بابُ دُخُوْلِ مَكَّةَ (١)
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلاهَا (٢)
ــ
(١) قوله (بابُ دُخُوْلِ مَكَّةَ): أي متى وكيف ومن أين يدخل الحاج والمعتمر مكة.
(٢) قوله (يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلاهَا): أي من الجهة الشرقية من عند مقبرة المعلاة من جهة الحجون.
لكن هل يلزم أن يتعمد ذلك؟ أم أنه إذا كان طريقه من أعلاها فالأفضل أن لا يعدل عنه؟
نقول: السنة دخول مكة من أعلاها كما ذكر المؤلف لحديث ابن عمر (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ وَخَرَجَ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى) (١).
وهذا قول أكثر أهل العلم أي يستحب دخول مكة من أعلاها سواء كانت في طريقه أو لم تكن.
وقال جماعة من العلماء يستحب دخول مكة من الثنية العليا إذا كانت في طريقه، وإذا لم تكن في طريقه فلا يستحب تقصدها لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يتقصدها وإنما دخل منها لكونها من طريقه.
والأظهر عندي: أنه يفعل الأيسر له؛ فإن كان في دخوله من أعلاها أيسر سن له دخولها من أعلاها، وإن كان في دخوله من غيرها يعني الثنية العليا أيسر له دخل منه هذا هو الأفضل في حقه.
стр. 807
وَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِيْ شَيْبَةَ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ (١)، فَإِذَا رَأَى البَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ اللهَ وَهَلَّلَهُ وَحَمِدَهُ، وَدَعَا (٢)، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا (٣)
ــ
(١) قوله (وَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِيْ شَيْبَةَ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ : احتج
لذلك المؤلف بما رواه البيهقي عن جابر بن عبد الله (أَنَّ النَّبي ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ ارْتَفاعَ الضُّحَى وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عِنْدَ بَابَ بَنِي شَيَّبَةَ ثُمَ دَخَلَ) (١)، والحديث فيه ضعف.
ولذا نقول: يدخل المحرم الحرم من حيث شاء، وليس في ذلك سنة ثابتة، ولو صح هذا الحديث لحمل على أن هذا حصل من باب الموافقة وليس تقصداً منه ﷺ .
وقوله (وَيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِيْ شَيْبَةَ) هذا الباب لا وجود له الآن، فقد أزيل بعد توسعة المطاف.
(٢) قوله (فَإِذَا رَأَى البَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ اللهَ وَهَلَّلَهُ وَحَمِدَهُ، وَدَعَا): هذا إذا صح الدليل الوارد في ذلك، لكن الآثار الواردة في ذلك لم تصح، ولذا نقول الأقرب عدم سُنِّية ذلك لعدم ثبوته عن النبي ﷺ .
(٣) قوله (ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا): أي إذا وصل المحرم إلى الكعبة فإنه يبدأ بالطواف إن كان معتمراً أو متمتعاً، وهذا لفعله ﷺ هذا ما لم تحضر الصلاة فيقدم الفريضة على الطواف، وكذلك لو شرع في الطواف فيقف لأجل الصلاة.
أما إذا دخل المسجد ولم تحضر الصلاة فليبدأ بالطواف لأن تحية المسجد =
стр. 808
أَوْ بِطَوَافِ الْقُدُوْمِ، إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا (١) وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ (٢)
ــ
= الحرام الطواف، دليل ذلك ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ قالت ( .. أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ) (١)، أما إذا أراد عدم الطواف فلا يجلس حتى يصلي تحية المسجد.
(١) قوله (أَوْ بِطَوَافِ الْقُدُوْمِ، إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا): هذا الطواف سنة عند أكثر أهل العلم (٢)، وجاء عن الإمام مالك (٣) ﵀ أن من تركه يجبره بدم.
والصحيح: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم لحديث عروة بن مضرس ﵁ وفيه أن النبي ﷺ لم يأمره بطواف القدوم بل قال له (مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلاةَ - يَعْنِي صَلاةَ الْفَجْرِ - بِجَمْعٍ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نُفِيضَ مِنْهُ وَقَدْ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ) (٤).
لكن متى شقَّ على الإنسان وبخاصة الذين يأتون من أماكن بعيدة يشق عليهم هذا العمل ويريدون أن يذهبوا إلى أماكنهم ليستريحوا قليلاً وليضعوا أمتعتهم فلا حرج لأن هذا من باب السنن.
(٢) قوله (وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ): هذا أول ما يسن فعله عند طواف العمرة أو القدوم للقارن والمفرد وهو الاضطباع، وصفته كما سيذكره المؤلف أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، فيكون الأيمن =
стр. 809
فَيَجْعَلَ وَسْطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ وَطَرْفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ الأَيْسَرِ (١)، وَيَبْدَأُ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ (٢)
ــ
= مكشوفاً على هيئة أرباب الشجاعة إظهاراً للجلادة في مقام العبادة، ودليل الاضطباع ما جاء عن ابن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من جعرانه فاضطبعوا وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ووضعوها على عواتقهم ثم رملوا) (١).
- فائدة: يخطئ كثيرٌ من الحجاج حيث يفعلون الاضطباع من حين إحرامهم إلى أن تخلع ثياب الإحرام، والصواب في ذلك أن الاضطباع إنما يكون في طواف القدوم أو طواف العمرة لمن كان معتمراً أو متمتعاً ثم يتركه عند انتهائه من طوافه.
(١) قوله (فَيَجْعَلَ وَسْطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ وَطَرْفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ الأَيْسَرِ): هذه هي صفة الاضطباع التي تم ذكرها.
(٢) قوله (وَيَبْدَأُ بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ): استلام الحجر وتقبيله سنة ومعنى استلام الحجر تناوله باليد، ودليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن استلام الحجر فقال (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ) (٢)، لكن هذا مشروط بعدم المزاحمة وأذية الناس وإلا فقد يصير مُحَرَّماً إذا أدى إلى المزاحمة وأذية الناس.
- فائدة (١): إذا لم يستطع الاستلام والتقبيل استلمه بيده وقبل يده ، فإن شق عليه ذلك لمسه بعصا أو غيرها وقبَّل طرفها، فإن شق ذلك أشار إليه بيده =
стр. 810
وَيَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ (١) اللهُمَّ إِيْمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيْقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ (٢)
ــ
= ولا يقبلها.
فخرج من هذه الفائدة أن صفات الاستلام أربعة:
الأولى: وهي أفضلها أن يستلمه بيده ويقبله.
الثانية: أن يستلمه بيده ويقبل يده مع عدم الأذية.
الثالثة: استلامه بعصا مع تقبيلها وهذا في حق الراكب.
الرابعة: الإشارة إليه مع عدم التقبيل.
- فائدة (٢): كيفية الإشارة: هل الإشارة كما يفعل العامة برفع أيديهم مع التكبير كما يفعلون في الصلاة؟
الجواب: لا؛ بل الإشارة باليد اليمنى، كما أن المسح للحجر يكون باليد اليمنى.
ولكن هل تشير وأنت ماشي والحجر على يسارك أم تستقبله؟
الجواب: الظاهر أنه عند الإشارة يستقبله، لأن الإشارة تقوم مقام الاستلام والتقبيل، والاستلام والتقبيل يكون الإنسان مستقبلاً له بالضرورة، لكن إن شق عليه الاستقبال لكثرة الزحام فلا حرج أن يشير وهو ماشي.
(١) قوله (وَيَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ): أي ويقول عند بداية الطواف ومحاذاته الحجر الأسود بسم الله، الله أكبر.
