أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَصُوْمُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا (١)، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الَّذِيْ يَدْعُوْنَهُ الْمُحَرَّمَ (٢)،
ــ
والصوم المستحب: وهو ما سيذكره المؤلف هنا.
(١) قوله (أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَصُوْمُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا): أي أفضل أقسام صوم التطوع هو صيام داود وذلك لورود النص في ذلك، فقد روى البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ) (١).
ولقول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو ﵄: ( .. صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ قَالَ قُلْتُ فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) (٢).
قلت: لكن هذا مشروط بأن لا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام، كالقيام بحقوق الله تعالى، وحقوق عباده اللازمة وإلا فتركه أفضل.
(٢) قوله (وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الَّذِيْ يَدْعُوْنَهُ الْمُحَرَّمَ): أي ومن أفضل صوم التطوع أيضاً صيام شهر الله المحرم، لما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً أن النبي ﷺ قال: (أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ) (٣).
стр. 667
وَمَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ (١)، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ (٢)،
ــ
(١) قوله (وَمَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ): اتفق الفقهاء على صيام الثمانية أيام من شهر ذي الحجة التي من أوله قبل يوم عرفة، ودليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً: (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ - يَعْنِي أَيَّامُ الْعَشْرِ - قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بمَالِهِ وِنَفْسِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ) (١).
وآكد هذه الأيام هو يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة.
لكن هل يسن للحاج صيام هذه الأيام أيضاً؟ نقول: نعم يستحب صيامها للحاج أيضاً كما صرح بذلك المالكية (٢)، والشافعية (٣).
(٢) قوله (وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ): دليل ذلك حديث أبي أيوب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (٤).
فيسن صيام ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان.
ونقل عن أبي حنيفة (٥) كراهة صيام هذه الست متفرقاً كان أو متتابعاً، وعن أبي يوسف (٦) كراهته متتابعة لا متفرقاً.
стр. 668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكن ذهب عامة متأخري الحنفية (١) إلى أنه لا بأس بصيام هذه الست، وعللوا كراهة ذلك بأنه لا يؤمن أن يعد بعد ذلك من رمضان، فيكون ذلك تشبهاً بالنصارى.
وذهب المالكية (٢) إلى كراهية صيام هذه الست لمقتدىً به، ولمن خيف عليه اعتقاد وجوبها إن صامها متصلة برمضان متتابعة وأظهرها أو كان يعتقد سنية اتصالها، فإن انتفت هذه القيود استحب صيامها.
قلت: والصحيح أنه لا وجه في الكراهة مطلقاً في صيام هذه الست عملاً بالنص الوارد في صيامها، ولا يزال الناس يصومونها ويحرصون على صيامها ويعلمون أنها سنة وليس بواجب، والمحذور الذي يخشى على الناس حصوله يزول ببيانه لهم.
ذكر بعض الفوائد:
- فائدة (١): هل يستحب صيام هذه الست لمن لم يصم رمضان؟
نقول: ذهب الشافعية (٣) إلى استحباب صومها لكل أحد سواء صام رمضان أم لا، كمن أفطر لمرض أو سفر أو غير ذلك.
وذهب الحنابلة (٤) إلى أنه لا يستحب صيامها إلا لمن صام رمضان.
والصحيح عندي: أنها لا تسن لمن لم يصم رمضان لأنها مرتبطة بصيامه لظاهر النص.
стр. 669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة (٢): الأفضل صيام هذه الست متتابعة ، أي عقب العيد مبادرة إلى العبادة ومسابقة إلى فعل الخيرات، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (١).
ولما في التأخير من الآفات، ولا فرق في حصول الأجر بين التتابع والتفريق.
أما الحنفية (٢) فالمستحب عندهم أن تصام هذه الست متفرقة، كل أسبوع يومان.
وأما المالكية (٣) فذهبوا إلى كراهيتها متصلة برمضان متتابعة.
والصحيح: القول الأول، أي أن الأفضل صيامها متتابعة بعد العيد.
- فائدة (٣) إذا أخَّر السِّت من شوال حتى انتهى الشهر ، هل يحصل له أجرها إن صامها بعد فوات الشهر؟
نقول: ذهب المالكية (٤) إلى حصول الفضيلة، ولو صامها في غير شوال، بل استحبوا صيامها في عشر ذي الحجة، وقالوا عن تعيين النبي ﷺ لها في شوال إنما هو من باب التخفيف في حق المكلف لاعتياده الصيام لا لتخصيص حكمها بذلك، وقالوا أيضاً أن كل ما بَعُد زمنه كثر ثوابه لشدة المشقة.
وقال سماحة شيخنا ابن باز ﵀: (ولا يشرع قضاؤها بعد انسلاخ شوال لأنها سنة فات محلها سواء تركت لعذر أو لغير عذر) (٥).
والصحيح عندي في هذه المسألة: أنه لا يحصل الثواب المترتب على صيام هذه الست إلا في الشهر الذي عينت فيه، يعني شهر شوال. وذهب بعض أهل العلم إلى أن من لمن لم يتمكن من صيام هذه الست في شوال لعذر أصابه=
стр. 670
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=كمرض أو قضاء رمضان كاملاً حتى خرج شوال، فإنه يقضيها ويكتب له أجرها كالفرض إذا أخره عن وقته لعذر، وكالراتبة إذا أخرها عن وقتها لعذر حتى خرج وقتها فإنه يقضيها كما جاءت به السنة، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين (١) ﵀.
- فائدة (٤): من أخر صيام هذه الست عن أول الشهر ولم يبادر بها: فله أن يصومها في أي وقت شاء في شوال في أوله، أو آخره، أو أوسطه. لقوله ﷺ : (ثم أتبعه ستاً من شوال) فظاهر النص أنه ما دامت الست في شوال فيحصل الأجر بذلك.
- فائدة (٥): يستثنى من صيام هذه الست يوم العيد: لأنه لا يجوز صومه كما سيأتي إن شاء الله.
- فائدة (٦): الأولى أن يصوم هذه الست بعد الانتهاء من قضاء رمضان: فلو كان عليه قضاء ثم صام النافلة قبل القضاء فهل يحصل على ثوابها هذا يتبين من فهم قوله ﷺ : (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (٢)، ومن بقي عليه شيء لا يصدق عليه أنه صام رمضان،
بل صام بعضه، ولذا نقول لمن عليه قضاء الأولى لك أن تؤدي الواجب الذي عليك أولاً ثم تصوم الست من شوال، وإن فاتتك الست بسبب الضرر فلعلك تدرك أجرها، وفضل الله واسع ولله الحمد.
