Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا). والآيات الواردة في الحض على إخلاص العبادة لله ـ وحده لا شريك له ـ كثيرة جدًا في كتاب الله تعالى وكلها تدل على اهتمام الإسلام بإصلاح الفرد ظاهرًا، وباطنًا.
من هذه الآيات الكريمات قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).
قال ابن كثير: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك).
وقوله تعالى: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ).
قال الحافظ ابن كثير: أي فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك وأعلمهم أنه لا تصح العبادة إلا له وحده وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد، ولهذا قال تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له. قال قتادة في تفسير قوله تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ): (شهادة أن لا إله إلا الله). وعلى هذا التفسير يكون
стр. 1262
معنى الآية: أي: التوحيد الصافي من شوائب الشرك وهو المستحق لذلك وحده.
وقوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ). فهذه الآية أيضًا تأمر بعبادة الله ـ تعالى ـ العبادة الخالصة البعيدة عن كل إشراك.
وقوله تعالى: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي) في هذه الآية إخبار بأنه ﷺ أمر بأن يخص الله تعالى وحده بالعبادة مخلصًا له دينه ولا يعبد أحدًا غيره. فقوله: (اللَّهَ أَعْبُدُ) يفيد الحصر؛ أي: لا أعبد أحدًا غير الله تعالى.
وقوله تعالى: (فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ). قال الحافظ ابن كثير: أي فاخلصوا لله وحده العبادة والدعاء وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم.
وقوله تعالى: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).
(قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: قال تعالى: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي هو الحي أزلاً وأبدًا لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي لا نظير له ولا عديل له (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو، الحمد لله رب العالمين.
وقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ).
قال ابن كثير: (قوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) كقوله:
стр. 1263
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، ولهذا قال: (حُنَفَاءَ) أي متحنفين عن الشرك إلى التوحيد كقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). قوله: (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) وهي أشرف عبادات البدن (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي الملة القائمة العادلة أو الأمة المستقيمة المعتدلة. وقد استدل كثير من الأئمة بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان ولهذا قال: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ).
فهذه الآيات الكريمات كلها تدل على أهمية الإخلاص وتدل على أنه يجب على كل إنسان أن يحققه في عبادته لربه، لتكن عبادته مقبولة عند الله ـ تعالى ـ، والقرآن الكريم عند ما يطلق اسم الإخلاص لا يريد به التوجه إلا الله في عمل من الأعمال، بل المقصود به أن يتوجه المكلف بأعماله كلها إلى الله وحده دون سواه، فلا يقصد بعبادته ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلاً ولا يعبد شجرًا ولا حجرًا ولا شمسًا ولا قمرًا، فالإخلاص يعني أن يتوجه بالأعمال القلبية لله وحده، كما يتوجه بالأعمال الظاهرة، والإخلاص هو الدين الذي بعث الله به الرسل جميعًا، فكان محور دعوتهم ولبها، وهو الدين الذي طالبت به الرسل الأمم التي أرسلت إليها (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)، وطالما أن للإخلاص هذه الأهمية في القرآن فإنه ينبغي أن نعرف أهميته من السنة النبوية:
стр. 1264
لقد أكدت السنة النبوية على أهمية الإخلاص في عبادة الله في أحاديث كثيرة، منها:
١ - ما رواه الشيخان عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)).
فقد بين النبي ﷺ أن القتال الذي يكون لله وفي سبيله إنما هو القتال الذي يكون الغاية منه رفع راية الإسلام، أما القتال لأجل مراءات الناس، وإظهار الشجاعة، أو للحمية، كل هذا في سبيل الشيطان، وليس في سبيل الرحمن.
٢ - وروى الإمام أحمد من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)).
قال العلامة ابن القيم: (أي لا يبقى فيه غل، ولا يحمل الغل معهذه الثلاثة بل تنفي عنه غلة وتنقيه منه، وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة، والضلالة، فهذه الثلاثة تملؤه غلاً، ودغلاً، ودواء هذا الغل، واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة الرسول).
стр. 1265
وقال في موضع آخر: (أي: لا يحمل الغل ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنها تنفي الغل والغش وفساد القلب وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصه يمنع غل قلبه، يخرجه ويزيله جملة؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبق فيه موضع للغل والغش، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)، فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء. ولهذا لما علم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص استثناهم من شرطه التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).
قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ). فالإخلاص هو سبيل الخلاص، والإسلام مركب السلامة، والإيمان خاتم الأمان).
٣ - وأخبر ﷺ أن الإنسان إذا قصد بعمله وجه الله ـ تعالى ـ زاده الله رفعة ودرجة في دنياه وآخرته. دل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءني رسول الله يعودني في حجة الوداع من وجع اشتد بي .. فقلت: يا رسول الله أخلّف بعد أصحابي، قال: ((إنك لن تُخلّف فتعمل عملاً
стр. 1266
تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ... )).
٤ - وأخبر ﷺ أن العمل بقصد الرياء والسمعة محبط للعمل وموجب للنار، كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، (قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدق بماله).
فقارئ القرآن قرأه ليقال: فلان قارئ، والمجاهد جاهد ليقال: فلان شجاع، والمتصدق تصدق ليقال: فلان جواد، ولم تكن أعمالهم خالصة لله ـ تعالى ـ فكانوا من أصحاب النار؛ لأنهم قصدوا بأعمالهم غير الله فوقعوا في الشرك، والله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك. كما في حديث آخر قدسي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي تركته وشركه))، وقال تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ).
٥ - كما أن النبي ﷺ أخبر في حديث آخر أن من لم يخلص لله في عمله لا يقبل منه، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه جاء رجل إليه ﷺ وقال: (أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر؛ ما له؟ فقال رسول الله ﷺ : ((لا شيء له)) فأعادها ثلاث مرار، ويقول رسول الله ﷺ : ((لا شيء له))، ثم قال: ((إن الله لا يقبل
стр. 1267
من العمل إلا ما كان خالصًا وابتغي به وجهه)).
٦ - كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما ابتغي به وجه الله)).
٧ - كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)). وفي رواية: ((وأعمالكم)).
