. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ وَكَانَ لَوْ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» (١).
وذهب أكثر الفقهاء (٢) إلى عدم جواز بيع الفضولي، واستدلوا لذلك بحديث حكيم بن حزام المتقدم وفيه قوله «لا تبع ما ليس عندك»، وأيضاً قوله ﷺ كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال «لا طَلاقَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا عِتْقَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ» (٣).
قالوا: فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن بيع الفضولي باطل لأنه تصرف بلا ملك ولا إذن ولا ولاية ولا وكالة، ولأنه أيضاً باع ما لا يقدر على تسليمه فلم يصح. والصحيح عندي أنه إن أذن له المالك ورضي وأجاز له التصرف صح البيع وإلا فلا.
وقوله «فِيْهِ نَفْعٌ»: هذا هو الشرط الثاني من شروط البيع؛ فلا بد أن يكون في المبيع نفع، فإن كان ليس فيه نفع كالحشرات والذباب والنمل وغير ذلك فلا يصح بيعها، والعلة في ذلك أنه ليس فيها نفع فبذل المال فيها إضاعة له، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال.
وقوله «فِيْهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ»: هذا هو القيد الثالث في البيع؛ فلا بد أن يكون مباحاً، فغير المباح كآلات اللهو والطرب وآلات المعازف وكذا الدخان والخمر وغير ذلك لا يجوز بيعها لأن منفعتها محرمة. =
стр. 912
إِلاَّ الْكَلْبَ فَإِنَّهُ لا يَجُوْزُ بَيْعُهُ (١)
ــ
= ويدخل في ذلك المخدرات، والجراك، والصور المحرمة، وغير ذلك مما نفعه محرم.
(١) قوله «إِلاَّ الْكَلْبَ فَإِنَّهُ لا يَجُوْزُ بَيْعُهُ»: هذا استثناء لما سبق فالكلب فيه نفع لكن لا يجوز بيعه لنهي النبي ﷺ عن ثمن الكلب فقد روى البخاري عن أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ رَأَيْتُ أَبِي فَقَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ وَالْوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوْشِمَةِ» (١).
وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» (٢).
فإن كان الكلب معلماً ككلب الصيد والكلاب البوليسية التي تستخدم في الكشف عن المجرمين فهل يصح بيعه.
نقول: ذهب جمهور الفقهاء (٣) إلى أنه لا يجوز بيعه مطلقاً معلماً كان أو غير معلم لأن الأحاديث لم تخصص كلباً عن كلب.
وذهب بعض المالكية (٤) إلى التفريق فالكلب المأذون باتخاذه ككلب الصيد والماشية والحرث فهذه مأذون في اتخاذها فيجوز بيعها.
أما الحنفية (٥) فقد أجازوا بيع الكلب مطلقاً حتى العقور يجوز بيعه عندهم إلا في رواية عن أبي حنيفة رواها عنه أبو يوسف أنه لا يجوز بيع الكلب العقور.
стр. 913
وَلا يَجِبُ غُرُمُهُ عَلَى مُتْلِفِهِ (١)،
ــ
=وقال بعض أهل العلم (١) يجوز بيع الكلب المعلم ويكون ثمنه من أجل تعليمه.
قلت: وهذا هو الأظهر عندي.
- فائدة: «يجوز أن يتنازل عن الكلب لشخص أو يهبه إليه»: وإن أعطاه إكرامية في مقابل إهداء الكلب له فلا بأس بها ولكن لا يكون بالبيع والشراء.
(١) قوله «وَلا يَجِبُ غُرُمُهُ عَلَى مُتْلِفِهِ»: أي لا غرامة على من أتلف كلباً لأنه ليس بمال ولا يملك.
وهنا مسألة لا بد منها وهي: لا يجوز إتلاف المال المحرم إلا لمن يكون في حوزته كمن يكسر معازف لأبنه أو يتلف خمراً أو دخاناً له أو غير ذلك مما هو محرم، وكذلك لا يجوز التعدي على الآخرين بإتلاف أموالهم المحرمة إلا لمن كانت له سلطة كحاكم أو نائبه، أما كون الناس يتلف بعضهم مال بعض لكون هذه الأشياء محرمة فهذا لا يجوز لأنه يحدث فوضى وإلقاء العداوة بين أفراد المجتمعات، وكون بعض الناس يقوم بتكسير محلات فيديو مثلاً أو محلات تبيع مجلات ينشر فيها الفساد أو يقوم بتكسير محلات تبيع الخمر وغير ذلك فهذا لا يجوز لأنه ليس موكولاً لأشخاص وإنما هو موكل إلى الحاكم أو السلطة النائبة عنه كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لكن ينبغي النصح لهم مراعياً في ذلك الرفق واللين والدعوة بالتي هي أحسن وغير ذلك من الوسائل التي ترقق قلوبهم لقبول الحق.
стр. 914
لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَقَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيْرَاطَانِ» (١)، وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوْكٍ لِبَائِعِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ مَالِكِهِ (٢)،
ــ
(١) قوله «لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَقَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيْرَاطَانِ»: كما في الأحاديث المتقدمة، فإن باعه فالبيع باطل ويجب عليه رد المال لصاحبه.
(٢) قوله «وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوْكٍ لِبَائِعِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ مَالِكِهِ»: هذا هو الشرط الثاني في البيع فلا بد أن يكون المبيع مملوكاً للبائع لحديث حكيم بن حزام المتقدم.
وقوله «إلا بإذن مالكه» قد تقدم الكلام على بيع الفضولي وقلنا بأن الصحيح أنه إذا أجازه المالك صح البيع كما في حديث عروة بن الجعد البارقي ﵁ المتقدم حيث أجاز النبي ﷺ تصرف عروة حين اشترى له شاتين بدرهم فباع أحدهما بدينار فجاء بدينار وشاة.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بشرط ملكية المبيع:
- الفائدة الأولى: يدخل في ذلك ما يكون في العقود الآجلة بأنواعها التي تجري في الأسواق المالية على المكشوف فتباع فيها السلع والأسهم، وهي ليست في ملك البائع اعتماداً على أنه سيشتريها فيما بعد ويسلمها للمشتري.
- الفائدة الثانية: ومن ذلك أيضاً ما تفعله بعض البنوك الربوية وبعض الشركات التي تبيع بالتقسيط، حيث تقوم بإجراء العقد مع المشتري ببيعه سلعة معينة وهي لم تملكها بعد، ثم تقوم بشرائها وتسليمها له.
- الفائدة الثالثة: الوعد بالشراء كشراء سلعة لم تكن موجودة عند البائع فتقوم
الشركة أو المصرف أو شخص من الأشخاص بشراء هذه السلعة وقبضها ثم=
стр. 915
أَوْ وِلايَةٍ عَلَيِهِ (١)، وَلا بَيْعُ مَا لا نَفْعَ فِيْهِ كَالْحَشَرَاتِ (٢)،
ــ
=يجري العقد بعد الشراء والقبض فهذا لا حرج فيه، وإن اشترط البائع أخذ عربون إلى وقت الشراء لكي لا يخلف المشتري وعده بعد شراء البائع للسلعة فلا بأس بذلك وسيأتي إن شاء الله حكم بيع العربون.
(١) قوله «أَوْ وِلايَةٍ عَلَيِهِ»: من يقوم مقام المالك أربعة أصناف وهم الوكيل والوصي والولي والناظر فهؤلاء هم الذين يقومون مقام المالك وهل بينهم فرق؟ نقول نعم، فالوكيل من أذن له بالتصرف في حال الحياة، والوصي من أذن له بالتصرف بعد الموت، والولي من يتصرف لغيره بإذن الشارع، والناظر من جعل على الوقف. وقوله «أَوْ وِلايَةٍ عَلَيِهِ» كالولاية على اليتيم أو السفيه أو امرأة فهذا يجوز أن يتصرف في مال هؤلاء بالبيع والشراء مع مراعاة العمل بالأحظ لهم في البيع والشراء.
