. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= بطريق الأولى.
أما الشافعية (١)، والحنابلة (٢) فذهبوا إلى أنه ليس بمحظور ستر الوجه بل يباح فعل ذلك، واستدلوا لذلك بما ورد من الآثار عن السلف في ذلك، وهذا هو اختيار شيخنا (٣).
ورجح سماحة شيخنا ابن باز ﵀ (٤) عدم تغطية الوجه.
والذي يظهر لي: أن الأمر في ذلك واسع بالنسبة للحي، أما الميت فلا يغطى وجهه، وهذا هو الفرق بين المحرم الحي، والمحرم الميت.
- فائدة (٢): في حكم لبس القفازين:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يحرم على المرأة المحرمة لبس القفازين لقوله ﷺ ( .. وَلا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ) (٥).
وذهب الحنفية (٦) إلى جواز لبس المرأة للقفازين، ويقتصر إحرامها على وجهها، واستدلوا لذلك بحديث ابن عمر ﵄ وفيه قوله ﷺ (إِحْرَامُ المَرْأَة في وَجْهِهَا) (٧)، وأيضاً احتجوا لذلك بما ورد عن بعض الصحابة كسعد بن أبي وقاص ﵁ أنه كان يُلبس بناته القفازين وهن محرمات. =
стр. 772
الخامِسُ: الطِّيْبُ فِيْ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ (١)
ــ
= والراجح عندي: ما ذهب إليه الجمهور، وهو اختيار الشيخين (١).
(١) قوله (الخامِسُ: الطِّيْبُ فِيْ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ): هذا هو المحظور الخامس من محظورات الإحرام فيحرم على المحرم وضع الطيب في بدنه وكذا ثيابه دليل ذلك حديث عائشة ﵂ قالت: (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) (٢).
أما دليل النهي عن تطييب الثوب حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال ( .. لَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلا الْوَرْسُ .. ) (٣)، والزعفران نوع من الطيب، والمراد بالطيب هو ما يتطيب به عادةً فليس كل ما كان له رائحة زكية يسمى طيباً كالتفاح والنعناع، وكذا الصابون الذي له رائحة، وما أشبه ذلك مما له رائحة زكية تميل إليها النفس.
لكن ما الحكمة من نهي المحرم عن التطيب حال إحرامه ؟
نقول الحكمة من نهي المحرم عن الطيب أن الطيب يعطي الإنسان نشوة وربما يحرك شهوته ويلهب غريزته ويحصل بذلك فتنة له والله تعالى يقول ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٤)، ثم إنه أيضاً قد ينسيه ما هو فيه من العبادة فلذلك نهى عنه.
- فائدة (١): هل يجوز شم الطيب للمحرم ؟
стр. 773
السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ (١)
ــ
نقول ذهب جمهور الفقهاء (١) إلى كراهة شم الطيب دون مسه ولا جزاء فيه عندهم وذهب الحنابلة (٢) إلى حرمة تعمد شم الطيب ويجب فيه الفداء.
والصحيح عندي أن الشم له ثلاث حالات:
الأول: أن يشمه بلا قصد فهذا لا يحرم.
الثانية: أن يتقصد شمّه لكن لا يتلذذ به ولا يترفه كذلك به بل ليختبره، فهذا لا بأس به.
الثالثة: أن يقصد شمّه للتلذذ به، فهذا الأظهر عندي أنه لا ينبغي، لكن الإلزام بالفدية محل نظر.
- فائدة (٢): القهوة التي يوضع فيها شيء من الطيب أو الزعفران:
إذا بقي الطيب فيه فلا يشربها، وإذا لم تبق له رائحة وإنما مجرد لون فلا بأس.
(١) قوله (السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ): أي السادس من محظورات الإحرام قتل صيد البر، ودليل تحريمه على المحرم الكتاب والسنة والإجماع.
أما دليل الكتاب: فقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... ﴾ (٣) وقال تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُما﴾ (٤).
أما السنة: فكما في حديث أبي قتادةرضي الله عنه حيث أحرم أصحابه ولم يحرم ورأى حماراً وحشياً فاصطاده، وفيه قول الصحابة له ( .. أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ)، إلى قوله ﷺ لهم ( .. أَمِنْكُمْ أَحَدٌ =
стр. 774
وَهُوَ: مَا كَانَ وَحْشِيًّا (١) مُبَاحًا (٢)،
ــ
= أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا قَالُوا لا قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا) (١).
أما الإجماع فقد قال ابن قدامة (٢) في المغني (وقد أجمع أهل العلم على وجوب الجزاء بقتله).
(١) قوله (وَهُوَ: مَا كَانَ وَحْشِيًّا): هذا هو القيد الأول فيما لا يحل للمحرم صيده وهو الحيوان البري المتوحش فما كان بحرياً فلا يحرم اصطياده للمحرم.
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٣).
- فائدة (١) لو استأنس البري هل يجوز للمحرم اصطياده ؟
الجواب: لا؛ لأنه باعتبار أصله هو بري، فمتى استأنس الظباء أو الأرانب أو البط أو الحمام فلا يحل للمحرم اصطياده.
- فائدة (٢) ما يعيش في البر والبحر إلحاقه بالبري أحوط: لاجتماع جانب الحظر والإباحة فيه فيغلب جانب الحظر.
- فائدة (٣) إذا صاد السمك داخل حدود الحرم كأن تكون بحيرة بها أسماك فهل يجوز؟
قولان؛ والصحيح أنه يجوز لأن المحَّرم صيد البر.
(١) قوله (مُبَاحًا): أي مأكولاً وهذا هو القيد الثاني وخرج به غير المباح، فهو ليس من محظورات الإحرام.
لكن هل يجوز قتله؟
стр. 775
فَأَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ (١)، وَالأَهْلِيِّ (٢)، وَمَا حَرُمَ أَكْلُهُ، فَلا شَيْءَ فِيْهِ (٣)
ــ
نقول هذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما أمر بقتله: كالغراب والحدأة والعقرب، والفأرة والكلب العقور والحية والذئب والأسد وما أشبهها، فهذه تقتل في الحل والحرم.
قال ﷺ (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ الْحَيَّةُ وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْحُدَيَّا) (١) وهذا ليس على سبيل الحصر وإنما على سبيل التمثيل وإلا فما ذكرنا فهي أشد أذية.
الثاني: ما نهى عن قتله: مثل النملة، والنحلة، والهدد، والصُّرد فلا يقتل في الحل ولا في الحرم.
الثالث: ما سكت الشارع عنه: فلم يأمر بقتله ولم ينه عنه، فإن حصل منه أذية ألحق بالمأمور بقتله، وإن لم يؤذ فقد اختلف فيه الفقهاء: فقيل يقتل لأنه مما سكت عنه الشارع فهو مما عفي عنه، وقيل يكره لأن الله خلقه لحكمة فلا ينبغي قتله، وهذا هو الأولى عندي.
(١) قوله (فَأَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ): فلا يحرم على المحرم صيده ولا أكله لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ... ﴾ (٢).
(٢) قوله (وَالأَهْلِيِّ): أي وما كان أهلياً كالبعير والشاة والبقر والدجاج ونحوها فلا يحرم أيضاً صيده ولا أكله لأنه ليس بصيد.
(٣) قوله (وَمَا حَرُمَ أَكْلُهُ، فَلا شَيْءَ فِيْهِ): كالكلاب والخنازير والسباع ونحوها هذه لا شيء في صيدها، ويدخل في ذلك الحشرات كالذباب والبعوض =
стр. 776
إِلاَّ مَا كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ مَأْكُوْلٍ وَغَيْرِهِ (١)
ــ
= وغيرها فلا شيء في قتلها.
لكن هل يجوز قتلها في الحرم؟ ذكرنا ذلك قريباً.
(١) قوله (إِلاَّ مَا كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ مَأْكُوْلٍ وَغَيْرِهِ): أي فلا يحل صيده تغليباً لجانب الحظر فلو تولد شيء من صيد بري متوحش وصيد بري غير متوحش فإنه يكون حراماً، أو يكون مأكولاً فينزو عليه غير مأكول فيصير حراماً مثل الذئب ينزو على ضبع فتلد منه فالضبع صيد والذئب ليس بصيد لكن الولد حرام تغليباً لجانب الحظر.
