Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
أحبه، وهكذا التولي: فإنها تأتي بمعنى الولاء: أي النصرة والموالاة. وتأتي بمعنى أخص من عموم الموالاة، بمعنى: اتخذه وليًا. كما قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ: (التولي كفر يخرج من الملة، وهو كالذب عنهم وإعانتهم بالمال والبدن والرأي). وعلى هذا تراه فرّق بين الموالاة والتولي.
ولعل الصحيح أن التولي والموالاة كلاهما بمعنى جعلهم أولياء، ولذا ترى جميع المفسرين ابن جرير ﵀ في عدة مواضع من تفسيره يفسر معنى اتخاذ الكفار أولياء بمعنى جعلهم أنصارًا، وهو بمعنى توليهم.
فعلم من ذلك كله: أن أصل الموالاة: الحب، والموالاة لا تكون إلا لله تعالى بذاته، وتكون لرسوله وللمؤمنين لأمر الله بموالاتهم، فمن كان عنده موالاة لغير الله مثل ما كان ينبغي لله، فقد أشرك مع الله غيره في الحب، ويدخل في شرك المحبة لا محالة. والأدلة على هذا كثيرة، منها:
١ - قوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ).
٢ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
стр. 1052
بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
٣ - قوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
٤ - وقد أخبر النبي ﷺ : ((أن من أحب قومًا حشر معهم)).
وإنما تدخل الموالاة لأهل الشرك في الشرك، لكونها مضادة لكلمة التوحيد، فإن من شروط كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) محبة هذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه، ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، وبغض ما ناقض ذلك.
فتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي (أن لا يحب إلا الله، ولا يبغض إلا الله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله).
فإن شطر العقيدة وركنها الثاني الذي لا تتم إلا به: هو الكفر بالطاغوت.
قال تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى). فلا يكون مؤمناً من لا يكون كافرًا بالطاغوت، وهو كل متبوع أو
стр. 1053
مرغوب أو مرهوب من دون الله.
لكن موالاة الكفار تقع على شعب متفاوتة وصور مختلفة، ولذا فإن الحكم فيها ليس حكمًا واحدًا، فإن من هذه الشعب والصور ما يكون شركًا، ومنها ما يكون ردة، وينقض الإيمان بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك في المعاصي، وهذه الموالاة التي تناقض التوحيد قد تكون اعتقادًا فحسب، وقد تظهر في أقوال وأعمال.
وأما الاعتقادي ـ كما سبق أن بيناه ـ: فهو ولاؤهم في الظاهر والباطن، وموافقتهم في الباطن بتوليهم دون الظاهر، فهذا يسمى نفاقاً، وهو أيضًا شرك اعتقادي، فإنه أشرك في محبة الله غير الله، ولا يتأتى ممن يفعل مثل هذا الولاء إلا بعد أن يشرك بالله في محبته غيره، أو محبة شرعة غير شرع الله.
وأما من كان ولاؤهم لهم في الظاهر فقط فهو على نوعين:
الأول: أن تكون الموافقة والولاء في الظاهر بسبب الإكراه (الملجيء) فهذه الحالة لا تدخل في الموالاة ما دامت الموافقة والموالاة باللسان، والقلب مطمئن بالإيمان، لقوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ).
الثاني: أن يكون الولاء والموافقة في ظاهره مع مخالفتهم في الباطن لغرض دنيوي، كحب رئاسة وطمع في جاه ومنزلة ونحو ذلك، فاختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إنه من المعاصي، ومنهم من قال: إنه يدخل تحت شرك الإرادة والنية والقصد ـ وسيأتي بيانه فيما بعد ـ وهو الصحيح لظاهر قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا
стр. 1054
يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). وقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). ومعلوم أنه ليس شيء يحبط العمل مثل الشرك، ثم إنه أشرك بالله في الاتباع أيضًا، وحيث اتبع هواه، ولم يلتفت إلى رضى الله، فدخل تحت وعيد قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ).
أما الموالاة العملية فهي كثيرة في العصر الحديث، أذكر منها ما يلي:
أ- من أقام ببلاد الكفار رغبة واختيارًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين، أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، فهذا لا شك في خروجه عن الملة.
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: (والإقامة ببلد يعلو فيه الشرك والكفر، ويظهر الرفض وين الإفرنج ونحوهم من المعطلة للربوبية والإلهية وترفع فيها شعائرهم، يهدم الإسلام والتوحيد، ويعطل التسبيح والتكبير والتحميد، وتقلع قواعد الملة والإيمان ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان ... فالإقامة بين أظهرهم والحالة هذه لا تصدر عن قلب باشره حقيقة الإسلام والإيمان والدين ... بل لا يصدر عن قلب رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا، فإن الرضا بهذه الأصول الثلاثة قطب الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين، وقد جاء في قصة صحابي جاء
стр. 1055
إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، بايعني واشترط، فقال الرسول ﷺ : ((تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وأن تفارق المشركين)).
وفيه إلحاق مفارقة المشركين بأركان الإسلام ودعائمه العظام).
ب- من أطاع الكفار والمشركين في التحليل والتحريم، فأظهر الموافقة على ذلك، فهو أيضًا مشرك خارج عن الملة، والدليل عليه قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).
فصرح تعالى بأنهم مشركون في طاعة الكفار حينما وافقوهم في تحليل أو تحريم، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ). فهذا النوع من الموالاة كان سببًا في ردة أولئك القوم. وسيأتي مزيد من البيان بمشيئة الله في بيان شرك الطاعة، وإنما ذكرهم هاهنا لكون الباعث على هذه الطاعة هو المحبة لغير الله والولاء والبراء على غير محبة الله.
стр. 1056
ويمكن أن يلحق بطاعة ومتابعة الكفار في التحليل والتحريم، وموافقتهم في التشريع ما قد أفتى به بعض علماء هذا العصر في مسألة التجنس بجنسية أمة غير مسلمة. إلا في إحدى الحالات الثلاثة التالية:
١ - الإقامة لغرض الدعوة إلى الله مع الأمن على الدين، والقدرة على الجهر بشعائر الإسلام، بلا معارضة في شيء منها، وقادرًا على الولاء والبراء، ومن هذه ما هو مستحب كالسفر للجهاد في سبيل الله.
٢ - السفر من أجل التجارة، وهو عارف بدينه، آمن عليه قادر على الجهر بشرائعه، قادر على الولاء والبراء.
