← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 2661–2697 · переход к 2666.

стр. 2661

وَلا سَيِّدٍ لِعَبْدِهِ وَلا مُكَاتِبِهِ، وَلا شَهَادَتُهُمَا لَهُ (١)، وَلا أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ (٢)، ــ =بوجود التهمة، فالتهمة وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريباً أو أجنبياً، وقال: «هذا هو الصواب، وهو القول الذي ندين الله به» (١)، قلت وهو اختيار شيخنا (٢) ﵀. (١) قوله «وَلا سَيِّدٍ لِعَبْدِهِ وَلا مُكَاتِبِهِ، وَلا شَهَادَتُهُمَا لَهُ»: أي ولا تقبل شهادة السيد لعبده، لأن مال العبد لسيده، فشهادة السيد له شهادة لنفسه، ولهذا قال النبي ﷺ : «مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلبَائِعِ إِلا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» (٣)، ولا تقبل شهادة العبد لسيده، لأن العبد متَّهم، لأنه يتبسَّط في مال سيده، ولا يُقطع بسرقته، فلا تقبل شهادته له. (٢) قوله «وَلا أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ»: أي الزوجة لا تشهد لزوجها، والزوج لا يشهد لزوجته، وذلك لأن كلا منهما ينتفع بمال صاحبه، ولقوة الوصلة بينهما مما يقوي التهمة، وهذا هو الغالب، وغلبته أقل من غلبة الأصول والفروع؛ لأن العداوة بين الأزواج كثيرة أكثر من العداوة بين القرابات، فهي كثيرة جداً، فإذا شهد أحد الزوجين لصاحبه لم يقبل، هذا هو التعليل الذي من أجله منعت شهادة أحد الزوجين لصاحبه. والصواب أنه إذا كان الزوج أو الزوجة مبرزاً في العدالة فإن الشهادة تقبل، فلو علمنا أن هذا الرجل لا يمكن أن يشهد لزوجته =

стр. 2662

وَلا شَهَادَةُ الوَصِيِّ فِيْمَا هُوَ وَصِيٌّ فِيْهِ (١)، وَلا الوَكِيْلِ فِيْمَا هُوَ وَكِيْلٌ فِيْهِ (٢)، وَلا الشَّرِيْكِ فِيْمَا هُوَ شَرِيْكٌ فِيْهِ (٣)، وَلا العَدُوِّ عَلى عَدُوِّهِ (٤)، ــ = إلا بما هو الحق فإننا نقبل شهادته لها، أو علمنا أن هذه الزوجة لا يمكن أن تشهد لزوجها إلا بما هو الحق فإننا نقبل شهادتها له. (١) قوله «وَلا شَهَادَةُ الوَصِيِّ فِيْمَا هُوَ وَصِيٌّ فِيْهِ»: أي لا تقبل شهادة الوصي للموصى عليهم إن كانوا في حجره لأنه متهم في ذلك، وهذا قول أكثر أهل العلم، وأما شهادة الوصي على من في حجره فتقبل، وهو قول أكثر الفقهاء. (٢) قوله «وَلا الوَكِيْلِ فِيْمَا هُوَ وَكِيْلٌ فِيْهِ» أي: ولا تجوز شهادة الوكيل فيما هو وكيل فيه لأنه متهم في ذلك. (٣) قوله «وَلا الشَّرِيْكِ فِيْمَا هُوَ شَرِيْكٌ فِيْهِ»: لأنه يشهد لنفسه، فيكون بذلك متهماً. (٤) قوله «وَلا العَدُوِّ عَلى عَدُوِّهِ»: أي وكذلك لا تقبل شهادة العدو على عدوه، لحديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ «لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلا خَائِنَةٍ، ولا ذِي غِمْرٍ عَلى أَخِيهِ، ولا تَجُوزُ شَهَادَةُ القَانِعِ لأَهْلِ البَيتِ» (١)، ومعنى: «ذِي غِمْرٍ» أي: ذي حقد وشحناء، وهي بكسر الغين وسكون الميم، ويجوز فتحهما (٢)، قال الإمام الخطابي في شرحه لهذا الحديث: «قوله «ذِي غِمْرٍ» هو الذي بينه وبين الشهود عداوة ظاهرة» (٣)، وإنما رُدَّت =

стр. 2663

وَلا مَعْرُوْفٍ بِكَثْرَةِ الغَلَطِ وَالغَفْلَةِ (١)، وَلا مَنْ لا مُرُوْءَةَ لَهُ، كَالسُّخْرَةِ، وَكَاشِفِ عَوْرَتِهِ لِلنَّاظِرِيْنَ فِيْ حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِ (٢)، وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ يُتَّهَمُ فِيْ بَعْضِهَا، رُدَّتْ كُلُّهَا (٣)، ــ =شهادة العدو على عدوه، لئلا يتخذ الشهادة ذريعة إلى بلوغ غَرَضِه من عدوه بالشهادة الباطلة. (١) قوله «وَلا مَعْرُوْفٍ بِكَثْرَةِ الغَلَطِ وَالغَفْلَةِ»: أي ومن شروط الشاهد هو أن يكون ممن يحفظ، لأن من لا يحفظ لا يدري ما يشهد حين الأداء، وذلك يُخِلُّ بمقصود الشهادة، فلا تقبل شهادة معروف بكثرة الغلط والنسيان، لأن الثقة لا تحصل بقوله، لاحتمال أن تكون شهادته مما غلط فيه ونسي. (٢) قوله «وَلا مَنْ لا مُرُوْءَةَ لَهُ، كَالسُّخْرَةِ، وَكَاشِفِ عَوْرَتِهِ لِلنَّاظِرِيْنَ فِيْ حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِ»: معنى «وَلا مَنْ لا مُرُوْءَةَ لَهُ» أي من لا مروءة له لا تقبل شهادته، وصاحب المروءة هو الذي يفعل ما يحمده الناس عليه من الآداب والأخلاق من السخاء وبذل الجاه، وحسن المعاملة، وحسن الجوار ونحو ذلك، ويترك ما يذمه الناس عليه، كالغناء، أو الأكل في السوق، ونحو ذلك، مما ذكره الفقهاء، وفي بعضها يُرجع إلى العرف (١)، وقوله: «كَالسُّخْرَةِ» أي المستهزئ ويأتي بما يضحك الناس، وقد سبق بيان ذلك عند كلامنا عن العدالة. (٣) قوله «وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ يُتَّهَمُ فِيْ بَعْضِهَا، رُدَّتْ كُلُّهَا»: جملة ذلك أن من شهد بشهادة له بعضها، مثل أن يشهد الشريك لشريكه بمال من=

стр. 2664

وَلا يُسْمَعُ فِيْ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ، وَالتَّرْجَمَةِ، وَنَحْوِهَا، إِلاَّ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ (١)، ــ =الشركة، أو يشهد على زيد بدار له ولعمرو، فإن شهادته تبطل في الكل، لأنها شهادة رد بعضها للتهمة، فترد جميعها، ولأنه يجر حظاً لنفسه. (١) قوله «وَلا يُسْمَعُ فِيْ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيْلِ، وَالتَّرْجَمَةِ، وَنَحْوِهَا، إِلاَّ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ»: أي لا يقبل في جرح الشهود أو تعديلهم أقل من رجلين عدلين، لأن ذلك شهادة، والشهادة يشترط فيها التعدد. والجرح: أن يُذكر الشاهد بما يوجب رد شهادته. والتعديل: أن يذكر الشاهد بما يوجب قبول شهادته. وكذلك الترجمة، فيما لو تحاكم إلى القاضي العربي أعجميان لا يعرف لسانهما أو عربي وعجمي، فلابد من مترجم عنهما، ولا تقبل الترجمة إلا من اثنين عدلين، لأنه نَقْلُ ما خفي على الحاكم إليه فيما يتعلق بالخصمين، فوجب فيه التعدد، كالشهادة، وهذا هو المذهب. والقول الثانِي: أنه يقبل واحد، وهو رواية عن أحمد (١)، لما ورد عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كَلِمَاتٍ مِنْ كِتَابِ يَهُودَ، قَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي»، وقَالَ: فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ لَهُ، قَالَ: فَلَمَّا تَعَلَّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيهِمْ، وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ» (٢)، ولأنه خبر عن شيء، فاكتفى فيه بواحد.

