← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

حامد الغزالي وما جاء في كتاب الغنية. ٢ - تشريع أذكار وصلوات على الرسول ما أنزل الله بها من سلطان، بألفاظ وهيئات معينة، وأجور مقدرة. معلوم من الشرع ضرورة: إن من أعظم العبادات وأكبر المطالب الدينية ذكر الله تعالى، فقد أمر الله تعالى به في غير ما آية من كتابه، ووعد الذاكرين بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. كما أوعد الغافلين عن ذكره في كثير من الآيات القرآنية. وكذلك أتت الأحاديث النبوية مؤكدة لما جاء في آيات القرآن الكريم ومبينة إجمالها وكيفيتها؛ لأن من لازم كونه رسولاً أن يكون مبلغاً لكل ما يوحى به إليه مفصلاً لكل ما يحتاج إلى ذلك؛ ولذا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)، وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ). فكان عمله ﷺ على مقتضى هذا الأمر فلم يترك شيئًا يقرب إلى الله إلا بلغه وبينه وحث عليه، ولا شيئًا يبعد منه إلا بلغه وبينه وحذر منه، الأمر الذي جعل المشركين في حيرة من أمرهم لما رأوا من استقصائه في تبليغ أوامر الله، حتى قالوا لصحابي: ((قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل)). وإذا تقرر هذا، فليعلم أن من بين الموضوعات التي حظيت بالبيان الشافي موضوع الأذكار والصلوات، فلم يترك ﷺ مجالاً من مجالات الذكر ولا موقعاً

стр. 1017

من المواقع التي يؤمر فيها بذكر معين إلا بين صيغة الذكر المطلوب في ذلك الظرف. وهكذا بالنسبة للصلاة على النبي ﷺ ؛ لما نزل الأمر بالصلاة على النبي ﷺ في القرآن أشكل على الصحابة فسألوه عن كيفيتها، فبين النبي ﷺ صيغها كما هو مألوف في الصلوات الخمس، وهناك عدد آخر من صيغ الصلاة علمها النبي ﷺ لأصحابه بناء على استفسار منهم. فالأذكار والصلوات توقيفية، لا مجال للاجتهاد فيها، ولا حاجة إلى الزيادة فيها، كما أن التحديد إذا لم يرد في الشرع به لا يحدد، كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ الذي فيه إنكاره ﵁ على الذين قالوا: سبحوا مائة، وكبروا مائة، وهللوا مائة، ولا يخترع الإنسان أجراً محددًا من تلقاء نفسه؛ لأن الأجر إنما مرده إلى الله، وليس لأحد أن يقول: إن في الشيء الفلاني أجر كذا إلا بالنص الوارد عن الله أو رسوله. ولا ينبغي أن يضاف إلى العبادات أي شيء من الكيفيات والهيئات التي لم ترد عن الشارع. ولكن ماذا ترى في المتصوفة؟ ستراهم قاموا بتشريع أذكار وصلوات لم ينزل بها قرآن، ولا نطق بها رسوله في السنة، ولا أرشد إليها، فمن هذه التشريعات ما يلي: أولاً: الذكر بلفظ المفرد: قال ابن عربي: (دخلت على شيخنا ... من أهل العيا، وكان مستهتراً بذكر الاسم المفرد (الله) لا يزيد عليه شيئًا، قلت له: يا سيدي، لم لا تقول: لا إله إلا الله؟ فقال لي: يا ولدي! الأنفاس بيد الله، ما هي بيدي، فأخاف أن يقبض الله روحي عندما أقول (لا) أو (لا إله) فأقبض في وحشة النفي. وسألت

стр. 1018

شيخًا آخر عن ذلك فقال لي: ما رأت عيني ولا سمعت أذني من يقول: (أنا الله) غير الله، فلم أجد من أنفي، فأقول كما سمعته يقول: الله، الله). هكذا تمادى المتصوفة في تجاوزاتهم وغلوهم فأباحوا للشيوخ أن يشرعوا لأنفسهم ولأتباعهم ذكراً غريباً لم يعرفه الجيل الأول من الصحابة والتابعين ومن تبعهم على السنة، بل ولا عرفه نبي الأمة ﷺ ؛ ألا وهو الذكر باللفظ المفرد مظهرًا كقولهم: الله، الله، الله، أو حي، حي، حي، أو مضمرًا كقولهم: هو، هو، هو، أو ها، ها، ها. وبدعية هذا النوع من الأذكار أمر واضح لا يحتاج إلى كثير بيان، بل هو ذريعة إلى ضلالات لا يعلم مداها إلا الله، حتى قال شيخ الإسلام: (وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهراً أو مضمراً فلا أصل له، فضلاً عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين، بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات، وذريعة إلى تصورات أحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد). والمتصوفة حاولوا الاستدلال على ذكرهم هذا بالقرآن والسنة. أما القرآن: فقد تشبثوا بقوله تعالى: (قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ). فزعمو أن معنى (قل الله) اذكر الله بهذا الاسم المفرد وهو استدلال باطل كما ذكره محققو الإسلام. وأما السنة: فحاولوا الاستدلال بقوله ﷺ : ((لا تقوم

стр. 1019

الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله)). ومعلوم أن هذا الذي ذهبوا إليه لم يذهب إليه أحد من شراح الحديث المشهورين. بل الحديث قد جاء في رواية أخرى عن نفس الراوي بلفظ: ((حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله)). ومعلوم أن الأحاديث تفسر بعضها بعضًا. ثانياً: تشريع صيغ مستقلة بأعداد معينة، وأجور مقدرة من قبل المتصوفة: يقول أحدهم: (إنه اجتمع بالخضر، فأعطاه وردًا يدعو به كل يوم سبعة آلاف مرة، ولفظه: (اللهم يا رب بجاه سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ اجمع بيني وبين سيدنا محمد بن عبد الله في الدنيا قبل الآخرة)). ويقول التيجاني: (الحرز اليماني ـ وهو دعاء السيفي ... ـ من فضله، أن من ذكره مرة تكتب له عبادة سنة، ومرتين بسنتين، وهكذا، ومن حمله معه كتب من الذاكرين كثيرًا ولو لم يذكر)، ويقول أيضًا عن صلاة الفاتح: (وليكن من جملة أورادكم التي تحافظون عليها بعد الورد هو لازم الطريقة: الحزب السيفي، وصلاة الفاتح لما أغلق، فإنهما يغنيان عن جميع الأوراد). ومعلوم أن مثل هذه الأوراد والصلوات ليس من دين الله من شيء، حيث لا