(٢) قوله (اللهُمَّ إِيْمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيْقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ : هذا إذا صح الحديث الوارد في ذلك، لكن الحديث فيه ضعف فلا يشرع هذا الذكر فيكتفي المحرم عند طوافه بقول (بسم الله؛ الله =
стр. 811
ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِيْنِهِ (١) وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ (٢) فَيَطُوْفُ سَبْعًا (٣)، يَرْمُلُ فِي الثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَيَمْشِيْ فِيْ الأَرْبَعَةِ الأخرى (٤)
ــ
=أكبر، ولا يزيد عن مرة واحدة كما يفعله بعض الناس.
(١) قوله (ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِيْنِهِ): أي إذا حاذى الحجر واستلمه وقبله فإنه يأخذ ذات اليمين كما جاء ذلك في صحيح مسلم (١) عن جابر ﵄.
(٢) قوله (وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ): وهذا ثابت من فعله ﷺ وهو القائل لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) (٢)، وعن جابر ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا) (٣).
(٣) قوله (فَيَطُوْفُ سَبْعًا): أي سبعة أشواط من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود شوط وهكذا حتى يتم سبعة أشواط كما جاء ذلك في حديث جابر المتقدم، وتكون هذه السبعة كاملة لا تقل، لو نقص خطوة واحدة من أوله أو آخره لم يصح، كما لو نقص شيئاً من الصلاة الرباعية أو الثلاثية أو الثنائية فإنها لا تصح.
لكن هل يلزم محاذاة الخط الموضوع لذلك ؟
الصواب: أنه لا يلزم، بل يكفي المحاذاة للحجر فمتى حاذاه انتهى شوطه، هذا إن كان موجوداً أما الأن فقد أزيل.
(٤) قوله (يَرْمُلُ فِي الثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَيَمْشِيْ فِي الأَرْبَعَةِ
الأخرى): وذلك لحديث جابر المتقدم، وهذا هو الأمر الثاني الذي يسن =
стр. 812
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فعله في الطواف، فالأول هو الاضطباع وقد سبق والثاني الرَّمل.
والرَّملُ: بفتح الراء والميم وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى من غير وثب.
وللرمل أحكام تخصه ومن هذه الأحكام:
١ - سبب مشروعيته: ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) (١)، ومعنى الإبقاء عليهم الشفقة عليهم.
فدل الحديث على أن الحكمة في الرمل هو إغاظة الكافرين حيث ظنوا أن محمداً وأصحابه أعيتهم حمى يثرب وأضعفتهم فأمرهم النبي ﷺ بالرَّمل من أجل تخييب ظنهم الفاسد وإغاظتهم وخزيهم.
٢ - أن الرمل إنما يكون في الأشواط الثلاثة الأولى فقط.
٣ - أن الرمل إذا ترك في الثلاثة الأشواط الأولى لم يقضه في الأربعة الباقية لأنها عبادة فات محلها ولئلا يغير هيئة الطواف.
٤ - أن من استطاع أن يرمل في شوط أو شوطين من الثلاثة الأولى فعل.
٥ - الرمل مع بُعدٍ من البيت أولى من تركه مع قرب للزحام لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بذات العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها أو زمانها.
٦ - هل يكون الرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود أم يشرع المشي=
стр. 813
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=بين الركن اليماني والحجر الأسود؟
على قولين؛ فقيل: يمشي ما بين الركنين لحديث ابن عباس المتقدم.
وقيل: بل يرمل في الشوط كله وذلك لحديث جابر ﵄ (فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا) (١)، وفي رواية (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا) (٢)، وأيضاً حديث ابن عمر ﵄ قال (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ حِينَ يَقْدَمُ يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ .. ) (٣)، ومعنى يخبّ أي يسرع في المشي.
فقالوا هذه الأدلة تدل على أن رمل الأشواط الثلاثة يكون من الحجر إلى الحجر فيكون ناسخا لحديث ابن عباس ﵄، ودليل النسخ أن حديث ابن عباس في عمرة القضاء في ذي القعدة في سنة سبع أما حديثا جابر وابن عمر ﵄ فإنما كانا في حجة الوداع.
وهذا هو الأصح عندي؛ فيرمل في طواف القدوم، وكذا طواف العمرة في الثلاثة الأشواط الأولى من الحجر إلى الحجر وهذا عمل الصحابة ﵃.
٧ - مشروعية الرمل باقية وإن كان السبب وهو إغاظة المشركين قد زال تأسياً
واقتداءً بفعل النبي ﷺ ، كما أن في ذلك تذكيراً بنعمة الله تعالى وهي الأمن =
стр. 814
وَكُلَّمَا حَاذَى الرُّكْنَ اليَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ، اسْتَلَمَهُمَا، وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ (١)
ــ
=بعد الخوف لشكر الله عليها.
٨ - هل للنساء أن ترمل؟
الجواب: الرمل مشروع في حق الرجال دون النساء ومثله الرمل في السعي كما سيأتي في آخر هذا الباب.
٩ - أن الرمل إنما يشرع للأفاقين أي الذي أحرم من بعيد عن مكة وليس بشرط أن يكون بينه وبينها مسافة قصر بل فمن أحرم من قرن المنازل أو يلملم أو الجحفة أو ذات عرق أو من ذي الحليفة فإنه يرمل، أما من كان بمكة فإنه لا يرمل.
١٠ - الرمل ليس هو هز الكتفين كما يفعله بعض الجهال، بل الرمل هو المشي بقوة ونشاط بحيث يسرع لكن لا يمد خُطْوَه.
١١ - إذا كان بحصول الرمل يحصل أذية للمسلمين فلا يشرع، بل يجب على المسلم تركه لأن فعله سنة وأذية الناس مُحَرَّمة فلا تشرع سنة تحصل بها أذية للناس.
(١) قوله (وَكُلَّمَا حَاذَى الرُّكْنَ اليَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ، اسْتَلَمَهُمَا، وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ): أي كلما صار بحذاء الركن اليماني والحجر الأسود فإنه يقول (الله أكبر لا إله إلا الله).
أما التكبير عند محاذاة الحجر الأسود فقد ورد ذكره من حديث ابن عباس ﵄ قال (طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ) (١)، وفي رواية (طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ=
стр. 815
وَيَقُوْلُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١)
ــ
= إلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ) (١).
وأما التكبير عند محاذاة الركن اليماني فليس له أصل، بل الثابت أن النبي ﷺ كان يستلمه ولم ينقل أنه كان يكبر عنده.
أما زيادة (لا إله إلا الله) كما ذكر المؤلف هنا بقوله (وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ) فلم تثبت عن النبي ﷺ في هذا الموضع.
فالصواب في هذه المسألة: أن المشروع في حق من يطوف استلام الحجر والتكبير عنده واستلام الركن اليماني إن استطاع وإلا فلا يشرع التكبير له (يعني الركن اليماني) ولا قول (لا إله إلا الله).
(١) قوله (وَيَقُوْلُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾): أي مما يشرع فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود أن يدعو الحاج أو المعتمر بهذا الدعاء ولا يزيد عليه (وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار)، لأن هذه الزيادة لم تثبت لكن إن دعا بها مع علمه أنها ليست بسنة وإنما هي دعاء فقط فلا حرج.
وحسنة الدنيا هي ما تحسن به أحوالنا من صحة، وسلامة، وأهل، ومال، وذكر حسن، وحسنة الآخرة أي ما تحسن به أحوالنا في تيسير الحساب، وتخفيف الأهوال، ودخول الجنة، والنظر إلى وجه الله الكريم، (وقنا عذاب النار) اجعل لنا وقاية منه ومن أسبابه.
