← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَكَذلِكَ الْمَذْيُ (٢)، ــ = ويلعقه من الأشربة ونحوها. ويلاحظ هنا أن عندنا قيدين ذكرهما المؤلف: القيد الأول: أن يكون غلامًا، والغلام خاص بالذكر. القيد الثاني: لم يأكل الطعام، فيكفي فيه النضح. فإن قيل: ما السبب في التفريق بين الذكر والأنثى؟ قيل: إن العلة تعبدية، الرسول ﷺ فرق فنقف، هذا أسلم وأحسن وأكثر طمأنينة، وقيل: إن العلة هي أن بول الغلام أخف من بول الجارية، فبول الجارية ينتشر، وقيل: بأن الغلام يبتلى به الناس أكثر لكثرة محبتهم له فجاء التخفيف في بوله، لكن الصواب أن العلة تعبدية كما ذكرنا. (١) و قوله «وَكَذلِكَ الْمَذْيُ»: المذي ماء رقيق يخرج لابتداء الشهوة إذا تحركت بتفكر أو نظر أو مس وبعد فتورها من غير إحساسه به. واختلف في حكمه هل هو طاهر أم نجس؟ فظاهر المذهب (١) القول بنجاسته، هذا هو المشهور في المذهب وهو الصحيح لكن نجاسته مخففة وفي رواية أخرى في المذهب القول بطهارته (٢). فقوله «وَكَذلِكَ الْمَذْيُ» أي أن المذي يأخذ حكم بول الغلام في تطهيره، وذلك بنضح ما أصابه. وقيل لا يطهر بالنضح بل لا بد فيه من الغسل، وهذا هو المذهب (٣). والصحيح أنه يكفي فيه النضح كما ذكر المؤلف ﵀، دليل ذلك حديث سهل بن حنيف قال: «كُنْتُ أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَكُنْتُ أُكْثِرُ =

стр. 37

وَيُعْفَى عَنْ يَسِيْرِهِ وَيَسِيْرِ الدَّمِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَنَحْوِهِ (١)، ــ = مِنَ الاِغْتِسَالِ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا يُجْزِيْكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَا يُصِيْبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قَالَ: يَكْفِيْكَ بِأَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ» (١). (١) قوله «وَيُعْفَى عَنْ يَسِيْرِهِ وَيَسِيْرِ الدَّمِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَنَحْوِهِ» الضمير في «يَسِيْرِهِ» يعود على المذي، أي يعفى عن يسير المذي، والمذهب (٢) لا يعفى عن يسيره، والصحيح ما ذكره المؤلف من العفو عن يسير المذي لعموم البلوى به، ولمشقة التحرز منه، ولأن شريعتنا مبناها على السماحة والتيسير على الخلق، وهذا من باب الرحمة بالخلق. قوله «وَيَسِيْرِ الدَّمِ» أي يعفى عن يسير الدم أيضًا، وهذا رواية في المذهب (٣)، وكذلك ما تولد منه؛ من قيح، وصديد، ونحوه، وهذا هو قول أكثر الصحابة، كأبي هريرة وابن عباس وجابر وغيرهم ﵃، وبه قال شيخ الإسلام (٤) ﵀، وفي رواية في المذهب (٥) أنه لا يعفى عن قليله ولا كثيره، لكن الصواب ما ذهب إليه الأولون. - تنبيه: قول المؤلف «وَيُعْفَى عَنْ يَسِيْرِ الدَّمِ» ذكر ذلك بناء على القول بنجاسة الدم وهو قول جمهور أهل العلم، والمقصود بالدم هنا دم الآدمي.

стр. 38

وَهُوَ مَا لا يَفْحُشُ فِيْ النَّفْسِ (١). ــ = والصحيح القول بطهارته وهو اختيار شيخنا (١) ﵀، دليل ذلك: الأول: أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يأتي دليل على النجاسة، ولا دليل فيما نعلمه على نجاسة الدم. الثاني: ما جاء عن الحسن البصري ﵀ حيث قال: «ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم» (٢)، ومع القول بطهارته نرى أن الأحوط الطهارة منه إذا نزل وغسل الثوب منه. لكن عندنا دم باتفاق أهل العلم أنه نجس، وأنه ينقض الوضوء وهو دم الحيض والنفاس والدم المسفوح والذي يخرج من السبيلين قل أو كثر فإنه نجس كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله في نواقض الوضوء. (١) قوله «وَهُوَ مَا لا يَفْحُشُ فِي النَّفْسِ» هذا حد اليسير، فالمرجع فيه إلى النفس، فكل من رأى أنه قليل صار قليلاً، والعكس بالعكس. وقيل في حده ثلاث قطرات فقط فأكثر (٣)، وقال بعضهم ما زاد عن مكانه، قال شيخنا ﵀ تعليقًا على ما ذهب إليه المؤلف: «وهذا القول فيه نظر؛ لأن من الناس من عنده وسوسة، فالنقطة الواحدة عنده كثيرة، ومنهم من عنده تهاون فإذا خرج منه دم كثير قال قليل» (٤). وقيل بل المعتبر في حد اليسير هو ما اعتبره أوساط الناس، فما اعتبروه يسيرًا =

стр. 39

وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ (١)، وَبوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ (٢) ــ = فهو يسير، وما اعتبروه كثيرًا فهو كثير، وهو اختيار شيخنا (١) ﵀. (١) قوله «وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ» اختلفت الرواية في المذهب عن حكم المني: فالمشهور من المذهب (٢)، وعليه جماهير الأصحاب، وبه قال الشافعي (٣)، وشيخ الإسلام (٤)، وابن القيم (٥)، وشيخنا (٦) ﵏، وبه أفتت اللجنة الدائمة (٧): القول بطهارته وهو الراجح. دليل ذلك حديث عائشة ﵂ حيث قالت: «كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُوْلِ الله ﷺ فَيُصَلِّيْ فِيْهِ» (٨) فلو كان نجسًا لم يجزئ فركه كسائر النجاسات، ولأن الأصل في الأشياء الطهارة ولا دليل يدل على نجاسته. والرواية الأخرى في المذهب (٩) القول بنجاسته، وبه قال الحنفية (١٠)، والمالكية (١١). والصحيح القول الأول كما ذكرنا. (١) قوله «وَبوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ»: وما يؤكل لحمه؛ كالإبل، والبقر، =

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = والغنم، ونحو ذلك، بولها بل وروثها طاهر في ظاهر المذهب (١)، بل لم يذهب أحد من الصحابة إلى القول بنجاسته. قال شيخ الإسلام (٢): «القول بنجاسته قول محدث لا سلف له من الصحابة»، وإلى هذا القول ذهب مالك (٣) وشيخنا (٤) ﵀ وهو الصحيح، دليل ذلك: - حديث أنس ابن مالك ﵁ أنه قال: «قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ وَأَنْ يَشْرَبُوْا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا» (٥). فالشاهد منه أمره بأن يشربوا من أبوال الإبل فقد ساقه مع اللبن وسياقه معه دليل على طهارته. - إذنه ﷺ بالصلاة في مرابض الغنم وهي لا تخلو من البول والروث. - استصحاب البراءة الأصلية، إذ لا دليل على نجاسة بول وروث ما يؤكل لحمه، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أكثر من خمسة وعشرين دليلاً يدل على طهارتها (٦). وبنجاستها قال الحنفية (٧) والشافعية (٨). قلت: والصحيح القول بالطهارة لما ذكرناه من الأدلة.

