Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الشرك في القديم والحديث
تأليف
أبو بكر محمد زكريا
الجزء الأول
مكتبة الرشد الرياض
стр. 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣١ هـ - ٢٠٠٠ م
مكتبة الرشد للنشر والتوزيع
стр. 3
أصل هذا الكتاب
رسالة علمية نال بها الباحث درجة "الماجستير" بتقدير ممتاز من شعبة العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بتاريخ ١١/ ١١/ ١٤١٨ هـ
تحت إشراف فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور أحمد بن عطية الغامدي
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً).
أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد:
стр. 5
فإن أفضل العلوم نفعاً، وأعلاها مرتبة ومنزلة هو العلم بما يجب على العبد لربه، وإلهه ، من توحيد الله في ربوبيته، وأسمائه وصفاته، وألوهيته، ومن أجل ذلك خلق الله الخلق، وبعث الرسل، وأنزل الكتب، فعلم التوحيد أشرف العلوم وأفضلها على الإطلاق، وهو حق الله على عباده أجمعين، ولهذا خلق عباده مفطورين على الإقرار به.
ولكن الشياطين تجتالهم عن الصراط السوي، وذلك يرميهم فيما يضاده ويناقضه، فكان واجباً أن يعرف ما يضاد هذا التوحيد ويناقضه لأن الأشياء تتبين بأضدادها، ألا وهو الشرك بالله، ولهذا نرى الله غالباً يذكر التوحيد ويذكر معه ما يقابله، واشترط لصحة التوحيد اجتناب الشرك، كما أن الله ﵎ اشترط بقبول الأعمال ولدخول الجنة ولغفران الذنوب: اجتناب الشرك، واشترط لمن يرجو لقاءه أن لا يشرك به شيئاً.
فمن اجتنب الشرك في أعماله وأقواله وعصم نفسه عن أدرانه فقد هدي إلى صراط مستقيم، ويرجى له غفران الذنوب من الله الكريم. (ونسبة الشرك من التوحيد نسبة الليل من النهار والعمى من الإبصار، يعرض للأمم الموحدة كما يعرض الظلام للضياء، ويطرأ عليها كما تطرأ الأسقام على الأجسام، غير أن الظلام باعث لنور الأبصار لإفادة الراحة للأشباح، أما الشرك فعلة لنوم البصائر الموجب لشقاء الأرواح، وإذا كان حفظ الصحة بالغذاء والدواء فإن حفظ التوحيد بالعلم والدعوة، ولا يحفظ التوحيدَ علمٌ كعلم الكتاب والسنة، ولا تجلي الشرك دعوة كالدعوة بأسلوبهما).
стр. 6
وإذا كان تشخيص دواء الجسد يتم بمعرفة دائه، فإن حفظ التوحيد كامن في معرفة الشرك وأنواعه.
ولهذا نرى أن الله لما خلق الناس فطرهم على توحيده، وكلما حادوا عن هذا الطريق بعث من يهديهم ويرشدهم بلطف إلى صراطه القويم، وأنزل معهم ما لو اتبعوه لم يقعوا في الضلال الذي يؤدي إلى الجحيم.
فالدفاع عن التوحيد برد أنواع الشرك هذا مسلك الأنبياء والرسل الكرام أجمعين، ولهذا اخترت موضوع رسالتي بعنوان: (الشرك في القديم والحديث)؛ سائلاً المولى القدير أن يكون لي معيناً في كل صغير وكبير.
أسباب اختيار الموضوع:
تتجلى أسباب اختيار الموضوع من خلال أهمية الموضوع، وقد سبق استعراضها، وهناك أسباب أُخر، من أهمها ما يلي:
أولاً: أحببت أن أبيِّن حقيقة الشرك الذي وقعت فيه الأمم السابقة من خلال ما بينه الله عنهم في كتابه والرسول ﷺ في سنته، وما عرف عنهم من خلال دعوة الرسل.
ثانياً: رأيت أن أذكر الصور الشركية التي كانت عليها العرب قبل الإسلام وأسباب ذلك، وكيف كانت مقاومة النبي ﷺ لها.
ثالثاً: كما أردت أن أقارن بين ما كان عليه الأمم السابقة من أنواع الشرك وما وقعت فيه هذه الأمة، حتى يتضح الحق من خلال البحث، ويكون رادعاً لأولئك القبوريين الذين انتشروا في الديار شرقاً وغرباً.
رابعاً: أحببت إيراد الصور الجديدة للشرك الموجود في العصر الحاضر،
стр. 7
ولا ينتبه الناس إليها؛ إما لجهلهم وإما لما عندهم من الشبه أو الحجب الكثيفة أمام أعينهم.
خامساً: أحببت أن يكون هذا البحث بمثابة الرد على المتكلمين من الفلاسفة وأفراخهم من الأشعرية والماتريدية الذين حصروا سعيهم في إثبات توحيد الربوبية تحصيلاً للحاصل، وأردت إظهار الحق أمامهم بأن الأنبياء والرسل إنما بعثوا لأجل توحيد الألوهية، وأن الأمم السابقة في حقيقة الأمر وقعوا غالبًا في الشرك الذي هو ضد توحيد الألوهية لا في ضد توحيد الربوبية.
ولما كان الموضوع يحتوي على جزئيات كثيرة، أحببت أن تكون خطة رسالتي هذه كالتالي:
عنوان الموضوع: الشرك في القديم والحديث.
الخطة:
وهي مكونة من مقدمة، وتمهيد، وستة أبواب، وخاتمة.
أما المقدمة ففيها بيان أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، والخطة والأسلوب الذي اتبعته في كتابة الرسالة، والشكر والتقدير.
أما التمهيد ففيه مسائل ثلاثة:
الأولى: معنى التوحيد وأنواعه.
الثانية: معنى الشرك وأنواعه.
الثالثة: هل الأصل في بني آدم التوحيد أم الشرك؟
أما الباب الأول: ففي شرك الأمم السابقة، وتحته فصول:
الفصل الأول: في بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه.
