← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - الفائدة (٢): الكفارة في الوطء في نهار رمضان على الترتيب لا التخيير، وفي رواية عن الإمام أحمد (١) أنها على التخيير، والصحيح القول الأول، وهي كما جاء في الحديث: (عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً)، والكفارة هنا هي نفس كفارة الظهار، مع أن كفارة الظهار ثابتة بالكتاب، وهذه ثابتة بالسنة، فلا يتحول من عتق الرقبة إلى الصيام إلا عند العجز عن العتق، ولا يتحول من الصيام إلى الإطعام إلا إذا لم يقدر على الصيام لمانع صحيح، كأن يكون به مرض، أو يخشى حدوث المرض بالصوم، أما من تلحقه المشقة المحتملة بالصوم فليس ذلك مسوغاً له للانتقال إلى الإطعام. - الفائدة (٣): لابد أن يكون الصيام متتابعاً كما قال المؤلف ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾، فلا يفطر فيها إلا بعذر شرعي كأيام العيدين، والتشريق، وأيام الحيض والنفاس للمرأة، أو لعذر حسي كالمرض والسفر لغير قصد الفطر، فإن أفطر بغير عذر ولو يوماً واحداً لزمه استئناف الصوم من جديد ليحصل التتابع. - ال فائدة (٤): إذا شرع في الكفارة بالصيام، ثم قدر على العتق في أثناء الصيام هل يلزمه أن يعدل إلى العتق؟ نقول: لا يلزمه الانتقال. - الفائدة (٥): من كفَّر بالصيام يباح له الوطء قبل التكفير بخلاف كفارة الظهار، فإنه يحرم عليه الوطء قبل التكفير.

стр. 632

فَإِنْ جَامَعَ وَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (١). ــ (١) قوله: (فَإِنْ جَامَعَ وَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .): هذه المسألة لها حالتان: الأولى: أن يجامع في يوم واحد مرتين، فهذا لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يجامع ثم يكفر، ثم يجامع في نفس اليوم، فالمذهب (١) أنه يلزمه كفارة ثانية. والجمهور (٢) على عدم الإلزام، لأن الجماع لم يرد على صوم صحيح، وإنما ورد على إمساك فقط، وهذا هو الصحيح. الأمر الثاني: أن يجامع في يوم واحد مرتين، ولم يكفر عن الجماع الأول، أجزأته كفارة واحدة بغير خلاف في المذهب (٣). الحالة الثانية: أن يجامع في يومين، فهو أيضاً لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يجامع في يوم، ويكفر عنه، فهنا يلزمه الكفارة عن الثاني. الأمر الثاني: أن يجامع في يوم ولم يكفر، ثم يجامع في آخر، فهل تلزمه كفارتان، عن كل يوم كفارة؟ على روايتين في المذهب (٤). إحداهما: تجزئه كفارة واحدة، وهو مذهب أبي حنيفة (٥)، وذلك لأنها كفارات من جنس واحد، فاكتفى فيها بكفارة واحدة، كما لو حلف على أيمان متعددة ولم يكفر.

стр. 633

وَإِنْ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ، فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ (١). وَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الإِمْسَاكُ فِيْ رَمَضَانَ، فَجَامَعَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (٢). ــ الثانية: أنه يلزمه عن كل يوم كفارة، وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، فإن جامع في يومين فإنه يلزمه كفارتان، وإن جامع في ثلاثة أيام فثلاث كفارات، وهكذا. قلت: ولو راعى المفتي أحوال المستفتي وظروف وقوعه في المحظور لكان ذلك أرفق. (١) قوله (وَإِنْ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ، فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ .): سبق بيان هذه المسألة آنفاً. (٢) قوله (وَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الإِمْسَاكُ فِيْ رَمَضَانَ، فَجَامَعَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ .): ذكرنا فيما سبق أن من أفطر بعذر شرعي لا يلزمه إمساك بقية اليوم لأنه لا فائدة في الإمساك، قال ابن مسعود ﵁: (من أكل أول النهار فليأكل آخره) (٣) وعلى ذلك ما ذهب إليه المؤلف في هذه المسألة الراجح خلافه. فالمسافر المفطر الذي قدم إلى بلده نهاراً، وكذا الحائض والنفساء تطهران نهاراً، والمريض الذي يفطر لمرضه ثم يشفى أثناء النهار، ونحو هؤلاء ممن أفطروا لعذر شرعي لا يلزمهم الإمساك، ومتى جامع هؤلاء في نهار رمضان لا يجب عليهم الكفارة، بل يلزمهم القضاء فقط. ذكر بعض الفوائد: - فائدة (١): من رأى هلال رمضان وحده، ولم تقبل شهادته ثم جامع في نهار رمضان فهل يجب عليه القضاء والكفارة؟

стр. 634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نقول على الخلاف المذكور سابقاً، فالمذهب (١) يوجب القضاء والكفارة، والصحيح أنه لا يلزمه القضاء ولا الكفارة لأن الصوم في حقه غير ملزم به، لأن الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (٢) ﵀. - فائدة (٢): هل تجب الكفارة على من أفطر متعمداً في نهار رمضان؟ نقول: قال بعض الفقهاء: الكفارة إذا وجبت بالوطء مع قلة الداعي إليه في الصوم، فلأن تجب بالأكل أولى وأحرى، لأن الكفارة تجب زاجرة عن المعاودة، وماحية للسيئة، وجابرة لما دخل من النقص على العبادة، وهذا يستوي فيه الأكل والوطء، ولأن الأكل مما تدعو إليه الطباع، وتشتهيه النفوس كالجماع، وما كان من المحرمات تشتهيه الطباع كالزنا، وشرب الخمر فلابد من زاجر شرعي، والزواجر إما حدود، أو كفارات، فلما لم يكن في الأكل حد فكان لابد فيه من الكفارة. قلت: والصحيح أن الكفارة إنما تجب بالجماع فقط، ولا يجوز أن تلحق سائر المفطرات بالجماع وذلك لأمور: الأول: أن الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة، والحديث إنما يوجبها في الوقاع، فإلحاق غيره به يحتاج إلى دليل، والقياس في ذلك ليس بالبين كما ذكر ذلك شيخ الإسلام. الثاني: أن الجماع يفارق غيره بقوة داعيه وشدة باعثه، فإنه إذا هاجت=

стр. 635

وَمَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ؛ لِعُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ فَرَّطَ، أَطْعَمَ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا (١)، ــ =شهوته، لم يكد يزعها وازع العقل، ولم يمنعها حارس الدين. الثالث: أنه لو وجب لأجل الإفطار لاستوى فيه جميع المفطرات، فإن تخصيص بعضها دون بعض نوع تشريع يحتاج إلى دلالة الشرع. الرابع: أن هذه الكفارة العظمى لا تجب إلا في نوع النكاح المحرم لعارض، ولهذا وجبت على المظاهر لما حرم عليه فرج امرأته بالظهار، كما حرم على الصائم فرج امرأته بالصيام، ووجب نحوها على المحرم لما حرم عليه فرج امرأته بالإحرام. الخامس: أن هذه الكفارة لو كانت واجبة بالفطر لكان من أبيح له الفطر من غير قضاء تجب عليه هذه الكفارة، كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة. فهذه جملة من الفروق بين وجوب الكفارة بالجماع، وبين وجوب الكفارة بغيره، ذكرها شيخ الإسلام (١) في شرحه للعمدة. ومن هنا نقول: بأن وجوب الكفارة إنما تكون على من جامع في نهار رمضان وفق الشروط المذكورة سابقاً، وما عداه لا تجب عليه الكفارة. (١) قوله (وَمَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ؛ لِعُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ فَرَّطَ، أَطْعَمَ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا): ذهب جمهور الفقهاء (٢) إلى أن قضاء رمضان على التراخي لكن قيدوه بما إذا لم يفت وقت قضائه كأن يهل رمضان آخر وهو لم يقض.