- فائدة: هل يجوز للولي أن يبيع من مال هؤلاء لنفسه؟
قال بعض الفقهاء في هذه المسألة: أنه إن كان متهماً فلا يجوز وإلا جاز له ذلك، وهذه إحدى المسائل التي يتولى فيها الشخص نفسه طرفي العقد، فله «الإيجاب والقبول» في الولاية في البيع، وهكذا ولي اليتيمين في نكاحهما، والأحوط عندي ألا يبيع لنفسه مطلقاً سواءً كان متهماً أو غير متهمٍ.
(٢) قوله «وَلا بَيْعُ مَا لا نَفْعَ فِيْهِ كَالْحَشَرَاتِ»: هذا هو الشرط الثالث؛ فلابد أن يكون المبيع فيه منفعة، فلا يجوز بيع ما ليس فيه نفع كالحشرات وغيرها لأن العوض فيها إضاعة للمال في غير وجهه وقد نهى الله تعالى عن الإسراف والتبذير ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال وقد تقدم ذلك، فإذا كان بها نفع كالنحل ودودة القز وغيرها صح البيع.
стр. 916
وَلا مَا نَفْعُهُ مُحَرَّمٌ، كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ (١)،
ــ
(١) قوله «وَلا مَا نَفْعُهُ مُحَرَّمٌ، كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ»: هذا هو الشرط الرابع أي ولا يجوز بيع ما نفعه محرم كالخمر والميتة، بإجماع أهل العلم.
ويدخل في ذلك أيضاً ما يحرم استعماله أو اقتناؤه أو سماعه كآلات اللهو المحرم، والدخان، والشيشة، والشطرنج، والكتب التي تنشر الكفر والبدعة، أو تنشر أفكاراً معادية للإسلام وحكم الله ورسوله، أو تنشر صوراً محرمة كصور النساء، دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ» (١).
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: هل يجوز الانتفاع بشيء من الميتة ؟
نقول: نعم يجوز الانتفاع بجلدها بعد الدبغ وكذا شحمها وصوفها، دليل ذلك قوله ﷺ لميمونة ﵂ «لَوِ انْتَفَعَتْ بِإِهَابِهَا» (٢)، وعن جابر ابن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لا هُوَ حَرَامٌ» (٣)، والنهي هنا عن البيع لا الانتفاع، لكن =
стр. 917
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= لا يجوز بيع شيء منها إلا الجلد إن كانت الميتة مما يذكى فيجوز بيعه بعد الدبغ.
- الفائدة الثانية: هل يستثنى من الميتات شيء يجوز بيعه؟
نعم هناك ما يستثنى بيعه من الميتات كميتة السمك والجراد فيجوز بيعه لما جاء عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوْتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ» (١).
- الفائدة الثالثة: هل يجوز بيع الميتة بعد تحنيطها؟
نقول الميتة نوعان:
الأول: ميتة الحيوان الذي يجوز تذكيته: كالإبل والبقر والغنم والطير كالحمام والعصفور، وكذا الدجاج والبط والأرانب.
فهذه يجوز تذكيتها حال الحياة فإذا حنطت بدون تذكية كأن تضرب بإبرة مثلاً ثم تموت فهذه لا يجوز بيعها لأنها تأخذ حكم الميتة التي لا يجوز بيعها.
وإن ذكيت بالسكين ذكاة شرعية فينظر هل فيها فائدة من بيعها أم لا؟
فإن كانت فيها فائدة فلا بأس ببيعها وشراءها، وإلا فلا.
الثاني: الحيوان الذي لا يجوز تزكيته كالحمار والبغل، وما لا يجوز أكله من الطيور والسباع، فهذا لا يجوز بيعه مطلقاً، ولا بيع شيء من أجزاءه سواء حنط أم لم يحنط.
стр. 918
وَلا بَيْعُ مَعْدُوْمٍ، كَالَّذِيْ تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ (١)، وَلا مَجْهُوْلٍ، كَالْحَمْلِ (٢)، وَالْغَائِبِ الَّذِيْ لَمْ يُوْصَفْ، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ رُؤْيَتُهُ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَلا بَيْعُ مَعْدُوْمٍ، كَالَّذِيْ تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ»: هذا هو الشرط الخامس وهو اشتراط العلم بالمبيع، فلا يجوز بيع المعدوم لما فيه من الغرر الظاهر ولأن فيه أيضاً جهالة وعدم القدرة على تسليمه فهو غير مضمون، ولذا جاءت الشريعة بالنهي عن بيع المعدومات لهذه الأسباب المذكورة.
(٢) قوله «وَلا مَجْهُوْلٍ، كَالْحَمْلِ»: أي لا يجوز بيع المجهول كالحمل في البطن لأن النبي ﷺ نهى عن الغرر، وهذا غرر فإن الحمل قد يكون واحداً أو أكثر أو قد يكون ذكراً أو أنثى، وقد يخرج حياً أو يخرج ميتاً فالجهالة فيه كثيرة.
ومن الأدلة أيضاً ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ .. » (١)، وروى أحمد وغيره أيضاً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ» (٢).
(٣) قوله «وَالْغَائِبِ الَّذِيْ لَمْ يُوْصَفْ، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ رُؤْيَتُهُ»: أي لا يجوز بيع الغائب الذي لم تعلم صفته فلا بد أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو صفة عند البائع والمشتري لنهي النبي ﷺ «عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (٣)، والمجهول صفته أو رؤيته بيعه فيه غرر بلا شك.
стр. 919
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: لا يشترط الرؤية لجميع المبيع إذا كانت رؤية بعضه دالة على الجميع كمن يشتري كومة بر أو تمر مثلاً لا يشترط رؤية كل حبة بعينها لكن يكفي رؤية البعض.
- الفائدة الثانية: متى تكون الرؤية ؟
تكون الرؤية حين العقد أي لا بد أن يراه حين العقد أو يراه قبل العقد بزمن لا يتغير فيه المبيع تغيراً ظاهراً بعد الرؤية.
- الفائدة الثالثة: لماذا جاءت الشريعة بالنهي عن بيع الغرر؟
نقول لما يحصل بسببه من العداوة والبغضاء والكراهية بين الناس فالمغلوب منهما سوف يكره الغالب بلا شك فلذلك نهى عن بيع الغرر.
- الفائدة الرابعة: في قول المؤلف «والغائب الذي لم يوصف»:
كمن قال أبيع لك أرضي التي في الرياض بغير وصف ولا رؤية فهذا لا يجوز إلا أن يوصف وصفاً محققاً أو يكون قد رآه من قبل.
وقال بعض أهل العلم يجوز بيع الغائب ولو لم تتقدم رؤيته ويكون المشتري مخيراً بين القبول ورفض البيع.
- الفائدة الخامسة: طريقة العلم بالوصف والموصوف تنقسم إلى قسمين:
الأول: أن يكون معيناً كأن يقول البائع بعتك سيارتي الفلانية التي صفتها كذا وكذا.
الثاني: أن يكون في الذمة كأن يقول البائع بعتك سيارة صفتها كذا وكذا فالسيارة هنا غير معينة وكلا القسمين صحيح.