стр. 1020

يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، وليست من مدلولاتها ما تفيد أن لها أي أهمية أو قيمة، بل هي مجرد كلام، وجمل، ويستطيع كل واحد من بني آدم أن يخترع مثل هذا الكلام ويقول: إن لها من الفضل كذا وكذا. ثالثاً: القيام أثناء الذكر عند ذكر الولادة: معلوم من الدين أن القيام للتعظيم ليس من هدي النبي ﷺ ، والقيام إذا كان للتقديس فإنه يكون عبادة. وهؤلاء المتصوفة ـ والعوام في العالم الإسلامي ـ في الوقت الراهن يزعمون أن ذكر الميلاد من العبادة، وليس هذا إلا تشريع جديد في الدين، فعمل المولد من البدع المحرمة، والذين بدأوا به هم العبيديون الباطنيون (الفاطميون)، وهم الذين شرعوا مثل هذه المواليد، ومن كان يريد أن يكون المشرع له الباطنيون الملاحدة فليبك على دينه، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى: ترى المتصوفة ـ والغوغاء من الناس معهم ـ قد شرعوا تشريعًا جديدًا، وهو القيام تقديسًا للرسول، ومعلوم أن في هذا جمع بين شركين: الأول: شرك الربوبية بالأنداد في صفة التشريع، والثاني: شرك العبادة حيث وجهوا القيام المقدس لله جل شأنه وحده للرسول ﷺ . وأما اعتقاد بعضهم: أن الرسول يحضر مجالسهم فهذا من الاعتقادات الخطيرة في الدين، فالرسول ميت، وهو في عالم ليس في عالمنا، فكيف يمكن له الخروج من القبر؟ وكيف يمكنه الحضور في آن واحد في جميع مجالس المولد؟ وقبل كل هذا كيف يعلم الرسول بهذه المجالس؟ وكيف يعرف مكانها؟ هل هو عالم بالغيب؟ هذه تساؤلات لا يستطيع هؤلاء المتصوفة أن يجيبوا عنها، بل كل من عنده أدنى مسكة من عقل سليم يعرف أن

стр. 1021

هذا من البدع والخرافات. رابعاً: السماع والذكر: من تشريعات المتصوفة: السماع، وهو عبارة عن اللحن والموسيقى للرقص، والغناء والاستماع إليه. ويبدو أن السماع له وزنه واعتباده عند المتصوفة، فقد اهتم به مصنفو كتب القوم اهتماماً بالغاً، فأغلب من كتب في هذا المجال أعطى باباً مستقلًا أو فصلاً خاصاً لهذا الموضوع. فهؤلاء كلهم يرون أن السماع عبادة، وبهذا نصبوا أنفسهم في منزلة التشريع من دون الله، فإنه لا يعلم لهذا السماع أصل في الشرع. فاعتباره من العبادة ما هو إلا تشريع، وقد صرح بعضهم بأنه (مستحب). فهذا تصريح منهم بأنه عبادة، ولكن من شَرَّعه؟ لقد شرعته المتصوفة، فهم وقعوا في شرك الربوبية في صفة الحكم والتشريع. خامساً: تشريع هيئات في الذكر لم يرد بها الشرع، كالاجتماع للذكر: إن اشتراط الجماعة في الذكر والصلاة على النبي ﷺ محدث لم يكن معروفاً عند أصحاب رسول الله ﷺ ، وما لم يكن دينًا يومئذ لن يكون دينًا اليوم أو غدًا أو إلى يوم القيامة. ونقل الشعراني: أن أول مرة ابتدعت إضافة الاجتماع للذكر على الهيئة المعروفة وأسست مجالس الصلاة على النبي ﷺ في جميع العالم الإسلامي في سنة: ٩٤٤ هـ. ومعنى هذا: أن الناس منذ عهد النبي ﷺ حتى تلك السنة

стр. 1022

كانوا على هديه، فواظبوا على ذكر الله والصلاة على النبي ﷺ فرادى، من غير اشتراط الجماعة. وهذا الأمر لا ريب أنه ذم، وإن كان الشعراني لم يرد به إلا الثناء وذكر الأولياء. وقد سبق معنا بيان إنكار ابن مسعود ﵁ على القائلين: سبحوا مائة، وكبروا مائة، وهللوا مائة. ب- الطرق وما فيها من تشريعات صوفية: لقد وقعت المتصوفة في أنواع أخرى من الشرك في التشريع، نذكر من أهمها ما يلي: ١ - القول بوجوب المبايعة على طريقة من الطرق: واستدلوا على هذا القول ـ ظلماً وزوراً ـ بقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى). يقول أحدهم: (هو طاعة الأكابر من السادات والمشايخ). كما استدلوا بقوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ). يقول أحدهم: (وإذا كان الأتباع يدعوهم الله تعالى بأسماء مشايخهم ويدعو كل أهل طريقة إلى منازل شيخهم ويلحقهم بدرجته ظهر بأدنى تأمل أن أتباع ختم الأولياء ... لا يلحق درجتهم غيرهم). يقال في الرد عليهم: إن التفسير الذي ذكروه لهاتين الآيتين ليس لهم سبق

стр. 1023

بمثل هذا التفسير، بل هو تحريف للنصوص وليّها على غير مرادها اتباعًا للهوى. أما الآية الأولى فأين فيها وجوب المبايعة على طريقة من الطرق؟ وأما الثانية فالمراد من الآية عند المفسرين شيئان، هما: أ- صحف الأعمال. ب- من يقتدون ويأتمون به في الدنيا. أما على القول الأول فلا علاقة للآية بالناس، بل الآية تكلمت عن المرء وصحف أعماله. وأما على القول الثاني: فهل يريد أحد أن يكون إمامه غير النبي ﷺ ؟ فيكون إمام أتباع محمد ﷺ هو النبي ﷺ ، وإمام الكفرة، الكفار والملحدون، ومن ترك الائتمام بالنبي وفضل الائتمام بآخر غير النبي ﷺ فهو محروم في الدنيا والآخرة لا محالة. فلما لم يبق لهم أي متمسك بهاتين الآيتين علمنا أن الوجوب الذي قالوا به إنما هو تشريع من عند أنفسهم. ومن تشريعاتهم المتعلقة بالطرق: ٢ - القول بوجوب طاعة الشيخ طاعة عمياء: إن من الأمور المجمع عليها عند أهل السنة والجماعة أن السمع والطاعة المطلوبين شرعًا ليس الأمر فيهما على إطلاقه، بل لابد من تقييد ذلك بما إذا كان المأمور به طاعة الله تعالى، أما إذا كان معصية فلا طاعة، لقوله ﷺ : (لا

стр. 1024

طاعة لمخلوق في معصية الله . ذلك لأن القول بوجوب الطاعة المطلقة لأي أحد من الناس يجعله مشرعًا ويرفعه إلى مقام النبوة والرسالة، كما يؤدي إلى اتخاذه وليًا من دون الله، وقد يصل إلى اتخاذه ربًا يعبد، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال: (وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء). قال البغوي: (أي لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله تعالى). وقال ابن كثير: (أي لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره). أما أهل التصوف فقد جعلوا للمشايخ من القداسة ما لا حدود له، ودعوا كافة المريدين إلى طاعة الشيوخ طاعة مطلقة عمياء. وفيما يلي نصوص صوفية تدل على مذهب القوم في وجوب طاعة الشيوخ طاعة مطلقة: يرى الجيلاني أن المريد يجب عليه (ترك مخالفة شيخه في الظاهر، وترك الاعتراض عليه في الباطن). ويرى أيضًا أن المريد (هدية من الله للشيخ فعليه قبوله).