стр. 636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فعن عائشة ﵂ قالت: (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). فإن أخر القضاء لغير عذر حتى دخل عليه رمضان آخر أثم بذلك، وهل يلزمه الفدية مع القضاء؟ نقول: ذهب إلى لزوم الفدية أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر ﵃ حيث قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه حتى أدركه رمضان آخر: عليه القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم، وهذه الفدية للتأخير. وذهب الحنفية (٢) بإطلاق التراخي بلا قيد، فلو جاء رمضان آخر ولم يقض الفائت جاز له أن يقدم صوم الأداء على القضاء ولا فدية عليه بالتأخير. واحتجوا لذلك بأن الله تعالى لم يوجب إلا عدة من أيام أخر، ولم يوجب أكثر من ذلك، وكون الصحابة أفتوا بذلك فقولهم حجة ما لم يخالف النص، وهنا خالف ظاهر النص فلا يعتد به. وذهب شيخنا (٣) ﵀ إلى أن من أخر القضاء حتى أدركه رمضان آخر فإنه يأثم بذلك ولا يجب عليه إلا القضاء فقط لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤)، ولم يذكر إطعاماً. وذهب بعض الفقهاء (٥) إلى أن من أخر القضاء بلا عذر وجب عليه الإطعام=

стр. 637

وَإِنْ تَرَكَ الْقَضَاءَ حَتَّى مَاتَ لِعُذْرٍ، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ (١)، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنٌ (٢)، ــ =فقط، ولا يصح منه الصيام بقوله ﷺ : (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (١). فهذا عمل عملاً ليس عليه أمر الله ولا رسوله فيكون عملاً باطلاً. قلت: والراجح عندي القول الأول، فمتى أخر القضاء حتى دخل عليه رمضان آخر فعليه القضاء والكفارة لاسيما أن هذا فتوى بعض صحابة النبي ﷺ ، وهو اختيار سماحة شيخنا بن باز (٢) ﵀. هذا إذا كان قادراً على الإطعام، أما إذا عجز عن الإطعام فلا تلزمه الفدية. (١) قوله: (وَإِنْ تَرَكَ الْقَضَاءَ حَتَّى مَاتَ لِعُذْرٍ، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ): أي إن لم يتمكن من قضاء رمضان فلا شيء عليه لعدم تقصيره ولا إثم لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت فسقط حكمه كالحج. (٢) قوله (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنٌ): أي إن ترك القضاء لغير عذر مع تمكنه منه ولم يقضي حتى مات فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: ذهب جمهور الفقهاء (٣) إلى أنه لا يصام عنه لأن الصوم الواجب بأصل الشرع لا يقضى عنه، ولأن الصوم لا تدخله النيابة في الحياة، فكذلك بعد الموت.=

стр. 638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وذهب النووي وأبو الخطاب من الحنابلة (١) إلى أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه، ويجزئه عن الإطعام، وتبرأ به ذمة الميت، ولا يلزم الولي الصوم بل هو إحسان منه للميت. واحتج هؤلاء بحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) (٢). والراجح أنه يستحب لولي الميت أن يقضي عنه للحديث المتقدم، فإن لم يفعل أطعم عن كل يوم مسكيناً. قال سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (٣) (حديث من مات وعليه صوم صام عنه وليه) الصواب أنه عام وليس خاصاً بالنذر، وقد روي عن بعض الأئمة كأحمد وجماعة أنهم قالوا: إنه خاص بالنذر، ولكنه قول مرجوح، ولا دليل عليه، والصواب أنه عام. والرسول ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، ولم يقل صوم النذر، ولا يجوز تخصيص كلام النبي ﷺ إلا بدليل والحديث عام يعم صوم النذر وصوم الكفارات، فمن ترك ذلك صام عنه وليه، والولي هو القريب من أقاربه، وإن صام غيره أجزأ عنه، فقد سئل النبي ﷺ .... ) إلى أن قال ﵀: (والأحاديث كثيرة دالة على قضاء رمضان وغيره، وأنه لا وجه لتخصيص النذر، بل هو قول مرجوح ضعيف، والصواب العموم).

стр. 639

إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ الصَّوْمُ مَنْذُوْرًا، فَإِنَّهُ يُصَامُ عَنْهُ (١)، وَكَذلِكَ كُلُّ نَذْرِ طَاعَةٍ (٢). ــ (١) قوله (إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ الصَّوْمُ مَنْذُوْرًا، فَإِنَّهُ يُصَامُ عَنْهُ): المذهب (١) يفرقون بين ما هو واجب بأصل الشرع، وبين ما أوجبه الإنسان على نفسه كالنذر، ففي الأول الواجب في حقه الإطعام عنه، أما الثاني فيستحب لوليه قضاؤه عنه ولا يجب وإنما يستحب، وذلك لحديث المرأة التي أتت إلى النبي ﷺ ، فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: (جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا قَالَ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ) (٢). والصحيح عندي أنه لا فرق بين ما كان بأصل الشرع وما أوجبه الإنسان على نفسه، فيجوز لوليه أن يصوم عنه كما مرَّ آنفاً، فإن صام أجزأه عن الفدية كما سنذكر ذلك قريبا. - فائدة: من أخر القضاء بغير عذر ثم مات قبل رمضان أخر أو بعده هل يلزم الولي إخراج الفدية عنه؟ نقول: إذا لم يخلف الميت تركة لأداء الفدية عنه فيستحب لوليه أخراجها عنه عن كل يوم مد لمسكين. أما إذا كان للميت تركة فيجب على الولي إخراجها عنه من تركته قبل تقسيم التركة. (٢) قوله (وَكَذلِكَ كُلُّ نَذْرِ طَاعَةٍ): أي يستحب لولي الميت أن يقضي عن الميت كل نذر طاعة، كأن يكون نذر أن يحج أو أن يصوم يومين أو ثلاثة أو أن يصلي ركعتين أو أن يعتكف، وهكذا كل طاعة نذر أن يفعلها ولم يفعلها حتى مات.

стр. 640

بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ (١) ــ (١) قوله: (بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ): أي ما يبطله، والصوم هنا يشمل صوم الفرض وصوم النفل، و مبطلات الصوم أصولها ثلاثة ذكرها الله تعالى في قوله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (١). فذكر الله تعالى في هذه الآية ثلاثة مفسدات للصوم وهي: الجماع: حيث أباحه الله تعالى في الليل، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ .. ﴾ فدل على أنه أثناء النهار يحرم على الصائم فعله، وقد سبق بيان هذا النوع من مفسدات الصوم. الأكل، والشرب: في نهار رمضان، حيث قيده ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ .. ﴾ فدل ذلك على أنه بعد تبين الخيطين لا يحل للصائم أن يأكل أو يشرب لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. فهذه هي المفسدات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وما عداها إما ثابت بالسنة أو ثابت بالاجتهاد. وسنقوم بذكر ذلك إن شاء الله مع بيان الراجح.