стр. 2665

وَإِذَا تَعَارَضَ الجَرْحُ وَالتَّعْدِيْلُ، قُدِّمَ الجَرْحُ (١)، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ، وَآخَرُ، بِأَلْفَيْنِ، قُضِيَ لَهُ بِأَلْفٍ، وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ عَلى الأَلْفِ الآخَرِ إِنْ أَحَبَّ (٢)، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَلْفٌ مِنْ قَرْضٍ، وَقَالَ الآخَرُ: مِنْ ثَمَنِ مَبِيْعٍ، لَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ (٣)، ــ (١) قوله «وَإِذَا تَعَارَضَ الجَرْحُ وَالتَّعْدِيْلُ، قُدِّمَ الجَرْحُ»: أي إذا تعارض في الشاهد جرح وتعديل قدم الجرح، لأن الجارح يخبر بأمر باطن خفي على المعدِّل، وشاهد العدالة يخبر بأمر ظاهر، ولأن الجارح مثبت للجرح، والعدل نافٍ، والمثبت مقدم على النافي. (٢) قوله «وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ، وَآخَرُ بِأَلْفَيْنِ، قُضِيَ لَهُ بِأَلْفٍ، وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ عَلى الأَلْفِ الآخَرِ إِنْ أَحَبَّ»: أي إذا شهد أحد الشاهدين بشيء وشهد الآخر ببعضه صحت الشهادة وثبت ما اتفقا عليه وحكم به له. أما المختلف فيه وهو الألف فإن للمدعي أن يحلف مع الشاهد - وهو من شهد له بألفين - وترد له الألف الأخرى. (٣) قوله «وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَلْفٌ مِنْ قَرْضٍ، وَقَالَ الآخَرُ: مِنْ ثَمَنِ مَبِيْعٍ، لَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ»: أي إذا اختلفت الأسباب والصفات مثل أن يشهد شاهد بألف من قرض وآخر بألف من ثمن مبيع، أو يشهد شاهد بألف بيض وآخر بألف سود، أو يشهد أحدهما بألف دينار والآخر بألف درهم لم تكمل البينة وكان له أن يحلف مع كل واحد منهما ويستحقها أو يحلف مع أحدهما ويستحق ما شهد به

стр. 2666

وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلى فِعْلِ سِوَاهُ، وَاخْتَلَفُوْا فِيْ الْمَكَانِ، أَوِ الزَّمَانِ، أَوِ الصِّفَةِ لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ (١). ــ (١) قوله «وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلى فِعْلِ سِوَاهُ، وَاخْتَلَفُوْا فِيْ الْمَكَانِ، أَوِ الزَّمَانِ، أَوِ الصِّفَةِ لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ»: أي إذا شهد أربعة بالزنا واختلفوا في المكان والزمان مثل ما إذا شهد اثنان أنه زنا بها في بيت وشهد اثنان أنه زنا بها في بيت آخر, أو شهد كل اثنين عليه بالزنا في بلد غير البلد الذي شهد به الآخران أو اختلفوا في الزمان مثل أن يشهد اثنان أنه زنا بها يوم الخميس، ويشهد اثنان أنه زنا بها في يوم الجمعة، أو اختلفوا في صفة الزنا، فاثنان وصفاه على صفة، واثنان لم يصفا شيئا إنما شهدا بظاهر الحال لم تكمل شهادتهم، لأنهم لم يشهدوا على فعل واحد فأشبه ما لو انفرد بالشهادة اثنان وحدهما.

стр. 2667

بابُ الشَّهَادَةِ عَلى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوْعِ عَنْهَا (١) ــ (١) قوله «بابُ الشَّهَادَةِ عَلى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوْعِ عَنْهَا»: المراد بالشهادة على الشهادة: إخبار الشاهد عن سماعه شهادة غيره، فهي أن يقول شخص لآخر: اشهد على شهادتي بكذا، أو اشهد أني أشهد بكذا، ونحو ذلك؛ ففيها معنى النيابة، ويسمى الشاهد الأصلي شاهد الأصل، والنائب عنه شاهد الفرع. مثال ذلك: أن يشهد عمرو على زيد، بأن عنده لخالد ألف ريال، فيقول: عمرو لصالح: اشهد عليَّ أني أشهد أن لخالد عند زيد ألف ريال. والشهادة على الشهادة يُحتاج إليها في بعض الحالات، كأن يكون الشاهد في مكان بعيد، ولا يمكن حضوره للقاضي، أو يكون شهود الأصل يخافون على أنفسهم من سلطان أو غيره إذا شهدوا، أو يكون المشهود عليه من أقارب الشاهد الأصلي، ولا يحب أن يتظاهر أمام الناس أنه شاهد عليه، فَيُحَمِّلُ الشهادة غيره، ونحو ذلك من الأسباب، ولأن الحاجة داعية إلى الشهادة على الشهادة، لأن الأصل قد يتعذر أو يعجز عن أداء الشهادة لمرض أو سفر أو نحو ذلك، كما تقدم، فلو لم تقبل الشهادة على الشهادة لضاعت حقوق كثيرة، وهذا فيه ضرر عظيم ومشقة شديدة، والشريعة قائمة على جلب المنافع ودفع المضار، وقد أجمع العلماء على جواز الشهادة على الشهادة في الأموال (١).

стр. 2668

وَتَجُوْزُ الشَّهَادَةِ عَلى الشَّهَادَةِ فِيْمَا يَجُوْزُ فِيْهِ كِتَابُ القَاضِيْ (١)، إَذَا تَعَذَّرَتْ شَهَادَةُ الأَصْلِ؛ بِمَوْتٍ، أَوْ غَيْبَةٍ، أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ شَاهِدُ الأَصْلِ، فَيَقُوْلُ: اشْهَدْ عَلى شَهَادَتِيْ، أَنِّيْ أَشْهَدُ أَنَّ فُلاُنًا أَقَرَّ عِنْدِيْ، أَوْ أَشْهَدَنِيْ بِكَذَا (٢)، ــ (١) قوله «وَتَجُوْزُ الشَّهَادَةِ عَلى الشَّهَادَةِ فِيْمَا يَجُوْزُ فِيْهِ كِتَابُ القَاضِيْ»: يشترط لقبول الشهادة على الشهادة شروط: أولاً: أن يأذن شاهد الأصل لشاهد الفرع ؛ لأنها في معنى النيابة، ولا ينوب عنه إلا بإذنه. ثانياً: أن يكون فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي ، أي أن تكون في حقوق الآدميين كالأموال: فلا تقبل في حد لله تعالى، لأن مبناه على الستر، والدرء بالشبهات، والشهادة على الشهادة لا تخلو من شبهة، لتطرق احتمال الغلط والسهو. (٢) قوله «إَذَا تَعَذَّرَتْ شَهَادَةُ الأَصْلِ؛ بِمَوْتٍ، أَوْ غَيْبَةٍ، أَوْ مَرَضٍ، وَنَحْوِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الأَصْلِ، فَيَقُوْلُ: اشْهَدْ عَلى شَهَادَتِيْ، أَنِّيْ أَشْهَدُ أَنَّ فُلاُنًا أَقَرَّ عِنْدِيْ، أَوْ أَشْهَدَنِيْ بِكَذَا»: سبق الإشارة إلى ذلك وقلنا بأن الشهادة على الشهادة إنما يحتاج إليها إذا تعذر شهادة الأصل بموت، أو مرض، أو غيبة مسافة قصر، أو خوف من سلطان، أو غيره، وصورة تحملها كما ذكر المؤلف أن يقول: اشهد يا فلان على شهادتي: إني أشهد أن فلان بن فلان أشهدني على نفسه بكذا، أو: شهدت عليه، أو: أقر عندي بكذا.