стр. 920
وَلا مَعْجُوْزٍ عَنْ تَسْلِيْمِهِ (١)،
ــ
(١) قوله «وَلا مَعْجُوْزٍ عَنْ تَسْلِيْمِهِ»: هذا هو الشرط السادس من شروط البيع
وهو القدرة على التسليم، أي يشترط أن يكون المبيع والمثمن مقدوراً على تسليمه وسبب النهي عن ذلك لأمور منها:
أن بيع ما لا يقدر على تسليمه من الميسر ووجه ذلك أن بيع ما لا يقدر على تسليمه سيكون بأقل من ثمن ما قدر على تسليمه لأن المشتري يخاطر فقد يحصل عليه وقد لا يحصل عليه وهو بذلك إما أن يكون غانماً أو غارماً، وهذا هو الميسر الذي جاءت نصوص الشريعة بالنهي عنه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ... ﴾ (١).
ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، وجه الدلالة منها أن بيع ما لا يقدر على تسليمه يكون الغالب فيه عدم الرضا، والرضا شرط من شروط البيع كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
ومن الأدلة أيضاً ما رواه مسلم عن أبى هريرة ﵁ قال «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (٣)، ووجه كونه غرراً أن المعجوز عن تسليمه لا بد أن ينقص ثمنه، فقد يبيع ما يساوي مائة بخمسين ومع ذلك قد لا يستطيع المشتري الحصول على المبيع وبالتالي يحصل فيه غرر أو قد يبذل المشتري الثمن ولا يستفيد.
стр. 921
كَالآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ (١)،
ــ
(١) قوله «كَالآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ»:
قوله «كَالآبِقِ»: الآبق هو العبد الهارب من سيده، فلا يصح بيعه علم بخبره أو لم يعلم لأن العثور عليه صعب، بل قد يعلم مكانه ولا يستطيع أن يسلمه للمشتري لا سيما مع ضعف سلطانه وعدم استتباب الأمن وعدم الضبط، ونظراً لحصول هذا الغرر على المشتري نهى عنه.
قوله «وَالشَّارِدِ»: وهو الجمل الهارب فلا يصح بيعه لحصول الغرر.
- فائدة: إذا كان المشتري قادراً على رد المبيع فإن البيع يكون صحيحاً وذلك لزوال الغرر، فإذا كان هذا الرجل يعلم مكان العبد الآبق وهو قادر على أخذه أو يعلم مكان هذا الجمل الشارد ويعلم طريقة يستطيع من خلالها الإمساك به بكل سهولة صح البيع، ولكن يبقى هنا أنه لا يجوز للمشتري أن يوهم البائع أنه لا يقدر على العثور على العبد الآبق أو لا يقدر على الإمساك بالجمل الشارد وذلك لما يحصل فيه من الضرر، فإنه إن أخفى عليه ذلك فإنه بلا شك سيبيعه بثمن أقل من ثمنه الأصلي بكثير وإلا لو علم البائع بقدرة المشتري لرفع سعره.
قوله «وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ»: كالحمام مثلاً لا يجوز بيعه وهو في السماء يطير وذلك لحصول الغرر إلا إذا ألف الرجوع إلى مكانه الذي يبيت فيه، فإن باعه على أنه يرجع فللمشتري الفسخ لو لم يرجع، فإن حضر إلى مكانه ألزم البائع بتسليمه إلى المشتري لأن البيع وقع صحيحاً.
قوله «وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ»: أي ولا يصح بيع السمك في الماء وإن كان مرئياً وذلك لأنه لا يقدر على تسليمه، فإن كان مرئياً يسهل أخذه جاز بيعه كأن يكون حوض في بستانه ويستطيع إخراجه منه بكل سهولة ويستطيع أن يسلمه للمشتري.
стр. 922
وَلا بَيْعُ الْمَغْصُوبِ، إِلاَّ لِغَاصِبِهِ، أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ (١)، وَلا بَيْعُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ (٢)، كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيْدٍ (٣)، أَوْ شَاةٍ مِنْ قَطِيْعٍ (٤) إِلاَّ فِيْمَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ، كَقَفِيْزٍ مِنْ صُبْرَةٍ (٥)،
ــ
(١) قوله «وَلا بَيْعُ الْمَغْصُوبِ، إِلاَّ لِغَاصِبِهِ، أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ»: المغصوب: هو ما أخذ من مالكه قهراً فلا يجوز بيعه إلا لواحد من اثنين الغاصب لكن بشرط الرضا من قبل صاحبه، فيقول المالك للغاصب اشتري مني ما غصبتني فاشتراه فهذا يصح لأن العلة وهي القدرة على التسليم موجودة لكن بشرط أن لا يمنعه إياه بدون البيع، فإن منعه الغاصب إياه إلا بالبيع فالبيع غير صحيح لأنه بغير رضا ومن شروط البيع الرضا.
وقوله «أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ»: هذا هو القسم الثاني ممن يصح بيع المغصوب له كأن يبيع المالك المغصوب إلى أحد أقارب الغاصب كأبيه أو عمه فهذا البيع يجوز لإمكان القدرة على التسليم.
(٢) قوله «وَلا بَيْعُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ»: هذا هو الشرط السابع فلا بد من تعيين المبيع وذلك حتى ينتفي الغرر مثال ذلك ما ذكره المؤلف بقوله:
(٣) قوله «كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيْدٍ»: وذلك لعدم التعيين فلو قال بعتك عبداً من عبيدي لا يصح البيع للجهالة.
(٤) قوله «أَوْ شَاةٍ مِنْ قَطِيْعٍ»: أي ولا يصح أن يقول بعتك شاة من قطيعي بلا تعيين وذلك لحصول الغرر والجهالة في البيع ولاشتراط تعيين المبيع حال البيع, إلا أن يقول له بعتك شاة واختر ما شئت من قطيعي فإنه يجوز.
(٥) قوله «إِلاَّ فِيْمَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ، كَقَفِيْزٍ مِنْ صُبْرَةٍ»: القفيز: بفتح القاف وكسر الفاء جمعها أقفزة، وقفزان، وهو مكيال كان يكال به قديماً يختلف =
стр. 923
وَنَهَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُلامَسَةِ (١)،
ــ
= قدره باختلاف البلدان، قدَّره بعضهم بستة وعشرين ومائة وسبعة عشر مكثف (١١٧/ ٢٦) وهي اثنا عشر صاعاً، وقدرها بعضهم بسبعة وعشرين ومائة وسبعة عشر (١١٧/ ٢٧) وهو اثنا عشر صاعاً، وقيل (٢٧) كيلو جرام.
وهذا هو الراجح عندي لأن الصاع كما يقدره بـ «كيلوين وربع» إذا ضربناها في اثني عشر تكون النتيجة سبعاً وعشرين، وهذا القفيز هو ما يتعامل به الناس الآن.
أما الصُبْرة: فهي بضم الصاد وسكون الباء، وهي الكومة من الطعام كتمر، وبر، وشعير، سميت بذلك لإفراغ بعضها على بعض يقال: «صَبَرْت المتاع وغيره»، إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض.
ومعنى كلام المؤلف «إِلاَّ فِيْمَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ، كَقَفِيْزٍ مِنْ صُبْرَةٍ»: أي لا يصح بيع الصبرة من الطعام إلا قفيزاً، فيجوز بيع قفيز من صبرة من البر أو الشعير أو التمر وغيره بشرط أن تكون الصبرة أكثر من القفيز، وأن تكون أجزاؤها متساوية.
(١) قوله «وَنَهَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُلامَسَةِ» (١): ما سيذكره المؤلف هنا هو من بديع صنعه لأنه ذكر جملة من البيوع المحرمة التي ورد ذكرها في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ .
وقوله «نَهَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ »: النهي هنا للتحريم، وقوله «عَنِ الْمُلامَسَةِ»: أي نهى عن بيع الملامسة.، وبيع الملامسة من بيوع الجاهلية التي جاءت نصوص السنة بتحريمه فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ «نَهَى =
стр. 924
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ» (١).
