتيم -، وهو من مات أبوه قبل أن يبلغ، وسواء كان ذكراً أو أنثى، وهل يختص بالفقراء منهم أو لا يختص؟ اشترط المصنف فقرهم، وهذا هو المذهب، لأن اسم اليتيم يطلق في العرف للرحمة، ومن أُعطي لذلك اعتبرت فيه الحاجة.

стр. 2551

وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِيْنِ (١)، وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيْلِ (٢)، ثُمَّ يُخْرِجُ بَاقِيَ الأَنْفَالِ، وَالرَّضْخِ (٣)، ــ والقول الثانِي: أنه لا يختص بالفقير، بل يعطي اليتيم الغني، وبه قال بعض الحنابلة (١)، واختاره شيخنا (٢) ﵀، وهو الصحيح أي أنه لا يختص، لأننا لو جعلناه خاصاً بالفقراء لم يكن لعطف المساكين عليهم فائدة. فالصواب أن اليتيم يستحق خمس الخمس من الغنيمة ولو كان غنيّاً؛ جبراً للنقص الذي حصل له بفقد أبيه، ولا سيما إذا كان اليتيم مترعرعاً في الشباب، أي يعرف قدر وجود أبيه، ويعرف ما يفوته بفقد أبيه، لكن لا شك أن من كان أحوج فهو أحق. (١) قوله «وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِيْنِ»: هذا هو السهم الرابع، لقوله تعالى: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، والمراد بهم: أهل الحاجة، فيدخل الفقراء في عمومهم. (٢) قوله «وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيْلِ»: وهم المسافرون الذين انقطع بهم السفر، فيعطون ما يوصلهم إلى سفرهم، يعطون تذكرة، أو متاعاً، أو ما أشبه ذلك مما يحتاجون إليه، لقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. (٣) قوله «ثُمَّ يُخْرِجُ بَاقِيَ الأَنْفَالِ، وَالرَّضْخِ»: أي بعد الخُمس يُخرج الإمام الأنفال، والرضخ التي ينفرد بها بعض الغانمين لمصلحةٍ، كما سبق نحو قول الأمير: من طلع حصناً أو نَقَبَهُ فله كذا، أو من جاء بأسير فله كذا، أو دل على قلعة أو ماء فله كذا. =

стр. 2552

ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلاثَةُ أَسْهُمٍ، لَهُ سَهْمٌ وَلِفَرَسِهِ سَهْمَانِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، لِصَاحِبِهِ سَهْمًا (١)، ــ =وإنما كانت الأنفال بعد الخُمس أي: من أربعة أخماسها لقوله ﷺ «لا نَفَلَ إِلا بَعْدَ الخُمُسِ» (١)، ولأنه مال يستحق بالتحريض على القتال، فكان من أربعة أخماس الغنيمة، كسهم الفارس والرَّاجل، وهذا هو الراجح. (١) قوله «ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلاثَةُ أَسْهُمٍ، لَهُ سَهْمٌ وَلِفَرَسِهِ سَهْمَانِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، لِصَاحِبِهِ سَهْمًا»: أي ثم يقسم باقي الغنيمة وهو الأربعة أخماس، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك في خيبر، جعل للراجل - الذي على رِجْله - سهماً واحداً، وللفارس ثلاثة أسهم. و هل يقاس على الخيل ما في حروب اليوم من الدبابات والطائرات ؟ نقول نعم؛ يقاس كل شيء بما يشبهه، فالراجل الذي ليس فرس وله سهم واحد يقاس عليه القناص فيكون له سهم واحد، والطيارة والدبابة تقاس على الخيل، فهما يشبهان الخيل بسرعتهما وتزيدان في الخطر على العدو، فيكون للطيار وسائق الدبابة سهم، وللطائرة والدبابة سهمان، ويرجع سهما الطائرة والدبابة إلى بيت مال المسلمين لأنهما غير =