стр. 816
وَيَدْعُوْ فِيْ سَائِرِهِ بِمَا أَحَبَّ (١)، ثُمَّ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ (٢)، وَيَعُوْدُ إِلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ (٣)
ــ
(١) قوله (وَيَدْعُوْ فِيْ سَائِرِهِ بِمَا أَحَبَّ): أي في سائر الطواف بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، أما جعل أدعية معينة لكل شوط أو جعل ذكر معين في الطواف غير ما سبق فهذا لم يثبت عن النبي ﷺ وإنما هذا مما أحدثه الناس، ومن ذلك ما يقوم به بعض الناس من الدعاء في أثناء الطواف ويتابعه فيه واحد أو أكثر ممن يطوف معه، وهذا فيه نوع أذية للمسلمين بسبب التشويش عليهم.
(٢) قوله (ثُمَّ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ): لقوله تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١)، وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ .. ) (٢)، فإن لم يتيسر أن يصليهما خلف المقام صلاهما في أي مكان من المسجد الحرام، أما ما نراه من بعض الناس ممن يصليها خلف المقام مع شدة الزحام وأذية الناس فهذا لا يجوز فعله لما فيه من أذية الناس والتضييق على من يطوف بالبيت.
(٣) قوله (وَيَعُوْدُ إِلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ): أي بعد أن يصلي ركعتي الطواف يسن له أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، وقوله (ويعود إلى الركن) المراد بالركن
هنا هو الحجر الأسود فإنه يطلق عليه هو والركن اليماني (الركنان اليمانيان) لأنهما من جهة اليمن.
стр. 817
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما دليل ما ذكره المؤلف فهو حديث جابر ﵄ وفيه ( .. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ .. ) (١)، فمتى انتهى من صلاة الركعتين عاد إلى الحجر الأسود واستلمه بيده إن تيسر له ذلك وإلا تركه ومضى ولا يسن في هذه المرة تقبيله ولا الإشارة إليه.
ذكر بعض المسائل المتعلقة بالطواف:
الأولى: سنن الطواف:
(استلام الحجر - وتقبيله - ما يقوم مقام الاستلام - استلام الركن - الاضطباع - الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى - الدعاء - الذكر - الدنو من البيت - ركعتا الطواف).
الثانية: قال بعض العلماء كل طواف بعده سعي: يسن أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، والاستلام بعد الطواف تحية للسعي وتوديع للحجر.
الثالثة: الاحتياط فيما ثبتت به السنة لزومها وما زاد عليها فهو بدعة: مثل الزيادة على الطواف بأن يطوف قبل الحجر الأسود في الشوط الأول.
الرابعة: جهة الحجر والباب أشرف جهات الكعبة، والبيوت تؤتى من أبوابها.
الخامسة: تحية الكعبة الطواف، وتحية المسجد الركعتان.
السادسة: يستلم الحِجْر الأسود والركن اليماني لأنهما على قواعد إبراهيم.
السابعة: لا تشرع البسملة إلا عند بداية الطواف فقط.
الثامنة: يشترط لصحة الطواف ما يلي: (النية - ستر العورة - الطهارة من =
стр. 818
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الحدث في أصح قولي العلماء - الطهارة من النجاسة - إتمام سبعة أشواط - جعل البيت عن يساره - لا يطوف على شيء من البيت كالشاذروان - الطواف داخل المسجد - الموالاة بين الأشواط - البداية من الحجر الأسود).
التاسعة: من ترك شيئاً من الطواف ولو خطوة واحدة أو شبراً واحداً فإنه لا يصح، فإن ذكره في أثناء الطواف فإنه يلغي الشوط الذي ترك فيه ذلك ويقع ما بعده بدلاً منه.
العاشرة: من شك في عدد الأشواط فإنه يُنظر هل الشك في أثناء العبادة أم بعد الفراغ منها؟
فإن كان بعد الفراغ فلا عبرة بالشك لأن الشك بعد الفراغ من العبادة لا تأثير له.
أما إن شك في أثنائها هل يبني على اليقين أم على غلبة الظن؟
قولان للفقهاء؛ والصحيح أنه يعمل بغلبة الظن كالصلاة.
مثال ذلك: في أثناء الطواف شك هل طاف خمسة أشواط أو ستة أشواط فإن كان الشك متساوي الأطراف جعلها خمسة لأنه المتيقن، وإن ترجح أنها خمسة جعلها خمسة، وإن ترجح أنها ستة فمن العلماء من يقول يعمل بذلك ويجعلها ستة، ومنهم من يقول يبني على اليقين ويجعلها خمسة، والصحيح أنه يعمل بغلبة الظن فيجعلها ستة ويأتي بالسابع.
الحادية عشرة: من قطع طوافه للصلاة بدأَ من حيث انتهى ولا يلزمه العود إلى أول الشوط في أصح قولي العلماء، وإن بدأ من أول الشوط خروجاً من الخلاف فلا بأس إن شاء الله لما فيه من الاحتياط.
стр. 819
ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ (١) فَيَأْتِيْهِ (٢) فَيَرْقَى عَلَيْهِ (٣) وَيُكَبِّرُ اللهَ وَيُهَلِّلُهُ وَيَدْعُوْهُ (٤)
ــ
الثانية عشرة: يجوز لحامل الطفل أن ينوي الطواف والسعي عنه وعن الطفل لأن النبي ﷺ لما سألت المرأة عن الطفل فقالت يا رسول ﷺ ألهذا حج؟ قال نعم ولكِ أجر. ولم يأمرها أن تخصه بطواف أو سعي، فدل ذلك على أن طوافها وسعيها به يجزئ عنهما.
(١) قوله (ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ): أي ثم يخرج من المسجد الحرام إلى الصفا من باب الصفا لأنه أيسر له.
وهذا في السابق حينما كان المسعى منفصلاً عن المسجد الحرام، وأما الآن فليس بينهما باب لكن يخرج من جهة الصفا.
(٢) قوله (فَيَأْتِيْهِ): أي ثم يأتي إلى الصفا.
(٣) قوله (فَيَرْقَى عَلَيْهِ): حتى يرى البيت ويقول إذا دنا من الصفا ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (١) أبدأ بما بدأ به الله.
(٤) قوله (وَيُكَبِّرُ اللهَ وَيُهَلِّلُهُ وَيَدْعُوْهُ): أي إذا رقى على الصفا كبر الله تعالى ثلاثاً وهلله، أي قال (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده)، ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثانية، ثم ... يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثالثة، ثم ينزل متجهاً إلى المروة.
هذا ما رواه عنه جابر ﵄ في صفة حجة النبي ﷺ
стр. 820
ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِيْ إِلَى العَلَمِ، ثُمَّ يَسْعَى إِلَى الْعَلَمِ الآخَرِ (١)، ثُمَّ يَمْشِيْ إِلَى الْمَرْوَةِ (٢) فَيَفْعَلُ كَفِعْلِهِ عَلَى الصَّفَا (٣)، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِيْ فِيْ مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِيْ مَوْضِعِ سَعْيِهِ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ (٤)
ــ
(١) قوله (ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِيْ إِلَى العَلَمِ، ثُمَّ يَسْعَى إِلَى الْعَلَمِ الآخَرِ): أي ثم ينزل من على الصفا فيمشي إلى بداية العلم الأخضر الموجود في بداية الوادي، فإذا رأى العلامة الخضراء ركض بقدر ما يستطيع إلى أن يصل إلى العلامة الثانية التي هي علامة على نهاية الوادي.
ودليل ذلك فعل النبي ﷺ فعن جابر ﵄ أن النبي ﷺ ( .. نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ) (١)، وهذا الحكم في حق الرجل أما المرأة فلا يشرع لها لأنها مأمورة بالستر.
(٢) قوله (ثُمَّ يَمْشِيْ إِلَى الْمَرْوَةِ): وهو الجبل المعروف في نهاية المسعي.