٣ - المستضعفون من النساء والولدان والرجال الذين لهم ظروف جغرافية أو سياسية تحول في الرجوع إلى ديارهم ...
وأما في غير هذه الحالات الثلاثة فإن التجنس بجنسية أمة غير مسلمة يدخل في الشرك بالولاء والبراء.
ج- التشبه المطلق بهم، أو التشبه فيما يوجب الخروج عن الملة، فالموالاة وإن كانت متعلقة بالقلب (بالحب والنصرة) لكن المخالفة في الظاهر أعون على مقاطعة الكافرين ومجانبتهم. وقد قال النبي ﷺ عن التشبه بالمشركين: ((من تشبه بقوم فهو منهم)).
стр. 1057
وهذا التشبه له ألوان لا تعد ولا تحصى في العصر الحاضر.
د- أيضًا من الموالاة العملية التي فيها مناقضة للتوحيد، وشرك مع الله في محبته، ومحبة دينه: إقامة مؤتمرات وتنظيم ملتقيات من أجل تقرير وحدة الأديان، وإزالة الخلاف العقدي وإسقاط الفوارق الأساسية فيما بين تلك الديانات، وهذه الفكرة الخبيثة قد وجدت قديمًا عند ملاحدة الصوفية، كما وجدت عند التتار. ويأتي النظام الدولي الجديد عاملاً رئيسياً في إحياء تلك الشجرة الخبيثة، كما هو ظاهر في مثل هذه الأيام القريبة.
هذا كله في ما يتعلق بالشرك بموالاة الكفار.
وأما النصرة: فأظهر من الشمس في رابعة النهار بأن نصرة المشركين على المسلمين شرك بالله جل وعلا في محبته، ولذا عده العلماء من نواقض التوحيد.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فمن قفز منهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير التتار، فإن التتار فيهم المكره وغيره المكره، وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة.
ويقول ابن القيم: إنه سبحانه قد حكم، ولا أحسن من حكمه أن من تولى
стр. 1058
اليهود والنصارى فهو منهم: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم. وهذا القول لابن القيم على التفسير الثاني لكلمة (التولي) على أنها أبلغ من الموالاة ـ كما سبق معنا في بداية الكلام ـ.
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز ـ حفظه الله ـ: (وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة، فهو كافر مثلهم).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ): (وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليًا تامًا، كان ذلك كفرًا مخرجًا عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ وما هو دونه). ويقول عند تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ): (إن التولي يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يكون العبد منهم).
وعلى كل: إن مظاهرة الكفار ونصرتهم والذب عنهم، يناقض الإيمان سواء سمي ذلك تولياً أو موالاة، فإن مظاهرة المشركين ضد المسلمين خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين. فمثل هذه الموالاة تتضمن بغضًا لدين الله تعالى، وحربًا
стр. 1059
لعباد الله الصالحين ونصرة للكفار، ولا شك أن هذه الأشياء كلها منافية لمحبة الله، الذي هو حقيقة التوحيد، فمن ذلك الباب يدخلون في الشرك، فإنه ما أعان أحدًا على دين الله إلا أحبه أو أحب ما يتعلق به، ومن أحب شيئًا مع الله فقد أشرك مع الله غيره. فإن موالاة المتعاديين لا يجتمعان.
الفرع الثالث: حب الدنيا وزينتها أكثر من حب الله، أو مثل حب الله:
لقد وجد في هذا العصر كثير من الناس تراهم يحبون أشياء حبًا كأنهم يعبدونها، حيث يجتمع عندهم في محبتها التعظيم لهذه الأشياء مع الذل والخضوع والاستكانة لها، ومظاهرها كثيرة يتضح لمن تدبر ذلك على ملاحظة قاعدة هامة؛ والقاعدة في المسألة هي: أن كل من أحب شيئًا ـ سواء كان حقيرًا أو ثمينًا في نفسه ـ بحيث تعلق قلبه به ـ وهي درجة التتيم في الحب ـ مع الذل والخضوع له فقد أشرك بالله جل شأنه، وعلامة ذلك: كونه يقدم هذا الشيء على محبوبات الله ويفكر فيه ليلاً ونهاراً.
فمثلاً: إن الذي أحب زوجته مثل هذا الحب بحيث تعلق قلبه بها، وذل وخضع له إلى درجة لا ينبغي أن يكون إلا له سبحانه فإنه حينئذ يكون قد عبد زوجته، ويقاس عليه أشياء كثيرة، منها مثلاً: المسئولية، أو الوظيفة، أو الكرة، أو الموضة أو الأزياء، أو مغنيًا، أو غناء، أو شيخًا معينًا، أو قبرًا، أو راية كالقومية أو الوطنية، أو حزباً أو قائداً أو هوى متبعًا إذا كانت محبة
стр. 1060
إحداها بهذه المثابة والصفة التي سبق ذكرها فإنه يكون قد عبد هذا الشيء، فالأصنام كانت في السابق تظهر بصورة مادية محسة، يتخذونها من خشب أو ذهب أو فضة على صورة إنسان، وقد تتخذ من حجر فتسمى وثنًا، ولكنها قد تظهر في العصور المتأخرة ـ زيادة على ما سبق ـ بصور أخرى ومظاهر جديدة؛ قد تكون مذهبًا من المذاهب الفكرية الجاهلية كالديموقراطية، أو الوطنية، أو القومية ... وقد تكون مذهبًا اقتصاديًا كالرأسمالية والاشتراكية ... وقد تكون أهواء وشهوات يخضع لها الناس، فلا يهوون شيئًا إلا عبدوه، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)، وقال: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا)، وقال: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ).
وقد تكون الأصنام مجموعة من القيم الاجتماعية أو القيم المادية التي تسيطر على الناس فيخضعون لها، ويتحركون بحركتها، فتكون لهم دينًا ومذهبًا. إذ كل هذه الأشياء منشؤها الحب لغير الله، والحب هو أصل العبادة في الحقيقة.
يقول ابن تيمية ﵀: (وجماع القرآن هو الأمر بتلك المحبة ولوازمها، والنهي عن هذه المحبات ولوازمها، وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين، وذكر قصص أهل النوعين).
