← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

العظمى لأهل الموقف بالنص والإجماع. فهذا قوله ﷺ نحكمه على من ادعى محبته وتصديقه، فقوله: ((أنا أول شافع وأول مشفع)) يقتضي أولوية مطلقة لا استثناء فيها، على كل من قامت قيامته. ومن زعم أنه بعد موته في قبره يشفع وأن الصالحين يشفعون بعد موتهم في قبورهم فلا معنى لقوله: ((أنا أول شافع)) عند ذلك الزاعم، إذ لو كان النبي ﷺ يشفع في قبره لكان يشفع من حين موته إلى أن ينفخ في الصور، وحينئذ فلا معنى لقوله: ((أنا أول)) إذ لو كان يشفع في قبره لانتفى تخصيصه ﷺ بهذه الفضيلة يوم القيامة. فإذا كان في حياته يشفع لهم بالدعاء، وبعد موته يشفع وبعد قيام قيامة الناس يشفع، فأي معنى لقوله ﷺ : ((أنا أول شافع))؟ ! فإذا كان هذا في حق النبي ﷺ فما ظنك الآخرين؟ ! الرد على الدعوى الثالثة التي فيها: إن شفاعته ﷺ مقبولة مطلقاً، يقال في الرد عليها: هذا غلط: فإن دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يرد، وليس كل ما دعوا به أجيب، بل ربما امتنعت الإجابة لحكمة يعلمها الله عزوجل، إما أنه قد سبق في القضاء ما يخالف ما دعوا به، وإما لأنهم دعوا وشفعوا فيمن لمن يرض الله قوله، أو نحو ذلك من الموانع. ومن المتقرر في الكتاب والسنة أن الأنبياء ليس لهم حق في أن يجاب جميع ما دعوا به، ودعاؤهم حري بالإجابة وهم أرفع من غيرهم من أممهم، فإجابة سؤالهم إما إعطاؤهم عين ما سألوا، أو تأخير ذلك بالأجر الجزيل لهم. وقد سبق معنا بيان نماذج من أدعية الأنبياء التي ما قبلت، منها دعوة محمد ﷺ في أمه، ودعوة نوح ﵇ في ابنه، ودعوة إبراهيم ﵇ في

стр. 1227

أبيه، فإذا كان هذا حال من هو مقرب إلى الله بلا شك، مع من هم أقرب لديهم، فكيف إجابة الدعاء لمن ليسوا بأقرباء لهم؟ وكيف بمن هو أبعد الناس لهم في سيرهم وهديهم وسننهم؟ وكيف حال غير الأنبياء كالصالحين الذين هم صالحين لدينا وربما يكونون من أخبث الخلق عند الله؟ قال الحافظ في الفتح: (دعواتهم على رجاء الإجابة). وقال آخر: (إن لكي نبي دعوة مجابة ألبتة، وهو على يقين من إجابتها، وأما باقي دعواتهم فهو على رجاء إجابتها، وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب). الشبهة التاسعة: شبهة التبرك: سبق معنا بيان معنى التبرك، وقد جاء فيه أنه بمعنى طلب الخير واستدامته، ومعلوم أن جلب الخير ودفعه ليس في قدرة البشر، وإنما التبرك من الله، وقد جعل الله في الدنيا أشياء مباركة، ولكن ليس منها طلب الخير ودفع الشر من غير الله كالأنبياء والرسل بعد موتهم بذواتهم، كما أنه ليس منها طلب الخير ودفع الشر بالأولياء والصالحين. فالمتصوفة الذين يرون أن الاستغاثة والدعاء والتوجه إلى غير الله ما هي إلا تبرك بهؤلاء الكرام على حصول المقصود غير مشروع أصلاً، فلا يجوز التبرك في غير ما ورد عن الله ورسوله ﷺ ، وهؤلاء المتصوفة الذين يتبركون بالقبر، إن كان قصدهم طلب الخير والنماء من المتبرك به فلا شك أنه كفر وشرك أكبر، وإن كان مقصدهم: طلب الخير والبركة من الله ولكن بواسطتهم فلا شك أنه بدعة مذمومة، بل ربما

стр. 1228

يكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد ذلك سببًا، فإن اعتقاد ما ليس بسبب مشروع سببًا شرك أصغر. الشبهة العاشرة: تشبثهم بسوء فهمهم لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية: ومن هذه الآيات والأحاديث ما يلي: فمن الآيات: أ- قوله تعالى: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ). ب- قوله تعالى: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ). جـ - قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ). د- قوله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ). هـ - قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى). و- قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ). ز- قوله تعالى: (اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ).

стр. 1229

فهذه بعض الآيات الكريمات التي استدل بها بعض المشركين بالله جل وعلاه على تبرير عملهم الشركي؛ من الدعاء والاستغاثة والنداء والاستعانة والتشفع والالتجاه إلى غير الله. أما الأحاديث النبوية التي استدلوا بها على تبرير شركهم في كثيرة، أبرزها ما يلي: أ- حديث الشفاعة العظمى. ب- أحاديث ترغيب المسلم في قضاء حاجة أخيه. الجواب عن الاستدلال بهذه الآيات والأحاديث: إن الذين استدلوا بهذه الآيات والأحاديث هم في الحقيقة ملبسون، ومحرفون الكلم عن مواضعه، ويتلاعبون بنصوص الكتاب والسنة، ويضعون النصوص الشرعية في غير موضعها؛ لأن هذه النصوص إنما تدل على جواز مناصرة بعض الناس بعضاً، واستغاثة بعضهم ببعض فيما يقدرون عليه، وهو المعنيّ بما تحت الأسباب. ولا تدل إطلاقاً بحال من الأحوال على جواز استغاثة الناس بعضهم ببعض فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهو المعنيّ بما فوق الأسباب. ولكن هؤلاء الملبسين تراهم يستدلون بنصوص الاستغاثة المباحة على

