وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ ﵄ (٧)
ــ
فالصواب في هذه المسألة: أن شد الرحال من أجل مسجد النبي ﷺ والصلاة فيه فهذا يستحب، ثم يزور قبر النبي ﷺ ، وقبر صاحبيه لقول النبي ﷺ (إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الآخِرَةَ) (١)، أما قصد زيارة قبره استقلالاً فهذا لا يشرع لقول النبي ﷺ (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ .. ) (٢).
(٧) قوله (وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ ﵄: يعني أبا بكر وعمر ﵄.
стр. 877
بَابُ الْهَدْيِ وَالأُضْحِيَّة (١)
وَالْهَدْيُ وَالأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ (٢)
ــ
(١) قوله (بَابُ الْهَدْيِ وَالأُضْحِيَّةِ): الهدي: هو كل ما يهدى إلى الحرم من بهيمة الأنعام، وحكمه أنه سُنَّة، ولا يجب إلا بالنذر، أو التمتع والقران كما سبق.
أما الأضحية: فهو ما يذبح في أيام النحر تقرباً إلى الله تعالى، وسميت بذلك لأنها تذبح ضُحىً بعد صلاة العيد.
(٢) قوله (وَالْهَدْيُ وَالأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ): وقد اختلف الفقهاء (١) في حكم الأضحية بعد إجماعهم على مشروعيتها:
فذهب جمهور الفقهاء إلى أنها سُنَّة مؤكدة، واستدلوا لذلك بقوله ﷺ (إِذَا دَخَلَتْ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا) (٢)، وجه الدلالة منه قوله ﷺ (وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ) فجعل الأضحية مفوضة إلى إرادة المضحي.
ومن ذلك أيضاً ما جاء عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين مخافة أن يرى الناس أن ذلك واجب، وهذا الصنيع منهما يدل على أنهما علما من النبي ﷺ عدم الوجوب، ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.
وذهب الحنفية (٣)، وهو رواية في مذهب مالك (٤) اختارها شيخ الإسلام (٥) =
стр. 878
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=إلى أن الأضحية واجبة واستدلوا لذلك بأدلة منها:
١ - قوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١)، وقد قيل في تفسيرها: صلي صلاة العيد وانحر البدن، ومطلق الأمر للوجوب.
٢ - واستدلوا أيضاً بما رواه ابن ماجه والحاكم وصححه وأقره الذهبي عن النبي ﷺ قال (مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلانَا) (٢)، قالوا فهذا وعيدٌ على ترك الأضحية والوعيد لا يكون إلا على ترك واجب.
٣ - وأيضاً احتجوا بما رواه مسلم عن النبي ﷺ قال (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ) (٣)، وجه الدلالة أنه ﷺ أمر بذبح الأضحية وإعادتها إذا ذكيت قبل الصلاة وذلك دليل على وجوبها.
قال شيخنا ﵀ (٤): فالقول بالوجوب أظهر من القول بعدم الوجوب، لكن بشرط القدرة.
قلت: والذي يترجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فهي سُنَّة يُكره تركها مع القدرة لصراحة الأدلة، وهذا هو ما ذهب إليه سماحة شيخنا ابن باز ﵀ (٥)، واللجنة الدائمة (٦).
стр. 879
لا تَجِبُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ (١) وَالتَّضْحِيَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا (٢)
ــ
- فائدة: هل تصح الأضحية عن الأموات ؟
الصحيح: أن الأضحية سُنَّة للأحياء لا للأموات لعدم ورود النص عن النبي ﷺ في ذلك مع كونه له أموات، فلم يضح عن خديجة زوجته ﵂، ولا عن عمه حمزة ﵁، ولا عن بناته اللاتي توفين قبله، لكن إن ضحى الإنسان عن نفسه لأهل بيته وأشرك الأموات في أضحيته فلا بأس بذلك، أما جعل أضحيته عن الأموات فقط فهذا لا يشرع لعدم ورود دليل على ذلك.
(١) قوله (لا تَجِبُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ): لقوله ﷺ (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ) (١)، وهذا باتفاق الفقهاء.
والناذر للأضحية إما أن يكون نذر لمعينة نحو: (لله عليّ أن أضحي بهذه الشاة)، وإما أن يكون نذراً في الذمة لغير معينة كأن يقول لله علي نذر أن أضحي أو يقول: (لله علي أن أضحي بشاة) فإن نذر التضحية بمعينة لزمته، وكذا إن نذر التضحية بغير معينة ثم عين شاة مثلاً عما في ذمته فهنا يلزمه الأضحية بما عينه في الحالتين.
وإن نذر شاة معينة ثم أصيبت بشيء يؤثر على الإجزاء هل يصح نذره؟
نعم يصح نذره، لكن إن أبدل المعينة بخير منها كان أفضل لأن هذا أنفع للفقراء، أما إن نذر معينة ويعلم عيبها المخل بالإجزاء، فهنا لا يصح نذره وعليه أن يبدلها بغيرها.
(٢) قوله (وَالتَّضْحِيَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا): هذا هو قول جمهور أهل العلم لأنها سنة مؤكدة وشعيرة من شعائر الإسلام، ولأن النبي ﷺ ضحى =
стр. 880
وَالأَفْضَلُ فِيْهِمَا الإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ (١)، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِحْسَانُهَا وَاسْتِسْمَانُهَا (٢) وَلا يُجْزِئُ إِلاَّ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَهُوَ: مَا كَمَلَ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ (٣)
ــ
=والخلفاء من بعده كذلك، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها، ولأن إيثار الصدقة على الأضحية يفضي إلى ترك سنة سنَّها رسول الله ﷺ .
- فائدة: الميت الصدقة عنه بثمنها أفضل ، وأما الوصايا فيجب تنفيذها بكل حال.
(١) قوله (وَالأَفْضَلُ فِيْهِمَا الإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ): لأن ذلك أنفع للفقراء، لكن مراده ﵀ إذا أخرج بعيراً كاملاً أو بقرة كاملة، أما لو أخرج بعيراً عن سبع شياه، فسبع الشياه أفضل من البعير.
- فائدة: العقيقة الشاة فيها أفضل من غيرها لورود النص بتعينها.
(٢) قوله (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِحْسَانُهَا وَاسْتِسْمَانُهَا): دليل ذلك قوله تعالى ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١)، قال ابن عباس ﵄ في تفسيرها: (تعظيمها استسمانها استعظامها واستحسانها) (٢) ولأن ذلك أعظم لأجرها وأعظم لنفعها.
(٣) قوله (وَلا يُجْزِئُ إِلاَّ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ ، وَهُوَ: مَا كَمَلَ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ): هذا أحد الشروط المعتبرة في الأضحية، فالشرط الأول أنه لابد أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعاً، فإن كانت دونه فلا تجزئ دليل ما ذكره المؤلف (لا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّةً إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ) (٣) وهذا الشرط متفق عليه عند الفقهاء.
стр. 881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكن اختلفوا في تفسير الثنية والجذعة:
فقال الحنفية (١)، والحنابلة (٢) الجذع من الضأن ما أتم ستة أشهر، والثني من الضأن والمعز ما أتم سنة، ومن البقر ابن سنتين، ومن الإبل ابن خمس سنين.
وذهب المالكية (٣) إلى أن الجذع من الضأن ما بلغ سنة قمرية ودخل في الثانية ولو مجرد دخول، وفسروا الثنيّ من المعز بما بلغ سنة، ودخل في الثانية دخولاً بيناً كشهر بعد السنة.