стр. 641

وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ (١)، ــ (١) قوله: (وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ): أي من أكل أو شرب فسد صومه لقوله تعالى: ﴿ .. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ .. ﴾. لكن يشترط لفساد الصوم بالأكل والشرب ما يلي: (١) أن يكون ذاكراً ، فإن كان ناسياً فلا يفطر بذلك، وهذا هو قول الجمهور (١). دليل ذلك قوله ﷺ : (مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ) (٢). ولعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا .. ﴾ (٣)، قَالَ قَدْ فَعَلْتُ) (٤). وذهب المالكية (٥)، إلى أن من نسي في رمضان فأكل أو شرب عليه القضاء، أما لو نسي فأكل أو شرب في غير رمضان فإنه يتم صومه. والصحيح قول الجمهور كما ذكرنا. لكن يجب تذكير الناسي إذا كان يأكل أمامك لقوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى .. ﴾ (٦). (٢) أن يكون متعمداً ، فإن كان قد أدخل إلى جوفه أكلاً أو شرباً من غير تعمد منه فلا يفطر بذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ

стр. 642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ .. ﴾ (١). (٣) أن يكون مختاراً ، فإن كان مكرهاً على الفطر فإنه لا يفطر، وهذا هو قول الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥) إلى أن الإكراه على الإفطار يفسد الصوم ويوجب القضاء. والصحيح القول الأول لعموم قوله ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) (٦). (٤) أن يكون عالماً ، فإن كان جاهلاً بالحكم أو بالحال فالصحيح من الأقوال أنه لا يفطر بذلك. مثال: الجهل بالحكم الشرعي: حديث عدي بن حاتم ﵁ حيث ذكر فيه قول النبي ﷺ : (إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ .. ) (٧). والشاهد من الحديث أن النبي ﷺ لم يأمره بالقضاء لأنه جاهل لم يقصد المخالفة. مثال: الجهل بالحال: حديث أسماء بنت أبي بكر في صحيح البخاري وفيه قالت: (أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ ... ) (٨).

стр. 643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشاهد من الحديث أنهم أفطروا في النهار بناء على أن الشمس قد غربت، فهم جاهلون بالحال ومع فطرهم لم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء فلو كان القضاء واجباً لأمرهم به النبي ﷺ . ذكر بعض الفوائد: - الفائدة (١): قول المؤلف (مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ) هو عام يشمل كل مأكول أو مشروب ينفع ويضر وما لا ينفع ولا يضر، وهذا هو قول جمهور الفقهاء. فما ينفع كاللحم والخبز وما أشبه ذلك. وما يضر كالدخان والحشيش ونحو ذلك. وما لا ينفع ولا يضر كالخرزة والحصاة وما أشبههما وهذا ما ذهب إليه الجمهور (١)، وذهب بعض الفقهاء إلى أن ما لا يغذي لا يحصل به الفطر. والصحيح: أنه يحصل به الفطر وذلك لإطلاق الآية، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ (٢) وهذا يسمى أكلا. - ال فائدة (٢): هل الحقن تفطر ؟ نقول: نظراً لحاجة الناس إلى بيان هذا الحكم فسوف نتوسع في بيانه شيئاً ما، ثم نبين الراجح من أقوال أهل العلم في هذه الأشياء فنقول وبالله التوفيق: الحقن التي يستعملها المرضى لمعالجة العوارض الصحية التي تطرأ عليهم لها منفذان، إما عن طريق الوريد، وإما عن طريق الشرج. أولاً: الحقن الشرجية:

стр. 644

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذا النوع من الحقن عرفه الإنسان من زمن بعيد، وهي حقن تعطى للإنسان لأغراض متعددة منها: أن الأمعاء قد يكون فيها بعض الفضلات التي تسبب مغصاً وألماً، فتعطى الحقنة الشرجية لتطهيرها من الفساد، كما أن الأمعاء قد تتعرض لحالة من الانقباض والجفاف فيدخل إليها السائل من خلال الحقنة الشرجية لتليينها، وقد تعطى هذه الحقنة للتغذية والتقوية كما لو كان في المعدة مرض يمنع من قبولها الطعام أو الشراب، فالمعطى هنا يقوم مقام الأطعمة في التغذية. حكم هذا النوع من الحقن: نقول: ذهب جمهور الفقهاء (١) إلى أن الحقن الشرجية تفطر الصائم مطلقاً أيًّا كان غرض استعمالها، وقد استدلوا لذلك بأن هذه السوائل تدخل الأمعاء وما يدخل فيها اختياراً مفطر لحديث: (الفطر مما دخل) (٢)، وقالوا: بأن كل ما وصل إلى الجوف بفعل الصائم من حقنة وغيرها يفطر قياساً على أن كل ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان يفعله لقوله ﷺ : ( .. وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا .. ) (٣). وعليه فكل ما وصل إلى موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه يفطر، وهذا يصدق على الحقنة الشرجية. وقال بعض أهل العلم (٤) إن الحقنة الشرجية لا تفطر الصائم مطلقاً، =

стр. 645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =واستدلوا لذلك بأن من محظورات الصوم الأكل والشرب، وحقيقتهما هو دخول شيء من الحلق إلى المعدة، والمعدة هي محل الطعام والشراب من الإنسان كالحويصلة من الطائر، والكرش من الحيوان، فالمبطل للصوم ما دخل فيها بخصوصها مغذياً أو غير مغذ من طريق المنفذ المعتاد، فما دخل الجوف، وما يصل إليها لا يفسد الصوم، فالحقنة الشرجية يدخل بها الماء إلى الجوف ولكن لا يصل إلى المعدة فلا تفطر ولأنها لا تدخل محل الطعام والشراب. قال شيخنا (١) ﵀: (الحقن الشرجية التي يحقن بها المرضى في الدبر ضد الإمساك اختلف فيها أهل العلم: فذهب بعضهم إلى أنها مفطرة بناء على أن كل ما يصل إلى الجوف فهو مفطر. وقال بعضهم: أنها ليست مفطرة، وممن قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وعلل ذلك بأن هذا ليس أكلاً ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب. ثم قال شيخنا ﵀: (والذي أرى أن ينظر إلى رأي الأطباء في ذلك، فإذا قالوا: إن هذا كالأكل والشرب وجب إلحاقه به وصار مفطراً. وإذا قالوا: إنه لا يعطي الجسم ما يعطيه الأكل والشرب فإنه لا يكون مفطراً. قلت: وبعد الرجوع إلى الأطباء وسؤالهم عن الحقنة الشرجية هل تصل إلى الجوف أم لا أكدوا لنا أنها لاتصل إلى الجوف، وبناءًا على ذلك نقول بأن الحقن الشرجية لا تفطر وهو ما اختاره شيخنا (٢) ﵀ في الشرح الممتع، =