стр. 2669

وَتُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ العَدَالَةِ فِيْ شُهُوْدِ الأَصْلِ وَالفَرْعِ (١). وَمَتَى لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَةِ الفَرْعِ حَتَّى حَضَرَ شُهُوْدُ الأَصْلِ، وَقَفَ الحُكْمُ عَلى سِمَاعِ شَهَادَتِهِمْ (٢). وَإِنْ حَدَثَ مِنْ بَعْضِهِمْ مَا يَمْنَعُ قَبُوْلَ الشَّهَادَةِ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا (٣)، ــ ثالثاً: أن تتعذر شهادة الأصل بموت، أو مرض، أو غيبة مسافة قصر، أو خوف من سلطان، أو غيره، لأن من دونها في حكم الحاضر، ولأن شهادة الأصل أقوى منها، لأنها تثبت نفس الحق، وهذه لا تثبته، وإنما تثبت الشهادة عليه، ولأن سماع القاضي منهما متيقن، وصدق شاهدي الفرع عليهما مظنون، فلم يقبل الأذى مع القدرة على الأقوى. رابعاً: أن يستمر عذر شاهد الأصل إلى الحكم . خامساً: دوام عدالة شاهد الأصل وشاهد الفرع إلى صدور الحكم . سادساً: أن يعين شاهد الفرع شاهد الأصل الذي تحمل عنه الشهادة . (١) قوله «وَتُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ العَدَالَةِ فِيْ شُهُوْدِ الأَصْلِ وَالفَرْعِ»: هذا أيضاً شرط من شروط الشهادة على الشهادة، وهو اعتبار عدالة شاهد الأصل وشاهد الفرع إلى صدور الحكم. (٢) قوله «وَمَتَى لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَةِ الفَرْعِ حَتَّى حَضَرَ شُهُوْدُ الأَصْلِ، وَقَفَ الحُكْمُ عَلى سِمَاعِ شَهَادَتِهِمْ»: أي وقف الحكم على سماع شهادة الأصل، لأنه قدر على الأصل فلا يعمل بالبدل، وهذا مثل حضور الماء لفاقده فلا يصح له التيمم. (٣) قوله «وَإِنْ حَدَثَ مِنْ بَعْضِهِمْ مَا يَمْنَعُ قَبُوْلَ الشَّهَادَةِ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا»: يعني إن حدث من بعض الشهود ما يمنع قبول الشهادة، كأن يفسق=

стр. 2670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =شهود الأصل، أو رجعوا عن الشهادة قبل الحكم لم يحكم بها؛ لأن الحكم ينبني على شهادتهما فأشبه ما لو فسق شهود الفرع أو رجعوا.

стр. 2671

فَصْلٌ فِي الرُّجُوْعِ عَنِ الشَّهَادَةِ (١) ــ (١) قوله «فَصْلٌ فِي الرُّجُوْعِ عَنِ الشَّهَادَةِ»: الرجوع عن الشهادة: أن يقول الشاهد: رجعت عما شهدت به ونحوه، فلو أنكر شهادته بعد القضاء لا يكون رجوعاً، ولا يصح الرجوع إلا في مجلس القضاء؛ لأنه فسخ للشهادة، فيكون في المكان الذي تعتبر فيه الشهادة، وهو المحكمة، ولأن الرجوع توبة، والتوبة تكون بحسب الجناية السر بالسر، والعلانية بالعلانية، أي إذا كان الذنب سراً فالتوبة سرية، وإن كان علانية فالتوبة علانية. و إذا لم يصح الرجوع عن الشهادة في غير المحكمة: فلو ادعى المشهود عليه رجوع الشاهدين أو أراد يمينهما أنهما لم يرجعا، لا يحلفان، وكذا لو أقام المشهود عليه بينة على هذا الرجوع، لا تقبل؛ لأنه ادعى رجوعاً باطلاً؛ إذ أنه في غير المحكمة، وإقامة البينة وإلزام اليمين لا تقبل إلا على دعوى صحيحة، بدليل أنه لو أقام البينة أن الشاهد رجع عند قاضي بلدة كذا، وحكم عليه بضمان المال تقبل بينته. وكذلك لا يصح الرجوع عن الشهادة بعد صدور الحكم من القاضي، وإذا رجع الشهود حينئذ، لم ينتقص الحكم الذي حكم بشهادتهما فيه، ولا يفسخه القاضي باتفاق العلماء، وإذا رجع الشهود قبل صدور الحكم، لم يحكم القاضي بشهادتهما، ويصح رجوعهما حينئذ؛ لأن الشهادة إخبار يحتمل الغلط. وأما الرجوع عن الشهادة: فإنه إذا رجع شهود المال بعد الحكم؛ فإنه لا ينقض؛ لأنه قد تم، ووجب المشهود به للمشهود له، وهما متهمان بإرادة نقض الحكم، فينفذ الحكم، ويلزمهم الضمان؛ =

стр. 2672

وَمَتىَ غَيَّر العَدْلُ شَهَادَتَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا، فَزَادَ أَوْ نَقَصَ، قُبِلَتْ (١)، وَإِنْ حَدَثَ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ قَبُوْلَهَا بَعْدَ أَدَائِهَا، رُدَّتْ، وَإِنْ حَدَثَ ذلِكَ بَعْدَ الحُكْمِ بِهَا لَمْ يُؤَثِّرْ (٢)، ــ = بأن يضمنوا المال الذي شهدوا به؛ لأنهم أخرجوه من يد مالكه بغير حق، وحالوا بينه وبينه. وإن حكم القاضي بشاهد ويمين، ثم رجع الشاهد؛ غرم المال كله؛ لأنه حجة للدعوى، واليمين قول الخصم، وقول الخصم ليس مقبولاً على خصمه، وإنما هو شرط للحكم. وإن رجع الشهود عن الشهادة قبل الحكم؛ ألغي، ولا حكم ولا ضمان. (١) قوله «وَمَتىَ غَيَّر العَدْلُ شَهَادَتَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا، فَزَادَ أَوْ نَقَصَ، قُبِلَتْ»: أي فإن غير الشهود الشهادة قبل الحكم، فزاد فيها أو نقص امتنع على القاضي الحكم بشهادتهم، ولا حكم ولا ضمان، فإن رجعوا عن شهادة في زنى، حُدوا حد القذف. (٢) قوله «وَإِنْ حَدَثَ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ قَبُوْلَهَا بَعْدَ أَدَائِهَا، رُدَّتْ، وَإِنْ حَدَثَ ذلِكَ بَعْدَ الحُكْمِ بِهَا لَمْ يُؤَثِّرْ»: أي إذا حدث للشاهد ما يمنع قبول الشهادة كأن يفسق الشاهد قبل الحكم بشهادته لم يجز الحكم بها لأن من شرط الحكم بالشهادة العدالة، وقد نص تعالى بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وليس هذا بعدل فترد شهادته، وإن كان فسقه بعد حكم الحاكم بشهادته لم ينقض الحكم لأن الحكم تم بشرطه، لأن شرطه شهادة عدل وقد وجدت.

стр. 2673

وَإِنْ رَجَعَ الشُّهُوْدُ بَعْدَ الحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ، لَمْ يُنْقَضِ الحُكْمُ، وَلَمْ يُمْنَعْ الاِسْتِيْفَاءُ، إِلاَّ فِي الحَدِّ وَالقِصَاصِ (١)، ــ (١) قوله «وَإِنْ رَجَعَ الشُّهُوْدُ بَعْدَ الحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ، لَمْ يُنْقَضِ الحُكْمُ، وَلَمْ يُمْنَعْ الاِسْتِيْفَاءُ، إِلاَّ فِي الحَدِّ وَالقِصَاصِ»: الشهود إذا رجعوا عن شهادتهم بعد أدائها لم تخل من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يرجعوا قبل الحكم بها، فلا يجوز الحكم بها في قول عامة أهل العلم، لأن الشهادة شرط الحكم، فإذا زالت قبله لم يجز كما لو فسقاً، ولأن رجوعهما يظهر به كذبهما فلم يجز به الحكم. مثال ذلك: أن يدعي زيد على عمرو عشرة آلاف ريال وأتى بالشاهدين عند القاضي، ولما أراد القاضي أن يكتب شهادتهما رجعا، فقالا، مثلاً: وهمنا، أو نسينا أنه قد أوفاه، أو ما أشبه ذلك فهنا لا يجوز للقاضي أن يحكم بشهادتهما. الثاني: أن يرجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء، فان كان المحكوم به عقوبة كالحد والقصاص لم يجز استيفاؤه، لان الحدود تدرأ بالشبهات ورجوعهما من أعظم الشبهات، وان كان المحكوم به مالا استوفي ولم ينقض الحكم لأنه يمكن جبره بإلزام الشاهد عوضه والحد والقصاص لا يجير بإيجاب مثله على الشاهدين الثالث: أن يرجعا بعد الاستيفاء، أي بعد أن استوفى المحكوم له حقه فانه لا يبطل الحكم ولا يلزم المشهود له شيء سواء كان المشهود به مالاً أو عقوبة لأن الحكم قد تم باستيفاء المحكوم به ووصول الحق إلى مستحقه=