وقال الشافعية (٤) الجذع ما بلغ سنة، والثني من الماعز ما بلغ سنتين وكذلك البقر.
والراجح عندي: بعد عرض الأقوال هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول.
قال وكيع (٥) الجذع من الضان يكون ابن سبعة أشهر، أو ستة أشهر.
قلت: وقد ذكر الخرقي (٦) طريقة أخرى يتعرف بها الجذع من الضأن فقال وسمعت أبي يقول: وسألت بعض أهل البادية كيف تعرفون الضأن إذا جذع؟ قالوا: لا تزال الصوفة قائمة على ظهره ما دام حملاً، فإذا نامت الصوفة على ظهره عُلم أنه قد جذع.
стр. 882
وَالثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ (١) وَثَنِيُّ الإِبِلِ: مَا كَمَلَ لَهُ خَمْسُ سِنِيْنَ (٢) وَمِنَ الْبَقَرِ: مَا لَهُ سَنَتَانِ (٣) وَمِنَ الْمَعَزِ: مَا لَهُ سَنَةٌ (٤)
ــ
(١) قوله (وَالثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ): أي مما سوى الضأن، وهي كما ذكرنا الإبل والبقر والمعز يجزئ منه في الهدي والأضحية الثني، دليل ذلك قوله ﷺ (لا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّةً إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ) (١).
(٢) قوله (وَثَنِيُّ الإِبِلِ: مَا كَمَلَ لَهُ خَمْسُ سِنِيْنَ): أي السن المعتبر لإجزاء الإبل خمس سنين، فما دون الخمس لا يجزئ في الأضحية ولا في الهدي هذا باتفاق عامة أهل العلم.
(٣) قوله (وَمِنَ الْبَقَرِ: مَا لَهُ سَنَتَانِ): هذا باتفاق الفقهاء.
(٤) قوله (وَمِنَ الْمَعَزِ: مَا لَهُ سَنَةٌ): الغنم نوعان ضأن ومعز، فالضأن أفضل من المعز لأنه أكثر لحماً منه وأطيب فهو أنفع للفقراء والمساكين.
وهل تجزئ الجذعة من المعز في الأضحية ؟
لا تجزئ لحديث أبي بردة بن نيار ﵁ أنه قال ( .. يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ أَفَتَجْزِي عَنِّي قَالَ نَعَمْ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) (٢).
- فائدة (١): يجوز ذبح الذكر من بهيمة الأنعام لأن القصد اللحم ولحم الذكر أوفر.
- فائدة (٢): قال الإمام أحمد ﵀: الخصي أحب إلينا من النعجة لأن لحمه أوفر وأطيب.
стр. 883
وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ (١)، وَالْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ (٢)، وَلا تُجْزِئُ الْعَوْرَاءُ، الْبَيِّنُ عَوَرُهَا (٣)
ــ
- فائدة (٣): الكبش في الضحية أفضل النعم لأنها أضحية النبي ﷺ .
(١) قوله (وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ) ومن حيث الثواب تجزئ عنه وعن أهل بيته، فقد كان النبي ﷺ يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته.
- فائدة: الاشتراك في الثواب لا حد له ، وهو جائز كأن يضحي عن نفسه ومن شاء من أقاربه أحياءً وأمواتاً، وأما الاشتراك في الملك فلا يجوز كأن يشترك شخصان بأضحية من الغنم عن نفسيهما وأهليهما، قال أهل العلم لأن الأضحية عبادة والعبادة لا بد أن تقع على وجهها الشرعي وقتاً وعدداً وكيفية.
(٢) قوله (وَالْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ): وذلك لحديث جابر ﵄ قال (نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ) (١). وإذا كان الإنسان يضحي بالواحدة عنه وعن أهل بيته، فإنه بالسبع يضحي عنه وعن أهل بيته لأن هذا تشريك في الثواب والتشريك في الثواب لا حصر له، أما التشريك في الملك فلا يزيد على السبعة، فلو اشترك ثمانية في بعير أو بقرة فإنه لا يجزئ، لكن يستثنى من ذلك العقيقة، فإن البدنة لا تجزئ فيها إلا عن واحد فقط.
(٣) قوله (وَلا تُجْزِئُ الْعَوْرَاءُ، الْبَيِّنُ عَوَرُهَا): هذا هو الشرط الثاني من الشروط المعتبرة في الأضحية وهو السلامة من العيوب.
- فائدة: في شروط الأضحية:
стр. 884
وَلا الْعَجْفَاءُ الَّتِيْ لا تُنْقِيْ (١)، وَلا الْعَرْجَاءُ، الْبَيِّنُ ظَلَعُهَا (٢)
ــ
١ - أن تكون من بهيمة الأنعام (الإبل - البقر - الغنم).
٢ - أن تبلغ السن المعتبرة شرعاً.
٣ - أن تكون سالمة من العيوب.
٤ - أن تكون في الوقت المحدد وهو بعد صلاة العيد إلى غروب شمس الثالث عشر من ذي الحجة.
وقوله (الْعَوْرَاءُ، الْبَيِّنُ عَوَرُهَا): الحكمة في ذلك تشويه المنظر من وجه وقلة الغذاء من وجه آخر لأنها لا تنظر إلا من جانب واحد فيقل استيعابها بالغذاء.
ودليل ما ذكره المؤلف وما سيذكره لاحقاً حديث البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ سئل ما يتقى من الضحايا؟ فقال: (الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لا تُنْقِي) (١).
(١) قوله (وَلا الْعَجْفَاءُ الَّتِيْ لا تُنْقِيْ): العجفاء هي الهزيلة التي لا مخ فيها، وعدم الإجزاء بها لأنها ضعيفة البنية كريهة المنظر، ومعنى لا تنقى أي ليس فيها نقئُ وهو المخ، أما إن كانت هزيلة ولم يحصل الهزال إلى داخل العظم فإنها تجزئ.
(٢) قوله (وَلا الْعَرْجَاءُ، الْبَيِّنُ ظَلَعُهَا): وهي التي لا تطيق المشي مع الصحيحة،
أما إذا كانت عرجاء وتمشي مع الصحيحة فهذه ليس عرجها بيِّناً، لكن كلما كملت كان أحسن.
стр. 885
وَلا الْمَرِيْضَةُ، الْبَيِّنُ مَرَضُهَا (١)، وَلا الْعَضْبَاءُ الَّتِيْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا (٢)، وَتُجْزِئُ الْبَتْرَاءُ (٣)،
ــ
والحكمة في كونها لا تجزئ لأنها إذا كانت على هذه الصفة فإنها قد تتخلف عن البهائم في المرعى، ولا تأكل كل ما يكفيها، ويلزم من ذلك أن تكون هزيلة في الغالب.
(١) قوله (وَلا الْمَرِيْضَةُ، الْبَيِّنُ مَرَضُهَا): أي لا تجزئ المريضة البيّن مرضها، وعدم إجزائها ثابت بدليل النص كما في حديث البراء بن عازب المتقدم، ولعل الحكمة من عدم إجزائها لأنه يخشى على الإنسان عند أكله من لحمها فيتأثر به.
- فائدة: الميشومة: وهي التي انتفخ بطنها ولم تخرج منه الريح نتيجة لأكل التمر مثلاً، فهنا نقول إذا تبرزت جاز التضحية بها وإلا فلا لأن مرضها بيِّن.