قلت: وسيأتي إن شاء الله بيان حكم التطوع بالصوم قبل القضاء، وبيان=
стр. 671
وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ (١)،
ــ
=اختلاف المذاهب في هذه المسألة وبيان الراجح فيها.
(١) قوله (وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ): دليل ذلك حديث أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ( .. صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ) (١).
ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وقد كان صوم هذا اليوم فرضاً في الإسلام ثم نسخت فرضيته بصوم رمضان، ثم خيَّر النبي ﷺ المسلمين في صومه.
ذكر بعض الفوائد:
- فائدة (١) صرح الحنفية (٢) بكراهة صوم يوم عاشوراء منفرداً عن التاسع، أو الحادي عشر، وصرح الحنابلة (٣) بعدم الكراهة في إفراد عاشوراء بالصوم.
وهو الصحيح فلا يكره أن يصام العاشر منفرداً بل المستحب صوم يوم قبله أو يوم بعده، وهذا هو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين (٤) ﵀.
- فائدة (٢): قوله ﷺ في فضل عاشوراء: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) هل التكفير عام لجميع الذنوب؟ :
نقول: على خلاف بين الفقهاء، فذهب البعض إلى أن المراد في الحديث كفارة الصغائر، وقال البعض: بل هو عام في جميع الذنوب صغائرها وكبائرها.
قلت: والذي يظهر أنه خاص بالصغائر، لكن إذا كان معه توبة فإنها تكفي=
стр. 672
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=جميع الذنوب كبائرها وصغائرها بما فيها الشرك بالله.
- فائدة (٣): ذكرنا أنه لا يكره إفراد يوم عاشوراء وحده بالصيام، لكن يستحب صيام يوم قبله أو يوم بعده، فما الحكمة في صوم يوم قبله أو يوم بعده؟
نقول: ذكر بعض الفقهاء لذلك أوجهاً منها:
أحدها: مخالفة لليهود حيث أنهم يخصون العاشر بالصيام فقط، وهذا ما ذكره سماحة شيخنا ابن باز (١) ﵀.
الثاني: أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم كما نهى أن يفرد يوم الجمعة وحده بصوم.
الثالث: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع الغلط.
- فائدة (٤): من أراد صيام يوم عاشوراء فعليه بالاعتماد على الرؤية، وعند عدم ثبوت الرؤية يعمل بالاحتياط وذلك بإكمال ذي الحجة ثلاثين يوماً.
- فائدة (٥): ذكر بعض الفقهاء أن الأكمل في صيام عاشوراء صيام يوم قبله ويوم بعده: فيصوم التاسع والعاشر والحادي عشر، ويليه في الكمال صوم التاسع مع العاشر أو العاشر مع الحادي عشر، ويليه في ذلك صوم العاشر وحده.
- فائدة (٦): من صام التاسع والعاشر ثم تبين له بعد ذلك أنه صام الثامن والتاسع، فليس عليه قضاء وله الأجر إن شاء الله كاملاً على حسب نيته.
стр. 673
وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ (١)، وَلا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ أَنْ يَصُوْمَهُ (٢)،
ــ
(١) قوله (وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ): وذلك لحديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ .. ) (١).
وهو من أفضل أيام العام لما رواه مسلم عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ .. ) (٢).
(٢) قوله (وَلا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ أَنْ يَصُوْمَهُ): وهذا هو قول الجمهور من المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). بل صرح بعضهم بكراهة صومه للحاج، واحتجوا لذلك بحديث أم الفضل بنت الحارث ﵄ ( ... أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ) (٦).
وأيضاً بما جاء عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَصُمْهُ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ وَأَنَا لا أَصُومُهُ وَلا آمُرُ بِهِ وَلا أَنْهَى عَنْهُ) (٧). ولأن صيامه يضعف عن الوقوف والدعاء.=
стр. 674
وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيْضِ (١)،
ــ
=وقال الحنفية (١) بل يستحب للحاج أيضاً صوم يوم عرفة إذا لم يضعفه عن الوقوف بعرفات ولا يخل بالدعوات، فلو أضعفه كره له الصوم.
وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح فلا يستحب صومه للحاج مطلقاً.
قال سماحة سيخنا ابن باز (٢) ﵀: (الحاج لا يجوز له أن يصوم يوم عرفة لأن النبي ﷺ وقف في ذلك اليوم وهو مفطر، وإن صام يخشى عليه الإثم لأن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة ولم يصم).
وقال شيخنا محمد بن صالح العثيمين (٣) ﵀: (فالصواب أن صوم يوم عرفة للحاج مكروه، وأما لغير الحاج فسنة مؤكدة).
(١) قوله (وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيْضِ): قول المصنف (أيام البيض) هكذا بإضافة أيام البيض وهذا هو الصواب ووقع في كثير من كتب الفقه وغيرها (الأيام البيض) بإضافة الألف واللام وهذا خطأ عند أهل العربية معدود في لحن العوام لأن الأيام كلها بيض وإنما صوابه أيام الليالي البيض.
وأيام البيض هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر عربي سميت بذلك لتكامل ضوء الهلال وشدة البياض فيها.
دليل سنية صيام ثلاثة أيام من كل شهر ما رواه الترمذي عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ( .. مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ .. ) (٤).
стр. 675
وَالاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيْسِ (١)،
ــ
وأيضاً ثبت عنه ﷺ أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر كما في حديث عائشة ﵂ عند مسلم (أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ قَالَتْ نَعَمْ فَقُلْتُ لَهَا مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ) (١).
فتعيين صيام الثلاثة أيام من كل شهر في الأيام البيض إنما هو على سبيل الأفضلية، وقد ورد عند الترمذي من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال له (إِذَا صُمْتَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ) (٢).
وباستحباب صيام هذه الثلاثة أعني أيام البيض قال جمهور الفقهاء، وذهب المالكية (٣) إلى كراهة صوم أيام الليالي البيض فراراً من التحديد ومخافة اعتقاد وجوبها واعتقاد أن الثواب لا يحصل إلا بصيام هذه الثلاث خاصة.
والراجح عندي ما ذهب إليه الجمهور وتعليل المالكية يزول ببيان السنن للناس وتوضيحها لهم.