- فائدة (١): إذا صاد غير المحرم صيداً فهل يحل للمحرم أكله ؟
نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب الجمهور (١) إلى أن ما صاده الحلال للمحرم ومن أجله فلا يجوز للمحرم أكله فأما ما صاده من أجل حظ نفسه لا غير فلا يحرم على المحرم أكله.
وذهب الحنفية (٢) إلى أنه يحل للمحرم ما صاده الحلال من الصيد ما لم يأمر به أو تكون منه إعانة عليه أو إشارة أو دلالة.
والصحيح عندي: أنه إذا لم يكن للمحرم أثر في هذا الصيد لا دلالة ولا إعانة ولا مشاركة ولا استقلالاً ولا صيد من أجله فإنه يباح للمحرم وإلا لم يبح له.
دليل ذلك حديث أبي قتادة ﵁ السابق ووجه الدلالة منه أن النبي ﷺ =
стр. 777
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= استفصل عن أشياء مخصوصة فقال أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا لا قال فكلوا ما بقي من لحمها.
أما ما استدل به البعض على أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد الحلال مطلقاً وهو حديث الصعب بن جثامة وأنه أهدى للنبي ﷺ حماراً وحشياً فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال ( .. إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلا أَنَّا حُرُمٌ) (١)، فيجاب عنه بأن الصعب بن جثامة إنما صاده من أجل النبي ﷺ لا من أجل نفسه ولذا رده إليه النبي ﷺ ، أما حديث أبي قتادة فهو ﵁ إنما صاده من أجل نفسه ولذا أباحه النبي ﷺ لأصحابه.
- فائدة (٢): المحرم إذا صاد الصيد في حال تحريمه عليه فليس له أكله لأنه محرم لحق الله.
- فائدة (٣): المحرم إذا قتل الصيد فهو حرام عليه وعلى غيره لأنه بمنزلة الميتة.
- فائدة (٤): من اضطر إلى الأكل فذبح الصيد لذلك فإنه يحل له لأنه لا تحريم مع الضرورة قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢).
لكن هل يأكل منها بقدر الضرورة أم له أن يأكل ويتزود منه؟
قولان، والأرجح أن له أن يتزود منه، لأنه لما حل قتله لم يؤثر الإحرام فيه شيئاً، وقد أبيح قتله لضرورة فكانت حلالاً، لأن الآدمي أكرم عند الله من الصيد.
стр. 778
السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ لا يَصِحُّ مِنْهُ، وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ (١)
ــ
- فائدة (٥): إذا شارك غير مُحِرمٍ مُحْرماً في قتل صيد فإنه يحرم عليهما جميعاً لأنه لا يمكن اجتناب الحرام إلا باجتناب الحلال حيث إن الحرام لم يتميز.
(١) قوله (السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ لا يَصِحُّ مِنْهُ، وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ): أي الأمر السابع من محظورات الإحرام عقد النكاح لقوله ﷺ (لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلا يُنْكَحُ وَلا يَخْطُبُ) (١)، رواه مسلم عن عثمان ﵁.
فلا يجوز للمحرم أن يعقد النكاح لنفسه ولا لغيره، بل لا يجوز لغيره أن يعقد له وهذا القول هو قول الجمهور (٢) وذهب الحنفية (٣) إلى أنه لا بأس للمحرم أن ينكح وينكح ويخطب، لكن إن تزوج فلا ينبغي له أن يدخل حتى يحل، واحتجوا لذلك بما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) (٤).
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يجوز للمحرم أن ينكح أو يُنكح لحديث عثمان ﵁ المتقدم.
أما احتجاج الحنفية بما جاء عن ابن عباس ﵄ فيجاب عنه بأن ميمونة ﵂ روت أن النبي ﷺ (تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلالٌ) (٥)، كما جاء في الصحيحين =
стр. 779
وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ (١)
ــ
= عنها، وعلى هذا تكون رواية صاحب القصة والمباشر لها أولى من رواية غيره.
وقوله ﵀ (لا يَصِحُّ مِنْهُ) أي إذا عُقِدَ على امرأة محرمة لزوج حلال فالنكاح لا يصح، وكذا العكس، وذلك لأن النهي هنا عائد على عين العقد، وما كان النهي عائداً على عينه فلا يمكن أن يكون صحيحاً.
مسألة (١): في حكم عقد النكاح بعد التحلل الأول:
اختلفت الرواية في المذهب في هذه المسألة.
والصحيح: أنه يجوز ذلك، وهي إحدى الروايتين عن أحمد (١)، واختارها شيخ الإسلام ﵀ (٢)، وهو أيضاً اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ (٣).
مسالة (٢): لو عقد النكاح في حال الإحرام ثم بعد الإحلال دخل رجل بزوجته فأنجبت منه أولاداً:
فلا بد من عقد جديد فيكون وطؤه الأول وطئاً بشبهة، وأولاده أولاد شرعيون أي ينسبون إليه شرعاً كما أنهم منسوبون إليه قدراً.
مسألة (٣): إذا عقد النكاح وهو لا يدري أن عقد النكاح في حال الإحرام حرام: فلا إثم عليه، لكن العقد لا يصح لأن العقود يعتبر فيها نفس الواقع.
(١) قوله (وَلا فِدْيَةَ فِيْهِ): أي ولا فدية في عقد النكاح حال الإحرام وذلك لعدم الدليل الذي يدل على وجوبها.
стр. 780
الثَّامِنُ: الْمُبَاشَرَةُ لِشَهْوَةٍ فِيْمَا دُوْنَ الْفَرْجِ (١) فَإِنْ أَنْزَلَ بِهَا (٢) فَفِيْهَا بَدَنَةٌ (٣)،
ــ
= وقال بعض الفقهاء بل فيه الفدية قياساً على اللباس لأن العلة فيهما واحدة وهي الترفه، بل الترفه بالنكاح أشد من اللباس.
قلت والصحيح: ما ذهب إليه المؤلف لعدم ورود النص في وجوب الفدية على من فعل ذلك.
(١) قوله (الثَّامِنُ: الْمُبَاشَرَةُ لِشَهْوَةٍ فِيْمَا دُوْنَ الْفَرْجِ): أي المحظور الثامن من محظورات الإحرام المباشرة لشهوة دون الفرج وذلك لأن المباشرة وسيلة للوقوع في الجماع المحرم على المُحْرم، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ .. ﴾ (١)، والرفث يشمل جميع أنواع الاستمتاع.
(٢) قوله (فَإِنْ أَنْزَلَ بِهَا): أي إن أنزل بسبب الشهوة منياً فما الحكم إذاً؟
(٣) قال ﵀ (فَفِيْهَا بَدَنَةٌ): قياساً على الجماع لأنها فعل موجب للغسل مع الإنزال، فأوجب الفدية كالجماع وهذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب أن قياس المباشرة دون الفرج على الجماع في وجوب الفدية لا يصح لأن المباشرة مع الإنزال لا توافق الجماع إلا في مسألة واحدة وهي وجوب الغسل ولا توافقه في فساد النسك ولا في وجوب قضاءه فكيف تلحق به، والرواية الثانية في المذهب أن عليه شاة.
والراجح: أن المباشرة دون الفرج مع الإنزال كسائر المحظورات فيها الفدية
على التخيير ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢)، وهذا هو الرواية=
стр. 781
وَإِلاَّ فَفِيْهَا شَاةٌ (١). التَّاسِعُ: الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ (٢) فَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فَسَدَ الْحَجُّ (٣)
ــ
= الثالثة (١) في المذهب، وهي اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ (٢).
(١) قوله (وَإِلاَّ، فَفِيْهَا شَاةٌ): أي فإن باشر بشهوة كتقبيل أو لمس أو ضم ونحو
ذلك فلم ينزل فعليه شاة.
(٢) قوله (التَّاسِعُ: الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ): أي من محظورات الإحرام الوطء في الفرج وهذا بإجماع أهل العلم وهو من أعظم محظورات الإحرام، بل هو أشدها إثماً وأعظمها أثراً في الحج حيث يترتب عليه أمور خمسة:
(أ) فساد الحج.
(ب) المضي في فاسده.