стр. 1230

الاستغاثة المحرمة الشركية، كدأب أهل التحريف من اليهود والمتفلسفة المتكلمة الجهمية، ولعل بعضهم لجهله لم يتصور محل النزاع، ولا عرف منار البحث والدفاع، فإن طلب الدعاء من الأحياء مسألة. ونداء غير الله تعالى أمواتًا وأحياءً بما هو من خصائص الألوهية مسألة أخرى. وبين المسألتين بون بعيد، وفرق ما عليه من مزيد. فهذان النوعان من الاستغاثة والاستعانة، والاستنصار والاستمداد، أمران متضادان، ومسألتان متباينتان، وهما حقيقتان مختلفتان، ومفهومان متغايران، لكل واحد حكم مغاير لحكم الآخر، فلا يجوز الخلط بين الحكمين حتى لا يكون تلبيسًا. فالنوع الأول جائز بلا ظنون، لابد منه، ولا ينكره إلا مجنون، لكنه خارج عن محل النزاع. وأما النوع الثاني فهو محل النزاع، وهو لا يجوز؛ لأنه إشراك بالله ، ومتضمن لعبادة غير الله . الشبهة الحادية عشرة: استدلال القبوريين ببعض الآيات القرآنية التي هي ليست في محل النزاع: مثل قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ). قالوا: أمرنا الله بالاستعانة

стр. 1231

بالأعراض ولم يقل: استعينوا بالله. ويقول آخر: من قال: لا ينبغي الاستعانة بغير الله فقد كفر، لمخالفته نص الكتاب في قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ). ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي: إن هذه الآية الكريمة لا علاقة لها بجواز الاستغاثة بالأموات عند الكربات، والاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله رب العالمين، بل هذه الآية من أقوى الأدلة على وجوب الالتجاء إلى الله والاستغاثة به عند الملمات، والتوسل إلى الله بالأعمال الصالحات، إذ الصلاة والصبر من أعظم الأعمال الصالحات التي يتوسل بها إلى الله عند الكربات، فقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر توسل إلى الله بالصلاة. بل الآية من قبيل قوله تعالى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)؛ فكما أن المراد منها الاعمال الصالحة على تفسير السلف من الأثر والرأي، هكذا هنا المراد من هذه الآية: التوسل بالأعمال الصالحة. الشبهة الثانية عشرة: استدلال المتصوفة القبورية بقصة هاجر ﵂: والقصة: أن إبراهيم ﵇ لما ترك ابنه إسماعيل ﵇ وهاجر ﵂ بوادي مكة قبل أن يبني فيها الكعبة، وقبل ظهور ماء زمزم، ولم

стр. 1232

يكن بمكة يومئذ أحد، ولا ماء، ووضع عندها جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، فجعلت أم إسماعيل ترضع ابنها وتشرب من ذلك الماء، حتى نفد ما في السقاء فعطشت وعطش إسماعيل ﵇، وجعل يتمرغ من شدة العطش، فوجدت هاجر الصفا أقرب جبل إليها، فقامت عليها لترى أحدًا، فهبطت من الصفا ثم أتت المروة، فقامت عليها فلم تر أحدًا، فعلت ذلك سبعاً، (فلما أشرفت المروة سمعت صوتًا .. فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث)، وفي رواية: (أغث إن كان عندك خير). فهذه القصة من أقوى الأدلة عند المتصوفة والقبورية على الإطلاق، فإن فيها تنصيصًا بلفظ الغوث وفيها استغاثة بالغائب عن البصر، وعلى طلب الغوث والمدد من الغائب عن النظر. يجاب عن هذه الشبهة بما يلي: إن هذه القصة لا صلة لها بالاستغاثة بالغائب الذي لا يقدر ولا ينفع أو الميت الذي لا يعلم ولا يرى ولا يسمع، كما لا علاقة لها بطلب ما لا يقدر عليه إلا الله، بل تدل على جواز الطلب من الحي الحاضر فيما يقدر عليه، فإن هاجر لما نفد الماء ما نادت أحدًا بالاستغاثة، بل إنما نادت لما أحست صوتًا وسمعها، حيث سمعت الصوت من جبريل الحاضر الحي، فطلبت منه ما كان يقدر عليه وإن لم تكن تراه، ومن ظن غير ذلك فقد افترى على أمنا هاجر،

стр. 1233

ورماها بالشرك، وحاشاها أن تشرك بالله. الشبهة الثالثة عشرة: استدلال المتصوفة القبورية على تبرير نداء الغائب والاستغاثة ببعض الأحاديث الضعيفة: ١ - بما روي من حديث ابن مسعود ﵁ والذي فيه: ((إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا، يا عباد الله احبسوا، فإن لله في الأرض حاضرًا سيحبسه)). يجاب عن هذه الشبهة: بأن الحديث ضعيف لعلتين: الأول: أنه منقطع، ثانياً: أن في إسناد رجلاً ضعيفاً، فلا يصح الاستدلال به. وما أحسن ما جاء في ذم الكلام: أن عبد الله بن المبارك ضل في بعض أسفاره في طريق، وكان قد بلغه أن من اضطر في مفازة فنادى: عباد الله أعينوني! أعين، قال: فجعلت أطلب الجزء أنظر إسناده. والمقصود: أنه لم يستجز أن يدعو بدعاء لا يرى إسناده، هكذا فليكن الاتباع. واستدلوا أيضًا بما جاء في رواية أخرى: ٢ - ((إذا ضل أحدكم شيئًا، أو أراد عونًا، وهو بأرض ليس بها أنيس،

стр. 1234

فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عبادًا لا نراهم)). يقولون: إن في الحديث تنصيصًا على نداء الغائب. يجاب عن هذه الشبهة: بأن الحديث ضعيف لانقطاعه. وعلى فرض صحة الحديثين السابقين: ففيهما نداء للأحياء وطلب منهم ما يقدرون عليه، وهذا مما لا نزاع في جوازه. ويقول الشيخ الألباني ـ حفظه الله ـ: (ومع أن الحديث ضعيف كالذي قبله، فليس فيه دليل على جواز الاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين، لأنهما صريحان بأن المقصود بـ (عباد الله) فيهما خلق من غير البشر، بدليل قوله في الحديث الأول: ((فإن لله حاضرًا سيحبسه عليهم))، وقوله في هذا الحديث: ((فإن لله عبادًا لا نراهم)). وهذا الوصف إنما ينطبق على الملائكة أو الجن، لأنهم الذين لا نراهم عادة)). وقد جاء في حديث آخر تعيين أنهم طائفة من الملائكة، أخرجه البزار كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ بلفظ: ((إن لله تعالى ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من