(١) قوله (وَالاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيْسِ): أي ويسن صيام يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع دليل ذلك ما رواه مسلم عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم الاثنين فقال ( .. فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ) (٤).
وجاء في سنن أبي داود وغيرها من حديث أسامة بن زيد ﵄=
стр. 676
وَالصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيْرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ، وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ (١)
ــ
=أن النبي ﷺ كان يصوم يوم الاثنين والخميس فسئل عن ذلك؟ فقال: ( .. إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ) (١).
(١) قوله (وَالصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيْرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ، وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ): اختلف الفقهاء في هذه المسألة فالحنفية (٢)، والمالكية (٣) ذهبوا إلى لزوم صوم التطوع بالشروع فيه وأنه يجب على الصائم المتطوع إتمامه إذا بدأ فيه واحتجوا لذلك بما رواه مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ) (٤). فليُصَلِّ أي فليدع.
وذهب الشافعية (٥) والحنابلة (٦) إلى عدم لزوم صوم التطوع بالشروع فيه ولا يجب على الصائم إتمامه وله قطعه في أي وقت شاء واحتجوا لذلك بما رواه مسلم عن عائشة ﵂ قالت ( .. أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَقَالَ أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا) فأكل (٧). وزاد النسائي ( .. إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا) (٨).
стр. 677
إِلاَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ إِتْمَامُهُمُا، وَقَضَاءُ مَا أَفْسَدَ مِنْهُمَا (١) وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ (٢)،
ــ
والصحيح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، لكن إن أراد أن يقطع صوم النفل فلا ينبغي أن يقطعه إلا لغرض صحيح لقوله تعالى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١).
(وَكذلِكَ سَائِرُ التَّطَوُّعِ): من صلاة وصدقة واعتكاف ووضوء ونحوه.
(١) قوله (إِلاَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ إِتْمَامُهُمُا، وَقَضَاءُ مَا أَفْسَدَ مِنْهُمَا): لقوله تعالى [وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ] (٢).
فمتى أحرم بالحج أو بالعمرة لزمه المضي فيهما ولا يجوز له أن يخرج منهما، ولو أفسدهما وجب عليه المضي فيهما وإتمام ما أفسده وعليه قضاؤهما من العام المقبل إن كانت حجة وعلى الفور إن كانت عمرة، والأصل في ذلك الآية المذكورة أنفاً وهي قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ووجه الدلالة من الآية أن أهل التفسير أجمعوا على أنها نزلت في الحديبية لما كان رسول الله ﷺ قد أحرم هو وأصحابه بالعمرة وساقوا الهدي فصده المشركون فأنزل الله تعالى هذه الآية يأمر فيها بإتمام الحج والعمرة ويذكر شأن الإحصار.
والأمر بالإتمام في الآية إنما هو لمن دخل متطوعاً، لأن الحج لم يكن قد فرض بعد فإن الآية نزلت سنة ست، والحج إنما فرض بعد فتح مكة. ثم أن الله تعالى أمر بالإتمام مطلقاً، فدخل فيه كل منسّاء للحج والعمرة.
(٢) قوله (وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ): اتفق=
стр. 678
وَنَهىَ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ (١)،
ــ
= (الفقهاء على أن صوم يومي العيدين محرم في التطوع والنذر المطلق والمعين أيضاً وكذا القضاء والكفارة دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال (نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ) (١).
وأيضاً ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خطب الناس فقال: (هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَالْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ) (٢).
والنهي عن صيام هذين اليومين يقتضي الفساد وكذا التحريم.
(١) قوله (وَنَهىَ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ): أي ويحرم صيام أيام التشريق وأيام التشريق هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة وسميت بذلك لأن الناس كانوا يشرقون فيها اللحم أي يقددونه ثم ينشرونه في الشمس من أجل أن ييبس حتى لا يتعفن ولا يفسد.
ودليل النهي عن صيام هذه الأيام ما رواه مسلم عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ)، وزاد في رواية: (وَذِكْرٍ لِلَّهِ) (٣). فلا يحل صيام هذه الأيام عند أكثر أهل العلم (٤)، وفي رواية في المذهب (٥) يجوز صيامها، واحتج له بما جاء عن ابن الزبير وابن عمر ويزيد=
стр. 679
إِلاَّ أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيْ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ (١)، وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ (٢)،
ــ
=وأبي طلحة ﵃ أنهم كانوا يصومونها.
والراجح عدم جواز صيام هذه الأيام ويحرم صيامها للحديث المتقدم لكن يستثنى من هذا التحريم ما ذكره المؤلف.
(١) قوله (إِلاَّ أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيْ صَوْمِهَا لِلْمُتَمَتِّعِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ): اختلفت الرواية (١) في المذهب في صيام أيام التشريق بالنسبة للحاج ففي رواية أنه لا يجوز لأنه نهى عن صيامها.
والرواية الأخرى وهي الراجحة عندي وهي المذهب (٢) وهي أيضاً قول المالكية (٣) يجوز لما جاء عن ابن عمر وعائشة ﵄ أنهما قالا (لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ) (٤) وهو حديث صحيح رواه البخاري وغيره. حتى من عليه صيام شهرين متتابعين يجب عليه أن يفطر يوم العيد وأيام التشريق ثم يواصل صيام التتابع من اليوم الرابع عشر من ذي الحجة، والقاعدة عند أهل العلم (أن الصيام الواجب والفطر الواجب لا يقطع التتابع).
(٢) قوله (وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ): دليل ذلك قوله ﷺ ( .. فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْر .. ) (٥).
وهنا نذكر بعض الفوائد:
стр. 680
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- فائدة (١): ليلة القدر اختلف العلماء في تعيينها على أكثر من أربعين قولاً ذكرها الحافظ ابن حجر (١) في شرح صحيح البخاري.
- فائدة (٢): هل هي باقية أم رفعت ؟
الصحيح أنها باقية وما جاء في الحديث أنها رفعت، فقد روى البخاري عن عبادة بن الصامت (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّهُ تَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ) (٢)، فالمراد رفع العلم عنها في تلك السنة.
- فائدة (٣): هل هي في رمضان أو غيره ؟
لا شك أنها في رمضان وذلك لأدلة منها قوله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٣).
فالقرآن أنزل في شهر رمضان وقد قال تعالى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٤)، فإذا ضمت هذه الآية إلى تلك تعين أن تكون في شهر رمضان.
