وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ (١)، وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيْبَ صَاحِبِهِ، عَتَقَ حِيْنَئِذٍ وَلَمْ يَسْرِ إِلى بَاقِيْهِ، وَلا وَلاءَ لَهُ عَلَيْهِ (٢)، وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُوْسِرَيْنِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ، تَحَالَفَا وَكَانَ وَلاؤُهُ بَيْنَهُمَا (٣). وَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إِنْ بَرِئْتُ مِنْ مَرَضِيْ هَذَا، فَأَنْتَ حُرٌّ، وَإِنْ قُتِلْتُ، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَادَّعَى العَبْدُ بُرْءَهُ، أَوْ قَتْلَهُ، وَأَنْكَرَ الوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ (٤)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ»: لأن اعتراف كل واحد منهما بعتق الآخر لا يوجب اعترافاً بعتق نصيبه لأن عتق المعسر لا يسري.
(٢) قوله «وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيْبَ صَاحِبِهِ، عَتَقَ حِيْنَئِذٍ وَلَمْ يَسْرِ إِلى بَاقِيْهِ، وَلا وَلاءَ لَهُ عَلَيْهِ»: يعني الذي كان له قديماً لأن عتقه عليه باعترافه بأن كان حراً ولا يثبت له عليه ولاء لأنه لا يدعي إعتاقه، بل يعترف أن المعتق غيره وإنما هو مخلص له ممن هو في يده ظلماً، فهو كمخلص الأسير من أيدي الكفار.
(٣) قوله «وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُوْسِرَيْنِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ، تَحَالَفَا وَكَانَ وَلاؤُهُ بَيْنَهُمَا»: لأن كل واحد منهما يدَّعي أنه أعتقه ويقول لشريكه: أنت المعتق والولاء لك لا حق لي فيه، فإن عاد كل واحد منهما فادعى أنه المعتق وأن الولاء له ثبت لهما الولاء؛ لأنه لا مستحق له.
(٤) قوله «وَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إِنْ بَرِئْتُ مِنْ مَرَضِيْ هَذَا، فَأَنْتَ حُرٌّ، وَإِنْ قُتِلْتُ، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَادَّعَى العَبْدُ بُرْءَهُ، أَوْ قَتْلَهُ، وَأَنْكَرَ الوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ»: أي فالقول قولهم مع أيمانهم لأن الأصل عدم ذلك.
стр. 2627
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِقَوْلِهِ، عَتَقَ العَبْدُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ (١). وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَيْ القِيْمَةِ، لا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا، فَأَقَرَّ الاِبْنَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا فِيْ مَرَضِهِ، عَتَقَ ثُلُثَاهُ إِنْ لَمْ يُجِيْزَا عِتْقَهُ كُلَّهُ (٢)، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَبِيْ أَعْتَقَ هَذَا، وَقَالَ الآخَرُ: بَلْ هَذَا، عَتَقَ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَانَ لِكُلِّ ابْنٍ سُدُسُ الَّذِيْ اعْتَرَفَ بِعِتْقِهِ وَنِصْفُ الآخَرِ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِقَوْلِهِ، عَتَقَ العَبْدُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ»: هذا أحد القولين في المسألة، وذلك لأن بينة العبد مثبتة وبينتهم نافية والإثبات مقدم على النفي، وفي قول آخر تتعارض البينتان ويبقى العبد رقيقا لأن كل واحدة منهما تثبت ما شهدت به وتنفي ما شهدت به الأخرى فهما سواء.
(٢) قوله «وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَيْ القِيْمَةِ، لا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا، فَأَقَرَّ الاِبْنَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا فِيْ مَرَضِهِ، عَتَقَ ثُلُثَاهُ إِنْ لَمْ يُجِيْزَا عِتْقَهُ كُلَّهُ»: وجه كونه يعتق ثلثاه لأن ثلثيه ثلث جميع المال، فإنه لو كانت قيمتهما ستمائة كل واحد منهما ثلاثمائة كان ثلثها مائتين وهي ثلثا العبد فإن أجازا عتق جميعه؛ لأن الحق لهما إن شاءا أخذاه وإن شاءا تركاه.
(٣) قوله «وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَبِيْ أَعْتَقَ هَذَا، وَقَالَ الآخَرُ: بَلْ هَذَا، عَتَقَ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَانَ لِكُلِّ ابْنٍ سُدُسُ الَّذِيْ اعْتَرَفَ بِعِتْقِهِ وَنِصْفُ الآخَرِ»: صورة هذه المسألة: أن يقول شخص لأحد عبديه أنت حر بعد موتي، فيموت الرجل ويتنازع ابناه فيمن عينه الأب، فيقول أحدهما=
стр. 2628
وَإِنْ قَالَ الثَّانِيْ: أَبِيْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا لا أَدْرِيْ مَنْ مِنْهُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَقَامَتِ القُرْعَةُ مَقَامَ تَعْيِيْنِهِ (١)،
ــ
=أبي أعتق هذا، ويقول الآخر بل هذا، فهنا يعتق ثلث كل واحد منهما لكل ابن سدس الذي اعترف بعتقه ونصف الآخر؛ لأن كل واحد من الابنين إذا عيّن واحداً صار مدعياً أنه أعتق منه ثلثاه, وأنه لم يبق منه على الرق إلا ثلثه ميراثاً بينهما لكل واحد منهما سدسه، وإن الآخر كله رقيق لكل واحد منهما نصفه، فيعمل بقول كل واحد منهما في توريثه منهما فيصير له سدس العبد الذي اعترف بعتقه ونصف الآخر، ويصير ثلث كل واحد من العبدين حراً، لأن كل واحد من الابنين نصف العبدين فقبل قوله في نصيبه فعتق ثلث نصيبه من العبدين وجمعناه في العبد الذي اعترف بعتقه وذلك ثلثه.
(١) قوله «وَإِنْ قَالَ الثَّانِيْ: أَبِيْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا لا أَدْرِيْ مَنْ مِنْهُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَقَامَتِ القُرْعَةُ مَقَامَ تَعْيِيْنِهِ»: أي فإن قال أحدهما أبي أعتق هذا ويقول الآخر أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما، فتقوم القرعة مقام تعيين الذي لم يعين، فإن وقعت القرعة على الذي اعترف الابن بعتقه عتق منه ثلثاه إن لم يجيزا عتقه كاملاً.
وإن وقعت على الآخر كان حكمه حكم ما لو عين العتق في العبد الثاني سواء.
стр. 2629
بابُ حُكْمِ كِتابِ القاضِيْ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ حُكْمِ كِتابِ القاضِيْ»: المراد بكتاب القاضي: ما يكتبه القاضي الذي نظر في القضية وحكم بها إلى قاض آخر لينفِّذه، أو ما يكتبه القاضي إليه فيما ثبت عنده من تحرير الدعوى وسماع الشهود ليحكم به وينفذه، وفي ذلك من الفوائد تسهيل القضايا والتعجيل في إنهائها، فقد يكون القاضي المكتوب إليه ذا عمل كثير، والقاضي الكاتب الذي نظر في القضية وأثبتها أقل.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: الأصل في مشروعية كتاب القاضي إلى القاضي ، الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) , وأما السنة فإن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وملوك الأطراف وكان في كتابه إلى هرقل: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ، وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لا نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾» (٢).
стр. 2630
يَجُوْزُ الحُكْمُ عَلى الغَائِبِ، إِذا كَانَتْ لِلْمُدَّعِيْ بَيِّنَةٌ (١)،
ــ
=وأجمعت الأمة على كتاب القاضي إلى القاضي، ولأن الحاجة إلى قبوله داعية، فإن من له حق في بلد غير بلده لا يمكنه إثباته والمطالبة به إلا بكتاب القاضي فوجب قبوله وأخذ المحكوم عليه به لأن ذلك هو المقصود منه.
- الفائدة الثانية: كتاب القاضي إلى القاضي على نوعين:
النوع الأول: أن يكتب إلى القاضي فيما حكم به لينفذه المكتوب إليه وهذا يقبل، ولو كان كل من الكاتب والمكتوب إليه في بلد واحد؛ لأن حكم الحاكم يجب إمضاؤه على كل حال.
النوع الثاني: أن يكتب إلى القاضي فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب إليه ، ويشترط لقبول هذا النوع أن يكون بين الكاتب والمكتوب إليه مسافة قصر فأكثر؛ لأنه نقل شهادة إلى المكتوب إليه، فلم يجز مع القرب.
(١) قوله «يَجُوْزُ الحُكْمُ عَلى الغَائِبِ، إِذا كَانَتْ لِلْمُدَّعِيْ بَيِّنَةٌ»: أي من ادَّعى حقا على غائب في بلد آخر وطلب من الحاكم سماع البينة والحكم بها عليه أجابه إلى ذلك وسمع بينته وحكم بها.