стр. 1025

ومن ينظر إلى ما يقرونه تجاه الشيوخ يجد أنهم لا يقدمون حق أحد كائناً من كان على ما سموه حق الشيوخ، فهذا أحد شيوخهم يقول: (لا تنتفع بشيخك إلا إذا كان اعتقادك فيه فوق كل اعتقاد، وهناك يجعلك في حضوره ويحفظك في مغيبه). بل يصرح آخر بما هو أفدح من ذلك، فيقول: (طاعة المريد لشيخه فوق طاعته لربه) ـ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا ـ. فهذه عقائد القوم، ولا شك أن في القول بوجوب طاعة الشيخ طاعة عمياء إضفاء بصفة الحكم والتشريع الخاصين لله جل وعلا إلى شيوخهم وأوليائهم. ومن مظاهر التشريعات المتعلقة بالطرق: ٣ - قولهم وجوب قطع جميع الصلات والروابط مع المشايخ والصالحين خارج الطريقة: هذا القول مخالف لهدي القرآن والسنة، فالقرآن يأمرنا بأن نكون ـ نحن المسلمين ـ إخوة، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ). ويذكر لنا القرآن أن الولاء والبراء مردهما إلى الإيمان بالله والكفر به، وليس النسبة إلى الشيخ الفلاني، أو الطريقة الفلانية، حيث قال: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ). وجاء في الحديث أنه ﷺ قال: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم

стр. 1026

وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)). فهل قال الرسول ﷺ بهذه الحزبية الصوفية أم كان هديه مخالفاً لهديهم؟ ثم إن هذا الوجوب الذي يدعونه ليس إلا تشريعاً جديدًا، وشركًا بالله في الربوبية بالأنداد بإثبات حق التشريع لأنفسهم. يقول ابن عربي: (إنما كان المريد لا يفلح قط بين شيخين قياسًا على عدم وجود إلهين، وعلى عدم وجود المكلف بين رسولين، وعلى عدم وجود امرأة بين رجلين). يقال في الجواب على هذا القياس الذي أورده: إن هذا ليس بشيء أصلاً، إذ لا علاقة بين وجود المريد بين شيخين، ووجود العالم بين إلهين، لأن هذا محال، وذلك حاصل، وواقع، وقد يكون محمودًا، إذا كان الشيخان فاضلين من عباد الله الصالحين، وكان مقصد الشخص الاسترشاد بهما. وأما وجود المكلف بين رسولين فأمر ممكن وواقع، ولا غرابة فقد أرسل الله تعالى موسى وهارون ﵉ إلى فرعون وقومه، فما المانع في ذلك؟ وأما وجود امراة بين زوجين فمحرم شرعًا، وليس هناك دليل شرعي يحرم قيام المسلم بالتتلمذ على العلماء والأخذ منهم، بل الأدلة الشرعية تدل على عكسها. وبعد، فهذه بعض النماذج من تشريعات المتصوفة، وقد ترى هؤلاء أوسع من ارتكبوا هذا المحظور من زمان قديم، وما زالت هذه التشريعات من دأبهم وديدنهم، وهم موجودون بصفة عامة في جميع أقطار العالم الإسلامي. ج- إباحة الشرك الأكبر من الركوع والسجود، والقيام والحلق، والنذر،

стр. 1027

والذبح، وذلك بسنة للأتباع، أفيظن عاقل يدري ما يخرج من رأسه، أن أولئك الذين يركعون ويسجود ويقومون ويحلقون وينذرون ويذبحون وينحرون لغير الله هم يعتقدون حرمته؟ لا أعتقد ـ والله ـ أن أحدًا يظن ذلك. فإباحتهم هذه الأشياء تشريع جديد في دين الله. د- استباحة البدع على اختلاف أنواعها: فما من مبتدع بدعة إلا هو يرى حلها. هـ - استباحة المتصوفة لكثير من المحرمات: كالزنا، واللواط. و- التعبد بتحريم زينة الله، والطيبات من الرزق. ز- مضاهاة المشركين الأوائل في تبحير البحائر وتسييب السوائب، فهذه الخصلة لا تزال موجودة في بعض البلاد. ح- مضاهاة المشركين في تحريم بعض أنواع الأطعمة والاقتصار على جنس دون آخر. ط- استباحة أكل أموال الناس بالباطل، عن طريق ما يسمى (صناديق النذور) الموجودة في مساجد المشركين القبوريين.

стр. 1028

أما الجانب الثاني: ففي الشرك في الربوبية بالأنداد إثبات صفة المخلوق للخالق سبحانه . وفيه عدة مطالب: المطلب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة المخلوق للخالق لدى القاديانية وذلك؛ أنهم يعتقدون (بأن الله يصوم ويصلي وينام ويصحو ويكتب ويوقّع ويخطئ ويجامع) تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. قال القادياني: (قال لي الله إني أصلي وأصوم وأصحو وأنام). هذا ما قاله هذا الدجال الأفاك الخبيث، وأما ما أنزله إله الحق على محمد الرسول ﷺ فهو: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)، وقال ﵊: ((إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام))، ووصف الرب ﵎ نفسه بقوله: (قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا). وبقوله:

стр. 1029

(هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، وبقوله على لسان الملائكة: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)، وعلى لسان موسى ﵇: (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى). ولكن القاديانية تعتقد بأن الله يخطئ ويصيب، والمعروف: أن الخطأ لازم الجهل والنسيان، فهذا المتنبي القادياني يقول: (قال الله: إني مع الرسول أجيب، أخطئ وأصيب، إني مع الرسول محيط)، ويقول أيضًا: (أنا رأيت في الكشف بأني قدمت أوراقًا كثيرة إلى الله تعالى، ليوقع عليها، ويصدق الطلبات التي اقترحتها، فرأيت أن الله وقّع على الأوراق بحبر أحمر، ... وسقطت منه قطرات الحبر الأحمر على أثوابي ... ). وفي محل آخر يشبه هذا الدجال الخالق، المتعال، الكبير، بحيوان بحري يقال له: أخطبوط، فيقول: (نستطيع أن نفرض لتصوير وجود الله بأن له أيادي وأرجل كثيرة، وأعضاؤه بكثرة لا تعد ولا تحصى، وفي ضخامة لا نهاية لطولها وعرضها، ومثل الأخطبوط له عروق كثيرة التي هي امتدت إلى أنحاء العالم وأطرافها). وهكذا سخر بوجود الله المنزه عن التشبيه، وكذّب قول الله عزوجل:

стр. 1030

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). وأكثر من هذا، تعتقد القاديانية: بأن الله يباشر ويجامع، ويولد له أولاد! ! خلافًا لنصول كتاب الله وسنة رسول الله، وخلافًا لجميع الأديان السماوية. وأغرب من هذا اعتقادهم في الله: أنه جامع نبيهم غلام أحمد، وليس هذا فحسب بل هو النتيجة أيضًا لهذه المباشرة، فأولاً: الذي باشره الله هو نبيهم غلام أحمد، ثم وهو الحامل، وثالثاً: هو المولود، فلنسمع ما قاله القاديانية بألفاظهم، يقول أحدهم: (إن المسيح الموعود (أي الغلام) بيّن مرة حالته فقال: إنه رأى نفسه كأنه امرأة، وأن الله أظهر فيه قوته الرجولية). ويقول القادياني بنفسه: (قد نفخ فيّ روح عيسى، كما نفخ فيّ مريم، وحبلت بصورة الاستعارة، وبعد أشهر لا تتجاوز عن عشرة أشهر، حولت عن مريم، وجعلت عيسى، وبهذا الطريق صرت ابن مريم). ويقول: إن الله سماني بمريم التي حبلت بعيسى، وأنا المقصود من قوله في سورة التحريم: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) ... ). وعلى هذا الأساس تعتقد القاديانية بأن غلام أحمد هو ابن الله، بل هو عين الله،

стр. 1031

فيقول المتنبي الكذاب: (وقال لي الله: أنت من مائنا، وهم من فشل). وفي صراحة تامة يصرح الغلام بأن الله له فم ينفخ به الصور تأييدًا لدعوته المشؤمة، حيث قال: (ستؤسس جماعة وينفخ الله الصور بفمه لتأييدها ... ). لقد وصل الغلام الكذاب في تشبيه رب العالمين أكثر مما وصل إليه عتاة التجسيم والتشبيه مثل هشام بن الحكم الرافضي، وغيره ممن ضل سعيه في الحياة الدنيا، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا. كما أنه شبه الله بإنسان لهقصر فيه باب يمنع الداخلين إلا بإذنه، قال في ضميمة الوحي: (ولا يوصل إلى قصر الله وبابه إلا هذا الدين الأجلي). هذه هي معتقدات القاديانية في الرب جل وعلا، وقد وقعوا في الشرك في الربوبية بالأنداد بوصفه جل وعلا بصفات المخلوقات. وقد قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ). المطلب الثاني: الشرك بالله في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة المخلوق للخالق لدى المتصوفة والمتكلمين من صور وجود المعتقدات في العصر الحاضر: تسمية الله بما لم يسم به نفسه،

стр. 1032

ولم يسمه به أعلم الخلق بربه، كتسمية المتصوفة إياه بـ (هو)، وإطلاق المتكلمين لفظ الجسم والجوهر والعرض، وغير ذلك من الألفاظ على الله ـ تعالى ـ. ومن صور ذلك أيضًا إطلاق كل اسم محمود أو مذموم عليه، ووصفه بكل وصف قبيح أو مذموم، كما عليه غلاة المتصوفة من أهل أصحاب وحدة الوجود، الذي صور مذهبهم ابن القيم ﵀ في نونيته بقوله: فأتى فريق ثم قال وجدته ... هذا الوجود بعينه وعيان فهو السماء بعينها ونجومها ... وكذلك الأفلاك والقمران وهو الغمام بعينه وهو الثلو ... ج والأمطار مع برد ومع حسبان إلى آخر ما نقل عنهم ابن القيم ﵀. ومعلوم أنه وصف لله بصفات المخلوقات، وهو شرك بالله في الربوبية بالأنداد في أسمائه وصفاته، بإثبات صفات المخلوقات لله جل شأنه. المطلب الثالث: الشرك بالله في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة المخلوقات لله جل شأنه لدى الحداثيين لقد وقع في هذا النوع من الشرك في هذا العصر بعض الحداثيين الذين

стр. 1033

لا يتورعون عن وصف الله ـ تعالى ـ بأي وصف، ولا عن تسميته بأي اسم، وذلك فيما يزعمونه شعراً، وإليك شيئًا مما قالوه في هذا: يقول بدر شاكر السياب: محمد اليتيم أحرقوه فالسماء يضيء من حريقه وفارت الدماء من يديه من عيونه وأحرق الإله في جفونه ويقول أدونيس: مات إله كان هناك هبطت جمجمة السماء ويقول صلاح عبد الصبور: ملاحنا ينتف شعر الذقن في جنون يدعو إله النقمة المجنون أن يلين قلبه ولا يلين

стр. 1034

ويقول عبد العزيز المقالح: صار الله رمادًا صمتًا، رعبًا، في كف الجلادين حقلاً ينبت وعمائم بين الرب الأغنية الشروة والرب القادم من هوليود كان الله قديمًا حياً كان سحابة كان نهارًا في الليل أغنية تغسل بالأمطار الخضراء تجاعيد الأرض ففي هذه الأبيات الشعرية نرى الحداثيين سموا الله ووصفوه بصفات لا تليق بالله سبحانه مطلقاً، فمما سمي به الرب بأنه سحابة، وأنه نهار، وأنه أغنية، وأنه مات، وأنه قادم من هوليود، وغير هذه الأسماء والصفات المذمومة. (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ). والله تعالى أعلم.