(٢) قوله (وَلا الْعَضْبَاءُ الَّتِيْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا): دليل ما ذكره المؤلف ما رواه أحمد وغيره عن علي بن أبي طالب ﵁ قال (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُضَحَّى بِعَضْبَاءِ الْقَرْنِ وَالأُذُنِ) (١).
وهذا الحديث فيه ضعف، ولذا فالأظهر عندي أن العضباء يجوز الأضحية بها. وهذا هو اختيار شبخنا ابن عثيمين ﵀ (٢).
(٣) قوله (وَتُجْزِئُ الْبَتْرَاءُ): الأبتر مقطوع الذَنَب، وقطع الذنب إما أن يكون خلقة أي أن أصل خلقته بلا ذَنَب، وإما أن يكون قد قطعه أحد وقد فرَّق بعض أهل العلم بين كونها مقطوعة خلقة وبين كونها مقطوعة بفعل، =
стр. 886
وَالْجَمَّاءُ (١)، وَالْخَصِيُّ (٢)، وَمَا شُقَّتْ أُذُنُهَا، أَوْ خُرِقَتْ أَوْ قُطِعَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهَا (٣)، وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُوْلَةً يَدُهَا الْيُسْرَى (٤)،
ــ
= فأجازوا الأول ولم يجيزوا الثاني.
والصحيح عندي: جواز الأمرين.
- فائدة: ما قطعت إليته لا يجوز التضحية به إلا ما كان في أصل خلقته أنه بلا إلية كالغنم الاسترالية التي ليس لها إلية، فهنا يجوز الضحية بها.
(١) قوله (وَالْجَمَّاءُ): أي ويجزئ الأضحية بالجماء، وتسمى الجلحاء، وهي التي خلقت بلا قرن.
لكن أيهما أفضل التضحية بذات القرن أم الجماء؟
الجواب: ذات القرن أفضل بلا شك لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين أقرنين.
(٢) قوله (وَالْخَصِيُّ): وهو ما قطعت خصيتاه فيجزئ مع أنه ناقص الخلقة، أما إذا قطع مع الخصيتين الذكر فلا يجزئ ويسمى (الخصي المجبوب).
(٣) قوله (وَمَا شُقَّتْ أُذُنُهَا، أَوْ خُرِقَتْ أَوْ قُطِعَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهَا): فتجزئ الأضحية بها، لكن حدد الفقهاء القدر الذي تجزئ فيه الأضحية عند شق أذنها وخرقه بالنصف كما ذكر المؤلف، أما ما زاد عن النصف فإنه لا يجزئ.
والصحيح: أن الأصل الإجزاء حتى يقوم الدليل على عدم الإجزاء، ومع قولنا بالجواز إلا أن مراعاة الأكمل في الأضحية هو الأفضل.
(٤) قوله (وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُوْلَةً يَدُهَا الْيُسْرَى): هذا هو السنة لفعل النبي ﷺ ذلك قال تعالى ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا) (١) ومعنى وجبت سقطت على الأرض، وتكون اليسرى هي المعقولة، لأن الذابح يأتيها من =
стр. 887
وَذَبْحُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (١)، وَيَقُوْلُ عِنْدَ ذلِكَ: بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ (٢)
ــ
= الجهة اليمنى، لكن إذا لم يستطع أن يفعل السنة فلا حرج أن ينحرها كيفما شاء.
(١) قوله (وَذَبْحُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ): أي ويسن ذبح البقر والغنم على صفاحهما لما جاء في صحيح البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنهقال (ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا) (١).
إذاً فالسنة عند الذبح أن يريح الذبيحة على الجانب الأيسر فيضع رجله على الجانب الأيمن ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها بيده اليسرى.
لكن إن كان الذابح أعسر - يعني يذبح بيده اليسرى -، فهنا يضجعها على جانبها الأيمن ولا حرج عليه في ذلك.
(٢) قوله (وَيَقُوْلُ عِنْدَ ذلِكَ: بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ): أي عند إرادته للذبح.
وقد اختلف الفقهاء في حكم التسمية عند الذبح على أربعة أقوال:
فقيل: بأنها سنة.
وقيل: بأنها واجبة وتسقط بالنسيان والجهل في الذبيحة والصيد.
وقيل: هي شرط في الذبيحة والصيد لكن تسقط سهواً في الذبيحة ولا تسقط سهواً في الصيد.
وقيل: هي شرط في الذبيحة والصيد لا تسقط بالنسيان والجهل.
والراجح عندي: أنه إن ترك التسمية عمداً فإنها لا تحل.
стр. 888
اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ (١) وَلا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا إِلاَّ مُسْلِمٌ (٢)، وَإِنْ ذَبَحَهَا صَاحِبُهَا فَهُوَ أَفْضَلُ (٣)،
ــ
=وإن تركها سهواً فإنها تحل لعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا .. ﴾ (١)، وقوله ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) (٢).
أما قول (الله أكبر)، فهو سنة عند الذبح وليس بواجب.
(١) قوله (اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ): لورود ذلك عن النبي ﷺ ، وهذا سنة عند الذبح. ومعنى (اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ) بمعنى عطاء ورزقاً، وقوله (وَلَكَ) يعني تعبداً، وشرعاً، وإخلاصاً، فهو من الله وهو الذي مَنّ به، وهو الذي أمرنا أن نتعبد له بنحره أو ذبحه.
(٢) قوله (وَلا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا إِلاَّ مُسْلِمٌ): فلا يصح أن يذبحها كتابي ولا غيره لأنها عبادة لم يصح أن يوكل بها غير المسلم، لأن غير المسلم ليس من أهل العبادة والقربة لأنه كافر ولا تقبل عبادته.
أما لو ذبح ذبيحة عادية ليست بعباده فإنه يجوز.
وقوله (وَلا يُسْتَحَبُّ) أي يكره أن يذبحها غير المسلم، فإن ذبحها حلت الذبيحة مع الكراهة.
(٣) قوله (وَإِنْ ذَبَحَهَا صَاحِبُهَا فَهُوَ أَفْضَلُ): أي الأفضل أن يتولى ذبح أضحيته وكذا هديه ولو امرأة وذلك لأن النبي ﷺ كان يتولى ذبح هديه وأضحيته بنفسه.
стр. 889
وَوَقْتُ الذَّبْحِ يَوْمَ الْعِيْدِ بَعْدَ صَلاةِ الْعِيْدِ (١)، أَوْ قَدْرِهَا (٢)
ــ
(١) قوله (وَوَقْتُ الذَّبْحِ يَوْمَ الْعِيْدِ بَعْدَ صَلاةِ الْعِيْدِ): هذا مبدأ وقت ذبح الأضحية والهدي الواجب، وكذا التطوع بعد صلاة العيد لمن عليه صلاة عيد أو قدرها كما سيذكره المؤلف، والأفضل أن يكون الذبح بعد الصلاة والخطبة معاً.
أما لو صلى ثم انطلق فذبح أضحيته بعد الصلاة فلا حرج في ذلك، المهم أن تقع بعد الصلاة لقوله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم عن جندب بن سفيان البجلي قال شهد النبي ﷺ يوم النحر قال (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ) (١).
ولمسلم عن أنس ﵁ قال (خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أَضْحًى قَالَ فَوَجَدَ رِيحَ لَحْمٍ فَنَهَاهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا قَالَ مَنْ كَانَ ضَحَّى فَلْيُعِدْ) (٢).