ففي هذا الحديث ذكر إخلاص النية بقوله: ((إلى قلوبكم))، وذكر وجوب كونه صواباً في نفس الأمر بقوله: (وأعمالكم))؛ حيث تجب الأعمال أن تكون على وفق هدي الرسول.
٨ - وقال النبي ﷺ : ((الغزو غزوان: فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخرًا ورياءً وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف)).
فهذه بعض الأحاديث النبوية تدل على أهمية الإخلاص ووجوبه في أعمال العباد القلبية والبدنية والقولية.
فعلى الإنسان أن يجتهد في تحقيق الإخلاص في أقواله وأفعاله ـ القلبية
стр. 1268
والبدنية ـ التي يتقرب بها إلى الله جل وعلا ـ، وأن يحاول جاهدًا أن يربي نفسه ويعودها الأخذ بالإخلاص في جميع أعماله؛ إذ الإخلاص من أشق الأشياء عليها.
قال الإمام أحمد ﵀: (أمر النية شديد).
وقال سفيان الثوري: (ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي لأنها تنقلب علي).
وقال آخر: (تخليص النية من فسادها أشد على العالمين من طول الاجتهاد).
وقال سهل بن عبد الله التستري: (وليس على النفس شيء أشق من الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب).
وقال آخر: (أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر، فيجب على من نصح نفسه أن يكون اهتمامه بتصحيح نيته، وتخليصها من الشوائب فوق اهتمامه بكل شيء لأن الأعمال بالنيات ولكل امري ما نوى).
стр. 1269
ويقول بعضهم: المخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس، من أجل صلاح قلبه مع الله ، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله.
ولا شك أن الإخلاص يحتاج إلى مجاهدة كبيرة حتى يناله العبد تماماً، فإن النفس الأمارة بالسوء تشين الإخلاص في قلوب المكلفين، وكما يقول ابن القيم: (وتريه صورة الإخلاص في صورة ينفر منها، وهي الخروج على حكم العقل المعيشي، والمداراة والمداهنة التي بها اندراج حال صاحبها ومشيه بين الناس، فمتى أخلص أعماله ولم يعمل لأحد شيئًا تجنبهم وتجنبوه، وأبغضهم وأبغضوه ... ).
فالسلف كانوا يجتهدون غاية الاجتهاد في تصحيح نياتهم ويرون الإخلاص أعز الأشياء، وأشقها على النفس، وذلك لمعرفتهم بالله، وما يجب له، ويعلل الأعمال وآفاتها، ولا يهمهم العمل لسهولته عليهم، وإنما يهمهم سلامة العمل وخلوه من الشوائب المبطلة لثوابها أو المنقصة له، فقلب الإنسان هو الأساس في عبادة الله ـ تعالى ـ وهو موضع نظر الله تعالى، ومحل عنايته، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ السابق ذكره.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الإنسان مأمور أن يصفي وينقي عمله من جميع شوائب الشرك، وأن يفعل كل الطاعات على وجه الإخلاص ولابد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة كالإيمان بالله، ورسوله، والعبادات البدنية، والمالية، ومحبة الله ورسوله، والإحسان إلى عباد الله بالنفع، والمال هو مأمور بأن يفعله
стр. 1270
خالصًا لله رب العالمين، لا يطلب من مخلوق عليه جزاء لا دعاء ولا غير دعاء، فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء لا دعاء، ولا غير دعاء).
فصلاح القلب أساس قبول العمل ولا يعتبر العمل مقبولاً إلا إذا كان عن نية خالصة لوجه الله ـ تعالى ـ، أما العمل إذا كان مقصوراً به مراءات الناس، أو السمعة فإن ذلك مبطل للعمل من أساسه بالكلية، ويفضح الله سريرته صاحبه يوم القيامة بين الخلائق عامة، فعلى العبد أن يتقي الرياء ويخلص العمل لله ـ تعالى ـ فإن الرياء من الأعمال الدنيئة التي تهبط بالإنسان إلى أسفل الدرجات، أما إذا أظهر الإنسان الطاعات للناس دون قصد منه، وكانت مصحوبة بالإخلاص، فأعجبهم عمله وحمدوه على ذلك فهذا لا يحبط عمله، ولا ينافي ذلك إخلاصه.
برهان ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ قال: أريت الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه؟ قال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن)).
стр. 1271
المبحث الثالث موانع الإخلاص والحذر من الشرك
الأمور المنافية للإخلاص كثيرة ويمكن أن نقسمها قسمين:
١ - الأمور المنافية له صراحة: وهي الشرك بأنواعه، وقد سبق بيانه في الفصول السابقة.
٢ - الأمور المنافية له خفيًا: وهذه الأمور هي التي يقع فيها الناس كثيرًا حتى من عنده إيمان راسخ، وهي كثيرة من أهمها:
أ- حب الدنيا والمال وحب الشهرة.
ب- حب الشرف والرياسة.
ج- الرياء.
د- السمعة.
هـ - العجب، وغيرها.
فهذه الأمور كلها منافية للإخلاص، لا تجتمع مع الإخلاص أبدًا، ولهذا لا يفوتنا أن نذكر هنا كلمة لابن القيم وضعها ﵀ كنبراس لتحقيق الإخلاص في القلب، قال ﵀: (لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع، والزهد في الثناء والمدح،
стр. 1272
سهل عليك الإخلاص.
فإن قلت: وما الذي يسهل عليّ ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟
قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينًا أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره ولا يؤتي العبد منها شيئًا سواه.
وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمه ويشين إلا الله ـ وحده ـ كما قال الأعرابي للنبي ﷺ أن مدحي زين، وذمي شين، فقال: ((ذلك الله ). فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر من غير مركب.
قال تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ).
وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ).
فهذه بعض وسائل القضاء على حب الشرف والرئاسة والثناء كما ذكره الإمام ابن القيم، ولكن بقية الموانع من الإخلاص كالرياء والسمعة والعجب، أما الرياء: فهو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس، فيحمدوا صاحبها، فهو يقصد التعظيم والمدح والرغبة أو الرهبة فيمن يرائيه، وأما السمعة: فهي
стр. 1273
العمل لأجل سماع الناس، وأما العجب: فهو قرين الرياء، وقد فرق بينهما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: (فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس).