(ج) القضاء من قابل.
(د) عليه بدنة.
(هـ) ثبوت الإثم عليه.
ولا شيء يفسد الحج غير الجماع قبل التحلل الأول كما سيذكره المؤلف.
لكن بم يحصل الجماع؟
نقول يحصل الجماع بإيلاج الحشفة في قبل أو دبر.
(٣) قوله ﵀ (فَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فَسَدَ الْحَجُّ): للجماع حال الإحرام حالتان:
الأولى: أن يكون قبل التحلل الأول فهذا يترتب عليه فساد النسك والأمور =
стр. 782
وَوَجَبَ الْمُضِيُّ فِيْ فَاسِدِهِ (١)، وَالْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ (٢)،
ــ
=الخمسة التي ذكرناها آنفاً.
الثانية: أن يكون بعد التحلل الأول فلا يفسد حجه وإنما يكون عليه ما سيذكره المؤلف قريباً إن شاء الله, لكن بم يحصل به التحلل الأول.
نقول اختلف الفقهاء في ذلك:
فقال بعضهم: يحصل التحلل الأول بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد.
وقال آخرون: يحصل التحلل الأول بالرمي مضافاً إليه الحلق أو التقصير.
وقال آخرون: يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: الرمي، الحلق أو التقصير، الطواف والسعي.
وهذا هو الأحوط عندي، وهو اختيار سماحة شيخنا ابن باز ﵀ (١).
وفي آخر حياته ﵀ قال: إن التحلل يحصل بالرمي فقط.
(١) قوله (وَوَجَبَ الْمُضِيُّ فِيْ فَاسِدِهِ): وقد نقل غير واحد الإجماع على ذلك لثبوت ذلك عن جمع من الصحابة ومن الأدلة على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) وجه الدلالة أن الله تعالى أمر بإتمام الحج والعمرة فلا يجوز الخروج عنها ولو بالوطء فيمضي في هذا الفاسد مع وجوب القضاء من قابل.
(٢) قوله (وَالْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ): أي يجب القضاء على الفور سواء كان الحج نفلاً أو فرضاً، وهذا مروي عن جملة من الصحابة رضوان الله عليهم.
فقد روى البيهقي والحاكم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه أن رجلاً أتى =
стр. 783
وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ (١) وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فَفِيْهِ شَاةٌ (٢)، وَيُحْرِمُ مِنَ التَّنْعِيْمِ؛ لِيَطُوْفَ مُحْرِمًا (٣)،
ــ
=عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته فأشار عبد الله بن عمرو إلى ... ابن عمر فقال اذهب إلى هذا فسله، قال فلم يعرفه فذهبت معه فسأل ابن عمر فقال بطل حجه، فقال الرجل ماذا أصنع فقال اخرج مع الناس واصنع
ما يصنعون فإذا أدركت قابلاً فحج واهدي فرجع إلى عبد الله بن عمرو بن العاص وأنا معه فأخبره فقال اذهب إلى ابن عباس فسله فذهب الرجل، قال شعيب فذهبت معه إلى ابن عباس فأمره بما أمره به عبد الله بن عمر ثم رجع إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فقال، ما تقول أنت؟ فقال بعد أن أخبره بقول ابن عمر وابن عباس قال قولي مثل ما قالا.
(١) قوله (وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ): أي وعلى من جامع قبل التحلل الأول بعد فساد حجه ووجوب المضي فيه وحجه من قابل أنه يجب عليه بدنة لارتكابه هذا المحظور وهذا مروي عن ابن عباس ﵄.
(٢) قوله (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فَفِيْهِ شَاةٌ): فمتى تحلل المحرم التحلل الأول حل له كل شيء عدا الجماع، فإن جامع المحرم بعد تحلله الأول لم يفسد حجه بل عليه شاة، وكون وجوب الشاة عليه قياساً على الاستمتاع دون الفرج إذا لم ينزل لأن العلة بينهما أن كلاً منهما لا يفسد الحج، وهذا هو قول جمهور أهل العلم.
(٣) قوله (وَيُحْرِمُ مِنَ التَّنْعِيْمِ؛ لِيَطُوْفَ مُحْرِمًا): وذلك لفساد إحرامه وليطوف فرضه وهو محرم فيجب عليه أن يخرج إلى أي مكان آخر من الحل فيحرم منه.
стр. 784
وَإِنْ وَطِئَ فِي الْعُمْرَةِ، أَفْسَدَهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ (١)، وَلا يُفْسِدُ النُّسُكُ بِغَيْرِهِ (٢).
ــ
وما ذكره المؤلف فيه فائدتان:
- فائدة (١): أن الوطء بعد التحلل الأول لا يفسد الحج لقول النبي ﷺ (مَنْ شَهِدَ صَلاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) (١)، وهذا ما أفتى به ابن عباس ﵄ حيث قال في رجل أصاب أهله قبل أن يقضي يوم النحر: ينحران جزوراً بينهما، وليس عليه الحج من قابل ولا يعرف من الصحابة مخالفٌ له.
- فائدة (٢): أنه يفسد الإحرام بالوطء بعد جمرة العقبة فيلزمه أن يحرم من الحل، وقال أكثر أهل العلم حجه صحيح ولا يلزمه إحرام من الحل لأن إحرامه لم يفسد جميعه فلم يفسد بعضه.
وهذا هو الأقرب عندي: لعدم وجود الدليل القوي الموجب لما ذكره المؤلف هنا، وعلى ذلك نقول من وطء أهله بعد تحلله الأول لا يلزمه سوى أن يذبح شاة، أما خروجه للحل لإعادة الإحرام فلم يثبت في ذلك دليل.
(١) قوله (وَإِنْ وَطِئَ فِي الْعُمْرَةِ، أَفْسَدَهَا وَعَلَيْهِ شَاةٌ): أي إن جامع في أثناء عمرته أفسدها وذلك بإجماع أهل العلم وعليه قضاؤها ويلزمه كذلك شاة حكمها في ذلك حكم فدية الأذى، لأن العمرة حج أصغر ولأن كل ما أوجب شاة من المحظورات ففيه فدية أذى سوى الصيد.
(٢) قوله (وَلا يُفْسِدُ النُّسُكُ بِغَيْرِهِ): أي لا يفسد الحج والعمرة غير الجماع وقد نقل الإجماع كما سبق.
стр. 785
وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّ إِحْرَامَهَا فِيْ وَجْهِهَا، وَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيْطِ (١)
ــ
(١) قوله (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّ إِحْرَامَهَا فِيْ وَجْهِهَا، وَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيْطِ):
أي أن المرأة في جميع ما ذكره المؤلف في باب المحظورات كالرجل في الحكم إلا أنه استثنى لها أموراً منها:
١ - إحرامها في وجهها: أي يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها، والأصل في ذلك ما رواه البخاري عن النبي ﷺ قال ( .. وَلا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ) (١)، لكن إن حاذاها الركبان ومروا من أمامها فيجب عليها أن تغطي وجهها لحديث عائشة ﵂ قالت (كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ) (٢).
٢ - يجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه.
٣ - لا بأس للمرأة أن تطوف منتقبة إن لم تكن محرمة لفعل عائشة ﵂.
٤ - يستحب للمرأة عند الإحرام ما يستحب للرجل من الغسل والتطيب إلا إذا كان في تطيبها فتنة للرجال فلا يشرع لها أن تتطيب.
٥ - ذهب أبو حنيفة إلى جواز لبس المرأة القفازين، والصحيح أنه يحرم على المرأة لبس القفازين لحديث ابن عمر ﵄ المتقدم أن النبي ﷺ قال ( .. وَلا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ) (٣)، فإن خالفت فلبست فعليها فدية الأذى.
стр. 786
بَابُ الْفِدْيَةِ (١)
وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ (٢):
ــ
(١) قوله (بَابُ الْفِدْيَةِ): الفدية معناها: ما يعطى فداءٌ لشيء، وهي في اللغة: فكاك الأسير؛ يقال فداه يفديه، وفادى الأسير استنقذه من الأسر.
والفدية في باب الإحرام بالحج: ما يجب لفعل محظور أو ترك واجب، وسميت فدية لقوله تعالى ﴿ .. فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ... ﴾ (١).