стр. 646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =حيث قال ﵀: (وإذا كانت الحقنة وهي التي تدخل عن طريق الدبر لا تفطر على القول الراجح فما دخل عن طريق الإحليل من باب أولى. - تنبيه: ما ينطبق على الحقنة الشرجية ينطبق على التحميلة التي تعطى في الشرج. ثانياً: الحقن التي تعطى عن طريق الوريد والشرايين: اختلف أهل العلم في هذا النوع من الحقن في مدى تأثيرها على الصيام. فذهب بعض أهل العلم إلى جوازها مطلقاً، وأنها لا تؤثر على الصوم لأنها ليست مما ينفذ إلى الجوف بواسطة المنافذ المعتادة كالفم والأنف والعين والأذن والدبر، وأن هذه الإبر لا تدخل محل الطعام والشراب فلا تفطر، فالمفطر هو الداخل من المنافذ الطبيعية. وقالوا أيضاً: إن ما تحدثه هذه الحقن من انتعاش في الجسم لا يضر لأنها لا تدفع عطشاً ولا جوعاً، فلا تأخذ حكم الأكل والشرب وإن أدت شيئاً من مهمته. وقال بعض أهل العلم: إن الحقن بجميع أنواعها تفطر سواء كانت للدواء أو الغذاء وذلك للاحتياط للعبادة. وقال بعض العلماء: أنها إذا كانت أي الحقن مما يؤخذ في العضل فلا بأس به للمريض المحتاج، أما إبرة العرق سواء كانت للتغذية أو غيرها فلا يأخذها المريض وهذا احتياط في الدين والاحتياط في الدين أمر شرعي حسن. وبعد ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة التي يحتاج إليها الناس نقول وبالله التوفيق:

стр. 647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بأن الراجح عندي أن الحقن إذا كانت تعطى عن طريق الوريد وكانت مغذية كالمغذي الذي يعطى للمريض أو الإبر المغذية، فهذه تفطر لأنها تأخذ معنى الأكل والشرب. أما إن كانت تؤخذ في العضل أو كانت في الوريد ولم تكن مغذية فلا تفطر، وهذا هو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز (١)، وشيخنا ابن عثيمين (٢) رحمهما الله. - الفائدة (٣): في حكم استعمال بخاخات الربو والأكسجين ونحوهما: قد يصاب بعض الناس بمرض الربو، وهو مرض يضيق معه النفس، فيستعمل المريض له شيئاً يسمى بخاخاً يبخ به في فمه أو يعطى الأكسجين فتنفتح عروقه فيسهل التنفس. وهذا البخاخ أو الأكسجين وأمثالهما في الحقيقة لا يصل إلى المعدة وإنما يصل إلى القصبات الهوائية، فليس هو بمعنى الأكل والشرب، ولذا نقول: لا بأس باستعمال ذلك لمن احتاج له، اللهم إلا إذا كانت هذه الأشياء تضاف لها سوائل أخرى تصل من خلالها إلى المعدة، فهنا تفطر الصائم ويجب عليه القضاء. - الفائدة (٤): في حكم استعمال قطرة العين والأذن والأنف: أما قطرة العين والأذن فإنهما لا تفطران وإن وجد طعمهما في الحلق لأنهما ليستا منفذاً للأكل والشرب.

стр. 648

أَوْ اسْتَعَطَ (١)، ــ أما قطرة الأنف فإذا وصلت المعدة فإنها تفطر لقول النبي ﷺ للقيط ابن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) (١)، فلا يجوز للصائم أن يقطر في أنفه ما يصل إلى معدته، وأما ما لا يصل إلى المعدة من قطرة الأنف فإنها لا تفطر. (١) قوله: (أَوْ اسْتَعَطَ ، ): السعوط هو ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف، وهو منفذ إلى المعدة، ولذا نهى النبي ﷺ لقيط بن صبرة عن المبالغة في الاستنشاق، فقال: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) (٢)، فالمبالغة في الاستنشاق قد تكون سبباً في وصول الماء إلى المعدة، ولهذا نهاه النبي ﷺ . وعلى ذلك فكل ما وصل إلى المعدة عن طريق الفم أو الأنف فإنه مفطر لأنها منفذ واحد، ولذا نجد بعض المرضى توضع له قسطرة في أنفه ثم يوضع له الطعام، وإذا شرب من خلالها يتغذى به. قوله: (أَوْ أَوْصَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئًا، مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ): كأنفه وبطنه وصدره، وغير ذلك لكن بشرط أن تجعل هذه المواضع بغرض دخول الطعام والشراب منها لانسداد المريء أو تقرحه ونحو ذلك، فيكون ما أدخل فيها مفطراً كما لو أدخل إلى الفم. - فائدة: المنظار نوع من الاستكشافات الحديثة يستخدمه الأطباء لمعرفة موضع المرض في الجسم ونوعيته، فيقومون بإدخاله عن طريق الفم إلى المعدة حتى يصل إلى موقع المرض، فهل هذا المنظار يكون مفطراً؟ نقول: على كلام=

стр. 649

أَوِ اسْتَقَاءَ (١)، ــ =المؤلف يكون مفطراً. والصحيح أنه لا يفطر إلا إذا كان فيه شيء يصل إلى الجوف مثل دهن أو علاج أو تقئ به فإنه يفطر به، وأما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يفطر به، والغالب أنه يكون فيه شيء. (١) قوله: (أَوِ اسْتَقَاءَ): فرق الفقهاء بين ما إذا خرج القيء بنفسه وبين ما إذا خرج من الجوف عمداً، وهو ما يسمى بالاستقاءة أو تكلف القيء. والقيء إذا خرج بنفسه أي غلب القيء الصائم فلا خلاف بين الفقهاء في عدم الإفطار به قل القيء أم كثر، لكن بشرط أن لا يدخل منه شيء إلى جوفه باختياره. دليل ذلك ما رواه أهل السنن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) (١)، ومعنى ذرعه القيء: غلبه. قلت: وذهب بعض العلماء (٢) إلى أن القيء لا يفطر مطلقاً، وضعف حديث أبي هريرة المتقدم (مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ). وقال أيضاً: مما يدل على ضعف الحديث أن أبا هريرة ﵁ كان يقول بعدم الفطر بالقيء، كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: (إِذَا قَاءَ فَلا يُفْطِرُ إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلا يُولِجُ) (٣).

стр. 650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال أيضاً نقل عن ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ عدم الإفطار بالقيء مطلقاً ذرعه أو تعمده. قال القرضاوي (١) في كتابه (فقه الصيام) بعد ذكر ما أوردناه: والحقيقة أن التفطير بالقيء لا يتفق مع مقاصد الصيام، وقد جاء في حديث مرفوع آخر ما يعارض، هذا وهو ما روي عنه ﵊: (ثَلاثٌ لا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالاحْتِلامُ) (٢). قلت: والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فمتى استقاء الإنسان عمداً مختاراً ذاكراً لصومه عالماً بالحكم فإنه يفطر بذلك، والحجة في ذلك حديث أبي هريرة المتقدم، وقد صحح إسناده العلامة الألباني في الإرواء (٣)، ورد على من قال بضعفه بما فيه الكفاية. أما لو ذرعه القيء ثم عاد بنفسه بغير صنع من الصائم ولو كان ملء الفم فلا يفسد صومه لأنه كالمكره. أما ما جاء عن ابن عباس وابن مسعود ففيه نظر من جهة الإسناد وإن ثبت ذلك عنهم فإنه اجتهاد منهم، ولا اجتهاد مع وجود النص الصريح عن المعصوم ﷺ في ذلك. وهذا هو المذهب (٤). وذهب المالكية (٥) إلى أن رجوع القيء مفطر قل أو كثر، رجع عمداً أو سهواً، وعليه القضاء.