والملامسة: لمس الرجل ثوب الأخر بيده بالليل أو النهار ولا يقبله إلا بذلك، والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل الثوب وينبذ الأخر إليه ثوبه ويكون بذلك بيعهما من غير نظرٍ ولا تراضٍ.
فالملامسة إذاً: هي بيع الشيء بدون علم ولا مشاهدة، فيقول متي لمست هذا فهو بكذا أو متي لمسته أنت فهو عليك بكذا.
وجاء في صحيح مسلم في تفسير الملامسة والمنابذة، قال «أَمَّا الْمُلَامَسَةُ فَأَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ» (٢) بغير تأمل، والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه ولم ينظر كل واحدٍ منهما إلى ثوب صاحبه، وهذا البيع فاسد عند عامة الفقهاء، قال ابن قدامه (٣) في المغني: لا نعلم فيه خلافاً.
قلت: ووجه كونه فاسداً لما يترتب عليه من:
١ - الجهالة وذلك لعدم الرؤية مع لزوم البيع والاكتفاء باللمس عن الرؤية.
٢ - كونه معلقاً على شرط فاسد حيث علقه على شرط اللمس للثوب وهو فاسد لحصول الجهالة والغرر.
٣ - أنه يلزم منه إبطال خيار المجلس الذي قال عنه ﷺ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (٤).
стр. 925
وَهِيَ: أَنْ يَقُوْلَ: أَيُّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ، فَهُوَ لَكَ بِكَذا (١) وعَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهِيَ: أَنْ يَقُوْلَ: أَيُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَهُ إِلَيَّ، فَهُوَ عَلَيَّ بِكَذَا (٢)
ــ
٤ - أنه مشتمل على معنى القمار.
- فائدة: قلت لو باعه قبل التأمل فيه بشرط الخيار كأن يشترط عليه أن ينظر فيه بعد ذلك فإن أعجبه أمسكه وإلا رده كان ذلك جائزاً وهذا ما ذهب إليه المالكية (١).
(١) قوله «وَهِيَ: أَنْ يَقُوْلَ: أَيُّ ثَوْبٍ لَمَسْتَهُ، فَهُوَ لَكَ بِكَذا»: قد سبق بيان ذلك وتعريف الملامسة.
(٢) قوله «وعَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهِيَ: أَنْ يَقُوْلَ: أَيُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَهُ إِلَيَّ، فَهُوَ عَلَيَّ بِكَذَا»: المنابذة هي أيضاً من بيوع الجاهلية وقد ثبت النهي عنها كما سبق في تعريف الملامسة.
والنبذ: هو الطرح، وصورة هذه المسالة كما ذكرها المؤلف، هو أن يقول المشتري للبائع: أي ثوب تنبذته علىَّ فهو بعشرة ريالات مثلاً، فالذي يختاره البائع في هذه الحال أقل ما يمكن، فيكون مجهولاً وربما ينبذ إليه ثوباً يساوي مائة وهو في الحقيقة يساوي الخمسين، فهذا النوع من البيوع محرم باتفاق الفقهاء:
قال ابن قدامة (٢) لا نعلم فيه خلافاً، والعلة في تحريمه خاص وعام:
أما الخاص فهو حديث أبي سعيد الخدري المتقدم، وكذا حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُلامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ» (٣).
стр. 926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما العام فهو من وجوه:
١ - أن هذا البيع فيه غرر وقد نهى النبي ﷺ «عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (١).
٢ - الجهالة المترتبة على هذا البيع.
٣ - تعليق التمليك بالخطر حيث أنه يقول له: إذا نبذت إليك الثوب فقد اشتريته، والتمليكات لا تحتمله لأنه يؤدي إلى معنى القمار.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: ما يباع في الدكاكين التي تبيع كل شيء بخمسة ريالات أو كل شيء بعشرة أو بريالين هل هذا من نوع بيع المنابذة؟
نقول: لا لأنه لا يشتري إلا وقد علم ما أراد فيقول أخذت الحقيبة أخذت القلم أخذت الساعة وهكذا، إذاً فالبيع صحيح من وجوه: -
١ - أن البائع يعلم ثمن بضاعته.
٢ - أن المشتري يختار لنفسه.
٣ - أن البضاعة معلومة وبائنة.
- الفائدة الثانية: لو أتى إنسان بكرتون فيه ثياب وطواقي وعبايات ونعال كلها مخلوطة فقال بعت عليك هذا الكرتون كل فرد منها بريال: فلا يصح لأنه مجهول، لكن لو قال: فيه عشر من النعال، وعشر من الطواقي، وعشر من الثياب، وعشر من العبايات وكل واحد بكذا يصح، لأنه معلوم لكنه يحتاج إلى حساب، أما إذا كان لا يعلم قدر كل شيء فهذا لا يصح.
- الفائدة الثالثة: البوفيهات المفتوحة كل شخص يأكل على قدره ولكن صاحب المطعم يعلم مقدار ما سيأكله بالتقريب لكل شخص، ووضع سعر=
стр. 927
وَعَنِ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَهُوَ: أَنْ يَقُوْلَ: ارْمِ الْحَصَاةَ، فَأَيُّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ عَلَيْهِ، فَهُوَ لَكَ بِكَذَا، أَوْ بِعْتُكَ مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الْحَصَاةُ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، إِذَا رَمَيْتَهَا بِكَذَا (١)،
ــ
=الوجبة لذلك فهذا لا حرج فيه مع أن الغرر فيه موجود لكنه يغتفر.
(١) قوله «وَعَنِ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَهُوَ: أَنْ يَقُوْلَ: ارْمِ الْحَصَاةَ، فَأَيُّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ عَلَيْهِ، فَهُوَ لَكَ بِكَذَا ، أَوْ بِعْتُكَ مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الْحَصَاةُ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، إِذَا رَمَيْتَهَا بِكَذَا»: بيع الحصاة: هو بيع كان معروفاً في الجاهلية، وقد جاءت أيضاً نصوص الشريعة بالنهي عنه.
فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (١).
وقد عرفه المؤلف بقوله: «وهو أن يقول البائع أو المشتري» أي ثوب وقعت عليه الحصاة فهو بكذا ثم يرمي الحصاة.
وفسره بعضهم: بأنه يرمي الحصاة على الأرض ويقول متى وصلت هذه الحصاة فثمن الأرض كذا ثم يرمي بها، أو يقول البائع للمشتري بعتك هذه الأرض من محل وقوفي أو وقوف فلان أو إلى ما انتهى إليه رمية هذه الحصاة بكذا، وهذا النوع من البيوع محرم ومقتضى التحريم فساد البيع إذا تم عقده وذلك لأمور:
١ - ورود النهي عنه كما في الأحاديث المتقدمة.
٢ - حصول الغرر وقد نهى النبي ﷺ عنه.
٣ - الجهالة حيث يجهل مقدار المبيع لاختلاف الرمي فقد يقطع مسافة كبيرة فيتضرر البائع أو العكس.
стр. 928
وَعَنْ بَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيْهِ (١)
ــ
- فائدة: إن قال البائع أو المشتري سأرمي بالحصاة: فمتى وقعت الحصاة على الأرض سأبيع أو سأشتري بالمتر والمتر بكذا فهذا جائز.
(١) قوله «وَعَنْ بَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيْهِ»: صورة هذا البيع كأن يقول لشخص «اشترى سلعة بعشرة»، يقول «أنا أعطيك مثلها بتسعة أو بسبعة»، أو يقول «أنا أعطيك أحسن منها بنفس السعر»، فهذا البيع محرم ولا يصح.
وكذلك لا يجوز شراؤه على شرائه، كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة «أنا أشتريها منك بعشرة»، فهذا محرم أيضاً ولا يصح لأن الشراء في معنى البيع، دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» (١).
وفي لفظ آخر: «لا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ» (٢)، وفي لفظ «لا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَبْتَاعَ أَوْ يَذَرَ» (٣).