وروى البخاري ومسلم أيضاً عن البراء مرفوعاً ( .. مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ) (٣).
(٢) قوله (أَوْ قَدْرِهَا): أي إلى قدر الصلاة لا الخطبة، وهذا يكون في حق من لم تلزمه صلاة العيد كأهل البوادي وغيرهم.
стр. 890
إِلَى آخِرِ يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ (١)، وتَتَعَيَّنُ الأُضْحِيَّةُ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ، وَالْهَدْيُ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ (٢)،
ــ
(١) قوله (إِلَى آخِرِ يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ): أيام التشريق ثلاثة: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة.
والمؤلف يرى أن آخر وقت للأضحية هو آخر يوم الثاني عشر.
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال:
الأول: أن آخر موعد للأضحية هو يوم العيد فقط لأنه هو اليوم الذي يسمى يوم النحر.
الثاني: أن شهر ذي الحجة كله محل لذبح الأضحية.
الثالث: أن أيام التشريق الثلاثة تبع يوم العيد.
الرابع: ما ذكره المؤلف هنا.
والراجح عندي: أن أيام الذبح أربعة: يوم النحر، والثلاثة الأيام التي بعده لقول النبي ﷺ (كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ) (١).
ولقوله أيضاً (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ)، وَزَادَ فِيهِ (وَذِكْرٍ لِلَّهِ) (٢).
فأيام التشريق كلها يشرع فيها عبادات لم تشرع في غيرها، والذبح داخل في هذه العبادات.
(٢) قوله (وتَتَعَيَّنُ الأُضْحِيَّةُ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ، وَالْهَدْيُ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ): أي الأضحية والهدي يتعينان بالقول لا يتعينان بالنية ولا بالشراء، بل لا بد فيها من القول الدال على التعيين كأن يقول هذه أضحية، أو هذا هدي، أو =
стр. 891
أَوْ إِشْعَارِهِ وَتَقْلِيْدِهِ مَعَ النِّيَّةِ (١)،
ــ
= يكون بالفعل، وهو خاص بالهدي دون الأضحية وهو كما سيذكره المؤلف الإشعار أو التقليد أو الإشعار مع النية، أما مجرد النية دون فعل فلا يتعين، وهذا هو رأي شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ (١).
ويرى بعض أهل العلم أنه يجزئ في التعيين النية فقط.
والراجح عندي: ما ذهب إليه المؤلف وشيخنا رحمهما الله.
(١) قوله (أَوْ إِشْعَارِهِ وَتَقْلِيْدِهِ مَعَ النِّيَّةِ): أي ومن وسائل التعيين للهدي الإشعار: وهو أن يشق سنام البعير حتى يخرج الدم ويسيل على الشعر، فإن رآه أحد عرف أنه معد للنحر.
أما التقليد: فهو أن يقلده بالنعال والثياب الخلقة وما شابه ذلك مما يوضع في عنق البهيمة التي يراد الهدي بها، وهذا كان أمراً معروفاً في عهد النبي ﷺ .
وقد ذهب الحنفية (٢) إلى عدم جواز الإشعار لنهي النبي ﷺ عن تعذيب الحيوان كما جاء ذلك في صحيح البخاري، ولأن في الإشعار إيلاماً فهو كقطع عضو منه.
وقال مالك إن كانت البقرة ذات سنام فيجوز إشعارها وإلا فلا.
وقوله (بالنية) أي لا بد مع التقليد والإشعار من النية، فلا يكفي مجرد الإشعار أو التقليد لأنها يمكن أن تكون لغير الأضحية والهدي.
- فائدة (١): متى تعين الهدي أو الأضحية فإنه لا يجوز بيعها ولا هبتها لأنها
صارت صدقة كالوقف لا يجوز بيعه ولا هبته، ولا يجوز كذلك التصدق =
стр. 892
وَلا يُعْطَى الْجَازِرُ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا (١)
ــ
= بها، بل لا بد أن يذبحها.
- فائدة (٢): من رأى فقراء فأعطاهم هديه أو أضحيته قبل ذبحها ؟
فإنه لا يجوز بل لا بد أن يذبح ثم إن شاء أعطاهم وتصدق به عليهم أو إن شاء أبقاه فهو بالخيار.
- فائدة (٣): إذا أراد المضحي أن يبدل أضحيته بخير منها فلا بأس لأن هذا أنفع للفقراء وأثمن غالباً هذا إذا أراد إبدالها، أما إن أراد أن يبيعها ثم يشتري بثمنها أفضل منها فإن الأولى عدم بيعها لأنه قد لا يتيسر له أن يشتري غيرها أو يأخذه الطمع فيمتنع عن أضحيته.
(١) قوله (وَلا يُعْطَى الْجَازِرُ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا): وذلك لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال (أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عله وسلم أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا) (١).
أما إن أعطاه منها هدية أو صدقة فهذا يجوز.
وإن كان هذا الجازر يجعل تسعيره لذبحه فيقول الذبح بعشرة ريالات مثلاً فيعطيه العشرة ريالات ولا يجوز إعطاءه بقيمة العشرة ريالات شيئاً من الأضحية.
- فائدة (١): لا يجوز الانتفاع من الأضحية بصوفها إلا إذا كان في جزه نفع لها فإنه يجزه، وهل إذا جزه له أن ينتفع به؟
قولان: أصحهما أنه يجوز له أن ينتفع به لأنه إذا كان له أن ينتفع بالجلد كاملاً فالشعر من باب أولى.
стр. 893
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ ثُلُثَهَا، وَيُهْدِيْ ثُلُثَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا (١)
ــ
- فائدة (٢): لا يجوز بيع جلد الأضحية ورأسها ولا رجلها ولا كبدها لأنها تعينت لله بجميع أجزائها وله الانتفاع بذلك كله.
(١) قوله (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ ثُلُثَهَا، وَيُهْدِيْ ثُلُثَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا): وذلك لأجل أن يكون انتفاع الناس على اختلاف طبقاتهم في هذه الأضحية.
وقوله (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ) هذا هو قول الجمهور، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الأكل منها لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (١)، ولأن النبي ﷺ (أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَزُورٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَأَكَلُوا مِنْ اللَّحْمِ وَحَسَوْا مِنْ الْمَرَقِ) (٢).
والأظهر عندي: عدم الوجوب، لكن لا ينبغي للإنسان أن يدع الأكل من أضحيته وذلك لفعل النبي ﷺ ، ولأن هذا عنوان على شكر نعمة الله .
- فائدة (١): الفرق بين الصدقة والهدية: أن ما قصد به التودد والألفة فهو هدية، وما قصد به التقرب إلى الله فهو صدقة.
- فائدة (٢): لو كانت الأضحية ليتيم فإنه يأكل منها ويهدي ويتصدق.
وقال بعض العلماء: لا يكون من ذلك إلا مقدار الواجب فقط، وهو أقل ما يقع عليه اسم اللحم، لأن مال اليتيم لا يجوز التبرع منه والصحيح القول الأول.
- فائدة (٣): هل يشرع أن يضحي من مال اليتيم ؟
стр. 894
وَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ جَازَ (١) وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا وَلا يَبِيْعُهُ، وَلا شَيْئًا مِنْهَا (٢)، فَأَمَّا الْهَدْيُ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ لَهُ الأَكْلُ مِنْهُ (٣)
ــ
الجواب: إن كان قد جرى العادة أنه يضحي من مال اليتيم وأنه إن لم يضح انكسرت قلوب اليتامى فهنا يضحي لأن الأضحية من باب النفقة بالمعروف.