стр. 651

أَوِ اسْتَمْنَى (١)، أَوْ قَبَّلَ، أَوْ لَمَسَ، فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى (٢)، ــ والصحيح ما عليه المذهب لأن رجوع القيء ليس باختياره فهو كالمكره في ذلك. أما الاستقاءة وهي كما ذكرنا استخراج ما في الجوف عمداً، أو هي تكلف القيء، فإنها مفسدة للصوم موجبة للقضاء عند جمهور الفقهاء (١). أما الحنفية (٢) فلهم روايات وتفصيلات وتفريعات نعرض عنها لأن الحديث حجة في هذا المقام، ولذا أخذ به الجمهور. (١) قوله: (أَوِ اسْتَمْنَى): أي طلب خروج المني بأي وسيلة كانت كالاستمناء باليد أو التفخيذ أو باللمس وما شابه ذلك حتى أنزل، فإن صومه يفسد بذلك، وهذا هو قول عامة الفقهاء. وذهب الظاهرية (٣) إلى أن الاستمناء غير مفطر لعدم الدليل من الكتاب والسنة، ولأن أصول المفطرات ثلاثة وهذا ليس منها. والصحيح أنه مفطر لقوله ﷺ : (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي .. ) (٤). والاستمناء بلا شك شهوة، لكن يجب أن يقيد الاستمناء بالإنزال، أما إذا لم ينزل فلا شيء عليه. (٢) قوله: (أَوْ قَبَّلَ، أَوْ لَمَسَ، فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى): فإنه يفطر. قلت: قال في الشرح الكبير (٥): (المقبِّل لا يخلو من ثلاثة أقسام:

стр. 652

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدهما: أن يكون ذا شهوة مفرطة يغلب على ظنه أنه إذا قبل أنزلـ أو أمذى، فهذا تحرم عليه القبلة لأنها مفسدة لصومه أشبهت الأكل. الثاني: أن يكون ذا شهوة لكنه لا يغلب على ظنه ذلك فيكره له التقبيل لأنه يعرض نفسه للفطر ولا يأمن عليه الفساد، ولأن العبادة إذا منعت الوطء منعت دواعيه كالإحرام، ولا تحرم القبلة في هذه الحال لما روي (أن رجلاً قبل وهو صائم فأرسل امرأته فسألت النبي ﷺ فأخبرها النبي ﷺ أنه يقبل وهو صائم) (١). الثالث: أن يكون ممن لا تحرك القبلة الشهوة عنده كالشيخ الكبير ففيه، روايتان: إحداها: لا تكره له لأنها مباشرة لغير شهوة أشبهت لمس اليد لحاجة. الثانية: أنه يكره لأنه لا يأمن حدوث الشهوة، ولأن الصوم عبادة تمنع الوطء، فاستوى في القبلة فيها من تحرك شهوته ومن لا تحرك كالإحرام) انتهى كلامه مختصرًا. قلت: والذي يظهر لي أن القبلة لا بأس بها مطلقاً لقول عائشة ﵂: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ) (٢). فمتى ملك الإنسان إربه - يعني شهوته - جاز له ذلك، فمجرد القبلة لا تفسد الصوم إلا إذا كان معها إنزال، لكن من خشي الوقوع في المحذور فلا يقبل.

стр. 653

أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَنْزَلَ (١)، ــ لكن إذا قبل، أو لمس فأمذى هل يفسد صومه؟ إذا قبل أو لمس وباشر فأمذى فالمذهب (١)، وهو قول مالك (٢) أنه يفسد صومه، واختار شيخ الإسلام (٣) عدم إفساد الصوم بالمذي، وهو قول أبي حنيفة (٤)، والشافعي (٥)، واستظهر هذا القول صاحب الفروع (٦)، وصوَّبه صاحب الإنصاف (٧)، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين (٨) وهو الراجح عندي. (١) قوله: (أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَنْزَلَ): أي إذا كرر النظر إلى ما فيه تهييج لشهوته حتى أنزل بذلك فإنه يفطر وتكرار النظر على ثلاثة أحوال: الأول: أن يكرر النظر ولا يقترن بذلك إنزال فلا يفسد الصوم بغير خلاف. الثاني: أن يكرر النظر فينزل معه مني فالمذهب (٩)، وهو قول مالك (١٠) يفسد الصوم، وقال أبو حنيفة (١١)، والشافعي (١٢) لا يفسد لأنه من غير مباشرة أشبه الإنزال بالفكر. والصحيح عندي أنه يفسد الصوم بذلك لأنه إنزال للمني بفعل يتلذذ به، =

стр. 654

أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ (١)، ــ =وقد قال الله في الحديث القدسي: (يدع شهوته وطعامه من أجلي) (١). الثالث: أن يكرر النظر فينزل منه مذي فظاهر المذهب أنه لا يفطر بذلك لعدم ورود النص بالفطر به، وقياسه على المني لا يصح لمخالفته له في الأحكام فيبقى على الأصل. وفي رواية أخرى في المذهب (٢) أنه يفطر به لأنه خارج بشهوة، فأشبه المني. قلت: والصحيح عندي عدم الإفطار به، وهو كما ذكرنا اختيار شيخ الإسلام، وشيخنا ابن عثيمين، وغيرهم من الفقهاء. (١) قوله: (أَوْ حَجَمَ أَوِ احْتَجَمَ): الحجامة هي استخراج الدم المحتقن في الجسم، والحاجم هو الذي يحجم غيره، والمحجوم هو الذي يطلب الحجامة من غيره. وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فالمذهب (٣) وهي من مفرداته أنها تفطر ويجب على الحاجم والمحجوم القضاء. وذهب جمهور الفقهاء (٤) أنها لا تفطر ولكنهم كرهوها بوجه عام. والصحيح عندي ما ذهب إليه الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية (٥)، والشيخين (٦) لقوله ﷺ : (أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) (٧).

стр. 655

عَامِدًا، ذاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ (١)، ــ ذكر بعض الفوائد: - فائدة (١): هل يلحق بالحجامة الفصد، والشرط، والإرعاف، والتبرع بالدم؟ نقول: أما المذهب فعندهم لا يلحق الفصد، والشرط وغيرهما بالحجامة لأن العلة في الحجامة تعبدية، وذهب شيخ الإسلام إلى أن الفصد والشرط يفسدان الصوم وكذلك لو أرعف حتى خرج الدم من أنفه. والراجح عندي أن هذه الأشياء المذكورة إذا أضعفت الشخص مثل الحجامة فإنه يفطر بها، وهذا ما يميل إليه شيخنا (١) ررحمه الله. - فائدة (٢): الحجامة بالآلات الحديثة لا يفطر بها الحاجم، أما المحجوم فإنه يفطر بها. - فائدة (٣): التبرع بالدم كما ذكرنا يفطر إذا كان يضعف الشخص مثل الحجامة، لكن لا يسوغ إلا بثلاثة أمور: (١) أن لا يتضرر المتبرع. (٢) الحاجة الماسة للمتبرع له. (٣) أن يكون بدون عوض لأنه لا يجوز بيع الدم. - فائدة (٤): الدم الذي يفطر هو الكثير الذي في معنى الحجامة، أما القليل مثل إبرة تحليل السكر فلا تفطر. (١) قوله: (عَامِدًا، ذاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ): هذه شروط فساد الصوم، وقد سبق بيان هذه الشروط.