والكلام عليها طويل جدًا، وحسبنا أن نشير هنا إلى بعض المسالك الدقيقة للرياء وخفاياه على النحو التالي:
أولها: ما ذكره أبو حامد الغزالي في إحيائه حيث قال ـ أثناء ذكره للرياء الخفي ـ: (وأخفى من ذلك أن يختفي (العامل بطاعته) بحيث لا يريد الاطلاع، ولا يسر بطهور طاعته، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب ان يبدؤوه بالسلام، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وأن يثنوا عليه، وأن يوسعوا له في المكان، فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه، ووجد لذلك استبعادًا في نفسه، كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها مع أنه لم يطع عليه، ولو لم يكن وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم الله، ولم يكن خاليًا عن شوب خفي من الرياء لم يسلم منه إلا الصديقون).
وأما ثانيها: فهو أن يجعل الإخلاص لله وسيلة ـ لا غاية وقصداً ... ـ لأحد المطالب الدنيوية.
وقد نبه شيخ الإسلام على تلك الآفة الخفية فكان مما قال ﵀: (حكي أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يومًا تفجريت ينابيع
стр. 1274
الحكمة من قلبه على لسانه، قال: فأخلصت أربعين يومًا فلم يتفجر شيء فذكرت ذلك بعض العارفين، فقال لي: إنك إنما أخلصت للحكمة، ولم تخلص لله تعالى ... ).
ثم قال ابن تيمية: (وذلك لأن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه، أو غير ذلك من المطالب، وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطالب ذلك بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضًا، لأن من أراد شيئًا لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته، والأول: يراد لكونه وسيلة إليه، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالماً أو عارفاً أو ذا حكمة، أو صاحب مكاشفات وتصرفات ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله، بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك المطلوب الأدنى ... ).
ولذا يقول الشاطبي ﵀: (إن الفاعل للسبب عالمًا بأن المسبب ليس إليه، إذا وكله إلى فاعله وصرف نظره عنه كان أقرب إلى الإخلاص، فالمكلف إذا لبى الأمر والنهي في السبب من غير نظر إلى ما سوى الأمر والنهي، خارج عن حظوظه، قائم بحقوق ربه، واقف موقف العبودية، بخلاف ما إذا التفت إلى المسبب ورعاه، فإنه عند الالتفات إليه متوجه شطره، فصار توجهه إلى ربه بالسبب، بواسطة التوجه إلى المسبب، ولا شك في تفاوت ما بين الرتبتين في الإخلاص).
ولما ذكر الشاطبي حكاية: (من أخلص لله أربعين يومًا ... ) قال ﵀: (هذا واقع كثيرًا في ملاحظة المسببات [النتائج والعواقب] في الأسباب،
стр. 1275
وربما غطت ملاحظتها فحالت بين المتسبب وبين مراعاة الأسباب، وبذلك يصير العباد مستكثرًا لعبادته، والعالم مغترًا بعلمه، إلى غير ذلك).
وأما ثالثها: وهو ما أشار إليه ابن رجب ﵀ بقوله: (وهاهنا نكتة دقيقة، وهي أن الإنسان قد يذم نفسه بين الناس، يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع عند نفسه؛ فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء).
علاج الرياء:
إن لكل داء دواء علمه من علمه وجهله من جهله، ولداء الرياء ـ وكذا غيره مما يضاد الإخلاص ـ أنواع من العلاج والدواء، فمنها:
* أن يعلم المكلف علمًا يقينيًا بأنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضًا ولا أجرة، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته، فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضل منه وإحسان إليه لا معارضة.
* مشاهدة لمنة الله عليه وفضله وتوفيقه، وأنه بالله لا بنفسه، وأنه إنما أوجب عمله مشيئة الله لا مشيئته هو، فكل خير فهو مجرد فضل الله ومنته.
* مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره وما فيه من حظ النفس ونصيب الشيطان، فكل عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قل، وللنفس فيه حظ.
* سوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها، وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله، فإنه يحول بينه وبين الرضى بعمله والرضى عن نفسه والعجب والرياء.
стр. 1276
* تذكير النفس بما أمر الله تعالى به من إصلاح القلب، وإخلاصه، وحرمان المرائي من التوفيق.
* خوف مقت الله تعالى إذا اطلع على قلبه وهو منطو على الرياء.
* الإكثار من العبادات غير المشاهدة، وإخفاؤها؛ كقيام الليل، وصدقة السر، والبكاء خاليًا من خشية الله، وكان السلف يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها.
* تحقيق تعظيم الله تعالى، وذلك بتحقيق التوحيد والتعبد لله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
* تذكر الموت وسكراته، والقبر وأهواله، واليوم الآخر بأحواله التي تشيب لها الولدان.
* معرفة الرياء ومداخله وخفاياه؛ حتى يتم الاحتراز منه.
* النظر في عاقبة الرياء في الدنيا ومضاره؛ فليعلم العبد أن الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء، لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له كما جاء في وصية رسول الله ﷺ لابن عباس، ولذا قال بعض السلف: من عرف الناس استراح، وقال بعضهم: جاهد نفسك في دفع أسباب الرياء عنك، واحرص على أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان، ولا تفرق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها أو غفلتهم عنها، واقنع بعلم الله وحده.
ورضي الله عن عمر الفاروق القائل: (فمن خلصت نيته في الحق ولو على
стр. 1277
نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله). يقول ابن القيم ﵀ معلقًا على عبارة أمير المؤمنين عمر ﵁: (ومن تزين بما ليس فيه شانه الله): (لما كان المتزين بما ليس فيه ضد المخلص، فإنه يظهر للناس أمرًا وهو في الباطن بخلافه، عامله الله بنقيض قصده، فإن المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعًا وقدرًا، ولما كان المخلص يعجل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة والمهابة في قلوب الناس، عجل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته أن شانه الله بين الناس؛ لأنه شان باطنه عند الله، وهذا موجب أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا ... ).