- فائدة (٤): في أي ليلة من رمضان تكون ليلة القدر ؟ ليس في القرآن بيان في تعيينها لكن ثبتت الأحاديث أنها في العشر الأواخر من رمضان والسبع الأواخر أرجى.
стр. 681
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- فائدة (٥): الصحيح أن ليلة القدر تنتقل: فتكون عاماً في ليلة إحدى وعشرين، وعاماً في ليلة تسع وعشرين، وعاماً في ليلة خمس وعشرين، وعاماً في ليلة أربع وعشرين، وهكذا.
- فائدة (٦): في سبب تسميتها بليلة القدر: قيل لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك ألسنة فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام وقيل سميت بذلك لأن للقيام فيها قدراً عظيماً لقول النبي ﷺ (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ .. ) (١)، لكن قال شيخ الإسلام ﵀ كل حديث ورد فيه (وما تأخر) غير صحيح لأن هذا من خصائص النبي ﷺ .
- فائدة (٧): بعض الناس يعتقد أن العمرة في ليلة القدر لها مزية خاصة: ونحن نقول تخصيص تلك الليلة بالعمرة بدعة لأنه تخصيص لعباده في زمن لم يخصصه الشارع بها. لكن يلزم من تلبس بالعمرة في هذه الليلة أن يتمها وإنما البدعة في تخصيص العمرة بتلك الليلة.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بصوم التطوع:
- فائدة (١): ذهب جمهور أهل الفقهاء من الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) إلى أنه لا يشترط تبييت النية في صوم التطوع بخلاف صوم الفرض فإنه يجب تبييت النية واحتجوا لذلك بما جاء عن عائشة ﵂=
стр. 682
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=قالت (دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقُلْنَا لا قَالَ فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ .. ) (١).
وذهب المالكية (٢) إلى اشتراط تبييت النية في صوم التطوع كالفرض لقوله ﷺ (مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ) (٣)، والحديث عام لم يخصص بصيام فرض دون نفل.
والصحيح عندي ما ذهب إليه الجمهور للحديث الوارد في ذلك.
- فائدة (٢): صوم التطوع منه ما هو مطلق ومنه ما هو معين بيوم أي - مقيد - كصوم يوم عرفة وعاشوراء والست من شوال والليالي البيض وهذا النوع أي الصوم المقيد ينبغي أن يعين فيه النية لينال الأجر المترتب على صيامه وهذا هو أحد الوجوه عند الشافعية (٤).
وقيل بل لو نوى غيرها حصل الأجر المترتب على ذلك لأن المقصود وجود الصوم فيها.
والذي يظهر لي أنه ينبغي عند الصوم أن يعين الإنسان نوع الصوم الذي يصومه.
- فائدة (٣): من لم يتناول أي مفطر حتى زالت الشمس هل يشرع له أن ينوي الصيام؟
نقول اختلف الفقهاء في وقت تعيين نية الصيام في النافلة: =
стр. 683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فالحنفية (١) يقولون بأن آخر وقت نية صوم التطوع هو نصف النهار ونصف النهار من استطارة ... الضوء في أفق المشرق إلى غروب الشمس.
وقال المالكية (٢) لا بد من أن تكون النية قبل الفجر كالفرض سواء.
وقال الشافعية (٣) آخر وقت نية صوم التطوع قبل الزوال.
وقال الحنابلة (٤) وقت نية صوم التطوع ممتد إلى ما بعد الزوال واحتجوا لذلك بأن هذا قول معاذ وابن مسعود وحذيفة ولم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃ ما يخالفه صريحاً ولأن النية وجدت في جزء من النهار فأشبه وجودها قبل الزوال بلحظة. وهذا هو الأقرب عندي.
- فائدة (٤): اختلف الفقهاء في التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان كصيام ست من شوال أو عاشوراء لمن أخر القضاء مثلاً.
فذهب الحنفية (٥) إلى جواز التطوع بالصوم قبل القضاء من غير كراهة لأن القضاء لا يجب على الفور.
وذهب المالكية (٦)، والشافعية (٧) إلى كراهة صوم التطوع قبل القضاء لكن إن فعله جاز ذلك.
أما الحنابلة (٨) فقد اختلفت الرواية عن أحمد في جواز التطوع بالصوم ممن=
стр. 684
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=عليه صوم فرض ففي رواية لا يجوز بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه وفي رواية يجوز له التطوع لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع فجاز التطوع في وقتها قبل فعلها كالصلاة يتطوع في وقتها قبل فعلها.
والأظهر عندي - كما ذكرت ذلك سابقاً - أنه لا ينبغي أن يصوم الإنسان صوم تطوع قبل قضاء ما عليه من فرضٍ لقوله في الحديث القدسي: ( .. وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ .. ) (١) فإن قدم التطوع على الفرض كُره ذلك مع صحة صوم ما تطوع به.
стр. 685
بَابُ الاِعْتَكَافِ (١)
ــ
(١) قوله (بَابُ الاِعْتَكَافِ): الاعتكاف في اللغة هو لزوم الشيء وحبس النفس عليه.
أما في الاصطلاح فقال المؤلف: (وَهُوَ: لُزُوْمُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فِيْهِ): هذا هو التعريف الاصطلاحي للاعتكاف لكن لو قال المؤلف في تعريفه هو لزوم مسجد بنية الطاعة لله متفرغاً لذلك مع صفة مخصوصة لكان أولى.
الحكمة من مشروعية الاعتكاف:
لما كان المرء لا يلزم ويواظب إلا من يحبه ويعظمه كما كان المشركون يعكفون على أصنامهم وتماثيلهم، ويعكف أهل الشهوات على شهواتهم شرع الله لأهل الإيمان أن يعكفوا على ربهم ، والقلوب هي الأوعية التي يصلح بها البدن أو يفسد.
قال ابن القيم (١) ﵀: (لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفاً على جمعيته على الله، وَلَمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى ولهذا شرع الله تعالى لعباده الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستول عليه بدلها ويصير الهم كله به والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مرضاته وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلاً من=
стр. 686
لُزُوْمُ الْمَسْجِدِ (١)، لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فِيْهِ (٢)، وَهُوَ سُنَّةٌ (٣)،
ــ
=أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم).