стр. 1235

ورق الشجر، فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أعينوني)). وقد رواه البيهقي في الشعب موقوفًا على ابن عباس. فهذا الحديث يعين أن المراد بقوله في الحديث الأول: ((يا عباد الله)) إنما هم الملائكة، فلا يجوز أن يلحق بهم المسلمون من الجن أو الإنس ممن يسمونهم برجال الغيب منالأولياء والصالحين، سواء كانوا أحياء أو أمواتًا، فإن الاستغاثة بهم وطلب العون منهم شرك بيّن؛ لأنهم لا يسمعون الدعاء، ولو سمعوا ما استطاعوا الاستجابة وتحقيق الرغبة، وهذا صريح في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ). الشبهة الرابعة عشرة: قولهم: إن النصوص التي تنهى عن دعاء غير الله والاستغاثة بغيره سبحانه إنما وردت في الأصنام والأوثان فقط، والأولياء والصالحون ليسوا مثل الأصنام.

стр. 1236

قالوا: لا يقاس الاستغاثة بالأنبياء والأولياء ودعائهم والنذر لهم على عبادة الأصنام والأحجار والأوثان التي لا مكانة لها ولا احترام لها عند الله ولا تضر ولا تنفع، لأن المشركين كانوا يعبدونها على أساس أنها تستقل بالنفع والضر، وأن لها تأثيرًا وشرفًا ذاتيًا وتدبيرًا، وأما نحن فنستغيث بالأنبياء والأولياء الذين لهم مكانة عند الله، وهم أحياء يعلمون ويسمعون. فأين هذا من ذاك؟ يجاب عن هذه الشبهة بما يلي: إن هذه الشبهة تتضمن شبهات كثيرة الأولى منها: أن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات عند الكربات ليست من العبادة فليست من الشرك بالله تعالى. ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي: هذا القول ناتج عن الانحراف في مفهوم العبادة، حيث حصرت العبادة لدى البعض في عدة أعمال ظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها، وبعض الأعمال القلبية من اعتقاد الربوبية، وبناء على ذلك أخرجوا الدعاء والاستغاثة من مفهوم العبادة، فقالوا: إن الدعاء والاستغاثة، ونداء الأولياء وطلب المدد منهم عند البلاء ليست هذه الأمور من العبادة في شيء، ولا من الشرك بالله، لأن العبادة لا تتحقق إلا إذا اعتقد في غير الله القدرة الكاملة الذاتية والاستقلال بالنفع والضر، والربوبية، ونفوذ المشيئة لا محالة، وإذا كان الأمر كذلك فمن استغاث بالأولياء ودعاهم لدفع الضر وجلب النفع، وطلب منهم المدد فهو لم يعبد غير الله، وإذا لم يعبد غير الله لم يشرك به أيضًا.

стр. 1237

ويمكن أن يجاب عن هذه الشبهة بما يلي: سبق معنا بيان معنى العبادة في مفهوم الشرع، وقد بينا بالأدلة والبراهين أن ما ذكروه من العبادة والنداء والسؤال، والشفاعة والاستشفاع، والنصر والاستنصار، والمدد والاستمداد، والعون والاستعانة، والغوث والاستغاثة، والدعاء والحب، والتوكل والخضوع، والإبانة، والخوف والرجاء، والطاعة، هذه كلها وما شاكلها من العبادة الشرعية. فإخراجهم هذه الأشياء كونها من العبادة باطل شرعًا، وقد سبق معنا بيان هذا الأمر مفصلاً فلا نعيده هنا، ويكتفي هنا بالردود على بعض هذه الأفكار بما يلي: أولاً: إن هذا القول يصادم النصوص الواضحة التي سمت دعاء المسألة عبادة، وهي كثيرة: فمن ذلك قوله ﷺ : ((الدعاء هو العبادة)). وقد سبق إثبات ذلك بالتفصيل. ثانياً: إن أكثر استعمال الدعاء في الكتاب والسنة واللغة ولسان العرب ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب. ومن الأدلة على ذلك: صنيع المؤلفين من المحدثين وغيرهم، حيث يعتقدون في كتبهم بباب الدعوات أو

стр. 1238

كتاب الدعوات أو مثل هذه العبارة ثم يوردون ما يتعلق بدعاء المسألة فقط. وأغلبهم لا يتعرضون لدعاء العبادة في تلك الكتب والأبواب. ومثل هؤلاء آخرون الذين أفردوا كتبًا خاصة بالدعاء وهي كتب كثيرة للمتقدمين والمتأخرين، لم يذكروا في تلك الكتب إلا ما يتعلق بدعاء المسألة. فهذا يدل على أن الاستعمال لكلمة الدعاء في لسان المصنفين من العلماء إنما هو دعاء المسألة. ثالثاً: لو سلمنا أن المراد بالدعاء في الآيات دعاء العبادة، لا نسلم أن دعاء المسألة لا يدخل في العبادة، فإنه إن لم يكن الدعاء من العبادة فلا عبادة يمكن تصورها، لأن الدعاء يتضمن أنواعًا من العبادات وليس عبادة واحدة فقط، فهو يتضمن الرجاء والخوف والتوكل والتضرع والابتهال والخشية والطمع والتوجه إلى الله والإقبال عليه والانطراح بين يديه وحسن الظن بالله والمراقبة لله، كما أنه يتضمن سؤاله وذكره وثناءه والتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا. فإذا لم تكن هذه الأمور عبادة فلا يمكن أن نتصور عبادة، وقد وردت الأدلة الصحيحة بأن الدعاء هو العبادة وأنه مخها وروحها، قال ﷺ : ((الدعاء هو العبادة)) (فثبت بهذا أن الدعاء عبادة من أجل العبادات فإن لم يكن الإشراك فيه شركًا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولي أن يكون شركًا من الإشراك في غيره من أنواع العبادات). فتحصّل من هذا أن الدعاء داخل في العبادة، وأن الآيات والأحاديث