стр. 2674

وَعَلَيْهِمْ غَرَامَةُ مَا فَاتَ بِشَهَادَتِهِمْ بِمِثْلِهِ، إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَقِيْمَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا (١)، وَيَكُوْنُ ذلِكَ بَيْنَهُمْ عَلى عَدَدِهِمْ، فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ، فَعَلَيْهِ حِصَّتُهُ (٢)، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُوْدُ بِهِ قَتْلاً، أَوْ جَرْحًا، فَقَالُوْا: تَعَمَّدْنَا، فَعَلَيْهِمْ القِصَاصُ (٣)، ــ =ويرجع به على الشاهدين، فان كان المشهود إتلافاً في مثله القصاص كالقتل والجرح، وقالا عمدنا الشهادة عليه بالزور ليقتل أو يقطع فعليهما القصاص، فإن قالا عمدنا الشهادة عليه ولم نعلم أنه يقتل بهذا وكانا ممن يجوز أن يجهلا ذلك وجبت الدية في أموالهما مغلظة لأنه شبه عمد ولم تحمله العاقلة لأنه ثبت باعترافهما. (١) قوله «وَعَلَيْهِمْ غَرَامَةُ مَا فَاتَ بِشَهَادَتِهِمْ بِمِثْلِهِ، إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَقِيْمَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا»: أي غرموا للمشهود عليه ما فاته بسبب شهادتهم لأنهم حالوا بينه وبين ماله بعدوان فلزمهم الضمان كما لو غصباه، فإن كان ما أتلفوه له مثل لزمهم مثله، وإن كان ليس له مثل لزمهم قيمته. (٢) قوله «وَيَكُوْنُ ذلِكَ بَيْنَهُمْ عَلى عَدَدِهِمْ، فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ، فَعَلَيْهِ حِصَّتُهُ»: أي ويكون الضمان بينهم على عددهم لأن الإتلاف حصل من جهتهم، فإذا كانوا ثلاثة غرم كل واحد منهم ثلث الواجب، فإن رجع منهم واحد غرم الثلث. (٣) قوله «وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُوْدُ بِهِ قَتْلاً، أَوْ جَرْحًا، فَقَالُوْا: تَعَمَّدْنَا، فَعَلَيْهِمْ القِصَاصُ»: سبق الإشارة إلى ما ذكره المؤلف هنا، فإذا رجع الشهود بعد الاستيفاء في القصاص فإنه يقتص منهما، لكن بشرط أن يقولا: عَمَدْنا ذلك لتقص يد هذا الرجل، فحينئذٍ يقتص منهما، فتقص أيديهما.

стр. 2675

وَإِنْ قَالُوْا: أَخْطَأْنَا، غَرِمُوْا الدِّيَّةَ، أَوْ أَرْشَ الجُرْحِ (١)، ــ (١) قوله «وَإِنْ قَالُوْا: أَخْطَأْنَا، غَرِمُوْا الدِّيَّةَ، أَوْ أَرْشَ الجُرْحِ»: أي فإن شهدوا عليه بجناية قتل، أو بجناية جرح، ثم عدلوا عن الشهادة بعد تنفيذ الحكم، فقالوا أخطأْنا فإنه لا قصاص لأنه شبه عمد، وعليهم دية قتله، وإن كان قطع، أو جرح لزمهم أرش ما أتلفوه من بدن المجني عليه.

стр. 2676

بابُ اليَمِيْنِ فِي الدَّعَاوى (١) اليَمِيْنُ الْمَشْرُوْعَةُ فِيْ الحُقُوْقِ، هِيَ اليَمِيْنُ بِاللهِ تَعَالى (٢)، ــ (١) قوله «بابُ اليَمِيْنِ فِي الدَّعَااى»: المراد بهذا الباب بيان الدعاوى التي يُحلف فيها، والتي لا يُحلف، فما كان من حقوق الآدميين فإنه يحلف فيه، وما كان من حقوق الله فإنه لا يحلف فيه؛ لأن حقوق الآدميين فيها خصم وهو الآدمي، فيحتاج إلى التبرئة إن كان مدعًى عليه وهو ينكر. أو التقوية إن كان مدعي ومعه شاهد فيحتاج إلى التبرئة أو التقوية باليمين، أما إذا كان الحق لغير الآدمي فهذا لا يستحلف فيه ولا نتعرض له؛ لأن هذا الحق بين الإنسان وبين ربه، كدعوى دفع زكاة، وكفارة، ونذر، فإذا قال: دفعت زكاتي، أو كفارتي، أو نذري لم يلزمه يمين، لأن ذلك عبادة، فلا يستحلف عليه، كالصلاة، ولأن ذلك حق لله تعالى، أشبه الحد، والحدود لا خلاف في أنها لا تشرع فيها يمين، لأنه لو أقر ثم رجع عن إقراره قُبل منه وخُلِّي سبيله من غير يمين، فلأن لا يُستحلف مع عدم الإقرار أولى، ولأن الحد يستحب ستره، والتعريض للمقر بالرجوع عن إقراره، وللشهود ترك الشهادة بالحد والستر عليه. (٢) قوله «اليَمِيْنُ الْمَشْرُوْعَةُ فِيْ الحُقُوْقِ، هِيَ اليَمِيْنُ بِاللهِ تَعَالى»: أي ولا تكون اليمين إلا بالله تعالى: لأن الحلف بغير الله شرك، و كيفية اليمين المشروعة ، أن يحلف بالله وحده، أو بصفة من صفاته، كوجه الله، أو عزة الله، أو يحلف مثلاً بكلام الله، أو بالقرآن. فهذه هي اليمين المشروعة، وما عدا ذلك فليس بمشروع، لقوله =

стр. 2677

سَوَاءٌ كَانَ الحَالِفُ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا (١)، وَيَجُوْزُ القَضَاءُ فِيْ الأَمْوَالِ وَأَشْبَاهِهَا بِشَاهِدٍ وَيَمِيْنٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِيْنٍ (٢)، ــ =سبحانه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ... ﴾ , وقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ... ﴾ (١) , وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ... ﴾ (٢) , وقال النبي ﷺ لركانة بن عبد يزيد في الطلاق: «وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلاَّ وَاحِدَةً» قال: «وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلاَّ وَاحِدَةً» (٣). (١) قوله «اسَوَاءٌ كَانَ الحَالِفُ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا»: أي سواء كان المدعى عليه مسلماً أو كافراً، عدلاً أو فاسقاً؛ لأن النبي ﷺ قال للحضرمي المدعي على الكندي: «بَيِّنَتُكَ قَالَ: لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ، قَالَ: يَمِينُهُ، قَالَ: إِذًا يَذْهَبُ بِهَا. قال: «لَيْسَ لَكَ إِلا ذَلِكَ» (٤). (٢) قوله «وَيَجُوْزُ القَضَاءُ فِيْ الأَمْوَالِ وَأَشْبَاهِهَا بِشَاهِدٍ وَيَمِيْنٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِيْنٍ»: هذا قول أكثر أهل العلم، أي يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين. وقال بعض أهل العلم: من قضى بالشاهد واليمين نقض حكمه لأن الله تعالى قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ=

стр. 2678

وَالأَيْمَانُ كُلُّهَا عَلى البَتِّ (١)، ــ = فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ (١)، فمن زاد في ذلك فقد زاد في النص، والزيادة في النص نسخ، ولأن النبي ﷺ قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، فحصر اليمين في جانب المدعى عليه كما حصر البينة في جانب المدعي. قلت: والصواب ما ذهب إليه أكثر أهل العلم لثبوت ذلك عن النبي ﷺ فعن ابن عباس ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ»، ولأن اليمين تشرع فيمن ظهر صدقه وقوى جانبه، ولذلك شرعت في حق صاحب اليد لقوة جنبته بها، وفي حق المنكر لقوة جنبته، فإن الأصل براءة ذمته، والمدعي ههنا قد ظهر صدقه فوجب أن تشرع اليمين في حقه. (١) قوله «وَالأَيْمَانُ كُلُّهَا عَلى البَتِّ»: معنى البت القطع والجزم، فيحلف على الجزم في فعله هو، إثباتاً كان أو نفياً، لأنه يعلم حال نفسه ويطلع عليها. فيقول في البيع والشراء في الإثبات: والله لقد بعت بكذا، أو اشتريت بكذا، وفي النفي: والله ما بعت بكذا، ولا اشتريت بكذا. وكذا يحلف على البت في فعل غيره إن كان إثباتاً كبيع، وإتلاف، وغصب، لأنه يسهل الوقوف عليه، كما أنه يشهد به.