والمراد بالغائب هنا الغائب عن البلد، أو الذي في البلد لكنه مستتر متخفٍّ، لا يمكن الوصول إليه، ففي هاتين الحالتين يحكم على الغائب إذا ثبت عليه الحق، والدليل على ذلك حديث هند بنت عتبة ﵂ أنها جاءت إلى النبي ﷺ تقول له: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال ﷺ : «خُذِي مَا يَكْفِيكِ=
стр. 2631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» (١)، فقد حكم عليه النبي ﷺ وهو غائب، قالوا: فهذا دليل على أنه يحكم على الغائب.
أما التعليل: فلأننا لو لم نحكم له لضاع حقه؛ لأن هذا غائب، ما ندري هل يحضر، أو لا يحضر، أو يموت؟
القول الثاني: في هذه المسألة وهو رواية عن الأمام أحمد (٢)، وهو مذهب أبي حنيفة (٣) أنه لا يقضى على غائب - أي بالبينة - سواء أكان غائباً وقت الشهادة أم بعدها وبعد التزكية، وسواء أكان غائباً عن المجلس أم عن البلد حتى يحضر.
أما إذا أقر عند القاضي فيقضى عليه وهو غائب؛ لأن له أن يطعن في البينة دون الإقرار؛ ولأن القضاء بالإقرار قضاء إعانة، وإذا أنفذ القاضي إقراره سلم إلى المدعي.
والذي أرى أنه يرجع إلى رأي الحاكم في هذه المسألة، فقد يجد الحاكم من القرائن ما يقتضي الحكم على الغائب؛ لكون هذا المدعي رجلاً ثقة عدلاً، لا يمكن أن يدعي ما ليس له، والمدعى عليه بخلاف ذلك، فإذا كان عنده من القرائن ما يدل على صحة دعوى المدعي فليحكم بذلك، وإذا لم يكن عنده قرائن فالواجب أن يمسك ولا يحكم حتى ينظر حجة=
стр. 2632
وَمَتَى حَكَمَ عَلى غَائِبٍ، ثُمَّ كَتَبَ بِحُكْمِهِ إِلى قَاضِيْ بَلَدِ الغَائِبِ، لَزِمَهُ قَبُوْلُهُ، وَأَخَذَ الْمَحْكُوْمَ عَلَيْهِ بِهِ (١). وَلا يَثْبُتُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ (٢)،
ــ
=الخصم؛ لاحتمال أنه قضاه.
أما الاستدلال بحديث هند بنت عتبة ﵂ فهذا الاستدلال فيه نظر من وجهين:
الوجه الأول: أن أبا سفيان لم يكن غائباً عن مكة، بل كان في مكة أثناء هذا القضاء، وهم لا يقولون بالقضاء على الغائب في البلد.
الوجه الثاني: أن هذا من باب الفتوى وليس من باب القضاء بدليل أن النبي ﷺ لم يسألها البينة.
(١) قوله «وَمَتَى حَكَمَ عَلى غَائِبٍ، ثُمَّ كَتَبَ بِحُكْمِهِ إِلى قَاضِيْ بَلَدِ الغَائِبِ، لَزِمَهُ قَبُوْلُهُ، وَأَخَذَ الْمَحْكُوْمَ عَلَيْهِ بِه» أي: إذا كتب هذا القاضي بما حكم به كتاباً إلى قاض من قضاة المسلمين لزمه قبوله سواء كانت بينهما مسافة بعيدة أو قريبة، حتى لو كانا في جانبي بلد أو مجلس لزمه قبوله وإمضاؤه سواء كان حكماً على حاضر أو غائب لأن حكم الحاكم يجب إمضاؤه على كل حاكم.
(٢) قوله «وَلا يَثْبُتُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ»: أي وإنما يقبل كتاب القاضي إلى القاضي بشهادة عدلين، يضبطان معناه وما يتعلق به الحكم بعد أن يقرأه القاضي الكاتب عليهما، ثم يدفعه إليهما ليوصلاه إلى القاضي المكتوب إليه بعد أن يختمه صوناً لما فيه.
والأظهر في هذه المسألة أنه يُكْتَفَى بختم الكتاب وإعطائه إياهما مختوماً، =
стр. 2633
يَقُوْلانِ: قَرَأَهُ عَلَيْنَا، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ بِحَضْرَتِنَا، فَقَالَ: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنَّ هَذَا كِتَابِيْ إِلى فُلانٍ، أَوْ إِلى مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِيْنَ وَحُكَّامِهِمْ (١)،
ــ
= دون أن يطلعهما على ما فيه، لئلا ينتشر ما دُوِّن في الكتاب، ثم إن هذه الأمور ذكرها الفقهاء ﵏ باعتبار ما في زمانهم، أما الآن فالإرسال بواسطة البريد وآلات الإرسال الأخرى تقوم مقام ما ذكره الفقهاء من ذكر الشاهدين وتوابع ذلك، بل إن ابن القيم (١) ﵀ رجّح أنه لا يشترط الإشهاد في كتاب القاضي، وأن الإشهاد ليس عليه دليل لا من كتاب ولا من سنة.
(١) قوله «يَقُوْلانِ: قَرَأَهُ عَلَيْنَا، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ بِحَضْرَتِنَا، فَقَالَ: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنَّ هَذَا كِتَابِيْ إِلى فُلانٍ، أَوْ إِلى مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِيْنَ وَحُكَّامِهِمْ»: هذه هي طريقة الإشهاد على كتاب القاضي إلى القاضي، وجملة طريقة الإشهاد هي أنه متى فرغ القاضي من كتابة الكتاب دعا رجلين فيقرأ عليهما الكتاب أو يقرؤه غيره عليهما والأحوط أن ينظرا معه فيما يقرؤه فإن لم ينظرا جاز لأنه لا يستقرأ إلا ثقة فإذا قراء عليهما قال اشهدا عليَّ أن هذا كتابي إلي فلان، وإن قال اشهدا علي بما فيه كان أولى.
- فائدة: يعتبر في ثبوت كتاب القاضي إلى القاضي ثلاثة شروط:
أحدها: أن يشهد به شاهدان عدلان، وقد سبق الإشارة إلى الخلاف في هذا الشرط، وقلنا بأن الراجح أنه يكفي معرفة خطه، وختمه، وإعطائه=
стр. 2634
فَإِنْ مَاتَ الْمَكْتُوْبُ إِلَيْهِ، أَوْ عُزِلَ، فَوَصَلَ إِلى غَيْرِهِ، عَمِلَ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الكَاتِبُ، أَوْ عُزِلَ بَعْدَ حُكْمِهِ، جَازَ قَبُوْلُ كِتَابِهِ (١)،
ــ
=إياهما مختوماً.
الثاني: أن يكتب القاضي من موضع ولايته ، فإن كتب القاضي من غير عمله كتاباً لم يسغ قبوله؛ لأنه لا يسوغ له في غير ولايته حكم فهو كالعامي.
الشرط الثالث: أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه في موضع ولايته، فإن وصل في غير موضع ولايته لم يكن له قبوله حتى يصل إلى موضع ولايته لما سبق.
(١) قوله «فَإِنْ مَاتَ الْمَكْتُوْبُ إِلَيْهِ، أَوْ عُزِلَ، فَوَصَلَ إِلى غَيْرِهِ، عَمِلَ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الكَاتِبُ، أَوْ عُزِلَ بَعْدَ حُكْمِهِ، جَازَ قَبُوْلُ كِتَابِهِ»: جملة ذلك أنه لا يخلو من أن تتغير حال القاضي الكاتب، أو المكتوب إليه، أو حالهما معا.
فإن تغيرت حال الكاتب بموت أو عزل بعد أن كتب الكتاب وأشهد على نفسه لم يقدح في كتابه، وكان على من وصله الكتاب قبوله والعمل به سواء تغيرت حاله قبل خروج الكتاب من بلده أو بعده لأن المعول في الكتاب على الشاهدين اللذين يشهدان على الحاكم وهما حيّان فيجب أن ينقل كتابه كما لو لم يمت، ولأن كتابه إن كان فيما حكم به فحكمه لا يبطل بموته وعزله، وإن كان فيما ثبت عنده بشهادة فهو أصل واللذان شهدا عليه فرع ولا تبطل شهادة الفرع بموت شاهدي الأصل.
стр. 2635
وَيُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِيْ فِيْ كُلِّ حَقٍّ، إِلاَّ الحُدُوْدَ وَالقِصَاص (١)،
ــ
(١) قوله «وَيُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِيْ فِيْ كُلِّ حَقٍّ، إِلاَّ الحُدُوْدَ وَالقِصَاصَ»: أي إن كتاب القاضي إلى القاضي لا يقبل في الحدود كحد الزنا، أو السرقة، وكذلك في القصاص إلا في حق الآدمي، كالقرض، والبيع، والإجارة، والطلاق، والنكاح، ونحو ذلك.
قال الوزير: «اتفقوا على أن كتاب القاضي إلى القاضي من مصر إلى مصر في الحقوق التي هي المال، أو ما كان المقصود منه المال جائز مقبول» (١).