وحكم هذا النوع كما ذكرنا محرم ولا يصح، بل هو باطل لأنه منهي عنه لما فيه من الإضرار بالمسلم والإفساد عليه، والنهي يقتضي الفساد.
وذهب الشافعية (٤) إلى أن هذا البيع محرم ولا يبطل البيع، بل هو صحيح لرجوع النهي عن معنى خارج عن الذات وعن لازمها إذ لم يفقد ركناً ولا شرطاً، لكن النهي لمعنى اقترن به وهو خارج غير لازم، وهو الإيذاء هنا.
стр. 929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وذهب الحنابلة (١) إلى أن هذا البيع لا يصح لأن المحرم عَرّض السلعة على المشتري أو قوله الذي فسخ البيع من أجله وذلك سابق على البيع، ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر فالبيع المحصل للمصلحة أولى، ولأن النهي لحق آدمي فأشبه بيع النجش، ولأن النهي عن الشيء بعينه يقتضي الفساد، فلو صححناه لكان في ذلك مضادة لحكم الله ورسوله، ولأن القول بصحة هذا البيع يحدث العداوة والبغضاء بين الناس وكل ما أوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين فإنه يحرم.
وهذا هو الراجح عندي، لكن لا يكون ذلك إلا بشروط:
١ - أن يكون البيع على البيع قبل لزوم البيع وذلك لبقاء خيار المجلس أو الشرط، وكذا بعد اللزوم في زمن خيار العيب، إذا اطلع المشتري على العيب فله الفسخ.
٢ - أن يكون البيع على البيع بغير إذنه له، فإن أذن البائع الأول للذي باع على بيع أخيه جاز للحديث المتقدم.
- فائدة: في حكم سوم الرجل على أخيه ؟
يحرم سوم الرجل على أخيه لما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ التَّلَقِّي وَأَنْ يَبْتَاعَ الْمُهَاجِرُ لِلْأَعْرَابِيِّ وَأَنْ تَشْتَرِطَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ .. » (٢).
صورة هذه المسألة: أن يتساوم رجلان في سلعة فيطلب البائع لسلعته ثمناً =
стр. 930
وَعَنْ بَيْعِ حَاضِرٍ لِبَادٍ، وَهُوَ: أَنْ يَكُوْنَ لَهُ سِمْسَارًا (١)
ــ
=ويرضى المشتري بذلك الثمن فيأتي مشتر آخر، ويدخل على سوم الأول فيشتريه بزيادة أو بذلك الثمن نفسه، لكنه رجل وجيه فيبعه عليه البائع لوجاهته، وهذا النوع له صور:
الأولى: أن يوجد من البائع تصريح بالرضا بالبيع فهنا يحرم السوم على غير المشتري.
الثانية: أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضا فلا يحرم السوم.
الثالثة: أن لا يوجد ما يدل على الرضا أو عدمه فلا يحرم السوم أيضاً.
الرابعة: أن يظهر منه ما يدل على الرضا من غير تصريح، فقال القاضي لا تحرم المساومة، وقال ابن قدامة (١) يحرم.
قلت وهو الأظهر عندي.
(١) قوله «وَعَنْ بَيْعِ حَاضِرٍ لِبَادٍ، وَهُوَ: أَنْ يَكُوْنَ لَهُ سِمْسَارًا»: الحاضر: هو من كان من أهل الحضر: وهو ساكن الحاضرة «المدن والقرى والريف»، والبادي ساكن البادية.
قلت: والحكم في هذا لا يكون مختصاً بأهل البادية، بل كل من كان في حكمهم.
فالحكم هنا يشمل كل من كان مقيماً في بادية وكل من يدخل البلدة من غير أهلها سواء كان بدوياً أم كان من قرية أو بلدة أخرى.
وصورة هذا النوع من البيوع: هو أن يتولى الحضري بيع سلعة البدوي بأن يصير الحاضر سمساراً للبادي البائع، فيقول له مثلاً لا تبع أنت أنا أعلم=
стр. 931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=بذلك، فيتوكل له ويبيع ويغالي ولو تركه يبيع بنفسه لرخص على الناس.
وقيل في معناه أيضاً: هو أن يبيع الحضري سلعته من البدوي وذلك طمعاً في الثمن العالي فهو منهي عنه لما فيه من الضرر بأهل البلد.
حكم هذا النوع من البيوع.
هذا النوع من البيوع محرم ودليل تحريمه:
ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ «قَالَ لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ» (١).
ما رواه مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «لا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» (٢).
ما رواه مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال «نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ» (٣). وفي لفظ: «وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ» (٤).
وحكم هذا البيع أنه حرام كما ذكرنا سابقاً.
وفي رواية عن الإمام أحمد (٥) أن البيع صحيح ولا كراهة فيه وأن النهي اختص بأول الإسلام لما كان عليه الناس من الضيق، قال الإمام أحمد «كان ذلك مرة».
стр. 932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وذهب جمهور الفقهاء (١) إلى أنه محرم لكنه صحيح، فالنهي عنه لا يستلزم الفساد والبطلان لأن النهي لا يرجع إلى ذات البيع لأنه لم يفقد ركنا، ولا إلى لازمه لأنه لم يفقد شرطا، بل هو راجع لأمر خارج غير لازم.
وذهب المالكية (٢)، وهو المذهب عند الحنابلة (٣) إلى أن البيع محرم، وهو أيضاً باطل وفاسد كما نص عليه الخرقي لأنه نهى عنه والنهي يقتضي الفساد.
قلت: والراجح عندي ما ذهب إليه الجمهور.
والعلة في النهي هنا هي كما في الحديث أنه متى ترك البدوي يبيع سلعته اشتراها الناس برخص ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها وامتنع من بيعها إلا بسعر البلد ضيق على أهل البلد وهذا هو المشار إليه من حديث النبي ﷺ .
- فائدة: لا يجوز بيع الحاضر للبادي إذا توفرت شروط خمسة:
١ - أن يحضر البادي لبيع سلعته.
٢ - أن يريد بيعها بسعر اليوم، فلو كان قصده البيع على التدريج فسأله البادي تفويض ذلك إليه فلا بأس لأنه لم يضر بالناس.
٣ - أن يكون البادي جاهلاً بالسعر لأنه إذا علمه لم يزده الحاضر على ما عنده، ولأن النهي لأجل أن يبيع الناس برخص وهذه العلة إنما توجد إذا كانوا جاهلين بالأسعار.
стр. 933
وَعَنِ النَّجْشِ، وَهُوَ: أَنْ يَزِيْدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لا يُرِيْدُ شِرَاءَهَا (١)
ــ
٤ - أن يقصد الحاضر البادي ويطلب منه أن يبيع السلعة له.
٥ - أن يكون الناس بحاجة للسلعة، فما لا يحتاج إليه الناس إلا نادراً لا يدخل تحت النهي.
(١) قوله «وَعَنِ النَّجْشِ، وَهُوَ: أَنْ يَزِيْدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لا يُرِيْدُ شِرَاءَهَا»: النجش: بسكون الجيم مصدر، وبالفتح اسم مصدر، ومن معانيه اللغوية: الإثارة، يقال نجش الطير: أثاره من مكانه.
أما معناه في الاصطلاح: فقد ذكره المؤلف هو أن يزيد الرجل في سلعة أكثر من ثمنها وليس قصده أن يشتريها، بل ليضر غيره فيوقعه فيه، وهذا يكون فيه غرر للبائع والمشتري، فمن جهة البائع فهو يزيد في السلعة من أجل أن لا تباع فيتضرر البائع، ومن جهة المشتري أنه يغرر به فقد لا تساوي السلعة عشرة وهو يزيدها عليه بعشرين، وحكم النجش أنه حرام دليل ذلك:
ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ وَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» (١).
