← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

قال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ) بين سبحانه بالمثل الذي ضربه لهم أنه لا ينبغي أن يجعل مملوكه شريكه فقال: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) يخاف أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضًا، فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ترضونه لله؟ ويقول ابن القيم ﵀: (وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على المشركين، حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم الحجة يعرفون صحتها من نفوسهم، ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يؤخذ من نفسه ويحتج عليه .... في نفسه، مقرر عندها، معلوم لها، فقال: هل لكم من ما ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل؟ أي شيء يشارككم عبيدكم في أموالكم، وأهليكم، فأنتم وهم في ذلك سواء تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم ... ؟ فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي؟ ). ب- وضرب الله كذلك مثلين لنفسه ولما يعبد من دونه في قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ

стр. 1332

مُسْتَقِيمٍ). هذان المثلان ضربهما لنفسه ولما يعبد من دونه، قال مجاهد: (ضرب الله هذا المثل والمثل الآخر بعده لنفسه وللآلهة التي من دونه). والمثل الأول هو قصة عبد في ملك غيره عاجز عن التصرف وحر غني متصرف فيما آتاه الله، فإذا كان هذان المثلان لا يستويان عندكم مع كونهما من جنس واحد مشتركين في الإنسانية فكيف تشركون بالله وتسوون به من هو مخلوق له مقهور بقدرته من آدمي وغيره مع تباين الأوصاف وأن الله لا يمكن أن يشبهه شيء من خلقه ولا يمكن لعاقل أن يمثل به غيره ... ؟ . والمثل الثاني كذلك مضروب لله لما يعبد من دونه، وهي أصنام لا تسمع ولا تنطق؛ لأنها إما من خشب أو نحاس أو حجر وغيره، ولا تجلب خيراً ولا تدفع شرًا، ثم هي عيال على عابديها تحتاج لمن يحملها ويخدمها كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء فهو كلٌ على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم وحيثما وجهوه لا يأت بخير، لأنه لا يفهم ولا يفهم عنه، وهكذا الصنم لا يعقل ما يقال له، ولا ينطق فيأمر وينهى، فهل يستوي هذا الأبكم بصفاته السابقة ومن هو ناطق متكلم بأمر الحق، ويدعو إليه؟ . فإذا كانا لا يستويان فكذلك لا يستوي الصنم مع الله الواحد القهار الداعي عباده إلى توحيده وطاعته، فهذا مثل إله الباطل وإله الحق. وبه قال قتادة ومجاهد، وكذلك قال به ابن القيم وبين أن هذين المثلين أوضح عند

стр. 1333

المخاطبين وأعظم في إقامة الحجة عليهم وأظهر في بطلان الشرك وقبحه. المطلب الثاني: المثل المضروب لكلمة التوحيد وكلمة الشرك ضرب الله مثلاً لكلمة التوحيد بالشجرة الطيبة، ومثلاً لكلمة الشرك بالشجرة الخبيثة، فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ). شبّه كلمة التوحيد ـ لا إله إلا الله ـ بالشجرة الطيبة، وهي النخلة الضاربة جذورها في أعماق التربة وفروعها مرتفعة في السموات، والكلمة الخبيثة وهي الشرك كالشجرة الخبيثة؛ وهي الحنظلة إذا استؤصلت، فلم يبق لها أثر ولا أصل في الأرض، وقد ورد عن ابن عباس وبه قال جمهور المفسرين أن الكلمة الطيبة هي لا إله إلا الله في قلب المؤمن، وأن الكلمة الخبيثة هي كلمة الكفر. وفي هذا التشبيه حكم بليغة وأسرار كثيرة؛ لأن الشجرة لابد لها من عروق وساق وفروع، وورق، وثمر، فكذلك شجرة الإيمان والتوحيد ليطابق المشبه المشبه به؛ فشجرة التوحيد عروقها الثابتة العلم والمعرفة واليقين وساقها

стр. 1334

الإخلاص لله وفروعها الأعمال الصالحة وثمرها الأخلاق الحميدة الزكية، فإذا كانت هذه الأمور مطابقة لأمر الله بأن يكون العلم موافقًا لمعلومه الذي أنزل الله به كتابه، وكان الاعتقاد مطابقاً لما أخبر الله به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله، وكان الإخلاص قائمًا في القلب، والأعمال موافقة للشرع علم أن شجرة التوحيد في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإن كان الأمر بالعكس علم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فكما أن هذه الشجرة الخبيثة ليس لها أصل ثابت ولا فرع ثابت ولا فائدة فيها، فكذلك الشرك ليس له أصل يأخذ به المشرك ولا برهان، ولا يقبل الله مع الشرك عملاً، ولا يصعد إلى الله، فليس له أصل في الأرض ولا فرع في السماء. المطلب الثالث: مثل للحق والباطل ضرب الله مثلاً للحق والباطل، وهو مشتمل على المثلين المائي والناري، فيقول تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ).