стр. 1239

الواردة في العبادة والتحذير من صرفها لغير الله تعالى تشمل وتعم جميع أنواع العبادات ومن أجلّها دعاء المسألة، وقد قدمنا تلازم نوعي الدعاء وأن دعاء العبادة يستلزم الطلب والسؤال، فلا ينفع الخصم تأويل معنى الدعاء إلى العبادة وتضييقه لمفهوم العبادة حيث يظن أنها خاصة بالصلاة والصوم والحج. وما وقع من وقع في الشبهة المذكورة إلا لحصره العبادة في بعض الأعمال الظاهرة. وقد سبق معنا بيان أبعاد العبادة وأنواعها، فمن عرف أنواع العبادة يعرف جيدًا أن هذه الشبهة ما تطرق إلى الأذهان إلا لقلة العلم وعدم معرفة مقاصد الشرع ومفهوم الشرع في العبادة. الثانية منها: أن الشرك لا يتحقق باعتقاد الربوبية والخالقية والاستقلال بالنفع والضر في غير الله، وقد سبق أن تعرضنا لشبهة الاستقلال، وذكرنا أيضًا: أن المشركين باعتقاد الاستقلال بالنفع والضر في الأصنام والأوثان لم يكن عليه حتى العرب في جاهليتهم، ولم يكن عليه شرك الأمم السابقة أيضاً. الثالثة منها: إن تلك النصوص إنما وردت فيا لأصنام فقط، والأولياء والصالحون ليسوا مثل الأصنام، فمن يدعوهم ليس مثل من يدعو الأصنام. ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي: ١ - إن المشركين الذين وردت فيهم تلك النصوص ليسوا كلهم يعبدون الأصنام فإن منهم من يعبد الأولياء والصالحين، ومنهم من يعبد الملائكة،

стр. 1240

ومنهم من يعبد الأنبياء، ومنهم من يعبد الأحجار وهي في الأصل صور رجال صالحين، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن الكريم، ومن أوضحها قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا). فهذه الآية في العقلاء بدون شك وإن اختلف المفسرون في تعيينهم: أ- فقيل: الجن، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كان نفر من الإنس يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجن واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ). وفي رواية: (فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون). ب- وفي رواية أخرى عن عبد الله بن مسعود أنها نزلت في الملائكة، ومثله عن عبد الرحمن بن زيد. جـ - وفي رواية أنهم عزير وعيسى وأمه والملائكة، روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد.

стр. 1241

فهذه الأقوال المنقولة عن السلف عن تفسير هذه الآية ليس بينها اختلاف، لأنها عامة تشمل كل هذه الأقوال، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم إنه ليس مراد من فسرها بالجن أو الملائكة أنها خاصة بذلك، وإنما مراده مجرد التمثيل. قال شيخ الإسلام: (وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابدًا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر، والسلف ﵃ في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله ما معنى لفظ الخبز؟ فيريه رغيفًا فيقول: هذا، فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه. وليس مرادهم بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية للنوعين، فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوًا وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته ويخاف عذابه، وهذا موجود في الملائكة والجن والإنس). فمعنى الآية أن الذين يدعوهم المشركون هم أنفسهم يتقربون إلى الله بالطاعات ويرجونه ويخافونه فكيف يجوز دعاؤهم؟ وهذا كقوله تعالى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ). وأما القول بأنها لا تعم إلا الذين كانوا أحياء في وقت النزول ـ وهم الملائكة والجن لأنهم هم الذين يتقربون ويرجون ويخافون وقت نزول الآية، وأما

стр. 1242

الذين ماتوا مثل عزير ومريم فلا تشملهم ـ ففيه نظر؛ لأنه يمكن أن يقال: إن الآية تذكر صفتهم في حال حياتهم فقد كانوا يتقربون إلى الله تعالى، ويمكن أن يقال أيضاً: إنهم لا زالوا يتقربون كما ورد أن موسى يصلي في قبره، وأما الرجاء والخوف فلا ينقطع إلا بعد دخول الجنة يوم القيامة. فتبين بهذا أن الآية في المعبودين من العقلاء بدون تخصيص صنف دون صنف. وقد اتفقت أقوال المفسرين على أن هذه الآية في المدعوين العقلاء وليست في الأصنام: يقول الرازي: (وليس المراد: الأصنام، لأنه تعالى قال في صفتهم: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ)، وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام ألبتة). ومما يدل على أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن يعبدون غير الأصنام ما بينه الله في كتبه من الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالصالحين، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام، والشرك بالجن، وأصل ذلك كله الشرك بالشيطان. وقد سبق معنا بيان أنواع الشرك التي كانت موجودة في الجاهلية، واستدللنا لكل هذه الأنواع من الشرك بدلالات من القرآن والسنة ومن أخبار العرب وتاريخهم بما لا مزيد عليه.

стр. 1243

٢ - لو سلمنا أن تلك النصوص وردت في الأصنام فقط على سبيل التنزل فإننا نقول: إن تلك الأصنام هي تماثيل لقوم صالحين؛ فقد ثبت في ود وسواع ويغوث ... إلخ إنها أسماء رجال صالحين من قوم نوح. كما ثبت أن اللات رجل يلت السويق للحجيج، وقد تقدم معنا ذكر ذلك كله بالتفصيل. فعلى هذا فعبادة الأصنام ترجع في الحقيقة إلى عبادة الصالحين فهي الأساس في العبادة وأصل الفتنة ورأس البلية. وقد ذكر كثير من علماء الإسلام هذا المعنى وبينوا أن عبادة الأصنام ترجع إلى عبادة العقلاء من الملائكة والأنبياء والصالحين أو الكواكب. ٣ - إن تلك النصوص عامة شاملة لجميع المدعوين من دون الله سواء كانوا من الأصنام الجامدات أو العقلاء؛ لأن تلك النصوص وردت بألفاظ العموم فتشمل الجميع. وبعض تلك النصوص جاءت بألفاظ خاصة بالعقلاء، نحو (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). وليست هذه الآية في الأصنام كما يزعمه من لم يتدبر، لأن (الذين) لم يخبر به إلا عن العقلاء، ولأن الأصنام من الأخشاب والأحجار لا يحلها الموت.