стр. 2679

إِلاَّ اليَمِيْنُ عَلى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهَا عَلى نَفْيِ العِلْمِ (١)، وَإِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ أَوِ، الْمُفْلِسِ حَقٌّ بِشَاهِدٍ، فَحَلَفَ الْمُفْلِسُ، أَوْ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ مَعَهُ ثَبَتَ (٢)، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوْا، فَبَذَلَ الغُرَمَاءُ اليَمِيْنَ لَمْ يُسْتَحْلَفُوْا (٣)، ــ (١) قوله «إِلاَّ اليَمِيْنُ عَلى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهَا عَلى نَفْيِ العِلْمِ»: أي إلا في الحلف على نفي فعل غيره، فإنه يحلف على نفي العلم، لا على البت والقطع، فلو أُدعي عليه أن أباه اغتصب كذا وهو بيده، فأنكر، وأراد المدعي يمينه، حلف على نفي العلم فيقول: والله لا أعلم أنها مغصوبة، أو والله ما علمت أنه اغتصبها، ولا يحلف على البت، لأن الإنسان لا تمكنه الإحاطة بفعل غيره، بخلاف فعل نفسه، فوجب ألا يكلف اليمين فيه على البت، لئلا يكون حملاً له على اليمين في شيء لا يعلمه، وعلى هذا فالضابط أن يقال: كل يمين فهي على البت إلا على نفي فعل الغير. (٢) قوله «وَإِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ، أَوِ الْمُفْلِسِ حَقٌّ بِشَاهِدٍ، فَحَلَفَ الْمُفْلِسُ، أَوْ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ مَعَهُ ثَبَتَ»: أي وإن كان لميت حق على إنسان فحلف الورثة مع شاهد، ثبت الحق، لأن مال الميت انتقل لهم، فيثبتون بأيمانهم ملكاً لأنفسهم، وكذا إن كان للمفلس حق فحلف المفلس مع شاهده ثبت المال، وتعلقت به حقوق الغرماء. (٣) قوله «وَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوْا، فَبَذَلَ الغُرَمَاءُ اليَمِيْنَ لَمْ يُسْتَحْلَفُوْا»: أي وإن لم يحلف الورثة على حق مورثهم أو المفلس على إثبات حق، فبذل غرماء المفلس أو الميت اليمين «لَم يُقْبَل» هذا البذل، لأنهم يثبتون ملكاً لغيرهم، لتتعلق حقوقهم به بعد ثبوته، فلم يقبل، كالمرأة تحلف لإثبات ملك =

стр. 2680

وَإِذا كَانَتِ الدَّعْاى لِجَمَاعَةٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِيْنٌ (١)، وَإِنْ قَالَ: أَنا أَحْلِفُ يَمِيْنًا وَاحِدَةً لِجَمِيْعِهِمْ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، إِلاَّ أَنْ يَرْضَوْا (٢)، وَإِنِ ادَّعَى وَاحِدٌ حُقُوْقًا عَلى وَاحِدٍ، فَعَلَيْهِ فِيْ كُلِّ حَقٍّ يَمِيْنٌ (٣)، ــ =زوجها لتتعلق نفقتها به. وظاهر هذا أن المفلس والوارث لا يجبر أحد منهما على اليمين، لأنا لا نعلم صدق الشاهد، فإن حلف ثبت المال، وتعلقت به حقوق الغرماء. (١) قوله «وَإِذا كَانَتِ الدَّعْاى لِجَمَاعَةٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِيْنٌ»: أي وإن ادعى جماعة على شخص واحد فتوجهت إليه اليمين، حلف لكل واحد منهم يميناً، لأن لكل واحد منهم حقاً غير حق الآخر، فإذا طلب كل واحد منهم يميناً كان له ذلك، كسائر الحقوق إذا انفرد بها. (٢) قوله «وَإِنْ قَالَ: أَنا أَحْلِفُ يَمِيْنًا وَاحِدَةً لِجَمِيْعِهِمْ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، إِلاَّ أَنْ يَرْضَوْا»: أي إلا أن يرضوا كلهم بيمين واحدة، فيكتفى بها على الصحيح لأن الحق لهم وقد رضوا بإسقاطه فسقط. (٣) قوله «وَإِنِ ادَّعَى وَاحِدٌ حُقُوْقًا عَلى وَاحِدٍ، فَعَلَيْهِ فِيْ كُلِّ حَقٍّ يَمِيْنٌ»: أي وإن ادعى شخص على آخر حقوقاً، كثمن مبيع، وقيمة متلف، وقرض فعليه لكل حق منها يمين، وهذا إذا تعددت الدعوى ولو اتحد المجلس، فإن اتحدت الدعاوى بأن ادعى جميع الحقوق دعوى واحدة فيمين واحدة (١).

стр. 2681

وَتُشْرَعُ اليَمِيْنُ فِيْ كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ، وَلا تُشْرَعُ فِيْ حُقُوْقِ اللهِ مِنَ الحُدُوْدِ وَالعِبَادَاتِ (١). ــ (١) قوله «وَتُشْرَعُ اليَمِيْنُ فِيْ كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ، وَلا تُشْرَعُ فِيْ حُقُوْقِ اللهِ مِنَ الحُدُوْدِ وَالعِبَادَاتِ»: أي لا تشرع اليمين ولا يستحلف أحد في حقوق الله تعالى، كدعوى دفع زكاة، وكفارة، ونذر. فإذا قال: دفعت زكاتي، أو كفارتي، أو نذري لم يلزمه يمين، لأن ذلك عبادة، فلا يستحلف عليه، كالصلاة، ولأن ذلك حق لله تعالى، أشبه الحد، والحدود لا خلاف في أنها لا تشرع فيها يمين، لأنه لو أقر ثم رجع عن إقراره قُبل منه وخُلِّي سبيله من غير يمين، فلأن لا يُستحلف مع عدم الإقرار أولى، ولأن الحد يستحب ستره والتعريض للمقر بالرجوع عن إقراره وللشهود ترك الشهادة بالحد والستر عليه.

стр. 2682

بابُ الإِقْرَارِ (١) ــ (١) قوله «بابُ الإِقْرَارِ»: الإقرار لغة: مصدر أقر بالشيء، يقر إقراراً: إذا اعترف به، فهو مقر. وشرعاً: هو إظهار الحق باللفظ، أو هو اعتراف الإنسان بما عليه للغير من حقوق مالية أو غيرها، والأصل فيه الكتاب والسُّنة والإجماع. أما دلالة الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَاآتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٢). وأما دلالة السنة: فقد قال ﷺ : «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (٣). وأجمع المسلمون على صحة الإقرار، لأنه إخبار بالحق على وجه لا تهمة فيه ولا ريبة، لأن العاقل لا يكذب على نفسه في شيء يضر بها. - فائدة: الإقرار له ارتباط بكثير من العقود، وأهمها البيوع: ولذا جعله بعض الفقهاء بعد البيوع، وبعضهم يختم به كتاب الفقه، لأن من كان آخر كلامه=

стр. 2683

وَإِذَا أَقَرَّ الْمُكَلَّفُ، الرَّشِيْدُ، الحُرُّ، الصَّحِيْحُ، الْمُخْتَارُ بِحَقٍّ، أُخِذَ بِهِ (١)، ــ =من الدنيا: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» (١)، وبعضهم يختم بكتاب العتق، تفاؤلاً بأن يعتقه الله من النار. (١) قوله «وَإِذَا أَقَرَّ الْمُكَلَّفُ، الرَّشِيْدُ، الحُرُّ، الصَّحِيْحُ، الْمُخْتَارُ بِحَقٍّ، أُخِذَ بِهِ»: أي إن الإقرار لا يصح إلا بشروط ، بعضها يعود على المقِرِّ، وبعضها يعود على المقَرِّ له. ف الأول: أن يكون المقر مكلفاً ، فلا يصح الإقرار بمال أو عقد ونحوهما من صغير ولا مجنون، لحديث: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ ... » (٢)، ولأنه قول ممن لا يصح تصرفه فلم يصح، كفعله، إلا فيما يستثنى من إقرار الصبي، كما سيأتي إن شاء الله. الثانِي: أن يكون رشيداً ، وهو الذي يحسن التصرف بالمال، فلا يصح من السفيه إقرار بالمال من دين أو غيره، لأنه محجور عليه لحظِّه فلم يقبل إقراره بالمال، كالصبي، ولأننا لو قبلنا إقراره بالمال سقط معنى الحجر عليه، ولأنه ممنوع من التصرف في ماله، فلم يصح إقراره به، كإقرار الراهن على الرهن. الثالث: أن يكون المقر حراً ، فلا يصح إقرار العبد لأنه على غيره، فإن أذن له سيده في شيءٍ صح إقراره في القدر المأْذون له فيه كالبيع والشراء، لأنه تصرف في شيء يصح تصرفه فيه، فصح إقراره به كالحر.