(١) قوله (وَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ جَازَ): أي إن أكل أكثر من الثلث جاز، لكن يجب أن يتصدق ولو بالقليل من الأضحية.
لكن إن أكلها كلها ولم يتصدق منها: فقد قال بعض أهل العلم فإنه يضمن أقل ما يقع عليه اسم اللحم.
وقال بعض أهل العلم: إن أكلها كلها ولم يتصدق بوزن أوقية فإنه يضمن الأوقية لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير﴾ (١).
(٢) قوله (وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا وَلا يَبِيْعُهُ، وَلا شَيْئًا مِنْهَا): ذكرنا أنه لا يجوز بيع جلد الضحية، لكن يجوز أن ينتفع به، وكذا يجوز هبته أو التصدق به وذلك لأنها تعينت لله بجميع أجزائها، وما تعين منه فلا يجوز أخذ العوض عليه.
أما دليل عدم بيع جلد الأضحية فما رواه أحمد وغيره عن أبي سعيد أن قتادة بن النعمان أخبره أن النبي ﷺ قام فقال (إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ لا تَأْكُلُوا الأَضَاحِيَّ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ لِتَسَعَكُمْ وَإِنِّي أُحِلُّهُ لَكُمْ فَكُلُوا مِنْهُ مَا شِئْتُمْ قَالَ وَلا تَبِيعُوا لُحُومَ الْهَدْيِ وَالأَضَاحِيِّ فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا وَإِنْ أُطْعِمْتُمْ مِنْ لُحُومِهَا شَيْئًا فَكُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ) (٢).
(٣) قوله (فَأَمَّا الْهَدْيُ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ لَهُ الأَكْلُ مِنْهُ): وذلك لفعله =
стр. 895
لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَزُوْرٍ بِبِضْعَةٍ فَطُبِخَتْ، وَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا، وَحَسَا مِنْ مَرَقِهَا (١) وَلا يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ إِلاَّ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ (٢)، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلا مِنْ بَشَرَتِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ (٣)
ــ
= ﷺ كما سبق وهذا مجمع عليه.
(١) قوله (لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَزُوْرٍ بِبِضْعَةٍ فَطُبِخَتْ، وَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا، وَحَسَا مِنْ مَرَقِهَا): حسا يعني شرب من مرقها، وهذا الحديث عند مسلم، وهو قطعة من حديث جابر بن عبد الله الطويل.
(٢) قوله (وَلا يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ إِلاَّ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ): ذكرنا سابقاً أن من الهدي ما يجوز الأكل منه ومنه مالا يجوز الأكل منه، فما يجوز الأكل منه مثل هدي التمتع والقرآن، وما لا يجوز الأكل منه مثل فدية الأذى أو الفدية المترتبة على ترك واجب أو فعل محظور.
أما الأكل من هدي التمتع والقرآن فيشرع لفعل النبي ﷺ قالت عائشة ﵂ ( .. فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقِيلَ ذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ) (١).
(٣) قوله (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلا مِنْ بَشَرَتِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ): هذا الحديث فيه دليل على نهي من أراد أن يضحي ودخل العشر من ذي الحجة أن يأخذ من شعره ولا من أظفاره ولا من بشرته شيئاً.
стр. 896
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واختلف الفقهاء في حمل النهي هنا، هل يحمل على التحريم أم الكراهة؟
والأظهر عندي: أنه للتحريم.
- فائدة: التحريم الوارد في الحديث خاص بمن يضحي ، أما أهل البيت فلا يحرم عليهم ذلك، وكذلك من وكَّل إنساناً على أن يضحي عنه فإن النهي يرد على الموكل، أما الوكيل فلا يحرم عليه ذلك.
стр. 897
بَابُ العَقِيْقَةِ (١)
وَهِيَ سُنَّةٌ (٢) عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ (٣)
ــ
(١) قوله (بَابُ العَقِيْقَةِ): العقيقة: تسمى النسيكة، سميت عقيقة لأنها تقطع عروقها عند الذبح.
(٢) قوله (وَهِيَ سُنَّةٌ): أي سنة مؤكدة لقوله ﷺ (الْغُلامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ .. ) (١)، وفي رواية (كُلُّ غُلامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى) (٢)، ومعنى (مرتهن) - رهينة - قيل لا ينمو نمو مثله حتى يعق عنه.
أما الحكمة في مشروعيتها: فقد قال بعض أهل العلم: إنما شرعت شكراً لله تعالى على نعمة الولد، ولإظهار البشر، ونشر النسب.
وذهب الظاهرية (٣)، وهي رواية في مذهب أحمد (٤) إلى أن العقيقة واجبة، واحتجوا لذلك بنفس أدلة من قال بالسُنِّية.
والراجح عندي: ما ذهب إليه الجمهور، لكن لا ينبغي للإنسان تركها.
(٣) قوله (عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ): دليل ذلك حديث أم كرز الخزاعية ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول في العقيقة (عَنْ الْغُلامِ شَاتَانِ مُتَكَافِئَتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ) (٥).
стр. 898
تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ (١)،
ــ
- فائدة (١): العقيقة هي أحد المواضع التي يكون فيها الرجل على ضعف المرأة ، وهناك مواضع أخرى كالفرائض، والدية، والشهادة، والعتق، والصلاة لأن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً على المشهور عند أكثر العلماء، وكذلك في العطية.
- فائدة (٢): لو أن عند إنسان سبع بنات هل يجزئ أن يذبح عنهن بعيراً ؟
الجواب: ذهب الشافعية (١) إلى أنه يجزئ فيها المقدار الذي يجزئ في الأضحية وأقله شاة كاملة، أو السُبع من بدنة أو من بقرة.
وذهب المالكية (٢)، والحنابلة (٣) إلى أنه لا تجزيء في العقيقة إلا بدنة كاملة، أو بقرة كاملة، وهذا اختيار شيخنا ﵀ (٤).
- فائدة (٣): وهل يشرع الزيادة عن الشاتين للذكر ؟
قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ (٥) ولا يزيد على اثنتين إلا إن كان من يريد دعوتهم كثيرين، والثنتان لا تكفيهم فلا بأس.
وقال سماحة شيخنا ابن باز ﵀ (٦) السنة في العقيقة للغلام ثنتان، ولكن إن كان الضيوف كثيرين وزاد على ذلك فلا بأس، والزيادة للضيافة لا للعقيقة.
(١) قوله (تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ): وإن ذبحه قبل السابع جاز بخلاف ما ذهب إليه =
стр. 899
وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ وَرِقًا (١)،
ــ
= الحنفية (١)، والمالكية (٢) إلا أن وقت العقيقة يكون يوم السابع ولا يكون قبله.
لكن من أين تحسب أيام الولادة؟
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن وقت الولادة يحسب من السبعة ولا تحسب الليلة التي ولدتها إن ولد ليلاً، بل يحسب اليوم الذي يليها.
وقال المالكية لا يحسب يوم الولادة في حق من ولد بعد الفجر، أما من ولد مع الفجر أو وقته فإنه يحسب.