стр. 1244

وبهذا يتبين أن النصوص عامة لكل المدعوين من العقلاء وغيرهم، ومن ادعى التخصيص بغير العقلاء فعليه البرهان ولا برهان له يدل على الفرق بين العقلاء وغيرهم؛ (لأن الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن، إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه، سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسماً آخر، فلا اعتبار بالاسم قط ... وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقرب إليها في بعض الحالات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور ... ). وإنما قلنا بأن الآيات جاءت بألفاظ العموم لأنها جاءت بصيغة الموصول وهي من صيغ العموم؛ كقوله: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ)، وقوله: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ)، وقوله: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ). فهذه الموصولات في كلام الله وكلام رسوله واقعة على كل مدعو ومعبود

стр. 1245

نبيًا كان أو ملكًا أو صالحًا، إنسيًا أو جنيًا، حجرًا أو شجرًا متناولة لذلك بأصل الوضع، فإن الصلة كاشفة ومبينة للمراد، وهي واقعة على كل مدعو من غير تخصيص، وهي أبلغ وأدل وأشمل من الأعلام الشخصية والجنسية. وهذا هو الوجه في إيثارها على الأعلام، وشرط الصلة أن تكون معهودة عند المخاطب، والمعهود عند من يعقل من أصناف بني آدم أن الأنبياء والملائكة والصالحين قد عبدوا مع الله وقصدهم المشركون بالدعاء في حاجاتهم. الشبهة الخامسة عشرة: شبهة تنزيل الآيات القرآنية المنزلة على المشركين على المؤمنين: إن القبوريين لما كانوا يدعون الأولياء والصالحين، واستدل عليهم العلماء بالآيات القرآنية والأحاديث الواردة في أن الدعاء والطلب والشفاعة وغيرها من العبادة، وأن الله قد كفّر المشركين الأول لهذه الأعمال، قالوا: إن المشركين الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول ﷺ وينكرون البعث، ويكذبون القرآن، ونحن نشهد الشهادتين ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم ... فكيف تجعلوننا مثلهم بمجرد قصدنا الأولياء للشفاعة؟ واحتجوا على هذا بحديث: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ... )) وحديث أسامة، وغيرها من الأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله.

стр. 1246

يجاب عن هذه الشبهة بما يلي: الإقرار بالشهادتين والاعتراف بالشريعة الإسلامية لا يغني عن الاحتراز من الوقوع في نواقض الإسلام، ولا يلزم من ذلك بقاء الرجل على الإسلام ولو أتى بالكفريات وربما يناقض الشهادتين، والأدلة على ذلك كثيرة: ١ - إجماع العلماء ﵏ على أن من صدق الرسول ﷺ في شيء وكذبه في شيء يكفر، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا). وقد علم أن التوحيد أهم أركان الإسلام، فمن أنكره أو أنكر بعض جوانبه فقد كفر. ٢ - وقد وقع في التأريخ الإسلامي ما يدل على إجماع العلماء على تكفير من أنكر بعض الشيء من الدين، ومن ذلك: أ- إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على قتال المرتدين بعد مناقشة عمر لأبي بكر وبيانه له، فلم يحصل بينهم في قتالهم خلاف مع أن بعضهم لا زال يقر بالإسلام. ب- قد حرق علي ﵁ الذين غلوا فيه وألهوه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا من التابعين، وقد أنكر عليه ابن عباس الإحراق بالناس ـ لما جاء

стр. 1247

عنده عن الرسول منع الإحراق بالنار ـ لا أصل قتلهم. ٣ - فقهاء المذاهب يعقدون أبواباً في أحكام الردة، ولو أن المسلم لا يمكن وقوع الكفر منه لما كانت حاجة إلى عقد تلك الأبواب، وقد ذكروا في تلك الأبواب ما هو أقل بكثير مما نحن فيه. ٤ - قد وردت آيات تدل على ارتداد من ارتكب بعض الكفريات مع كونهم من أصحاب رسول الله ﷺ يجاهدون معه، ويقاتلون الكفار، قال تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا)، وقال سبحانه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ). وهؤلاء كانوا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلو كان مجرد الشهادتين يمنع الحكم بالكفر لما كفرهم، وحكم بأنهم كفروا بعد إيمانهم. ٥ - كما أنه قد وردت آيات أخر تبين أن من أشرك يبطل عمله حتى ولو كان من الأنبياء والمرسلين مع أن الله عصمهم، فكيف بغيرهم؟ قال تعالى بعد ذكر جملة من الأنبياء: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

стр. 1248

٦ - الأنبياء والرسل الكرام وجلة الصالحين كانوا يخافون على أنفسهم الشرك، ولو كان مجرد النطق بالشهادتين يكفي ولا يضر الإتيان بما يناقض ذلك لما خافوا على أنفسهم من الشرك. قال إبراهيم ﵇: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ). وقد حذر النبي ﷺ أمته من الشرك وقال إنه أخفى في أمته من دبيب النمل على الصخرة الصماء في ليلة ظلماء. ٧ - يقال أيضًا: إن الجامع بين المشركين من الأولين والآخرين موجود وهو الشرك، فالحكم في ذلك واحد لا فرق فيه لعدم الفارق ووجود الجامع. وفي أصول الفقه: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويلزم من هذا الاعتراض أن يقال: كل حكم نزل على سبب مخصص في قضية سالفة فهو لا يتعداها إلى غيرها. وهذا باطل، وتعطيل لجريان الأحكام الشرعية على جميع البرية؛ لأنه يلزم من اعتقاد أن الآيات لا تشمل إلا المشركين الأوائل الذين نزلت فيهم أنها لا حكم لها الآن، فالذي يجب على الإنسان إذا قرأ القرآن أن لا يحسب أن المخاصمة كانت مع قوم انقرضوا، بل الواقع أنه ما من بلاء كان فيما سبق من الزمان إلا وهو موجود اليوم بطريق الأنموذج. بحكم الحديث: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذور القذة بالقذة ... )).