الفصل الثاني: في بيان وقوع الشرك في الأمم السابقة، وتحته مباحث:
стр. 8
المبحث الأول: في بيان الشرك في قوم نوح ﵇.
المبحث الثاني: في بيان الشرك في قوم هود ﵇.
المبحث الثالث: في بيان الشرك في قوم صالح ﵇.
المبحث الرابع: في بيان الشرك في قوم إبراهيم ﵇.
المبحث الخامس: في بيان الشرك في قوم لوط ﵇.
المبحث السادس: في بيان الشرك في قوم يوسف ﵇.
المبحث السابع: في بيان الشرك في قوم شعيب ﵇.
المبحث الثامن: في بيان الشرك في أمم أهلكوا بعامة قبل موسى ﵇.
المبحث التاسع: في بيان الشرك في قوم موسى ﵇.
المبحث العاشر: في بيان الشرك في قوم إلياس ﵇.
المبحث الحادي عشر: في بيان الشرك في قوم عيسى ﵇.
الفصل الثالث: في بيان أنواع الشرك التي وقعوا فيها. وفيه مبحثان:
المبحث الأول: هل أشركوا في الربوبية؟
المبحث الثاني: شرك العبادة في الأمم السابقة.
أما الباب الثاني: ففي بيان الشرك في العرب في الجاهلية وأسباب ذلك. وتحته فصلان:
الفصل الأول: أن العرب كانوا على دين إبراهيم ﵇ قبل الوثنية.
الفصل الثاني: متى كان ظهور الشرك فيهم وبيان سببه. وتحته مبحثان:
المبحث الأول: في بيان شرك العرب في الجاهلية. وتحته مطالب:
المطلب الأول: في بيان أول من روج الشرك في العرب. وبيان
стр. 9
أحواله.
المطلب الثاني: الشرك في العرب. وتحته فروع:
الفرع الأول: المشركون من العرب في الربوبية.
الفرع الثاني: المشركون من العرب في الألوهية.
المطلب الثالث: أنواع العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم.
المطلب الرابع: طبيعة اعتقاد الجاهليين تجاه معبوداتهم.
المبحث الثاني: أسباب الشرك قديماً.
الباب الثالث: الشرك في هذه الأمة. وفيه فصول:
الفصل الأول: خوف الرسول ﷺ من وقوع الشرك في هذه الأمة والتحذير منه. وتحته مباحث.
الفصل الثاني: في بيان سده ﷺ جميع الطرق المؤدية إلى الشرك. وتحته مباحث.
الفصل الثالث: في بيان إخفاء الشرك على كثير من الناس حتى وقعوا فيه. وتحته مباحث.
الباب الرابع: مظاهر الشرك في العصر الحديث. وتحته فصول:
الفصل الأول: مظاهر الشرك بالله في الربوبية في هذه الأمة. وتحته مبحثان:
المبحث الأول: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالتعطيل. وتحته مطالب.
المبحث الثاني: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد. وتحته مطالب.
الفصل الثاني: مظاهر الشرك بالله في الألوهية والعبادة. وتحته مباحث.
стр. 10
المبحث الأول: مظاهر الشرك بالله في الألوهية بالأعمال القلبية الخالصة.
المبحث الثاني: مظاهر الشرك بالله في الألوهية بالأعمال القلبية التي تؤدى بالجوارح.
المبحث الثالث: مظاهر الشرك بالله في الألوهية بالأقوال القلبية.
المبحث الرابع: بيان أهم شبهات القبوريين وردها.
الفصل الثالث: وجوب الإخلاص والحذر من الشرك.
الباب الخامس: المقارنة بين شرك القديم والحديث. وفيه فصلان:
الفصل الأول: المقارنة من حيث أنواع الشرك.
الفصل الثاني: المقارنة من حيث توافق أسباب الشرك في القديم والحديث.
الباب السادس: في بيان بطلان الشرك بأوضح الأدلة. وفيه فصول:
الفصل الأول: تنوع دلالات القرآن على قبح الشرك وبطلانه. وتحته مباحث.
الفصل الثاني: تنوع دلالات السنة على قبح الشرك وبطلانه.
الفصل الثالث: تنوع دلالات الفطرة والعقل على قبح الشرك. وتحته مباحث.
الخاتمة: وفيها بيان أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث.
هذا، وقد سلكت في كتابة هذه الرسالة المسلك التالي:
١ - عزوت الآيات القرآنية الواردة في صلب الرسالة إلى سورها بذكر رقم
стр. 11
الآية واسم السورة، ولم أفرق في ذلك بين الآية الكاملة والجزء من الآية.
٢ - خرّجت الأحاديث والآثار من مصادرها، فإن كان الحديث من أحد الصحيحين أو فيهما، أخرجه منه أو منهما، وإن لم يكن في الصحيحين أو أحدهما خرجته من كتب السنة المعتمدة الأخرى التي ورد فيها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ثم أتبعت ذلك بما ظفرت به من أقوال العلماء المتخصصين في هذا الشأن للحكم على الحديث، وإن لم أجد تجشمت إلى دراسة السند والحكم على السند ما أمكن حسب اجتهادي.
٣ - رجعت في جمع المادة العلمية إلى المصادر الأصلية ما أمكن ذلك، وعند عزو الأقوال إلى أصحابها فإني أوثق نسبة القول من صاحب هذا القول ما أمكن ذلك، فإن لم يكن فإني أوثق النسبة من أوثق كتب أصحاب الأقوال المعتمدة الذين قد عرفوا بالثقة والأمانة والتثبت في النقل.
٤ - ذكرت اسم المؤلف أولاً، ثم اسم الكتاب في جميع الرسالة من غير اقتصار.
٥ - إذا نقلت من كتاب بالنص أحلت إلى الكتاب في الحاشية بذكر اسم المؤلف أولاً ثم اسم الكتاب.
٦ - إذا نقلت من كتاب بالمعنى أو بتصرف يسير أو جمعت كلاماً وألّفت بينه من أكثر من كتاب، فإني أحيل إلى هذا الكتاب أو هذه الكتب: بقولي: انظر ما قال، أو انظر ما ذكر فلان، أو مثل هذه العبارة التي تؤدي الغرض.