(٣) قوله (فَيَفْعَلُ كَفِعْلِهِ عَلَى الصَّفَا): أي يفعل عليها من الذكر والدعاء ورفع اليدين كما فعل على الصفا.
(٤) قوله (ثُمَّ يَنْزِلُ، فَيَمْشِيْ فِيْ مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِيْ مَوْضِعِ سَعْيِهِ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ): أي يفعل كما فعل في الشوط الأول.
و هل يصعد في كل شوط حتى يصل إلى أعلى الصفا أو إلى أعلى المروة؟
نقول: الذي يجب استيعابه حده حد الممر الذي جعل ممراً للعربات، وأما بعد مكان الممر فإنه من المستحب وليس من الواجب، فلو أن الإنسان اختصر سعيه من حد ممر العربات لأجزئه.
стр. 821
يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً (١)
ــ
قوله (حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) وذلك لحديث عبد الله بن عمر ﵄ وفيه ( .. فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ .. ) (١)، وهذا أمر مجمع عليه. ولا يتحقق السعي بدون سبعة أشواط يقطعهما بين الصفا والمروة لفعل النبي ﷺ وهو قول عامة السلف والخلف.
وقال الحنفية (٢) يكفي لإسقاط الواجب أربعة أشواط لأنها أكثر السعي وللأكثر حكم الكل.
لكن إن سعى أقل من سبعة أشواط فعليه دم عندهم لأنه لم يؤد الواجب.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور فيجب عليه العود لأداء ما نقص ولو كان يسيراً ولا يتحلل من إحرامه إلا بذلك.
(١) قوله (يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً): وحكي عن بعض الشافعية (٣)، وكذا ابن جرير (٤) أنهم قالوا ذهابه ورجوعه سعيه، وهذا غلط لأن جابر ﵄ قال ( .. ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا .. )
فلما كان آخر طوافه على المروة قال ( .. لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً .. ) (٥)، فلو كان على ما ذكروه لكان آخره عند الصفا في الموضع الذي بدأ منه.
стр. 822
يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ (١)، ثُمَّ يُقَصِّرُ مِنْ شَعَرِهِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا (٢) وَقَدْ حَلَّ (٣)،
ــ
(١) قوله (يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ): لقوله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١)، قال ﷺ (نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ) (٢).
- فائدة: لكن إن خالف وبدأ بالمروة قبل الصفا فهل يجزئه ؟
الجواب: لا يجزئه كما لو بدأ بالسجود في الصلاة قبل الركوع ولقوله ﷺ (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (٣)، فلو بدأ بالمروة وانتهى بالصفا يسقط هذا الشوط الذي بدأه ويلغيه.
(٢) قوله (ثُمَّ يُقَصِّرُ مِنْ شَعَرِهِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا): فيه دليل على أن المستحب في حق المتمتع إذا حل من عمرته التقصير ليؤخر الحلق إلى الحج.
دليل ذلك أن النبي ﷺ أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يقصروا، فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال ( .. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ .. ) (٤). أما إذا كان معتمراً فقط دون حج فالأفضل في حقه الحلق.
(٣) قوله (وَقَدْ حَلَّ): أي حل من عمرته فقد حل له كل شيء حتى النساء، فإذا ساق الهدي لزم في حقه القرَان.
стр. 823
إِلاَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ (١) وَالْمُفْرِدَ، وَالْقَارِنَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ (٢)، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّهَا لا تَرْمُلُ فِيْ طَوَافٍ وَلا سَعْيٍ (٣)
ــ
(١) قوله (إِلاَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ): أي فإنه لا يحل بل يستمر على إحرامه حتى ينحر هديه يوم العيد.
(٢) قوله (وَالْمُفْرِدَ، وَالْقَارِنَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ): أي وكذلك القارن والمفرد فإنهما لا يحلان من إحرامهما، بل يستمران على إحرامهما حتى يرميا جمرة العقبة يوم العيد، دليل ما ذكرناه ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال (فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ) (١).
(٣) قوله (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلاَّ أَنَّهَا لا تَرْمُلُ فِيْ طَوَافٍ وَلا سَعْيٍ): أي المرأة في جميع الأحكام التي ذكرها المؤلف كالرجل لا يستثنى منه شيء إلا الرمل، وهو كما ذكرنا إسراع المشي مع تقارب الخطى من غير وثب.
وهذا الحكم يعني الرمل سنَّة في حق الرجال، ولأن الأصل في مشروعية الاضطباع إظهار الجلد والقوة وذلك غير مقصود في حقهن، ولأن النساء يقصد فيهن الستر وفي الرمل والاضطباع تعرض للانكشاف.
قال ابن المنذر (٢): أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت ولا بين الصفا والمروة.
стр. 824
بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ (١)
وَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ (٢)، فَمَنْ كَانَ حَلالاً (٣)، أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ (٤)،
ــ
(١) قوله (بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ): هذا الباب من أهم الأبواب في كتاب الحج حيث سيذكر فيه المؤلف الكيفية التي ينبغي أن يؤدي عليها الحج، فلما ذكر المؤلف دخول مكة وما يتعلق به من طواف وسعي وهو عام ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالحج من إحرام، ووقوف بعرفة، ومبيت بمزدلفة، ومبيت بمنى، وكذا طواف الوداع، وغير ذلك مما سيذكره المؤلف.
(٢) قوله (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ): يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سُمِّي بذلك لأن الناس كانوا يرتوون فيه الماء لما بعده لأن منى لا ماء فيها في الزمن الماضي وكذلك مزدلفة وعرفة.
وأما الآن فنحمد الله ونشكره المياه متوفرة في كل مشاعر الحج، وهذا من فضل الله جل وعلا، ثم بفضل ولاة أمر بلادنا الذين يبذلون للحج والحجاج ما يستطيعون مما فيه تيسير وتسهيل عليهم لأداء مناسكهم بكل يسر.
- فائدة: أيام الحج لها مسمى عند الفقهاء: فاليوم الثامن يسمى (يوم التروية)، واليوم التاسع (يوم عرفة)، والعاشر (يوم النحر)، والحادي عشر (يوم القر)، والثاني عشر (يوم النفر)، والثالث عشر (يوم النفر الثاني).
(٣) قوله (فَمَنْ كَانَ حَلالاً): أي من كان من المتمتعين الذين حلوا من عمرتهم أو ممن كان مقيماً من أهل مكة فأراد الحج.
(٤) قوله (أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ): أي يستحب لهم فعل ذلك يوم التروية ومن حيث =
стр. 825
وَخَرَجَ إِلَى عَرَفَاتٍ (١)،
ــ
=أحرم من الحرم جاز.
وقيل لا يجوز له أن يحرم من الحل، فمتى أحرم فعليه دم لأنه ترك واجباً.
والصحيح: أنه يحرم من مكانه أيًّا كان، وإذا كان بالحرم فلا ينبغي أن يخرج الإنسان من الحرم، بل يحرم منه، وإن أحرم من الحل جاز.
والأفضل أن يحرم من مكة لقول النبي ﷺ في المواقيت حتى أهل مكة يهلون من مكة (١) فإن أحرم خارجاً منها جاز له ذلك لقول جابر ﵄ (فَأَهْلَلْنَا مِنْ الْأَبْطَحِ) (٢)، وهذا إحدى الروايتين (٣) في المذهب.
- فائدة (١): يستحب أن يفعل عند إحرامه هذا ما فعله عند إحرامه من الميقات فيغتسل ويتنظف وغير ذلك.
- فائدة (٢): قال بعض الفقهاء: إذا كان بمكة وتجرد من مخيطه ولبس ملابس الإحرام فإنه يستحب له أن يطوف سبعاً ويصلي ركعتين ثم يحرم عقيبهما، ولا يسن أن يطوف بعد إحرامه.