стр. 2553

وَإِنْ كَانَ الفَرَسُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، فَلَهُ سَهْمٌ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمٌ (١)، وَإِنْ كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسَانِ، أُسهِمَ لَهُمَا، وَلا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ (٢)، ــ = مملوكتين لسائقيهما، وإذا رأى ولي الأمر أن يعطي السهمين لقائد الطائرة أو الدبابة فلا بأس لأن في ذلك تشجيعا لهما. (١) قوله «وَإِنْ كَانَ الفَرَسُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، فَلَهُ سَهْمٌ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمٌ»: وغير العربي هو البرذون، وهو الهجين أي الذي أبوه عربي وأمه برذونة أو العكس. وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد (١) فيما يستحقه هذا النوع من الخيول، وقد حكي عنه أنه سهم واحد، وعنه أسهم مثل سهم العربي أي سهمين لأن الله سبحانه قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ (٢) , وهذا من الخيل، ولأنه حيوان ذو سهم فاستوى فيه العربي وغيره كالآدمي, وفي رواية أخرى عنه أنه لا يسهم له، وعنه رواية رابعة أنه إذا أدركت أسهم لها مثل الفرس لأنها عملت عمل العراب فأعطيت سهمها، وهذا هو الأظهر عندي، وبه قضى عمر ﵁. (٢) قوله «وَإِنْ كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسَانِ، أُسهِمَ لَهُمَا، وَلا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ»: أي إذا كان مع الرجل أكثر من فرسين أسهم لفرسين أربعة أسهم ولصاحبهما سهما ولم يزد على ذلك. وذهب الجمهور (٣) أنه لا يسهم لأكثر من فرس واحد لأنه لا يمكن أن=

стр. 2554

وَلا يُسْهَمُ لِدَابَّةٍ غَيْرِ الخَيْلِ (١)، ــ =يقاتل على أكثر منها فلم يسهم لما زاد عليها كالزائد على الفرسين. وهذا هو الأقرب لحديث ابن عمر ﵁ السابق: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، لِصَاحِبِهِ سَهْمًا». (١) قوله «وَلا يُسْهَمُ لِدَابَّةٍ غَيْرِ الخَيْلِ»: أي لا شيء لغير الخيل من البهائم، كفيلٍ، وبغلٍ، وبعيرٍ، ونحوها، ولو عَظُمَ غِناؤها وقامت مقام الخيل لأنه ﷺ لم يسهم لها، وكذا أصحابه، ولا خلاف في ذلك، مع أنه لم تخل غزوة منها، وذلك لأن صاحبها لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من الكلفة، ولأن غير الخيل لا يلحق بها في التأثير في الحرب، ولا يصلح للكر والفر، قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل لأن النبي ﷺ لم يسهم لغير الخيل» (١)، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (٢) أنه إذا غزا على بعير وهو لا يقدر على غيره أسهم له ولبعيره سهمان, وعنه يسهم للبعير سهم ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره لقوله سبحانه: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ (٣)، والركاب الإبل؛ ولأنه حيوان يجوز المسابقة عليه فيسهم له كالفرس، واختار أبو الخطاب أنه لا يسهم له، وهو قول أكثرهم. قلت: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن قياس الأصول أن يُرضخ لها، كما يرضخ لمن لا سهم له من النساء والعبيد والصبيان (٤).

стр. 2555

فَصْلٌ فِيْ الفَيْءِ (١) ــ (١) قوله «فَصْلٌ فِيْ الفَيْءِ»: الفيء في اللغة: مصدر فاء يفيء فيئاً: إذا رجع، وفي الاصطلاح: كما سيأتي في كلام المؤلف هو ما أخذ من كافر بلا قتال، كالجزية، والخراج، والعشر، وما تركه الكفار فزعاً منا، يعني حينما علموا بأن المسلمين أقبلوا عليهم هربوا وتركوا الأموال، فهذه الأموال أخذت بغير قتال فتكون فيئاً، وذلك لأن المقاتلين لم يتعبوا في تحصيلها فلا تقسم بينهم، بل تكون فيئاً يصرف في مصالح المسلمين العامة، كرَزْقِ القضاة، والمؤذنين، والأئمة، والفقهاء، والمعلمين، وغير ذلك من مصالح المسلمين كما سيأتي ذلك قريباً إن شاء الله تعالى. وسمي فيئاً لأنه رجع من الكفار الذين هم غير مستحقين له إلى المسلمين الذين لهم الحق الأوفر فيه، وهذا كفيء بني النضير الذين نزلوا على حكم النبي ﷺ ومكنوه من أنفسهم وأموالهم. وبذلك يتبين لنا أن الفيء ضربان: أحدهما: ما انجلوا عنه: أي هربوا عنه خوفاً من المسلمين، أو بذلوه للكف عنهم. و الثاني: ما أخذ من غير خوف: كالجزية، والخراج الصلحي، والعشور. فبين الفيء والجزية عموم وخصوص. فالفيء أعم من الجزية على ما سيأتي بيانه قريباً إن شاء الله تعالى في الفرق بين الفيء والغنيمة.