* النظر إلى عاقبة الرياء في الآخرة ومضاره وفضيحته: فإن مما يدفع الرياء معرفة عاقبته في الآخرة، والتي منها: رد عمله كما في حديث الثلاثة المذكور سابقًا، الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة مع أنهم كانوا فعالين للخير إلا أنهم لم يريدوا به وجه الله وإنما أرادوا به العباد، كما في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: ((من سمّع سمّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به)).
يقول ابن حجر ﵀: قال الخطابي: (معناه: من عمل عملاً على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله
стр. 1278
ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه). فإذا علم الإنسان أن هناك يوم حساب، وعلم شدة حاجته في ذلك اليوم إلى العمل الصالح، وعلم عاقبة الرياء غلب على نفسه الحذر من الرياء كي يقبل عمله وكيلا ينفضح في ذلك اليوم.
* معرفة عظم جزاء المخلص في دنياه وآخرته. يقول عمر ﵁: (فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته! )؛ يريد به تعظيم جزاء المخلص أنه رزق عاجل إما للقلب أو للبدن أو لهما، ورحمته مدخرة في خزائنه؛ فإن الله سبحانه يجزي العبد على ما عمل من خير في الدنيا ولابد، ثم في الآخرة يوفيه أجره، كما قال تعالى: (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). فما يحصل في الدنيا من الجزاء على الأعمال الصالحة ليس جزاء توقية، وإن كان نوعًا آخر كما قال تعالى عن إبراهيم ﵇: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) ... فأخبر سبحانه أنه أتى خليله أجره في الدنيا من النعم التي أنعم بها عليه في نفسه وقلبه وولده وماله وحياته الطيبة، ولكن ليس ذلك أجر توفية. فإذا نظر الإنسان إلى عاقبة الإخلاص في الدنيا والآخرة فإنه يترك ما يخالفه لا محالة.
* الاستعانة بالله على الإخلاص، والتعوذ به من الرياء، فعلى المسلم أن يكثر من الدعاء والتضرع إلى الله؛ بأن يقيه الرياء ودواعيه، كما جاء في الحديث، عن رسول الله ﷺ أنه علم الدعاء للتخلص مما يخالف الإخلاص،
стр. 1279
حيث قال: ((تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم ... )).
فهذه بعض أنواع العلاج للرياء، وهي تصلح للأنواع الأخرى من موانع الإخلاص أيضًا كما هو ظاهر.
مزالق وتنبيهات في أن هناك بعض الأمور التي يظن أنها مخالفة للإخلاص وهي في الحقيقة ليست مخالفة له:
هناك أمور يعملها العبد قد يظنها بعض الناس أنها تخالف الإخلاص وهي ليست مخالفة له، ولهذا يجري التنبيه عليها رفعًا للبس.
منها ما يلي:
تحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس إنما هو ليراه الناس، كذلك كل تجمل لأجلهم، حيث إن كثيرًا من الناس لا يحبون أن يراهم أحد بعين نقص في أي حال، ومن الناس من يؤثر إظهار نعمة الله عليه فهذا ليس منافيًا للإخلاص.
وكذلك كتمان الذنوب وعدم إظهارها، بل هو واجب شرعي؛ لأن الله يكره ظهور المعاصي ويحب سترها.
وكذلك نشاط العبد بالعبادة عند رؤية العابدين، كأن يبيت الرجل مع المتهجدين فيصلون أكثر الليل وعادته قيام ساعة فيوافقهم، أو يصومون فيصوم، ولولا الله ثم هم ما انبعث هذا النشاط، هذا ليس مخالفًا للإخلاص على الإطلاق بل فيه تفصيل، ولمعرفة العبد ذلك عليه في مثل هذه الحالة أن يمثل القوم في مكان يراهم ولا يرونه، فإذا رأى نفسه تسخو بالتعبد فهو لله،
стр. 1280
وإن لم تسخ كان سخاؤها عندهم غير صادر عن الإخلاص، وعلى هذا فقس.
وكذلك إذا عمل العبد العمل لله خالصًا ثم ألقي له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين ففرح بفضله ورحمته لم يضره ذلك ولم يعد مخالفاً للإخلاص، وقد سبق معنا بيان الحديث الدال عليه.
ومن الأمور التي قد يقع الخلط فيها عند بعض الناس، عدم التفريق بين الرياء ومطلق التشريك، حيث أشكل ذلك على بعض أهل العلم، فحكموا على العبادات التي قصد بها العابد أمرًا أقره الشارع بالبطلان، كمن يجاهد الكفار ولكي ينال الغنيمة ونحوهما، ولقد بين القرافي ﵀ الفرق بينهما، فقال: (الفرق الثاني والعشرون والمائة بين قاعدة الرياء في العبادة وبين قاعدة التشريك فيها: اعلم أن الرياء شرك وتشريك مع الله تعالى في طاعته، وهو موجب للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة، فالرياء أن يعمل العمل المأمور به المتقرب به إلى الله تعالى، ويقصد به وجه الله تعالى، وأن يعظمه الناس أو بعضهم، فيصل إليه نفعهم، أو يندفع به ضررهم.
وأما مطلق التشريك كمن جاهد لتحصيل طاعة الله بالجهاد، وليحصل له المال من الغنيمة، فهذا لا يضيره، ولا يحرم عليه بالإجماع؛ لأن الله جعل له هذا في العبادة، ففرق بين جهاده ليقول الناس: هذا شجاع، أو ليعظمه الإمام فيكثر عطاؤه من بيت المال، هذا ونحوه رياء وحرام، وبين أن يجاهد لتحصيل السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو مع أنه قد شرّك، ولا يقال لهذا:
стр. 1281
رياء، بسبب أن الرياء أن يعمل ليراع غير الله من خلقه، والرؤية لا تصح إلا من الخلق.
وكذلك من حج وشرّك في حجه غرض المتجر، وكذلك من صام ليصح جسده، أو ليحصل له زوال مرض من الأمراض التي ينافيها الصوم، ولا يقدح هذا في صومه، بل أمر بها صاحب الشرع في قوله ﷺ : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) فلو كان ذلك قادحًا لم يأمر به ﷺ في العبادة.
فهذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق، بل هي تشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك ولا تصلح للإدراك، ولا للتعظيم، ولا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تنقص الأجر، وأن العبادة إذا تجردت عنها زادت الأجر وعظم الثواب).