(١) قوله (وَخَرَجَ إِلَى عَرَفَاتٍ): لم يذكر المؤلف هنا المبيت بمنى ليلة التاسع والمبيت فيها سنة فيخرج الحاج إلى منى فيصلي بها الظهر ويبيت بها فيصلي الصلوات الخمس الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفجر يوم عرفة قصراً دون جمع.
دليل ذلك ما جاء في حديث جابر ﵄ وفيه (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ =
стр. 826
فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ (١)،
ــ
=وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ .. ) (١).
وقوله (وَخَرَجَ إِلَى عَرَفَاتٍ) أي بعد طلوع شمس يوم التاسع فإنه يسير إلى عرفة وينزل أولاً بنمرة وهي قرية قرب عرفة وليست من عرفة بلا شك لأنه إذا كان بطن عرنة ليس من عرفة فهي أبعد من بطن عرنة.
- فائدة: هل النزول بنمرة للراحة أم هو نسك ؟
الصواب: أن النزول بها سنة وليس للراحة، فينزل بها الحاج إن تيسر حتى إذا زالت الشمس انطلق إلى عرفة.
(١) قوله (فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ): وذلك لفعله ﷺ في حجة الوداع وكذا أصحابه ﵃ فيجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم، والحكمة من الجمع هنا أمران:
الأول: لكي يطول وقت الدعاء.
الثاني: اجتماع الناس على الصلاة، فإنهم إن تفرقوا إلى المواقف صعب إتيانهم واجتماعهم مرة أخرى، ومراعاة هذه المصلحة العظيمة أولى، لكن تسبق الصلاة الخطبة، فمتى زالت الشمس خطب الإمام ثم صلى الظهر والعصر جمع تقديم.
والمراد بالإمام هنا الإمام الأعظم، أو نائبه، والسُنَّة أن تكون الخطبة قصيرة، قال سالم بن عبد الله بن عمر للحجاج (إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فأقصر الخطبة وعجل الوقوف)، قال ابن عمر ﵄ صدق.
стр. 827
ثُمَّ يَصِيْرُ إِلَى الْمَوْقِفِ (١)، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، إِلاَّ بَطْنُ عُرَنَةَ (٢)، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِيْ مَوْقِفِ النَّبِيِّ ﷺ (٣)، أَوْ قَرِيْبًا مِنْهُ (٤)، عِنْدَ الْجَبَلِ قَرِيْبًا مِنَ الصَّخَرَاتِ (٥)، .
ــ
(١) قوله (ثُمَّ يَصِيْرُ إِلَى الْمَوْقِفِ): أي بعد انقضائه من الخطبة والجمع بين صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم يصير إلى الموقف وهو عرفة فيقف بها لفعله ﷺ هو وأصحابه في حجة الوداع.
(٢) قوله (وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، إِلاَّ بَطْنُ عُرَنَةَ): عُرنة بضم العين وفتح الراء والنون، هو وادي بحذاء عرفات، وهذا الوادي لا يجزئ الوقوف فيه لقوله ﷺ (عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ) (١).
- فائدة: وهل بطن عرنة من عرفة ؟
الجواب: نعم؛ لكن لا يجوز الوقوف فيه للحديث المتقدم، فلو وقف فيه ودفع منه فحجه غير صحيح لأن عرنة ليس من عرفة شرعاً، وإن كان منها مكاناً.
(٣) قوله (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِيْ مَوْقِفِ النَّبِيِّ ﷺ : أما مكان وقوفه ﷺ فهو عند الصخرات وجبل الرحمة، دليل ذلك ما جاء عن جابر ﵄ أن النبي جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة.
(٤) قوله (أَوْ قَرِيْبًا مِنْهُ): أي قريباً من موقفه ﷺ .
(٥) قوله (عِنْدَ الْجَبَلِ قَرِيْبًا مِنَ الصَّخَرَاتِ): الجبل هنا يقال له جبل الرحمة، أو جبل الدعاء، وقد كان يسمى في الجاهلية باسم (جبل إلال)، ويسمى =
стр. 828
وَيَجْعَلُ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ (١)، وَيَكُوْنُ رَاكِبًا (٢)، وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ (٣)،
ــ
= أيضاً جبل عرفة، أو جبل الموقف، فيقف عند الجبل قريباً من الصخرات، وهي صخرات مفترشات أسفل جبل الرحمة لا تزال هذه الصخرات موجودة.
هذا هو مكان وقوف رسول الله ﷺ ، لكن إذا شق عليه ذلك أو كان فيه إيذاء لنفسه أو لغيره فلا ينبغي، بل يجلس في أي مكان، ويستقبل القبلة، ولعله يدرك من الأجر أكثر مما يدركه أولئك الذين يشقون على أنفسهم ويضيعون هذا الوقت الفاضل بالمزاحمة وأذية الآخرين.
(١) قوله (وَيَجْعَلُ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ): هذا بخلاف ما يفعله العامة حيث يستقبلون الجبل ولا يستقبلون القبلة وهذا ناتج عن جهلهم، فينبغي على طالب العلم أن يوجه الناس ويعلمهم دينهم برفق وسهولة ويسر.
(٢) قوله (وَيَكُوْنُ رَاكِبًا): أي ويستحب أن يكون راكباً لفعله ﷺ .
والأظهر عندي أنه يفعل الأرفق به من الوقوف راكباً أو جالساً.
(٣) قوله (وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ): لورود ذلك عن النبي ﷺ ، فقد روى الترمذي وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً (خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١).
стр. 829
وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ وَالرَّغْبَةِ إِلَى اللهِ (١)، إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ (٢)، ثُمَّ يَدْفَعُ مَعَ الإِمَامِ إِلَى مُزْدَلِفَةٍ (٣)،
ــ
- فائدة: هل الوقوف يبدأ من أول النهار أم من الزوال ؟
قولان للعلماء: الجمهور على أنه من الزوال، ويرى الإمام أحمد أنه من أول النهار. والراجح: قول الجمهور.
(١) قوله (وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ وَالرَّغْبَةِ إِلَى اللهِ : للحديث المتقدم، فعلى الحاج الإكثار من الدعاء والاستغفار، واستغلال هذا اليوم العظيم، فإن لحق بالإنسان ملل ونحوه فلا حرج أن يستريح بنوم، أو بقراءة قرآن، أو بمذاكرة مع إخوانه، أو في أحاديث تتعلق بالرحمة والرجاء، والبعث، والنشور، وغير ذلك مما هو أنفع لقلبه.
- فائدة: الأحسن أن يدعو كل شخص وحده ، لكن لو كان هناك من لا يحسن الدعاء وطلب من أخيه أن يدعو وهو يؤمن فلا حرج، وكذا لو دعا للنساء اللاتي لا يحسنَّ الدعاء فهو مأجور إن شاء الله.
(٢) قوله (إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ): لحديث جابر المتقدم وفيه ( .. فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ .. )، فلا يجوز أن يدفع الحاج قبل غروب الشمس لفعله ﷺ ولقوله ﷺ (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ .. ) (١).
(٣) قوله (ثُمَّ يَدْفَعُ مَعَ الإِمَامِ إِلَى مُزْدَلِفَةٍ): هذا إذا كان هناك إمام وهو الوالي الذي إليه أمر الحج من قبل الإمام، فيستحب أن يقف حتى يدفع الإمام الذي يؤم الناس في عرفات.