٧ - ربطت المعلومات السابقة باللاحقة والعكس بواسطة الإحالات في الهامش.
٨ - إذا ذكرت مسألة عقدية فإني حاولت أن أذكر القول الصحيح فيها،
стр. 12
وأستدل له مع مناقشة الأقوال الأخرى حسب ما يقتضيه المقام.
٩ - ترجمت لجميع الأعلام الواردة في الرسالة ما عدا المستشرقين وبعض الجاهليين الذين لم أعثر لهم على ترجمة. كما أني لم أترجم للخلفاء الأربعة مكتفيًا بشهرتهم لدى الجميع.
١٠ - عرفت المصطلحات والألفاظ الغريبة الواردة في الرسالة التي رأيت أنها بحاجة إلى التعريف عند أول ذكر لها، وقد أوخر التعريف إذا رأيت المصلحة داعية إلى ذلك، كأن كان المكان المتأخر أليق بالتعريف، وذلك كما لو كان المصطلح ذكر في الموضع الأول تبعًا وفي الموضع الثاني أصلاً.
١١ - وضعت فهارس علمية في نهاية البحث لتسهيل الاستفادة منه. وهي كالتالي:
* فهرس الآيات القرآنية.
* فهرس الأحاديث النبوية.
* فهرس الآثار.
* فهرس الأعلام المترجم لهم.
* فهرس الفرق.
* فهرس الألفاظ الغريبة.
* فهرس الأبيات الشعرية.
* فهرس المصطلحات.
* فهرس المصادر والمراجع.
* فهرس المحتويات.
стр. 13
الشكر والتقدير:
عملاً بقوله تعالى: (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) أشكر الله ﵎ على آلائه العظيمة، ونعمه التي لا تعد ولا تحصى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) وفي مقدمتها نعمة الإيمان والإسلام وشرف الانتساب إلى طلب العلم الشرعي على منهج أهل الحديث أهل السنة والجماعة، لا سيما في مدينة الرسول ﷺ ، وفي هذه الجامعة المباركة، فلله الحمد من قبل ومن بعد.
ثم إنني عملاً بقول النبي ﷺ : ((من لا يشكر الناس لا يشكر الله)) أتقدم بخالص الشكر والتقدير لوالدي ـ حفظه الله ـ الذي ربّاني في حجره ودرست على يديه الكتب الستة المشهورة، وأوصاني بأخذ الحق أينما وجد.
كما أتقدم بخالص الشكر والتقدير لجميع أساتذتي ومشايخي الذين أسهموا في غرس محبة العلم وأهله في نفسي، وشاركوا في توجيهي إلى منهج السلف الصالح في الاعتقاد والعمل، والذي كان له الأثر الواضح في تحقيق هذا الجهد، وإخراجه في شكل رسالة علمية سلفية ـ إن شاء الله ـ فجزاهم الله خيرًا، وأدام النفع بعلمهم.
وأخص بالذكر منهم فضيلة الشيخ / عبد الله محمد الغنيمان حفظه الله،
стр. 14
الذي تعرفت عليه في هذه الجامعة في أول الأمر، ووفقني الله لملازمته في حلقاته ودروسه، والذي أشار إليّ بهذا الموضوع، وخطط لي الخطة بيده. فجزاه الله كل خير، وسدد له خطاه.
ثم أخص بالشكر الجزيل شيخي وأستاذي فضيلة الدكتور الأستاذ/ أحمد عطية الغامدي ـ حفظه الله ـ لأجل إحسانه عليّ بقبول الإشراف ولتضحيته بكثير من وقته الغالي النفيس، ولتعهدي ومتابعتي خطوة خطوة، أثناء عملي في إعداد هذه الرسالة، وصبره على ذلك، كما أشكره على إرشاداته القيمة وتوجيهاته السديدة التي كان لها الأثر الطيب في إنارة الطريق إلى إنجاز هذه الرسالة.
فيعلم الله كم من الأماكن صححه الشيخ بيده الطيبة، وكم من المعضلات ذكر لي الشيخ حلها من علومه الغزيرة، فقد كان الشيخ يشرف عليّ في بعض الأسابيع أكثر من أربع مرات حرصاً منه على إخراج الرسالة في أتم وجه وأكمله. فجزاه الله عني خير الجزاء، وأجزل له المثوبة، وختم له بالصالحات، وجعل هذا العمل في ميزان حسناته يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
كما أتوجه إلى الله بالدعاء لفضيلة شيخي وأستاذي الدكتور/ صالح بن سعد السحيمي ـ حفظه الله ـ الذي لم يضن بالإجابة عن كل ما أشكل عليّ من المسائل.
كما أشكر كل من ساعدني في كتابة هذه الرسالة من أساتذتي وإخواني، أخص منهم بالذكر شيخي وأستاذي/ سعود بن عبد العزيز الخلف ـ حفظه الله ـ الذي أعطاني من مكتبته كل ما طلبته، أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى
стр. 15
وصفاته العلى أن يُبارك في علمه وصيته، ويغفر له جميع ذنوبه.
ثم أشكر القائمين بالجامعة الإسلامية وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ـ وحكومته الراشدة، التي ترعاها لتكون نموذجًا للعقيدة السلفية النقية الصافية، تضيء بالعلم أنحاء العالم الإسلامي، فقامت ولا زالت تقوم بنشر العقيدة السلفية الصحيحة المبنية على الكتاب والسنة، نابذة للشرك والبدع والخرافات، فجزى الله القائمين عليها خير الجزاء ووفقهم لكل خير.
وأشكر فضيلة الشيخين الكريمين، فضيلة الشيخ الدكتور/ عبدالله بن سليمان الغفيلي حفظه الله، والشيخ الدكتور/ محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الشظيفي الجهني حفظه الله، لقبولهما عناء قراءة هذه الرسالة، وتقويمها ومناقشتها، أسأل الله أن يجزل لهم مثوبتهم، إنه على ذلك قدير.