وقد تحدث العز بن عبد السلام عما هو قريب من تلك المسألة فعقد
стр. 1282
فصلاً بعنوان: (فصل في بيان أن الإعانة على الأديان وطاعة الرحمن ليست شركًا في عبادة الديان وطاعة الرحمن)، فقال: (إن قيل: هل يكون انتظار الإمام المسبوق ليدركه في الركوع شركًا في العبادة أم لا؟ قلت: ظن بعض العلماء ذلك وليس كما ظن، بل هو جمع بين قربتين لما فيه من الإعانة إلى إدراك الركوع، وهي قربة أخرى، والإعانة على الطاعات من أفضل الوسائل عند الله ... ). ويدل عليه قوله ﷺ : ((إني لأدل في الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه)).
وقد كان مالك بن الحويرث ﵁ يقول: (إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة) أي حضور صلاة معينة .. (أصلي كيف رأيت النبي ﷺ يصلي).
قال الحافظ ابن حجر: (فيه دليل على جواز مثل ذلك، وأنه ليس من باب التشريك في العبادة). وقال الشاطبي ـ في مثل هذا المقام ـ: (إن ما تعبد العباد به على ضربين: أحدهما: العبادات المتقرب بها إلى الله بالأصالة ... والثاني: العادات الجارية بين العباد التي في التزامها نشر المصالح بإطلاق،
стр. 1283
وفي مخالفتها نشر المفاسد بإطلاق ... فأما الأول فلا يخلو أن يكون الحظ المطلوب دنيويًا أو أخرويًا، فإن كان أخرويًا فهذا حظ وقد أثبته الشرع ... وإذا ثبت شرعًا فطلبه من حيث أثبته صحيح، إذ لم يتعد ما حده الشارع، ولا أشرك مع الله في ذلك العمل غيره، ولا قصد مخالفته، إذ قد فهم من الشارع حين رتب على الأعمال جزاء أنه قاصد لوقوع الجزاء على الأعمال، فصار العامل ليقع له الجزاء عاملاً لله وحده على مقتضى العلم الشرعي، وذلك غير قادح في إخلاصه؛ لأنه علم أن العبادة المنجية، والعمل الموصل ما قصد به وجه الله، لا ما قصد به غيره).
ويقول أيضاً: (فحظوظ النفس المختصة بالإنسان لا يمنع اجتماعها مع العبادات، إلا ما كان بوضعه منافيًا لها، كالحديث والأكل والشرب والنوم والرياء وما أشبه ذلك، أما ما لا منافاة فيه فكيف يقدح القصد إليه في العبادة؟ هذا لا ينبغي أن يقال، غير أنه لا ينازع في أن إفراد قصد العبادة عن قصد الأمور الدينوية أولى ... ).
وقد سئل ابن تيمية ﵀ عن رجل يتلو القرآن مخافة النسيان، ورجاء الثواب، فهل يؤجر على قراءته للدراسة ومخافة النسيان أم لا؟ فأجاب ﵀ (إذا قرأ القرآن لله ـ تعالى ـ فإنه يثاب على ذلك بكل حال، ولو قصد بقراءته أن يقرأه لئلا ينساه، فإن نسيان القرآن من الذنوب، فإذا قصد القرآن أداء الواجب عليه من دوام حفظه للقرآن، واجتناب ما نهي عنه من إهماله حتى ينساه، فقد
стр. 1284
قصد طاعة الله فكيف لا يثاب ... ).
يجتهد بعض العباد للتخلص من الرياء والسلامة منه، لكنهم يشتطون في ذلك، فينزلقون في مسلك: (ترك العمل خوف الرياء)؛ فترى أحدهم قد اعتاد فعل الخير، فيعرض في نفسه عارض الرياء، فيترك هذه الطاعة خوفًا من هذا العارض، ولا شك أن هذا خطأ وانحراف لا يقل خطرًا عما يقابله من الرياء والسمعة، ولقد كشف الفضيل بن عياض ﵀ عن هذا الانحراف فقال: (ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما).
قال النووي ﵀: (ومعنى كلامه ﵀ أن من عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراه الناس، فهو مراء؛ لأنه ترك العمل لأجل الناس، أما لو تركها ليصليها في الخلوة فهذا مستحب إلا أن تكون فريضة أو زكاة واجبة، أو يكون عالمًا يُقتدى به فالجهر بالعبادة في ذلك أفضل ... ).
ويقول ابن تيمية ﵀: (ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحى، أو قيام ليل، أو غير ذلك، فإنه يصليه حيث كان، ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس، إذا علم الله من قلبه أن يفعله سرًا لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء ومفسدات الإخلاص ... ـ إلى أن قال ـ: ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء، فنهيه مردود عليه من وجوه:
أحدها: أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفًا من الرياء بل يؤمر بها
стр. 1285
وبالإخلاص فيها ... فالفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياء ...
الثاني: لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة ...
الثالث: إن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل الخير والدين، إذا رأوا من يظهر أمرًا مشروعًا، قالوا: هذا مراء، فيترك أهل الصدق إظهار الأمور المشروعة حذرًا من لمزهم، فيتعطل الخير ...
الرابع: إن مثل هذا من شعائر المنافقين، وهو الطعن على من يظهر الأعمال المشروعة، قال تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وقد تمادى أصحاب هذا المسلك في هذا الانحراف، حتى وصل بهم الحد إلى قصد ذم الناس ولومهم، وسموا بـ (الملامية) وهم الذين يفعلون ما يلامون عليه، ويقولون: نحن متبعون في الباطن، أرادوا بذلك مقابلة المرائين، فردوا باطلهم بباطل آخر، وهدى الله أهل السلوك من أهل السنة والجماعة إلى التزام الصراط المستقيم فكانوا وسطًا بين المرائين والملامية.