стр. 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - تنبيهات: أولاً: الرطوبة التي في فرج المرأة اختلفت الرواية فيها في المذهب (١)، لكن الأقوى من هذه الروايات القول بطهارتها، وهذا اختيار شيخنا (٢) ﵀، وهو الصحيح. لكن لشيخنا تفصيل في هذه الرطوبة فقد ذكر أن الفرج له مجريان: الأول: مجرى مسلك الذكر وهو الذي يتصل بالرحم ولا علاقة له بمجرى البول ولا بالمثانة، فإن كانت الرطوبة خارجة منه فهي طاهرة لأنها ليست من فضلات الطعام ولا الشراب ولأن الأصل عدم النجاسة حتى يأتي دليل. الثاني: مجرى البول وهو الذي يتصل بالمثانة ويخرج من أعلى الفرج فإن كانت الرطوبة خارجة منه فهي نجاسة وحكمها حكم سلس البول. ثانيًا: لكن هل ينتقض الوضوء بهذه الرطوبة؟ الجواب: هذا مبني على ما ذكره شيخنا؛ فإن كانت الرطوبة من مجرى البول فإنه ينتقض وضوؤها، أما إن كانت خارجة من مجرى الذكر فالجمهور على أنه ينقض الوضوء، وقيل لا ينقض. والأحوط عندي أنها تتوضأ لأن نقض الوضوء أسهل من القول بنجاستها وبه قال شيخنا (٣) ﵀. ثالثًا: إن كانت الرطوبة مستمرة فما العمل ؟ نقول: بأن حكمها حكم سلس البول أي أنها تتطهر للصلاة المفروضة بعد دخول وقتها وتتحفظ ما استطاعت وتصلي ولا يضرها ما خرج. لكن إن كانت هذه الرطوبة تنقطع=

стр. 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = في وقت معين قبل خروج وقت الصلاة فالواجب على المرأة أن تنتظر حتى يأتي وقت الانقطاع ثم تتوضأ فتصلي. رابعًا: لم يشر المؤلف ﵀ إلى ما يشق صون الماء عنه مثل غدير نبت فيه عشب أو طحلب أو ساقط فيه ورق شجر فيتغير بها فهذا الماء طهور لا يكره استعماله. خامسًا: لم يشر المؤلف أيضًا إلى غمس يد القائم من النوم في الماء، والصواب في هذه المسألة بقاء طهورية الماء، فيجوز أن يتطهر به المسلم لكن يأثم الغامس يده في الإناء لمخالفته النهي الوارد في ذلك وهو قوله ﷺ : «وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِيْ وَضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (١).

стр. 43

بَابُ الآنِيَةِ . لا يَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (١)، ــ الشرح: - تنبيهان: أولاً: يذكر الفقهاء باب الآنية عقب باب الطهارة لأن الماء جوهر سيال لا يمكن حفظه إلا بإناء ولذلك يتبعون باب أحكام الآنية بباب المياه. ثانيًا: الأصل في الآنية الحل لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) والآنية من الأرض، ولقوله ﷺ «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوْهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوْهَا، وَحَدَّ حُدُوْدًا فَلا تَعْتَدُوْهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوْا عَنْهَا» (٢). (١) قوله «لا يَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» لورود النهي بتحريم ذلك كما ذكر المؤلف من حديث حذيفة ﵁، وأيضاً لما جاء في حديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «الَّذِيْ يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (٣). والاستعمال هو أن ينتفع بها فيما استعملت له، والنهي هنا يقتضي التحريم، لكن هل هذا التحريم خاص باستعمالها في الأكل والشرب فقط، أم التحريم في الاستعمال مطلقًا؟ =

стр. 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = المذهب (١) على التحريم مطلقًا؛ عللوا لذلك بأن النبي ﷺ ذكر الأكل والشرب فيهما، لأن هذا هو الغالب في الأفعال، وفي استعمالها في غير الأكل والشرب فيه مظنة السرف باستعمال النقدين في غير ما خلقا له والله لا يحب المسرفين، ولمظنة الخيلاء والكبر والفخر وكسر قلوب الفقراء. وقيل (٢): إن الاستعمال في غير الأكل والشرب يجوز، وبه قال شيخنا (٣) ﵀، وهذا اختيار الشوكاني في نيل الأوطار (٤)، والصنعاني في سبل السلام (٥). دليلهم على ذلك: ١ - أن النبي ﷺ نهى عن شيء مخصوص وهو الأكل والشرب، ولو كان المحرم غيرهما لبينه النبي ﷺ ، بل إن تخصيصه في الأكل والشرب منهما دليل على أن ما عداهما جائز. ٢ - وبما جاء في صحيح البخاري من «أن أم سلمة كان لها جلجل من فضة جعلت فيه شعرات للنبي ﷺ كان الناس يستشفون بها» (٦) وهذا استعمال في غير الأكل والشرب. والأحوط عندي عدم الاستعمال مطلقًا للذهب والفضة، ولو قيل بأن الذهب لا يتسامح فيه مطلقاً لورود التحريم فيه ولكون التحريم فيه أشد، =

стр. 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = أما الفضة فيتسامح فيها لكان متجهًا، ولذا جاء في مسند أحمد « .. وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ الْعَبُوْا بِهَا لَعِبًا» (١). وكذلك لما جاء في البخاري من أن النبي ﷺ كان قد اتخذ خاتمًا من ذهب ثم رمى به وقال: «لا أَلْبَسُهُ أَبَدًا» ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ (٢). وقد نقل أيضًا ابن حجر في فتح البارى (٣) عن جماعة من العلماء استعمال الإناء الصغير من الفضة في غير الأكل والشرب، فلعل هذا هو الصواب والله أعلم. - تنبيهان: أولاً: في اتخاذ آنية الذهب والفضة بغرض الاقتناء فقط إما للزينة أو للبيع والشراء دون الاستعمال هل يجوز اتخاذها على هذه الصفة؟ قولان في المذهب (٤): المشهور في المذهب حرمة الاتخاذ، وبه قال شيخ الإسلام (٥) وسماحة الشيخ بن باز (٦) ﵀. وقول آخر في المذهب القول بعدم التحريم، وبه قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين (٧) ﵀ وهو الراجح عندي.