стр. 1035

الفصل الثاني مظاهر الشرك بالله جل وعلا في العصر الحديث فيما يتعلق بعبادته

стр. 1036

الفصل الثاني مظاهر الشرك بالله جل وعلا في العصر الحديث فيما يتعلق بعبادته سبق معنا بيان المقصود بالعبادة، والشرك في العبادة. هنا أبين بعض مظاهر الشرك بالله في عبادته ومعاملته في العصر الحديث. ومعلوم أن الشرك في العبادة (يكون في أقوال القلب ويكون في أعمال القلب). فالشرك في العبادة إذن له جانبان: الأول: الشرك بالأقوال القلبية. الثاني: الشرك بالأعمال القلبية. أما الأول: ـ الذي هو الشرك بالأقوال القلبية ـ فمن أفراده ما يلي: الأول: الشرك بالدعاء. الثاني: الشرك بالاستعانة. الثالث: الشرك بالاستغاثة. وأما الثاني: فهو الشرك بالأعمال القلبية: وهو على نوعين: النوع الأول: الشرك بالأعمال القلبية الخالصة. النوع الثاني: الشرك بالأعمال القلبية المتعلقة بالجوارح، والمتعلقة

стр. 1037

بالأموال. أما النوع الأول: فله أفراد: الأول: الشرك في المحبة. الثاني: الشرك في النية والإرادة والقصد. الثالث: الشرك في الطاعة. الرابع: الشرك بالخوف. الخامس: الشرك بالرجاء. السادس: الشرك بالتوكل. أما النوع الثاني: فهو الشرك بالأعمال القلبية مع الجوارح (شرك التقرب والنسك)، وله أفراد، منها: الأول: الشرك بالنسك؛ كالقيام والركوع والسجود والحج والصوم والتعظيم وغيرها. الثاني: الشرك بالذبح والنحر لغير الله. الثالث: الشرك بالنذر لغير الله. ونظراً لما يحتوي هذا الفصل من الجزئيات الكبيرة فإني سأبينها في المباحث التالية: المبحث الأول: في بيان مظاهر الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بأعمال القلوب وتحته مطالب: المطلب الأول: الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بالمحبة وذلك، بأن يحب العبد أحدًا غير الله كمحبة الله.

стр. 1038

قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله). ومن المعلوم أن المحبة لله تعالى من عبادته جل وعلا، وهو المحبوب لذاته، ولا يمكن أن يكون المحبوب لذاته إلا واحدًا، ومستحيل أن يوجد في القلب محبوبان لذاتهما. كما يستحيل أن يكون في الخارج ذاتان قائمتان بأنفسهما كل ذات منهما مستغنية عن الأخرى من جميع الوجوه، وكما يستحيل أن يكون للعالم ربان متكافئان مستقلان، فليس الذي يحب لذاته إلا الإله الحق الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير بذاته إليه. وأما ما يجب لأجله فيتعدد، ولا تكون محبة العبد له شاغلة له عن محبة ربه ولا يشركه معه في الحب، فإن المحبة المتعلقة بالله ثلاثة أقسام: محبة الله، والمحبة له وفيه، والمحبة معه. فالمحبة له وفيه من تمام محبته وموجباتها لا من قواطعها، فإن محبة الحبيب تقتضي محبة ما يحب ومحبة ما يعين على حبه ويوصل إلى رضاه وقربه. وأما المحبة مع الله: فهي المحبة العبودية الشركية، وهي كمحبة أهل الأنداد لأندادهم، كما في الآية التي سبق ذكرها، وأصل الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة. فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض، وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله فوالوا عليها وعادوا عليها وتألهوها، وقالوا: هذه آلهة صغار تقربنا إلى الإله الأعظم.

стр. 1039

ففرق بين محبة الله أصلاً، والمحبة تبعًا، والمحبة معه شركًا، فالمحبة معه هي التي كانت لدى المشركين، حيث قالوا: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ). ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق والرزق والإماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنما سووهم به في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل. فالمحبة هي أصل دين الإسلام الذي تدور عليه رحاه، فبكمال محبة الله يكمل دين الإسلام، وبنقصها ينقص توحيد الإنسان، والمراد بالمحبة هنا محبة العبودية، فإن المحبة على مراتب: فأولها: العلاقة، وثانيها: الصبابة، وثالثها: الغرام، ورابعها: العشق، وخامسها: الشوق، وسادسها: ـ الأخير منها ـ التتيم، وهو تعبد المحب لمحبوبه، يقال: تيمه الحب، إذا عبده، وحقيقة التعبد: الذل والخضوع للمحبوب، فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته هي العبودية، فلا منزل أشرف منها، والله سبحانه خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له التي هي أكمل أنواع المحبة مع أنواع الخضوع والذل، ومن أشرك أحدًا في ذلك فقد أشرك مع الله، وهو أصل الشرك بالله. ولا يعتبر كل ما تطلق عليه المحبة شركًا، بل بعض المحبة تكون محبوبةً إلى الله عزوجل ـ كما ذكرنا ـ فإن المحبة على أنواع: الأول: محبة الله، وهو التتيم أي الحب مع الذل والخضوع، ويتعلق به

стр. 1040

الخوف والرجاء، وهي وحدها لا تكفي للنجاة من عذاب الله، والفوز بثوابه، فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله. الثاني: محبة ما يحب الله، وهذه المحبة هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة، وأشدهم فيها. الثالث: المحبة لله، وفي الله، وهي فرض ومن لوازم محبة ما يحب، لا تستقيم محبة ما يحب إلا فيه وله، كمحبة أوليائه من الرسل والصالحين، ومحبة الرسول ﷺ من ضمن هذه المحبة. وبغض أعداء الله أيضًا من هذه المحبة، فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته. ومن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلابد أن يبغض أعداءه ويحب أولياءه. الرابع: المحبة مع الله، وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئًا مع الله، لا الله، ولا من أجله، ولا فيه، محبة متضمنة الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والخوف لمحبوبه فقد اتخذه ندًا مع الله، وهذه هي محبة المشركين قديمًا وحديثًا للأولياء والصالحين، وحتى في النبي ﷺ عند بغض غلاة المتصوفة والبريلوية. الخامس: المحبة الطبيعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، وهي على ثلاثة أقسام: أ- محبة فطرية: محبة الجائع للطعام. ب- محبة إشفاق: كمحبة الولد لولده. ج- محبة الشريك لشريكه، ومحبة الصديق لصديقه.