стр. 2556

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأُولى: موارد الفيء متعددة منها: ١ - ما جلا عنه الكفار خوفاً من المسلمين من الأراضي والعقارات. ٢ - ما تركه الكفار وجلوا عنه من المنقولات. ٣ - ما أخذ من الكفار من خراج، أو أجرة عن الأراضي التي ملكها المسلمون، ودفعت بالإجارة لمسلم أو ذمي، أو عن الأراضي التي أقرت بأيدي أصحابها من أهل الذمة صلحاً أو عنوة على أنها لهم، ولنا عليها الخراج. ٤ - الجزية. ٥ - عُشور أهل الذمة. ٦ - ما صولح عليه الحربيون من مال يؤدونه إلى المسلمين. ٧ - مال المرتد إن قتل أو مات. ٨ - مال الذمي إن مات ولا وارث له وما فضل من ماله عن وارثه فهو فيء. ٩ - الأراضي المغنومة بالقتال وهي الأراضي الزراعية عند من يرى عدم تقسيمها بين الغانمين. - الفائدة الثانية: الفرق بين الغنيمة والفيء: الغنيمة والفيء بينهما عموم وخصوص، فالفيء أحياناً يدخل تحت الغنيمة وأحياناً ينفرد عنها، فالفيء يكون من غير قتال، كأن يأتي المسلمون إلى موضع فيه كفار فيسمع الكفار بالمسلمين فيفرون، =

стр. 2557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =ويتركون أموالهم وديارهم، فهذا يعتبر من الفيء، كما وقع في جلاء بني النضير وغيرهم، بخلاف الغنيمة، فإنها لا تكون إلا من وقعة، والغالب أنها تكون بالجهاد ومقابلة العدو وقتاله، فالغنيمة هي نتاج الغزوة، والخلاصة في الفرق بين الغنيمة والفيء: أن الغنيمة ما أخذ من أهل الحرب عنوة والحرب قائمة، والفيء ما أخذ من أهل الحرب بغير قتال ولا إيجاف خيل. ومن الفروق أيضاً: أن الفيء لا يخمس كما تخمس الغنيمة، فللمجاهدين أربعة أخماس، والخمس الأخير هو الذي يصرف في مصارف الفيء فقط، فمن هنا يقول بعض العلماء: إن بينهما عموماً وخصوصاً من هذا الوجه. - الفائدة الثالثة: هل الفيء كالزكاة ؟ بمعنى أنه يجوز الاقتصار على واحد من هؤلاء المذكورين في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١)، أو يجب التعميم؟ المشهور من المذهب أنه يجب التعميم بحسب القدرة والطاقة، فلا يجزئ أن نعطي ثلاثة منهم ونقول بأن هذا أقل الجمع، بل لابد من إعطاء كل يتيم في البلد من هذا الذي هو خمس الخمس، أما مستحق الزكاة فقد=