أما في حدود الله تعالى كحد الزنا والشرب ونحوهما، فلا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي، لأن حقوق الله تعالى مبنية على الستر والدرء بالشبهات، والإسقاط بالرجوع عن الإقرار بها والشهادة على الشهادة لا تخلو من الشبهة، وهذا هو المذهب (٢).
والقول الثانِي: أن كتاب القاضي إلى القاضي يقبل حتى في حدود الله تعالى، وهو قول مالك، وهو قول الشافعية، ورواية عن أحمد في القصاص (٣)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وشيخنا (٥) ﵀، وذلك لأن هذا الرجل الذي فعل ما يقتضي الحكم عليه هو الذي فضح نفسه، وإقامة الحد عليه أمام الناس فيه نشر لجريمته، وهذا هو الصواب.
стр. 2636
بابُ القِسْمَةِ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ القِسْمَةِ»: القِسمة: بكسر القاف، اسم يطلق على التفريق، من قَسَمَ يقسم قَسْمَاً: إذا فرز الشيء أجزاء، وتطلق القسمة على النصيب أيضاً، ويقال: القِسْم بالكسر، والمراد هنا: تمييز الحقوق وإفراز الأنصباء.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: هذا الباب له تعلّق بموضوعات كثيرة كالأضحية والفرائض والشركة والوصايا، لكن ذكروه في أبواب «القضاء»، لأن القاضي لا يستغني عن القاسم، للحاجة إلى قسمة المشتركات، بل إن القاسم كالحاكم، فَحَسُنَ الكلام على مسائل القسمة مع الأقضية.
- الفائدة الثانية: الأصل في مشروعية القسمة الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعنى: فدلالة الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ (٢) الآية.
وأما السنة: فحديث جابر ﵁ قال: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ» (٣).
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون في الجملة على جواز القسمة. =
стр. 2637
وَهِيَ نَوْعَانِ: قِسْمَةُ إِجْبَارٍ، وَهِيَ: قِسْمَةُ مَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَلا رَدِّ عِوَضٍ إِذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيْكَيْنِ قَسْمَهُ، فَأَبَى الآخَرُ، أَجْبَرَهُ الحَاكِمُ عَلَيْهِ إِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِلْكُهُمَا بِبَيِّنَةٍ (١)،
ــ
=وأما المعنى: فلأن الحاجة داعية إليها؛ إذ لا سبيل إلى إعطاء ذوي الحقوق حقوقهم من الشيء المشترك إلا بالقسمة.
(١) قوله «وَهِيَ نَوْعَانِ: قِسْمَةُ إِجْبَارٍ، وَهِيَ: قِسْمَةُ مَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَلا رَدِّ عِوَضٍ إِذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيْكَيْنِ قَسْمَهُ، فَأَبَى الآخَرُ، أَجْبَرَهُ الحَاكِمُ عَلَيْهِ إِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِلْكُهُمَا بِبَيِّنَةٍ»: هذا هو النوع الأول من أنواع القسمة ، وهي قسمة الإجبار، وهي ما لا ضرر في قسمته على أحد الشركاء ولا رد عوض في قسمته من أحد الشركاء على الآخر، كالأرض الواسعة، والدار الكبيرة، والدكاكين الواسعة، والسيارات الجديدة من جنس واحد، والمكيل والموزون من جنس واحد، كالأرز، والقهوة، والهيل، والسكر ونحو ذلك، وسميت بذلك لأنها لا تتوقف على رضا الشركاء، بل يُجبر من امتنع، وضابطها كل قسمة ليس فيها ضرر ولا رد عوض.
ويشترط لإجبار الممتنع من هذه القسمة ثلاثة شروط:
١ - أن يثبت عند الحاكم ملك الشركاء .
٢ - أن يثبت أن لا ضرر .
٣ - وأن يثبت إمكان تعديل السهام في العين المقسومة من غير شيء يجعل فيها ، لأنها تصير بيعا والبيع لا يجبر عليه أحد المتبايعين.
مثال ذلك: أرض قيمتها مائة فيها شجرة وبئر يساوي مائتين، فإذا=
стр. 2638
فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ، لَمْ يُجْبِرِ الْمُمْتَنِعَ عَلَيْهِ (١)، وَإِنْ طَلَبَاهَا فِيْ هَذِهِ الحَالِ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَأَثْبَتَ فِيْ القَضِيَّةِ أَنَّ قَسْمَهُ كَانَ عَنْ إِقْرَارِهِمَا، لا بِبَيِّنَةٍ (٢)
ــ
=جعلت الأرض سهماً كانت الثلث فيحتاج أن يجعل معها خمسون يردها عليه من لم تخرج له البئر أو الشجرة ليكونا نصفين متساويين، فهذه فيها بيع.
فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة أجبر الممتنع من القسمة عليها لأنها تتضمن إزالة ضرر الشركة عنهما وحصول النفع لهما لأن نصيب كل واحد منهما إذا تميز كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره ويتمكن من إحداث الغراس والبناء فيه والإجارة والعارية، ولا يمكنه ذلك مع الاشتراك فوجب أن لا يجبر الآخر عليه لقوله ﷺ «لا ضرر ولا ضرار»، ولأنها تمكن كل واحد من التصرف في نصيبه والانتفاع به بإحداث الغراس والبناء مما لا يتمكن منه مع بقاء الشركة.
(١) قوله «فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ، لَمْ يُجْبِرِ الْمُمْتَنِعَ عَلَيْهِ»: أي فإن أقر الشريكان ملكيتهما لهذا المال، وأنهما شريكان فيه فإنه لا يجبر الممتنع من هذين الشريكين على القسم عليه لأنه لم يوجد شرط الإجبار، ولأن في الإجبار على القسمة حكماً على الممتنع منهما، ولا يصح هذا الحكم إلا إذا كان تحقق من ملكية خصمه لهذا المال.
(٢) قوله «وَإِنْ طَلَبَاهَا فِيْ هَذِهِ الحَالِ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَأَثْبَتَ فِيْ القَضِيَّةِ أَنَّ قَسْمَهُ كَانَ عَنْ إِقْرَارِهِمَا، لا بِبَيِّنَةٍ»: أي وإن طلب الشريكان معاً القسمة في حال ثبوت ملكيتهما لهذا المال بإقرار كل من الشريكين لصاحبه =
стр. 2639
قِسْمَةُ التَّرَاضِيْ (١)،
ــ
=لا عن بينة قسمت بينهما، وأثبت أن القسمة كانت عن إقرار لا عن بينة وذلك لئلا يحتج بهذا الحكم على ملكيتهما لهذا المال، بل هو مجرد قسمة بينهما.
(١) قوله «قِسْمَةُ التَّرَاضِيْ»: هذا هو النوع الثاني من القسمة، وهو قسمة التراضي: وهي التي لا بد أن يتفق عليها جميع الشركاء، ولا تجوز بدون رضاهم، وهي التي لا تمكن إلا بحصول ضرر، ولو على بعض الشركاء، أو برد عوض من أحد الشركاء على الآخر، وتكون في الدور الصغار والدكاكين الضيقة والأرض المختلفة أجزاؤها بسبب بناء أو شجر في بعضها أو كون بعضها يتعلق به رغبة تخضه دون البعض الآخر.
فهذا النوع من المشترك لا يجوز قسمته إلا باتفاق الشركاء وتراضيهم؛ لقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار»، فهو يدل بعمومه على عدم جواز قسم ما لا ينقسم إلا بضرر إلا بالتراضي.
وهذه القسمة تأخذ حكم البيع، برد ما فيه عيب، ويدخلها خيار المجلس والشرط ونحوه، ولا يجبر من امتنع من قبولها من الشركاء.
لكن متى طلب أحد الشركاء بيع هذا المشترك؛ أجبر الممتنع، فإن أبى باعه الحاكم عليهما، وقسم الثمن بينهما على قدر حصصهما.
و ضابط الضرر الذي يمنع هذه القسمة هو نقص القيمة بالقسمة، سواء انتفعوا به مقسوماً أم لا؛ فلا يعتبر ضرر كونهما لا ينتفعان به مقسوماً.
стр. 2640
وَهِيَ قِسْمَةُ مَا فِيْهِ ضَرَرٌ؛ بِأَنْ لا يَنْتَفِعَ أَحَدُهُمَا بِنَصِيْبِهِ فِيْمَا هُوَ لَهُ، أَوْ لا يُمْكِنُ تَعْدِيْلُهُ، إِلاَّ بِرَدِّ عِوَضٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَلا إِجْبَارَ فِيْهَا (١)،
ــ
(١) قوله «وَهِيَ قِسْمَةُ مَا فِيْهِ ضَرَرٌ؛ بِأَنْ لا يَنْتَفِعَ أَحَدُهُمَا بِنَصِيْبِهِ فِيْمَا هُوَ لَهُ، أَوْ لا يُمْكِنُ تَعْدِيْلُهُ، إِلاَّ بِرَدِّ عِوَضٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَلا إِجْبَارَ فِيْهَا»: هذا هو الضابط لما قسمته قسمة تراضٍ، فكل مشترك بين شخصين فأكثر لا ينقسم إلا بضرر أو برد عوض فإنه لا ينفذ إلا برضا الشركاء كلهم؛ لأنه إذا كان فيها ضرر فلا يمكن أن يضار أحد إلا إذا رضي بالضرر على نفسه، وهو عاقل بالغ رشيد، ولأنها إذا احتاجت إلى رد عوض صارت بمنزلة البيع، لأن فيها عوضاً ومعوضاً، والبيع لا بد فيه من التراضي.