стр. 656

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فالشرط الأول: أن يكون (عامداً) فيخرج بذلك غير العامد كالمكره، ومن يحصل له الفطر بغير اختياره بلا إكراه مثل أن يدخل إلى فمه غبار أو حشرة أو يتمضمض فيدخل إلى جوفه الماء بغير اختياره فهذا لا يفطر لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١). وقد ذكرنا الخلاف في هذه المسألة قريباً وسبق بيان الراجح. الشرط الثاني: كونه (ذاكراً) أي ذاكراً لصومه فيخرج بذلك الناسي لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا .. ﴾ (٢) فقال تعالى: قد فعلت) (٣)، وقوله ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) (٤). وقوله ﷺ : (إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ) (٥). وهذا ما ذهب إليه الجمهور كما ذكرنا. وذهب المالكية (٦) إلى أن من نسي فأكل أو شرب في رمضان فعليه القضاء، وفي غير رمضان فإنه يتم صومه. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لقوله ﷺ (إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ) (٧). فهو عام يتناول صوم الفريضة وغيره،

стр. 657

وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ يَفْسُدْ (١)، وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارٌ، أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ، فَوَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ مَاءٌ (٢)، أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ (٣)، ــ فتخصيص ذلك بصوم النافلة يحتاج إلى دليل ولا دليل على التخصيص. (١) قوله: (وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ يَفْسُدْ): وهذا كما ذكرنا آنفاً يشترط لفساد الصوم أن يكون عالماً، ذاكراً لصومه، فإن فعله ناسياً أو مكرهاً لم يفسد صومه. - فائدة: هل يلحق بهذه الشروط أن يكون عالماً ؟ نقول: سبق بيان ذلك وقلنا أن الصواب اشتراط العلم بالمفطر، فإذا كان يجهل الحكم الشرعي كأن يجهل أن الجماع في رمضان مفسد للصوم فإنه لا يفسد صومه بذلك، لكن إن جهل ما يترتب عليه الجماع وهو يعرف أنه مفطر للصوم كأن يعرف أن الجماع مفسد للصوم لكن يجهل أن عليه الكفارة والقضاء فإنه يُلزم بالكفارة والقضاء ولا عبرة بجهله هنا ما دام أنه يعرف الحكم. وقال سماحة شيخنا بن باز (١) ﵀: من جامع في نهار رمضان جهلاً منه، وهو ممن يجب عليه الصيام فقد اختلف أهل العلم في شأنه. والأحوط له الكفارة من أجل تفريطه وعدم سؤاله عما يحرم عليه. (٢) قوله: (وَإِنْ طَارَ إِلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارٌ، أَوْ تَمَضْمَضَ أَوِ اسْتَنْشَقَ، فَوَصَلَ إِلَى حَلْقِهِ مَاءٌ): أي فإنه لا يفطر لأن ذلك حصل بغير اختياره ولا قصد منه. (٣) قوله: (أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ): أي فكر في الجماع فأنزل، فإنه لا يفسد صومه لقوله ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) (٢).

стр. 658

أَوْ قَطَّرَ فِيْ إِحْلِيْلِهِ (٣)، أَوِ احْتَلَمَ (٤)، ــ وهذا لم يعمل ولم يتكلم إنما حدث نفسه، ونلاحظ أن المذهب يفرق بين الفكر والنظر، فالفكر لا يمكن التحرز منه بخلاف النظر فإنه يمكن التحرز منه، فإن أنزل بالفكر لا يفطر وإن أنزل بالنظر أفطر. والصحيح كما ذكرنا أنه لا يفطر بالفكر ولا بالنظر. (١) قوله (أَوْ قَطَّرَ فِيْ إِحْلِيْلِهِ): الإحليل هي ما تسمى بقناة الذكر، فلو دخل عن طريقها مفطر من المفطرات فإنه لا يفطر لأن الذَّكر ليس طريقاً إلى الجوف، وما أدخل عن طريق الإحليل لا يسمى أكلاً ولا شرباً. (٢) قوله (أَوِ احْتَلَمَ): أي نام وفي أثناء نومه احتلم، فإنه لا يفطر بذلك لأنه غير قاصد، وقد رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ لكن يلزمه الغسل. - فائدة: من أجنب مثلاً ثم أصبح صائماً فصومه صحيح ولا قضاء عليه عند جمهور العلماء وذلك لحديث عائشة، وكذا أم سلمة ﵄ قالتا: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلامٍ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ) (١). لكن قد يقول قائل: أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو القاري قال سمعت أبا هريرة يقول: (لا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا أَنَا قُلْتُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلا يَصُومُ مُحَمَّدٌ وَرَبِّ الْبَيْتِ قَالَهُ ... ) (٢)، كيف يجاب عن هذا؟ نقول: بأن العلماء أجابوا عن هذا الحديث فقالوا بأنه يحمل على النسخ أو=

стр. 659

أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ (١)، وَمَنْ أَكَلَ يَظُنُّهُ لَيْلاً، فَبَانَ نَهَارًا، أَفْطَرَ (٢)، وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ طُلُوْعِ الْفَجْرِ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ (٣)، وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ غُرُوْبِ الشَّمْسِ فَسَدَ صَوْمُهُ (٤) ــ =الإرشاد إلى الأفضل، وهو أنه يستحب أن يغتسل قبل الفجر ليكون على طهارة من أول الصوم. وإلا فقد قال شيخ الإسلام (١) ﵀: (ويصح صوم الجنب باتفاق الأئمة). (١) قوله: (أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ): أي قاء بغير اختياره وقد سبق بيان هذه المسألة. (٢) قوله: (وَمَنْ أَكَلَ يَظُنُّهُ لَيْلاً، فَبَانَ نَهَارًا، أَفْطَرَ): لأن العبرة بالواقع، وبناءً على الأصل، فالأصل بقاء النهار. (٣) قوله: (وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ طُلُوْعِ الْفَجْرِ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ): وهذا أيضاً بناء على الأصل، فالأصل هنا بقاء الليل، فلم يفسد صومه بذلك. (٤) قوله: (وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِيْ غُرُوْبِ الشَّمْسِ فَسَدَ صَوْمُهُ): لأن الأصل عدم غروبها. قلت: وهذه المسائل الثلاث التي ذكرها المؤلف وهي فيمن شك في طلوع الفجر، أو دخول المغرب، فأكل أو شرب فتبين له خلاف ما اعتقد هل يلزمه القضاء أم لا؟ فالمذهب (٢) يوجب القضاء إلا في حالة واحدة، وهي من أفطر شاكاً في طلوع الفجر فبان طلوعه فلا يفسد صومه، وما عداها فعليه القضاء. وقد اختلف الفقهاء في هاتين المسألتين: هل يفسد صومه أم لا؟ فالحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وهو قول سماحة=