стр. 1249

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في الرد على مثل هذه الشبهة: (إن من منع تنزيل القرآن، وما دل عليه من الأحكام على الأشخاص والحوادث التي تدخل تحت العموم اللفظي، فهو من أضل الخلق وأجهلهم بما عليه أهل الإسلام وعلماؤهم قرنًا بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، ومن أعظم الناس تعطيلاً للقرآن، وهجراً له وعزلاً عن الاستدلال به في موارد النزاع، فنصوص القرآن وأحكامه عامة لا خاصة بخصوص السبب. وما المانع من تكفير من فعل ما فعلت اليهود من الصد عن سبيل الله والكفر به، مع معرفته؟ ). ويقول ابن سحمان: (فمن فعل كما فعل المشركون من الشرك بالله، بصرف خالص حقه لغير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين، ودعاهم مع الله، واستغاث بهم كما يستغيث بالله، وطلب منهم ما لا يطلب إلا من الله، فما المانع من تنزيل الآيات على من فعل كما فعل المشركون، وتكفيره، وقد ذكر أهل العلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكن إذا عميت قلوبهم عن معرفة الحق، وتنزيل ما أنزله الله في حق المشركين على من صنع صنيعهم واحتذا حذوهم فلا حيلة فيه). وأما احتجاجهم بالأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله، فيقال: إن الأحاديث تدل على وجوب الكف عمن قالها إلا أن يتبين منه ما يناقض تلك الكلمة، كدعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بالأولياء وما إلى

стр. 1250

ذلك. وقد ثبت في بعض طرق الأحاديث ما يفيد ذلك وهو قوله ﷺ في حديث له: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به)). فقوله ﷺ : ((يؤمنوا بي وبما جئت به)) يدل على وجوب الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ ، ولا يكفي مجرد الإيمان بالشهادتين فقط. كما ورد نحوه في حديث آخر أنه ﷺ قال: ((من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله)). فدل على اشتراط الكفر والبراءة مما يعبد من دون الله، وأنه لا يكتفي بمجرد النطق بلا إله إلا الله. ويدل لذلك أيضاً: قوله ﷺ في الحديث الذي يحتجون به ((إلا بحقها)) وفي رواية: ((إلا بحق الإسلام)). وحقها: إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى، والقبوريون لم يفردوا الإلهية والعبادة، فلم تنفعهم كلمة الشهادة؛ فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها، كما لم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء. وقد صرح بعض العلماء بأن حديث الأمر بالكف بالإقرار بالشهادة خاص بمشركي العرب، وأما من كان يقر بالتوحيد كاليهود فلا يكتفي بقوله: لا إله إلا الله؛

стр. 1251

لأنها من اعتقاده، فلابد من إيمانه بجميع ما جاء به الرسول ﷺ . ثم من المعروف إن لكلمة (لا إله إلا الله) شروطًا لصحتها، فليس كل من قال لا إله إلا الله يكون إيمانه صحيحًا، بل لابد من مراعاة الشروط فيها، فقد سئل بعض السلف: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: نعم، ولكن للمفتاح أسنان ـ وذكر أشياء ثم قال: ـ كما أنه لا يفتح بالمفتاح الذي لا أسنان له، هكذا مجرد النطق بالكلمة لا تجدي ولا تنفع. فاتضح بما سبق: أن كلمة الشهادتين وإقامة الصلاة ... إلخ إنما يفيد من التزم بمقتضى ذلك، ولم يأت بما يناقضه، وأما من لم يلتزم بذلك وأتى بالنواقض فلا يمنعه. هذا، وقد أعرضت عن شبهات أخرى يتشبث بها المتصوفة القبورية كالاحتجاج بالأحاديث الموضوعة والمنامات والإلهامات ـ إذ يكفي أن يقال عنها كلها: إنها مردودة ـ فأما الأحاديث الموضوعة فمردودة مطلقاً، وأما موافقة للشرع، والأمر فيه كما في مراقي السعود: وينبذ الإلهام بالعراء ... أعني به إلهام الأولياء قال شارحه عن الإلهام: (وليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصومًا بخواطره؛ لأنه لا يأمن دسيسه الشيطان فيها). وقال: (وكذا من رأى النبي ﷺ في النوم يأمره وينهاه لا يجوز اعتماده ... لعدم ضبط الرائي.).

стр. 1252

الفصل الثالث وجوب الإخلاص والحذر من الشرك وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في معنى الإخلاص لغة وشرعاً. المبحث الثاني: في بيان وجوب الإخلاص. المبحث الثالث: في بيان موانع الإخلاص والحذر من الشرك.

стр. 1253

المبحث الأول في معنى الإخلاص لغة وشرعًا الإخلاص لغة: جاء في المصباح المنير: (خلص الشيء من التلف) من باب ـ قعد ـ، (وخلاصاً)، و (مخلصاً): سلم ونجا، و (خلص) الماء من الكدر: صفار، و (خلصته) بالتثقيل: ميزته من غيره. وهكذا مدار الإخلاص في كتب اللغة على الصفا والتميز عن الشوائب التي تخالط الشيء، يقال: هذا الشيء خالص لك أي لا يشاركك فيه غيرك، وتطلق العرب (الإخلاص) على الزبد إذا خلص من اللبن. (والخلاص) في لغة العرب: ما أخلصته النار من الذهب والفضة. والخالص من الألوان عندهم: ما صفا ونصع، ويقولون: خالصه في العشرة؛ أي: صافاه. وهذه المعاني جاءت في القرآن الكريم، قال تعالى: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا)؛ أي: لا يخالطه دم ولا فرث. وقال تعالى في إخوة يوسف: (خَلَصُوا نَجِيًّا)، أي: انفردوا

стр. 1254

وتميزوا عمن سواهم، وقال تعالى حكاية عن المشركين: (خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا)؛ أي: لا يشركهم الإناث. وأما حقيقة الإخلاص في الشرع: فقد تنوعت تعريفات العلماء له، ولكن مدارها على قصد الله بالعبادة دون سواه. جاء في المفردات لغريب القرآن: (فحقيقة الإخلاص: التبري عن كل ما دون الله تعالى). وعرفه أبو القاسم القشيري: بأنه (إفراد الحق في الطاعات بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر؛ من تصنع لمخلوق، واكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله ). وقال في موضع آخر: (يصح أن يقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين).