وبعد، فهذا عمل البشر فهو متعرض للخطأ والصواب، فما كان فيه من الهدى والصواب فهو من الله وحده، وما كان فيه من خطأ فهو مني ومن الشيطان، وأستغفر الله ربي وأتوب إليه، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وأسأل الله المولى العظيم رب العرش الكريم أن يتقبله خالصًا لوجهه الكريم ويغفر زلاتي وسيئاتي وهفواتي، إنه عفو كريم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 16
التمهيد
فيه مسائل ثلاثة:
الأولى: معنى التوحيد وأنواعه.
الثانية: معنى الشرك وأنواعه.
الثالثة: هل الأصل في بني آدم التوحيد أو الشرك؟
стр. 17
المسألة الأولى
معنى التوحيد وأنواعه
معنى التوحيد لغة:
التوحيد: مصدر للفعل الثلاثي المزيد بتضعيف عينه، يقال: وحّد يوحّد توحيدًا أي جعله واحداً، فهو على وزن تفعيل تعني الوحدة، والانفراد، والتفرد، والحكم والعلم بأن الشيء واحد.
والمقصود من التفعيل: نسبة كالتصديق لا للجعل، فمعنى وحّدت الله: نسبته إلى الوحدانية لا جعلته واحدًا؛ لأن وحدانيته صفة، لا بجعل جاعل، أمّا التوحيد فهو فعل المكلف هي مأخوذة من الوحدة، وذلك مبني على أن المعبود ـ جل وعلا ـ واحد في حقوقه الواجبة على العباد، كما أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، يقال: أتيته وحده وجلس وحده أي منفرداً، وفلان لا واحد له وواحد دهره أي لا نظير له.
والله الواحد الأحد: المتفرد بالذات والصفات في عدم المثل والنظير، وأحّد الله ووحّده أي نسبه إلى الوحدة والانفراد. فهو سبحانه متفرد في ذاته وصفاته وأفعاله.
فالكلمة تدور حول الوحدة والانفراد والتفرد.
стр. 18
معنى التوحيد شرعاً:
ذكره السلف في كتبهم بعبارات مختلفة ـ وإن كان المآل واحدًا ـ فمن تلك العبارات ما يلي:
أ - (إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتًا وصفاتًا وأفعالاً).
ب - (العلم والاعتراف بتفرد الرب بصفات الكمال والإقرار بتوحده بصفات العظمة والجلال، وإفراده وحده بالعبادة).
وبعض العلماء عرفه بالتقسيم فقال:
ج - (هو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد، فالأول هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلوه فوق سمواته على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه ...
والنوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ... ).
د - التوحيد هو اعتقاد (أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له فيها).
هـ - (علم العبد واعترافه واعتقاده وإيمانه بتفرد الرب بكل صفة كمال، وتوحيده في ذلك واعتقاد أنه لا شريك له في كماله وأنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين).
стр. 19
و- (اعتقاد أنه إله واحد لا شريك له، ونفي المثل والنظير عنه، والتوجه إليه وحده بالعبادة ... ، وانفراده بما له من ذات وصفات وعدم مشاركة غيره له فيها، فهو واحد في إلهيته فلا إله غيره، وواحد في ربوبيته فلا رب سواه، وواحد في كل ما ثبت له من صفات الكمال التي لا تنبغي إلا له).
ففهم من هذه العبارات أن التوحيد هو: إفراد الله تعالى في ربوبيته وإفراده في ذاته وصفاته وأسمائه، وإفراده في ألوهيته وعبادته، وبهذا يتحصل لنا الأجزاء الثلاثة للتوحيد، وهي:
١ - توحيده بالربوبية.
٢ - توحيده بالأسماء والصفات.
٣ - توحيده بأفعال العباد. (بالألوهية).
مفاهيم ضالة في باب التوحيد
رغم وضوح معنى التوحيد في الكتاب والسنة فقد ضل فيها عدة طوائف، فمنهم من خرج بمفهومه عن الإسلام، ومنهم من فهمه فهمًا خاطئًا، ومنهم من فهم بعض أجزائه.
إليك فيما يلي بعض هذه المفاهيم الخاطئة مع مناقشتها:
١ - طوائف الفلاسفة: فالتوحيد عندهم (إثبات وجود مجرد عن
стр. 20
الماهية والصفة بل هو وجود مطلق).
وهذا المعنى يظهر في قولهم ـ كما هو نص ابن سينا ـ: (إن وجود الباري وجود معقول) أي وجود مجرد، وقولهم: (فإن واجب الوجود لا حد له، ويتصور بذاته لا يحتاج في تصوره إلى شيء).
وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه درء تعارض العقل والنقل، ومنهاج السنة النبوية، والصفدية، الرد على أقوالهم، فأثبت بالحجج والبراهين أنها باطلة، فإن من عرف حقيقة قولهم ـ أي الفلاسفة ـ علم يقينًا أنهم لم يؤمنوا بالله ولا برسله ولا بكتبه ولا بملائكته ولا باليوم الآخر، فإن مذهبهم: أن الله موجود لا ماهية له ولا حقيقة، بمعنى أن
стр. 21
وجوده ذهني مجرد.
فحقيقة قولهم إذن: إنكار وجود الله؛ لأن معنى كلامهم هذا أنه شيء خيالي لا وجود له في الخارج، ومنشأ ضلالهم: عدم التفريق بين الوجود المجرد في الذهن ووجوده في الخارج، فإن الوجود المجرد ليس بشيء في الخارج.
٢ - طائفة المعتزلة: وهذه الطائفة تقول: (إن التوحيد هو ما يصير به الواحد واحدًا). وإذا قلنا بتوحيد الله فمعناه كونه واحدًا، والله لا يوصف بأنه واحد إلا من حيث كونه قديمًا، فالقدم أخص وصف له في زعمهم.