стр. 2684

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرابع: أن يكون صحيحاً ، فلو أقر المريض مرض الموت المخوف بمال لغير وارث لم يصح إقراره، وقد تقدم أن مرض الموت المخوف هو الذي لا يستغرب الناس الموت به، كمرض السرطان ومرض القلب ونحوهما، فيصح إقرار هذا المريض بغير مال كإقراره ببيع، أو إجارة، أو دين عليه، ونحو ذلك، لأنه لا تهمة عليه في ذلك، وإنما تلحقه التهمة في المال، فلو قال: لابني عليَّ عشرة آلاف ريال وله أبناء غيره لم يقبل إلا ببينة إلا أن يجيز الورثة لأنه إيصال المال إلى الوارث فلم يصح كالوصية إلا أن يقر لزوجته بمهر مثلها فما دون فيصح لأن سببه ثابت وهو النكاح. الخامس: أن يكون مختاراً ، وضده المكره، فلا بد أن يكون المقر مختاراً لإقراره ولما أقر به، فإن كان أقر باختياره بمائة وأكره على أن يقر بمائتين، فالإقرار لا يصح بالمائتين لكن يصح بالمائة، وإن كان لا يقر بشيء فأكره على أن يقر بمائة لم يصح إقراره مطلقاً؛ لأنه لا بد أن يكون مختاراً، والدليل قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقوله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (٢)، فكل العقود لا بد فيها من التراضي، فالمكره لا يقع منه أي عقد أو إقرار.

стр. 2685

وَمَنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوْتًا يُمْكِنُهُ الكَلامُ فِيْهِ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوْفًا أَوْ صِغَارًا، أَوْ مُؤَجَّلَةً، لَزِمَتْهُ جِيَادًا، وَافِيَةً، حَالَّةً (١)، وَإِنْ وَصَفَهَا بِذلِكَ مُتَّصِلاً بِإِقْرَارِهِ، لَزِمَتْهُ كَذلِكَ (٢)، وَإِنِ اسْتَثْنَى مِمَّا أَقَرَّ بِهِ، أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ مُتَّصِلاً بِهِ، صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ (٣)، ــ (١) قوله «وَمَنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوْتًا يُمْكِنُهُ الكَلامُ فِيْهِ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوْفًا أَوْ صِغَارًا، أَوْ مُؤَجَّلَةً، لَزِمَتْهُ جِيَادًا، وَافِيَةً، حَالَّةً»: أي إذا وصل إقراره بما يغيره كأن يقول: له عليَّ مائة درهم، ثم يسكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه، ثم يقول: «زُيُوفاً»، أي رديئة، أو معيبة لزمه مائة جياد، أو قال: «صِغَاراً» لزمه مائة وافية، أو قال: «مؤجلةً» لزمته مائة حالَّة، لأن الإقرار حصل منه بالمائة مطلقاً، فينصرف إلى الجيد الوافي الحالِّ، كما لو باعه بمائة درهم وأطلق، ولأنه رجع عن بعض ما أقر به وَرَفَعَهُ بصفة منفصلة، وشرطُ التخصيص بالصفة أن تكون متصلة. (٢) قوله «وَإِنْ وَصَفَهَا بِذلِكَ مُتَّصِلاً بِإِقْرَارِهِ، لَزِمَتْهُ كَذلِكَ»: هذا شرط من شروط صحة الاستثناء، وهو أن يكون متصلاً بالمستثنى منه، وذلك بألا يسكت المستثني بين ذكره المستثنى والمستثنى منه زمناً يمكنه الكلام فيه، وألا يأتي بكلام أجنبي، كما سيذكر ذلك المؤلف قريباً، لأنه إن سكت أو عدل عن إقراره إلى شيء آخر استقر حكم ما أقرَّ به فلم يرتفع. (٣) قوله «وَإِنِ اسْتَثْنَى مِمَّا أَقَرَّ بِهِ، أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ مُتَّصِلاً بِهِ، صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ»: أي: وإن استثنى المقِرُّ أقل من النصف، نحو: له عليَّ عشرة إلا ثلاثة، فيلزمه سبعة، وهذا مجمع على جوازه، لأنه لغة العرب، قال تعالى: =

стр. 2686

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ (١). ومفهوم كلامه أنه لا يُستثنى النصف، فلا يصح له عشرة إلا خمسة، بل تلزمه العشرة، لأنه لم يرد في كلام العرب إلا القليل من الكثير، والنصف ليس بقليل، قال الطوفي: «وهو الصحيح من مذهبنا» (٢). والقول الثانِي: أنه يصح استثناء النصف، قال ابن هبيرة: «وظاهر المذهب صحته» (٣)، واختاره الخرقي، وذلك لأن النصف ليس بالأكثر، فجاز، كالأقل (٤). وأما استثناء الأكثر فالمذهب أنه لا يصح، لأنه لم يرد في لغة العرب، قال الزجَّاج: «لم يأت الاستثناء في كلام العرب إلا قليل من كثير» (٥)، فلو قال: له عليَّ عشرة إلا ستة لزمته العشرة كلها، والجمهور على أنه يصح استثناء أكثر من النصف، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٦)، وأتْبَاعُ إبليسَ من بني آدم أكثرُ من النصف، وأجيب عنه بأنه استثناء من صفة، والاستثناء من الصفة يصح وإن خرج الكل أو الأكثر.

стр. 2687

وَإِنْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِسُكُوْتٍ يُمْكِنُهُ الكَلامُ فِيْهِ، أَوْ بِكَلامٍ أَجْنَبِيٍّ، أَوِ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، لَزِمَهُ كُلُّهُ (١)، ــ (١) قوله «وَإِنْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِسُكُوْتٍ يُمْكِنُهُ الكَلامُ فِيْهِ، أَوْ بِكَلامٍ أَجْنَبِيٍّ، أَوِ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، لَزِمَهُ كُلُّهُ»: أي فإن أقر على نفسه بشيءٍ ثم سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه ثم استثنى شيئاً آخر من غير جنس ما أقر به كأن يقول لفلان: عندي ألف ريال إلا ثوباً، فإنه يلزمه ما أقر به وهو الألف ريال، لأن حقيقة الاستثناء هنا أنه استدراك، فيكون مقراً بشيء مدعياً لشيء آخر فيقبل إقراره، وتبطل دعواه، إلا إذا كانت هناك بينة على هذه الدعوى، وهذا هو المذهب (١)، لأن الاستثناء إخراج بعض ما دخل في المستثنى منه، وغير جنسه لم يدخل حتى يحتاج إلى إخراج. والقول الثانِي: جواز الاستثناء من غير الجنس (٢)، لوروده في القرآن الكريم، وفي كلام العرب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ (٣)، والتجارة ليست من أكل المال بالباطل، وقال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا﴾ (٤)، والسلام ليس من جنس اللغو، وقال الرَّاجز: وبلدةٍ ليس بها أنيسُ ... إلا اليعافيرُ وإلا العِيْسُ (٥) واليعافير: أولاد بقر الوحش، والعيس: الإبل، وليس واحد منها من =

стр. 2688

وَمَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ، ثُمَّ قَالَ: وَدِيْعَةٌ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ (١)، وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِيْ، ثُمَّ قَالَ: وَدِيْعَةٌ قُبِلَ قَوْلُهُ (٢)، وَمَنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ ثَلاثَةٌ، إِلاَّ أَنْ يُصَدِّقُهُ المُقَرُّ لَهُ فِيْ أَقَلَّ مِنْهَا (٣)، وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مُجْمَلٍ، قُبِلَ تَفْسِيْرُهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ (٤)، ــ = جنس الأنيس، وهذا هو الراجح إن شاء الله، لقوة مأخذه، وعليه ففي المثال السابق تسقط قيمة الثوب من المائة، ويلزمه الباقي. (١) قوله «وَمَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ، ثُمَّ قَالَ: وَدِيْعَةٌ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ»: أي ولو قال: لزيد عليَّ ألف ريال - مثلاًـ ثم فسّرها بأنها وديعة لم يقبل منه، لأن «عليَّ» للإيجاب، وذلك يقتضي أن الألف في ذمته، فإذا فسره بالوديعة لم يصح، لأن تفسيره يناقض ظاهر إقراره. (٢) قوله «وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِيْ، ثُمَّ قَالَ: وَدِيْعَةٌ قُبِلَ قَوْلُهُ»: أي ولو قال له عندي ألف ريال، وفسره بوديعة قبل ذلك، لأنه فسر اللفظ بأحد مدلوليه، فإن الوديعة تكون عنده، كما أن الدين يكون عنده، ولذا لو فسره بدَين صح. (٣) قوله «وَمَنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ ثَلاثَةٌ، إِلاَّ أَنْ يُصَدِّقُهُ المُقَرُّ لَهُ فِيْ أَقَلَّ مِنْهَا»: أي وإن قال: له عليَّ دراهمُ، فُسِّرَت الدراهم بثلاثة، لأنه جمع، وأقل الجمع ثلاثة. (٤) قوله «وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مُجْمَلٍ، قُبِلَ تَفْسِيْرُهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ»: المراد بالمجمل: ما احتمل أمرين فأكثر على السواء، وهو ضد المفسَّر. فإذا أقر بشيء مجمل طلب منه تفسيره، فإن فسره بما يحتمله صح، كما لو=

стр. 2689

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =قال: له عليَّ شيء، أو له عليَّ كذا، ثم فسره بألف ريال، أو بشاة ونحوهما قبل تفسيره، لأن الكلام يحتمل ذلك. فإن فسره بما ليس بمال كقشر جوزة، أو حبة بر، ونحوهما لم يقبل تفسيره، لأنه اعترف بحق عليه، وما ذكره لا يكون عليه، لأنه لا يثبت في الذمة، ولو قال: له عليَّ ألف، ثم فسره بجنس واحد من ريالات، أو دنانير، أو فسره بأجناس قُبِلَ منه ذلك، لأن لفظه يحتمله.