стр. 1061
ويقول أيضًا: (وإذا كانت المحبة والإرادة أصل كل عمل وحركة، وأعظمها في الحق محبة الله وإرادته بعبادته وحده لا شريك له، وأعظمها في الباطل أن يتخذ الناس من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، ويجعلون له عدلاً وشريكًا، علم أن المحبة والإرادة أصل كل دين، سواء كان دينًا صالحاً أو دينًا فاسدًا، فإن الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبة والإرادة أصل ذلك كله).
المطلب الثاني: الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بالخوف
معنى الخوف:
الخوف مصدر من الفعل الثلاثي الأجوف (خاف) وأصله: خَوِفَ بكسر الواو ويَخْوَفُ بفتحها. مثل علم يعلم علمًا. معناه: الفزع. والذعر. وهو والخشية والرهبة بمعنى متقارب. قال القرطبي: (والرُهب والرَهب والرهبة: الخوف).
(والخائف من الله تعالى هو أن يخاف إما يعاقبه إما في الدنيا، وإما في الآخرة، ولهذا قيل: ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، بل الخائف الذي يترك ما يخاف أن يعذب عليه).
ومن هنا كان الخوف والخشية دون التقوى ووسيلة إليها.
стр. 1062
أقسام الخوف:
الخوف على أربعة أقسام:
الأول: خوف السر، وهو أن يخاف من المقدس أن يصيبه بما يشاء متى يشاء من مرض أو فقر أو موت، ونحو ذلك بقدرته ومشيئته.
الثاني: الخوف من الناس خوفاً ظاهريًا يؤدي إلى ترك الأقدام على فعل الواجبات الثقيلة كالجهاد، ويعرف هذا الخوف بالجبن.
الثالث: الخوف من وعيد الله الذي توعد به العصاة.
الرابع: الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو يترصده أو سبع أو هدم أو غرق.
الخوف الذي يدخل فيه العبادة والمقصود بالخوف هنا:
لا شك أن القسم الرابع من الخوف لا يذم المتصف به، لأنه أمر جبلي لا يسلم منه أحد حتى الأنبياء، مثلاً: قال تعالى: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ) فمثل هذا الخوف ليس في بابنا.
وأما القسم الثالث: الذي هو الخوف من الوعيد: فمقام عظيم من مقامات الصالحين الأبرار، وهو محبوب لدى الله، ومطلوب من عباده له. قال تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)، وقال: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ). وهذا الخوف من الله يكون محمودًا إذا لم يوقع في القنوط واليأس من روح الله.
стр. 1063
وأما القسم الثاني من الخوف: الذي هو الجبن، فهو الذي يحول بين المسلم وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. وهذا مذموم شرعًا، وقد ثبت في الأحاديث النبوية أنه ﷺ كان يتعوذ بالله من الجبن، وهذا القسم من الخوف ناتج عن ضعف الإيمان وقلة اليقين.
وأما القسم الأول: فهو الذي لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، إذ ليس هناك من يصيب من يشاء بما يشاء بقدرته غير الله تعالى، فمن اعتقد أن النبي أو الولي أو شيخه أو مقبوره أو من يقدسه ـ سواء كان حياً أو ميتًا ـ يملك البطش به متى أراد بقدرته فقد خصه بأعظم لوازم الألوهية؛ لأن هذا القسم من الخوف قد أمر الله تعالى عباده أن يخافوه به، بل أن يختصوه به ويخلصوه له، ومعلوم أن الله تعالى لا يأمر عباده بأمر ويحثهم عليه إلا إذا كان عبادة من العبادات، وما كان عبادة يكون صرفها لغير الله شركًا. قال تعالى في الأمر بهذا الخوف: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وقال: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُون)، وقال: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ)، وقال: (وَقَالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ).
وقال تعالى في ثنائه على عباده الصالحين من الأنبياء والملائكة والمؤمنين لتحقيقهم هذا الخوف لله وحده: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وقال تعالى: (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)، وقال
стр. 1064
تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)، وقال تعالى: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، وقال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ).
إن من تدبر هذه الآيات وما فيها من الأمر بإفراد الله تعالى بالخوف والرهبة إما تصريحًا بنفيها من غيره، وإما قصرًا وحصرًا بتقديم المعمول على العامل، وثنائه على عباده الصالحين من الأنبياء والملائكة والمؤمنين لتحقيقهم هذا الخوف، من تدبرها ظهر له جليًا أن هذا الخوف من خصائص الإله التي لا يجوز التوجه بها إلى غير الله سبحانه، وأن ذلك شرك لا يغفر الله لمن مات عليه.
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ((وَقَالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ) الآية: (يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: (فمن اتخذ مع الله ندًا يخافه هذا الخوف فهو مشرك).
فالسلف فهموا أن هذا الخوف عبادة، لا يجوز صرفه لغير الله تعالى.
نماذج من وقوع الناس في هذا النوع من الشرك في العصر الحديث:
أكثر من رأيت أنهم وقعوا في هذا النوع من الشرك: المتصوفة، والجهلة من الناس المتأثرين بالتصوف البغيض. فإننا قد علمنا سلفًا أن المتصوفة رفعوا
стр. 1065
أولياءهم فوق كل مخلوق، وجعلوا قدراتهم وطاقاتهم تفوق طاقة البشر، واعتقدوا فيهم اعتقادات فيها الكثير من الغلو والتجاوز، فاعتقدوا أن لهم التصرف في الكون والحياة تصرفًا كاملاً شاملاً، كإحياء الموتى وشفاء المرضى وإنزال المطر وهداية الضالين هداية التوفيق، وإضلال المهتدين بالسر والباطن، وحفظ العالم من الدمار، واعتقدوا أنهم يعلمون الغيب على وجه الإطلاق فلا يخفى عليهم شيء، وأنهم معصومون من الخطأ والخطايا، يقولون للشيء كن فيكون، وغير ذلك كثير.
فلما اعتقدوا ذلك كله في أوليائهم كان من الطبيعي ألا ينحرفوا عن هذا الخط الذي رسموه وساروا عليه، فجعلوا من أوليائهم أشياء مرهبة ومخيفة لترعب الآخرين وتخوف الناس الذين لا يمشون على هواهم، وصدهم عن بيان الحق في وقت الحاجة إليه، مستخدمين أسلوب القصص والحكايات الإرهابية التي ينتج من النظر فيها انبعاث مشاعر الخوف والرهبة في النفوس، مشابهين بذلك من قال الله فيهم: (وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).