стр. 830
عَلَى طَرِيْقِ الْمَأْزِمَيْنِ (١) وَعَلَيْهِ السَّكِيْنَةُ وَالْوَقَارُ (٢). وَيَكُوْنُ مُلَبِّيًا ذَاكِرًا للهِ (٣)، فَإِذَا وَصَلَ مُزْدَلِفَةَ صَلىَّ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا (٤)
ــ
ومزدلفة سميت بذلك من الازدلاف، وهو التقرب بالحجاج إذا أفاضوا من عرفات، ازدلفوا إليها أي تقربوا ومضوا إليها.
وسميت أيضاً بجمعٍ لاجتماع الناس فيها في الجاهلية والإسلام، وهي أيضاً تسمى بالمشعر الحرام؛ سميت بذلك لإِخراج المشعر الحلال وهو عرفة.
(١) قوله (عَلَى طَرِيْقِ الْمَأْزِمَيْنِ): لأن النبي ﷺ سلكه، والمأزمان شِعْب بين جبلين يفضي آخره إلى بطن عرفة عند نهاية عرفة جهة مزدلفة، وبين وادي محسر الذي يفصل بين مزدلفة وبين منى، ويسمى الآن بطريق المشاة رقم (٣)، وإن سلك طريقاً غيره جاز.
(٢) قوله (وَعَلَيْهِ السَّكِيْنَةُ وَالْوَقَارُ): هذه هي صفة الدافع من مزدلفة أي ليدفع الحاج من عرفات إلى مزدلفة بالهدوء والرفق لقوله ﷺ لأصحابه حينما وجد زحاماً (أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ؛ السَّكِينَةَ) (١) وفي رواية: (أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ .. ) (٢).
(٣) قوله (وَيَكُوْنُ مُلَبِّيًا ذَاكِرًا للهِ : هذه أيضاً صفة أخرى من صفات الدفع إلى مزدلفة، وهي أن يكون ملبياً ذاكراً لله .
(٤) قوله (فَإِذَا وَصَلَ مُزْدَلِفَةَ صَلىَّ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا): أي إذا وصل إلى مزدلفة صلى المغرب والعشاء جمعاً قبل أن يحطوا رحالهم، وهنا بعض الفوائد المتعلقة بهذه المسألة.
стр. 831
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- فائدة (١): أن الجمع في المزدلفة جمع تقديم أو تأخير حسب وصوله إليها.
- فائدة (٢): من صلى المغرب والعشاء في الطريق قبل الوصول إلى مزدلفة: فذهب جمهور الفقهاء إلى إجزاء صلاته لعموم قوله ﷺ ( .. وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا .. ) (١).
وذهب ابن حزم (٢) إلى عدم الإجزاء لقوله ﷺ لأسامة حينما كان يقول له الصلاة يا رسول الله فيقول (الصَّلاةُ أَمَامَكَ) (٣).
والصحيح: ما ذهب إله الجمهور.
- فائدة (٣): من خشي خروج وقت العشاء قبل أن يصل إلى مزدلفة وجب عليه أن يصلي في الطريق، فينزل ويصلي إن أمكنه وإلا صلى في سيارته وأتى بما يمكنه من الشروط والأركان والواجبات.
- فائدة (٤): من وصل إلى مزدلفة قبل دخول وقت العشاء فهل يصلي المغرب في وقتها ثم ينتظر فيصلي العشاء إذا دخل وقتها؟
نقول الأفضل مراعاة الأرفق والأيسر من جمع التقديم أو جمع التأخير حسب وصوله إليها، ولا ينبغي أن يصلي كل صلاة في وقتها في هذا المكان.
- فائدة (٥): وهل يصلي الوتر هنا ؟
قولان لأهل العلم؛ الأظهر عندي أنه يصلي الوتر لأنه ﷺ لم يكن يدع =
стр. 832
ثُمَّ يَبِيْتُ بِهَا (١)
ــ
= الوتر في حضر ولا سفر.
(١) قوله (ثُمَّ يَبِيْتُ بِهَا): أي فإذا صلى بمزدلفة العشاءين فإنه يبيت بها.
واختلف الفقهاء في حكم المبيت بمزدلفة على أربعة أقوال:
القول الأول: واجب، ومن تركه عليه دم، وهذا هو قول الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وعليه أكثر أهل العلم.
القول الثاني: أن المبيت بمزدلفة سنة مؤكدة، ويجب بتركه دم، وهذا قول مالك (٣).
القول الثالث: أن المبيت بمزدلفة واجب، ولا يترتب على تركه شيء، وهذا هو قول الحنفية (٤).
القول الرابع: أنه ركن من أركان الحج، فلا يصح الحج إلا به، وهذا مروي عن عبد الله بن الزبير ﵄، وعلقمة بن قيس، والشعبي، والحسن البصري (٥)، وهو اختيار ابن خزيمة (٦) ﵀، وهو قول لبعض الشافعية.
والصحيح من هذه الأقوال: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، وهو كما قلنا قول أكثر أهل العلم، فالمبيت بمزدلفة واجب إلى طلوع الفجر، ويرخص لأهل الأعذار بالدفع قبل غيبوبة القمر، فمن ترك المبيت فعليه دم لتركه =
стр. 833
ثُمَّ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِغَلَسٍ (١) وَيَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ (٢)،
ــ
= واجباً من واجبات الحج.
- فائدة: اختلف الفقهاء في قدر الوقوف الواجب في مزدلفة؟
فالمالكية (١) قالوا بأن زمن الوقوف يكون بقدر حط الرحال.
وقال الشافعية (٢)، والحنابلة (٣) بأن زمن الوقوف الواجب بعد نصف الليل ولو ساعة لطيفة، أي فترة من الزمن ولو قصيرة.
وقال الحنفية (٤) ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
والراجح عندي: ما ذهب إليه الشافعية، والحنابلة، وسيأتي إن شاء الله بيان الوقت الذي يجوز فيه الدفع من مزدلفة.
(١) قوله (ثُمَّ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِغَلَسٍ): أي في أول وقتها دليل ذلك قول جابر ابن عبد الله ﵄ (وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ) (٥). لكن يجب عليه التأكد من جهة القبلة ودخول الوقت فمن المؤسف أننا نرى الكثير من الحجاج لا يراعون هذين الأمرين.
(٢) قوله (وَيَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ): أي بعد أداء فريضة الفجر ينطلق الحاج إلى المشعر الحرام، وهو جبل مكانه الآن المسجد الموجود في مزدلفة، دليل ما ذكره المؤلف قوله تعالى ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٦)، وسمي المشعر الحرام لأن المشعر الحلال عرفة، ومزدلفة من =
стр. 834
فَيَقِفُ عِنْدَهُ، وَيَدْعُوْ وَيَكُوْنُ مِنْ دُعَائِهِ: اللهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيْهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ، كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنَا، كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكِ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوْا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآيَتَيْنِ) (١)، إِلَى أَنْ يُسْفِرَ (٢)، ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمْسِ (٣)،
ــ
=الحرم، وعرفة ليست من الحرم.
(١) قوله (فَيَقِفُ عِنْدَهُ، وَيَدْعُوْ وَيَكُوْنُ مِنْ دُعَائِهِ: اللهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيْهِ، وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ، كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنَا، كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكِ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوْا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآيَتَيْنِ): الصحيح أنه ليس هناك دعاء محدد في مزدلفة، لكن هذا الموقف من المواقف التي يرجى فيها قبول الدعاء فيدعو الإنسان فيها بما أحب من خيري الدنيا والآخرة.
(٢) قوله (إِلَى أَنْ يُسْفِرَ): أي يسفر إسفاراً واضحاً قال جابر ﵁ ( .. فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا .. ) (١)، وكان أهل الجاهلية لا يدفعون من مزدلفة حتى تطلع الشمس، ويقولون (أشرق ثبير كي ما نغير)، وثبير جبل مرتفع تطلع عليه الشمس قبل غيره.