ومما هو قريب مما سبق، ويقع فيه اللبس والاشتباه: عدم التفريق بين حب الرئاسة والولاية، وبين حب الإمارة لأجل الدعوة إلى الله تعالى، وقد أوضح ابن القيم ﵀ ذلك فقال: (الفرق بين حب الرئاسة، وحب الإمارة للدعوة إلى الله هو الفرق بين تعظيم أمر الله والنصح له، وتعظيم النفس
стр. 1286
والسعي في حظها، فإن الناصح لله المعظم له المحب له يجب أن يطاع ربه فلا يعصى، وأن يكون الدين كله لله، وأن يكون العباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه، فقد ناصح الله في عبوديته، وناصح خلقه في الدعوة إلى الله، فهو يحب الإمامة في الدين؛ بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إمامًا يقتدي به المتقون، كما اقتدى هو بالمتقين، فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى الله أن يكون في أعينهم جليلاً وفي قلوبهم مهيبًا، وإليهم حبيباً لكي يأتموا به ويقتفوا أثر الرسول على يده لم يضره ذلك بل يحمد عليه؛ لأنه داع إلى الله يحب أن يطاع ويعبد ويوحد ... وهذا بخلاف طلب الرئاسة، فإن طلابها يسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض، وتعبد القلوب لهم وميلها إليهم ومساعدتها لهم على جميع أغراضهم، مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم، فترتب على هذا المطلوب من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله، من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة ... ) إلى آخر ما قاله ابن القيم.
стр. 1287
الباب الخامس المقارنة بين شرك القديم والحديث
وفيه فصلان:
الفصل الأول: المقارنة من حيث أنواع الشرك
الفصل الثاني: المقارنة من حيث توافق أسباب الشرك بين القديم والحديث.
стр. 1288
الفصل الأول مقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث أنواعه
стр. 1289
الفصل الأول مقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث أنواعه
تم استعراض أنواع الشرك قديمًا وحديثاً في الأبواب السابقة، ومن خلال ما استعرضنا نستطيع أن نقارن بين أنواع الشرك في القديم والحديث من حيث وقوعها في الناس قديمأ وحديثاً على النحو التالي:
المقارنة من حيث وقوع الناس في الشرك في الربوبية قديمًا وحديثاً:
الأولى: الشرك في الربوبية بالتعطيل:
والكلام على التعطيل يأتي على الترتيب الآتي:
أ- تعطيل المصنوع عن صانعه:
ليس عندنا ما يدل على أن الأمم السابقة تورطت بهذا النوع من الشرك على العموم، بل كان في بعض الأفراد كفرعون، والملك الذي حاج إبراهيم في ربه، وإن كان هناك وجود لهذا النوع من الشرك في العرب في الجاهلية، ولكن مظاهره كانت محدودة ومعدودة للغاية، يكاد ينحصر في بعض الناس.
ولكن شرك هذا العصر تميز بسمة بارزة في هذا الجانب، حيث وجد هذا النوع من الشرك بكثرة وغلبة في كثير من نواحي العالم، مع ادعاء أصحابه أنهم على حجة وبرهان، وإن هي إلا سراب ومكابرة وتمرد على فطرة الله التي فطر الناس عليها.
فهذه المقارنة تدلنا على أن الشرك في هذا العصر ـ المتحضر بزعم أهله ـ بلغ إلى
стр. 1290
أخبث مراتب الشرك وأقبحها؛ حيث إنهم أنكروا الصانع مع دعواهم أنهم بلغوا قمة الحضارة والثقافة وأعلاهما.
ب- الشرك في الربوبية بتعطيل الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله:
إننا إذا نظرنا إلى الأمم السابقة رأينا أن هناك طائفة من الناس قد وقعوا في هذا النوع من الشرك.
فبالنسبة للشرك في الربوبية في أسماء الله وصفاته، فقد وقع فيه بعض الأمم مثل قوم عاد الذين أنكروا صفة القدرة لله جل شأنه.
أما بالنسبة للشرك في الربوبية بتعطيل أفعال الله، فكل أمة أنكرت إرسال الرسل والشرع والبعث والحشر والنشر وغيرها من أفعال الله، فقد وقعت فيه لا محالة، وقد كانت الأمم السابقة غالباً تنكر هذه الأشياء.
وإذا نظرنا إلى شرك العرب في الجاهلية في هذا الجانب، فإننا نراهم قد أشركوا بالله بتعطيل الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله. غير أن ظاهرة الشرك بالتعطيل في أسمائه وصفاته لم تكن منتشرة، بل ربما كانت هذه الظاهرة لدى طائفة من طوائفهم، وكذلك في بعض الأسماء والصفات لا في جميعها.
وأما بالنسبة للشرك بتعطيل أفعال الله فقد كان الشرك في هذا الجانب من السمات البارزة للشرك الجاهلي، فإن العرب في جاهليتهم كانوا ينكرون إرسال الرسل والشرع والقدر والبعث والحشر والنشور. فالجاهليون كإخوانهم من الأمم السابقة وقعوا في هذا النوع من الشرك حذو النعل بالنعل، ولعل هذا امتداد من شرك الأمم السابقة.
стр. 1291
وإذا نظرنا إلى شرك العصر الحديث فإننا سنرى كثيرًا من الناس قد وقعوا في هذا النوع من الشرك بالله جل شأنه، بل هذا النوع من الشرك قد تقمص أخبث قمصانه في هذه الأمة، وذلك أن الأمم السابقة والجاهليين ما كانوا ينكرون جميع أسمائه وصفاته، بخلاف كثير من الجهمية والمعتزلة والشيغة وغيرهم من الفرق والطوائف التي وجدت في هذه الأمة حيث أنكروا جميع أسماء الله وصفاته، وطائفة منهم أنكروا بعضها، كما كان هناك طائفة أنكرت كثيرًا من أفعاله، وهذه الظاهرة موجودة في العصر الحديث أيضاً، فكم من الناس ما زالوا ينكرون أسماء الله جل وعلا وصفاته بالتعطيل أو بالتمثيل، وكم من الناس ما زالوا ينكرون أفعال الله جل شأنه، من القضاء والقدر، والشرع، والبعث، والحشر والنشر، وغيرها.
جـ- الشرك في الربوبية بتعطيل ما يجب على العبد تجاه ربه من حقيقة التوحيد:
إذا نظرنا إلى الأمم السابقة نرى أن هذه الظاهرة من الشرك لم تكن موجودة فيهم إلا عند فرعون، وهو أول من قال بهذا القول حسب ما علم من المصادر الموثوقة. ثم قال به من قال من اليهود بالحلول في عزرا، والنصارى القائلين بالحلول في عيسى ﵇.