стр. 1255

وعرفه بعضهم بقوله: (الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده لا يريد بها تعظيمًا من الناس ولا توقيرًا، ولا جلب نفع ديني ولا دفع ضرر دنيوي). وقال سهل بن عبد الله: (الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله ـ تعالى ـ خالصة). قال الغزالي بعد ذكره لهذا التعريف: (وهذه كلمة جامعة محيطة بالغرض). وقد ذكر الإمام ابن القيم، ما يقارب ثلاثة عشر تعريفًا للإخلاص، وكلها ترجع إلى معنى واحد: وهو أن يقصد العبد بأقواله، وأعماله وإرادته، ونيته وجه الله تعالى دون سواه، من غير أن ينظر إلى مغنم، أو جاه، أو لقب، أو تقدم، أو تأخر، إلى غير ذلك من أغراض الدنيا. وقد ذكر ابن القيم أن للإخلاص ثلاثة أركان، قال ـ رحمه الله تعالى ـ:

стр. 1256

(فحقيقة الإخلاص: توحيد المطلوب، وحقيقة الصدق: توحيد الطلب والإرادة، ولا يثمران إلا بالاستسلام المحض للمتابعة، فهذه هي الأركان الثلاثة للإخلاص).

стр. 1257

المبحث الثاني وجوب الإخلاص في الدين أما وجوب الإخلاص في الدين: فلأنه من أعمال القلوب، بل هو من أهم أعمال القلوب المندرجة تحت الإيمان، وأعظمها قدرًا وشأنًا، من المعلوم: أن أعمال القلوب عمومًا آكد وأهم من أعمال الجوارح، يقول ابن تيمية ﵀ عن الأعمال القلبية: (وهي من أصول الإيمان وقواعد الدين، مثل محبة الله ورسوله، والتوكل على الله، وإخلاص الدين لله، والشكر له، والصبر على حكمه، والخوف منه، والرجاء له ... وهذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق باتفاق أئمة الدين). ويقول ابن القيم: (وأعمال القلوب هي الأصل، وأعمال الجوارح تبع ومكملة، وإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح فموات، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح). وبهذا تدرك أهمية أعمال القلوب، وعلو شأنها، ووجوب تحقيق هذه الأعمال عمومًا، ومن أهمها وأخصها: الإخلاص. فالإخلاص حقيقة الدين، ومفتاح دعوة الرسل ﵈، وإذا تمكن الإخلاص من طاعة ما، فكانت هذه الطاعة خالصة لوجه الله تعالى، فإن الله تعالى

стр. 1258

يجزي الجزاء الكيبر والعطاء العظيم لهؤلاء المخلصين، وإن كانت الطاعة في ظاهرها يسيرة أو قليلة. يقول ابن تيمية في هذا الشأن: (والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه عبوديته لله، فيغفر الله به كبائر، كما في حديث البطاقة ... فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم يقولون التوحيد، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم كما ترجح قول صاحب البطاقة) ـ ثم ذكر ابن تيمية ﵀ حديث البغيّ التي سقت كلبًا فغفر الله لها، ... والرجل الذي أماط الأذى عن الطريق فغفر الله له ـ ثم قال: (فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلبًا يغفر لها، فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإجلال). وفي المقابل إن أداء الطاعة بدون إخلاص وصدق مع الله، لا قيمة لها، ولا ثواب، بل صاحبها متعرض للوعيد الشديد، وإن كانت هذه الطاعة من الأعمال العظام كالإنفاق في وجوه الخير، وقتال الكفار، ونيل العلم الشرعي كما سيأتي معنا حديث الثلاثة؛ من المجاهد، والعالم، والجواد. وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة، وكثرة أقوال الأئمة في اشتراط الإخلاص للأعمال والأقوال الدينية، وأن الله لا يقبل منها إلا ما كان خالصًا وابتغي وجهه. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).

стр. 1259

قال ابن كثير: (هذه الآية فيها توجيه من الله ـ تعالى ـ لنبيه ﷺ بأن يقول للمشركين أنه لا يصلي إلا لله، ولا يذبح إلا له، وأن محياه ومماته كل ذلك لله وحده لا شريك له، بخلاف المشركين، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله ـ تعالى ـ بمخالفتهم، والابتعاد عما هم عليه والإقبال بالقصد والنية والعزم والإخلاص لله تعالى). وقال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ). قال الفضيل بن عياض: ـ في بيان معنى (أَحْسَنُ عَمَلًا) ـ: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصاً صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قوله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ... فلا يمكن أن يكون العمل خالصًا إلا إذا جرد الإنسان المتابعة للكتاب والسنة في عبادته، واقتفى ما خط له فيهما، فقبول الأعمال مرهون وموقوف بصدق الإخلاص.