قال الجبائي: إن القديم يوصف بأنه واحد على ثلاثة أوجه. أحدها: بمعنى أنه لا يتجزأ ولا يتبعض، والثاني: بمعنى أنه متفرد بالقدم لا ثانية فيه، والثالث: أنه متفرد بسائر ما يستحقه من الصفات النفسية من كونه قادراً لنفسه، وعالماً لنفسه، وحيًا لنفسه، وعلى هذين الوجهين يمدح بوصفنا له: بأنه واحد لاختصاصه بذلك دون غيره.
стр. 22
وهذا الكلام غير صحيح؛ لأن هناك من يوصف بالقدم غير الله تعالى، بل الله لا يوصف به، وإنما يخبر عنه بأنه قديم، وباب الإخبار أوسع من باب الصفات، كما قال ابن القيم: (إن ما يدخل في باب الإخبار عنه أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته ... فإنه يخبر عنه، ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا).
ولأن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم، للعتيق، وهذا حديث، للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم كما قال تعالى: (كالعرجون القديم)، والعرجون القديم الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول: قديم.
قال الحافظ: (قد سمى المعتزلة أنفسهم (أهل العدل والتوحيد) وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوا من نفي الصفات الإلهية لاعتقادهم أن إثباتها يستلزم التشبيه، ومن شبه الله بخلقه أشرك، وهم في النفي موافقون للجهمية).
стр. 23
بناء على ما تقدم من الأقوال فيه: فالتوحيد عندهم: إثبات وجود الله مجردًا عن الصفات التي أثبتها لنفسه في كتابه وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته.
٣ - طوائف المتصوفة: فإن هؤلاء المتصوفة وقفوا من التوحيد الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه موقفًا معاديًا تمامًا، ويتمثل ذلك في الأقوال الآتية:
يقول بعضهم: لا يمكن التعبير عن التوحيد بل هو شيء خيالي ومن عبر عنه فقد أشرك وكفر.
يقول الشبلي: (ويحك من أجابك عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه فهو ثنوي، ومن أومأ إليه فهو عابد وثن، ومن نطق به فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن توهم أنه واصل فليس حاصل)، وقال أيضاً: (ما شم روائح التوحيد من تصور عنده التوحيد)، ويقول آخر: (فمن وحد ونعت فقد عين قضية ثلاثية: من موحد محدث هو نفسه، وموحد قديم هو معبوده، وتوحيد حديث هو فعل نفسه).
وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (قول المتصوفة: إنه لا تصح العبارة عن التوحيد، كفر بإجماع المسلمين، فإن الله قد عبر عن توحيده
стр. 24
ورسوله عبر عن توحيده والقرآن مملوء من ذكر التوحيد، بل إنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب بالتوحيد، قال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ)، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، ولو لم يصح عنه عبارة لما نطق به أحد. وأفضل ما نطق به الناطقون هو التوحيد، كما قال النبي ﷺ : (أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله)) ... ).
وهناك طائفة أخرى من المتصوفة ترى أن التوحيد يمكن أن يعبر عنه بالعبارة ولكنهم على اختلاف فيما بينهم، فمثلاً:
طائفة الاتحادية: قالوا في التوحيد: هو أن يعتقد أن الحق المنزه هو عين الخلق المشبه، وأنه تعالى هو عين وجود كل موجود، وليس لوجوده غيره، ولا شيء سواه ألبته.
وقولهم هذا ظاهر البطلان من وجوه:
١) قال شيخ الإسلام: إن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده لا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر، وإنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا
стр. 25
يفهمون قولهم وقصدهم لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة، بل وهم أيضًا لا يفهمون حقيقة ما يقصدونه ويقولونه، ولهذا يتناقضون كثيرًا في قولهم فإن حقيقة قولهم: أنه سبحانه هو عين وجود كل موجود، وحقيقته وماهيته، فالتعدد: بوجود اعتبارات وهمية، لا بالحقيقة والوجود، فهو عندهم عين الناكح وعين المنكوح، وعين الذابح وعين المذبوح، ومن فروعه: أن فرعون وقومه مؤمنون كاملو الإيمان، عارفون بالله على الحقيقة، وعباد الأصنام على الحق والصواب، وأنهم عبدوا عين الله لا غيره، وهكذا.
ثم إن هؤلاء بعدما اتفقوا على أن الوجود في نفسه شيء واحد، وأن الكثرة إنما هي في التعيينات، اختلفوا في نسبة ذلك الوجود الواحد إلى تلك التعيينات، فذهب بعضهم إلى أنها من نسبة الكل إلى أجزائه، وذهب البعض منهم إلى أنها من نسبة الكلي إلى جزئياتها، أي أن هذه الكثرة البادية
стр. 26
في الموجود كثرة نوعية، والوجود المطلق الكلي جنس. مثلاً أن الحيوان جنس تحته أنواع: هي الإنسان والفرس والجمل ... إلخ، وذهب أكفرهم وأشدهم افتراءً إلى أن الوجود كله شيء واحد في نفسه لا تكثر ولا تعدد فيه أصلاً، وأما هذه الكثرة التي نراها بأعيننا إنما هي أغلاط الحس.
٢) أنهم بنوا على أصلهم أن وجود المخلوقات والمصنوعات حتى وجود الجن والشياطين والكافرين والفاسقين والكلاب والخنازير والنجاسات والكفر والفسق والعصيان عين وجود الرب، لا أنه متميز عنه منفصل عن ذاته، ووقعوا بذلك على اضطراب شديد؛ حيث إنهم يشهدون أن في الكائنات تفرقًا وكثرة ظاهرة بالحس والعقل.
٣) لا ريب أن قولهم هذا أكثر كفرًا من قول الحلولية، فإن الحلولية يثبتون وجودين ـ الحال والمحل بخلاف هؤلاء الاتحادية، ومع هذا فقد كفّر
стр. 27
كثير من السلف هؤلاء الجهمية ـ الذين يزعمون أن الله بذاته في كل مكان ـ فالذين لا يثبتون الوجود لله مجرداً عن خلقه أشد كفرًا من أولئك الجهمية، بل إن إلحاد هؤلاء المتأخرين وتجهمهم وزندقتهم تفريع وتكميل لإلحاد هؤلاء الجهمية الأولى وتجهمهم وزندقتهم.