стр. 1292
ولا يوجد هذا النوع من الشرك لدى العرب في الجاهلية، إلا ما ذكر عن بعضهم، ولكن الصحيح أن العرب في جاهليتهم أيضاً ما كانوا يشركون بالله بمثل هذه الاعتقادات الماجنة، والمخالفة للفطرة والعقول.
ولكن هذه الظاهرة موجودة بصفة عامة لدى كثير من الناس في العصر الحديث، كالمتصوفة، ومن نحا نحوهم وتأثروا بأقوالهم وآرائهم، وكالمذاهب الأخرى الهدامة الموجودة في العصر الحديث.
الثانية: الشرك في الربوبية بالأنداد (أو بالتمثيل):
والكلام على هذا النوع من الشرك قديمًا وحديثاً يشتمل على النقاط التالية:
أ- من حيث ذاته:
إن كان المقصود به إثبات إلهين متماثلين في الصفات والأفعال، فليس هناك من يثبت إلهين متماثلين في الصفات ولا في الذات لا قديمًا ولا حديثاً.
وإن كان المقصود إثبات إلهين أو آلهة متعددة، فقد كان في الأمم السابقة من أثبت مثل هذه الآلهة، بل كان أغلب الأمم متورطين في هذا الجانب، حيث كانوا يسمون من يعبدونها من دون الله آلهة.
كما كان العرب في جاهليتهم يثبتون مثل هذه الآلهة المزعومة، ويعبدونها من دون الله.
وما زال بعض الناس في العصر الحديث يثبت مثل هذه الآلهة مع الله، وإن كانت هذه الظاهرة ليست منتشرة بصفة عامة إلا لدى بعض الفرق المنتسبة إلى
стр. 1293
الإسلام، ولكنها موجودة.
ب - أما من حيث إثبات أسماء الله وصفاته وأفعاله لغير الله من المخلوقات، ومن حيث إثبات أسماء الخلق وصفاتهم وأفعالهم لله:
فباستعراضنا لشرك الأمم السابقة فإننا لم نجد فيهم من أشرك بالله بإثبات أسمائه لغير الله، إلا اليهود والنصارى، فإنهم كما أثبتوا أسماء الله وصفاته وأفعاله للمخلوقين هكذا أثبتوا أسماء المخلوقين وصفاتهم وأفعالهم لله جل شأنه، ولكن هناك من أثبت بعض الصفات لغير الله، كالشرك في القدرة الكاملة لله، كإثبات القدرة الكاملة لأنفسهم من قوم عاد، وظاهره التطير، والسحر في الأمم الأخرى، فهذه الظواهر قد وجدت في الأمم السابقة، ولكن ليست بصفة عامة.
وبالنسبة لشرك العرب في الجاهلية فإننا نراهم قد أثبتوا بعض أسماء الله لغيره سبحانه، والذي يمثل ذلك إثباتهم اسم الرحمن لمسيلمة الكذاب، وأما في إثبات صفات الله لغيره سبحانه فمن أمثلة وقوع العرب في هذا النوع وقوعهم في الطيرة، والسحر والتنجيم، والاستسقاء بالأنواء، والاستقسام بالأزلام، وأخذ الحكم والتشريع من الكهان والصناديد وغيرها.
وأما إثبات أسماء الخلق وصفاتهم وأفعالهم لله جل شأنه، فقد وقع فيه من الأمم السابقة اليهود والنصارى؛ وذلك بإثبات البعث والنوم والنسيان والفقر وغيرها لله سبحانه من اليهود، وإثبات البنوة والأبوة والموت وغيرها لله تعالى
стр. 1294
من النصارى، ومن العرب في الجاهلية من وقع في هذا النوع من الشرك بجعل الأصنام من بنات الله، والقول بأن الملائكة من بناته سبحانه، والقول بوجود المصاهرة بن سروات الجن وبين الرب جل شأنه ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيراً ـ.
وأما في هذه الأمة وفي العصر الحاضر ففي إثبات الأسماء والصفات والأفعال المختصة بالله لغيره، إذا نظرنا إلى الشرك بإثبات أسماء الله لغيره فلا نجد له وجودًا، ولكن إذا نظرنا إلى الشرك بإثبات صفات الله جل شأنه فإننا نرى أن هذا النوع من الشرك قد عمت البلاد به وطمت، وقد فاق شرك الأمم، وشرك الجاهلية أيضاً في هذا الجانب، فكم من الناس يثبتون صفات الله المختصة به لغيره سبحانه؛ كإثبات صفة القدرة الكاملة بجميع فروعها، وإثبات صفة العلم المحيط الشامل، وإثبات صفة الحكم والتشريع وغيرها لغيره سبحانه.
وأما في جانب إثبات أسماء المخلوقات وصفاتهم وأفعالهم فقد وقع فيه كثيرون؛ منهم: الفلاسفة بتسميته بالعلة، والباطنية بتسميته بالسابق، والمتصوفة وذلك في تسميتهم سبحانه ـ (هو)، والحداثيون، والقاديانيون.
стр. 1295
المقارنة من حيث وقوع الناس في الشرك في العبادة والألوهية قديمًا وحديثاً:
الشرك في العبادة والألوهية موضع اتفاق بين مشركي الأمم السابقة ومشركي العرب في الجاهلية، وبعض من انتسب إلى الإسلام من مشركي هذه الأمة، وفي العصر الحديث، فالأمم السابقة أشركت بالله بعبادة غير الله سبحانه بصرف أنواع من العبادات، وهكذا نرى العرب في الجاهلية كان شركهم في العبادة لغير الله سواء كانت هذه المعبودات من الآلهة الأرضية من بين إنسان أو جن أو شجر أو حجر أو حيوان أو الهوى أو غيرها، أم كانت هذه المعبودات من الآلهة السماوية من الملائكة أو الأجرام السماوية الأخرى، بصرف أنواع من العبادات سواء كانت هذه العبادات من الأقوال القلبية أو كانت من الأعمال القلبية.