стр. 46

فِيْ طَهَارَةٍ وَلا غَيْرِهَا (١)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ «لا تَشْرَبُوْا فِيْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تَأْكُلُوْا فِيْ صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ» (*) ــ ثانيا: هل الاستعمال هو الاتخاذ أم هناك فرق بينهما؟ الجواب: هناك فرق بينهما، فالاتخاذ هو أن يقتنيه فقط إما للزينة أو للبيع والشراء فيه ونحوه. أما الاستعمال فهو التلبس بالانتفاع به أي يستعمله فيما صنع له. (١) قوله «فِيْ طَهَارَةٍ وَلا غَيْرِهَا» أي يحرم استعمال آنية الذهب والفضة بغرض الوضوء أو الاغتسال منها وفيها وبها كل ذلك لا يجوز. لكن إن استعملها في الطهارة هل تصح طهارته؟ وجهان في المذهب (١): الأول: أنها لا تصح الطهارة منها لأنه أتى بالعبادة على الوجه المحرم فأشبه الصلاة في الأرض المغصوبة، واختار هذه الرواية شيخ الإسلام (٢) ﵀. الثاني: وهو الصحيح عندي أن الطهارة تصح ويأثم باستعماله، وذلك لأن الإناء ليس شرطًا في الوضوء، ولأن التحريم لا يرجع إلى نفس العبادة ولا إلى شرط من شروط وجوبها، وهذا هو المذهب قطع به الخرقي (٣) وبه قال شيخنا (٤) ﵀.

стр. 47

وَحُكْمُ الْمُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا (١)، إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ الْضَبَّةُ يَسِيْرَةً مِنَ الْفِضَّةٍ (٢) ــ (١) قوله «وَحُكْمُ الْمُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا» أي أن حكم الآنية المضببة بالذهب أو الفضة تأخذ حكم آنية الذهب والفضة في التحريم، وصورة هذا الإناء المضبب تكون بانكسار هذا الإناء فيلصق ويجبر بذهب أو فضة، والعلة في تحريم المضبب بهما (يعني الذهب أو الفضة) أنه إذا استعمل هذا الإناء فقد استعملهما. (٢) قوله «إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ الْضَبَّةُ يَسِيْرَةً مِنَ الْفِضَّةٍ» بشرط أن تكون هناك حاجة، فهذه أربعة شروط لجواز استعمال الفضة في الإناء: ١ - أن تكون ضبة. ٢ - أن تكون هذه الضبة يسيرة. ٣ - أن تكون الضبة من فضة. ٤ - أن تكون لحاجة. دليل ذلك حديث أنس ﵁ قال: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» (١). - تنبيهات: أولاً: معنى الحاجة هنا أن يتعلق بها غرض غير الزينة وإن كان غيره يقوم مقامه. ثانيًا: الحاجة أدنى من الضرورة ، فالحاجة كما قال في الإنصاف (٢) ما يتعلق بها غرض غير الزينة أي لا يتخذها زينة. أما كونه لا يجد ما يجبر به المكسور غيرها فهنا تسمى ضرورة وليس بحاجة بل يجوز له أن يجبرها بالذهب إن =

стр. 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = كانت هناك ضرورة ففرق بين الضرورة والحاجة. ثالثًا: إن كان هناك يسير لغير حاجة كحلقة الإناء مثلاً فالمنصوص عليه من المذهب أنها لا تباح على الصحيح، وقيل بإباحتها مطلقًا، وقيل تباح بشرط عدم المباشرة لها بالاستعمال (١)، والأحوط عندي العمل بالمذهب. رابعًا: حكم مباشرة الضبة لغير حاجة. الذي ذهب إليه المؤلف ﵀ القول بكراهية مباشرة موضع الضبة بالاستعمال لكيلا يكون مستعملاً لها. قالوا: لو أن إنسانًا عنده إناء به ضبة وأراد أن يشرب من هذا الإناء فإنه لا يباشر هذه الضبة حال شربه بشفتيه وهذا هو المذهب (٢)، إلا إذا كانت هناك حاجة لاستعمالها فلا يكره. والصحيح عدم الكراهة مطلقًا، وبه قال شيخنا (٣) ﵀؛ لأن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل، ولا دليل على كراهية مباشرة الضبة حال الاستعمال ما دمنا قد قلنا بإباحتها، ولأن النبي ﷺ حال استعماله لقدحه المضبب بالفضة لم يثبت عنه أنه كان يتوقى هذه الجهة المضببة. خامسًا: الأواني والصنابير المنزلية المطلية بماء الذهب هل يجوز اتخاذها واستعمالها؟ الجواب: أما الاتخاذ فقد بيَّنا أن الصواب جواز اتخاذ آنية الذهب والفضة دون الاستعمال في الأكل والشرب ومن باب أولى جواز اتخاذ المموه والمطلى بهما دون استعمالها.

стр. 49

وَيَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ سَائِرِ الآنِيَةِ الطَّاهِرَةِ وَاتِّخَاذُهَا (١)، وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ (٢)، ــ = سادسًا: هل اليسير كالكثير في الذهب والفضة؟ يعني لو أن إنسانًا استعمل شيئًا يسيرًا من الذهب والفضة هل يجوز له ذلك؟ نقول: رخص بعض أهل العلم في اليسير التابع من الذهب والفضة كالذي يكون في النظارة مثلاً، أو ما يكون في الأقلام ونحو ذلك فقد رخص فيه بعض العلماء، ، لكن لا بد أن يكون يسيرًا تابعًا. وقال بعض الفقهاء بالتفريق بين الذهب والفضة، فقالوا بأن اليسير من الذهب لا يجوز، أما الفضة فيجوز استعمال اليسير التابع منها وهو قول شيخنا (١) ﵀. وقال بعض أهل العلم: لا يجوز استعمالها مطلقًا (٢). (١) قوله «وَيَجُوْزُ اسْتِعْمَالُ سَائِرِ الآنِيَةِ الطَّاهِرَةِ وَاتِّخَاذُهَا» لأن النص إنما ورد في الذهب والفضة، فكل إناء سوى آنية الذهب والفضة يجوز استعماله، سواء كان ثمينًا أو غير ثمين، بخلاف من قال بحرمة أو بكراهة استعمال الثمين؛ لما فيه من الخيلاء والإسراف والفخر. دليل ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ «تَوَضَّأَ فِيْ تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ» (٣)، والصفر هو النحاس الجيد تصنع منه الأواني. (٢) قوله «وَاسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ» أي يجوز استعمال أواني أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وكذا ثيابهم بشرط عدم نجاستها.

стр. 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = وقد اختلفت الروايات في المذهب (١) في حكم استعمال أواني أهل الكتاب: الرواية الأولى: إباحة استعمالها مطلقًا وهو المذهب وبه قال جمهور أهل العلم، دليل ذلك حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كُنَّا نَغْزُوْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُصِيْبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِيْنَ وَأَسْقِيَتِهِمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلا يَعِيْبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ» (٢). ومن الأدلة أيضًا ما جاء في الصحيحين من حديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ توضأ من مزادة امرأة مشركة» (٣). وروى أحمد في مسنده عن أنس ﵁ «أَنَّ يَهُوْدِيًّا دَعَا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى خُبْزِ شَعِيْرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ فَأَجَابَهُ» (٤). فكل هذه الأدلة تدل على إباحة استعمالها ما لم يعلم أنهم يستخدمونها في النجاسات كطبخ لحم الخنزير فيها ونحوه. الرواية الثانية في المذهب: كراهية استعمالها؛ لحديث أبي ثعلبة الخشني قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، قَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلا تَأْكُلُوْا فِيهَا فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوْهَا وَكُلُوْا فِيْهَا» (٥).