وفيما يلي أشير إلى نماذج من تلك الحكايات الكاذبة:
١ - ذكر السبكي في طبقاته: أن محمد بن علي القشيري كان في مجلسه، فأساء معه شخص الأدب، فقال له الشيخ: (نعيت لي في هذا المجلس ثلاث مرات، فمات بعد ثلاثة أيام).
стр. 1066
٢ - وهكذا نقل السبكي عن أحد أصحاب أبي العباس الشاطر قال: (خرجت معه (الشاطر) من القاهرة إلى دمنهور، فلما طلعنا من المركب وكان فيها رفيق تاجر له في المركب فراش ونطع، فطلعنا بحوائج الشيخ أبي العباس، فلما انتهيت قال: انزل هات الفراش والنطع، فنزلت، فقال لي صاحبهما: هما لي، فعدت إلى الشيخ، فقال لي: عد إليه وقل له: هاتهما. فعدت، فأعاد الجواب، فأعادني ثالثًا، فأبى. فقال لي رابعاً: عد إليه وقل له: غرق الساعة في البحر لك مركب، وكل مالك فيها لم يسلم إلا عبد ومعه ثمانية عشر دينارًا فكان الأمر كذلك).
فهذه بعض القصص يروجونها بغية حمل الناس على الخضوع لهؤلاء الأولياء وتمكينهم من التصرف في أموال العامة وممتلكاتهم وإعطائهم كل ما يرغبون من غير مناقشة أو مجادلة أو اعتراض، ومن أبى فليس أمامه إلا الهلاك السريع والدمار الفجيع أو ذهاب الأموال.
٣ - يقول المناوي: (ليحذر الناظر في تضاعيف الكتاب ويلزم الأدب، فلا ينكر فيحل به العطب).
стр. 1067
٤ - حكى المناوي أيضاً: أن أحدهم سأل علي بن عمر القزويني عن بعض أحكام الزهد والتقشف الصوفي، فأجاب عنه بما لم يقنعه، فأنكر عليه، فرأى تلك الليلة ما أزعجه وقائلاً يقول: هذا بسبب القزويني.
٥ - ويقول المناوي في ترجمة عبد القادر الجيلاني: (واجتمع له ببغداد مائة من أكابر الفقهاء وأتوه لامتحانه، فظهرت منه بارقة نور مرت على صدورهم، فصاحوا صيحة واحدة ومزقوا ثيابهم وكشفوا رؤوسهم، فصعد الكرسي وأجاب عن جميع ما عندهم).
هذه بعض القصص الخرافية الصوفية الدالة على ما قلنا بأنهم يخوفون الناس أولياءهم خوف السر، ويوقعون الناس في الشرك بالله جل وعلا، وقد أفاد الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ بعض النماذج الحية من ممارسات القبوريين تحت نير الخوف من غير الله، أذكر منها ما يلي:
أ- يقول الشيخ بعد أن ذكر الخوف الشركي: (وهذا القسم هو الواقع اليوم من عباد القبور، فإنهم يخافون الصالحين بل الطواغيت، كما يخافون الله بل أشد، ولهذا إذا توجهت على أحدهم اليمين بالله أعطاك ما شئت من الأيمان
стр. 1068
كاذبًا أو صادقًا، فإن كان اليمين بصاحب التربة لم يقدم على اليمين إن كان كاذبًا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أخوف عنده من الله).
ب- وكذلك لو أصاب أحدًا منهم ظلم لم يطلب كشفه إلا من المدفونين في التراب.
ج- إن واحدًا من هؤلاء لو أراد أن يظلم أحدًا فاستعاذ بالله منه لم يعذه، ولو استعاذ بصاحب التربة أو بتربته لم يقدم عليه أحد ولم يتعرض له بالأذى.
هـ- إن بعض الناس أخذ من التجار أموالاً عظيمة أيام موسم الحج، ثم بعد أيام أظهر الإفلاس، فقام عليه أهل الأموال، فالتجأ إلى قبر في جدة يقال له: (المظلوم)، فما تعرض له أحد بمكروه خوفاً من سر المظلوم.
تلك هي الصورة الحية لحال القبوريين قديمًا وحديثاً. ولعله سيمر علينا نماذج أخرى عندما ندرس موضوع الرجاء وكذلك الاستغاثة، فإن هذه الموضوعات كلها وثيقة الصلة بعضها ببعض ـ كما سنرى قريباً إن شاء الله ـ.
المطلب الثالث: الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بالرجاء
معنى الرجاء: جاء في اللسان: (الرجاء من الأمل: نقيض اليأس، ممدود. رجاه يرجوه رجوًا ورجاء ورجاوة ومرجاة ورجاة، وهمزته منقلبة عن واو بدليل ظهورها في رجاوة).
стр. 1069
ويأتي بمعنى التوقع والأمل.
والمراد بالرجاء: طلب شيء ما من أحد.
ولا يكون شركًا إذا كان المرجو عنده قدرة على إعطاء هذا الشيء.
وأما الرجاء الذي هو العبادة شرعًا: فهو طلب ما عند الله بلا يأس ولا قنوط، والمطلوب كماله وغايته، فيرجو ما عند الله كمال الرجاء، وهو والحالة هذه لا يصلح إلا لله تعالى، كما قال تعالى: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا). فالرغب: هو رجاء ما عند الله تعالى، إذ كل فضل فهو واهبه، وكل نعمة فهو معطيها، فهو الصمد المقصود في الحوائج، وهو القيوم الذي قام بنفسه، وأقام مخلوقاته بعظيم لطفه وكرمه وإنعامه وإحسانه. وضده اليأس من روح الله والقنوط من رحمته، كما قال تعالى: (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ).
وإذا أذنب العبد شهد رجاءه في توبته عليه، كما قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). وإذا شهد تقصيره في حقه ، شهد فضله وكرمه، وأن رحمته وسعت كل شيء، كما صح الحديث عن النبي ﷺ أن الرب جل شأنه قال: ((سبقت رحمتي غضبي)).
وقال الرسول ﷺ : ((أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك)). ولا يحصل الرجاء إلا بأمور:
стр. 1070
الأول: شهود كرمه وإنعامه وإحسانه على العباد.
الثاني: صدق الرغبة فيما عند الله من الثواب والنعيم.
الثالث: التسلح بصالح الأعمال، والمسابقة في الخيرات.