стр. 2558

وَمَا تَرَكَهُ الكُفَّارُ فَزَعًا وَهَرَبُوْا، لَمْ يُوْجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ، وأُخِذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ (١)، فَهُوَ فَيْءٌ يُصْرَفُ فِيْ مَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ (٢)، ــ =سبق أنه يجوز الاقتصار على واحد. (١) قوله «وَمَا تَرَكَهُ الكُفَّارُ فَزَعًا وَهَرَبُوْا، لَمْ يُوْجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا رِكَابٍ، وأُخِذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ»: هذا هو معنى الفيء الذي سبق بيانه مفصلاً. وقوله «لَمْ يُوْجَفْ» أصل الإيجاف التحريك، والمراد هنا الحركة في السير فمعنى ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: ما أجلبتموه وحشدتموه، ولم تتعبوا بتحصيله، لا بأنفسكم ولا بمواشيكم، بل قذف الله في قلوبهم الرعب، فهذا هو الفيء الذي سيأتي بيان أحكامه. (٢) قوله «فَهُوَ فَيْءٌ يُصْرَفُ فِيْ مَصَالِحِ المُسْلِمِيْنَ»: ذهب جمهور الفقهاء (١) إلى أن الفيء لا يخمس، بل يصرف في مصالح المسلمين، وأن الإمام يعطي منه للمقاتلين، والولاة، والقضاة، والعمال، والأئمة، والمؤذنين، والفقهاء، وكل من يحتاج إليه المسلمون، ويصرف على بناء القناطر، والمساجد، وشق الطرق وغير ذلك، ويبدأ الإمام بالأهم فالمهم، فإن بقي بعد ذلك منه شيء قسمه بين المسلمين، ولا فرق بين الأغنياء والفقراء. واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ=

стр. 2559

وَمَنْ وَجَدَ كَافِرًا ضَالاً عَنِ الطَّرِيْقِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ دَارِ الإِسْلامِ، فَأَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ (١)، ــ =وَاللَّهُ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). وذهب الشافعية (٢) وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٣) إلى تخميس الفيء وصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة لقول الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٤)، فذكر الأصناف في هذه الآية من باب التعديد للأصناف الذين يستحقون هذا المال ومن ثم فلا يتعدى به هؤلاء. وقال القاضي من الحنابلة (٥): إن الفيء لأهل الجهاد خاصة دون غيرهم من الأعراب ومن لا يعد نفسه للجهاد؛ لأن ذلك كان للنبي ﷺ لحصول النصرة به، فلما مات أعطي لمن يقوم مقامه في ذلك، وهم المقاتلة دون غيرهم. (١) قوله «وَمَنْ وَجَدَ كَافِرًا ضَالاً عَنِ الطَّرِيْقِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ دَارِ الإِسْلامِ، فَأَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ»: وذلك لأنه وجده في دار الإسلام، فأشبه المباحات، والصيد، واللقطة، وفي رواية أنه يكون فيئاً، لأنه لم يوجف عليه وهو من مال الكفار، فأشبه ما لو أخذ من دراهم.

стр. 2560

وَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لَهُمْ أَرْضَ الحَرْبِ مُتَلَصِّصِيْنَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ، فَمَا أَخَذُوْا، فَهُوَ لَهُمْ بَعْدَ الخُمُسِ (١)، ــ (١) قوله «وَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لَهُمْ أَرْضَ الحَرْبِ مُتَلَصِّصِيْنَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ، فَمَا أَخَذُوْا، فَهُوَ لَهُمْ بَعْدَ الخُمُسِ»: في هذه المسألة ثلاث روايات: الأولى: أن غنيمتهم كغنيمة غيرهم يخمسها الإمام ويقسم الباقي بينهم لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١) , وبالقياس على ما إذا دخلوا بإذن الإمام، وهذا هو الأظهر، وهو قول عمر بن عبد العزيز ﵀. الثانية: أن ما أخذوه فهو لهم من غير أن يخمس لأنه اكتساب مباح من غير جهاد أشبه الاحتطاب، فإن الجهاد إنما يكون بإذن الإمام أو من طائفة لهم منعة, فأما هذا فتلصص وسرقة ومجرد اكتساب. الثالثة: أنه فيء لا حق لهم فيه لأنهم عصاة بفعلهم فلم يكن لهم فيه حق والأولى أولى (٢).
следующие страницы →