стр. 2690

فَصْلٌ فِيْمَنْ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ وَمَنْ لا يَصِحُّ (١) وَلا يُقْبَلُ إِقْرَارُ غَيْرِ المُكَلَّفِ بِشَيْءٍ (٢)، إِلاَّ الْمَأْذُوْنَ لَهُ مِنَ الصِّبْيَانِ فِيْ التَّصَرُّفِ فِيْ قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ (٣)، وَإِنْ أَقَرَّ السَّفِيُهُ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ طَلاقٍ، أُخِذَ (٤)، ــ (١) قوله «فَصْلٌ فِيْمَنْ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ وَمَنْ لا يَصِحُّ»: هذا الفصل له علاقة بما ذكرناه قبله، فقد سبق بيان الشروط المعتبرة في المقر. (٢) قوله «وَلا يُقْبَلُ إِقْرَارُ غَيْرِ المُكَلَّفِ بِشَيْءٍ»: أي لا يصح الإقرار بمال أو عقد ونحوهما من صغير، ولا مجنون، ولا معتوه، لحديث: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ ... » (١)، ولأنه قول ممن لا يصح تصرفه فلم يصح، كفعله، إلا فيما يستثنى من إقرار الصبي، كما سيأتي إن شاء الله. (٣) قوله «إِلاَّ الْمَأْذُوْنَ لَهُ مِنَ الصِّبْيَانِ فِيْ التَّصَرُّفِ فِيْ قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ»: أي إنما يصح إقرار الصبي في قدر ما أُذن له فيه كما تقدم بيانه، وهذا كالاستثناء من شرط التكليف كما مضى، وذلك لأنه بهذا الإذن أصبح صحيح التصرف فيما أُذن له فيه، ولأنه عاقل مختار فصح إقراره كالبالغ. (٤) قوله «وَإِنْ أَقَرَّ السَّفِيُهُ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ طَلاقٍ، أُخِذَ بِهِ»: السفيه هو من حجر عليه بمنعه من التصرف في ماله، وضده الرشيد. ومعنى كلامه ﵀: أنه يجوز الإقرار من السفيه إن أقر على نفسه بحد أو قصاص أو طلاق زوجته، لأنه غير متهم في حق نفسه، والحجر إنما يتعلق بماله، فوجب أن يُقبل إقراره على نفسه بغير المال، لأن الحجر لا تعلق له به.

стр. 2691

وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ، لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ (١)، وَكَذلِكَ الحُكْمُ فِيْ إِقْرَارِ العَبْدِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ العِتْقِ (٢)، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مَأْذُوْنًا لَهُ فِيْ التِّجَارَةِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِيْ قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ (٣)، وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَرِيْضُ بِالدَّيْنِ لِأَجْنَبِيٍّ (٤)، ــ (١) قوله «وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ، لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ»: أي وإن أقر السفيه بمال لم يقبل منه لأنه ممنوع من التصرف في المال لحظ نفسه. (٢) قوله «وَكَذلِكَ الحُكْمُ فِيْ إِقْرَارِ العَبْدِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ العِتْقِ»: أي ويصح إقرار العبد غير المأذون له بالمال، لكن لا يقبل في الحال، وإنما يُتبع به بعد العتق وزوال الرقِّ، لأنه إقرار من محجور عليه في حق غيره، فلم يقبل في الحال، ويُتبع به بعد زوال الحجر عنه، كالمفلس. (٣) قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مَأْذُوْنًا لَهُ فِيْ التِّجَارَةِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِيْ قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ»: أي يصح إقرار العبد في قدر ما أُذن له فيه من التجارة، لأنه تصرف في شيء يصح تصرفه فيه ببيع وشراء، فصح إقراره به كالحر وقد سبق بيان ذلك. (٤) قوله «وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَرِيْضُ بِالدَّيْنِ لِأَجْنَبِيٍّ»: أي ويصح الإقرار من المريض المخوف موته، وقد تقدم أن مرض الموت المخوف هو الذي لا يستغرب الناس الموت به، كمرض السرطان ومرض القلب ونحوهما، فيصح إقرار هذا المريض بغير مال كإقراره ببيع، أو إجارة، أو دين عليه، ونحو ذلك، لأنه لا تهمة عليه في ذلك، وإنما تلحقه التهمة في المال. فلو قال: لابني عليَّ عشرة آلاف ريال - وله أبناء غيره - لم يقبل وقد سبق بيان ذلك.

стр. 2692

وَلا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِيْ مَرَضِ المَوْتِ لِوَارِثٍ، إِلاَّ بِتَصْدِيْقِ سَائِرِ الوَرَثَةِ (١)، ــ (١) قوله «وَلا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِيْ مَرَضِ المَوْتِ لِوَارِثٍ، إِلاَّ بِتَصْدِيْقِ سَائِرِ الوَرَثَةِ»: أي إن أقر المريض في مرض موته بمال لوارث لم يقبل إقراره، لأنه إيصال لماله إلى وارثه في مرض موته، فلم يصح بغير رضا بقية ورثته، كهبته ووصيته، ولأن المريض محجور عليه لحق وارثه، فلم يقبل إقراره، ولأنه متهم بمحاباته، وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة. والقول الثانِي: أنه يقبل إقراره للوارث بمال إذا لم يتهم، قال صاحب الإنصاف: «وهو الصواب» (١)، ومثال عدم الاتهام أن يكون هذا المريض قد اشترى من أحد ورثته سيارة مثلاً بعشرة آلاف، فيقبل إقراره بهذا المال، لأنه إقرار مبني على سبب معلوم، والأصل عدم تسليم الثمن، لأن العلة التهمة، وهي هنا مفقودة. فإن أقر هذا المريض بالمال لغير وارث، كابن ابنه مع وجود ابنه، أو أخته مع وجود ابنه فإنه يصح، قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن إقرار المريض في مرضه لغير الوارث جائز» (٢)، وذلك لأنه إقرار غير متهم فيه فقبل. وظاهر كلامه أنه لو أقر لأجنبي بما زاد على الثلث ثبت إقراره، وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة. القول الثانِي: أنه لا يصح إقراره لأجنبي بما زاد على الثلث، لأنه ممنوع =

стр. 2693

وَلَوْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، فَصَارَ غَيْرَ وَارِثٍ، لَمْ يَصِحَّ (١)، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ، ثُمَّ صَارَ وَارِثاً، صَحَّ إِقْرَارُهُ (٢)، ــ = من عطية ذلك للأجنبي، بخلاف الثلث فما دون. والقول الثالث: لا يصح إقراره للأجنبي مطلقاً، لأن حق الورثة تعلق بماله، أشبه المفلس. والأول أظهر، لأنه إقرار غير متهم فيه، كالإقرار في الصحة، يحققه أن حالة المرض أقرب إلى الاحتياط لنفسه وإبراء ذمته وتَحَرِّي الصدق، فكان أولى بالقبول (١). (١) قوله «وَلَوْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ، فَصَارَ غَيْرَ وَارِثٍ، لَمْ يَصِحَّ»: أي إن أقر المريض مرض الموت المخوف، لوارث فصار عند الموت غير وارث، فإن إقراره لا يصح اعتباراً بحال الإقرار لا بحال الموت. مثاله: رجل مات عن زوجة وعم شقيق وأم، فللزوجة الربع، وللأم الثلث، والباقي للعم الشقيق، فهذا المريض أقر لعمه الشقيق بمال، ثم إن أمه ولدت لهذا المريض أخاً شقيقاً، ثم مات المريض بعد أن ولد أخوه الشقيق، فالذي يرثه بالتعصيب الأخ الشقيق، لكن إن أجازه الورثة فإنه يجوز، ويعطى إياه بالإقرار. (٢) قوله «وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ، ثُمَّ صَارَ وَارِثاً، صَحَّ إِقْرَارُهُ»: أي إذا أقر المريض مرض الموت لغير وارث فصار عند الموت وارثاً صح إقراره؛ لأن العبرة حال الإقرار، مثاله: شخص أقر لأخيه وله ابن، ثم مات ابنه فصار الأخ وارثاً، فيصح هذا الإقرار ويعطى أخوه ما أقر به له.