ما جاء عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ النَّجْشِ» (٢).
فحكم هذا النوع من البيوع التحريم لما فيه من الخديعة بالمسلم.
لكن هل يترتب على الحرمة فساد البيع وبطلانه؟
стр. 934
وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِيْ بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُوْلَ: بِعْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ صِحَاحِ، أَوْ عِشْرِيْنَ مُكَسَّرَةً، أَوْ يَقُوْلَ: بِعْتُكَ هَذَا عَلَى أَنْ تَبِيْعَنِيْ هَذَا، أَوْ تَشْتَرِيْ مِنِّيْ هَذَا (١)
ــ
=قولان للفقهاء: فالجمهور (١) على أن البيع صحيح لأن النجش فعل الناجش لا العاقد فلم يؤثر في البيع، والنهي حق لآدمي فلم يفسد العقد كتلقي الركبان.
وذهب المالكية (٢)، وهو المذهب عند الحنابلة (٣) إلى أن بيع النجش لا يصح لأنه نهى عنه والنهي يقتضي الفساد.
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور، فيصح البيع مع ثبوت الإثم والحرمة في حق الناجش.
(١) قوله «وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِيْ بَيْعَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَقُوْلَ: بِعْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ صِحَاحِ، أَوْ عِشْرِيْنَ مُكَسَّرَةً، أَوْ يَقُوْلَ: بِعْتُكَ هَذَا عَلَى أَنْ تَبِيْعَنِيْ هَذَا، أَوْ تَشْتَرِيْ مِنِّيْ هَذَا»: أي ونهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة.
ثم ذكر المؤلف صورتين من صور بيعتين في بيعة:
الصورة الأولى: قول المؤلف «وهو أن يقول: بِعْتُكَ هَذَا بِعَشَرَةٍ صِحَاحِ، أَوْ عِشْرِيْنَ مُكَسَّرَةً»، هذا
هو المعنى الأول مثاله: أن يقول البائع للمشتري «بعتك هذه السيارة مثلاً بخمسين ألف حاضرة وسبعين ألف مؤجلة» ثم يفترقا ولم يفصلوا في أحدهما يعني هل البيع حال أم مؤجل.
стр. 935
وَقَالَ: لا تَلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا الأَسْوَاقَ (١)
ــ
=والصورة الثانية: قوله «أَوْ يَقُوْلَ: بِعْتُكَ هَذَا عَلَى أَنْ تَبِيْعَنِيْ هَذَا، أَوْ تَشْتَرِيْ مِنِّيْ هَذَا»: هذا هو المعنى الثاني لبيعتين في بيعة.
مثاله: أن يقول البائع للمشتري «بعتك سيارتي على أن تبيع لي أرضاً» ثم يفترقا، وقيل أيضاً في معنى بيعتين في بيعة كل بيع يؤدي إلى الوقوع في الربا كبيع العينة الذي هو تحايل على الربا وسيأتي بيانه - إن شاء الله -.
وقيل أيضاً في معناها: هو أن يسلفه ديناراً في عشرة آصع بر بعد سنة، فإذا حل الأجل باع هذا البر الذي في ذمة الفقير عليه بثمن مؤجل.
فالحاصل أن هذا النوع من البيوع منهي عنه.
دليل ذلك ما جاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» (١)، والعقد فيه فاسد على الصحيح من الأقوال.
(١) قوله «وَقَالَ: لا تَلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا الأَسْوَاقَ» (٢): هذا الحديث رواه البخاري - باب النهي عن تلقي الركبان -، وتعريفه هو أن يجيء البائع إلى السوق فيقابله المشتري قبل أن يصل إلى السوق فيشتري منه السلعة وهو لا يدري كم قيمة هذه السلعة، فجاءت الشريعة بالنهي عن ذلك لما فيه من الخديعة والضرر بالبائع وبأهل البلد، وقد قال ﷺ : «الْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ» (٣).
وحكم هذا البيع كما ذكرنا محرم لثبوت الأدلة في النهي عنه كما في الحديث المتقدم وأيضاً ما رواه مسلم عن ابن سيرين قال سمعت أبا هريرة يقول إن رسول الله ﷺ قال «لا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ =
стр. 936
وَقَالَ: مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا، فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ (١)
ــ
= السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» (١).
وذهب أبو حنيفة (٢) إلى جواز هذا النوع من البيوع.
قال ابن قدامة (٣) ﵀ وحكى عن أبي حنيفة أنه لم ير بذلك بأساً، وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع.
قلت: ومع القول بتحريم بيع تلقي الركبان إلا أنه صحيح ولا يفسد العقد به وذلك لما يلي:
١ - إثبات الخيار في حديث أبي هريرة كما تقدم في صحيح مسلم وفيه قوله ﷺ : « ... فَهُوَ بِالْخِيَارِ» (٤).
٢ - لأن النهي لا يعود إلى معنى في البيع بل يعود إلى الخديعة ويمكن استدراكها بإثبات الخيار.
(١) قوله «وَقَالَ: مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا، فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»: هذا الحديث رواه مسلم، وفقه هذا الحديث نهى النبي ﷺ المشتري أن يبيع الطعام الذي اشتراه حتى يكتاله ويستوفيه ممن باعه، والعلة في النهي عن البيع قبل القبض عجز المشتري عن تسلمه وتسليمه للمشتري الثاني، لا سيما إذا رأى البائع أن المشتري ربح، فإنه يسعى في رد البيع إما بجحد أو احتمال فسخ البيع، ويشترط مع ذلك أيضاً نقل المبيع إلى مكان خاص بالمشتري أو ينقلها إلى أي مكان آخر لا سلطان للبائع عليه، دليل ذلك عن زيد بن ثابت ﵁ قال: =
стр. 937
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أن رسول الله ﷺ «نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» (١).
و هل هذا الحكم خاص بالطعام أم هو عام في الطعام وغيره ؟
نقول إن الحكم عام فلا يجوز بيع أي مبيع قبل أن يقبضه المشتري الأول ويحوزه ويملكه قال ابن عباس ﵄ وهو راوي الحديث «ولا أحسب كل شيء إلا مثله».
ذكر بعض البيوع التي لم يذكرها المؤلف:
- الفائدة الأولى: في حكم بيع المصحف: اختلف الفقهاء في حكم بيع المسلم المصحف وشرائه له:
فذهب الشافعية (٢) وهو المعتمد عندهم أنه يكره البيع بلا حاجة دون الشراء ووجه كراهية البيع لأنه فيه ابتذال وانقطاع رغبة أما الشراء فوجه جوازه لأنه فيه استنقاذ للمصحف فجاز.
وفي رواية أخرى عند الشافعية (٣) كراهية البيع والشراء.
أما الحنابلة (٤) فقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في ذلك: فقال مرة بالحرمة وهي التي عليها المذهب، وفي رواية أخرى: يكره ولا يحرم، وفي رواية: الجواز من غير كراهة.
قلت: ووجه تعليل الفقهاء بالكراهة أو التحريم ما جاء عن ابن عمر رضي=
стр. 938
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=الله عنهما أنه قال: «وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ الأَيْدِيَ تُقَطَّعُ فِي بَيْعِ الْمَصَاحِفِ» (١)، ولأن تعظيمه واجب وفي البيع ترك التعظيم وابتذال له ولا يكره الشراء لأنه استنفاذ، ولا الاستبدال بمصحف آخر لأنه لا دلالة فيه على الرغبة عنه.
قلت: والصحيح عندي جواز بيع المصحف لأن الأصل الحل وما زال عمل المسلمين عليه إلى اليوم، ولو أننا منعنا بيعه لكان في ذلك منع للانتفاع به، ويكون البيع من أجل طباعته وتكلفته.