стр. 51

وَثِيَابِهِمْ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا (١)، وَصُوْفُ الْمَيْتَةِ وَشَعَرُهَا طَاهِرٌ (٢)، ــ =الرواية الثالثة في المذهب: أن النصارى الذين يكثرون استعمال النجاسات من الخمر والخنزير لا تباح أوانيهم وتباح آنية من سواهم. والصحيح عندي هو المذهب أي لا يكره استعمال أواني أهل الكتاب إلا إذا علم أنهم يستحلون الميتات ويستعملونها في النجاسات كما جاء في رواية أبي داود من حديث أبي ثعلبة الخشني السابق وفيه قال: إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخَمْرَ؟ قال: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوْا فِيْهَا وَاشْرَبُوْا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوْا غَيْرَهَا فَارْحَضُوْهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوْا وَاشْرَبُوْا» (١)، أما إذا لم يستعملوها فهي طاهرة وإن شك فيها لأن الأصل الطهارة. (١) قوله «وَثِيَابِهِمْ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا» أي يباح استعمال ثياب أهل الكتاب ما لم تعلم نجاستها، وهذا قول واحد في المذهب (٢)، أما إذا استعملوا هذه الثياب ففي كراهيتها روايتان، والصحيح جواز استعمالها إلا إذا علمنا نجاستها. (٢) وقوله «وَصُوْفُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا طَاهِرٌ» هذا هو المذهب (٣)، وبه قال الحنفية (٤) والمالكية (٥).

стр. 52

وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ ــ = لكن اشترط الفقهاء لطهارته شرطا وهو أن يجز الصوف ونحوه جزا لا أن يقلع قلعًا لأنه إذا قلع فإن أصوله تحتقن شيئًا من الميتة وهذا ظاهر في الريش أو تكون أصوله مباشرة للنجاسة وهذا يظهر في الشعر ولذا اشترط أهل العلم ذلك، لكن إن قلعه وفيه شيء من الميتة أو يظهر في أسفله شيء مترطب من النجاسة هل يطهر بالغسل؟ على وجهين: أصحهما عندي طهارته بالغسل. - تنبيه: هل هذا الحكم خاص بميتة دون ميتة أم هو عام لجميع الميتات؟ الجواب: نقول هذا خاص بالميتة الطاهرة حال الحياة أي التى تؤكل. (٣) و قوله «وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ» هذه هي أشهر الروايات في المذهب (١)، وهي إحدى الروايتين عن مالك (٢)، دليل هذه الرواية حديث عبد الله بن عُكيم قال: «كَتَبَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لا تَنْتَفِعُوْا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلا عَصَبٍ» (٣). الرواية الثانية في المذهب (٤) طهارة جلد الميتة بالدبغ، وهو قول مالك في الرواية الثانية عنه (٥)، والشافعي (٦)، وأبي حنيفة (٧)، وهو اختيار شيخ =

стр. 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =الإسلام (١)، وشيخنا ﵀ (٢). وهذه الرواية قيل بأن الإمام أحمد ﵀ رجع إليها وذلك للاضطراب الحاصل في حديث عبد الله بن عكيم. دليل هذه الرواية حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» (٣)، ولحديث ابن عباس ﵁ قال: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوْهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ فَقَالُوْا إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا» (٤). لكن كيف يجاب عن حديث عبد الله بن عكيم السابق؟ نقول بأنه يجاب عنه بعدة إجابات: أولاً: أن الحديث ضعفه جمع من أهل العلم، فلا يقابل ما ذكرناه من أدلة جواز الانتفاع بجلود الميتة، فإنها صحيحة بلا شك. ثانيًا: أنه على افتراض صحته، فإن الإهاب كما ذكره أهل العلم هو اسم للجلد قبل الدبغ، أما بعد الدبغ فلا يسمى إهابًا إنما يسمى شنًا أو قربة. - تنبيهان: أولاً: جلد الميتة الذي يطهر بالدباغ يشترط في الميتة أن تكون مما تحله الذكاة كالإبل والبقر والغنم والضبع ونحو ذلك، أما ما كان طاهرًا حال الحياة كالهرة والفأرة مثلا ففيه قولان:

стр. 54

وَكَذلِكَ عِظَامُهَا (١). ــ = الأول: أن جلده يطهر بالدباغ وهذا قول في المذهب (١)، وقول لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀. الثاني: وهو الصحيح أنه لا يطهر بالدباغ، وهو قول ابن سعدي (٣) واختيارشيخنا (٤) ﵀؛ لقوله ﷺ «دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا» (٥)، فعبر النبي ﷺ بالذكاة، ومعلوم أن الذكاة لا تكون إلا لما يباح أكله. ثانيًا: هل يلزم غسل الجلد بعد الدبغ ؟ على وجهين: اختار صاحب الإنصاف اشتراط غسل المدبوغ وقال على الصحيح (٦)، والراجح أنه لا يشترط. (١) و قوله «وَكَذلِكَ عِظَامُهَا» عظم الميتة كذلك نجس وذلك لكونه من أجزائها، وقد قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٧)، هذا هو المشهور من المذهب (٨)، وهو مذهب مالك (٩)، والشافعي (١٠). وفي رواية في المذهب (١١) طهارة عظم الميتة، وقال به أبو حنيفة (١٢)، =

стр. 55

وَكُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلاَّ الآدَمِيَّ (١)، ــ = وهو اختيار شيخ الإسلام (١) ﵀ حيث قال في الاختيارات: وقرن الميتة وعظمها وظفرها وما هو من جنسه كالحافر ونحوه طاهر قاله غير واحد من العلماء وهو الصحيح. (١) قوله «وَكُلُّ مَيْتَةٍ نَجِسَةٌ إِلاَّ الآدَمِيَّ» وهو ظاهر المذهب (٢)، وظاهر مذهب الشافعي (٣)، وأصح القولين في مذهب مالك (٤)، وهو اختيار شيخ الإسلام (٥) ﵀. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٦)، ومن جملة تكريمه جعله طاهرًا حيًّا وميتًا، ولقوله ﷺ «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ» (٧)، وقال البخاري في صحيحه: قال ابن عباس: «الْمُسْلِمُ لا يَنْجُسُ حَيًّا وَلا مَيِّتًا» (٨). وهذا هو الصحيح وهو اختيار شيخنا (٩) ﵀. وفي رواية لأحمد (١٠): ينجس؛ لعموم الآية وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا =

стр. 56

وَحَيَوَانَ الْمَاءِ (١)، ــ = عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (١) يعني نجس. والرواية الأولى هي الأصح لما ذكرناه من الأدلة. وقال بعض أهل العلم أن الكافر ينجس بالموت دون المسلم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢)، ولعموم حديث أبي هريرة المتقدم «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ»، فمفهوم المخالفة له أن غير المسلم ينجس. والصحيح أنه سواء كان مؤمنًا أو كافرًا لا ينجس بالموت. أما الآية فالمراد بالنجاسة فيها هي النجاسة المعنوية، بدليل أن الله أباح لنا التزوج بالكتابيات، وأن نأكل طعام أهل الكتاب، ولا شك أن أيديهم وأبدانهم لا بد من ملامستها، وبخاصة إذا كانت زوجة، ولم يرد ما يدل على الأمر بالتطهر منهن، وهذا هو الصحيح وهو اختيار شيخنا (٣) ﵀. (١) قوله «وَحَيَوَانَ الْمَاءِ» أي طاهر لكن هل يتناول هذا الحكم جميع ما يكون في الماء من السمك وغيره؟ المشهور من مذهب أحمد (٤): إباحة حيوان البحر مطلقًا عدا الثلاثة وهي الضفدع والحية والتمساح، فالضفدع والحية لخبثهما، أما التمساح فذو ناب مفترس. ومذهب أبي حنيفة (٥) لا يحل من حيوان البحر إلا السمك. ومذهب مالك (٦) =