فلا يكون راجيًا من قصَّر في العمل، ولا من لم تصدق رغبته في الثواب، ولا من شهد كده وتعبه فيما يعمل، ولذا فقد ذم الله قارون على قوله، فيما أخبر عنه تعالى: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) واستحق العقوبة على ذلك.
والمقصود: أن الرجاء كالخوف يمثل نوعًا معينًا من أنواع العبادة التي تعبد الله بها عباده، كما يشكل أحيانًا جانباً مهماً من جوانب تحقيق العبودية الحقة، حيث إنه لابد حتى تتحقق لعبوديته من وجود حافز يدفع الإنسان ويحركه. فلولا الخوف والرجاء أو الرهبة والرغبة والحذر والأمل لتعطلت حركات العباد وتفتر نشاط الإنسان ولأصبح الإنسان كالتائه الذي لا يدري أين يذهب ولا ماذا يريد.
ولذا نجد أن الله قد قرن بين الخوف والرجاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا).
وقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ).
وقد ورد كذلك عن النبي ﷺ أحاديث تؤكد أن الرجاء والخوف عاملان
стр. 1071
أساسيان وحافزان عظيمان يحركان العبد المؤمن إلى العبادة.
ففي حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبيه: ((يا حصين، كم تعبد اليوم إلهًا؟ )). قال: سبعة، ستاً في الأرض وواحدًا في السماء. قال: ((فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ )). قال: الذي في السماء ... الحديث. رواه الترمذي وحسنه. وهو حديث حسن.
فقد تبين من الحديث أن الرجل رغم كثرة معبوداته لابد أن يكون من بينها معبود يتقرب إليه خوفًا من عقابه ورجاء لثوابه.
ونظراً لأهمية الرجاء فقد أرشد الله عباده الذين يرجون لقاءه إلى أقرب سبيل يمكن سلوكها لتحقيق مرضاته تعالى، فقال: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).
وقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ). فوجههم إلى إخلاص العبادة لله وموافقة السنة في العمل.
وكذلك وعد من يرجو لقاءه خيراً، فقال: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ)، وأوعد من لا يرجو لقاءه فقال: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
стр. 1072
قال الشاطبي: (فإن الخوف والرجاء يسهلان الصعب، فإن الخائف من الأسد يسهل عليه تعب الفرار، والراجي لنيل مرغوبه يقصر عليه الطويل من المسافة).
ويقول ابن القيم: (الرجاء حاد يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويطيب لها السير ... والفرق بينه وبين التمني أن التمني يكون مع الكسل، ولا يسلك صاحبه طريق الجد والاجتهاد، والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل).
متى يكون الرجاء جائزاً ومتى يكون شركًا؟
هذه المسألة ربما يشكل على الناس بأن الإنسان ربما يرجو شيئًا عن الآخر فهل هذا شرك؟ وإجابةً على هذا الإشكال أقول:
لابد من التفريق بين الرجاء المتعلق بالأغراض الظاهرة والرجاء المتعلق بالأغراض الباطنة. فإن الإنسان وهو يمارس حياته العادية لابد أن تعتريه حاجات كثيرة، مثل أن يعتري صحتته بعض العلل، أو يصيب نشاطه المالي بعض الضوائق، إلى غير ذلك، فلو حصل أنه توجه بمثل هذه الحاجات إلى طبيب شرعي خبير بمرضه يرجو شفاءه على يديه، أو إلى أخ رحيم غني يرجو
стр. 1073
منه سداد تلك الثغرات المالية، فإنه يكون قد وضع الشيء في محله ولم يرتكب أمرًا يستنكر في الشرع، بل حكم هذا كحكم الخوف الطبيعي.
أما الرجاء السري الباطني الذي يتحكم في تصرفات الإنسان فيتصرف على نحو غير مفهوم لا في الشرع ولا في العقل فهو رجاء العبادة. فلو اعتراه حاجة من الحاجات الدنيوية كالحاجة إلى الصحة أو المال أو الولد أو النجاة من عدو أو خطر داهم، أو الحاجات الأخروية كالتثبيت عند المسألة أو الشفاعة في الخروج من المأزق أو في دخول الجنة والنجاة من النار، فلو توجه بشيء من ذلك إلى مخلوق يطلبه منه ـ وإن كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلاً أو رجلاً صالحاً حياً أو ميتًا ـ فإنه يكون قد اتخذه بذلك إلهًا، وجعله لله ندًا بصرفه هذه العبادة له.
فعلى المسلم الناصح لنفسه أن يقوي رجاءه في الله، ويعتقد أن كل ما يرجوه الإنسان في حياته الدنيا والأخرى إنما هو بيد الله ولا يمكن أن يتحقق إلا بإذنه تعالى وقضائه وقدره. والولي أو الرجل الصالح مهما علا مقامه عند الناس فهو عبد ذليل لله، لم يصل إلى مقامه في الولاية ـ إن صحت ولايته لله ـ إلا بتحقيقه للعبودية الصادقة لله وبعده عن الإشراك به، وهو في حاجة دائمة مستمرة إلى الله مولاه، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ). فكل مخلوق محتاج إلى الله في كل شيء، والله لا يحتاج إلى أحد في شيء. والمخلوق لا يملك للمخلوق شيئًا من النفع والضر إلا بإذن الله.
نماذج من الشرك بالرجاء:
لقد وجد هذا النوع من الشرك لدى المتصوفة؛ وذلك أنهم خرقوا كل هذه الأسس العقدية فتوجهوا بالرجاء الباطن إلى الأموات المقبورين والأحياء
стр. 1074
الغائبين، وحثوا أتباعهم على التوجه إليهم بالحاجات، حتى إن بعضهم يصرح لبعض أتباعه بأنه قريب ممن آمن به، فكأنه يريد أن يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ).
قال الدسوقي مخاطبًا تلميذه: (يا ولدي، إن صح عهدك معي فأنا منك قريب غير بعيد، وأنا في ذهنك، وأنا في سمعك، وأنا في طرفك، وأنا في جميع حواسك الظاهرة والباطنة، وإن لم يصح عهدك لا تشهد مني إلا البعد).
ولا يخفى أن نتيجة الاعتقاد بأن الشيخ معك أينما كنت هي ألا تقصد غيره بالحاجات والرغبات، وهو المقصود بصحة العهد.