٤) قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الخالق تعالى بائن من مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، والسلف والأئمة كفروا الجهمية لما قالوا: من أنه في كل مكان وكان مما أنكروه عليهم: أنه كيف يكون في البطون، والحشوش، والأخلية؟ تعالى الله عن ذلك، فكيف بمن يجعله نفس وجود البطون، والحشوش والأخلية، والنجاسات والأقذار! ؟
واتفق سلف الأمة وأئمتها: أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة: من شبه الله بخلقه فقد كفر، فكيف من جعله عين المخلوقات، وجعله نفس الأجسام المصنوعات؟ فتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وطائفة الحلولية: ترى أن التوحيد على ثلاثة أقسام: توحيد العامة وتوحيد الخاصة، وتوحيد خاصة الخاصة. ويريدون بتوحيد العامة قول: لا إله إلا الله، هذا هو التوحيد الظاهر الذي يصح بالشواهد، والشواهد هي الرسالة.
ويريدون بتوحيد الخاصة: الذي يثبت بالحقائق وهو إسقاط الأسباب
стр. 28
الظاهرة والصعود إلى منازلات العقول، وعن التعلق بالشواهد، وهو أن يشهد في التوحيد دليلاً، ولا في التوكل سببًا، ولا في النجاة وسيلة.
وأما المراد بتوحيد خاصة الخاصة فهو الذي اختصه الحق لنفسه واستحقه وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفة من صفوته وأخرسهم عن نعته، وأعجزهم عن بثه، والذي يُشار به إليه على ألسن المشيرين أنه إسقاط الحدث وإثبات القدم على أن هذا الرمز في ذلك التوحيد علة لا يصح ذلك التوحيد إلا بإسقاطها. فهذا الذي ذكره في التوحيد ليس له أي مستند لا في الكتاب ولا من السنة، بل هو عين الشرك؛ إذ هذا هو الحلول بعينه.
فهؤلاء الطوائف ضلوا في مباحث التوحيد الذي هو أشرف المباحث وأعلاها، فلم يهتدوا إلى معرفة توحيد الله (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ)، وضلال ما ذهبوا إليه واضح وضوح الشمس، وليس هذا مجال الإطالة في الرد عليهم، فإن من عنده مسكة من عقل يدرك ضلال ما هم عليه دون حاجة إلى إمعان فكر، فإنه من أشد الأمور مخالفة للعقل والفطرة، وسيأتي بعض الردود عليهم في الباب الرابع بمشيئة الله.
ولكن هناك طوائف أخرى لهم أقوال وآراء في التوحيد ما زالت تتردد في العالم الإسلامي، ولهذه الأقوال والآراء سلبيات في فهم كثير من قضايا العقيدة، مع كونهم أقرب الناس إلى أهل السنة في كثير من المباحث العقدية
стр. 29
الأخرى، وهم الأشاعرة، والماتريدية من طوائف أهل الكلام. وسأتعرض فيما يلي لأقوالهم في التوحيد بشيء من البسط والتفصيل.
فقد ضل الأشاعرة والماتريدية في هذا الباب، فلم يستطيعوا أن يأتوا بالتوحيد كما كان حقه، فعرفوا التوحيد ببعض مدلولاته (المعترف به لدى جمهور المشركين) وتركوا مدلوله الأصلي المبعوث لأجله الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ ألا وهو توحيده في الإرادة والقصد (توحيد الألوهية)، وإليك بعض أقوالهم:
* الأشاعرة: لهم تعريفات للتوحيد، منها:
ما قال الشهرستاني ـ وهو من أئمتهم ـ: (الواحد هو الشيء الذي لا
стр. 30
يصح انقسامه؛ إذ لا تقبل ذاته القسمة بوجه، ولا تقبل الشركة بوجه، فالباري تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له).
فهذا التعريف ـ كما ترى ـ خال عن توحيد الله بأفعال العباد الذي هو توحيد الألوهية، فلم يشمل ما لأجله بعثت الرسل، بل تخلى عن أساس الإسلام، فإن ما أثبته هو لم يخالف فيه إلا الشواذ من الناس في القديم والحديث.
ثم إن هذا التعريف فيه إجمال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأشهر الأجزاء عندهم هو الثالث وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع ـ[وهو قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا)، فإذا لم تفسدا فدل على أن الخالق واحد، مع أن الآية تدل على أنه لو كان هاهنا آلهة حقاً إلا الله لفسدتا، وليس المراد بالإله هو الخالق كما سيأتي] ويظنون أن هذا التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: (لا إله إلا الله) حتى إنهم يرون في معنى الإلهية أنها: القدرة على الاختراع، ومعلوم أن المشركين من العرب الذي بعث إليهم محمدٌ ﷺ أولاً لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بالقدر أيضاً، وهم مع هذا مشركون، فقد تبين أنه ليس في العالم من ينازع في
стр. 31
أصل هذا الشرك.
وكذلك النوع الثاني ـ وهو قولهم: (لا شبيه له في صفاته)، فإنه ليس من الأمم من أثبت قديمًا مماثلاً له في ذاته سواء قال: إنه يشاركه، أو قال: إنه لا فعل له؛ بل من شبه به شيئًا من مخلوقاته فإنما يشبهه في بعض الأمور، وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع عليه، فإن ذلك يستلزم الجمع الجمع بين النقيضين ... وعلم أيضًا بالعقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلابد أن يكون بينهما قدر مشترك كاتفاقهم في مسمى الوجود، والقيام بالنفس، والذات، ونحو ذلك، فإن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لابد من إثبات خصائص الربوبية.
وكذلك النوع الثالث وهو قولهم: (وهو واحد في ذاته لا قسيم له) أو لا جزء له، أو لا بعض له؛ لفظ مجمل، فإن الله سبحانه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فيمتنع عليه أن يتفرق ويتجزأ، أو يكون قد ركب من أجزاء؛ لكنهم يدرجون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد.