стр. 57

الَّذِيْ لا يَعِيْشُ إِلاَّ فِيْهِ (١)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِي الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُوْرُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (*) ــ = والشافعي (١) إباحة جميع حيوان البحر بلا استثناء؛ لعموم الآية، وهي قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (٢). وهذا هو الراجح وهو اختيار شيخنا (٣) ﵀. (١) قوله «الَّذِيْ لا يَعِيْشُ إِلاَّ فِيْهِ» أي الذي لا يعيش إلا في البحر، لكن هل يباح غير ميتة السمك ؟ فيه ثلاث روايات في المذهب (٤): الأولى: إباحة الجميع بلا ذكاة؛ لعموم الأدلة السابقة. الثانية: أنه لا يباح غير ميتة السمك؛ لأنه هو المقصود بالميتة في قوله ﷺ «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ ... » (٥) وذكر منها السمك. الثالثة: أن ما كان مأواه البحر ويعيش في البر، ككلب البحر والسلحفاة ونحو ذلك مثلاً، فهذا لا يباح المقدور عليه إلا بالتذكية، وهذا هو المذهب وعليه الأكثرية. والصحيح القول الأول.

стр. 58

وَمَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً (١) إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِنَ النَّجَاسَاتِ (٢). ــ (١) قوله «وَمَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً» أي لا دم له يسيل منه إذا خرج منه بجرح أو قتل. (٢) قوله «إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِنَ النَّجَاسَاتِ». فاشترط المؤلف في ميتة ما لا نفس له سائلة شرطين: الأول: أن لا يكون له نفس سائلة. الثاني: أن لا يكون متولدا من النجاسات كصراصير الكنيف والبالوعات مثلاً، فهذه نجسة حياةً وموتًا لأن الأصل فيها النجاسة. أما إذا كان متولدًا من طاهر كالخنفساء، والعقرب، والبق، والبراغيث، والذباب، والقمل، والديدان، فكل هذه طاهرة حياةً وموتًا، فإذا سقطت في مائع فماتت فيه فإنها لا تنجسه. دليل ذلك قوله ﷺ : «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الآخَرِ دَاءً» (١). فلو كان الذباب ينجس بموته لما أمر النبي ﷺ بغمسه في الشراب لأن الظاهر أنه يموت بذلك، وبذلك يتنجس الطعام، فلما كان لا ينجس بالموت أمر النبي ﷺ بغمسه فيه.

стр. 59

بَابُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (١). يُسْتَحَبُّ (٢) لِمَنْ أَرَادَ دُخُوْلَ الْخَلاءِ (٣) أَنْ يَقُوْلَ: بِسْمِ اللهِ (٤)، ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ» ومن العلماء من يسميه: باب دخول الخلاء، أو باب الاستطابة، أو باب الاستنجاء والاستجمار. (٢) قوله «يُسْتَحَبُّ» المستحب هو الأمر المرغب فيه الذي يمدح فاعله ولا يذم تاركه، لكن هل هو مرادف للمسنون بمعنى أنني أقول للمستحب أنه مسنون أم هناك فرق بينهما؟ نقول بأن الأكثرية على أن المستحب يقال عنه المسنون لا فرق بينهما، ولذا نجد بعض الفقهاء يعبّر بـ «يسن»، وبعضهم يعبّر بـ «يستحب» وقال بعض العلماء ومنهم شيخنا محمد الصالح العثيمين ﵀ بأن المستحب ما ثبت بدليل التعليل والنظر والاجتهاد، أما المسنون فما ثبت بدليل من السنة فلا يعبر عن الشيء الذي لم يثبت بالسنة يسن، ولكن يقال: يستحب (١). (٣) قوله «لِمَنْ أَرَادَ دُخُوْلَ الْخَلاءِ» وبعض الفقهاء يقول: «يستحب عند دخول الخلاء» والعندية في قولهم قبلية: أي قبل دخول الخلاء، فإن كان الإنسان في البر مثلاً، فهنا يشرع له الذكر عند جلوسه لقضاء حاجته، وذلك عند خلعه ملابسه أو رفعها. (٤) قوله «أَنْ يَقُوْلَ: بِسْمِ اللهِ» دليل ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجه عن علي ابن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «سَتْرُ مَابَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ =

стр. 60

أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (١)، وَمِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ (٢). وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غُفْرَانَكَ (٣)، ــ = بَنِيْ آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ الْخَلاءَ أَنْ يَقُوْلَ: بِسْمِ اللَّهِ» (١). (١) قوله «أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» دليل ذلك ما جاء في المتفق عليه من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالَخَبَائِثِ» (٢). والمعنى أي أعتصم وألتجئ إلى الله تعالى من الخبث والخبائث، والخبُث بالضم: جمع خبيث، والمراد به ذكران الشياطين، والخبائث جمع خبيثة وهي إناث الشياطين. والخبْث بالتسكين هو الشر، والخبائث النفوس الشريرة، لكن أي الروايات تقال، نقول: بأن أكثر الروايات هي رواية التسكين، ولأنها أعم من رواية الضم (الخُبث)، فهي تشمل كل نفس شريرة: من جن وشيطان وغيره، بخلاف رواية الضم، فهي مقصورة على ذكران الشياطين وإناثهم. (٢) قوله «وَمِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ» الدليل الذي ورد في ذلك ضعيف، لكن إن قاله من باب الدعاء فقط وليس على أنه سنة يتعبد بها جاز له ذلك. (٣) قوله «وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غُفْرَانَكَ» لما جاء عن عائشة ﵂ =

стр. 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = حيث قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ» (١). أما الحكمة من قوله ﷺ «غُفْرَانَكَ» إذا خرج من الخلاء فقد قال شيخ الإسلام ﵀ في ذلك: لأن الخلاء مظنة الغفلة والوسواس، فاستحب الاستغفار عقيبه (٢). وقيل: بأن مناسبة قوله «غُفْرَانَكَ» هنا أن الإنسان لما تخفف من أذية الجسم تذكر أذية الإثم، فدعا الله أن يخفف عنه أذية الإثم كما منَّ عليه بتخفيف أذية الجسم، وهذا هو اختيار ابن القيم (٣) ﵀، واختاره أيضًا شيخنا (٤) ﵀. أما قول بعض العلماء مناسبة ذلك؛ لأنه انحبس عن ذكر الله في هذا الوقت، فيسأل الله المغفرة له لعدم ذكره إياه حال قضاء حاجته، فهذا فيه نظر؛ لأنه انحبس عن ذكر الله بأمر الله، وإذا كان كذلك فلم يعرض نفسه للعقوبة؛ ولهذا الحائض لا تصلي ولا تصوم، ولا يسن لها أن تستغفر الله؛ لأنها تركت الصلاة والصوم أيام الحيض ولم يقله أحد ولم يأت فيه سنة، هذا ما أفاده شيخنا (٥) ﵀. وقيل: لأنه قد يحدث فيه ما لا ينبغي أثناء قضاء الحاجة. والصحيح أن قول=