стр. 660

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =شيخنا ابن باز (١) ﵀ أنه يلزم القضاء لمن أكل أو شرب أو جامع ظانًّا غروب الشمس، وذلك لأن الأصل بقاء النهار. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣)، وشيخنا ابن عثيمين (٤) ﵏ أنه لا قضاء عليه، واحتج هؤلاء بما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ .. ) (٥). وبما أخرجه مالك ﵀ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَفْطَرَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمْسَى وَغَابَتْ الشَّمْسُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ عُمَرُ الْخَطْبُ يَسِيرٌ وَقَدْ اجْتَهَدْنَا) (٦). فقالوا: أنه لم يصرح في هذه الأدلة بالقضاء ولو كانوا قد قضوا لعلم ذلك. والراجح عندي ما ذهب إليه الجمهور وهو وجوب القضاء إلا في حالة واحدة وهي ما إذا أكل أو شرب شاكاً في طلوع الفجر فلا شيء عليه ما دام لم يتبين له أنه أكل أو شرب بعد طلوع الفجر، وهو قول شيخنا بن باز (٧) ﵀ لما جاء في حديث أسماء بنت أبي بكر المتقدم (قُلْتُ لِهِشَامٍ أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ قَالَ وَبُدٌّ مِنْ ذَلِكَ) (٨).

стр. 661

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأن هذا هو الأحوط، والأخذ بالأحوط في العبادات مطلب شرعي ينبغي على المسلم أن يسلكه. ذكر بعض الفوائد العامة على ما سبق بيانه في كتاب الصوم: - فائدة (١): ما يبقى في الفم بعد المضمضة مع الريق: إذا ابتلعه الصائم لا يضره ما دام أنه بصق بعد ما مج الماء، ولا يشترط المبالغة في البصق لأن ما يبقى بعد بلل الفم أو رطوبته لا يمكن التحرز منه. - فائدة (٢): من أصبح وفي فيه أو بين أسنانه طعام: فالواجب عليه أن يلفظه أي يخرجه ولا يبتلعه سواء كان قليلاً أو كثيراً. وذهب المالكية (١) إلى عدم الإفطار بذلك سواء ابتلعه عامداً أو ناسياً، وذلك لأنه أخذه في وقت يجوز أخذه فيه. وفي رواية أخرى عندهم، أي المالكية: أنه إن تعمد بلعه أفطر، أما لو سبق إلى جوفه فلا يفطر. والصحيح عندي أنه لا يفطر من ابتلع ذلك إلا بشرطين: الأول: أن يقصد ابتلاعه. الثاني: أن لا يعجز عن تمييزه أو مجه لأنه معذور فيه غير مفرط. فإن قدر عليهما أفطر ولو كان مثل الحمصة لأنه لا مشقة في لفظه والتحرز عن ذلك ممكن، وهذا هو قول الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). - فائدة (٣): في البصاق، ودم اللثة، وكذا الشفتين: قد يحصل مع الصيام تشقق للثة، وكذا للشفتين فتنزف هذه الأماكن دماً فما=

стр. 662

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =الحكم إذاً؟ نقول: مجرد البصاق لا يفطر إلا إذا كان مخلوطاً بدم بسبب تشقق اللثة، أو الشفة ونحوه، فإنه يحرم عليه ابتلاعه ويفطر به إذا ابتلعه لتغير الريق، والدم نجس لا يجوز ابتلاعه، وهذا هو قول الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين (٣) ﵀. - فائدة (٤): في النخامة: النخامة هي ما يخرجه الإنسان من الحلق أو من الخيشوم عند التنحنح، وهي إما أن تكون بلغماً، أو مخاطاً نازلاً من الرأس. وقد اختلف الفقهاء في حكمها: فمنهم من قال بأنها لا تفطر مطلقاً، وهو قول الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، ورواية في مذهب أحمد (٦). والمذهب (٧) عند الحنابلة أنه يحرم على الصائم ابتلاع النخامة، ويفطر بها إذا بلعها سواء كانت في جوفه أو صدره، لكن بشرط أن تصل إلى فمه، فإذا بلعها بعد وصولها إلى الفم أفطر بذلك لأنه أمكن التحرز منها. والصحيح عندي: أنه لا يفطر بها مطلقاً، وهو قول الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، ورواية في مذهب الإمام أحمد (١٠)، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح=

стр. 663

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =العثيمين (١) ﵀ وذلك لما ذكره أصحاب هذا القول، ولأنه أيضاً لا يعد بلعها أكلاً ولا شرباً، بل يحرم ابتلاعها لما فيها من الاستقذار والضرر. - فائدة (٥): من سافر من جهة الغرب وقبل ركوب الطائرة أذن المغرب فأفطر فلما حلقت الطائرة في السماء رأى الشمس: نقول: الصواب أنه لا يمسك لأنه أفطر بمقتضى دليل شرعي وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) (٣). - فائدة (٦): من سافر من الرياض مثلاً إلى بلاد الهند، وقد صام ثمانية وعشرين يوماً، ووجدهم قد صاموا قبله بيومين وعندهم عيد: فالصواب أنه يفطر معهم ويقضي ذلك اليوم. وقد سبق بيان ذلك (٤). - فائدة (٧): من صام ثلاثين يوماً ثم جاء لمكان آخر ووجدهم صياماً: فيلزمه الصيام معهم إلى حين فطرهم لأن العبرة بالمكان الذي هو فيه، وقد سبق بيان ذلك (٥). - فائدة (٨): من رأى الشمس قد غربت وهو في البلد والمؤذن لم يؤذن: فالذي ينبغي عليه أن ينتظر المؤذن لأنه يتبعه في الصلاة، وهو مؤتمن. ثم إنه قد=

стр. 664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =يكون حجب ضوء الشمس شيءٌ ما فيظن أنها قد غربت، لكن إذا كان في البلد وتيقن غروبها فله أن يفطر. - فائدة (٩): من كان عليه صيام شهرين متتابعين وسافر أو مرض فهل له أن يفطر؟ : الجواب: نعم له أن يفطر لأنها رخصة لو كان في رمضان، وكذلك المرأة إذا جاءها الحيض أو نفست فإنها تقطع التتابع وتواصل بعد طهارتها. - فائدة (١٠): من كان عليه كفارة صيام شهرين متتابعين وصام فما حكم الجماع له بالليل؟ : نقول: المسألة محل خلاف كما ذكرنا، فبعض أهل العلم قال: يجوز له ذلك، وقال بعضهم: لا يجوز له ذلك ككفارة الظهار. والصواب عندي: جواز ذلك.

стр. 665

بَابُ صِيَامُ التَّطَوُّعِ (١) ــ (١) قوله (بَابُ صِيَامُ التَّطَوُّعِ): أي باب ما يتقرب به إلى الله تعالى بما ليس بفرض من الصوم. والصيام يدور مع الأحكام الشرعية الخمسة، فمنه ما هو واجب، ومنه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مستحب. فالواجب: مثل صيام رمضان، وقضائه، وصوم النذر، وصوم الفدية، وصوم الكفارة. والمحرم: صيام العيدين، وصيام أيام التشريق لنص النبي ﷺ عليها، وصيام أيام الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة، وصيام التطوع للمرأة بدون رضا زوجها وهو حاضر لأن طاعته أوجب الواجبات، وصيام يوم الشك كما رجحنا سابقاً. والمكروه: صيام يوم عرفة للحاج وذلك لتفرغه للدعاء والذكر، ولأن النبي ﷺ لم يصمه في حجة الوداع. وصيام يوم الجمعة منفرداً إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، فلا حرج. وكذلك أن يوافق يوم الجمعة يوم عرفة أو يوم عاشوراء، أو قضاء رمضان، أو صامه على أنه من الست من شوال منفرداً، فهذا كله لا بأس به. فالمهم أن النهي عن صيام يوم الجمعة إذا كان مطلقاً، أما إن كان مقيداً فلا حرج. وصيام يوم السبت منفرداً، وصيام الدهر.