стр. 1260

يقول ابن القيم تعليقًا على كلام الفضيل بن عياض: (والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة، فالمقبول ما كان خالصًا لله، وللسنه موافقًا، والمردود ما فقد منه الوصفان أو أحدهما، وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه، وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وما عمل لوجهه، وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها، بل يمقتها ويمقت أهلها ... فإن قيل: فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول، والعمل لله وحده مقبول، فبقي قسم آخر وهو أن يعمل العمل لله ولغيره، فلا يكون لله محضًا ولا للناس محضًا، فما حكم هذا القسم؟ هل يبطل العمل كله أم يبطل ما كان لغير الله ويصح ما كان لله؟ قيل: هذا قسم تحته أنواع ثلاثة: أحدها: أن يكون الباعث الأول على العمل هو الإخلاص، ثم يعرض عليه الرياء وإرادة غير الله في أثنائه، فهذا المعول فيه على الباعث الأول ... الثاني: عكس هذا، ... فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل، ويحتسب له من حين قلب نيته ... الثالث: أن يبتدئها مريدًا بها الله والناس، ... فهذا لا يقبل منه العمل. وقال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ). فإسلام العبد وجهه لا يتحقق إلا بإخلاص قصده وعمله لله تعالى، والإحسان في ذلك لا يتحقق إلا بمتابعة الرسول ﷺ ، ولقد أخبر الله تعالى أن الأعمال التي تكون على غير الكتاب والسنة أو قصد بها غير وجه الله تعالى فإنها تصير هباء منثورًا ليس لها قيمة وليس فيها نفع لصاحبها. قال تعالى: (وَقَدِمْنَا

стр. 1261

إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا). والآيات الواردة في الحض على إخلاص العبادة لله ـ وحده لا شريك له ـ كثيرة جدًا في كتاب الله تعالى وكلها تدل على اهتمام الإسلام بإصلاح الفرد ظاهرًا، وباطنًا. من هذه الآيات الكريمات قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). قال ابن كثير: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك). وقوله تعالى: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ). قال الحافظ ابن كثير: أي فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك وأعلمهم أنه لا تصح العبادة إلا له وحده وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد، ولهذا قال تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له. قال قتادة في تفسير قوله تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ): (شهادة أن لا إله إلا الله). وعلى هذا التفسير يكون

стр. 1262

معنى الآية: أي: التوحيد الصافي من شوائب الشرك وهو المستحق لذلك وحده. وقوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ). فهذه الآية أيضًا تأمر بعبادة الله ـ تعالى ـ العبادة الخالصة البعيدة عن كل إشراك. وقوله تعالى: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي) في هذه الآية إخبار بأنه ﷺ أمر بأن يخص الله تعالى وحده بالعبادة مخلصًا له دينه ولا يعبد أحدًا غيره. فقوله: (اللَّهَ أَعْبُدُ) يفيد الحصر؛ أي: لا أعبد أحدًا غير الله تعالى. وقوله تعالى: (فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ). قال الحافظ ابن كثير: أي فاخلصوا لله وحده العبادة والدعاء وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم. وقوله تعالى: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). (قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: قال تعالى: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي هو الحي أزلاً وأبدًا لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي لا نظير له ولا عديل له (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو، الحمد لله رب العالمين. وقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ). قال ابن كثير: (قوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) كقوله:

стр. 1263

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، ولهذا قال: (حُنَفَاءَ) أي متحنفين عن الشرك إلى التوحيد كقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). قوله: (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) وهي أشرف عبادات البدن (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي الملة القائمة العادلة أو الأمة المستقيمة المعتدلة. وقد استدل كثير من الأئمة بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان ولهذا قال: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ). فهذه الآيات الكريمات كلها تدل على أهمية الإخلاص وتدل على أنه يجب على كل إنسان أن يحققه في عبادته لربه، لتكن عبادته مقبولة عند الله ـ تعالى ـ، والقرآن الكريم عند ما يطلق اسم الإخلاص لا يريد به التوجه إلا الله في عمل من الأعمال، بل المقصود به أن يتوجه المكلف بأعماله كلها إلى الله وحده دون سواه، فلا يقصد بعبادته ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلاً ولا يعبد شجرًا ولا حجرًا ولا شمسًا ولا قمرًا، فالإخلاص يعني أن يتوجه بالأعمال القلبية لله وحده، كما يتوجه بالأعمال الظاهرة، والإخلاص هو الدين الذي بعث الله به الرسل جميعًا، فكان محور دعوتهم ولبها، وهو الدين الذي طالبت به الرسل الأمم التي أرسلت إليها (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)، وطالما أن للإخلاص هذه الأهمية في القرآن فإنه ينبغي أن نعرف أهميته من السنة النبوية:

стр. 1264

لقد أكدت السنة النبوية على أهمية الإخلاص في عبادة الله في أحاديث كثيرة، منها: ١ - ما رواه الشيخان عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)). فقد بين النبي ﷺ أن القتال الذي يكون لله وفي سبيله إنما هو القتال الذي يكون الغاية منه رفع راية الإسلام، أما القتال لأجل مراءات الناس، وإظهار الشجاعة، أو للحمية، كل هذا في سبيل الشيطان، وليس في سبيل الرحمن. ٢ - وروى الإمام أحمد من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)). قال العلامة ابن القيم: (أي لا يبقى فيه غل، ولا يحمل الغل معهذه الثلاثة بل تنفي عنه غلة وتنقيه منه، وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة، والضلالة، فهذه الثلاثة تملؤه غلاً، ودغلاً، ودواء هذا الغل، واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة الرسول).

стр. 1265

وقال في موضع آخر: (أي: لا يحمل الغل ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنها تنفي الغل والغش وفساد القلب وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصه يمنع غل قلبه، يخرجه ويزيله جملة؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبق فيه موضع للغل والغش، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)، فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء. ولهذا لما علم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص استثناهم من شرطه التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ). فالإخلاص هو سبيل الخلاص، والإسلام مركب السلامة، والإيمان خاتم الأمان). ٣ - وأخبر ﷺ أن الإنسان إذا قصد بعمله وجه الله ـ تعالى ـ زاده الله رفعة ودرجة في دنياه وآخرته. دل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءني رسول الله يعودني في حجة الوداع من وجع اشتد بي .. فقلت: يا رسول الله أخلّف بعد أصحابي، قال: ((إنك لن تُخلّف فتعمل عملاً
следующие страницы →