و محظورات الإحرام من حيث الفدية أربع:
١ - مالا فدية فيه وهو عقد النكاح والخطبة.
٢ - ما فديته مغلظة وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول.
٣ - ما فديته الجزاء أو بدله وهو قتل الصيد.
٤ - ما فديته فدية الأذى وهي بقية المحظورات التي مرَّ ذكرها، وهي: (حلق الرأس - تقليم الأظفار - تغطية الرأس - مس الطيب - لبس القفازين - النقاب - المباشرة دون الفرج - لبس المخيط).
فهذه المحظورات فديتها فدية أذى، وهي التخيير بين أمور ثلاث: إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام متتابعة أو متفرقة، أو ذبح شاة تذبح وتوزع على الفقراء، دليل ذلك قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢).
(٢) قوله ﵀ (وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ): أي الفدية الواجبة على من أتى محظوراً من محظورات الإحرام على قسمين.
стр. 787
أَحَدُهُمَا: عَلَى التَّخْيِيْرِ (١) وَهِيَ فِدْيَةُ الأَذَى وَاللُّبْسِ وَالطِّيْبِ (٢) فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ ثَلاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِيْنَ، أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ (٣)
ــ
(١) قوله (أَحَدُهُمَا: عَلَى التَّخْيِيْرِ): أي أحد هذين القسمين من الفدية ما كان على التخيير أي يخير فيه من فعل محظوراً بفعل واحد من ثلاثة أمور.
(٢) قوله (وَهِيَ فِدْيَةُ الأَذَى وَاللُّبْسِ وَالطِّيْبِ): أي هذه الفدية لا تكون إلا لمن كان به أذى فأزاله كحلق رأس لوجود ما يؤذيه من قمل ونحوه.
وكذا لبس مخيط كأن تكون به حكة فلبس قميصاً أو سروالاً ونحوه، أو استخدم طيباً بعد دخوله في النسك وقبل تحلله الأول فجميع هذه الأمور يكون فيها المحرم مخير بين أمور ثلاثة.
(٣) قوله ﵀ (فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ ثَلاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِيْنَ، أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ) دليل ما ذكره المؤلف قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١).
وروى البخاري ومسلم عن كعب بن عجرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مرَّ به بالحديبية وهو محرم فقال له أذاك هوام رأسك؟ فقال نعم فقال له النبي ﷺ ( .. احْلِقْ رَأْسَكَ ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ ثَلاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ) (٢).
وهنا فوائد:
- فائدة (١): أن الصوم لا يشترط فيه التتابع لأن النبي ﷺ لم يقيدها بالتتابع هنا.
стр. 788
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- فائدة (٢): أن الشاة هنا ليس المراد بها الأنثى من الضأن ، بل المراد هنا أعم من ذلك سواء كانت خروفاً أو أنثى معزاً أم ضأناً أو سبع بدنة أو سبع بقرة مما يجزئ في الأضحية ويوزعها على الفقراء ولا يأكل منها شيئاً لأنها دم جبران.
- فائدة (٣): أنه لا فرق بين البر وغيره في فدية الأذى هنا لأن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة ﵁ (أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ) (١)، فعين المقدار، وأطلق النوع، فظاهر الحديث أن الفدية نصف صاع لكل مسكين سواء من البر أو من غيره.
- فائدة (٤): جميع ما ورد فيه إطعام مساكين فيجوز أن يغديهم أو يعشيهم ، أو يعطي بعض الجهات التي تتولى الإطعام، واستثنى بعض أهل العلم هذا الموضع، فلابد أن تطعمهم طعاماً يملكونه ومقداره نصف صاع لكل مسكين.
- فائدة (٥): يشترط في الهدي وكذا سائر الدماء الواجبة ما يشترط في الأضحية ، وهذه الشروط هي:
١ - يشترط فيه السن المعتبرة بأن يكون ثنياً من الإبل له خمس سنوات أو ثنياً من البقر له سنتان ومن المعز له سنة أو جذعاً من الضأن له ستة أشهر.
٢ - أن يكون سليماً من العيوب المانعة من الإجزاء وهي العور البين، والمرض البين، والعرج البين، والعجفاء التي لا تنقي وهي الهزيلة.
٣ - أن يكون الذبح في الوقت يوم العيد وأيام التشريق.
٤ - أن يكون في مكان الذبح وهو الحرم.
٥ - أن يكون من بهيمة الأنعام فقط.
стр. 789
وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِيْ كُلِّ دَمٍ وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ (١)، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (٢)
ــ
(١) قوله (وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِيْ كُلِّ دَمٍ وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ): قياساً على فدية الأذى؛ يعني أن ذلك على التخيير لا على الترتيب.
والذي يظهر: أنه على الترتيب، فعليه شاة، فإن لم يستطع صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
(٢) قوله (وَجَزَاءُ الصَّيْدِ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ): وهذا بالإجماع قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ .. ﴾ (١).
ففي الآية المذكورة أمور:
الأول: أنها دلت على وجوب الجزاء أو الفدية على من فعل ذلك متعمداً فمن فعل ذلك ابتداء من غير سبب يبيح ففيه الجزاء المذكور في الآية.
الثاني: أن من فعل ذلك اضطراراً إلى أكله يباح له أكله بلا خلاف، ويلزمه ضمانه لأنه إنما فعله لحاجة نفسه.
الثالث: إِن صال عليه فلم يقدر على دفعه إلا بالقتل فله قتله ولا ضمان عليه.
الرابع: لو خلص صيداً من سبع أو شبكه فتلف بذلك فلا ضمان عليه، لأنه فعل أبيح لحاجة الحيوان فلم يضمن ما تلف به.
الخامس: هل المخطئ يعامل معاملة العامد في وجوب الجزاء؟
стр. 790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= قولان: أصحهما أنه لا كفارة في الخطأ لقوله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً﴾ (١)، فدل على أنه لا جزاء على المخطئ.
السادس: أن هذا خاص بصيد البر المتوحش، أما صيد البحر فهو حلال كما تقدم لقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ (٢).
قوله (مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ): أي من قتل صيداً وهو محرم فيجب عليه أن يخرج ما يشبه هذا الصيد الذي قتله يخرج عنه من بهيمة الأنعام.
و الصيد الذي قتله المحرم نوعان:
النوع الأول: نوع له مثل من النعم ، فهذا يخير بين ثلاثة أمور:
الأول: مثل ما قتل من النعم: للآية السابقة، فهذا المثل يذبحه ويتصدق به على فقراء الحرم لقوله تعالى ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ ... ﴾ (٣).
الثاني: أن يقومه بدراهم يشتري بها طعاماً فيطعم كل مسكين مداً لقوله تعالى ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ .. ﴾ (٤)، فينظر هنا كم يساوي المثل من النقود ثم يشتري بهذه النقود طعاماً من بر أو غيره فيطعم به كل مسكين مداً.
الثالث: أن يصوم عن كل مد يوماً لقوله تعالى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ (٥) أي عدل ما يخرجه من الإطعام صياماً مثلاً إذا كانت قيمة ما يذبح أربعمائة=
стр. 791
إِلاَّ الطَّائِرَ، فَإِنَّ فِيْهِ قِيْمَتَهُ (١) إِلاَّ الْحَمَامَةَ، فَفِيْهَا شَاةٌ (٢)
ــ
= ريال، وقدرنا الطعام كل صاع بريال فيكون أربعمائة صاع تساوي ألف وستمائة مد، فيلزمه أن يصوم ألف وستمائة يوم لأنه يكون عن كل مد يوماً، لكن من رحمة الله تعالى أن جعل الأمر واسع في ذلك لأن الحكم هنا على التخيير.
النوع الثاني: أن لا يكون له مثل من بهيمة الأنعام ، فهنا يخير بين تقويمه بطعام لكل مسكين مد من الطعام أو يصوم عن كل مسكين يوماً، وقيل يجوز إخراج القيمة بدلاً عن الإطعام.
(١) قوله (إِلاَّ الطَّائِرَ، فَإِنَّ فِيْهِ قِيْمَتَهُ): أي يستثنى مما ذكر الطائر كالعصفور، والحباري وغيرهما، فإذا صاده المحرم وجب على من صاده إخراج قيمته فقط لأنه لا مثل له من بهيمة الأنعام، وقيل يجب فيه شاة كالحمام.