- الفائدة الثانية: في حكم بيع المكره: لا يصح بيع المكره بلا حق، والمكره هو الملجأ إلى البيع أي المغصوب على البيع لأن بيعه صدر عن غير تراض ولأن التراضي شرط من شروط البيع، وكذلك لو باع أحد لأحد حياءً وخجلاً فإنه لا يجوز أن يشتري منه ما دام يعلم أنه إنما يبيع له حياءً وخجلاً لا عن تراض.
أما إذا أكره الإنسان على البيع بحق كأن يكون على شخص حقوق لبعض الأشخاص ولا يستطيع ردها إلا ببيع شيء يملكه فهنا يجوز للسلطان إكراهه على البيع لكي يرد الحقوق إلى أهلها ويصح البيع ولو كان البائع غير راض بذلك لأن الإكراه هنا بحق.
- الفائدة الثالثة: لا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ .. ﴾ (٢)، والأمر بترك البيع نهي عنه، ولم يختلف الفقهاء في هذه المسألة=
стр. 939
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=لكن في أي الأذانين يعتبر مورد النهي.
الصحيح: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء (١) أن مورد النهي إنما يكون عند الأذان الثاني وهو أذان خطبة الجمعة بين يدي المنبر والإمام على المنبر فينصرف النداء إليه لأن هذا هو المعروف في عهده ﷺ ، أما النداء الأول إنما هو من وضع عثمان ﵁، ولأن البيع عند الأذان الثاني يشغل عن الصلاة ويكون ذريعة إلى فواتها أو فوات بعضها.
لكن ما هي ضوابط تحريم البيع وقت نداء الجمعة؟
نقول هناك قيود لهذا التحريم وهي:
أن يكون المشتغل بالبيع ممن تلزمه الجمعة فلا يحرم البيع على المرأة والصغير والمريض.
أن يكون المشتغل بالبيع عالماً بالنهي.
انتفاء الضرورة للبيع كبيع المضطر وبيع كفن ميت خيف تغيره بتأخيره.
أن يكون البيع بعد الشروع في الأذان الثاني الذي يسبق الخطبة.
- الفائدة الرابعة: في بيع الأنموذج: الأنموذج بضم الهمزة: هو أن آتي بصاع أو ربع صاع أو فنجان من البر وأقول أبيع عليك مثل هذا الصاع بكذا وكذا، فهذا ضبط بالصفة عن طريق الرؤية.
وهذا النوع من البيوع اختلف فيه على ثلاثة أقوال.
القول الأول: أنه لا يجوز لعدم رؤية المبيع وقت العقد وهذا هو المذهب (٢).
стр. 940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القول الثاني: أنه يجوز بيع الأنموذج إذا جاء على الصفة التي رآها وهي راوية عن الإمام أحمد (١) قال في الأنصاف: وهي الصواب، وهي اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين (٢).
القول الثالث: أنه يصح البيع والمشتري بالخيار إذا رآه وهذا رواية عن الإمام أحمد وعللوا لذلك بأنه إذا ثبت له الخيار فليس عليه ضرر ولا في حقه غرر.
قلت: والأظهر عندي جواز هذا النوع من البيوع لأن العلم قد أدرك بهذه الرؤية، فما دام جاء به على الصفة التي رآها فقد صح البيع وما زال الناس يتعاملون بهذا.
- الفائدة الخامسة: لا يجوز بيع سلاح وهو آلة القتال من سيف أو بندقية أو مسدس ونحو ذلك في فتنة بين المسلمين، وكذلك لا يجوز بيع السلاح إلى رجل يعرف أنه يقتل به مسلماً لما فيه من المعاونة على الإثم والعدوان.
- الفائدة السادسة: في بيع العربون: العربون بفتح العين والراء ويقال عُربان بالضمة وأصله في اللغة التسليف والتقديم يقال عَرْبنه أي أعطاه العربون.
أما تعريفه عند الفقهاء: فهو أن يشتري الرجل شيئاً أو يستأجره ويدفع جزءاً من الثمن أو الأجرة على أنه إن تم العقد حسب المبلغ المدفوع من ثمن المبيع أو قيمة الإجارة وإلا فهو ملك للطرف الثاني وهو البائع أو المؤجر.
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسالة على قولين:
القول الأول: جواز هذا النوع من البيوع، وهذا هو المذهب عند الحنابلة (٣) =
стр. 941
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=واستدلوا لذلك بما رواه البخاري معلقاً وغيره عن نافع بن الحارث وهو عامل عمر ﵁ على مكة أنه اشترى من صفوان بن أمية داراً لعمر بن الخطاب ﵁ بأربعة آلاف درهم، واشترط عليه نافع إن رضي عمر فالبيع له، وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم (١).
وقد أخذ الإمام أحمد بهذه الرواية فقال: لا بأس ببيع العربون.
القول الثاني: هو قول الجمهور (٢) وهو رواية عن الإمام احمد أنه لا يجوز بيع العربون، واحتجوا لذلك بما يلي:
١ - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ» (٣).
٢ - لأنه شرط للبائع شيئاً بغير عوض
٣ - ولأنه بمنزلة الخيار المجهول
٤ - ولأنه من أكل أموال الناس بالباطل.
والأظهر عندي: جواز ذلك، وهو اختيار سماحة شيخنا بن باز ﵀ (٤)، لكن الأولى رد النقود إليه إذا أخذ عربوناً، بل الأولى عدم أخذه أصلاً خروجاً من الخلاف وأخذاً بالاحتياط وأسلم لدين المسلم، ولقوله ﷺ : «من أقال=
стр. 942
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=مسلماً بيعته أقال الله عثرته» (١). أما ما استدل به الجمهور من حديث عمرو ابن شعيب فهو ضعيف، والإمام أحمد حين سئل عن هذا الحديث: قال ليس بشيء.
- الفائدة السابعة: في بيع العينة: العينة بكسر العين معناه في اللغة: السلف؛ يقال: اعتان الرجل إذا اشترى الشيء بالشيء نسيئة، وسميت العينة عينة لأن البائع اشترى عين ماله الذي باعه.
أما في الاصطلاح: فهي أن يبيع الرجل السلعة بثمن معلوم إلى أجل ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن نقداً، فهي نوع من الحيلة في بيع نقود بنقود أكثر منها إلى أجل بينهما سلعة محللة.
أما أدلة تحريم العينة فمنها:
ما رواه أبو داود في سننه وصححه الألباني عن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (٢). وجه الدلالة من الحديث أن رسول الله ﷺ نزَّل الوقوع في هذه الأشياء المذكورة منزلة الخروج من الدِّين وجعلها سببا لإنزال البلاء وتسليط الذل عليهم فدل على تحريم العينة.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» (٣) وقد فسره=
стр. 943
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=بعض الفقهاء ببيع العينة.
أن هذا النوع من البيوع ذريعة إلى الربا، والذريعة معتبرة في الشرع، فهذه الأدلة وغيرها تدل على تحريم بيع العينة وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء (١).
وذهب الشافعية (٢) إلى جواز هذا النوع من البيوع واحتجوا لذلك بقول النبي ﷺ «فَلا تَفْعَلْ بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» (٣).
والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور.
لكن القول بالتحريم له شروط هي:
١ - ألا تتغير صفة المبيع، فإذا تغيرت جاز أن يشتريها البائع بأقل مما باعها منه.
مثال ذلك: اشترى سيارة بعشرة آلاف ثم لما ذهب بها اصطدمت فنقص سعرها فأعادها على البائع الأول ليشتريها منه فاشتراها بثمن أقل فهذا يجوز.