(١) قوله (لُزُوْمُ الْمَسْجِدِ): أجمع الفقهاء على أنه لا يصح اعتكاف إلا في مسجد لقوله تعالى [وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ] (١) ولأن النبي ﷺ لم يعتكف إلا في المسجد فخرج بذلك لزوم الدار ولزوم المدرسة، بل ولزوم المصلى، فلو أن قوماً في عمارة لها مصلى وليس بمسجد فإن لزوم هذا المصلى لا يعتبر اعتكافاً.
(٢) قوله (لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فِيْهِ): اللام هنا للتعليل أي لطاعة الله لا للعزلة عن الناس ولا من أجل أن يأتيه أصحابه فيكثر معهم الكلام بل لزمه للتفرغ لطاعة الله قال شيخ الإسلام (٢) لو قال المؤلف هنا (لزوم المسجد لعبادة الله) لكان أحسن. فإن الطاعة موافقة الأمر، وهذا يكون بما هو في الأصل عبادة كالصلاة، وبما هو في الأصل غير عبادة وإنما يصير عبادة بالنية كالمباحات كلها بخلاف العبادة فإنها للإله .
وأيضاً فإن ما لم يؤمر به من العبادات بل رغب فيه هو عبادة، وإن لم يكن طاعة لعدم الأمر.
(٣) قوله (وَهُوَ سُنَّةٌ): قد دل على سنتيه الكتاب والسنة والإجماع:
أما دليل الكتاب فقوله تعالى ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٣).
стр. 687
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله تعالى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١).
وقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢).
أما دليل السنة: فما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال (كان رسول الله ﷺ ... يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى - ثم اعتكف أزواجه من بعده).
أما الإجماع: فقد قال ابن المنذر (٣): أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سنة وأنه لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذراً فيجب عليه. لكن هل يشرع الاعتكاف في غير رمضان؟
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الاعتكاف مشروع في كل وقت في رمضان وغيره قال سماحة شيخنا بن باز ﵀ (٤) وهو مشروع في كل وقت في رمضان وغيره واستدلوا لذلك بما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال يا رسول الله إني نذرت أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي ﷺ (أَوْفِ بِنَذْرِكَ) (٥)، وقال شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ (٦) لا يسن الاعتكاف إلا في العشر الأواخر
فقط - أي من رمضان - لكن من تطوع وأراد أن يعتكف في غير ذلك فإنه لا ينهى عن ذلك استناداً لحديث عمر بن الخطاب ﵁ ولا نقول إن=
стр. 688
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فعله بدعة لكن نقول الأفضل أن نقتدي بالرسول ﷺ .
- فائدة: هل يشرع الاعتكاف في كل مسجد ؟
اتفق الفقهاء على أنه يشرع الاعتكاف في كل مسجد فكل مسجد مكان للاعتكاف لكن بشروط سنذكرها قريباً إن شاء الله.
وذهب بعض الصحابة إلى أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة يعني المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى وما عداها لا يصح الاعتكاف فيه، واختار هذا القول العلامة الألباني (١) ﵀.
والصحيح أنه يشرع الاعتكاف في أي مسجد والاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل من غيرها والمسجد الحرام أفضل ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، وقد فصلنا ذلك قريباً.
دليل ذلك قوله تعالى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢) الألف واللام للعموم فلو كان الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة لزم أن تكون (ال) هنا للعهد الذهني ولا دليل على كونها للعهد الذهني فإذا عدم الدليل على كونها للعهد الذهني لزم أن تكون للعموم.
أما دليل من قال بعدم صحة الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة فما رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال النبي ﷺ (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) (٣).
وجواباً على ذلك نقول: هذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم حتى قال ابن=
стр. 689
إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ نَذْرًا، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ (١)، وَيَصِحُّ مِنَ الْمَرْأَةِ فِيْ كُلِّ مَسْجِدٍ (٢)، غَيِّرِ مَسْجِدْهَا (٣)،
ــ
=مسعود ﵁ لحذيفة حين ذكر له الخبر قال (لعلهم أصابوا فأخطأت وذكروا فنسيت) (١)، والإنسان معرض للنسيان.
إذاً فالصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء بأن الاعتكاف عام في كل مسجد لكن كونه في المساجد الثلاثة أفضل كما أن الصلاة فيها أفضل وعلى هذا يحمل الأثر أي الاعتكاف أفضل في هذه المساجد.
(١) وقوله (إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ نَذْرًا، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ): النذر هو أن يلزم العبد نفسه بعبادة لم تكن واجبة عليه بأصل الشرع كصوم وصلاة وحج وصدقة ونحو ذلك ومن جملة ذلك أن ينذر الإنسان اعتكافاً فهنا يلزمه الوفاء بهذا النذر لقوله ﷺ كما في صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ) (٢).
(٢) قوله (وَيَصِحُّ مِنَ الْمَرْأَةِ فِيْ كُلِّ مَسْجِدٍ): لكن لابد من إذن وليها وأمن الفتنة فإن كان اعتكافها فتنة فإنها لا تُمَكَّنْ منه لان المستحب إذا ترتب عليه ممنوع وجب أن يمنع.
والمرأة كالرجل في جواز الاعتكاف لها فقد اعتكفت زوجات النبي ﷺ في حياته وبعد مماته.
(٣) قوله (غَيِّرِ مَسْجِدْهَا): هذا استثناء لما ذكره قبل فلا يصح أن تعتكف المرأة في مسجد بيتها وهو مصلاها الذي اتخذته في بيتها من أجل الصلاة فقد كانت=
стр. 690
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=النساء تجعل لها مكاناً في بيتها كحجرة معينة خاصة تصلي فيه فهذا لا يصح للمرأة أن تعتكف فيه. لأنه ليس مسجداً في الحقيقة ولذا يجوز لها أن تجلس فيه وهي حائض وتبيع وتشتري فيه وتبقى فيه وهي جنب ومثل ذلك المصليات التي تكون في مكاتب الأعمال الحكومية فلا تأخذ حكم المسجد.
فالحاصل أن المرأة لا يصح اعتكافها في مسجد بيتها وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء وقد جاء في السنن الكبرى عند البيهقي عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن المرأة جعلت عليها - أي نذرت - أن تعتكف في مسجد بيتها، فقال بدعة، وأبغض الأعمال إلى الله البدع (١).