وبهذا تبين لنا أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس ومن مزدلفة بعد طلوع الشمس فخالفهم رسول الله ﷺ في الوقتين.
(٣) قوله (ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمْسِ): لحديث جابر المتقدم وفيه: ( .. فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ .. ) (٢).
стр. 835
فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ (١)، حَتَّى يَأْتِيَ مِنًى (٢)، فَيَبْدَأُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (٣)
ــ
(١) قوله (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ): أي إذا بلغ وادي محسر، وهو وادي من طريق مزدلفة إلى منى أسرع في مسيره إن أمكن.
والحكمة في الإسراع في هذا الوادي لأن النبي ﷺ أسرع فيه، وقد قيل إن أصحاب الفيل حسروا فيه، أي أعيوا، وقيل في سبب إسراع النبي ﷺ فيه لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون في هذا الوادي ويذكرون أمجاد آبائهم فأراد النبي ﷺ أن يخالفهم، وقيل غير ذلك.
ولكن يبقى أن النبي ﷺ أسرع فيه، فنسرع نحن كذلك فيه إن أمكن ذلك.
وقوله (رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ): أي ليكن الإسراع فيه مسافة قدرها رمية حجر، قدَّرها بعض أهل العلم بقدر (٥٤٥) ذراعاً، ودليل الإسراع حديث جابر ﵄ وفيه ( .. حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلاً .. ) (١).
- فائدة: لم يذكر المؤلف هنا موضع التقاط الحصى: فقيل يأخذ الحصى من مزدلفة، وقيل من منى، وقيل من وادي محسر.
والذي يظهر: أن الأمر فيه واسع ولله الحمد.
(٢) قوله (حَتَّى يَأْتِيَ مِنًى): سميت بذلك لكثرة ما يمنى أي يراق فيها من الدماء.
(٣) قوله (فَيَبْدَأُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ): وهي آخر الجمرات من ناحية منى وأقربهن من جهة مكة، وسميت بجمرة العقبة لأنها كانت في عقبة - وهي المرقى الصعب من الجبال -، وقد أزيل ما حولها توسعة للمكان، وهي تسمى الآن باسم =
стр. 836
فَيَرْمِيْهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ (١)
ــ
= الجمرة الكبرى.
فيبدأ الحاج بها بعد دفعه من مزدلفة لأنها تحية منى، دليل ذلك حديث جابر ابن عبد الله ﵄ وفيه ( .. ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا .. ) (١).
(١) قوله (فَيَرْمِيْهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ): لحديث جابر ﵄ وفيه ( .. حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ .. ) (٢).
ولا يجزئ بأقل من السبع، ولا يشرع الزيادة على السبع.
ولا يجزئ الرمي بغير الحصى؛ فلو رماها بحديد، أو معدن، أو بخشب، أو أسمنت فلا يجزئ، لكن لو كان في كسر الأسمنت حصا لأجزأ الرمي بها.
- فائدة: وهل يجوز أن يرمي بالحصى المرمي به؟
نقول المذهب (٣) يرون أنه لا يجوز أن يرمي بحصى قد رمي به.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن الحصاة المرمي بها تجزئه لأنه هو الأرفق بالناس، وهذا هو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين (٤) وهو مذهب الشافعية (٥).
والأحوط عندي: أن لا يرمي بحصى رمي به، وهذا اختيار سماحة شيخنا ابن باز ﵀ (٦).
стр. 837
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكن لو فعل وعاد إلى بلده فهنا لا حرج عليه.
- فائدة (١): إذا رمى بأقل من سبع هل يلزمه شيء ؟
اختلف الفقهاء في ذلك:
فالشافعية (١)، والحنابلة (٢) ذهبوا إلى أن من ترك ثلاث حصيات يجب فيه دم، وترك حصاتين عند الشافعية فيها دمان، وفي حصاة دم، وعند الحنابلة في الحصاة أو الحصاتين روايتان.
والظاهر أنه لا شيء عليه عندهم في الحصاة ولا الحصاتين. قاله صاحب المغني (٣).
وعند الحنفية (٤) إن ترك الأكثر لزمه دم، وإن ترك الأقل فعليه صدقة لكل حصاة نصف صاع بر أو صاع من تمر أو شعير.
وعند المالكية (٥) يلزمه دم في ترك حصاة أو ترك الجميع.
- فائدة (٢): لا يشرع رمي الشاخص بل المشروع الرمي في الحوض.
- فائدة (٣): من شك في الحصى هل وقع في الحوض أو لا فعليه التكميل حتى يتيقن.
- فائدة (٤): قال الخرقي (٦) ﵀ ويستحب غسل الحصى.
قال صاحب المغني اختلف عن أحمد في ذلك؛ روي عنه أنه يستحب، =
стр. 838
كَحَصَى الْخَذْفِ (١) يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَهُ فِي الرَّمْيِ (٢)،
ــ
= وعنه لا يستحب، والصحيح عندي: أنه لا يستحب غسله، بل الرمي به من غير غسل لأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم.
قلت: وهو الصحيح؛ فلا يشرع غسل الحصى قبل رميه.
(١) قوله (كَحَصَى الْخَذْفِ): هذه هي صفة الحجر الذي يرمى به، فهو مثل حصى الخذف، وهي في الحجم تشبه بعر الغنم المتوسط، فوق الحمص ودون البندق. دليل ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: (قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ هَاتِ الْقُطْ لِي فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ بِأَمْثَالِ هَؤُلاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) (١).
(٢) قوله (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَهُ فِي الرَّمْيِ): هذه هي صفة الرمي:
أولاً: يرفع يده حال الرمي حتى يرى بياض إبطه.
ثانياً: يكبر حال رميه بالحصى مع كل حصاه، ودليل التكبير حديث جابر وفيه ( .. يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا .. ) (٢).
لكن هل يستقبل القبلة عند رميه ؟
نقول ذهب الجمهور (٣) إلى أنه يستقبل القبلة عند رميه، واحتجوا لذلك بما رواه الترمذي وغيره عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال ( .. لَمَّا أَتَى عَبْدُ =
стр. 839
وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ (١)، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ (٢)
ــ
اللَّهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَجَعَلَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ مِنْ هَاهُنَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) (١).
والأرجح عندي: أنه يجعل الكعبة عن يساره لما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن يزيد أنه حج مع عبد الله بن مسعود ﵁ فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ثم قال: ( .. هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) (٢).
(١) قوله (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ): لأنه إذا بدأ الرمي شرع له ذكر آخر وهو التكبير دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن الفضل بن العباس ﵄ قال: (لَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) (٣)، وقيل بل يقطعها عند فراغه من جمرة العقبة.
والصحيح: القول الأول.
(٢) قوله (وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ): أي يرمي جمرة العقبة من وسط الوادي الذي بجانبها، دليل ذلك حديث جابر المتقدم وفيه ( .. اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ .. ) (٤).
стр. 840
وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ (١) وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا (٢)، ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيَهُ (٣)، ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَوْ يُقَصِّرُهُ (٤)
ــ
- فائدة: من رمي من فوق الجسر المبني فوق الجمرات فلا حرج، ولو كان رميها من تحته أيسر, بل الأفضل أن يفعل الحاج الأيسر له فيؤدي هذه العبادة بطمأنينة وحضور نية.
(١) قوله (وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ): قد سبق بيان ذلك وقلنا أن السنة أن يجعل الكعبة عن يساره، أما حديث استقبال الكعبة فهو ضعيف.
(٢) قوله (وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا): أي إذا انتهى من رمي جمرة العقبة يوم العيد فإنه لا يقف عندها لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك.