واختلف الفقهاء في الضرر المانع من القسمة، قيل: بأن الضرر المانع من القسمة هو الذي ينقص القيمة، وهذا أحد القولين في تفسير الضرر المانع من القسمة.
والقول الثانِي: أن الضرر هو ألا ينتفع أحد منهم بنصيبه، لأن ذلك ضرر شديد يفضي إلى إضاعة المال، فيكون منهياً عنه، بخلاف نقصان القيمة، فإن اعتباره يؤدي إلى بطلان القسمة غالباً، فوجب أن لا يعتبر، فلو كان لشخصين أرض قيمتها ستة آلاف، لأحدهما سدس، وللآخر خمسة أسداس، ومساحتها «أربعة وعشرون» متراً، فإننا إذا قسمناها لم تنقص القيمة، لكن صاحب السدس لا ينتفع بسدسه، وهو أربعة أمتار فعلى المعنى الأول هي قسمة إجبار - كما سبق - وعلى الثانِي قسمة تراض، لما تقدم، وقوله: «إِلاَّ بِرَدِّ عِوَضٍ مِنْ أَحَدِهِمَا»، مثال: رد العوض: أرض=
стр. 2641
وَالقِسْمَةُ إِفْرَازُ حَقٍّ لا يَسْتَحِقُّ بِهَا شُفْعَةٌ، وَلا يَثْبُتُ فِيْهَا خِيَارٌ (١)، وَتَجُوْزُ فِيْ المَكِيْلِ وَزْنًا، وَفِيْ الْمَوْزُوْنِ كَيْلاً، وَفِيْ الثِّمَارِ خَرْصًا (٢)، وَتَجُوْزُ قِسْمَةُ الوَقْفِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْهَا رَدُّ عِوَضٍ (٣)،
ــ
=بين شريكين فيها جبال أو مرتفعات ولا يُمكن تعديلها بالسهام ولا بالمناصفة المتساوية، فنجعلها قسمين، وما فيه جبال - مثلاً - يضاف إليه عوض من المال ليساوي الكامل.
وتسمى القسمة إذا كان فيها رد عوض قسمة تعديل، لأن الحصص فيها لا تستقيم متساوية إلا بأن يجعل مع بعضها عوضاً.
(١) قوله «وَالقِسْمَةُ إِفْرَازُ حَقٍّ لا يَسْتَحِقُّ بِهَا شُفْعَةٌ، وَلا يَثْبُتُ فِيْهَا خِيَارٌ»: أي إن هذه القسمة وهي قسمة الإجبار إفراز لحق أحد الشريكين من الآخر، لا بيع، لأنها تخالفه في الأحكام والأسباب، ولذا لم يشترط فيها التراضي، وليس فيها خيار مجلس.
(٢) قوله «وَتَجُوْزُ فِيْ المَكِيْلِ وَزْنًا، وَفِيْ الْمَوْزُوْنِ كَيْلاً، وَفِيْ الثِّمَارِ خَرْصًا»: أي: وتجوز قسمة التراض في المكيل وزناً، وفي الموزون كيلاً، وفي الثمار خرصاً لأنها ليست بيعاً، ولأنها إفراز حق فإن ذلك كله جائز.
وأما إن قلنا إنها بيع لم يجز فيها شيء من ذلك على ما مر في كتاب البيع.
(٣) قوله «وَتَجُوْزُ قِسْمَةُ الوَقْفِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْهَا رَدُّ عِوَضٍ»: أي وتصح قسمة الوقف إذا لم يكن فيها رد عوض، فإن كان فيها رد لم تجز قسمة الوقف لأنه لا يجوز بيع شيء منه.
стр. 2642
فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ طِلْقًا، وَبَعْضُهُ وَقْفًا، وَفِيْهَا رَدُّ عِوَضٍ مِنْ صَاحِبِ الطِّلْقِ لَمْ يَجُزْ (١)، وَإِذَا عُدِّلَتِ الأَجْزَاءُ، أُقرِعَ عَلَيْهَا، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَلى شَيْءٍ، صَارَ لَهُ، وَلَزِمَ بِذلِكَ (٢). وَيَجِبُ أَنْ قَاسِمَ الحَاكِمِ عَدْلاً، وَكَذلِكَ كَاتِبُهُ (٣).
ــ
(١) قوله «فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ طِلْقًا، وَبَعْضُهُ وَقْفًا، وَفِيْهَا رَدُّ عِوَضٍ مِنْ صَاحِبِ الطِّلْقِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ مِنْ رَبِّ الوَقْفِ، جَازَ»: أي إن كان بعض العقار طلقاً، وبعضه وقفاً والرد من صاحب الطلق لم يجز لأنه يشتري بعض الوقف، وإن كان من أهل الوقف جاز لأنهم يشترون بعض الطلق وذلك جائز.
(٢) قوله «وَإِذَا عُدِّلَتِ الأَجْزَاءُ، أُقرِعَ عَلَيْهَا، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَلى شَيْءٍ، صَارَ لَهُ، وَلَزِمَ بِذلِكَ»: أي إذا اجتهد من يتولى القسمة بين الشركاء في أن تكون الأنصبة متعادلة، أُقرع عليها لأن العمل بالقرعة مشروع في كل مسألة لا يوجد فيها مرجح فإذا عدلت السهام أقرع بينهم وكيف ما أقرع جاز.
(٣) قوله «وَيَجِبُ أَنْ قَاسِمَ الحَاكِمِ عَدْلاً، وَكَذلِكَ كَاتِبُهُ»: هذا شرط القاسم، وهو أن يكون عدلاً، لِيُقبل قوله في القسمة، وأن يكون عارفاً بالقسمة كذلك، ليحصل منه المقصود، لأنه إذا لم يعرف ذلك لم يكن تعيينه للسهام مقبولاً.
стр. 2643
كِتابُ الشَّهَادَاتِ (١)
ــ
(١) قوله «كِتابُ الشَّهَادَاتِ»: الشهادات: جمع شهادة، وهي مصدر شهد يشهد شهادة، وإنما جمع المصدر لإرادة الأنواع (١)، لأن الشهادة قد تكون على الأموال، أو الحدود، أو الرضاع، وغير ذلك.
ولها في اللغة معانٍ منها: الحضور، والخبر، والاطلاع على شيء، قال ابن فارس: «الشهادة: الإخبار بما قد شوهد» (٢)، سميت بذلك من المشاهدة، لأن الشاهد يخبر عما شاهده.
واصطلاحاً: الإخبار في مجلس الحكم بلفظ الشهادة لإثبات حق للغير على الغير، أو هي الإخبار عما يعلمه بلفظ شهدت أو أشهد، ونحوهما كسمعت، ورأيت، وتحققت، وعلمت، ونحو ذلك.
- فائدة: هل يشترط أداء الشهادة بلفظ أشهد؟
نقول: لا يشترط في أداء الشهادة لفظ معين، بل تصح بكل لفظ دلّ على اليقين، وهذا قول المالكية (٣)، لأن المقصود من الشهادة بعث الاطمئنان إلى علم القاضي بأن ما شهد به الشاهد حق وصدق، وهذا لا يتوقف على لفظ معين، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وتلميذه ابن القيم (٥) =
стр. 2644
تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَداؤُهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ (١)،
ــ
=وذكر أنه رواية عن أحمد، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن اشتراط لفظ الشهادة لا أصل له في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا قول أحد من الصحابة ﵃، ولا يتوقف إطلاق لفظ الشهادة لغة على ذلك».
(١) قوله «تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَداؤُهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ»: للشهادة حالتان: حالة تحمل، وحالة أداء.
فأما التحمل: وهو أن يدعى الشخص ليشهد ويحفظ الشهادة.
وأما الأداء: وهو أن يدعى الشخص ليشهد بما علمه.
وتحمل الشهادة وأداؤها ذكر المؤلف أنهما فرض كفاية، أما كون ذلك فرضاً فلأنه لو لم يكن فرضاً لامتنع الناس من التحمل والأداء، فيؤدي إلى ضياع حقوق الناس.
وأما كونه على الكفاية فلأن الحاجة المذكورة تندفع بشهادة من تقوم به الكفاية، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (٢)، والظاهر أن - مِن - للتبعيض، ويكون ذلك مخصصاً لعموم الآيات التي تفيد الإيجاب مطلقاً، ثم إن المعنى يؤيد ذلك، كما تقدم.
وما ذكره المصنف من أن تحمُّل الشهادة فرض كفاية هو المذهب (٣)، =
стр. 2645
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢).