(٢) قوله (إِلاَّ الْحَمَامَةَ، فَفِيْهَا شَاةٌ): وذلك لقضاء الصحابة بذلك ولم يعلم لهم مخالف، ولأن الحمامة تشبه الشاة في كرع الماء.
لكن اختلف الفقهاء هل هذا خاص بحمام الحرم أم هو عام في الحرم وغيره ؟
على قولين: فالمالكية (١) يرون خصوصيته بحمام الحرم وما عداه ففيه القيمة.
والصحيح: أن هذا عام في الحرم وغيره، فهو يشمل حمام الحرم وقيس عليه حمام غيره، فقد جاء عن ابن عباس بأنه قضى في حمامة حال الإحرام بشاة لأنها حمامة مضمونة لحق الله فضمنت بشاة كحمامة الحرم، وهذا هو مذهب الشافعي (٢).
стр. 792
وَالنَّعَامَةُ، فَفِيْهَا بَدَنَةٌ (١)، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ إِخْرَاجِ الْمِثْلِ أَوْ تَقْوِيْمِهِ بِطَعَامٍ، فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِيْنٍ مُدًّا مِنْ بُرٍّ، أَوْ يَصُوْمُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا (٢).
الضَّرْبُ الثَّانِيْ (٣) عَلَى التَّرْتِيْبِ (٤):
ــ
(١) قوله (وَالنَّعَامَةُ، فَفِيْهَا بَدَنَةٌ): النعامة بفتح النون، من الطير، تذكر وتؤنث، والنعامة اسم جنس وقد يقع على الواحد.
وقوله (فَفِيْهَا بَدَنَةٌ) لأنها تشبه البدنة وهي البعير ذكراً كان أو أنثى، ودليل ذلك أن الصحابة قضوا فيها بذلك، ولأنها تشبهها في كثير من صفاتها.
(٢) قوله (وَيُخَيَّرُ بَيْنَ إِخْرَاجِ الْمِثْلِ أَوْ تَقْوِيْمِهِ بِطَعَامٍ، فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِيْنٍ مُدًّا مِنْ بُرٍّ، أَوْ يَصُوْمُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا): قد سبق بيان ذلك قريباً، ومعنى كلام المؤلف هنا أن ما كان له مثل فإنه يخير بين ثلاثة أمور:
١ - جزاء مثل ما قتل من النعم.
٢ - تقويمه بطعام فيطعم عن كل مسكين مداً.
٣ - أن يصوم عن كل مد يوماً.
ما لم يكن له مثل فإنه يخير بين أمرين:
١ - تقويمه بطعام لكل مسكين مدٌ من الطعام.
٢ - أن يصوم عن كل طعام مسكين يوماً.
- فائدة: من قتل ما نهى عن قتله في الحرم وإن كان محلاً فعليه ما على المحرم: فمن قتل نعامة في الحرم وهو محل فحكمه حكم المحرم فعليه بدنة، ومن قتل حمامة فعليه شاة، وهكذا.
(٣) قوله (الضَّرْبُ الثَّانِيْ): أي القسم الثاني من أقسام الفدية.
(٤) قوله (عَلَى التَّرْتِيْبِ): أي لا على التخيير، فيلزم في هذه الفدية مراعاة
стр. 793
وَهُوَ هَدْيُ التَّمَتُّعِ (١) يَلْزَمُهُ شَاةٌ (٢)، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ (٣)
ــ
= الترتيب.
(١) قوله (وَهُوَ هَدْيُ التَّمَتُّعِ): وكذا القارن وسيأتي بيان حج المتمتع والقارن إن شاء الله.
(٢) قوله (يَلْزَمُهُ شَاةٌ): وكذا القارن ويُشترط في الشاة ما ذكرناه في أول هذا الباب، أعني باب الفدية وكون المؤلف ﵀ أدرج هذا النوع أعني هدي التمتع داخل الفدية فيه نظر لأن الدم هنا دم نسك وشكر لله تعالى بخلاف دم من ارتكب محظوراً من المحظورات فهو دم جبران، والخلاف بين هذا الدم وهذا الدم من وجوه:
أن دم المتعة والقران يجب فيهما الهدي، فإن عدمه صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فالحكم هنا على الترتيب وليس على سبيل التخيير بخلاف دم الفدية فالأمر فيه على التخيير، فهو مخير فيه بين دم المثل إن كان له مثل أو الإطعام أو الصيام، وإن لم يكن له مثل أطعم أو صام.
أن دم المتعة يباح للإنسان أن يأكل منه بخلاف دم الفدية.
أن دم المتعة يجوز أن يهدي منه بخلاف دم الفدية فإنه لا يصرف إلا للفقراء دون غيرهم.
(٣) قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ): وذلك لقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١).
стр. 794
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولعدم وجود للهدي هنا صورتان:
الأولى: أن لا يجد ثمنه.
الثانية: ألا يوجد هدي أصلاً.
وكلا الصورتين يصدق عليهما عدم الوجود.
- فائدة (١): اختلف الفقهاء في المعتبر بالنسبة لوجود الهدي وعدمه .
فقيل المعتبر وقت إحرامه بالعمرة، وقيل بل وقت إحرامه بالحج، وقيل بل المعتبر طلوع فجر يوم العيد، وقيل المعتبر وقت جواز الذبح يعني بعد طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح.
والأقرب عندي: أنه يعمل بما يغلب على ظنه، فإن كان حين إحرامه بالعمرة يغلب على ظنه أنه لن يجد الهدي فإنه يحكم بأنه لم يجد.
- فائدة (٢): من كان غنياً وعدم الثمن كأن يكون قد سُرق في أثناء حجه هل له أن يبحث عن شخص يقرضه لشراء هديه ؟
على قولين: والأقرب عندي أنه إذا وجد من يقرضه من غير غضاضة عليه وبكل سهولة ويسر في الاستقراض فإنه يلزمه لأن مثل هذا لا يكون عاجزاً.
- فائدة (٣): من حج متمتعاً أو قارناً ثم عدم الثمن لعجز كأنْ يكون ليس معه سوى ثمن الهدي ولا يملك غيره ثم فُقد منه: فإنه لا يجوز له الاستقراض ولو وجد من يقرضه، بل ينهى عن الاستقراض.
- فائدة (٤): في صوم العشرة أيام لمن لم يجد الهدي:
١ - المذهب أن كون آخر الثلاثة في أيام الحج والأفضل أن يكون يوم عرفة، هذا فيه نظر.
стр. 795
وَفِدْيَةُ الْجِمَاعِ بَدَنَةٌ (١)
ــ
والصواب: أن الأولى والأفضل أن يكون ابتداء هذه الثلاثة في أول يوم من أيام التشريق لأنه لا يجزم بعد الاستطاعة إلا وقت وجوب الهدي عليه.
٢ - أن من ابتدأها في أول يوم من أيام التشريق لزمه أن تكون متتابعة ضرورة: لأنه لم يبق من أيام الحج إلا ثلاثة ولا يجوز أن يؤخرها عن أيام الحج.
٣ - من صامها قبل أيام التشريق: يجوز أن يصومها متفرقة ومتتابعة لأن القاعدة في ذلك أن ما أطلقه الشارع لا يجوز تقييده إلا بدليل من الشارع أيضاً ولا دليل على وجوب التتابع، اللهم إلا إذا كان ضاق وقت الصوم كما ذكرنا فلم يبق إلا ثلاثة أيام من الحج فهنا يلزمه التتابع.
٤ - من أخر صيام هذه الثلاثة حتى انتهى حجه لغير عذر هل تلزمه الفدية؟ قولان للفقهاء؛ أصحهما أنه لا تجب عليه الفدية ويلزمه قضاء هذه الثلاثة مع السبعة التي عليه.
٥ - في قوله تعالى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١) هل المراد الرجوع إلى الوطن والأهل؟ نقول الآية لم تقيد الرجوع بذلك ولكن الفقهاء حملوها على ذلك، والأظهر عندي أنه لو صامها بعد فراغه من أعمال الحج كلها فلا بأس لأنه جاز له الرجوع إلى الأهل فجاز له صومها.