وهكذا نرى مشركي هذه الأمة وهذا العصر يشركون بالله جل شأنه بالمعبودات الأرضيةسواء كانت من الأشياء الحسية أو كانت معنوية، بصرف أنواع من العبادات سواء كانت هذه العبادات من الأقوال القلبية أو كانت من الأعمال القلبية.
ونظرًا لما سبق معنا ستكون هذه المقارنة من جهتين اثنتين:
الأولى: منحيث طبيعة المعبودات.
الثانية: من حيث طبيعة العبادات.
أما الأولى فهي:
المقارنة بين الشرك في القديم والحديث من حيث طبيعة المعبودات:
إذا نظرنا إلى طبيعة المعبودات في الأمم السابقة فإننا نرى أنها ما بين: تماثيل وصور وقبور للصالحين أو الأنبياء أو الملائكة أو الأصنام أو الأوثان أو الأشجار أو الأهواء وغيرها، وبين هياكل ومعابد على خيالهم للأجرام السماوية الكبرى من
стр. 1296
الشمس والقمر، والنجوم وغيرها. وهذه المعبودات ما بين محسوس وغير محسوس.
وإذا نظرنا إلى طبيعة المعبودات في العرب فإننا: سنجد أمامنا هذه الأشياء هي نفسها من معبوداتهم.
وبالمقابل إذا نظرنا إلى معبودات مشركي زماننا فإننا نرى أن هذه الأشياء كلها موجودة بحذافيرها، بل زيادة عليه نرى هناك من يعبد الشيطان أيضاً. وهناك من يعبد دستوراً، أو راية، أو قائدًا، أو رئيس حزب، أو علمًا من الأعلام، أو فكرة من الأفكار.
ولكن الغالب على مشركي معاصرينا هو عبادة الهوى، وهو أعظم ما يعصى به الرب جل شأنه في العصر الحاضر.
المقارنة بين شرك القديم والحديث من حيث طبيعة المعبودات:
كما سبق إننا إذا نظرنا إلى طبيعة العبادات في الأمم السابقة، نرى أنهم كانوا يصرفون أنواعًا من العبادات سواء كانت من الأقوال القلبية أو كانت من الأعمال القلبية. ولكن صرف هذه العبادات يتميز بميزتين:
١ - يصرفونها في حالة الرخاء دون الشدائد.
٢ - يصرفونها للأنبياء والأولياء والصالحين، دون الطالحين، بغية التشفع
стр. 1297
والتوسط إلى الله.
هكذا نرى في طبيعة عبادات العرب في الجاهلية أن طبيعة العبادات هي سجود وركوع وحج وطواف وذبح ونذر لغير الله، والمحبة والتوكل والطاعة، والدعاء، والخوف، والرجاء، والنية والإرادة والقصد، وغيرها من الأعمال القلبية. وهم يصرفونها لغير الله مع ملاحظة الميزتين السابقتين، وهما:
١ - يصرفونها لغير الله في حالة الرخاء دون الشدة.
٢ - يصرفونها إلى الصالحين دون الطالحين ـ على زعمهم ـ لكي يشفعوا لهم ويتوسطوا لهم إلى الله، ولا يرجون من معبوداتهم فعل أي شيء استقلالاً.
ولكن لو نظرنا إلى طبيعة العبادات لدى مشركي هذه الأمة ومشركي زماننا فإننا سنرى هذه الأشياء كلها موجودة، بل زيادة عليه نجدهم قد فاقوا المشركين الأولين بخصائص، منها:
١ - يصرفونها لغير الله حتى في حال الشدة.
٢ - يصرفونها لكل واحد سواء كان من الأنبياء والصالحين أو كان من الفسقة الفجرة الضالين، بل يعتبرون حصول المقصد ـ أي التجربة ـ دليلاً على جواز ذلك.
٣ - يطلبون من غير الله استقلالاً؛ بدعوى وجود القدرة الكاملة لديهم، ووجود العلم المحيط لديهم بكل شيء.
يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (اعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين:
أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء كما قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ
стр. 1298
كَفُورًا). وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ). وقوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا) ـ إلى قوله ـ (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ). وقوله: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).
فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين ـ الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله تعالى ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم، تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟ والله المستعان.
الأمر الثاني: أن الأولين يدعون من دون الله أناساً مقربين عند الله إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أحجاراً أو أشجاراً مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناساً من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك. الذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي ـ مثل الخشب والحجر ـ أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به).
стр. 1299
الفصل الثاني
مقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث توافق الأسباب
стр. 1300
الفصل الثاني مقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث توافق الأسباب
لقد بينا فيما سبق الأسباب التي أوقعت الأمم السابقة في الشرك بأن هناك سببين رئيسين لوقوعهم في الشرك، هما:
الأول: الغلو في المخلوقات.
الثاني: إساءة الظن الناتج عن عدم قدر الله حق قدره.
وإذا نظرنا إلى أسباب الشرك في هذه الأمة وفي العصر الحاضر نجد أن هذين السببين هما أوقعا الناس في الشرك.
فمثلاً: الشرك بالله في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه، ما أوقع الناس في هذا النوع من الشرك إلا سوء ظنهم بالله والذي نتج عن عدم قدر الله حق قدره، فالمعطل والدهري والملحد ما استطاع أن يقدر الله حق قدره فأساء الظن به، حيث ظن أن المخلوقات لا صانع لها، وأنه ليس هناك قوة فوقه تسيطر عليه من فوقه، وسوف يحاسبه على هذا الاعتقاد، فلم يدرك حقيقة ذاته ولا أسمائه وصفاته وأفعاله وحكمته، فأساء الظن به، ولم يقدر الصانع قدره الواجب له.
ومن جانب آخر: نرى أنه غلا في بعض المخلوقات سواء كان عقله، أو من يقدسه من الملحدين، أو كان مذهبًا من المذاهب الفكرية، أو رأياً من أراء الرجال، أو كان هوى من الأهواء الجانحة، فألحد بسبب الغلو في هذه الأشياء المخلوقات، ولم يفتح عينه وبصره ولم ينفد بصيرته إلى أنه لابد لكل ظاهرة في
следующие страницы →