وأما أداؤها فالقول بأنه فرض كفاية هو رواية عن أحمد، اختارها جماعة من الحنابلة، وهو قول الجمهور، إلا إذا لم يوجد العدد الذي يثبت به الحق فالأداء فرض عين، كما سيأتي.
والقول الثانِي: أن أداء الشهادة فرض عين، وذكر صاحب «الإنصاف» أن هذا هو المذهب، نص عليه الإمام أحمد (٣)، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٤).
قال ابن عباس (٥) وغيره: المراد به التحمل للشهادة وإثباتها عند الحاكم، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لإثبات الحقوق والعقود، فكان واجباً كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال الشوكاني: «الظاهر من هذا النهي أن الامتناع من أداء الشهادة حرام» (٦)، قال تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٧).
стр. 2646
إِذَا لَمْ يُوْجَدْ مَنْ يَقُوْمُ بِهَا سِوَى اثْنَيْنِ، لَزِمَهُمَا القِيَامُ بِهَا (١)، عَلى القَرِيْبِ وَالبَعِيْدِ (٢)، إِذا أَمْكَنَهُمَا ذلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا كُونُوْا قَوَّامِيْنَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِيْنَ﴾ (٣)،
ــ
(١) قوله «إِذَا لَمْ يُوْجَدْ مَنْ يَقُوْمُ بِهَا سِوَى اثْنَيْنِ، لَزِمَهُمَا القِيَامُ بِهَا»: أي ويكون تحمل الشهادة فرض عين إن تعين عليه تحمل الشهادة، بأن لم يوجد إلا من يكفي للشهادة، وذلك كسائر فروض الكفايات.
(٢) قوله «عَلى القَرِيْبِ وَالبَعِيْدِ»: أي ومن لزمته الشهادة فعليه أن يقوم بها على القريب والبعيد، لا يسعه التخلف عن إقامتها وهو قادر على ذلك.
(٣) قوله «إِذا أَمْكَنَهُمَا ذلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا كُونُوْا قَوَّامِيْنَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِيْنَ» (١): هذان شرطان في لزوم الشهادة، الأول هو إمكانية الأداء، أي أن يكون قادراً على الأداء، فإن كان عاجزاً فإنه لا يلزمه لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)، وقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٣)، ومن القواعد المقررة المأخوذة من هذه الآية أنه لا واجب مع عجز، وعلى هذا فإذا كان عاجزاً عن أدائها فإنه لا يلزمه للعجز.
الشرط الثاني: انتفاء الضرر ، ولهذا قال: «مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ»، فإذا خاف الضرر فإنه لا يلزمه لا التحمل ولا الأداء، والضرر منه ما يكون ضرر=
стр. 2647
الْمَشْهُوْدُ بِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ (١): أَحَدُهَا: الزِّنَى وَما يُوْجِبُ حَدَّهُ، فَلا يَثْبُتُ إِلاَّ بِأَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُوْلٍ (٢)،
ــ
=على البدن بأن خاف أن يضرب حتى يتضرر.
أو ضرر عليه في ماله بأن خاف أن يحرق دكانه، أو يكسر زجاج سيارته، أو ما أشبه ذلك.
أو ضرر عليه في أهله بأن خاف أن يؤذى ولده أو زوجته، أو أبوه، أو ما أشبه ذلك، متى خاف ذلك كله فإنه لا يلزمه الأداء.
(١) قوله «الْمَشْهُوْدُ بِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ»: المراد بالمشهود به: هو رؤية الشاهد للشيء الذي سيشهد عليه، وهو أربعة أقسام.
(٢) قوله «أَحَدُهَا: الزِّنَى وَما يُوْجِبُ حَدَّهُ، فَلا يَثْبُتُ إِلاَّ بِأَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُوْلٍ»: شرع المصنف في بيان عدد الشهود، وأن ذلك يختلف باختلاف المشهود به.
فيثبت الزنا بأربعة رجال، لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ﴾ (١)، ولقوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ... ﴾ (٢).
وهذا العدد - وهو الأربعة - مجمع عليه، وهو خاص بالزنا، فلو نقصوا عن أربعة وجب عليهم الحد، لأنهم قَذَفَةٌ.
والحكمة في هذا العدد - والله أعلم - أن الستر مطلوب، لما جاء في السُّنة من=
стр. 2648
الثَّانِيْ: الْمالُ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، فَيَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِرَجُلٍ مَعَ يَمِيْنِ الطَّلَبِ (١)،
ــ
=الحث على الستر وعدم إشاعة الفاحشة في المجتمع الإسلامي ولهذا غُلِّظ النصاب، لأن المسألة حدٌّ وعقوبة، والعقوبة تدرأ بالشبهات.
وهذا في حق مَن لم يُعرف بالفساد، أما من كان كذلك فالشهادة عليه أولى من تركها، لتطهير الأرض من المعاصي، والفواحش، والقضاء على المفسدين (١).
وأَلحقَ الجمهور اللواط في اشتراط أربعة رجال، لكونه في معنى الزنا.
وأما كونهم رجالاً، فهو قول الجمهور، لقوله: ﴿أَرْبَعةً مِّنكُمْ﴾.
ولفظ الأربعة يُعَدُّ به الرجال، لأنه يقال للنساء أربع، ولأن المرأة ضعيفة العقل قليلة الأمانة، فيكون ذلك شبهة، والحد يدرأ بالشبهة، وقد سبق بيان ذلك.
(١) قوله «الثَّانِيْ: الْمالُ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، فَيَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِرَجُلٍ مَعَ يَمِيْنِ الطَّلَبِ»: أي إن الشهادة على المال وما يقصد به المال كالبيع، والقرض، والرهن، ونحوها لا تثبت إلا بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ..... ﴾ (٢)، إلى أن قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ .... ﴾ (٢).
стр. 2649
الثَّالِثُ: مَا عَدَا هَذَيْنِ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَلا يَثْبُتُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ (١)،
ــ
= وقد أجمع أهل العلم على قبول شهادة النساء في الأموال، وما يقصد فيه المال كذلك.
وأما كون المال يقبل فيه شاهد ويمين الطلب أي يمين المدعي فَلِمَا ورد عن أن النبي ﷺ : «قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ» (١).
قال عمرو ابن دينار «في الحقوق» (٢) ولأن اليمين تشرع في جانب أقوى المتداعيين - كما تقدم - فلما قَوِيَ جانب المدعي بشاهد واحد شرعت اليمين في حقه.
(١) قوله «الثَّالِثُ: مَا عَدَا هَذَيْنِ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَلا يَثْبُتُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ»: أي وما عدا هذين المذكورين «وهما الشهادة على الزنا والشهادة على الأموال» مما يطلع عليه الرجال لا يثبت إلا بشهادة رجلين، كالطلاق والخلع والنسب والوكالة في غير المال، ونحو ذلك، فلا تقبل فيه شهادة النساء، لأنه ليس بمال، ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال، فلم يكن للنساء في شهادته مدخل، كالقصاص، والحدود - غير الزنا - كالسرقة، والقذف، والشرب، فإن الجمهور على أنه لا يثبت إلا بشهادة رجلين عدلين، لأن العقوبات مما يحتاط لدرئها وإسقاطها.
стр. 2650
الرَّابِعُ: مَا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، كَالوِلادَةِ، وَالحَيْضِ، وَالعِدَّةِ، وَالعُيُوْبِ تَحْتَ الثِّيَابِ، فَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الحَارِثِ قَالَ: تَزَوَّجْتُ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِيْ إِهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءٌ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «كَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ ذلِكَ» (١)،
ــ
(١) قوله «الرَّابِعُ: مَالا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، كَالوِلادَةِ، وَالحَيْضِ، وَالعِدَّةِ، وَالعُيُوْبِ تَحْتَ الثِّيَابِ، فَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ عَدْلٍ؛ لأَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الحَارِثِ قَالَ: تَزَوَّجْتُ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِيْ إِهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءٌ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «كَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ ذلِكَ» (١): أي وما لا يراه الرجال كعيوب النساء التي تحت الثياب، كالبرص في الجسد تحت الثياب والرَّتَقِ ونحو ذلك، وكذا جراحة في عرس ونحوه مما لا يحضره الرجال، وكذا الرضاع، والبكارة، والثيوبة، والحيض، ونحو ذلك، فيكفي فيه شهادة امرأة عدل، على الراجح من أقوال أهل العلم، وقد دل على ذلك ما ذكره المؤلف وهو حديث عقبة ابن الحارث ﵁ في قبول شهادة المرأة في الرضاع، والباقي مقيس عليه، لأن العلم فيه من طريق النساء وحدهن، ولأن الحاجة داعية إلى قبول شهادة المرأة العدل في هذا الباب، لحفظ حقوق الغير، إذ لو لم تقبل شهادتها لضاع كثير من الحقوق التي لا يمكن للرجال الإطلاع عليها ولا يحضرها إلا النساء عادة، والشريعة قائمة على التيسير ورفع الحرج عن الأمة. =
стр. 2651
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَمَةٍ فِيْمَا تُقْبَلُ فِيْهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ؛ لِلْخَبَرِ (١)، وَشَهَادَةُ العَبْدِ فِيْ كُلِّ شَيْءٍ، إِلاَّ فِيْ الحُدُوْدِ وَالقِصَاصِ (٢)،
ــ
=ولم يذكر المصنف شهادة الثلاثة، وقد دلت السنة أن شهادة الثلاثة خاصة فيمن أصابته فاقة بعد الغنى، كما في حديث قبيصة ﵁ في بيان أن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة، وفيه: «وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشهد لَه ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَا مِنْ قَومِهِ ... » (١)، أما من كان معروفاً بالفقر وعدم الغنى فلا تشترط شهادة الثلاثة لحل المسألة له.