стр. 2694

وَيَصِحَّ إِقْرَارُهُ بِوَارِثٍ (١). وَإِذَا كَانَ عَلى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، لَمْ يَلْزَمِ الوَرَثَةَ وَفَاؤُهُ (٢)، إِلاَّ أَنْ يُخَلِّفَ تَرِكَةً، فَيَتَعَلَّقُ دَيْنُهُ بِهَا (٣)، فَإِنْ أَحَبَّ الوَرَثَةُ وَفَاءَ الدَّيْنِ، وَأَخْذَ تَرِكَتِهِ، فَلَهُمْ ذلِكَ (٤)، وَإِنْ أَقَرَّ جَمِيْعَ الوَرَثَةِ بِدَيْنٍ عَلى مُوَرِّثِهِمْ، ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِمْ (٥)، ــ (١) قوله «وَيَصِحَّ إِقْرَارُهُ بِوَارِثٍ»: لأنه عند الإقرار غير وارث, وفي قول آخر عنه لا يصح لأنه عند الموت وارث. (٢) قوله «وَإِذَا كَانَ عَلى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، لَمْ يَلْزَمِ الوَرَثَةَ وَفَاؤُهُ»: أي لا يلزم الورثة قضاء دَين على مورثهم، لأنه لا يلزمهم أداء الدين في حياته إذا كان مفلساً، فكذلك لا يلزمهم إذا كان ميتاً، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١). (٣) قوله «إِلاَّ أَنْ يُخَلِّفَ تَرِكَةً، فَيَتَعَلَّقُ دَيْنُهُ بِهَا»: أي إلا أن يخلف المورِّث المدين تركة، فيتعلق الدين بها، كسائر الحقوق المتعلقة بعين التركة، ويلزم قضاؤه منها، ويبُدأ به قبل الوصية. (٤) قوله «فَإِنْ أَحَبَّ الوَرَثَةُ وَفَاءَ الدَّيْنِ، وَأَخْذَ تَرِكَتِهِ، فَلَهُمْ ذلِكَ»: أي فإن أحب الورثة القضاء من غير التركة وأخذ التركة فلهم ذلك، وإن اختاروا القضاء منها فلهم ذلك، وإن امتنعوا من القضاء باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدين. (٥) قوله «وَإِنْ أَقَرَّ جَمِيْعَ الوَرَثَةِ بِدَيْنٍ عَلى مُوَرِّثِهِمْ، ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِمْ»: أي وإن أقر الورثة بدين على مورثهم ثبت الدين، ولزمهم قضاؤه، لأنهم أقروا=

стр. 2695

وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ بَعْضُهُمْ، ثَبَتَ بِقَدْرِ حَقِّهِ (١)، فَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَمِئَتَيْ دِرْهَمٍ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمِئَةٍ دَيْناً عَلى أَبِيْهِ لَزِمَهُ خَمْسُوْنَ دِرْهَمًا (٢)، فَإِنْ كَانَ عَدْلاً وَشَهِدَ بِهَا، فَلِلْغَرِيْمِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَهَادَتِهِ وَيَأْخُذُ بَاقِيَهَا مِنْ أَخِيْهِ (٣)، ــ =باستحقاق ذلك على مورثهم، والإقرار أبلغ من البينة، فيقضونه من التركة لتعلق الدين بها. (١) قوله «وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ بَعْضُهُمْ، ثَبَتَ بِقَدْرِ حَقِّهِ»: أي وإن أقر بالدين على الميت بعض الورثة دون باقيهم، فإن الدين يثبت، ويلزم المقر من الدين بقدر إرثه من التركة، فإن ورث النصف من التركة فعليه نصف الدين، وإن ورث الربع فربع الدين، وهكذا قل أو كثر، لأن كل جزء من الدين تعلق بمثله من التركة، فوجب أن يوزع عليها، كما لو ثبت بالبينة أو بإقرار الميت. (٢) قوله «فَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ وَمِئَتَيْ دِرْهَمٍ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمِئَةٍ دَيْناً عَلى أَبِيْهِ لَزِمَهُ خَمْسُوْنَ دِرْهَمًا»: أي فلو خلف ابنين ومائتي درهم فأقر أحدهما بمائة دينار على أبيه لزمه خمسون درهما؛ لأنه مقر على أبيه بدين ولا يلزمه أكثر من نصف دين أبيه لأنه مقر على نفسه وأخيه فقبل إقراره على نفسه دون أخيه. (٣) قوله «فَإِنْ كَانَ عَدْلاً وَشَهِدَ بِهَا، فَلِلْغَرِيْمِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَهَادَتِهِ وَيَأْخُذُ بَاقِيَهَا مِنْ أَخِيْهِ»: أي إلا أن يكون عدلاً فيحلف الغريم مع شهادته ويأخذ مائة, وتكون المائة الباقية بين الابنين، وإنما لزم الآخر الخمسون لأنه يرث نصف التركة فيلزمه نصف الدين؛ لأنه بقدر ميراثه ولو لزمه جميع الدين لم تقبل شهادته على أخيه لكونه يدفع بها عن نفسه ضرراً؛ ولأنه يرث نصف التركة فيلزمه نصف الدين كما لو ثبت ببينة.

стр. 2696

وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا وَمِئَةً، فَادَّعَى رَجُلٌ مِئَةً عَلى أَبِيْهِ، فَصَدَّقَهُ، ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذلِكَ وَصَدَّقَهُ الاِبْنُ، فَإِنْ كَانَ فِيْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَالْمِئَةُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ فِيْ مَجْلِسَيْنِ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ وَلا شَيْءَ لِلثَّانِيْ (١)، وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ ادَّعَاهَا وَدِيْعَةً، فَصَدَّقَهُ الاِبْنُ، ثُمَّ ادَّعَاهَا آخَرُ، فَصَدَّقَهُ الاِبْنُ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ، وَلا شَيْءَ لِلثَّانِيْ، وَيغَرْمُهَا لَهُ؛ لأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ (٢)، ــ (١) قوله «وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا وَمِئَةً، فَادَّعَى رَجُلٌ مِئَةً عَلى أَبِيْهِ، فَصَدَّقَهُ، ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذلِكَ وَصَدَّقَهُ الاِبْنُ، فَإِنْ كَانَ فِيْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَالْمِئَةُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ فِيْ مَجْلِسَيْنِ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ وَلا شَيْءَ لِلثَّانِيْ»: أي إذا مات رجل وخلف وارثاً، كابن ومائة، فادعى رجل أن المائة له ديناً على الميت، فصدقه الابن وأقر له بها، ثم ادعى آخر مائة على الميت، وصدّقه الابن، فإن كان ذلك في مجلس واحد فالمائة بينهما لتساويهما، وإن كان الإقرار في مجلسين فالمائة للأول ولا شيء للثاني، لأن الابن أقر بها للأول، ولا معارض له، ولا يقبل إقراره للثاني، لأنه رجوع عن الإقرار الأول، وذلك لا يصح، لما فيه من إبطال حق الأول. (٢) قوله «وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ ادَّعَاهَا وَدِيْعَةً، فَصَدَّقَهُ الاِبْنُ، ثُمَّ ادَّعَاهَا آخَرُ، فَصَدَّقَهُ الاِبْنُ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ، وَلا شَيْءَ لِلثَّانِيْ، وَيغَرْمُهَا لَهُ؛ لأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ»: أي وإن ادعى الرجلان في مجلسين أن المائة وديعة عند الميت، فصدقهما الابن، وأقر بها لكل واحد منهما، فهي للأول لما تقدم، ويغرمها الابن للثانِي، لأنه بإقراره له ظهر أن المائة للثاني، وقد حال بينه وبينها، فلزمه غرامتها، كما لو شهد بمال، ثم رجع بعد الحكم بشهادته.

стр. 2697

هذا آخر ما تيسر من شرح عمدة الفقه المسمى بـ (وبل الغمامة) وقد تم بحمد الله الانتهاء منه ضحوة الثلاثاء: ١/ ١/ ١٤٣٢ هـ فأحمد الله وأشكره على نعمه وفضله، وأسأله المزيد من ذلك، وأن يمد في العمر لمتابعة المشاريع العلمية النافعة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.