فقد تبين أن ما يسمونه توحيدًا: فيه ما هو حق، وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقاً؛ فإن المشركين إذا أقروا بذلك لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم به القرآن، وقاتلهم عليه الرسول ﷺ ؛ بل لابد أن يعترفوا أنه لا إله إلا الله). فهذا قول الأشاعرة.
* أما الماتريدية: فلهم تعريفات على نمط الأشاعرة منها:
стр. 32
١ - إثبات ذات غير مشبهة بالذوات ولا معطلة من الصفات.
٢ - معرفة الله بالربوبية ونفي الأنداد عنه جملة.
٣ - واحد في ذاته وواحد في صفاته، وخالق لمصنوعاته.
٤ - إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد.
٥ - هو اعتقاد الوحدانية في الذات والصفات والأفعال.
ومعلوم أن هذا التعاريف كلها خالية عن توحيد الألوهية.
الآثار المترتبة على اختلاف التعاريف
سبق بيان تعريف التوحيد لدى السلف والطوائف التي ضلت في هذا الباب. كما اتضح لنا أن هناك بعض الطوائف يكفي تصور مذهبهم في إبطالها، والنتائج الفاسدة التي تترتب على تعريفاتهم ظاهرة لدى الجميع.
ولكن هناك بعض الطوائف ـ وهم الأشاعرة والماتريدية ـ ما زالت لهم شوكتهم وقوتهم في أوساط المسلمين وهم كثر، فربما يخفى على الناس النتائج والآثار المترتبة على تعريفاتهم القاصرة، فأحببت أن أذكر هنا بعض هذه الآثار؛ حتى يتضح الفرق بين تعريف السلف وتعريفاتهم، ومدى
стр. 33
قصورهم في فهم التوحيد.
وهذا الأمر يتطلب معرفة حقيقة التوحيد لدى الفريقين.
فحقيقة التوحيد عند السلف: إثبات صفات الكمال له، وإثبات كونه فاعلاً بمشيئته وقدرته واختياره، وأن له فعلاً حقيقة، وأنه وحده هو الذي يستحق أن يُعبد ويُدعى، ويُخاف، ويُرجى، ويُتوكل عليه؛ فهو المستحق لغاية الحب بغاية الذل، وليس لخلقه من دونه وكيل ولا ولي ولا شفيع، ولا واسطة بينه وبينهم في رفع حوائجهم وفي تفريج كرباتهم وإجابة دعواتهم.
وذلك بأن ترى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الالتفات عن الأسباب والوسائط، فلا ترى الخير والشر إلا منه، وهذا الأمر يثمر التوكل وترك شكاية الخلق وترك لومهم، والرضاء عن الله، والتسليم لحكمه، فبذلك يعبده سبحانه عبادة يفرده بها ولا يعبد غيره. وهذا كله يتضمن شيئين:
١ - توحيده بالإرادة والقصد بحيث يكون هو الغاية دون سواه (توحيد الألوهية).
٢ - توحيده بالاستعانة والتوكل بحيث لا يتعلق القلب في جلب النفع أو دفع الضر بسواه.
وبمقابل ذلك إذا رأينا إلى حقيقة التوحيد عند الأشاعرة والماتريدية نراهم يقولون: إن حقيقة التوحيد هو (اعتقاد عدم الشريك في الألوهية ...
стр. 34
وخواصها).
وأرادوا الألوهية ـ كما صرحوا به ـ بأنه وجوب الوجود والقدم الذاتي بمعنى عدم المسبوقية بالغير وبخواصها مثل: تدبير العالم وخلق الأجسام واستحقاق العبادة والقِدم الزماني مع القيام بنفسه.
فظنوا أن التوحيد هو مجرد اعتقاد وحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن ذلك مفهوم الألوهية، كما قال بعضهم: (لما ثبت وحدانيته في الألوهية ثبت استناد كل الحوادث إليه، والألوهية: الاتصاف بالصفات التي لأجلها استحق أن يكون معبودًا وهي صفاته التي توحد بها سبحانه، فلا شريك له في شيء منها، وتسمى خواص الألوهية، ومنها الإيجاد من العدم، وتدبير العالم والغنى المطلق عن الموجب والموجد في الذات وفي كل من الصفات، فثبت افتقار الحوادث في وجودها إليه).
ومن كلامهم يظهر جليًا: أن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله هو اعتقاد تفرد الله ووحدانيته في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا فرق عندهم بين الإله والرب، ولا بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، بل هما بمعنى واحد، بل يظنون أنهما وصفات مترادفان، فبهذا التزموا أنه لا شرك بالتقرب إلى غير الله بالعبادة إلا إذا تضمن اعتقاد استحقاق المعبود للعبادة من دون الله، وأن المعبود متفرد بالخلق والتدبير، ولهذا لم يكن عندهم شرك في الطلب والعبادة إلا باعتقاد ما يضاد حقيقة الوحدانية لا بمجرد الشرك باتخاذ
стр. 35
الواسطة.
فالمتأمل في مناهج المتكلمين عمومًا يجد: أن التوحيد عندهم اعتقادي فقط، وأن الشرك في الإرادة إذا لم يتضمن الشرك في الاعتقاد لا يكون شركًا عندهم، فاتخاذ الوسائط بالسؤال والطلب عندهم ليس شركًا بمجرد طلب غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله ـ مثلاً ـ بل لابد أن يتضمن ذلك اعتقاد استقلالية المطلوب وقدرته على الاختراع الذي هو حقيقة الألوهية عندهم، وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ليس شركًا لذاته عندهم إلا إذا تضمن اعتقاد استحقاق العبادة لمن صرفت له.
أما ما جاء من إطلاق الشرك فيما يتعلق بشرك الطلب والعبادة والتقرب فلهم فيه تخريجان:
الأول: أن ذلك مقيد بشرك الاعتقاد لا بمجرد الإرادة والعمل.
الثاني: أن ذلك شرك ولكنه شرك أصغر، فهو من المعاصي.