(١) قوله (وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ وَرِقًا): أي فضة؛ وهذا مجمع عليه عند أهل العلم دليل ذلك ما رواه أحمد وغيره أن النبي ﷺ قال لفاطمة لما ولدت الحسين (احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ مِنْ فِضَّةٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ) (٣).
وهل يستوي في ذلك الذكر والأنثى يعني في الحلق؟
قولان للفقهاء: فقيل لا فرق في استحباب الحلق بين الذكور والإناث.
وقيل: بل الحلق يختص به الذكور دون الإناث، لأن الإناث يكره في حقهن الحلق.
وهذا هو الأظهر عندي.
- فائدة: حلق رأس الغلام إنما يكون لمن أمكنه ذلك بأن يوجد حلاق يمكنه أن يحلق رأس الصبي، فإن عُدِمَ الحلاق أو خيف على الولد من حلق رأسه من قبل الحلاق فهنا يتصدق بما يقارب وزن شعر الرأس فضة.
стр. 900
فَإِنْ فَاتَ، فَفِيْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَإِنْ فَاتَ، فَفِيْ أَحَدَ وَعِشْرِيْنَ (١) وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً، وَلا يَكْسِرُ لَهَا عَظْمًا (٢)
ــ
(١) قوله (فَإِنْ فَاتَ، فَفِيْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَإِنْ فَاتَ، فَفِيْ أَحَدَ وَعِشْرِيْنَ): العقيقة لا تفوت بفوات وقتها المسنون، فإن فات وقتها في السابع سن ذبحها في الرابع عشر، فإن فات ذبحها فيه انتقلت إلى الحادي والعشرين من ولادة المولود، فيسن ذبحها فيه، وهذا مروي عن عائشة ﵂ لكن الأثر ضعيف.
قلت: فإن فات الحادي والعشرون ففي أي يوم تيسر للإنسان فيه الذبح.
- فائدة (١): من بلغ من الأولاد ولم يعق عنه أحد فيندب أن يعق عن نفسه.
- فائدة (٢): إذا خرج المولود ميتاً قبل نفخ الروح فلا يعق عنه، وإذا خرج ميتاً بعد نفخ الروح فقولان: أرجحهما أنه يعق عنه.
وإذا خرج حيًّا ثم مات قبل السابع: فقولان أيضاً: أرجحهما أنه يعق عنه.
(٢) قوله (وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً، وَلا يَكْسِرُ لَهَا عَظْمًا): أي إن أراد تقطيعها فالمستحب في ذلك أن يجزئها بحسب أعضائها، وإنما يقطعها مع مفاصلها فيجعل الرجل لوحدها واليد لوحدها وهكذا ثم تطبخ وتؤكل هكذا.
وعلل الفقهاء ذلك بأنه تفاؤل بالسلامة لهذا المولود، دليل ذلك ما ذكره المؤلف وهو ما جاء عن عائشة ﵂ قالت لمن أرادت أن تعق بجزء (لا بل السنة عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة يطبخ جدولا ولا يكسر لها عظم فيأكل ويطعم ويتصدق يفعل ذلك في اليوم السابع، فإن لم يفعل ففي أربع عشرة، فإن لم يفعل ففي إحدى وعشرين) (١).
стр. 901
وَحُكْمُهَا حُكْمُ الأُضْحِيَّةِ فِيْمَا سِوَى ذلِكَ (١)
ــ
(١) قوله (وَحُكْمُهَا حُكْمُ الأُضْحِيَّةِ فِيْمَا سِوَى ذلِكَ): أي أن العقيقة كالأضحية في أكثر الأحكام ومنها:
١ - أنه لا بد أن تكون من بهيمة الأنعام، فلا تصح بدجاج ولا نحوه.
٢ - لا بد أن تبلغ السن المعتبرة وهي كما ذكرنا ستة أشهر في الضأن، وسنة في المعز، وسنتان في البقر، وخمس سنين في الإبل.
٣ - أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء كالعور البين والمرض البيّن وغيره مما سبق في باب الأضحية، أما ما تخالفها فيه فمن ذلك:
أن طبخها أفضل من توزيعها نيئة لأن ذلك أسهل لمن أطعمت له.
أنه لا يكسر عظمها وهذا خاص بها.
أنه لا يجزئ فيها شرك دم كما سبق بيانه.
стр. 902
وَبَلُ الغَمَامَةِ
في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة
شرح لعبارة المؤلف مع التمثيل لها والاستدلال وتخريج الأحاديث
وذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح في كل مسألة
(من كتاب البيع إلى نهاية باب الشفعة)
تأليف
الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم
المملكة العربية السعودية - الزلفي - ص. ب: ١٨٨ - الرمز البريدي: ١١٩٣٢
هاتف: ٠٦٤٢٢٦٠٠٠ - فاكس: ٠٦٤٢٢٥٦٦٦ - جوال: ٠٥٠٥١٢٣١٠٠
موقع منار الإسلام www.m-islam.net
البريد الإلكتروني: a@m-islam.net ــ m-islam ١@hotmail.com
الجزء الرابع
مدار الوطن للنشر
стр. 903
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 904
وَبَلُ الغَمَامَةِ
في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة
(من كتاب البيع إلى نهاية باب الشفعة)
стр. 905
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
مدار الوطن للنشر - الرياض
هاتف: ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) فاكس: ٤٧٢٣٩٤١ - ص. ب: ٢٤٥٧٦٠
فرع السويدي: هاتف: ٤٢٦٧١٧٧ - فاكس: ٤٢٦٧٣٧٧
منطقة الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦
المنطقة الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨
المنطقة الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨
المنطقة الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨
المنطقة الجنوبية: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٧
التوزيع الخيري: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤ - ٢٨٣١٤٥٣
التسويق والمعارض الخارجية: ٠٥٠٦٤٩٥٦٢٥
البريد الإلكتروني: pop@dar-alwatan.com
موقعنا على الإنترنت: www.madar-alwatan.com
стр. 906
كِتَابُ الْبَيْعِ (١)
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ (٢)
ــ
الشرح:
(١) قوله «كِتَابُ الْبَيْعِ»: العلماء بدأوا بالعبادات لأن الإنسان خلق من أجلها، وبدأوا بالصلاة لأنها أهم العبادات، وقدموا الطهارة لأنها من شروطها، ثم بعد الصلاة ذكروا الزكاة لأنها آكد أركان الإسلام بعد الصلاة، ثم بالصوم لأنه هو الركن الرابع، ثم بالحج وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، ثم بعد العبادات يبدأون بالمعاملات ثم بعد المعاملات يبدأون بالأنكحة، ثم ما يتعلق بالدماء، ثم بالقضاء.
وقد بدأ المؤلف المعاملات بكتاب البيوع لأن الحاجة إليه أعظم، فالناس محتاجون للطعام والشراب من حين ما يولدون، ومن أكبر طرق الحصول على منافع الناس الدنيوية هو البيع والشراء ولهذا بدأوا به في المعاملات وما يتعلق بها.
و البيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع .
(٢) قوله: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ (١): هذا هو دليل الكتاب على جواز البيع.
ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢).
أما السنة فمن الأدلة على جوازه ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله ابن=
стр. 907
وَالْبَيْعُ: مُعَاوَضَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ (١)
ــ
=الحارث قال سمعت حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (١).
أما الإجماع فقد انعقد على جواز البيع في الجملة، والحكمة تقتضيه لأن حاجة الناس تتعلق بما في يد الآخرين ولا يتم ذلك إلا بالبيع.