٢ - أن يكون الشراء بثمن أقل، فإن كان الشراء بثمن أكثر مما باعها أو مثله جاز وليس من العينة لأنه إن أعطاه مثل الثمن فالأمر واضح، وإن أعطاه أكثر مما باع فهذا فيه مصلحة.
٣ - أن يشتريها البائع ممن اشتراها منه، فإن اشتراها من شخص آخر أجنبي بيعت عليه جاز.
- الفائدة الثامنة: وهي عكس مسألة العينة وهي أن يبيع السلعة نقداً بثمن، =
стр. 944
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ثم يشتريها منه بأكثر من الثمن الأول نسيئة، كأن يبيع عليه سيارة بعشرة آلاف نقداً ثم يشتريها منه بخمسة عشر ألفاً إلى سنة.
فحكم هذه المسألة إن كأن هناك شرط بين المتعاقدين فهذا بيع محرم.
أما إذا لم يكن هناك شرط فقولان:
الأول: أنها لا تجوز: وهو قول الحنفية (١)، والحنابلة (٢) لأنها وسيلة إلى الربا.
الثاني: جواز ذلك إن لم تكن حيلة لأن الأصل حل البيع وحرمت العينة بالنص، وهذا رواية عن الإمام أحمد (٣).
والصحيح: القول الأول.
- الفائدة التاسعة: في بيع التورق: صورة هذا النوع من البيوع هو أن يحتاج رجل إلى مال فيذهب ويشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها على غير بائعها الأول بثمن أقل نقداً، وهذا النوع من البيوع المذهب (٤) على جوازه لأن الأصل في البيوع الحل ولأن الإنسان عندما يشتري السلعة إما أن يكون قاصداً عين السلعة أو ثمنها وكلاهما قصد صحيح.
والرواية الثانية في المذهب، وهي اختيار شيخ الإسلام (٥) أن هذا النوع من البيوع لا يجوز لأن هذه السلعة إنما دخلت من أجل أن تحل مكانها دراهم بدراهم.
стр. 945
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وذهب بعض أهل العلم وهو قول شيخنا ﵀ إلى جوازه بشروط وهي:
١ - أن يكون الشخص محتاجاً إلى المال.
٢ - أن لا يجد طريقاً إلا هذا الطريق، فمتى وجد أحداً يقرضه المال فلا يجوز له أن يقدم على هذا النوع من البيوع.
٣ - أن لا يتصرف المشتري في السلعة إلا بعد أن يملكها ملكاً تاماً.
والراجح عندي: جواز بيع التورق بدون ضوابط، وهو اختيار سماحة شيخنا بن باز (١) ﵀ بشرط أن لا يكون في ذلك تحايل على الربا.
стр. 946
باب الربا (١)
ــ
الشرح:
(١) قوله «بَابُ الرِّبَا»: هذا الباب من أهم الأبواب ومن أصعبها، وقد تساهل الناس بالربا كثيراً رغم ما جاء من نصوص الكتاب والسنة في النهي عنه، والوعيد الشديد والإذن بالحرب لمن وقع في ذلك الإثم العظيم.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: تعريف الربا: الربا في اللغة: الزيادة.
وشرعاً: الزيادة الحاصلة بمبادلة الربوي بجنسه، أو تأخير القبض فيما يلزم فيه التقابض من الربويات، وقيل أيضاً في تعريفه الزيادة في أشياء مخصوصة والمقصود بها هنا الزيادة على رأس المال قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (١).
- الفائدة الثانية: حكمه الشرعي: الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
أما دلالة الكتاب: فهي قوله تعالى ﴿ .. وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).
стр. 947
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=قال السرخسي في المبسوط: «ذكر الله تعالى لأكل الربا خمساً من العقوبات:
الأولى: التخبط؛ قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾ (١).
الثانية: المحق؛ قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (٢) والمراد الهلاك والاستئصال، وقيل: ذهاب البركة والاستمتاع حتى لا ينتفع به، ولا ولده بعده.
الثالثة: الحرب؛ قال تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ﴾ (٣).
الرابعة: الكفر؛ قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وقال سبحانه بعد ذكر الربا: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٥)، أي كفار باستحلال الربا أثيم بما جر بأكل الربا.
الخامسة: الخلود في النار؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٦)» (٧).
أما دلالة السنة فهي كثيرة منها:
ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قَالَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ =
стр. 948
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» (١).
ومن ذلك أيضاً ما رواه مسلم عن جابر ﵄ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ» (٢).
أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على تحريم الربا (٣).
- الفائدة الثالثة: الحكمة من تحريمه: حرم الله الربا لأمور عديدة منها:
١ - أن الربا يقتضي أخذ أموال الناس بالباطل لأن بيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة يحصل له به درهم من غير عوض، ومال المسلم متعلق بحاجته وله حرمته العظيمة. قال رسول الله ﷺ : « .. فَإِنَّ أَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، وَدِمَاءَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَيَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ... » (٤).
٢ - أن الربا يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق التي لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات.
٣ - أن الربا يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، قال ابن القيم=
стр. 949
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ﵀ (١) حول هذا المعنى: « .. فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلافاً مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره، وتعظم مصيبته، ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربوا المال على المحتاج من غير نفع يحصل له ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا».
٤ - أن المرابي متصف بالغلظة في طبعه، والشح في إنفاقه، والعزوف عن الصدقات، والبعد عن فعل الخيرات، فالربا يقتل كل مشاعر الشفقة في الإنسان، ولا يتردد المرابي في تجريد المدين من أمواله.
- الفائدة الرابعة: أقسام الربا: ينقسم الربا إلى قسمين «ربا الفضل وربا النسيئة»:
الأول ربا الفضل: أي الزيادة؛ ومعناه: بيع شيء من الأموال الربوية بجنسه متفاضلاً، كأن يبيع صاعاً من البر بصاعين.
ذكر بعض الأحكام المتعلقة بربا الفضل:
١ - إذا كان البيع من جنس واحد ربوي حرم فيه التفاضل والنَساء.
مثاله: كأن يبيع ذهباً، أو براً ببر ونحوهما فهنا يشترط لصحة هذا البيع =
стр. 950
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= التساوي في الكمية والقبض في الحال لاتفاق البدلين في الجنس والعلة.
٢ - إذا كان البيع من جنسين اتفقا في ربا الفضل واختلفا في الجنس حرم النَساء وجاز التفاضل.
مثاله: أن يبيع ذهباً بفضة، أو براً بشعير ونحوهما فيجوز البيع مع التفاضل ٣ - إذا كان القبض في الحال يداً بيد لأنهما اختلفا في الجنس، واتحدا في العلة.
٤ - إذا كان البيع بين جنسين ربويين لم يتفقا في العلة جاز الفضل والنَساء.
مثاله: أن يبيع طعاماً بفضة، أو طعاماً بذهب ونحوها فيجوز التفاضل والتأجيل لاختلاف البدلين في الجنس.
٥ - إذا كان البيع بين جنسين ليسا ربويين فيجوز الفضل والنَساء.
مثاله: أن يبيع بعيراً ببعيرين، أو ثوباً بثوبين ونحوهما فهنا يجوز التفاضل والتأجيل.
٦ - إذا كان بيع أحد نوعي جنس بالأخر غير أنهما ليسا في مستوى واحد فلا يجوز بيع أحدهما بالأخر.
مثال ذلك: أن يبيع صاعاً من الرطب بصاع من التمر، فهذا لا يجوز لأن الرطب ينقص إذا جف فيحصل التفاضل المحرم.
ومن الأمثلة على ذلك أيضاً: بيع الذهب المصنوع، كأن يبيع ذهباً جديداً بذهب قديم فلا تجوز الزيادة من أجل الصنعة في أحد العوضين.
لكن المشروع هنا أن يبيع الرطب أو الذهب القديم ويشتري بثمنها التمر أو الذهب الجديد.