стр. 1041

فهذه لا تذم شرعًا بشروط: ١ - ألا تشغله عن طاعة الله الواجبة، فإنه حينئذ مذموم. ٢ - ألا تكون داعية إلى معصية الله، فإنه مذموم حينئذ. ٣ - ألا يكون حبه على درجة التتيم، المتضمن الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والخوف. وهو المقصود من قول النبي ﷺ : ((تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)). وهكذا كل من أحب شيئًا بالحب الذي يكون لله فقد أشرك بالله، وإن كان أصل الحب كان فطريًا، إلا أنه تطور إلى درجة التتيم ـ العبادة ـ، وعلى هذا فهذا النوع من المحبة وإن لم تدخل بذاتها في أنواع الشرك، إلا أنها تكون سببًا للشرك في بعض الأحيان، وهذا ما نراه في عصرنا هذا ـ كما سيأتي بيان نماذج من هذا النوع من المحبة المؤدية إلى الشرك فيما بعد ـ. وعلى هذا: فالمحبة التي تعتبر شركًا خالصًا هي المحبة مع الله؛ لأنه ـ كما سبق ـ لا يمكن أن توجد محبة لذاته ـ المتضمن للتتيم والعبادة ـ إلا الله، وكل من أحب مع الله أحدًا فقد أشركه في المحبة لذاته، وهي القسم الرابع منها؛ لأنها تستلزم التعظيم والذل والعبودية، وهي المذكورة في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ).

стр. 1042

قال ابن كثير: (يذكر الله حال المشركين به في الدنيا ومآلهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا لله أندادًا؛ أي أمثالاً ونظراء يعبدونهم معه، ويحبونهم كحبه. وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له، ولا ند له، ولا شريك معه. وفي الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله ندًا وهو خلقك))). ومعنى الآية كما قال ابن القيم في مدارج السالكين: (أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله تعالى، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا، فهذا ند في المحبة، لا في الخلق والربوبية، فإن أحدًا من أهل الأرض لا يثبت هذا الند في الربوبية، بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم). وأما قوله تعالى: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)، ففي تقدير الآية قولان: أحدهما: يحبونهم كما يحبون الله، فيكون قد أثبت لهم محبة الله، ولكنها محبة أشركوا فيها مع الله أندادهم. الثاني: أن المعنى: يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله، فليس فيه إثبات محبتهم لله. وأما قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)، ففيه أيضًا قولان، ترتبا على الاختلاف السابق في معنى الجزء الأول من الآية. القول الأول: إن المعنى: والذين آمنوا أشد حباً لله من المشركين بالأنداد لله؛

стр. 1043

فإن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها، والمحبة الخالصة ـ التي هي عند المؤمنين ـ أشد من المشتركة ـ التي هي عند أصحاب الأنداد ـ. القول الثاني: معنى الآية: والذين آمنوا أشد حبًا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها، ويعظمونها من دون الله، ويدل عليه ما رواه الطبري عن مجاهد في قوله تعالى: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)، قال: (مباهاة ومضاهاة للحق بالأنداد، (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) من حبهم لآلهتهم). ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرجح القول الأول ويقول: (إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة، ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له، وهذه التسوية هي المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم وهم في النار، أنهم يقولون لآلهتهم وأندادهم وهي محضرة معهم في العذاب (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، ومعلوم أنهم ما سووهم برب العالمين في الخلق والربوبية، وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم. وهذا أيضًا هو العدل المذكور في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ

стр. 1044

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم ... ). فكان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله. وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة، أو شبهة تمنع كمال التصديق فهي معارضة لأصل الإيمان أو مضعفة له، فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق كانت شركًا أو كفرًا أكبر، وإن لم تعارضه قدحت في كماله، وأثرت فيه ضعفًا وفتورًا في العزيمة والطلب. وهي تحجب الواصل، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب، كما هو حال من آثر المحبة الطبيعة على محبة الله، أو على محبة ما يحب الله، أو على المحبة في الله، ولله. ولهذا قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ). وأما محبة الرسول ﷺ فمن لوازم محبة الله، وإنما يحب الرسول ﷺ لأنه ليس في هذه المحبة شيء من شوائب الشرك؛ كالاعتماد عليه ورجائه في حصول مرغوب منه، أو دفع مرهوب منه، أو الرغبة إليه من دون الله، وما كان فيها هذه الأمور، فمحبته تعتبر مع الله ـ ويدخل في الشرك بالله ـ لما فيها من

стр. 1045

التعلق على غيره. بل محبة الرسول واجبة على أنها لله ولأجله، ولأنه كان محباً لله، فحبه ليس لذاته، بل لكونه يحب الله، فكما يحب أحدنا الإيمان والعمل الصالح لكونهما محبوبين عند الله، هكذا الحكم في محبة الرسول ﷺ . وهكذا المحبة هي المرادة من قول النبي ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)). فما يدعيه بعض المتصوفة والجهلة من المحبة للرسول ﷺ لذاته ليست إلا عبادة الرسول باسم آخر ـ شاءوا أم أبوا ـ. والمقصود: أن أعظم أنواع المحبة المحمودة محبة الله وحده، ومحبة ما أحب، وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها. وأعظم أنواع المحبة المذمومة: المحبة مع الله التي يسوي المحب فيها بين محبته لله ومحبته للند الذي اتخذه من دونه. وهي المحبة الشركية، وهي رأس الشقاوة، فإن كل من اتخذ لله ندًا يدعوه من دون الله ويرغب فيه ويرجوه لما يؤمله منه من قضاء حاجاته، وتفريج كرباته ـ كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام ـ فلابد أن يعظموهم ويحبوهم لذلك؛ فإنهم أحبوهم مع الله، وإن كانوا يحبون الله تعالى، ويقولون: (لا إله إلا الله)، ويصلون ويصومون، فقد أشركوا بالله في المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فمن رغب إلى غير الله في قضاء

стр. 1046

حاجة أو تفريج كربة، لزم أن يكون محبًا له، ومحبته هي الأصل في ذلك). فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله يبطل كل قول يقولونه وكل عمل يعملونه؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل، ولا يصح منه، وهؤلاء وإن قالوا: (لا إله إلا الله) فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة العظيمة. وفيما يلي بيان بعض مظاهر الشرك في المحبة لله جل شأنه. الفرع الأول: مظاهر الشرك في محبة الله لدى المتصوفة: لقد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من المتصوفة، سواء كان هذا بدعوى محبة النبي ﷺ ، أو بدعوى محبة شيخ التصوف. أما في محبة الرسول: فترى كثيراً منهم يغلون في محبة الرسول ﷺ حتى يسمي نفسه: بعبد المصطفى. وليس هذا فحسب، فهناك من يرى الفناء في محبة الرسول ﷺ ، يقول أحد المتصوفة: (ففي حال ذكرك له ﷺ تصور كأنك بين يديه متأدباً بالإجلال والتعظيم والهيبة والحياء، فإنه يراك ويسمعك كما ذكرت؛ لأنه متصف بصفات الله، هو سبحانه جليس من ذكره). فهذا القطب الصوفي لا يميز بين صفات الله التي لا يليق إلا به وبين صفات نبيه ورسوله. فيعتقد أنه ﷺ يرى ويسمع كل ذكر له في العالم. بل إننا نجد في