(١) قوله «وَالْبَيْعُ: مُعَاوَضَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ»: البيع في اللغة: مأخوذ من الباع لأن كلا من البائع والمشتري يمد باعه أخذاً وعطاءًا إما أن يعطي السلعة وإما أن يعطي المال.
أما في الاصطلاح: فهو كما ذكر المؤلف «معاوضة المال بالمال»
وقيل أيضاً «البيع: هو مبادلة مال بمال، أو منفعة مباحة ولو في الذمة»
والمراد بالمال هنا: هو كل عين مباحة النفع بلا حاجة فيدخل في ذلك الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، والسيارات، وغيرها.
وقولنا منفعة: خرج منه ما لم يكن فيه نفع كالحشرات وغيرها.
وقولنا مباحة: خرج منه ما ليس مباحاً كالآلات المعازف ونحوها فهي لا تدخل في مسمى المال.
وقولنا بلا حاجة: خرج ما يباح نفعه للحاجة أو للضرورة؛ فالميتة مثلاً تباح للضرورة، وجلد الميتة يباح بعد دبغه للحاجة، ويدخل في ذلك التعريف تسع صور للبيع:
стр. 908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١ - بيع عين بعين: مثاله «بيع قلم بجوال».
٢ - بيع عين بدين: مثاله «بيع قلم بريالين بعد شهرين».
٣ - بيع عين بمنفعة: مثاله «بيع قلم مقابل أن يوصلك إلى المنزل بالسيارة مثلاً». وستأتي باقي الصور لاحقاً إن شاء الله.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: هل يعتبر الربا بيعاً بناءاً على تعريف البيع مبادلة مال بمال ولو في الذمة؟
الجواب: لا؛ لأن الله تعالى جعل الربا قسيم البيع قال تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١)، فلما جعل الربا قسيم البيع عرفنا أن الربا ليس داخلاً في البيع.
- الفائدة الثانية: هل يعتبر القرض بيعاً بناءاً على أن البيع مبادلة مال بمال ولو في الذمة؟
الجواب لا لأن القرض لا يسمى بيعاً وإن وجدت فيه المبادلة، فالمقرض يقرض طلباً للأجر، والفرق بين القرض والبيع هو النية إذ كلاهما يتفقان بأنهما مبادلة معين بما في الذمة فالدراهم التي يقرضها المقرض معينة والقرض في الذمة فهو يشبه مبادلة معين بما في الذمة لكن الذي يخرج البيع عن القرض هو القصد - النية -.
- الفائدة الثالثة: جميع العقود تنعقد بما يدل عليها عرفاً، فما عدَّه الناس بيعاً
فهو بيعٌ، وما عدوه قرضاً فهو قرضٌ، وما عدوه رهناً فهو رهنٌ، وهكذا. =
стр. 909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وهذا هو قول شيخ الإسلام (١) ﵀.
- الفائدة الرابعة: هل الأصل في العقود الحل أم التحريم؟
قولان؛ والراجح: أن جميع العقود والشروط وسائر المعاملات الأصل فيها الحل لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢)، فكل عقد أو شرط ليس فيه نص شرعي يمنعه فالأصل جوازه، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام (٣).
وذهب جماعة من أهل العلم أن الأصل في العقود المنع لأن كل شرط وكل عقد ليس في كتاب الله فهو باطل.
نقول نعم ولكن كوننا نعقد عقوداً ونشترط شروطاً لها أصل في الشرع لا بأس بذلك لقوله ﷺ «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٤).
- الفائدة الخامسة: في بيان شروط البيع مجملة وهي:
١ - التراضي.
٢ - أن يكون العاقد جائز التصرف.
٣ - أن تكون العين مباحة النفع.
٤ - أن يكون من مالك أو من يقوم مقامه.
٥ - أن يكون مقدوراً على تسليمه.
стр. 910
وَيَجُوْزُ بَيْعُ كُلِّ مَمْلُوْكٍ فِيْهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ (١)،
ــ
٦ - أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو صفة.
٧ - أن يكون الثمن معلوماً، وستأتي هذه الشروط مستوفاة في كلام المؤلف مع بيان شرحها.
(١) قوله «وَيَجُوْزُ بَيْعُ كُلِّ مَمْلُوْكٍ فِيْهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ»: بدأ المؤلف هنا ببيان الشروط المعتبرة في البيع فأول هذه الشروط - أن يكون مملوكاً -، أي مملوكاً للبائع أو مأذوناً له فيه فإن باع ملك غيره بغير إذنه لم يصح البيع، دليل ذلك قوله ﷺ لحكيم بن حزام حين سأله فقال «يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيَسْأَلُنِي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي أَبِيعُهُ مِنْهُ ثُمَّ أَبْتَاعُهُ لَهُ مِنْ السُّوقِ قَالَ لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (١). وهنا فائدتان:
- الفائدة الأولى: إذا كانت هناك قرينة تدل على الإذن فلا بأس: كأن يعلم أن صاحبه يريد أن يبيع بيته أو سيارته بثمن كذا، فجاء من يشتري هذا البيت أو هذه السيارة بثمن أكثر فيجوز بيعه لأن فيه مصلحة.
- الفائدة الثانية: في بيع الفضولي: وهو أن يتصرف شخص في حق غيره بغير إذن شرعي كأن يبيع شخص لأخر سلعة لم يأذن البائع له ببيعها.
حكم هذا النوع من البيوع؟ نقول: اختلف الفقهاء (٢) في حكم هذا النوع من البيوع: فذهب بعض الفقهاء إلى جوازه، واحتجوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣)، واستدلوا أيضاً بحديث عروة بن أبي الجعد البارقي «أن النبي ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ=
стр. 911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ وَكَانَ لَوْ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» (١).
وذهب أكثر الفقهاء (٢) إلى عدم جواز بيع الفضولي، واستدلوا لذلك بحديث حكيم بن حزام المتقدم وفيه قوله «لا تبع ما ليس عندك»، وأيضاً قوله ﷺ كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال «لا طَلاقَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا عِتْقَ إِلا فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ» (٣).
قالوا: فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن بيع الفضولي باطل لأنه تصرف بلا ملك ولا إذن ولا ولاية ولا وكالة، ولأنه أيضاً باع ما لا يقدر على تسليمه فلم يصح. والصحيح عندي أنه إن أذن له المالك ورضي وأجاز له التصرف صح البيع وإلا فلا.
وقوله «فِيْهِ نَفْعٌ»: هذا هو الشرط الثاني من شروط البيع؛ فلا بد أن يكون في المبيع نفع، فإن كان ليس فيه نفع كالحشرات والذباب والنمل وغير ذلك فلا يصح بيعها، والعلة في ذلك أنه ليس فيها نفع فبذل المال فيها إضاعة له، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال.
وقوله «فِيْهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ»: هذا هو القيد الثالث في البيع؛ فلا بد أن يكون مباحاً، فغير المباح كآلات اللهو والطرب وآلات المعازف وكذا الدخان والخمر وغير ذلك لا يجوز بيعها لأن منفعتها محرمة. =
стр. 912
إِلاَّ الْكَلْبَ فَإِنَّهُ لا يَجُوْزُ بَيْعُهُ (١)
ــ
= ويدخل في ذلك المخدرات، والجراك، والصور المحرمة، وغير ذلك مما نفعه محرم.