وينقل آخر عن كرامات الدباغ: أن بعض الناس كان أسلفني دراهم وترك دراهم أخر أمانة عندي، ثم قام ليأخذ سلفه وأمانته، ولم يكن عندي شيء مما أسلفني ولا تيسر لي ما أبيعه في قضائه، وكنت أظنه بطيء الاحتجاج له، فأخرجت له الأمانة، وجعلت أذكر الشيخ بقلبي لكي لا يذكر لي السلف، فسكت ولم يذكر لي ذلك إلى الآن، وذلك نحو الستة أشهر، مع أنه قدم ليأخذ الأمرين لا محالة).
يقول الشعراني عن أحد شيوخه: (ولقد قصدته في حاجة وأنا فوق سطوح مدرسة أم خونذ بمصر، فرأيته خرج من قبره يمشي من دمياط وأنا أنظره إلى أن
стр. 1075
صار بيني وبينه نحو خمسة أذرع، فقال: عليك بالصبر، ثم اختفى ... ).
ومن العجيب أيضًا دعوى الشعراني أنه من الذين يقضون الحاجات بالقلب، حيث يقول: (سألت شيخنا: هل أقضي حوائج الناس بقلبي وأرسلهم في الظاهر إلى بعض الإخوان ليسألوهم في قضائها سترة أو تكبيرًا له وربنا سبحانه يميز كل عمل لصاحبه؟ فقال: لا تفعل، لأنك تؤذيه من حيث لا يشعر فيظن أنه الذي قضى الحاجة فندخله في القوم الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا).
ومن الأباطيل المضحة في هذا الباب ما قرره الدباغ بقوله:
(فقد يكون الرجل مشهوراً بالولاية عند الناس وتقضي للمتوسل به إلى الله الحوائج، ولا نصيب له في الولاية، وإنما قضيت حاجة المتوسل به على يد أهل التصرف (يقصد أهل الديوان الصوفي)، وهم ... الذين أقاموا ذلك الرجل في صورة الولي ليجتمع عليه أهل الظلام مثله).
أقول: ما فائدة هذه التمثيلية التي يقوم بها أهل التصرف؟
ألأجل أن يضل الناس ويزداد أهل الظلام ظلاماً؟ ونحن نعلم يقينًا أن أولياء الله لا هم لهم سوى إرشاد الناس إلى الحق وإلى سواء السبيل. ألا ما أكثر الفواقر والمخازي التي تصدر عن أعضاء هذه الحكومة الخفية في أذهان الصوفية.
بهذه الجهالات وتلك الضلالات زرع كبار المتصوفة في قلوب أتباعهم الرهبة منهم والرغبة إليهم وإفرادهم بذلك، فتم لهم ما أرادوا من رفعهم فوق كل مقام وتقديسهم تقديسًا لا يليق بمخلوق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1076
المطلب الرابع: الشرك بالله في عبادته بالتوكل
معنى التوكل:
التوكل في اللغة: معناه الاعتماد والتفويض، وهو من عمل القلب، يقال: توكل في الأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: أي ألجأت إليه واعتمدت فيه عليه. ومن أسماء الله الوكيل، بمعنى الحافظ، أي توكل القيام بجميع ما خلق، وقال بعضهم: الوكيل: الكفيل.
والتوكل على الله أمر من أعظم أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله، قال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
أقسام التوكل:
التوكل على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: التوكل الشركي (الاعتقادي):
وهو الاعتماد بالقلب على غير الله في جلب المنافع ودفع المضار، كالتوكل على الصنم والوثن، أو الإنس والجن وغيرها. وهو على نوعين:
أحدهما: الاعتماد بالقلب على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهو شرك أكبر.
ثانيهما: الاعتقاد بالقلب على الأحياء الحاضرين القادرين فيما يقدرون عليه مما أقدرهم الله من جلب نفع أو دفع ضر، فهو شرك أصغر، وقد يطلق عليه التوكل على الأسباب الظاهرة.
стр. 1077
القسم الثاني: التوكل في تصريف بعض أمور الدنيا:
كأن يوكل إنسانًا عنه قضاء بعض مصالحه الدينية والدنيوية: كالوكالة في الحج، أو البيع والشراء، فهذا جائز.
القسم الثالث: التوكل التوحيدي:
وهو التوكل الواجب، وهو الذي يكون باعتماد القلب على الله، وتفويض الأمور لله جل شأنه، وضده التوكل الشركي.
فعلمنا بذلك أن التوكل على الله في دفع المضار وتحصيل الأرزاق وما لا يقدر عليه إلا هو من أعظم أنواع العبادة، والتوكل على غيره في ذلك شرك أكبر، قال الله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، فأمر سبحانه بالتوكل عليه وحده، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، وجعل التوكل عليه شرطًا في الإيمان، كما جعله شرطًا في الإسلام في قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ)، فدل على انتفاء الإيمان والإسلام عمن لم يتوكل على الله أو توكل على غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو من أصحاب القبور والأضرحة وسائر الأوثان.
فالتوكل على الله فريضة يجب إخلاصها لله، وهو أجمع أنواع العبادة وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها، لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة؛ فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل ما سواه صح إخلاصه ومعاملته مع الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وما رجا أحد مخلوقاً ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه ... .
стр. 1078
والتوكل على الله من أعظم منازل (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله سبحانه، قال الله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا)، والآيات في الأمر به كثيرة جدًا، وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ).
قال الإمام ابن القيم ﵀ تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، فجعل التوكل على الله شرطًا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه، وكلما قوي إيمان العبد توكله أقوى، وإ ذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفاً كان دليلاً على ضعف الإيمان ولابد، والله تعالى في مواضع من كتابه يجمع بين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية، فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان، والإحسان أصل لجميع أعلام الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل.
وقد جعل الله التوكل عليه من أبرز صفات المؤمنين فقال : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، أي يعتمدون عليه بقلوبهم فلا يرجون
стр. 1079
سواه، وفي الآية وصف المؤمنين حقًا بثلاث مقامات من مقامات الإحسان: وهي الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده.
والتوكل على الله سبحانه لا ينافي السعي في الأسباب والأخذ بها، فإنه سبحانه قدر مقدورات مربوطة بأسباب، وقد أمر الله ﵎ بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالأخذ بالأسباب طاعة لله، لأن الله أمر بذلك، وهو من عمل الجوارح، والتوكل من عمل القلب، وهو إيمان بالله، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ)، وقال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)، وقال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ). قال بعض العلماء: من طعن في الحركة ـ يعني في السعي والكسب والأخذ بالأسباب ـ فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.