стр. 62

الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَذْهَبَ عَنِّيْ الأَذَى وَعَافَانِيْ (١). وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ اليُسْرَى فِيْ الدُّخُوْلِ وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوْجِ (٢)، وَلا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيْهِ اسْمُ اللهِ تَعَالَى إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ (٣)، ــ = «غُفْرَانَكَ» مشروع بغض النظر عن السبب. (١) قوله «الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَذْهَبَ عَنِّيْ الأَذَى وَعَافَانِيْ» الحديث الوارد في بيان هذا الذكر ضعيف (١)، لكن كما ذكرنا سابقًا إن قاله من باب الدعاء لا من جهة السنية والتعبد به فلا بأس، أما جعل ذلك سنة تقال عند الخروج فلا يشرع لضعف الدليل الوارد فيها. (٢) قوله «وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ اليُسْرَى فِيْ الدُّخُوْلِ وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوْجِ» وذلك لأن الرجل اليمنى أحق بأن تقدم في الأماكن الطيبة وأحق بالتأخير عن الأذى ومحله، ولذا جاء عن النبي ﷺ الأمر بالانتعال باليمنى قبل اليسرى، وعند الخلع يبدأ باليسرى قبل اليمنى وذلك تكريمًا لليمنى، لكن هل يقال عند الأكل: لي البداءة باليمنى ثم يجوز لي أن آكل باليسرى؟ نقول: لا، هذا خطأ لأن ما يشترك فيه العضوان كدخول الخلاء مثلاً فتقدم فيه اليمنى أولاً ثم تتبعها اليسرى، أما ما يختص به أحدهما كالأكل والشرب فلا ينبغي أن تبدأ باليمنى ثم اليسرى بل تقتصر فيه على اليمنى. (٣) قوله «وَلا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيْهِ اسْمُ اللهِ تَعَالَى إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ» دليل ذلك حديث أنس ﵁ قال: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ لَبِسَ خَاتَمًا، نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ، =

стр. 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = فَكَانَ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ وَضَعَهُ» (١). هذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم وبعضهم صححه، لكن على اعتبار ضعف الحديث نقول: بأنه إذا دخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله، كره له ذلك؛ لأن ذكر الله تعالى يصان باللسان حال دخوله الخلاء، فمن باب أولى ما كتب عليه، بدليل أن المحدث يمنع من مس المصحف دون تلاوته، لكن يستثنى من ذلك إذا كانت هناك حاجة، كأن يخاف على هذا الشيء من سرقة ونحوها، فهنا يجوز له أن يدخل به نظرا للحاجة. - تنبيهان: أولاً: هل الشريط يأخذ هذا الحكم ؟ الصحيح أنه لا يأخذ هذا الحكم بل يجوز له الدخول به. ثانيًا: هل القول بالكراهة أيضًا يشمل المصحف؟ استثنى بعض العلماء المصحف، فقال: بأنه يحرم دخول الخلاء به، سواء كان ظاهرًا أو خفيًّا، وذلك لأن المصحف أشرف الكلام ودخول الخلاء به، فيه نوع من الإهانة له. لكن نقول: بأن الإنسان إذا أراد دخول الخلاء، ينبغي إذا كان معه مصحف أن لا يدخل به، فيضعه في مجتمع الناس، أو يعطيه أحدًا يمسكه حتى يخرج، لكن إن خاف أن يسرقه، فلا بأس أن يدخل به.

стр. 64

وَيَعْتَمِدُ فِيْ جُلُوْسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى (١). وَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ، أَبْعَدَ وَاسْتَتَرَ (٢)، ــ (١) قوله «وَيَعْتَمِدُ فِيْ جُلُوْسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى» الحديث الذي ورد في ذلك وهو حديث سراقة بن مالك قال: «عَلَّمَنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ إِذا أَتَيْنَا الْخَلاءَ أَنْ نَتَوَكَّأَ عَلَى الْيُسْرَى وَأَنْ نَنْصِبَ الْيُمْنَى» (١) هذا الحديث ضعيف لا يحتج به. لكن قيل: بأن الاعتماد على اليسرى أسهل لخروج الخارج، فإذا ثبت هذا طبّيًّا فيكون الاعتماد على اليسرى من باب مراعاة الصحة، لكن كون الاعتماد عليها سنة هذا فيه نظر؛ لأن الحديث الوارد فيها ضعيف. (١) قوله «وَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ، أَبْعَدَ وَاسْتَتَرَ» دليل ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ، يَا مُغِيرَةُ خُذْ الإِدَاوَةَ فَأَخَذْتُهَا فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّيْ فَقَضَى حَاجَتَهُ وَعَلَيْهِ» (٢)، وبما رواه أبو داود عن جابر ﵁ أنه قال: «كَانَ ﷺ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لا يَرَاهُ أَحَدٌ» (٣). لكن إن كان في الفضاء وهناك شيء يمكنه الاستتار منه دون الحاجة إلى الإبعاد جاز له ذلك، كأن يكون هناك حائط أو كثيب رمل أو نخل ونحوه.

стр. 65

وَارْتَادَ مَوْضِعًا رَخْوًا (١)، وَلا يَبُوْلُ فِيْ ثُقْبٍ وَلا شَقٍّ (٢)، وَلا طَرِيْقٍ وَلا ظِلٍّ نَافِعٍ، وَلا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ (٣)، ــ (٢) قوله «وَارْتَادَ مَوْضِعًا رَخْوًا» الارتياد أي الطلب، أي أن يطلب موضعًا رخوًا، وهو المكان اللين الذي لا يخشى منه رشاش البول، فإن كان في مكان لا يوجد فيه شيء رخو، فهنا يدنى ذكره من الأرض حتى لا يحصل الرشاش. (٣) قوله «وَلا يَبُوْلُ فِيْ ثُقْبٍ وَلا شَقٍّ» ونحو ذلك مثل البلوعة التي هي مجمع الماء الوسخ، دليل ذلك حديث عبد الله بن سرجس «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ، قَالُوْا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ» (١). وهذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، وبعضهم صححه، لكن على الإنسان حال بوله أن يتقي هذه الأماكن، فإنه يخشى عليه أن يخرج شيء يؤذيه. (١) قوله «وَلا طَرِيْقٍ وَلا ظِلٍّ نافِعٍ، وَلا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ» أي لا يقضي حاجته عند هذه الأشياء، والنهي هنا للتحريم، أما الشق والثقب فالنهي فيها للكراهة؛ دليل ذلك قوله ﷺ : «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قَالُوْا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيْقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» (٢). وقول المؤلف «وَلا ظِلٍّ نافِعٍ» يؤخذ منه أن النهي إنما خصص في الظل الذي ينتفع به الناس، فلو قضى حاجته في مكان لا يجلس فيه الناس فلا يقال =