(٣) قوله (ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيَهُ): إن كان معه هديٌ واجبٌ كهدى التمتع والقران أو هدي تطوع، ودليل ذلك ما جاء في حديث جابر ﵄ ( .. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ .. ) (١).
(٤) قوله (ثُمَّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَوْ يُقَصِّرُهُ): أي هو مخير بين الحلق والتقصير، والحلق أفضل بلا شك لأن النبي ﷺ دعا للمحلقين ثلاثاٌ وللمقصرين مرة.
ولأن الله تعالى قدَّمه في الذكر فقال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٢).
- فائدة (١): هل يحصل الحلق بالماكينة ؟
قال شيخنا ﵀ الحلق بالماكينة لا يعتبر حلقاٌ وإن كان أدنى درجة، فالحلق لابد أن يكون بالموس. والذي يظهر لي: أنه إذا كان بالماكينة برقم - صفر - =
стр. 841
ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءِ (١)
ــ
= فهو حلق، ويأخذ أجر المحلقين.
- فائدة (٢): الحكمة من الحلق أنه ذُل لله لا للتنظيف، ولهذا لم نؤمر به في غير الإحرام.
- فائدة (٣): إذا حلق لنفسه بنفسه: قال بعض أهل العلم بأنه فعل محظور.
والصحيح: أنه لم يفعل محظوراً بل حلق للنسك.
- فائدة (٤): هل يقصر بعض رأسه أم لابد من التعميم ؟
الجواب: لابد أن يكون التقصير من جميع الرأس بحيث يظهر لمن رآه أنه مقصر، أما ما يفعله بعض الناس حيث يأخذ بعض الشعر من الرأس أخذاً بقول بعض الفقهاء فهذا قول غير صحيح، بل لابد من أن يشمل التقصير جميع الرأس.
وأما المرأة فالمشروع في حقها أن تقصر من شعرها قدر أنملة الأصبع، وهي مفصل الأصبع، ومقدار ذلك اثنان سنتيمتر تقريباٌ.
(١) قوله (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءِ): أي بعد حلقه يكون قد حل له كل شيء إلا النساء دليل ذلك ما رواه أحمد وغيره عن عائشة ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ) (١)، أي بعد الرمي، والنحر، والحلق أو التقصير حلَّ له كل شيء إلا النساء.
وقد سبق أن قلنا أن التحلل الأول اختلف أهل العلم فيما يحصل به: فقيل =
стр. 842
ثُمَّ يُفِيْضُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ لِلزِّيَارَةِ (١)، وَهُوَ الطَّوَافُ الَّذِيْ بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ (٢)، ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ القُدُوْمِ (٣) ..
ــ
= يحصل بالرمي فقط، وقيل يحصل باثنين من ثلاثة بالرمي، أو الحلق، أو الطواف، وهذا هو الصواب.
- فائدة: الأحوط أن لا يعقد الحاج عقد نكاح ولا يخطب بعد التحلل الأول .
وذهب شيخ الإسلام إلى جواز عقد النكاح بعد التحلل الأول، لكن الأولى عندي أن لا يفعله حتى يتحلل التحلل الثاني.
قوله (إِلاَّ النِّسَاءِ) فلا يحل له وطؤها، أو مباشرتها ولمسها بشهوة ونحوه.
(١) قوله (ثُمَّ يُفِيْضُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ لِلزِّيَارَةِ): وهو طواف الحج؛ أي ثم يفيض الحاج من مفرد وقارن ومتمتع إلى مكة، فيطوف طواف الزيارة يوم العيد كما في حديث جابر، لكن إن كان في هذا اليوم مشقة وزحام فلا حرج عليه أن يؤخره إلى وقت آخر.
(٢) قوله (وَهُوَ الطَّوَافُ الَّذِيْ بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ): أي هذا الطواف يعني طواف الإفاضة الذي هو ركن من أركان الحج إذا طاف تم حجه، وسيأتي مزيد من بيان لأحكامه إن شاء الله تعالى.
(٣) قوله (ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ القُدُوْمِ): أي إذا انتهى الحاج من طواف الإفاضة فالواجب عليه أن يسعى بين الصفا والمروة، لكن ليس هذا السعي لكل أحد، بل يلزم المتمتع أو من لم يسع في طواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً.
ونقول في هذه ال مسألة: هل يلزم المتمتع سعيان أم يكتفي بالسعي الأول يعني سعي العمرة؟ =
стр. 843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور (١) الفقهاء، وهو قول الشيخين (٢) إلى أن المتمتع يلزمه سعيان سعي لعمرته وسعي لحجه، واستدلوا لذلك بما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه لما سئل عن متعة الحج قال (أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْعَلُوا إِهْلالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ وَقَالَ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ فَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ) (٣)، فهذا الحديث صريح في إن المتمتع يسعى سعيين.
واحتجوا أيضاً بما رواه البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت في حديثها عن حجة الوداع (فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) (٤).
وجه الدلالة في قولها (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ)، فيكون بهذا قد طافوا طوافين، أحدهما للعمرة والآخر للحج.
стр. 844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القول الثاني: ما ذهب إليه شيخ الإسلام (١)، وابن القيم (٢) رحمهما الله، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٣) أنه ليس على المتمتع إلا سعيٌ واحد، فإذا اكتفى المتمتع بالسعي الأول (يعني العمرة) أجزأه ذلك كما يجزئ المفرد والقارن.
واحتج لذلك شيخ الإسلام بأن الصحابة ﵃ الذين تمتعوا مع النبي ﷺ لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة قبل التعريف.
واحتج لذلك أيضاً بحديث جابر ﵄ في صحيح مسلم (لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلا طَوَافًا وَاحِدًا)، زَادَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ (طَوَافَهُ الأَوَّلَ) (٤).
قلت: وبعد عرض القولين وأدلة كل فريق الذي يترجح عندي ما ذهب إليه الجمهور.
فيجب على المتمتع سعيان؛ سعي لعمرته، وسعي لحجه لما دل عليه حديث ابن عباس، وحديث عائشة ﵄، وهما ظاهران في الدلالة على أن المتمتع يلزمه سعيان، أما حديث جابر ﵄ فيجاب عنه بأن ما ذكره إنما هو في حق القارن لا المتمتع.
أما القارن فلا يلزمه إلا طواف واحد وسعي واحد، فلم ينقل عن أحد من الصحابة أنه لما قرن طاف طوافين وسعى سعيين، وهذا هو قول جمهور =
стр. 845
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا أحبَّ (١)
ــ
= الفقهاء (١)، وهو المشهور عن الإمام أحمد (٢)، وفي رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة (٣)، وهو قول الشعبي، وجابر بن يزيد، وعبد الرحمن بن الأسود، وبه قال الثوري أن القارن يلزمه طوافان، وسعيان.
والصحيح: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ فلا يلزم القارن وكذا المفرد إلا طواف واحد وسعي واحد، وذلك لحديث جابر المتقدم، وفيه قوله (لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلا طَوَافًا وَاحِدًا) (٤).
قال النووي ﵀ في تعليقه على الحديث: (وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة للشافعي (٥)، أو موافقيه في أن القارن ليس عليه إلا طواف واحد للإفاضة وسعي واحد).
قلت: فمتى طاف المتمتع وسعى، وكذا من لم يسع عند طوافه للقدوم فإنه يحلُّ بذلك التحلل الأكبر، فقد حلَّ له كل شيء حتى النساء، وهذا بالإجماع.
(١) قوله (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا أحبَّ): ماء زمزم معروف؛ قال عنها النبي ﷺ ( .. إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ .. ) (٦)، وفي رواية: ( .. وَشِفَاءُ سُقْم) (٧).