(١) قوله (وَفِدْيَةُ الْجِمَاعِ بَدَنَةٌ): أي ويجب بوطء في الفرج بدنة، فإن عدم البدنة ووجد سبع شياه أجزأ، فإن لم يجد سبع شياه ولا بدنة، قال الفقهاء يصوم عشرة أيام، وهذا قول لا دليل عليه.
والأظهر عندي: أنه إذا لم يجد سقط عنه الحكم كسائر الواجبات.
стр. 796
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيُامُ كَصِيَامِ التَّمَتُّعِ (١)، وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْمُبَاشَرَةِ (٢)
ــ
- فائدة (١): قوله (وَفِدْيَةُ الْجِمَاعِ بَدَنَةٌ): هذا إذا كان قبل التحلل الأول في الحج كما مر بنا.
- فائدة (٢): قوله (الْجِمَاعِ) خرج به ما إذا جامع بين الفخذين ونحوه كما مر بنا سابقاً، وذكرنا اختلاف الفقهاء في فساد حجه وبيان أن الصحيح أنه لا يفسد الحج إلا بالجماع في الفرج، فما كان دونه ففيه الإثم والفدية في حقه شاة.
- فائدة (٣) إذا أُكرهت الزوجة على الجماع هل يلزمها كفارة ؟
الصحيح: أنه لا يلزمها.
وهل يفسد حجها؟
الصحيح: أنه لا يفسد لأنها مكرهة.
وهل يلزم زوجها أن يكفر عنها؟
قولان؛ والصحيح أنه لا يلزمه.
(١) قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيُامُ كَصِيَامِ التَّمَتُّعِ): يعني عشرة أيام قياساً على من عدم هدي المتعة والقران، وقياساً على من عدم الهدي عند فوات الحج كما سيأتي إن شاء الله. وقد رجحنا آنفاً أنه لا دليل على ما ذكره المؤلف.
والأظهر عندي: أنه لا يجب عليه صيام، بل تسقط عنه الفدية هنا لعدم دليل العدول إلى الصوم عند عدم وجود البدنة أو الشياه.
(٢) قوله (وَكَذلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْمُبَاشَرَةِ): أي بالمباشرة دون الفرج إذا أنزل بسببها وقد سبق الإشارة إلى ذلك وذكرنا أن الواجب في =
стр. 797
وَدَمِ الْفَوَاتِ (١)، وَالْمُحْصَرِ يَلْزَمُهُ دَمٌ (٢)
ــ
= حقه هو التخيير بين أن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين أو يذبح شاة.
(١) قوله (وَدَمِ الْفَوَاتِ): الفوات: أي من فاته الحج، ويكون ذلك بطلوع فجر يوم النحر لقول النبي ﷺ (الْحَجُّ عَرَفَةُ مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ) (١)، والمراد بليلة جمع: ليلة المبيت بمزدلفة.
قوله (وَدَمِ الْفَوَاتِ) المراد به من لم يدرك الحج فعليه دم، لكن هنا الحكم مقيد بما إذا لم يشترط في أثناء إحرامه يقول (إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)، فمتى اشترط في إحرامه فلا يلزمه شيء، بل يحل من إحرامه، وقد سبق بيان حكم الاشتراط في الحج.
- فائدة: قال بعض الفقهاء من خاف فوات حجه فله أن يقلب حجه إلى عمرة قبل أن يفوته ولا يعد هذا فواتاً على كلام الفقهاء، وهذا فيه نظر لأنه لا يجوز للحاج أن يقلب إحرامه عمرة إلا إذا أراد التمتع، وإرادة التمتع هنا ممتنعة.
وقول المؤلف (وَدَمِ الْفَوَاتِ)، أي وكذلك دم الفوات إذا عدم فيجب عليه أن يصوم كصيام من لم يجد هدي التمتع.
(٢) قوله (وَالْمُحْصَرِ يَلْزَمُهُ دَمٌ): لقوله تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ (٢).
стр. 798
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ (١)
ــ
=والمحصر: هو الممنوع من بلوغ المناسك بمرض أو غيره.
وقد اختلف الفقهاء في المنع الذي يتحقق به الإحصار هل هو خاص بالعدو أم هو عام يشمل ما يحصل به الإحصار من عدو أوغيره كالمرض والهلاك, وموت محرم المرأة أو زوجها في الطريق؟
فذهب الحنفية (١) إلى هذا القول الأخير، أي أن الإحصار عام في كل ما يحصل به من عدو ومرض وهلاك وضياع نفقة وغيره.
وذهب جمهور (٢) الفقهاء إلى أن الحصر لا يحصل إلا بعدو، أو فتنة، أو الحبس ظلماً، وغير ذلك مما يحصل به قهر للإنسان، أما الحصر بالمرض أو بالعرج أو بذهاب نفقة وغيره فلا يجوز له التحلل بذلك.
والصحيح: ما ذهب إليه الحنفية؛ قال عطاء: (الإحصار من كل شيء يحبسه)، فمتى تم الإحصار بأي نوع آخر من أنواع الإحصار جاز له التحلل ووجب عليه هدي لقوله تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ (٣) وهذا هو إحدى الروايتين (٤) في المذهب، وهو اختيار شيخ الإسلام (٥)، والشيخين (٦).
(١) قوله: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ): أي لم يجد الهدي، فالواجب عليه صيام عشرة أيام قياساً على من لم يجد هدي التمتع والقران.
стр. 799
وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُوْرًا مِنْ جِنْسٍ (١)
ــ
وهذا ما ذهب إليه المؤلف، واحتجوا لذلك أيضاً بما رواه البخاري وغيره عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنْ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلا فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) (١).
وذهب بعض أهل العلم أنه لا يجب الصيام على المحصر الذي لم يجد دماً واحتجوا لذلك بما يلي:
١ - أنه لم يرد أن النبي ﷺ أمر بالصيام من لم يجد هدياً في صلح الحديبية حيث جاء في بعض روايات الحديث أن من لم يهد أكثر ممن هدى.
٢ - أن الهدي الواجب في التمتع والقران هو هدي شكران للجمع بين نسكين في سفر واحد، أما هنا فالعكس حيث أن المحصر حرم من إتمام نسك واحد فلا يصح قياس هذا على هذا.
والأقرب عندي: ما ذهب إليه المؤلف لصحة الأثر الوارد في ذلك، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا ابن باز ﵀ (٢).
(١) قوله (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُوْرًا مِنْ جِنْسٍ): الجنس: هو ما اتفق في الاسم كالحلق مثلاً يكون فيه حلق شعر الرأس وحلق شعر البدن، وكذا اللبس كلبس العمامة ولبس المخيط على اليد، ولبس الخف كل هذا من جنس واحد لأنها كلها من اللبس.
ومعنى قوله (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُوْرًا مِنْ جِنْسٍ)، كأن يكون تطيب ثم تطيب =
стр. 800
غَيْرِ قَتْلِ الصَّيْدِ (١) فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (٢)
ــ
=ولبس ثم لبس أو قصر من شعره ثم قصر مرة أخرى.
(١) قوله ﵀ (غَيْرِ قَتْلِ الصَّيْدِ): أي يستثنى من ذلك قتل الصيد، فمن قتل حمامة ثم قتل حمامة وهو محرم أو كان في حرم مكة وجب عليه فديتان ولو قتل ذلك برمية واحدة. فإن رمى رمية واحدة فأصابت عشر حمامات فالواجب عليه عشر شياه، فلا يقال إن الرمي واحد والمحظور واحد لقوله تعالى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ (١)، فقد اشترط في جزاء الصيد أن يكون مثله والمماثلة تشمل الكمية والكيفية.
(٢) قوله (فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ): أي إن كرر محظوراً من جنس واحد غير قتل الصيد فالواجب عليه كفارة واحدة، لكن يشترط ألا يؤخر الفدية لئلا تتكرر عليه، فإن أخرها عمداً ولعدم العذر فهنا قال بعض العلماء يعاقب بنقيض قصده فيلزمه بكل محظور فدية لئلا يتحايل على إسقاط الواجب، وفي رواية في المذهب (٢) إن تعدد سبب المحظور مثل أن يلبس لشدة الحر ثم يلبس للبرد ثم لبس للمرض فعليه كفارات.