(١) قوله «وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَمَةٍ فِيْمَا تُقْبَلُ فِيْهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ؛ لِلْخَبَرِ»: أي لحديث عقبة بن الحارث المتقدم، فهو عام في الأمة والحرة.
(٢) قوله «وَشَهَادَةُ العَبْدِ فِيْ كُلِّ شَيْءٍ، إِلاَّ فِيْ الحُدُوْدِ وَالقِصَاصِ»: أي لا يعتبر في الشهادة الحرية، بل تجوز شهادة العبد، لأن الله تعالى أمر بإشهاد ذوي عدل منا، ومن فقد الحرية فهو عدل منا، بدليل قبول روايته وفتياه وأخباره الدينية، ويستثنى من ذلك شهادته في الحدود والقصاص فلا تقبل، لأنها عقوبة بدنية تدرأ بالشبهات، وفي شهادة العبد شبهة، لاختلاف العلماء في قبولها، وهذا ما مشى عليه المصنف، وهو المشهور من المذهب (٢).
والقول الثانِي: أن شهادة العبد تقبل مطلقاً حتى في الحدود والقصاص، وهو ظاهر المذهب، واختاره ابن القيم وقال: «إنه هو الصحيح»، وقال: «قبول شهادة العبد هو موجب الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، وصريح=
стр. 2652
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الفَاعِلِ عَلى فِعْلِهِ، كَالْمُرْضِعَةِ عَلى الرَّضَاعِ (١)، وَالقَاسِمِ عَلى القِسْمَةِ (٢)،
ــ
=القياس، وأصول الشرع، وليس مع من ردها كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس .. » (١)، وقد حكى الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «ما علمت أحداً رد شهادة العبد» (٢)، وهذا يفيد أن ردها إنما حدث بعد عصر الصحابة ﵃، وأما تعليل المانعين بالخلاف في قبول شهادته فهو ليس بشيء، لأن الاختلاف في أمر من الأمور لا يستلزم عدم صلاحيته لبناء حكم شرعي عليه، فالحق واحد، ولابد أن يكون مع أحد الجانبين المختلفين، والشهادة مبناها على العدالة، فإذا وجدت صحت، وإلا فلا.
(١) قوله «وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الفَاعِلِ عَلى فِعْلِهِ، كَالْمُرْضِعَةِ عَلى الرَّضَاعِ» أي: وتقبل شهادة الإنسان على فعل نفسه كالمرضع على الرضاع لحديث عقبة بن الحارث المتقدم، وكذا لو شهد على نفسه بالزنا فإنه يقام عليه حد الزنا كما في قصة المرأة التي زنت فأتت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله طهرني.
(٢) قوله «وَالقَاسِمِ عَلى القِسْمَةِ»: أي وكذلك شهادة القاسم على القسمة لأنه يشهد لغيره فصح على فعل نفسه، كما لو شهد على فعل غيره، وكذلك تقبل شهادة الحاكم على حكمه بعد العزل لذلك.
стр. 2653
وَشَهَادَةُ الأَخِ لأَخِيْهِ (١)، وَالصَّدِيْقِ لِصَدِيْقِهِ (٢)، وَشَهَادَةُ الأَصَمِّ عَلى الْمَرْئِيَّاتِ (٣)، وَشَهَادَةُ الأَعْمى إِذا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ (٤)، وَشَهَادَةُ المُسْتَخْفِي (٥)،
ــ
(١) قوله «وَشَهَادَةُ الأَخِ لأَخِيْهِ»: أي وكذلك تجوز شهادة الأخ لأخيه، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم أن شهادة الأخ لأخيه جائزة» (١).
(٢) قوله «وَالصَّدِيْقِ لِصَدِيْقِهِ»: أي وكذلك وتقبل الصديق لصديقه؛ لعموم الآيات، وانتفاء التهمة.
وقال الإمام مالك (٢) لا تقبل شهادة الصديق الملاطف لأنه يجر إلى نفسه نفعاً بها، فهو متهم فلم تقبل شهادته، كشهادة العدو على عدوه.
قلت: والصحيح أنها تقبل مطلقاً لعموم أدلة الشهادة.
(٣) قوله «وَشَهَادَةُ الأَصَمِّ عَلى الْمَرْئِيَّاتِ»: أي وتقبل الشهادة من الأصم على ما يراه كغيره، وعلى المسموعات التي سمعها قبل صممه، لأنه في ذلك كمن لم يصبه الصمم.
(٤) قوله «وَشَهَادَةُ الأَعْمى إِذا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ»: أي وتقبل الشهادة من الأعمى في المسموعات، كالطلاق والإبراء ونحوهما إن تيقن صوت المشهود عليه، لأنه شهد على مسموع، فوجب قبولها، كروايته، ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين، فإذا حصل ذلك للأعمى وجب قبول شهادته، كالبصير.
(٥) قوله «وَشَهَادَةُ المُسْتَخْفِيْ»: أي وتقبل الشهادة من المستخفي، وهو الذي يخفى نفسه عن المشهود عليه، ليسمع إقراره، كأن يسمع رجلاً يطلق أو يقر بدين أو نحو ذلك، لأنه شهد بما سمع، وهذا هو المعتبر في صحة التحمل، =
стр. 2654
وَمَنْ سَمِعَ إِنْسَانًا يُقِرُّ بِحَقٍّ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِلشَّاهِدِ: اشْهَدْ عَلَيَّ وَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الأَخْبَارُ، وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ فِيْ قَلْبِهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، كَالشَّهَادَةِ عَلى النَّسَبِ وَالوِلادَةِ (١)، وَلا يَجُوْزُ ذلِكَ فِيْ حَدٍّ وَلا قِصَاصٍ (٢)،
ــ
=ولأن حاجة صاحب الحق قد تدعو إلى ذلك، كأن يكون خصمه يقر سراً، ويجحد جهراً، فلو لم تقبل شهادة المستخفي لأدى الحال إلى بطلان حق صاحبه، وهذا هو المذهب (١).
(١) قوله «وَمَنْ سَمِعَ إِنْسَانًا يُقِرُّ بِحَقٍّ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِلشَّاهِدِ: اشْهَدْ عَلَيَّ وَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الأَخْبَارُ، وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ فِيْ قَلْبِهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، كَالشَّهَادَةِ عَلى النَّسَبِ وَالوِلادَةِ»: أي إذا تواترت الأخبار عنده وتضافرت به بحيث اشترك في العلم به هو وغيره حكم بموجب ما تواتر عنده كالشهادة على النسب والولادة.
وكما إذا تواتر عنده فسق رجل أو صلاحه ودينه أو عداوته لغيره، أو فقر رجل أو موته أو سفره ونحو ذلك حكم بموجبه ولم يحتج إلى شاهدين عدلين، بل بينة التواتر أقوى من الشاهدين بكثير فإنه يفيد العلم والشاهدان غايتهما أن يفيدا ظناً غالباً.
(٢) قوله «وَلا يَجُوْزُ ذلِكَ فِيْ حَدٍّ وَلا قِصَاصٍ»: أي فلا تقبل شهادة الاستفاضة في الحد، لأنه يطلب في الزنا - مثلاً - وصف الجريمة وصفاً دقيقاً، يدل على معاينة، وهذا لا يمكن في حال الاستفاضة، وهكذا القصاص، وبقية الحدود، لأن العقوبات مما يحتاط لدرئها وإسقاطها، كما تقدم.
стр. 2655
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ القَاذِفِ وَغَيْرِهِ، بَعْدَ تَوْبَتِهِ (١)،
ــ
(١) قوله «وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ القَاذِفِ وَغَيْرِهِ، بَعْدَ تَوْبَتِهِ»: أي ومن ردت شهادته بسبب فسقه، ثم تاب قبلت منه الشهادة، لأن ردها إنما كان لمانع، وقد زال.
стр. 2656
بابُ مَنْ تُرَدُّ شَهادَتُهُ (١)
لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صَبِيٍّ (٢)،
ــ
(١) قوله «بابُ مَنْ تُرَدُّ شَهادَتُهُ»: أي هذا باب فيمن تقبل شهادته ومن ترد.