стр. 1047

الكلام المنقول عن هذا الرجل ما يدل دلالة واضحة على أنه يعتقد الإلهية في النبي ﷺ ، ويدعو إلى الفناء فيه كما يدعو غيره من الغلاة إلى الفناء في الله. يقول ـ وهو يذكر كيفية التعلق بالنبي ﷺ : (وهي أن تلاحظ أنه ﷺ ملء الكون بل عينه، وأنه نور محض، وأنك منغمس في ذلك النور مع تغميض عين البصر لا البصيرة، فإذا حصل لك الاستغراق في هذا النور والتلاشي والعينية فتتصف حينئذ بمقام الفناء فيه، ومن حصل له مقام الفناء فيه ذاق محبته ﷺ ... ـ إلى أن قال ـ: فإن لم تجد في جميع وجودك هذه المحبة التي وصفتها فاعلم أنك ناقص الإيمان). والسؤال هنا: هل كان أحد من الخلفاء الراشدين أو من العشرة المبشرين بالجنة أو من أهل بدر أو من أصحاب الرسول ﷺ وغيرهم من السلف الصالح يعتقد أن النبي ﷺ ملء الكون؟ وأنه نور محض؟ أو ادعى الفناء فيه؟ أو عرف ما هو بمعنى ذلك؟ ومتى كان هذا شعبة من شعب الإيمان حتى يوصف من لم يعتقده بنقص الإيمان؟ على رسلك يا صوفي إن إمامنا كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ وسيرة الجيل الأول من السلف الصالح وتفاصيل فهمهم للنصوص، وما لم يكن يومئذ دينًا فلن يكون اليوم دينًا، ومن اتخذه دينًا فهو ضال، وإذا دعا إليه فهو مضل، وإن وصف بأفخم أوصاف الصوفية كالقطب والغوث ونحوهما. بل محبة الرسول ﷺ إنما تعرف بطاعته ﷺ وتقديمها على طاعة كل أحد وإن كان أحد الوالدين أو أكثر المشايخ مهابة وجلالة في العيون، وإن كان النفس أو الهوى، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ). فهذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة ومن

стр. 1048

ادعى ذلك دعوى مجردة، فمن ادعى محبة الله ولم يظهر ذلك في طاعة رسوله ﷺ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فدعواه كاذبة. ولا ريب أن دعوى محبة رسول الله ﷺ مع عدم فقه هذا الأمر حدث بالمبتدعة إلى أن يبتدعوا بدعاً كثيرة ظنوها من مظاهر محبة الرسول ﷺ ، كإقامة الموالد، وترديد القصائد، ومخالفته في أمره بعدم إطرائه عدم الإحداث في الدين، ولا يخفى أن محبته لا تجتمع مع مخالفة أمره. تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع قلت: بهذا نعلم أن هؤلاء كما أنهم لم يفرقوا بين حق الله على عباده وبين حق النبي ﷺ على أمته، فكذلك لم يفرقوا بين حقه ﷺ وبين حق شيوخهم. وهذا هو الضلال المبين الذي يجب الحذر منه. والله المستعان. وأما الشرك في دعوى المحبة للأولياء ومشايخ التصوف فمن ملامحه ما يلي: تصوير الولي أو الشيخ في صورة المتوجه إليه بالعبادة فيحب المحبة التي لا تجوز لغير الله، وعامة كتب التراث الصوفي مملوءة بذلك، ولذا نجد أن القبوريين منهم وأهل تقديس (الأولياء) سرعان ما يتهمون دعاة التوحيد الذين يدعون إلى إخلاص العبادة بكل أنواعها لله عزوجل بأنهم لا يحبون النبي ﷺ والأولياء، ولهذا يصرحون في نصوص كثيرة لا تكاد تحصى بأن المريد يجب أن يفرد شيخه بالمحبة ولا يشرك به غيره، فإليك شيئًا يسيراً منها:

стр. 1049

يحكي الشعراني عن أحد المتصوفة أنه مكث عند شيخه إلى أن توفي لم يذق له طعامًا، فقيل له في ذلك، فقال: (أنا لم آكل لشيخي طعامًا خوفاً أن أشرك في طلبي للشيخ شيئًا آخر). ويجب عندهم أن لا يزاحم أحد في محبة المريد لشيخه، لا زوجته ولا ولده، وفي ذلك يقص أحمد بن المبارك ـ راوي الإبريز ـ قصة مع شيخه الدباغ مفادها: أن ابن المبارك كان قد تزوج بنت الفقيه محمد بن عمر السلجماسي وكان يحب البنت حبًا شديدًا، وكان الدباغ يسأله: هل تحبني مثل فلانة؟ فيصارحه الرجل (أن لا) فيتأثر الشيخ بذلك ـ يقول ابن المبارك: وحق له، فإن المريد لا يأتي منه شيء حتى لا يكون في قبه غير الشيخ والله والرسول. ومما قاله الشعراني في هذا الباب: (أخذ علينا العهد أن لا نأخذ العهد على فقير بالسمع والطاعة لما نأمره من الخير إلا إن كنا نعلم منه يقينًا أنه لا يقدم علينا في المحبة أحدًا من الخلق مطلقًا حتى أهله وولده). ويقول الشيخ التيجاني: (من أكبر الشروط الجامعة بين الشيخ ومريده هو أن لا يشارك في محبته غيره ولا في تعظيمه ولا في الاستمداد منه ولا في الانقطاع إليه بقلبه، ويتأمل ذلك في شريعة نبينا ﷺ ؛ فإن من ساوى رتبة نبيه ﷺ مع رتب غيره من النبيين والمرسلين في المحبة والتعظيم والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب والتشريع، فهو عنون على أنه يموت كافرًا إلا أن تدركه عناية ربانية