وخالف أبو حنيفة (٢) فقال بجواز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها لأنه هو موضع لصلاتها يتحقق انتظارها فيه، وقال لو اعتكفت في مسجد الجماعة جاز مع الكراهية التنزيهية والبيت أفضل من مسجد حيها ومسجد الحي أفضل من المسجد الأعظم.
وقال الحنفية وليس للمرأة أيضاً أن تعتكف في غير موضع صلاتها من بيتها وإن لم يكن لها في البيت مكاناً تتخذه للصلاة فلا يجوز لها الاعتكاف في بيتها.
والصحيح خلاف ما ذكره الحنفية في هذا، بل لا يشرع لها أن تعتكف في غير المسجد كما ذكرنا.
- فائدة: ينبغي للمرأة إذا اعتكفت أن تستتر بخباء ونحوه: لفعل عائشة رضي
стр. 691
وَمَنْ نَذَرَ الاِعْتِكافَ، أَوِ الصَّلاةَ فِيْ مَسْجِدٍ، فَلَهُ فِعْلُ ذلِكَ فِيْ غَيْرِهِ (١)، إِلاَّ الْمَسَاجِدَ الثَّلاثَةَ (٢)،
ــ
=الله عنها وحفصة وزينب في عهد النبي ﷺ وتجعل خباءها في مكان لا يصلى فيه الرجال لأنه أبعد في التحفظ لها، قال أبو داود عن الإمام أحمد قوله (يعتكفن في المسجد ويضرب لهن فيه بالخيم) (١).
(١) قوله (وَمَنْ نَذَرَ الاِعْتِكافَ، أَوِ الصَّلاةَ فِيْ مَسْجِدٍ، فَلَهُ فِعْلُ ذلِكَ فِيْ غَيْرِهِ): أي إذا نذر شخص الاعتكاف أو الصلاة في مسجد بعينه غير المساجد الثلاثة فله فعل ذلك فيه وفي غيره من المساجد وذلك لأن الله تعالى لم يعين لعبادته موضعاً فلم يتعين بالنذر، فليس قصد مسجد بعينه دون غيره طاعة إلا المساجد الثلاثة كما سيذكره المؤلف وهذا هو قول المالكية (٢) والشافعية (٣)
لكن إذا صلى واعتكف في غير المسجد الذي عينه فهل يلزمه كفارة يمين؟ على وجهين في المذهب؟
الصحيح عندي أنه لا يلزمه الكفارة لما ذكرناه آنفاً.
(٢) قوله (إِلاَّ الْمَسَاجِدَ الثَّلاثَةَ): وهي المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى وذلك لفضلها على شتى المساجد ولقوله ﷺ (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) (٤)، وقوله (صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ=
стр. 692
فَإِذَا نَذَرَ ذلِكَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لَزِمَهُ (١)، وَإِنْ نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِيْ مَسْجِدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحْدَهُ (٢)، وَإِنْ نَذَرَهُ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى، فَلَهُ فِعْلُهُ فِيْ أَيِّهِمَا أَحَبَّ (٣)،
ــ
=إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (١). فإذا عين أحد المساجد الثلاثة لم يجز أن يعتكف في غيره إلا فيما هو أفضل منه على ما سيذكره المؤلف.
(١) قوله (فَإِذَا نَذَرَ ذلِكَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، لَزِمَهُ): أي لم يجزئه في المسجد النبوي ولا المسجد الأقصى لأنه عين الأفضل في نذره فلم يجزئه الاعتكاف فيما دونه لعدم مساواته له.
(٢) قوله (وَإِنْ نَذَرَ الاِعْتِكَافَ فِيْ مَسْجِدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحْدَهُ): لأن غاية ما فيه أنه انتقل من الأفضل إلى ما هو أفضل منه في الأجر.
(٣) قوله (وَإِنْ نَذَرَهُ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى، فَلَهُ فِعْلُهُ فِيْ أَيِّهِمَا أَحَبَّ): جملة ما ذكره المؤلف هنا أنه من عين اعتكافه في المسجد الحرام لا يجزئه في المسجد النبوي ولا المسجد الأقصى وإن عين مسجد النبي ﷺ لا يجزئه المسجد الأقصى والعكس صحيح فإن عين المسجد الأقصى جاز في مسجد النبي ﷺ وفي المسجد الحرام وإن عين مسجد النبي ﷺ جاز في المسجد الحرام.
فأفضلية المسجد الحرام مقدمة على مسجد النبي ﷺ ومسجد النبي ﷺ مقدم على المسجد الأقصى في الفضل وقد مر ذكر دليل ذلك، أما الأجر المترتب على الصلاة في المسجد الأقصى فهو مذكور في قوله ﷺ ( .. وَالصَّلاة فِي=
стр. 693
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسمِائَة صَلاة) (١).
ومن الأدلة أيضاً ما رواه أحمد وغيره عن جابر ﵁ (أَنَّ رَجُلا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ صَلِّ هَاهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ صَلِّ هَاهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ شَأْنُكَ) (٢) فأذن له ﷺ بالصلاة في مكة لأنها أفضل.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بما سبق:
- فائدة (١): هل التفضيل في المساجد الثلاثة في صلاة الفريضة والنافلة؟
نقول أما الفريضة فلا إشكال أنها إنما شرعت في المسجد فلا يستثنى منها شيء وأما النوافل فما كان مشروعاً في المسجد، شمله هذا التفضيل كقيام رمضان وتحية المسجد وما كان أفضل في البيت ففعله في البيت أفضل كالرواتب ونحوها.
- فائدة (٢): هل تضاعف بقية الأعمال الصالحة في هذه المساجد كما تتضاعف الصلاة ؟
نقول لا ريب أن للمكان الفاضل والزمان أثراً في تضعيف الثواب وعلى ذلك إذا كان الشهر فاضلاً والزمان فاضلاً ضوعفت فيه الحسنات وعظم فيه أثم السيئات فسيئة في رمضان أعظم إثماً من سيئة في غيره، والحسنات في الأماكن الفاضلة كالحرمين الشريفين تضاعف في الكمية والكيفية أما السيئات فلا تضاعف بالكمية ولكن بالكيفية.
стр. 694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما تضاعف الأعمال بعدد معين فأمره إلى الله لا نعلمه لأنه أمر توقيفي أما الصلاة فقد ورد فيها بيان مقدار مضاعفتها كما مرَّ ذلك.