يقول أحدهم في ذلك: (اجتمعت الأمة على أن الذبح والنذر لغير الله حرام، ومن فعلها فهو عاص لله ورسوله، والذي منع العلماء من تكفيرهم أنهم لم يفعلوا ذلك باعتقاد أنها أنداد لله).
ويقول الآخر: (من أين لكم: أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إذا دعا غائبًا أو ميتًا أو نذر له، أو ذبح لغير الله أن هذا هو الشرك الأكبر الذي من فعله حبط عمله وحل ماله ودمه؟ ولم يقل أهل العلم:
стр. 36
من طلب من غير الله فهو مرتد، ولم يقولوا: من ذبح لغير الله فهو مرتد).
وقد اشتد الخلاف بينهم وبين الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي ﵀ حين بيَّن لهم أنه كما يكون الشرك في الاعتقاد فإنه كذلك يكون باتخاذ الوسائط في الطلب، وفي التقرب إلى غير الله بالعبادة ولو لم تكن متضمنة الشرك في الاعتقاد.
ولازم كلامهم هنا: أن من تقرب إلى غير الله بالعبادة لا يكون مشركًا بذلك، بل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن بعض أتباع هؤلاء قد صرح بهذا، وأن منهم من كان يسجد للشمس والقمر والكواكب، ويصوم لها ويذبح، وهو يظن مع ذلك أن توحيده لم ينتقض.
سبب ضلال المتكلمين في باب التوحيد
المتكلمون ضلوا في باب التوحيد من جهتين اثنتين:
стр. 37
الأولى: ضلالهم في باب توحيد الأسماء والصفات.
ويرجع ضلالهم في هذا الباب إلى ما يلي:
١ - جعلهم ظواهر النصوص دالة على تشبيه الخالق بالمخلوق، ووجه ذلك عندهم أننا لا نشاهد متصفًا بالصفات المضافة إلى الله تعالى في النصوص إلا ما هو مخلوق حادث، فتكون لظواهر النصوص على هذا تشبيهًا، وهو غير مراد.
٢ - صرفهم لظواهر النصوص إما بتعطيلها وإما بتأويلها، وأصل كل ذلك تأثرهم بالفلاسفة وآرائهم الكلامية.
الثانية: ضلالهم في باب توحيد الألوهية
ويرجع أسباب ضلالهم في هذا الباب إلى سببين رئيسين هما:
١ - خطؤهم في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل.
٢ - خطؤهم في تصور معنى الرب والإله.
أما الأول وهو خطؤهم في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل:
(١) فإن التوحيد الذي أرسل به الرسل هو توحيده سبحانه بالعبادة؛ لأن النضال الواقع بين الرسل وأقوامهم كان في تحقيق هذا التوحيد، والقضية تحتاج إلى شيء من البسط والتفصيل، ولكني سأقتصر على الاستدلال بالمسلمات بين السلف والمتكلمين. فأقول:
لا شك أن كلمة التوحيد هي كلمة (لا إله إلا الله) ولا تصح إلا بالمتابعة وهي المقصودة بالجزء الثاني (أن محمدًا رسول الله)، فهذا شيء اتفق عليه السلف والمتكلمون، فإذا قالوا بذلك فقد خصموا؛ وذلك أن هذه الكلمة قد جاء تفسيرها في كثير من نصوص القرآن والسنة، بأنها بمعنى لا معبود بحق إلا الله،
стр. 38
والدليل على أن المراد بالتوحيد هو كلمة (لا إله إلا الله)، وأن معنى هذه الكلمة هي العبادة بما يلي:
أ- حديث معاذ عندما بعثه الرسول ﷺ إلى اليمن قال: ((إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى ... )) الحديث.
جاء في رواية: ((ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)).
وجاء في رواية أخرى: ((فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا ... )).
وفي رواية: ((فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)).
стр. 39
وفي رواية: ((فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ).
فهذه الروايات متفقة المعنى، فإن معنى شهادة أن لا إله إلا الله: توحيد الله بالعبادة، والبعد عن عبادة ما سواه، وهذا هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، ومن المتأكد أن أحد هذه الألفاظ أو جميعها صدرت من مشكاة النبوة.
فإن كان الثاني فالرسول ﷺ بيَّن معنى هذه الكلمة بأن المراد منها توحيد العبادة، وإن كان الأول فالصحابة بيَّنوا معناها بأن التوحيد هو العبادة.
ب - ومثل هذا ما جاء في حديث آخر رواه الإمام مسلم في صحيحه من قول النبي ﷺ : ((من وحد الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ).
وقد جاء الحديث في رواية أخرى بلفظ: ((من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حُرم ماله ودمه ... )).
وجه الاستدلال: أن الحديث جاء فيه تفسير التوحيد بالرواية الثانية.
ج - ومثل هذا ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((بُني الإسلام على خمس:
стр. 40
على أن يُعبد الله ويُكفر بما دونه، وإقام الصلاة ... )).
وقد جاء الحديث في رواية أخرى بلفظ: ((بُني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله وإقام الصلاة ... )).
وقد جاء الحديث في رواية أخرى بلفظ: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وإقام الصلاة ... )).
وجه الاستدلال: أن بعض هذه الروايات تفسر البعض الآخر، ففي بعضها لفظ التوحيد وفي بعضها تفسيره.
د - ومثل هذا ما جاء في حديث آخر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: دلني على عمل أعمله يُدنيني من الجنة ويُباعدني من النار، قال: ((تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتُقيم الصلاة ... )).
وجه الاستدلال: أنه ذكر في حديث واحد عبادة الله تعالى وعدم الشرك بالله فيها، فكأن كلمة (لا تشرك به شيئًا) بيان لمعنى عبادة الله المذكور في أول الحديث، فتضمن بيان معنى هذه الكلمة بأن المراد بها توحيده في العبادة، وأن العبادة إنما تتم بعدم الإشراك بالله فيها، وهو بعينه التوحيد المطلوب.
فعلم من هنا ثلاثة أشياء:
١) أنَّ لا إله إلا الله هو التوحيد.
٢) أنَّ التوحيد هو العبادة كما هو منصوص في الروايات.
следующие страницы →