стр. 66

وَلا يَسْتَقْبِلُ شَمْسًا وَلا قَمَرًا (١)، ــ = بالتحريم، وهذا مفهوم قوله ﷺ : «أو ظلهم» يعني الظل الذي هو محل جلوسهم. وقول المؤلف «وَلا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ» أي ثمرة مقصودة أو محترمة، فقولنا مقصودة أي يقصدها الناس ولو كان ثمرها غير مطعوم، فما دام الناس يقصدون هذه الشجرة فلا يجوز البول أو التغوط عندها، وقولنا: أو ثمرة محترمة كثمرة النخل أو البرتقال ونحو ذلك مما يؤكل ثمره، فهذه لا يجوز التغوط عندها ولو كانت غير مقصودة لأن الثمر طعام محترم. (١) قوله «وَلا يَسْتَقْبِلُ شَمْسًا وَلا قَمَرًا» الصحيح من المذهب كراهية ذلك (١)، لكن ليس هناك دليل على كراهية ذلك وإنما عللوا ذلك لما فيه من نور الله أو لأن معهما ملائكة. والصحيح عندي عدم الكراهة لعدم الدليل بل ولثبوت الدليل الدال على جواز ذلك وهو قوله ﷺ «وَلَكِنْ شَرِّقُوْا أَوْ غَرِّبُوْا» (٢). ومعلوم أن من شرق أوغرب والشمس طالعة فإنه يستقبلها، وهذا ما ذهب إليه أكثر الحنابلة (٣)، وابن سعدي (٤)، وشيخنا (٥) ﵀.

стр. 67

وَلا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرُهَا (١)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ «لا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ وَلا تَسْتَدْبِرُوْهَا» (*). وَيَجُوْزُ ذلِكَ فِي الْبُنْيَانِ (٢) ــ (١) قوله «وَلا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرُهَا» دليل ذلك ما ذكره المؤلف من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁، واتفق الأئمة الأربعة (١) على ذلك إذا كان في غير البنيان. (٢) قوله «وَيَجُوْزُ ذلِكَ فِي الْبُنْيَانِ» وهو قول جمهور أهل العلم (٢)، وبه قال سماحة الشيخ ابن باز (٣) ﵀، دليل ذلك حديث ابن عمر ﵄ حيث قال: «رَقِيْتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِيْ حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ رَسُوْلَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ» (٤). وذهب شيخ الإسلام (٥) وابن القيم (٦) وهو قول أبي حنيفة (٧) ورواية عن أحمد (٨) إلى القول بالتحريم في البنيان، وحجتهم في ذلك حديث أبي أيوب الأنصاري المتقدم، أما حديث ابن عمر ﵄ فأجابوا عنه =

стр. 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = بعدة إجابات منها: ١ - أنه محمول على ما قبل النهي. ٢ - أن حديث أبي أيوب قول وحديث ابن عمر فعل والقول مقدم على الفعل، والفعل لا يعارض القول لأن فعله ﷺ يحتمل الخصوصية أو نسيانًا أو عذرًا آخر. وهناك قول ثالث في هذه المسألة وهو إحدى الروايات في المذهب (١)، وهو قول شيخنا محمد بن صالح العثيمين (٢) ﵀: وهو القول بجواز استدبار القبلة دون استقبالها في البنيان، وذلك لأن النهي عن الاستقبال محفوظ ليس فيه التفصيل، والنهي عن الاستدبار مخصوص بالفعل، وأيضًا فإن الاستدبار أهون من الاستقبال، لكن الأفضل عنده ﵀ أن لا يستدبرها إن أمكن. - تنبيهات: أولاً: هل يكفي الانحراف عن جهة القبلة؟ المذهب (٣) على أنه يكفي انحرافه عن الجهة، وشيخ الإسلام (٤) يرى أنه لا يكفي انحرافه عن الجهة، فالانحراف اليسير لا يكفي عنده، بل ينحرف كثيرًا. ثانيًا: ما الحكم إذا استقبل القبلة حال الاستنجاء دون قضاء حاجته؟ الصحيح من المذهب الكراهة، وقال البعض: بأن لا يكره، وقال بعضهم: يتوجه التحريم (٥).

стр. 69

فَإِذَا انْقَطَعَ الْبَوْلُ مَسَحَ مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ إِلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلاثًا (١)، وَلا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِيْنِهِ (٢)، ــ ثالثًا: النهي عن استقبال القبلة جاء لأنها أشرف الجهات وأعظمها وذلك لأن فيها بيته فلا بد من تعظيمه قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١). رابعًا: أمر النبي ﷺ بالتشريق أو التغريب خطاب لأهل المدينة ومن جرى مجراهم، أما من كان في جهة الشرق أو الغرب فإنه يتحول إلى الجنوب أو الشمال بحيث لا يكون مستقبلاً القبلة. (١) قوله «فَإِذَا انْقَطَعَ الْبَوْلُ مَسَحَ مِنْ أَصْلِ ذَكَرِهِ إِلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يَنْتُرُهُ ثَلاثًا» ما ذكره المؤلف ﵀ هنا الأدلة الواردة فيه ضعيفة، ولذا نقول: لا يسن مسح أصل الذكر، وهو ما عند حلقة الدبر؛ لأنه لم يصح عن النبي ﷺ وكذا لضرره بالإنسان من جهتين: الأولى: إضراره بالذكر حيث يؤذي المجاري البولية. الثانية: إضراره بالشخص نفسه حيث يصيبه بالوساوس التي تفسد عليه حياته، ولذا نقول بأنه لا يستحب فعل ذلك، أما النتر فهو أقرب إلى البدعة من السنة، ولذا قال شيخ الإسلام (٢): «النتر بدعة وليس بسنة فلا ينبغي فعله». (٢) قوله «وَلا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِيْنِهِ» أي يكره فعل هذا؛ لأن من إكرام اليمين أن=

стр. 70

وَلا يَتَمَسَّحُ بِهَا (١)، ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا (٢)، ــ لا يمسكه بيده اليمنى حال قضاء حاجته لورود النهي الوارد في حديث أبي قتادة ﵁ حيث قال: قال رسول الله ﷺ «لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِيْنِهِ وَهُوَ يَبُوْلُ ... » (١). لكن هل هذا مقيد بحال البول أم هو مطلق؟ قولان (٢): الأحوط عندي ما قاله شيخنا ﵀ حيث قال: «الأحوط أن يتجنب مسه مطلقًا» (٣). (١) قوله «وَلا يَتَمَسَّحُ بِهَا» أي يكره فعل ذلك لنفس الدليل وقوله ﷺ فيه « ... وَلا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلاءِ بِيَمِيْنِهِ» (٤) فإن مسح صح مع الكراهة. - تنبيه: لم يذكر المؤلف الاستنجاء باليمين، ولكن حكمه أيضًا الكراهة؛ لحديث سلمان الفارسي ﵁ حيث قيل له: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟ قَالَ فَقَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِيْنِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيْعٍ أَوْ بِعَظْمٍ» (٥). (٢) قوله «ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ وِتْرًا» لأمره ﷺ بذلك ففي المتفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» (٦)، والأمر هنا =