وذهب الحنفية (٣) إلى أنه إذا كرر محظوراً في مجلس واحد فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس فكفارات.
والصحيح: ما ذهب إليه المؤلف لقوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٤)، وجه الدلالة من =
стр. 801
إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ كَفَّرَ عَنِ الأَوَّلِ فَعَلَيْهِ لِلثَّانِيْ كَفَّارَةٌ (١)، وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُوْرًا مِنْ أَجْنَاسٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ (٢)، وَالْحَلْقُ وَالتَّقْلِيْمُ وَالْوَطْءُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ يَسْتَوِيْ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ (٣)،
ــ
= الآية أن الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة ولم يفرق بين ما وقع في دفعة واحدة أو في دفعات.
وأيضاً أن ما يتداخل إذا كان متتابعاً يتداخل وإن تفرق.
(١) قوله (إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ كَفَّرَ عَنِ الأَوَّلِ فَعَلَيْهِ لِلثَّانِيْ كَفَّارَةٌ): قياساً على الأيمان والحدود ولأن الأول انتهى وبرئت ذمته منه بفدية فيكون الثاني محظوراً جديداً.
والذي يظهر أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة سواء كفَّر عن الأول أو لم يكفِّر.
(٢) قوله: (وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُوْرًا مِنْ أَجْنَاسٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ): هذا هو المشهور من المذهب، وفي رواية عن الإمام أحمد أن في الطيب واللبس والحلق فدية واحدة.
وقال بعض أهل العلم: إنما يجب عليه فدية واحدة لأنه إذا تعددت الأجناس وكان المُوجَبُ واحداً فليس عليه إلا واحد، مثاله من أخرج ريحاً أو أكل لحم جزور أو تبول فإننا لا نلزمه أكثر من وضوء واحد فكذا الفدية إذا اختلفت الأجناس.
والأظهر عندي: هو ما ذهب إليه المؤلف رعاية للنسك واحتراماً لشعائر الله حتى لا يتلاعب الناس بها.
(٣) قوله (وَالْحَلْقُ وَالتَّقْلِيْمُ وَالْوَطْءُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ يَسْتَوِيْ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ): أي في وجوب الفدية فلا تسقط الفدية بفعل هذه المحظورات سهواً لأن هذه =
стр. 802
وَسَائِرُ الْمَحْظُوْرَاتِ لا شَيْءَ فِيْ سَهْوِهِ (١)
ــ
=المحظورات إتلاف فيجب فيها الفدية كمال الآدمي بخلاف الطيب وتغطية الرأس ولبس المخيط، ففي هذه المحظورات تسقط فيها الفدية عند فعلها نسياناً أو إكراهاً أو جهلاً.
والصحيح: أن هذه المذكورات وغيرها تسقط فديتها بالعذر جهلاً ونسياناً وإكراهاً بخلاف ما إذا فعلها عمداً. قال تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ (١)، فمفهومه أن المخطئ لا جزاء عليه ويقاس عليه جميع المحظورات، وقال تعالى ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢)، وقوله ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) (٣).
(١) قوله (وَسَائِرُ الْمَحْظُوْرَاتِ لا شَيْءَ فِيْ سَهْوِهِ): أي وسائر المحظورات من لبس وتغطية رأس وطيب لا فدية على من فعلها نسياناً للأدلة التي ذكرناها آنفاً.
- فائدة (١): من ترك واجباً من واجبات الحج جهلاً أو نسياناً: فقد اختلف فيه الفقهاء هل عليه شيء أم لا؟ وسيأتي بيان ذلك قريباً إن شاء الله.
- فائدة (٢): لو احتاج المحرم إلى لبس مخيط لبرد شديد: فله أن يلبس ما يدفئه وعليه الفدية.
- فائدة (٣): من احتاج إلى لبس مخيط لمصلحة غيره كالجندي الذي يلبس=
стр. 803
وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ، فَهُوَ لِمَسَاكِيْنِ الْحَرَمِ (١)
ــ
= ملابسه الرسمية: فالحاجة هنا تتعلق بها مصالح الحجيج جميعاً إذ لو عمل الجندي بدون اللباس الرسمي لما أطاعه الناس وصار في الأمر فوضى، ولكن إذا لبس ملابسه صار له هيبة، فله لبس ذلك.
وهل يلزمه فدية؟
نقول يلزمه فدية احتياطاً، ولو قيل بعدم لزومها لكان لذلك وجه لأمرين:
الأول: أن النبي ﷺ أسقط المبيت عن الرعاة بمنى والمبيت بمنى واجب من واجبات الحج وأسقطه عنهم لمصلحة الحجاج، وكذلك رخص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقاية الحجاج، وسقاية الحجاج أعلى حاجة من حفظ الأمن وتنظيم الناس.
الثاني: أننا لم نقطع بوجوب الفدية في لبس المخيط وإنما قاس الفقهاء ذلك على حلق الرأس.
(١) قوله (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ، فَهُوَ لِمَسَاكِيْنِ الْحَرَمِ): لقوله تعالى ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١)، وقوله تعالى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢).
والهدي هنا المراد به: هدي التمتع والقران، أو ما كان فدية لترك واجب، أو ما يهديه الإنسان تطوعاً للبيت، أما فدية فعل المحظور فسيأتي بيانها قريباً.
وقوله (أَوْ إِطْعَامٍ) كإطعام ستة مساكين في فدية الأذى أو إطعام مساكين في جزاء الصيد وما شابه ذلك فهو لمساكين الحرم.
стр. 804
لاَّ فِدْيَةَ الأَذَى يُفَرِّقُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِيْ حَلَقَ فِيْهِ (١)
ــ
قوله (فَهُوَ لِمَسَاكِيْنِ الْحَرَمِ): وهنا مسألتان:
الأولى: من هم مساكين الحرم ؟ وهل يشترط أن يكونوا من أهل مكة؟
نقول المراد بهم من كانوا داخل حدود الحرم داخل مكة أو خارجها، ولا يشترط أن يكونوا من أهل مكة، فمن كان آفقياً فقيراً جاز إعطاؤه من الهدي.
الثانية: هدي التمتع والقران هو هدي شكران فيجوز لصاحبه أن يأكل منه وكذا هدي التطوع، بل له أن يتزود منهما قال تعالى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١)، فحكمها حكم الأضحية يأكل منها ويهدي، لكن يجب أن يتصدق على مساكين الحرم.
(١) قوله (إِلاَّ فِدْيَةَ الأَذَى يُفَرِّقُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِيْ حَلَقَ فِيْهِ): أي تكون حيث وجد سببها ولا يجب أن تكون في الحرم وذلك لأن النبي ﷺ حينما أمر كعب ابن عجرة لمَّا رخص له بحلق رأسه أن يذبح شاة أو يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين كان كعب بالحديبية (٢) ولو كانت تجب بالحرم لأمره بذلك.
وفدية الأذى كما مر كفدية حلق شعر أو لمس طيب أو لبس مخيط ونحو ذلك، وله تفريقها في الحرم.
стр. 805
وَهَدْيُ الْمُحْصَرِ يَنْحَرُهُ فِيْ مَوْضِعِهِ (١)، وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ (٢).
ــ
(١) قوله (وَهَدْيُ الْمُحْصَرِ يَنْحَرُهُ فِيْ مَوْضِعِهِ): مرَّ بنا معنى الإحصار وقلنا بأن الإحصار هو المنع، أي أن يمنع من أراد الحج من أداء النسك، وهذا يجب عليه هديٌ إذا لم يشترط، قال تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ (١) وحكم هذا الهدي واجب، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) للآية السابقة.
وذهب المالكية (٥) إلى أنه - أي المحصر - له أن يتحلل بالنية فقط ولا يجب عليه ذبح هدي، بل هو سنة وليس بشرط.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور للآية السابقة، ولأن النبي ﷺ لما صُدَّ عن البيت عام الحديبية لم يحل ولم يحلق رأسه حتى نحر الهدي فدل ذلك على أن من شرط إحلال المحصر ذبح هدي.