(١) قوله «إِلاَّ الْكَلْبَ فَإِنَّهُ لا يَجُوْزُ بَيْعُهُ»: هذا استثناء لما سبق فالكلب فيه نفع لكن لا يجوز بيعه لنهي النبي ﷺ عن ثمن الكلب فقد روى البخاري عن أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ رَأَيْتُ أَبِي فَقَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ وَالْوَاشِمَةِ وَالْمُسْتَوْشِمَةِ» (١).
وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» (٢).
فإن كان الكلب معلماً ككلب الصيد والكلاب البوليسية التي تستخدم في الكشف عن المجرمين فهل يصح بيعه.
نقول: ذهب جمهور الفقهاء (٣) إلى أنه لا يجوز بيعه مطلقاً معلماً كان أو غير معلم لأن الأحاديث لم تخصص كلباً عن كلب.
وذهب بعض المالكية (٤) إلى التفريق فالكلب المأذون باتخاذه ككلب الصيد والماشية والحرث فهذه مأذون في اتخاذها فيجوز بيعها.
أما الحنفية (٥) فقد أجازوا بيع الكلب مطلقاً حتى العقور يجوز بيعه عندهم إلا في رواية عن أبي حنيفة رواها عنه أبو يوسف أنه لا يجوز بيع الكلب العقور.
стр. 913
وَلا يَجِبُ غُرُمُهُ عَلَى مُتْلِفِهِ (١)،
ــ
=وقال بعض أهل العلم (١) يجوز بيع الكلب المعلم ويكون ثمنه من أجل تعليمه.
قلت: وهذا هو الأظهر عندي.
- فائدة: «يجوز أن يتنازل عن الكلب لشخص أو يهبه إليه»: وإن أعطاه إكرامية في مقابل إهداء الكلب له فلا بأس بها ولكن لا يكون بالبيع والشراء.
(١) قوله «وَلا يَجِبُ غُرُمُهُ عَلَى مُتْلِفِهِ»: أي لا غرامة على من أتلف كلباً لأنه ليس بمال ولا يملك.
وهنا مسألة لا بد منها وهي: لا يجوز إتلاف المال المحرم إلا لمن يكون في حوزته كمن يكسر معازف لأبنه أو يتلف خمراً أو دخاناً له أو غير ذلك مما هو محرم، وكذلك لا يجوز التعدي على الآخرين بإتلاف أموالهم المحرمة إلا لمن كانت له سلطة كحاكم أو نائبه، أما كون الناس يتلف بعضهم مال بعض لكون هذه الأشياء محرمة فهذا لا يجوز لأنه يحدث فوضى وإلقاء العداوة بين أفراد المجتمعات، وكون بعض الناس يقوم بتكسير محلات فيديو مثلاً أو محلات تبيع مجلات ينشر فيها الفساد أو يقوم بتكسير محلات تبيع الخمر وغير ذلك فهذا لا يجوز لأنه ليس موكولاً لأشخاص وإنما هو موكل إلى الحاكم أو السلطة النائبة عنه كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لكن ينبغي النصح لهم مراعياً في ذلك الرفق واللين والدعوة بالتي هي أحسن وغير ذلك من الوسائل التي ترقق قلوبهم لقبول الحق.
стр. 914
لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَقَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيْرَاطَانِ» (١)، وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوْكٍ لِبَائِعِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ مَالِكِهِ (٢)،
ــ
(١) قوله «لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَقَالَ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيْرَاطَانِ»: كما في الأحاديث المتقدمة، فإن باعه فالبيع باطل ويجب عليه رد المال لصاحبه.
(٢) قوله «وَلا يَجُوْزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوْكٍ لِبَائِعِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ مَالِكِهِ»: هذا هو الشرط الثاني في البيع فلا بد أن يكون المبيع مملوكاً للبائع لحديث حكيم بن حزام المتقدم.
وقوله «إلا بإذن مالكه» قد تقدم الكلام على بيع الفضولي وقلنا بأن الصحيح أنه إذا أجازه المالك صح البيع كما في حديث عروة بن الجعد البارقي ﵁ المتقدم حيث أجاز النبي ﷺ تصرف عروة حين اشترى له شاتين بدرهم فباع أحدهما بدينار فجاء بدينار وشاة.
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بشرط ملكية المبيع:
- الفائدة الأولى: يدخل في ذلك ما يكون في العقود الآجلة بأنواعها التي تجري في الأسواق المالية على المكشوف فتباع فيها السلع والأسهم، وهي ليست في ملك البائع اعتماداً على أنه سيشتريها فيما بعد ويسلمها للمشتري.
- الفائدة الثانية: ومن ذلك أيضاً ما تفعله بعض البنوك الربوية وبعض الشركات التي تبيع بالتقسيط، حيث تقوم بإجراء العقد مع المشتري ببيعه سلعة معينة وهي لم تملكها بعد، ثم تقوم بشرائها وتسليمها له.
- الفائدة الثالثة: الوعد بالشراء كشراء سلعة لم تكن موجودة عند البائع فتقوم
الشركة أو المصرف أو شخص من الأشخاص بشراء هذه السلعة وقبضها ثم=
стр. 915
أَوْ وِلايَةٍ عَلَيِهِ (١)، وَلا بَيْعُ مَا لا نَفْعَ فِيْهِ كَالْحَشَرَاتِ (٢)،
ــ
=يجري العقد بعد الشراء والقبض فهذا لا حرج فيه، وإن اشترط البائع أخذ عربون إلى وقت الشراء لكي لا يخلف المشتري وعده بعد شراء البائع للسلعة فلا بأس بذلك وسيأتي إن شاء الله حكم بيع العربون.
(١) قوله «أَوْ وِلايَةٍ عَلَيِهِ»: من يقوم مقام المالك أربعة أصناف وهم الوكيل والوصي والولي والناظر فهؤلاء هم الذين يقومون مقام المالك وهل بينهم فرق؟ نقول نعم، فالوكيل من أذن له بالتصرف في حال الحياة، والوصي من أذن له بالتصرف بعد الموت، والولي من يتصرف لغيره بإذن الشارع، والناظر من جعل على الوقف. وقوله «أَوْ وِلايَةٍ عَلَيِهِ» كالولاية على اليتيم أو السفيه أو امرأة فهذا يجوز أن يتصرف في مال هؤلاء بالبيع والشراء مع مراعاة العمل بالأحظ لهم في البيع والشراء.
- فائدة: هل يجوز للولي أن يبيع من مال هؤلاء لنفسه؟
قال بعض الفقهاء في هذه المسألة: أنه إن كان متهماً فلا يجوز وإلا جاز له ذلك، وهذه إحدى المسائل التي يتولى فيها الشخص نفسه طرفي العقد، فله «الإيجاب والقبول» في الولاية في البيع، وهكذا ولي اليتيمين في نكاحهما، والأحوط عندي ألا يبيع لنفسه مطلقاً سواءً كان متهماً أو غير متهمٍ.
(٢) قوله «وَلا بَيْعُ مَا لا نَفْعَ فِيْهِ كَالْحَشَرَاتِ»: هذا هو الشرط الثالث؛ فلابد أن يكون المبيع فيه منفعة، فلا يجوز بيع ما ليس فيه نفع كالحشرات وغيرها لأن العوض فيها إضاعة للمال في غير وجهه وقد نهى الله تعالى عن الإسراف والتبذير ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال وقد تقدم ذلك، فإذا كان بها نفع كالنحل ودودة القز وغيرها صح البيع.