стр. 71

ثُمَّ يَسْتَنْجِيْ بِالْمَاءِ (١)، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الاِسْتِجْمَارِ أَجْزَأَهُ (٢)، ــ = للاستحباب والسنية لا للوجوب بدليل ما ورد في الرواية الأخرى «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوْتِرْ مَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ» (١) وإن كان الحديث ضعفه بعض أهل العلم، لكن جمهور أهل العلم حملوا الأمر على الاستحباب لا الوجوب. وقولنا بالاستحباب هنا ليس معناه أنه يجوز له أن يستجمر بأقل من ثلاث مسحات كما سيأتي بيانه وإنما المراد به أن يقطع الاستجمار على وتر فإن مسح ثلاثاً ثم احتاج إلى أكثر فإنه يجوز له أن يزيد رابعة لكن الأفضل أن يجعلهن خمسا أو سبعا لقطع الاستجمار على وتر. (١) قوله «ثُمَّ يَسْتَنْجِيْ بِالْمَاءِ» أي إذا استجمر بالحجارة فإنه يستحب أن يستنجي بالماء وذلك لأنه أكمل في التطهر، فالأحجار تزيل عين النجاسة فلا تباشرها اليد والماء يزيل ما بقي من النجاسة. (٢) قوله «فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الاِسْتِجْمَارِ أَجْزَأَهُ» حتى مع وجود الماء وأجمع المسلمون على جوازه وإجزائه بالحجارة، دليل ذلك حديث سلمان السابق وحديث ابن مسعود ﵁ وفيه: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِيْ أَنْ آتِيَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ» (٢).

стр. 72

وَإِنَّمَا يُجْزِئُ الاِسْتِجْمَارُ إِذَا لَمْ تَتَعَدَّ النَّجَاسَةُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ (١). وَلا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلاثِ مَسَحَاتٍ مُنَقِّيَةٍ (٢)، ــ - تنبيه: الأفضل الاستنجاء بالماء لأنه أبلغ في النظافة ولأنه كان من فعله ﷺ بخلاف ما ذكر عن بعض السلف القول بكراهية الاستنجاء به معللا لذلك بأن يده ستلوث بالنجاسة، والصحيح أن الأفضل الاستنجاء بالماء. (١) قوله «وَإِنَّمَا يُجْزِئُ الاِسْتِجْمَارُ إِذَا لَمْ تَتَعَدَّ النَّجَاسَةُ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ» مثل أن ينتشر الخارج على شيء من الصفحة، أو يمتد على الحشفة امتدادًا غير معتاد فلا يجزئ فيه إلا الماء، وتعليل ذلك أن الخارج هنا خرج عن حده المعتاد، فخرج عن حد الرخصة، ولأن الأصل وجوب إزالة النجاسة بالماء. وذهب شيخ الإسلام (١) إلى أنه يجزئ الاستجمار ولو تعدى خارج الصفحتين؛ لعموم الأدلة ولم ينقل عن النبي ﷺ في ذلك تقدير. (٢) قوله «وَلا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلاثِ مَسْحَاتٍ مُنْقِيَةٍ» هذا هو المذهب (٢)، وبه قال الشافعي (٣) وأكثر أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) ﵀. وذهب مالك (٥) وأبو حنيفة (٦) إلى عدم اشتراط المسح ثلاثًا، وإنما المشترط الإنقاء فمتى حصل الإنقاء أجزأ لأن الحكم يدور مع العلة. والصحيح القول بعدم الإجزاء؛ لحديث سلمان الفارسي وفيه قوله «نَهَانَا =

стр. 73

وَيَجُوْزُ الاِسْتِجْمَارُ بِكُلَّ طَاهِرٍ يُنْقِي الْمَحَلَّ، إِلاَّ الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ (١)، ــ = رَسُوْلُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ» (١) والنهي يقتضي عدم الوقوع في المنهي عنه، ولأن الغالب أن الإنقاء لا يحصل إلا بثلاث مسحات. - تنبيه: هل يجزئ المسح بحجر واحد ثلاث مسحات، أم لا بد من ثلاثة أحجار؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، والراجح في ذلك أنه إذا كان الحجر ذا شعب، وله ثلاث اتجاهات، أو أكثر، فإنه يجزئ المسح به ثلاثًا؛ لأن العلة معلومة، وبه قال شيخنا (٢) ﵀. وذهب سماحة شيخنا ابن باز (٣) ﵀ إلى القول بأنه لا يجزئ بأقل من ثلاثة أحجار أخذًا بظاهر حديث سلمان السابق. (١) قوله «وَيَجُوْزُ الاِسْتِجْمَارُ بِكُلَّ طَاهِرٍ يُنْقِي الْمَحَلَّ، إِلاَّ الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ» أما الروث والعظم فلحديث ابن مسعود ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يستنجى بعظم أو روث وقال: «فَإِنَّهُمَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» (٤)، ولحديث ابن مسعود أيضًا أنه جاء إلى النبي ﷺ بحجرين وروثة، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: «هَذَا رِكْسٌ» (٥)، أي نجس لكن إن استخدمهما هل يجزئه الاستنجاء بهما؟

стр. 74

وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ (٢)، وَاللهُ أَعْلَمُ. ــ روايتان لأحمد (١): إحداهما لا يجزئ، والأخرى يجزئ، واختارها شيخ الإسلام (٢) ﵀، وعللوا ذلك لأن النهي عن استعمالهما لا لكونهما لا ينقيان بل لكونهما زاد إخواننا من الجن ولذا أدى إلى إفسادهما. ولعل الرواية الأولى هي الأرجح؛ لقوله ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ «إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ بِعَظْمٍ وَقَالَ: إِنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ» (٣). (٢) قوله «وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ» أي كل ما كان محترمًا، فإنه لا يجوز الاستنجاء به، وذلك كطعام بني آدم وطعام دوابهم، وكذا كتب العلم الشرعية، وبالجملة كل ما فيه نفع وله حرمة في الحياة لا يجوز الاستجمار به.

стр. 75

بَابُ الْوُضُوْءِ (١). لا يَصِحُّ الْوُضُوْءُ، وَلا غَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ (٢)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (*)، ــ الشرح (١) قوله «بَابُ الْوُضُوْءِ» الوضوء في اللغة مشتق من الوضاءة وهي الحسن، أما في الاصطلاح فمعناه: "الغسل والمسح لأعضاء مخصوصة على صفة مخصوصة"، وأضاف شيخنا ﵀ لفظة "التعبد لله " (١) في تعريفه، ولعل هذا أوجه وأولى. والوُضوء بضم الواو هو اسم للفعل وهو المصدر، أما بالفتح الوَضوء فيكون اسمًا للماء الذي يتوضأ به. واختلف فيه؛ هل هو خاص بهذه الأمة أم كان مشروعًا من قبل؟ فالذي اختاره شيخ الإسلام خصوصيته لهذه الأمة (٢)، والصحيح أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة، بل الذي اختصت به هو الغرة والتحجيل وهو قول شيخنا (٣) ﵀. (٢) قوله «لا يَصِحُّ الْوُضُوْءُ، وَلا غَيْرُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ» وذلك لأن العبادات مأمور بها، فلابد من النية، فهي شرط في جميع العبادات، فعليها يترتب صحة العمل وإجزاؤه وقبوله.
следующие страницы →