стр. 1050

بسبق محبة إلهية، فإذا عرفت هذا فليكن المريد مع شيخه كما هو مع نبيه ﷺ في التعظيم والمحبة والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب، فلا يعادل غيرهه في هذه الأمور ولا يشارك غيره. ومن أكبر القواطع عن الله أن ينسب ما عنده من الفتح والأسرار لغير شيخه). فأنت ترى أن هذا النص أقل ما فيه التسوية بين الشيخ وبين النبي ﷺ ، وذلك مجاهرة برفض قوله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)). ويقول الشعراني: (إذا أراد الله أن يعرف عبدًا من عبيده بولي من أوليائه ليأخذ عنه الأدب ويقتدي به في الأخلاق طوى عنه شهود بشريته وأشهده على وجه الخصوصية فيه فيعتقده بلا شك ويحبه أشد المحبة. وأكثر الناس الذي يصحبون الأولياء لا يشهدون منهم إلا وجه البشرية، ولذلك قل نفعهم وعاشوا عمرهم كله معهم ولم ينتفعوا منهم بشيء). والمقصود: بيان كون المتصوفة قد وقعوا في شرك العبادة بالمحبة وذلك بإعطائهم هذه العبودية لغير الله. الفرع الثاني: مظاهر الشرك في محبة الله لدى بعض المعاصرين في عقد الولاء والبراء على غير أسس المحبة في الله والمحبة لله: الولاء: بالواو واللام والياء: أصل صحيح يدل على قرب، وتأتي هذه الكلمة بمعنى: الملك والقرب والنصرة والقرابة والمحبة. ووالى فلان فلانًا:

стр. 1051

أحبه، وهكذا التولي: فإنها تأتي بمعنى الولاء: أي النصرة والموالاة. وتأتي بمعنى أخص من عموم الموالاة، بمعنى: اتخذه وليًا. كما قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ: (التولي كفر يخرج من الملة، وهو كالذب عنهم وإعانتهم بالمال والبدن والرأي). وعلى هذا تراه فرّق بين الموالاة والتولي. ولعل الصحيح أن التولي والموالاة كلاهما بمعنى جعلهم أولياء، ولذا ترى جميع المفسرين ابن جرير ﵀ في عدة مواضع من تفسيره يفسر معنى اتخاذ الكفار أولياء بمعنى جعلهم أنصارًا، وهو بمعنى توليهم. فعلم من ذلك كله: أن أصل الموالاة: الحب، والموالاة لا تكون إلا لله تعالى بذاته، وتكون لرسوله وللمؤمنين لأمر الله بموالاتهم، فمن كان عنده موالاة لغير الله مثل ما كان ينبغي لله، فقد أشرك مع الله غيره في الحب، ويدخل في شرك المحبة لا محالة. والأدلة على هذا كثيرة، منها: ١ - قوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ). ٢ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ

стр. 1052

بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). ٣ - قوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). ٤ - وقد أخبر النبي ﷺ : ((أن من أحب قومًا حشر معهم)). وإنما تدخل الموالاة لأهل الشرك في الشرك، لكونها مضادة لكلمة التوحيد، فإن من شروط كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) محبة هذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه، ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، وبغض ما ناقض ذلك. فتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي (أن لا يحب إلا الله، ولا يبغض إلا الله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله). فإن شطر العقيدة وركنها الثاني الذي لا تتم إلا به: هو الكفر بالطاغوت. قال تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى). فلا يكون مؤمناً من لا يكون كافرًا بالطاغوت، وهو كل متبوع أو

стр. 1053

مرغوب أو مرهوب من دون الله. لكن موالاة الكفار تقع على شعب متفاوتة وصور مختلفة، ولذا فإن الحكم فيها ليس حكمًا واحدًا، فإن من هذه الشعب والصور ما يكون شركًا، ومنها ما يكون ردة، وينقض الإيمان بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك في المعاصي، وهذه الموالاة التي تناقض التوحيد قد تكون اعتقادًا فحسب، وقد تظهر في أقوال وأعمال. وأما الاعتقادي ـ كما سبق أن بيناه ـ: فهو ولاؤهم في الظاهر والباطن، وموافقتهم في الباطن بتوليهم دون الظاهر، فهذا يسمى نفاقاً، وهو أيضًا شرك اعتقادي، فإنه أشرك في محبة الله غير الله، ولا يتأتى ممن يفعل مثل هذا الولاء إلا بعد أن يشرك بالله في محبته غيره، أو محبة شرعة غير شرع الله. وأما من كان ولاؤهم لهم في الظاهر فقط فهو على نوعين: الأول: أن تكون الموافقة والولاء في الظاهر بسبب الإكراه (الملجيء) فهذه الحالة لا تدخل في الموالاة ما دامت الموافقة والموالاة باللسان، والقلب مطمئن بالإيمان، لقوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ). الثاني: أن يكون الولاء والموافقة في ظاهره مع مخالفتهم في الباطن لغرض دنيوي، كحب رئاسة وطمع في جاه ومنزلة ونحو ذلك، فاختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إنه من المعاصي، ومنهم من قال: إنه يدخل تحت شرك الإرادة والنية والقصد ـ وسيأتي بيانه فيما بعد ـ وهو الصحيح لظاهر قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا

стр. 1054

يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). وقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). ومعلوم أنه ليس شيء يحبط العمل مثل الشرك، ثم إنه أشرك بالله في الاتباع أيضًا، وحيث اتبع هواه، ولم يلتفت إلى رضى الله، فدخل تحت وعيد قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ). أما الموالاة العملية فهي كثيرة في العصر الحديث، أذكر منها ما يلي: أ- من أقام ببلاد الكفار رغبة واختيارًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين، أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، فهذا لا شك في خروجه عن الملة. يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: (والإقامة ببلد يعلو فيه الشرك والكفر، ويظهر الرفض وين الإفرنج ونحوهم من المعطلة للربوبية والإلهية وترفع فيها شعائرهم، يهدم الإسلام والتوحيد، ويعطل التسبيح والتكبير والتحميد، وتقلع قواعد الملة والإيمان ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان ... فالإقامة بين أظهرهم والحالة هذه لا تصدر عن قلب باشره حقيقة الإسلام والإيمان والدين ... بل لا يصدر عن قلب رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا، فإن الرضا بهذه الأصول الثلاثة قطب الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين، وقد جاء في قصة صحابي جاء

стр. 1055

إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، بايعني واشترط، فقال الرسول ﷺ : ((تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وأن تفارق المشركين)). وفيه إلحاق مفارقة المشركين بأركان الإسلام ودعائمه العظام). ب- من أطاع الكفار والمشركين في التحليل والتحريم، فأظهر الموافقة على ذلك، فهو أيضًا مشرك خارج عن الملة، والدليل عليه قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). فصرح تعالى بأنهم مشركون في طاعة الكفار حينما وافقوهم في تحليل أو تحريم، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ). فهذا النوع من الموالاة كان سببًا في ردة أولئك القوم. وسيأتي مزيد من البيان بمشيئة الله في بيان شرك الطاعة، وإنما ذكرهم هاهنا لكون الباعث على هذه الطاعة هو المحبة لغير الله والولاء والبراء على غير محبة الله.
следующие страницы →