стр. 666

أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَصُوْمُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا (١)، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الَّذِيْ يَدْعُوْنَهُ الْمُحَرَّمَ (٢)، ــ والصوم المستحب: وهو ما سيذكره المؤلف هنا. (١) قوله (أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَصُوْمُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا): أي أفضل أقسام صوم التطوع هو صيام داود وذلك لورود النص في ذلك، فقد روى البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَأَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ) (١). ولقول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو ﵄: ( .. صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ قَالَ قُلْتُ فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) (٢). قلت: لكن هذا مشروط بأن لا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام، كالقيام بحقوق الله تعالى، وحقوق عباده اللازمة وإلا فتركه أفضل. (٢) قوله (وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الَّذِيْ يَدْعُوْنَهُ الْمُحَرَّمَ): أي ومن أفضل صوم التطوع أيضاً صيام شهر الله المحرم، لما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً أن النبي ﷺ قال: (أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ) (٣).

стр. 667

وَمَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ (١)، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ (٢)، ــ (١) قوله (وَمَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيْهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ): اتفق الفقهاء على صيام الثمانية أيام من شهر ذي الحجة التي من أوله قبل يوم عرفة، ودليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً: (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ - يَعْنِي أَيَّامُ الْعَشْرِ - قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بمَالِهِ وِنَفْسِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ) (١). وآكد هذه الأيام هو يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة. لكن هل يسن للحاج صيام هذه الأيام أيضاً؟ نقول: نعم يستحب صيامها للحاج أيضاً كما صرح بذلك المالكية (٢)، والشافعية (٣). (٢) قوله (وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ): دليل ذلك حديث أبي أيوب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (٤). فيسن صيام ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان. ونقل عن أبي حنيفة (٥) كراهة صيام هذه الست متفرقاً كان أو متتابعاً، وعن أبي يوسف (٦) كراهته متتابعة لا متفرقاً.

стр. 668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لكن ذهب عامة متأخري الحنفية (١) إلى أنه لا بأس بصيام هذه الست، وعللوا كراهة ذلك بأنه لا يؤمن أن يعد بعد ذلك من رمضان، فيكون ذلك تشبهاً بالنصارى. وذهب المالكية (٢) إلى كراهية صيام هذه الست لمقتدىً به، ولمن خيف عليه اعتقاد وجوبها إن صامها متصلة برمضان متتابعة وأظهرها أو كان يعتقد سنية اتصالها، فإن انتفت هذه القيود استحب صيامها. قلت: والصحيح أنه لا وجه في الكراهة مطلقاً في صيام هذه الست عملاً بالنص الوارد في صيامها، ولا يزال الناس يصومونها ويحرصون على صيامها ويعلمون أنها سنة وليس بواجب، والمحذور الذي يخشى على الناس حصوله يزول ببيانه لهم. ذكر بعض الفوائد: - فائدة (١): هل يستحب صيام هذه الست لمن لم يصم رمضان؟ نقول: ذهب الشافعية (٣) إلى استحباب صومها لكل أحد سواء صام رمضان أم لا، كمن أفطر لمرض أو سفر أو غير ذلك. وذهب الحنابلة (٤) إلى أنه لا يستحب صيامها إلا لمن صام رمضان. والصحيح عندي: أنها لا تسن لمن لم يصم رمضان لأنها مرتبطة بصيامه لظاهر النص.

стр. 669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فائدة (٢): الأفضل صيام هذه الست متتابعة ، أي عقب العيد مبادرة إلى العبادة ومسابقة إلى فعل الخيرات، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (١). ولما في التأخير من الآفات، ولا فرق في حصول الأجر بين التتابع والتفريق. أما الحنفية (٢) فالمستحب عندهم أن تصام هذه الست متفرقة، كل أسبوع يومان. وأما المالكية (٣) فذهبوا إلى كراهيتها متصلة برمضان متتابعة. والصحيح: القول الأول، أي أن الأفضل صيامها متتابعة بعد العيد. - فائدة (٣) إذا أخَّر السِّت من شوال حتى انتهى الشهر ، هل يحصل له أجرها إن صامها بعد فوات الشهر؟ نقول: ذهب المالكية (٤) إلى حصول الفضيلة، ولو صامها في غير شوال، بل استحبوا صيامها في عشر ذي الحجة، وقالوا عن تعيين النبي ﷺ لها في شوال إنما هو من باب التخفيف في حق المكلف لاعتياده الصيام لا لتخصيص حكمها بذلك، وقالوا أيضاً أن كل ما بَعُد زمنه كثر ثوابه لشدة المشقة. وقال سماحة شيخنا ابن باز ﵀: (ولا يشرع قضاؤها بعد انسلاخ شوال لأنها سنة فات محلها سواء تركت لعذر أو لغير عذر) (٥). والصحيح عندي في هذه المسألة: أنه لا يحصل الثواب المترتب على صيام هذه الست إلا في الشهر الذي عينت فيه، يعني شهر شوال. وذهب بعض أهل العلم إلى أن من لمن لم يتمكن من صيام هذه الست في شوال لعذر أصابه=

стр. 670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =كمرض أو قضاء رمضان كاملاً حتى خرج شوال، فإنه يقضيها ويكتب له أجرها كالفرض إذا أخره عن وقته لعذر، وكالراتبة إذا أخرها عن وقتها لعذر حتى خرج وقتها فإنه يقضيها كما جاءت به السنة، وهو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين (١) ﵀. - فائدة (٤): من أخر صيام هذه الست عن أول الشهر ولم يبادر بها: فله أن يصومها في أي وقت شاء في شوال في أوله، أو آخره، أو أوسطه. لقوله ﷺ : (ثم أتبعه ستاً من شوال) فظاهر النص أنه ما دامت الست في شوال فيحصل الأجر بذلك. - فائدة (٥): يستثنى من صيام هذه الست يوم العيد: لأنه لا يجوز صومه كما سيأتي إن شاء الله. - فائدة (٦): الأولى أن يصوم هذه الست بعد الانتهاء من قضاء رمضان: فلو كان عليه قضاء ثم صام النافلة قبل القضاء فهل يحصل على ثوابها هذا يتبين من فهم قوله ﷺ : (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (٢)، ومن بقي عليه شيء لا يصدق عليه أنه صام رمضان، بل صام بعضه، ولذا نقول لمن عليه قضاء الأولى لك أن تؤدي الواجب الذي عليك أولاً ثم تصوم الست من شوال، وإن فاتتك الست بسبب الضرر فلعلك تدرك أجرها، وفضل الله واسع ولله الحمد. قلت: وسيأتي إن شاء الله بيان حكم التطوع بالصوم قبل القضاء، وبيان=
следующие страницы →