(٢) قوله «لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صَبِيٍّ»: لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ (١)، والصبي لا يسمى رجلاً، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿مِمَنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، والصبي ممن لا يُرضى، ولأن الصبي لا يقبل قوله على نفسه، فلأن لا يقبل قوله على غيره بطريق الأولى، والمراد أنه لا يقبل أداؤه للشهادة، لكن لو تحملها وهو صغير وعَقَلَ ما تحمله، وشهد به بعد بلوغه، صحت شهادته.
وظاهر كلامه أن شهادة الصبيان لا تقبل مطلقاً ولو كان في الأمور التي لا يطلع عليها إلا الصبيان غالباً، كالذي يقع بينهم من القتل أو الجراحات، وهذا هو المذهب (٣)، وهو قول أبي حنيفة (٤)، والشافعي (٥).
والقول الثانِي: أن شهادة الصبيان تقبل فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان، كالجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها، وهو قول في مذهب مالك (٦)، وقول عند الحنابلة (٧)، واختاره شيخنا ﵀ (٨)، لأن=
стр. 2657
وَلا زَائِلِ العَقْلِ (١)، وَلا أَخْرَسَ (٢)، وَلا كَافِرٍ (٣)،
ــ
=الظاهر صدقهم وضبطهم، فإن تفرقوا لم تقبل شهادتهم، لأنه يحتمل أن يُلَقَّنُوا، وهذا هو الراجح - إن شاء الله - حفظاً للدماء التي تقع بينهم، فإنهم في غالب أحوالهم يَخْلُونَ بأنفسهم، وقد يسطوا بعضهم على بعض، فلو لم يقبل قول بعضهم على بعض لأهدرت دماؤهم. (١)(١) قوله «وَلا زَائِلِ العَقْلِ»: أي فلا تقبل شهادة من ليس بعاقل، كمعتوه، ومجنون، وسكران، إجماعاً، لأن من لا عقل له لا يمكنه تحمل الشهادة ولا أداؤها.
(٢) قوله «وَلا أَخْرَسَ»: أي لا تقبل شهادة الأخرس، لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين، وذلك لا يحصل مع فقد الكلام، وهذا هو المذهب.
والقول الثانِي: أن شهادة الأخرس تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فُهمت إشارته، قال صاحب الإنصاف: «وهو قوي جداً»، وكذا لو أدَّاها بخطه، فإنها تقبل، قال: «وهو الصواب» (٢).
(٣) قوله «وَلا كَافِرٍ»: فلا تقبل شهادة الكافر، لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ (٣)، فأضاف ضمير الشهود إلى المخاطبين، وهم المؤمنون، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿مِمَنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٥)، والكافر ليس من رجالنا، ولا منا، =
стр. 2658
وَلا فَاسِقٍ (١)،
ــ
=ولا ممن نرضاه، ولأنه أي الكافر محل للخيانة وهو غير مأمون.
- فائدة: سبق أن ذكرنا أن شهادة الكافر لا تقبل إذا كانت مستندة على مجرد خبره ، أما إذا كانت مستندة إلى ما يدل على صدقه كأن تكون معه آلة تصوير يصور فيها الحدث وما وقع فيه فإننا نقبل ما دفعه لنا من هذه الأخبار أو التصاوير، ونحن نعتمد على الصورة التي أمامنا لا على خبره.
(١) قوله «وَلا فَاسِقٍ»: أي أن يكون من أهل العدالة، فلا تقبل شهادة الفاسق لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
و يعتبر في العدالة شيئان:
أحدهما: أداء الفرائض: كالصلوات الخمس والجمعة بسننها الراتبة، فلا تقبل شهادة من داوم على ترك السنن الرواتب والوتر، لأنه بالمداومة يكون راغباً عن السنة، وتلحقه التهمة، وكما يعتبر أداء الفرائض يعتبر اجتناب المحارم؛ بأن لا يأتي كبيرة، ولا يدمن على صغيرة.
وقد نهى الله عن قبول شهادة القاذف، وقيس عليه كل مرتكب لكبيرة، والكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة؛ كأكل الربا، وشهادة الزور، والزنا، والسرقة، وشرب المسكر ... وغير ذلك؛ فلا تقبل شهادة الفاسق.
الثاني: استعمال المروءة: وهو فعل ما يجمله ويزينه؛ كالسخاء، وحسن الخلق، وحسن المجاورة، واجتناب ما يدنسه ويشينه عادة من الأمور الدنيئة المزرية به؛ كالمغنى، والمتمسخر، وهو الذي يأتي بما يضحك=
стр. 2659
وَلا مَجْهُوْلِ الحَالِ (١)،
ــ
=الناس من قول أو فعل. قال شيخ الإسلام ﵀: «وتحرم محاكاة الناس للضحك، ويعزر هو ومن يأمره؛ لأنه أذى» (١).
أقول: وهذا يتناول التمثيليات والأفلام والمسرحيات التي تعرض عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية اليوم، فقد أصبحت في هذا الزمان هذه التمثيليات والأفلام والمسرحيات وغيرها مما يخدش الحياء والعفة وتدعوا إلى الانحلال الخلقي من الفنون التي يشجع أهلها ويشاد بها؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة.
القول الثانِي: أن العدالة مأخوذة من قوله تعالى: ﴿مِمَنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢)، فكلٌ مرضيٍّ عند الناس يطمئنون لقوله وشهادته فهو مقبول، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: «وهذا أحسن الحدود، ولا يسع الناس العمل بغيره» (٤).
(١) قوله «وَلا مَجْهُوْلِ الحَالِ»: أي ولا تقبل شهادة من لا يعرف حاله لأن العدالة شرط لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (٥)، وقال: ﴿مِمَنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٦)، وهذا غير مرضي، وهو غير معلوم العدالة، فلا تقبل شهادته كالفاسق.
стр. 2660
وَلا جَارٍّ إِلى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَلا دَافِعٍ عَنْهَا شَرًّا (١)، وَلا شَهَادَةُ وَالِدٍ وَإِنْ عَلا لِوَلَدِهِ، وَلا وَلَدٍ لِوَالِدِهِ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَلا جَارٍّ إِلى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَلا دَافِعٍ عَنْهَا شَرًّا»: أي ولا تقبل شهادة من يجر بهذه الشهادة إلى نفسه نفعاً أو يدفع عنها ضرراً، فإن كان كذلك لم تقبل شهادته، فالأول كشهادة الغرماء للمفلس بدين أو عين، وشهادتهم للميت بدين أو مال لتعلق حقوقهم به، وكشهادته لشريكه فيما هو شريك فيه، ونحو ذلك.
والثانِي: كشهادة الغرماء بجرح شهود دَينٌ على مفلس، لما في ذلك من توفير المال عليهم، وشهادة العاقلة بجرح شهود الخطأ، لأنهم متهمون في دفع الدية عن أنفسهم.
(٢) قوله «وَلا شَهَادَةُ وَالِدٍ وَإِنْ عَلا لِوَلَدِهِ، وَلا وَلَدٍ لِوَالِدِهِ»: أي ومن موانع الشهادة قرابة الولادة، فلا تقبل شهادة والد لولده وإن سفل، ولا ولد لوالده وإن علا، لأن كل واحد من الولد والوالد متهم بالنسبة إلى الآخر، لأن بينهما تعصيباً، وكأنه يشهد لنفسه، وهذا مذهب جمهور أهل العلم (١).
والقول الثانِي: تقبل شهادة الوالد لولده والعكس، وهذا قول الظاهرية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، لأنهما عدلان من رجالنا، فيدخلان في عموم الآيات والأخبار.
وقد ذكر ابن القيم أن الشهادة لا تُردُّ بسبب القرابة، لعدم الدليل، وإنما تُرَدُّ=
стр. 2661
وَلا سَيِّدٍ لِعَبْدِهِ وَلا مُكَاتِبِهِ، وَلا شَهَادَتُهُمَا لَهُ (١)، وَلا أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ (٢)،
ــ
=بوجود التهمة، فالتهمة وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريباً أو أجنبياً، وقال: «هذا هو الصواب، وهو القول الذي ندين الله به» (١)، قلت وهو اختيار شيخنا (٢) ﵀.
(١) قوله «وَلا سَيِّدٍ لِعَبْدِهِ وَلا مُكَاتِبِهِ، وَلا شَهَادَتُهُمَا لَهُ»: أي ولا تقبل شهادة السيد لعبده، لأن مال العبد لسيده، فشهادة السيد له شهادة لنفسه، ولهذا قال النبي ﷺ : «مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلبَائِعِ إِلا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» (٣)، ولا تقبل شهادة العبد لسيده، لأن العبد متَّهم، لأنه يتبسَّط في مال سيده، ولا يُقطع بسرقته، فلا تقبل شهادته له.