- فائدة: هل المراد بالحرم أن يكون ذبحاً وتفريقاً أو ذبحاً فقط أو تفريقاً فقط؟
الجواب: المراد به الأول أي ذبحاً وتفريقاً، فتذبح في الحرم وتوزع على فقراء الحرم، فمن وزع خارج الحرم أو ذبح في الحرم ووزعه خارج الحرم لم يجزه ويلزمه ذبح مثله في الحرم وتفريقه فيه.
(٢) قوله (وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ): لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، فلم يخصص بمكان معين ولكن تجب المبادرة إليه.
стр. 806
بابُ دُخُوْلِ مَكَّةَ (١)
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلاهَا (٢)
ــ
(١) قوله (بابُ دُخُوْلِ مَكَّةَ): أي متى وكيف ومن أين يدخل الحاج والمعتمر مكة.
(٢) قوله (يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلاهَا): أي من الجهة الشرقية من عند مقبرة المعلاة من جهة الحجون.
لكن هل يلزم أن يتعمد ذلك؟ أم أنه إذا كان طريقه من أعلاها فالأفضل أن لا يعدل عنه؟
نقول: السنة دخول مكة من أعلاها كما ذكر المؤلف لحديث ابن عمر (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ وَخَرَجَ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى) (١).
وهذا قول أكثر أهل العلم أي يستحب دخول مكة من أعلاها سواء كانت في طريقه أو لم تكن.
وقال جماعة من العلماء يستحب دخول مكة من الثنية العليا إذا كانت في طريقه، وإذا لم تكن في طريقه فلا يستحب تقصدها لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتقصدها وإنما دخل منها لكونها من طريقه.
والأظهر عندي: أنه يفعل الأيسر له؛ فإن كان في دخوله من أعلاها أيسر سن له دخولها من أعلاها، وإن كان في دخوله من غيرها يعني الثنية العليا أيسر له دخل منه هذا هو الأفضل في حقه.
стр. 807
وَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِيْ شَيْبَةَ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ (١)، فَإِذَا رَأَى البَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ اللهَ وَهَلَّلَهُ وَحَمِدَهُ، وَدَعَا (٢)، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا (٣)
ــ
(١) قوله (وَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِيْ شَيْبَةَ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ : احتج
لذلك المؤلف بما رواه البيهقي عن جابر بن عبد الله (أَنَّ النَّبي ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ ارْتَفاعَ الضُّحَى وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عِنْدَ بَابَ بَنِي شَيَّبَةَ ثُمَ دَخَلَ) (١)، والحديث فيه ضعف.
ولذا نقول: يدخل المحرم الحرم من حيث شاء، وليس في ذلك سنة ثابتة، ولو صح هذا الحديث لحمل على أن هذا حصل من باب الموافقة وليس تقصداً منه ﷺ .
وقوله (وَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِيْ شَيْبَةَ) هذا الباب لا وجود له الآن، فقد أزيل بعد توسعة المطاف.
(٢) قوله (فَإِذَا رَأَى البَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ اللهَ وَهَلَّلَهُ وَحَمِدَهُ، وَدَعَا): هذا إذا صح الدليل الوارد في ذلك، لكن الآثار الواردة في ذلك لم تصح، ولذا نقول الأقرب عدم سُنِّية ذلك لعدم ثبوته عن النبي ﷺ .
(٣) قوله (ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا): أي إذا وصل المحرم إلى الكعبة فإنه يبدأ بالطواف إن كان معتمراً أو متمتعاً، وهذا لفعله ﷺ هذا ما لم تحضر الصلاة فيقدم الفريضة على الطواف، وكذلك لو شرع في الطواف فيقف لأجل الصلاة.
أما إذا دخل المسجد ولم تحضر الصلاة فليبدأ بالطواف لأن تحية المسجد =
стр. 808
أَوْ بِطَوَافِ الْقُدُوْمِ، إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا (١) وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ (٢)
ــ
= الحرام الطواف، دليل ذلك ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ قالت ( .. أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ) (١)، أما إذا أراد عدم الطواف فلا يجلس حتى يصلي تحية المسجد.
(١) قوله (أَوْ بِطَوَافِ الْقُدُوْمِ، إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا): هذا الطواف سنة عند أكثر أهل العلم (٢)، وجاء عن الإمام مالك (٣) ﵀ أن من تركه يجبره بدم.
والصحيح: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم لحديث عروة بن مضرس ﵁ وفيه أن النبي ﷺ لم يأمره بطواف القدوم بل قال له (مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلاةَ - يَعْنِي صَلاةَ الْفَجْرِ - بِجَمْعٍ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نُفِيضَ مِنْهُ وَقَدْ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) (٤).
لكن متى شقَّ على الإنسان وبخاصة الذين يأتون من أماكن بعيدة يشق عليهم هذا العمل ويريدون أن يذهبوا إلى أماكنهم ليستريحوا قليلاً وليضعوا أمتعتهم فلا حرج لأن هذا من باب السنن.
(٢) قوله (وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ): هذا أول ما يسن فعله عند طواف العمرة أو القدوم للقارن والمفرد وهو الاضطباع، وصفته كما سيذكره المؤلف أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، فيكون الأيمن =
стр. 809
فَيَجْعَلَ وَسْطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ وَطَرْفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ الأَيْسَرِ (١)، وَيَبْدَأُ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ (٢)
ــ
= مكشوفاً على هيئة أرباب الشجاعة إظهاراً للجلادة في مقام العبادة، ودليل الاضطباع ما جاء عن ابن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من جعرانه فاضطبعوا وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ووضعوها على عواتقهم ثم رملوا) (١).
- فائدة: يخطئ كثيرٌ من الحجاج حيث يفعلون الاضطباع من حين إحرامهم إلى أن تخلع ثياب الإحرام، والصواب في ذلك أن الاضطباع إنما يكون في طواف القدوم أو طواف العمرة لمن كان معتمراً أو متمتعاً ثم يتركه عند انتهائه من طوافه.
(١) قوله (فَيَجْعَلَ وَسْطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ وَطَرْفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ الأَيْسَرِ): هذه هي صفة الاضطباع التي تم ذكرها.
(٢) قوله (وَيَبْدَأُ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ): استلام الحجر وتقبيله سنة ومعنى استلام الحجر تناوله باليد، ودليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن استلام الحجر فقال (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ) (٢)، لكن هذا مشروط بعدم المزاحمة وأذية الناس وإلا فقد يصير مُحَرَّماً إذا أدى إلى المزاحمة وأذية الناس.
- فائدة (١): إذا لم يستطع الاستلام والتقبيل استلمه بيده وقبل يده ، فإن شق عليه ذلك لمسه بعصا أو غيرها وقبَّل طرفها، فإن شق ذلك أشار إليه بيده =
стр. 810
وَيَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ (١) اللهُمَّ إِيْمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيْقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ (٢)
ــ
= ولا يقبلها.
فخرج من هذه الفائدة أن صفات الاستلام أربعة:
الأولى: وهي أفضلها أن يستلمه بيده ويقبله.
الثانية: أن يستلمه بيده ويقبل يده مع عدم الأذية.
الثالثة: استلامه بعصا مع تقبيلها وهذا في حق الراكب.
الرابعة: الإشارة إليه مع عدم التقبيل.
- فائدة (٢): كيفية الإشارة: هل الإشارة كما يفعل العامة برفع أيديهم مع التكبير كما يفعلون في الصلاة؟
الجواب: لا؛ بل الإشارة باليد اليمنى، كما أن المسح للحجر يكون باليد اليمنى.
ولكن هل تشير وأنت ماشي والحجر على يسارك أم تستقبله؟
الجواب: الظاهر أنه عند الإشارة يستقبله، لأن الإشارة تقوم مقام الاستلام والتقبيل، والاستلام والتقبيل يكون الإنسان مستقبلاً له بالضرورة، لكن إن شق عليه الاستقبال لكثرة الزحام فلا حرج أن يشير وهو ماشي.
(١) قوله (وَيَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ): أي ويقول عند بداية الطواف ومحاذاته الحجر الأسود بسم الله، الله أكبر.
(٢) قوله (اللهُمَّ إِيْمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيْقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ : هذا إذا صح الحديث الوارد في ذلك، لكن الحديث فيه ضعف فلا يشرع هذا الذكر فيكتفي المحرم عند طوافه بقول (بسم الله؛ الله =