- ال فائدة (٣): هل مضاعفة الأجر خاص في المساجد الثلاثة أو كل ما حوله فهو مثله ؟
نقول أما المسجد الأقصى فليس له حرم بالاتفاق ولذا يخطاء بعض الناس حينما يقول (أولى القبلتين وثالث الحرمين)، فقد أجمع العلماء على أنه لا حرم إلا المسجد الحرام والمسجد النبوي. لكن ما هو حد الحرم فيهما؟
نقول: أما مسجد النبي ﷺ فالحرم فيه ما كان عليه في عصر النبي ﷺ وأما ما زيد عليه فهل يلحقه الثواب المترتب على فعل الطاعة فيه؟
نقول اختلف في ذلك الفقهاء: فذهب الحنفية (١) والحنابلة (٢) وهو اختيار شيخ الإسلام (٣) أن كل ما طرأت على المسجد النبوي من توسعة وزيادات في بنائه تأخذ حكم المسجد من جهة نيل الثواب. وذهب الشافعية (٤) وابن عقيل وابن الجوزي وجمع من الحنابلة (٥) إلى أن هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده ﷺ الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده والصحيح ما ذهب إليه الأولون وهو اختيار شيخنا (٦) ﵀ حيث قال (لكن ما زيد فيه فهو منه، والدليل على ذلك أن الصحابة ﵃ صلوا في الزيادة التي زادها عثمان ﵁ مع أنها=
стр. 695
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ الاِشْتِغَالُ بِالقُرَبِ (١)،
ــ
=خارج المسجد الذي كان على عهد النبي ﷺ .
أما المسجد الحرام فقد اختلف الفقهاء في المراد بالمسجد الحرام، هل المراد به الحرم أم المسجد الخاص الذي فيه الكعبة؟
اختلف فيه الفقهاء على نحو من سبعة أقوال (١) أشهرها قولان:
الأول: أنه الحرم كله إلى الحدود الفارقة بين الحل والحرم، وهذا اختيار أكثر أهل العلم، ورجحه سماحة شيخنا بن باز (٢) ﵀، وذهب ابن مفلح من الحنابلة (٣) أن الأجر المترتب على الصلاة في الحرم إنما يكون في المسجد فقط، وإليه ذهب شيخنا محمد صالح العثيمين (٤) ﵀.
والراجح عندي ما ذهب إليه الأولون، فمن صلى صلاة في أي موضع في الحرم حصل له الأجر المترتب على فعل هذه الصلاة.
(١) قوله (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ الاِشْتِغَالُ بِالقُرَبِ): بدأ المؤلف هنا ببيان ما ينبغي أن يكون عليه المعتكف في معتكفه فذكر جملة من الآداب فقال: (يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ الاِشْتِغَالُ بِالقُرَبِ). القرب جمع قربه والمراد به كل ما يتقرب به لله تعالى من العبادات الخاصة غير الواجبة ومن هذه القرب: قراءة القرآن، والذكر، والصلاة في غير وقت النهي وما شابه ذلك.
لكن إذا كان يقام في المسجد دروس علم ونحوه، فهل الأفضل له أن يحضر هذه الدروس؟
стр. 696
وَاجْتِنَابُ مَا لا يَعْنِيْهِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ (١)، وَلا يَبْطُلُ الاِعْتِكافُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ (٢)، وَلا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ، إِلاَّ لِمَا لابُدَّ لَهُ مِنْهُ (٣)،
ــ
=نقول إن كانت حلقات العلم ليست بكثيرة بحيث لا تنافي مقصود الاعتكاف فالأفضل له حضورها أما أن كانت كثيرة بحيث تشغله عن القراءة والذكر فالأفضل الانشغال بالقرب المذكورة أنفاً.
(١) قوله (وَاجْتِنَابُ مَا لا يَعْنِيْهِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ): أي يستحب للمعتكف اجتناب مالا يعنيه أي ما لا يهمه من قول أو فعل لقوله ﷺ (مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ) (١).
(٢) قوله (وَلا يَبْطُلُ الاِعْتِكافُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ): ولا يبطل الاعتكاف إن ارتكب شيئاً من المكروهات أو المحرمات أيًّا كانت غير الجماع وأما المحرمات كالغيبة والنميمة والسب وشتم الناس ونحو ذلك من المحرمات فلا يبطل الاعتكاف بها بل تنقص الأجر وتنافي ما شرع من أجله الاعتكاف.
(٣) قوله (وَلا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ، إِلاَّ لِمَا لابُدَّ لَهُ مِنْهُ): اتفق الفقهاء على أن الخروج من المسجد لغير حاجة يفسد الاعتكاف أما إذا كان لحاجة فلا يبطل الاعتكاف ولكنهم اختلفوا في الحاجة التي يجوز فيها الخروج.
والراجح أنها كل ما يحتاجه الإنسان مما لا بد له منه كقضاء حاجة ووضوء وغسل واجب وأكل وشرب إذا كان هناك من لا يأتيه به ونحو ذلك فيجوز له فعله. دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت ( .. كَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا) (٢).
стр. 697
إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ (١)، وَلا يُبَاشِرُ امْرَأَةً (٢)، وَإِنْ سَأَلَ عَنِ الْمَرِيْضِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ طَرِيْقِهِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ إِلَيْهِ، جَازَ (٣)،
ــ
(١) قوله (إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ): ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الاشتراط في الاعتكاف كأن ينوي الاعتكاف ثم يقول يا رب استثني من اعتكافي عيادة مريض أو شهود جنازة ونحو ذلك، أما لو اشترط الخروج للبيع والشراء أو الإجارة أو التكسب بالصناعة ونحو ذلك فلا يصح الشرط بلا خلاف عند الفقهاء. وإن قلنا بجواز الاشتراط في بعض الأمور فنقول: المحافظة على الاعتكاف بلا شك أفضل وأولى إلا إذا كان المريض من أقاربه الذين يعتبر عدم عيادتهم قطيعة رحم فهنا يستثنى وكذا شهود جنازته.
(٢) قوله (وَلا يُبَاشِرُ امْرَأَةً): لقوله تعالى [وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ] (١).
أما دواعي الجماع كاللمس والقبلة ونحو ذلك فقد اختلف فيه الفقهاء فالحنفية (٢)، والحنابلة (٣) أنه إذا أنزل بذلك أفسد اعتكافه فإن لم ينزل لم يفسد اعتكافه وهذا هو الصحيح.