قال الإمام ابن رجب ﵀: والأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام:
أحدها: الطاعات التي أمر الله بها عباده وجعلها سببًا للنجاة من النار ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه والاستعانة به عليه، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فمن قصر في شيء من ذلك استحق العقوبة في الدنيا والآخرة قدرًا وشرعًا ... يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له.
стр. 1080
والثاني: ما أجرى الله العادة به في الدنيا وأمر عباده بتعاطيه؛ كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال في الحر، والتدفؤ من البرد ونحو ذلك، فهذا أيضًا واجب على العبد تعاطي أسبابه، ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله فهو مفرط يستحق العقوبة، لكن الله يقوي بعض عباده من ذلك على ما لا يقوى عليه غيره، فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره فلا حرج عليه، ولهذا كان النبي ﷺ يواصل في صيامه وينهي عن ذلك أصحابه ويقول لهم: ((إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى)). وقد كان كثير من السلف لهم من القوة على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم، فمن كان له قوة فعمل بمقتضى قوته ولم يضعفه ذلك عن طاعة الله فلا حرج عليه، ومن كلف نفسه حتى أضعفها عن بعض الواجبات فإنه ينكر عليه ذلك.
والقسم الثالث: ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب ... إلى أن قال: وقد روي عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن متوكلون، فيحجون فيأتون مكة ويسألون الناس، فأنزل الله هذه الآية (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، وقد سئل أحمد ﵀ عمن يقعد ولا يكتسب ويقول: توكلت على الله؟ فقال: ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب، وقد
стр. 1081
كان الأنبياء يؤجرون أنفسهم، وكان النبي ﷺ يؤجر نفسه وأبو بكر وعمر، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزقنا الله، وقال الله تعالى: (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).
وخرّج الترمذي من حديث أنس قال: قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: ((اعقلها وتوكل)). وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب المباحة، بل قد يكون جمعها أفضل، وقد لقى عمر بن الخطاب جماعة من أهل اليمن فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله.
أكثر من وقع في التوكل الشركي:
لقد وقف المتصوفة في مباحث التوكل على جانبين متضادين؛ فترى بعضهم أخذوا بمعنى التوكل بدون أخذ الأسباب وهذا في غاية الجهل والسفه كما ذكر. وسأذكر فيما يلي مثالاً واحدًا من مئات الأمثلة على توكلهم على غير الله.
يقول الدباغ تلميذه في وصيته: إذا عرضت له حاجة أن يذكرها له فقط فيقضيها الشيخ له في الباطن، حيث يقول له: (إذا أردت قضاء حاجة لك أو لغيرك فاذكرها لي ولا تزد؛ أي لا تحرص في قضائها ولا تهتم بها؛ فإن ذلك سبب عدم قضائها. فكان الأمر كذلك، فكنا إذا عرضت حاجة وذكرناها له
стр. 1082
وسكتنا جاء فيها الفرج سريعًا، وإذا وقع لنا بها اهتمام وعناية انغلق بابها).
وهذه دعوة صارخة إلى ترك الأخذ بالأسباب المشروعة بدعوى التوكل، وهو ممنوع للمتوكل على الله، فكيف بمن اعتمد على الشيخ ولم يأخذ بالأسباب؟ ونظراً لهذه التربية الشركية التي تلقاها هذه الرجل من شيخه فقد وصل به الحال إلى الحضيض فصار يذكر شيخه عند خوفه ورجائه بدل ذكر ربه.
وترى البعض الآخر يأخذ بالتوكل الشركي، حيث يتوكل على غير الله، وهذا واضح، وما زال هناك أناس جهلة متأثرة بالمتصوفة في العالم الإسلامي، يتوكلون على ما يسمونهم الأولياء والمشايخ عندما يخرجون لضرورة أو مهمة، أو كانوا بحرًا، فينادون مثلاً: يا شيخ بدر متوكلاً عليك، خصوصاً الذي هم ملاحون في البحر.
وهناك فئة أخرى من الناس يلتفتون إلى الأسباب، والذي يؤدي بهم إلى الشرك الأصغر.
المطلب الخامس: الشرك بالله في عبادته بالطاعة
معنى الطاعة:
الطاعة لغة: اسم من أطاعه طاعة، يقال: طاع له وأطاع سواء، فمن قال طاع يقال: يطاع، ومن قال أطاع قال: يطيع. ومنه الطوع: وهو ضد الكره. وطاع يطاع: معناه: انقاد ولان، وأطاعه إطاعة وانطاع له: كذلك، وقد طاع له يطوع: إذا انقاد له، بغير ألف، فإذا مضى لأمره فقد أطاعه، فإذا وافقه فقد
стр. 1083
طاوعه.
فعلمنا من هذا أن الطوع: ضد الكرة، والطاعة أبلغ منه بحيث يضاف إليه معنى الليونة والانقياد. حيث قالوا في الطاعة بأن معناها: لان وانقاد. وأطاع أبلغ منه فإن معناه امتثال الأوامر، وطاوع أبلغ منه لأن معناه: الموافقة زيادة على ذلك.
إذ إن الطاعة تتضمن معنى الذل والخضوع اللذين هما أصل معنى العبادة.
أما الطاعة في الشرع:
فمعناها العبادة. قال تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). وجه الدلالة: سمى الطاعة شركًا والمطيع مشركًا، والشرك يستعمل مقابل العبادة غالباً. ولهذا قيل في تعريف العبادة: بأنها الطاعة.
فالطاعة إذن عبادة. ولكنه أخص من العبادة المطلقة، كما تفهم من الآية السابقة، حيث إنه تعالى سمى المطيعين للشيطان في تحليل الحرام وتحريم الحلال عبادة، فليس كل طاعة عبادة، وإنما هي طاعة مخصوصة.
وعلى هذا: الشرك في الطاعة: هو أن يطيع أحدًا أو يتبع شيئًا ما ـ وإن كان حقيرًا ـ في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله.