(٢) قوله «وَلا أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ»: أي الزوجة لا تشهد لزوجها، والزوج لا يشهد لزوجته، وذلك لأن كلا منهما ينتفع بمال صاحبه، ولقوة الوصلة بينهما مما يقوي التهمة، وهذا هو الغالب، وغلبته أقل من غلبة الأصول والفروع؛ لأن العداوة بين الأزواج كثيرة أكثر من العداوة بين القرابات، فهي كثيرة جداً، فإذا شهد أحد الزوجين لصاحبه لم يقبل، هذا هو التعليل الذي من أجله منعت شهادة أحد الزوجين لصاحبه. والصواب أنه إذا كان الزوج أو الزوجة مبرزاً في العدالة فإن الشهادة تقبل، فلو علمنا أن هذا الرجل لا يمكن أن يشهد لزوجته =
стр. 2662
وَلا شَهَادَةُ الوَصِيِّ فِيْمَا هُوَ وَصِيٌّ فِيْهِ (١)، وَلا الوَكِيْلِ فِيْمَا هُوَ وَكِيْلٌ فِيْهِ (٢)، وَلا الشَّرِيْكِ فِيْمَا هُوَ شَرِيْكٌ فِيْهِ (٣)، وَلا العَدُوِّ عَلى عَدُوِّهِ (٤)،
ــ
= إلا بما هو الحق فإننا نقبل شهادته لها، أو علمنا أن هذه الزوجة لا يمكن أن تشهد لزوجها إلا بما هو الحق فإننا نقبل شهادتها له.
(١) قوله «وَلا شَهَادَةُ الوَصِيِّ فِيْمَا هُوَ وَصِيٌّ فِيْهِ»: أي لا تقبل شهادة الوصي للموصى عليهم إن كانوا في حجره لأنه متهم في ذلك، وهذا قول أكثر أهل العلم، وأما شهادة الوصي على من في حجره فتقبل، وهو قول أكثر الفقهاء.
(٢) قوله «وَلا الوَكِيْلِ فِيْمَا هُوَ وَكِيْلٌ فِيْهِ» أي: ولا تجوز شهادة الوكيل فيما هو وكيل فيه لأنه متهم في ذلك.
(٣) قوله «وَلا الشَّرِيْكِ فِيْمَا هُوَ شَرِيْكٌ فِيْهِ»: لأنه يشهد لنفسه، فيكون بذلك متهماً.
(٤) قوله «وَلا العَدُوِّ عَلى عَدُوِّهِ»: أي وكذلك لا تقبل شهادة العدو على عدوه، لحديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ «لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلا خَائِنَةٍ، ولا ذِي غِمْرٍ عَلى أَخِيهِ، ولا تَجُوزُ شَهَادَةُ القَانِعِ لأَهْلِ البَيتِ» (١)، ومعنى: «ذِي غِمْرٍ» أي: ذي حقد وشحناء، وهي بكسر الغين وسكون الميم، ويجوز فتحهما (٢)، قال الإمام الخطابي في شرحه لهذا الحديث: «قوله «ذِي غِمْرٍ» هو الذي بينه وبين الشهود عداوة ظاهرة» (٣)، وإنما رُدَّت =
стр. 2663
وَلا مَعْرُوْفٍ بِكَثْرَةِ الغَلَطِ وَالغَفْلَةِ (١)، وَلا مَنْ لا مُرُوْءَةَ لَهُ، كَالسُّخْرَةِ، وَكَاشِفِ عَوْرَتِهِ لِلنَّاظِرِيْنَ فِيْ حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِ (٢)، وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ يُتَّهَمُ فِيْ بَعْضِهَا، رُدَّتْ كُلُّهَا (٣)،
ــ
=شهادة العدو على عدوه، لئلا يتخذ الشهادة ذريعة إلى بلوغ غَرَضِه من عدوه بالشهادة الباطلة.
(١) قوله «وَلا مَعْرُوْفٍ بِكَثْرَةِ الغَلَطِ وَالغَفْلَةِ»: أي ومن شروط الشاهد هو أن يكون ممن يحفظ، لأن من لا يحفظ لا يدري ما يشهد حين الأداء، وذلك يُخِلُّ بمقصود الشهادة، فلا تقبل شهادة معروف بكثرة الغلط والنسيان، لأن الثقة لا تحصل بقوله، لاحتمال أن تكون شهادته مما غلط فيه ونسي.
(٢) قوله «وَلا مَنْ لا مُرُوْءَةَ لَهُ، كَالسُّخْرَةِ، وَكَاشِفِ عَوْرَتِهِ لِلنَّاظِرِيْنَ فِيْ حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِ»: معنى «وَلا مَنْ لا مُرُوْءَةَ لَهُ» أي من لا مروءة له لا تقبل شهادته، وصاحب المروءة هو الذي يفعل ما يحمده الناس عليه من الآداب والأخلاق من السخاء وبذل الجاه، وحسن المعاملة، وحسن الجوار ونحو ذلك، ويترك ما يذمه الناس عليه، كالغناء، أو الأكل في السوق، ونحو ذلك، مما ذكره الفقهاء، وفي بعضها يُرجع إلى العرف (١)، وقوله: «كَالسُّخْرَةِ» أي المستهزئ ويأتي بما يضحك الناس، وقد سبق بيان ذلك عند كلامنا عن العدالة.
(٣) قوله «وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ يُتَّهَمُ فِيْ بَعْضِهَا، رُدَّتْ كُلُّهَا»: جملة ذلك أن من شهد بشهادة له بعضها، مثل أن يشهد الشريك لشريكه بمال من=
стр. 2664
وَلا يُسْمَعُ فِيْ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ، وَالتَّرْجَمَةِ، وَنَحْوِهَا، إِلاَّ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ (١)،
ــ
=الشركة، أو يشهد على زيد بدار له ولعمرو، فإن شهادته تبطل في الكل، لأنها شهادة رد بعضها للتهمة، فترد جميعها، ولأنه يجر حظاً لنفسه.
(١) قوله «وَلا يُسْمَعُ فِيْ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ، وَالتَّرْجَمَةِ، وَنَحْوِهَا، إِلاَّ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ»: أي لا يقبل في جرح الشهود أو تعديلهم أقل من رجلين عدلين، لأن ذلك شهادة، والشهادة يشترط فيها التعدد.
والجرح: أن يُذكر الشاهد بما يوجب رد شهادته.
والتعديل: أن يذكر الشاهد بما يوجب قبول شهادته.
وكذلك الترجمة، فيما لو تحاكم إلى القاضي العربي أعجميان لا يعرف لسانهما أو عربي وعجمي، فلابد من مترجم عنهما، ولا تقبل الترجمة إلا من اثنين عدلين، لأنه نَقْلُ ما خفي على الحاكم إليه فيما يتعلق بالخصمين، فوجب فيه التعدد، كالشهادة، وهذا هو المذهب.
والقول الثانِي: أنه يقبل واحد، وهو رواية عن أحمد (١)، لما ورد عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كَلِمَاتٍ مِنْ كِتَابِ يَهُودَ، قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي»، وقَالَ: فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ لَهُ، قَالَ: فَلَمَّا تَعَلَّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيهِمْ، وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ» (٢)، ولأنه خبر عن شيء، فاكتفى فيه بواحد.
стр. 2665
وَإِذَا تَعَارَضَ الجَرْحُ وَالتَّعْدِيْلُ، قُدِّمَ الجَرْحُ (١)، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ، وَآخَرُ، بِأَلْفَيْنِ، قُضِيَ لَهُ بِأَلْفٍ، وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ عَلى الأَلْفِ الآخَرِ إِنْ أَحَبَّ (٢)، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَلْفٌ مِنْ قَرْضٍ، وَقَالَ الآخَرُ: مِنْ ثَمَنِ مَبِيْعٍ، لَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَإِذَا تَعَارَضَ الجَرْحُ وَالتَّعْدِيْلُ، قُدِّمَ الجَرْحُ»: أي إذا تعارض في الشاهد جرح وتعديل قدم الجرح، لأن الجارح يخبر بأمر باطن خفي على المعدِّل، وشاهد العدالة يخبر بأمر ظاهر، ولأن الجارح مثبت للجرح، والعدل نافٍ، والمثبت مقدم على النافي.
(٢) قوله «وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ، وَآخَرُ بِأَلْفَيْنِ، قُضِيَ لَهُ بِأَلْفٍ، وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ عَلى الأَلْفِ الآخَرِ إِنْ أَحَبَّ»: أي إذا شهد أحد الشاهدين بشيء وشهد الآخر ببعضه صحت الشهادة وثبت ما اتفقا عليه وحكم به له.
أما المختلف فيه وهو الألف فإن للمدعي أن يحلف مع الشاهد - وهو من شهد له بألفين - وترد له الألف الأخرى.
(٣) قوله «وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَلْفٌ مِنْ قَرْضٍ، وَقَالَ الآخَرُ: مِنْ ثَمَنِ مَبِيْعٍ، لَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ»: أي إذا اختلفت الأسباب والصفات مثل أن يشهد شاهد بألف من قرض وآخر بألف من ثمن مبيع، أو يشهد شاهد بألف بيض وآخر بألف سود، أو يشهد أحدهما بألف دينار والآخر بألف درهم لم تكمل البينة وكان له أن يحلف مع كل واحد منهما ويستحقها أو يحلف مع أحدهما ويستحق ما شهد به