(٣) قوله (وَإِنْ سَأَلَ عَنِ الْمَرِيْضِ أَوْ غَيْرِهِ فِيْ طَرِيْقِهِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ إِلَيْهِ، جَازَ): وذلك لما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت ( .. إِنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلا وَأَنَا مَارَّةٌ .. ) فلا يدخل على المريض بل يسلم عليه وهو مار.
стр. 698
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكر بعض الفوائد في الاعتكاف:
فائدة (١): بعض الناس يكون إماماً أو مؤذناً في مسجد لكن يرغب الاعتكاف في مسجد آخر لاعتبارات أخرى فيترك جماعته ويعتكف وهذا خطأ، وإن لم يستأذن من الجهة المسؤولة فهو آثم لأنه ترك واجباً وفعل مستحباً.
فائدة (٢): بعض الموظفين يرغب الاعتكاف ، لكن يشترط الخروج للدوام، ونقول: هذا خلاف المقصود من الاعتكاف، والأولى لمثل هؤلاء أداء الواجبات عليهم ومتى انتهت أعمالهم جلسوا في المسجد حسب الاستطاعة.
فائدة (٣): ومن الأمور أيضاً التي تعد منافية لروح الاعتكاف ما يحصل من اجتماع الشباب داخل الاعتكاف لغير فائدة، إما لكلام بلا فائدة، أو باللعب بما في أيديهم من الجوالات، وغير ذلك مما هو ليس فيه نفع، وهذا بلا شك مخالف لمقصود الاعتكاف، بل على الشباب أن يجتهدوا في طاعة الله، وأن لا يضيعوا وقت الاعتكاف فيما لا خير فيه ولا نفع.
فائدة (٤): بعض الشباب - هداهم الله - يعتكف بغير إذن وليه ، وقد يكون الأب أو الأم في حاجة له ومع ذلك يعتكف دون رضاهم، وهذا خطأ كبير، بل على الابن أن يستأذن والديه في الاعتكاف، فإن أذنا له فحسن، وإلا فلا يجوز له أن يعتكف بغير رضاهما.
فائدة (٥): المشروع في حق المعتكف أن يدخل معتكفه قبل غروب شمس يوم العشرين من رمضان ، ويخرج منه بغروب شمس آخر يوم من رمضان إن تم ثلاثين يوماً أو أعلن خبر العيد.
стр. 699
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فائدة (٦): يلاحظ عند بعض المعتكفين كثرة الولائم والإسراف في المأكول والمشروب ، وهذا فيه نوع إسراف وهو منهي عنه، وفيه نوع من شبع البطن التي تؤدي إلى الكسل عن العبادة، وهذا أمر ملاحظ ومشاهد، فالذي تمتلاء معدته بكل مأكول ومشروب تراه يتكاسل عن أداء العبادة، وإن أداها فهي خالية من خشوع القلب الذي هو لب العبادة، فعلى المعتكفين أن يقللوا من الأكل والشرب وأن يتذكروا قوله ﷺ : (مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) (١).
стр. 700
وَبَلُ الغَمَامَةِ
في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة
شرح لعبارة المؤلف مع التمثيل لها والاستدلال وتخريج الأحاديث
وذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح في كل مسألة
(الحج)
تأليف
الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم
المملكة العربية السعودية - الزلفي - ص. ب: ١٨٨ - الرمز البريدي: ١١٩٣٢
هاتف: ٠٦٤٢٢٦٠٠٠ - فاكس: ٠٦٤٢٢٥٦٦٦ - جوال: ٠٥٠٥١٢٣١٠٠
موقع منار الإسلام www.m-islam.net
البريد الإلكتروني: a@m-islam.net ــ m-islam ١@hotmail.com
الجزء الثالث
مدار الوطن للنشر
стр. 701
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 702
وَبَلُ الغَمَامَةِ
في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة
(الحج)
стр. 703
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
مدار الوطن للنشر - الرياض
هاتف: ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) فاكس: ٤٧٢٣٩٤١ - ص. ب: ٢٤٥٧٦٠
فرع السويدي: هاتف: ٤٢٦٧١٧٧ - فاكس: ٤٢٦٧٣٧٧
منطقة الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦
المنطقة الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨
المنطقة الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨
المنطقة الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨
المنطقة الجنوبية: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٧
التوزيع الخيري: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤ - ٢٨٣١٤٥٣
التسويق والمعارض الخارجية: ٠٥٠٦٤٩٥٦٢٥
البريد الإلكتروني: pop@dar-alwatan.com
موقعنا على الإنترنت: www.madar-alwatan.com
стр. 704
كِتَابُ الْحَجِّ (١).
ــ
الشرح:
(١) قوله (كِتَابُ الْحَجِّ) (*) الحج بفتح الحاء ويجوز كسرها.
هو لغة: القصد؛ يقال: حج إلينا فلان، أي قدم إلينا.
وفي الشرع: التعبد لله بقصد البيت الحرام في زمن مخصوص لأداء المناسك من إحرام، وطواف، وسعي، ووقوف بعرفة، وغيرها.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بالحج:
أولاً: ذكر بعض فضائله:
١ - تضافرت نصوص الكتاب والسنة على الإشارة إلى فضل الحج، وعظمة ثوابه، وجزيل أجره، ومن هذه النصوص ما جاء في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (١). قال العلامة ابن سعدي ﵀ (٢) في تفسير هذه الآية ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ أي لينالوا ببيت الله منافع دينية من العبادات الفاضلة والعبادات التي لا تكون إلا فيه، ومنافع دنيوية من التكسب وحصول الأرباح الدنيوية، وكل هذا أمر مشاهد والكل يعرفه.
٢ - ومن فضائله أيضاً ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال=
стр. 705
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= (رسول الله ﷺ (مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (١)، وفي رواية عند الترمذي بلفظ (مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (٢).
ومعنى الرفث: الجماع أو التعرض للنساء به أو ذكره بحضرتهن، والفسوق: المعاصي كلها.
فمتى تجنب الحاج ذلك رجع كيوم ولدته أمه.
٣ - ومن فضائله ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ) (٣).
ومعنى المبرور: الذي لا معصية فيه، والذي وفيت أحكامه فوقع موافقاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل.
٤ - ومن فضائله أيضاً ما رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: (يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلا نُجَاهِدُ قَالَ لا لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ) (٤).
وروي عنها بلفظ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ قَالَ نَعَمْ عَلَيْهِنَّ=