стр. 1084
وقيل: (هو مساواة غير الله بالله في التشريع والحكم). وهذا التعريف منتقض، إذ ليس من شرط الشرك في الطاعة أن يعتقد المساواة، بل مجرد اتباع شيء ما في التحليل والتحريم يعتبر شركًا في الطاعة. فإنه لا شك في أن المشركين الذين أطاعوا الشيطان ما سووه في التحليل والتحريم مع الله، وإنما اتبعوه في التحليل والتحريم.
ألوان من الشرك في الطاعة في العصر الحاضر:
هناك ألوان من الشرك في الطاعة في العصر الحاضر، يمكن بيانها في الفروع التالية:
الفرع الأول: في بيان الشرك في الطاعة في قبول الحكم بغير ما أنزل الله:
الذين أطاعوا المبدلين المغيرين لشرع الله مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فإنه يكون شركًا بالله في الطاعة، ويدل عليه نصوص من القرآن والسنة وأقوال سلف هذه الأمة وخلفهم الذين اتبعوهم بإحسان.
فمن القرآن: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ).
وقوله تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن
стр. 1085
يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ).
وقوله تعالى: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ).
وجه الدلالة من هذه الآيات: أن الله سمى المتبع لغير شرع الله كافرًا، والعمل كفرًا، والمقصود من الكفر هنا الشرك، بدليل استخدامه في مقابل الاتباع لغير شرع الله، وقد أثبتنا أن اتباع شرع غير شرع الله شرك بالله في الطاعة والاتباع، ولا تناقض بتسميته كفرًا؛ لأن الشرك من خصال الكفر، فهنا استعمل العام بمعنى الخاص (إذا كان المتبعون يتبعون في التحليل والتحريم). كما يدل على ما قلنا الآيات التالية:
قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وقوله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).
قال الحافظ ابن كثير ﵀: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كما قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ).
стр. 1086
وأما من السنة:
فما رواه البيهقي في سننه الكبرى بسنده عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، قال: فسمعته يقول: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). قال: قلت: يا رسول الله! إنهم لم يكونوا يعبدونهم. قال: ((أجل، ولكن يحلون ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم)).
وروى البيهقي أيضاً عن أبي البختري قال: سئل حذيفة بن اليمان ﵁ عن هذه الآية (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). أكانوا يصلون لهم؟ قال: ((لا، ولكنهم كانوا يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله لم فيحرمونه، فصاروا بذلك أرباباً)).
أقوال سلف هذه الأمة وخلفها في المسألة:
لقد ذكر المفسرون والمحدثون والعلماء المحققون حكم من اتبع وأطاع غير شرع الله في التحليل والتحريم ـ سأذكر نماذج من هذه الأقوال فيما يلي:
стр. 1087
قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ ر حمه الله ـ: (هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً ـ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله ـ يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله، مشركًا مثل هؤلاء.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب ...
ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهدًا قصده اتباع الرسول لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع؛ فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. ولكن من علم هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه، وعدل عن قول الرسول، فهذا له نصيبه من الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن اتبع في ذلك هواه، ونصره باللسان واليد، مع علمه بأنه مخالف للرسول؛ فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه).
فهذا الكلام من شيخ الإسلام فيه نور، لقد فصل فيه شيخ الإسلام الحكم
стр. 1088
في المسألة، حيث ذكر أن طاعة المحلين للحرام والمحرمين للحلال يكون شركًا أكبر إذا كان هو عالمًا بأن هؤلاء قد غيروا شرع الله ثم اتبعه. وأما من كان اعتقاده وإيمانه بالتحريم والتحليل ثابتًا، ولكن مع هذا تبعهم في ذلك فهذا حكمه حكم المعاصي، وأما إذا كان اتباعه لهؤلاء المشرعين والمحلين والمحرمين لمجرد الهوى فإنه حينئذ يكون مرتكبًا الشرك الأصغر، ولهذا قال بعد هذا: ( ... وأما إن قلد شخصاً دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أنه الحق، فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيباً، لم يكن عمله صالحاً. وإن كان متبوعه مخطئًا، كان آثمًا. كمن قال في القرآن برأيه؛ فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار. وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإن ذلك لما أحب المال حبًا منعه من عبادة الله وطاعته، صار عبدًا له. وكذلك هؤلاء؛ فيكون فيه شرك أصغر، ولهم من الوعيد بحسب ذلك).
وقال ﵀ ملزمًا كل من علم حكم الله، التمسك به وإن أوذي في ذلك ـ: (ولو ضرب وحبس وأوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع حكم غيره كان مستحقاً لعذاب الله، بل عليه أن يصبر، وإن أوذي في الله فهذه سنة الله، في الأنبياء وأتباعهم).
وقال في موضع آخر: (ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله، واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله؛ كان مرتدًا كافرًا، يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (المص (١) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا
стр. 1089
يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ).
ويقول الشيخ أحمد شاكر ﵀: (وهذا مثل ما ابتلي به الدين درسوا القوانين الأوروبية من رجال الأمم الإسلامية ونسائها أيضًا، الذين أشربوا في قلوبهم حبها، والشغف بها، والذب عنها، وحكموا بها، وأذاعوها، بما ربوا من تربية أساسها صنع المبشرين الهدامين أعداء الإسلام. ومنهم من يصرح ومنهم من يتوارى، ويكادون يكونون سواء، فإنا لله وإنا إليه راجعون).
قول الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀:
بيّن ﵀ أنواع التوحيد، وبين أن الشرك مضاد للتوحيد، ثم قسم الشرك إلى ثلاثة أقسام: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي.
وبيّن ﵀ أن الشرك الأكبر لا يغفر لصاحبه في يوم القيامة، ثم قسمه إلى أربعة أنواع: وجعل أحد هذه الأنواع الأربعة: شرك الطاعة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
ثم قال: (وتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم، كما فسرها النبي ﷺ لعدي بن حاتم لما سأله
стр. 1090
فقال: لسنا نعبدهم، فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية.
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: بعد أن أورد عدة آيات من القرآن الكريم، قال: (وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور، أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان في ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم، إلا من طمس الله على بصيرته).
وقال: (ويفهم من هذه الآيات كقوله: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) أن متبعي غير ما شرعه الله تعالى أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله فيمن اتبع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). فصرح أنهم مشركون بطاعته، وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التشريع المخالف لما شرع الله ـ تعالى ـ هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). وقوله عن إبراهيم: (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا). وقوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثاً
следующие страницы →