стр. 1335

أما المثل المائي: فقد مثل الله ـ تعالى ـ الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله كمثل الماء النازل من السماء إلى الأرض فتحمله الأودية بقدرها الكبير بكبره والصغير بصغره، ولكن هذا السيل الحادث عن ذلك الماء يحمل فوقه زبدًا عاليًا، وبعد قليل يتطاير الزبد ويتلاشى، وأما الماء فيستفيد منه الناس في الشرب وسقي المزروعات، والباقي يمكث في الأرض، لينتفع به الناس في العاجل والآجل، فالحق في ثباته ونفعه يشبه الماء المستقر في الأرض والباطل في تلاشيه واختفائه يشبه الزبد العالي فوق السيل، فهذا أحد المثالين. وأما المثل الآخر ـ وهو الناري ـ: فقد شبه الله ـ تعالى ـ الحق كمثل المعدن إذا أوقد عليه فيخرج منه الخبث والزبد، ويذهب هذا ويتلاشى ويبقى خالص المعدن ثابتًا مستقرًا نقيًا، فشبه سبحانه الحق ببقائه وثباته بالمعدن الباقي بعد الخبث، وشبه الباطل بالخبث الذي تخرجه النار من المعادن، كذلك يضرب الله الحق والباطل. قال مجاهد: فذلك مثل الحق والهدى والعلم والتوحيد إذا دخل القلب طرد الخبث وهو الشكوك والشبهات والشهوات. فيطرح القلب هذه الشبه وتتلاشى كما يطرح السيل الزبد، وكما تطرح النار الخبث، وكاستقرار الماء والمعدن الصافي الخالص، يستقر التوحيد والإيمان في القلب وجذوره، بحيث ينفع صاحبه وينتفع به غيره.

стр. 1336

المطلب الرابع: أمثلة عجز آلهة المشركين وفيه ثلاثة أمثله: أ- عجزها عن سماع الدعاء وعن إجابته كذلك: يقول تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)، وقال تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ). هذان مثلان في عدم نفع دعاء الكفا لأصنامهم؛ لأنها لا تسمع دعاءهم. وهذا هو المثل الأول: حيث شبه الله ـ تعالى ـ المشركين بدعائهم لآلهتهم وطلبهم منها قضاء حاجاتهم كالراعي الذي يصوت بالغنم والبهائم وهي لا تعي ما يقول غير أنها تسمع صوته. يقول ابن القيم في هذا: (فتضمن هذا المثل ناعقًا أي مصوتًا بالغنم وغيرها، ومنعوقًا به وهو الدواب، فقيل: الناعق: العباد وهو الداعي للصنم، والصنم هو المنعوق به المدعو، وأن حال الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه، وهذا قول طائفة منهم عبد الرحمن بن زيد وغيره). وأما المثل الثاني: فقد شبه المشركين في دعائهم لأصنامهم وأنها لا تستجيب لهم بالعطشان الذي جلس على شفير بئر وبسط

стр. 1337

كفيه إلى الماء وأخذ يدعوه إلى فيه من بعيد مشيرًا إليه بيده ليبل غلته، فلا هو نزل إلى البئر فشرب، ولا الماء ترتفع إليه لأنه جماد لا يحس بعطشه ولا يسمع دعاءه، وهكذا الأوثان لا تحس بدعاء عابديها لها، ولا تستجيب لهم؛ لأنها جمادات منحوتة على هيئة الأحياء، والعرب تضرب مثلاً لمن سعى فيها لا يدركه: القابض على الماء. ب- عجزها على الخلق وعن استعادة ما يسلب منها: وضرب الله مثلاً لبيان عجز آلهة المشركين عن خلق أضعف وأصغر المخلوقات، بل لو سلب هذا المخلوق الضعيف من الأصنام شيئًا ما استطاعت استرداده، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ). والمعنى بأن المشركين جعلوا لله شبهًا من الأصنام والأنداد التي عبدوها فاستمعوا لحال ما مثلوه وجعلوه شبهًا لله بعبادتهم إياه: إن كل ما تعبدون من دون الله لو اجتمعوا وتعاونوا ما خلقوا ذباباً في صغره وقلته وضعفه، بل لو سلبهم هذا الذباب شيئًا مما تجعلونه عليها من العسل والطيب، فإنهم لا يستخلصوه منه، ضعف الطالب وهو آلهة المشركين، والمطلوب وهو الذباب. وفي هذا المثل غاية التحقير، والمهانة لآلهتهم، وفيه التقريع الشديد كذلك لعابديها مع علمهم بضعفها ومهانتها ومع ذلك يجعلونها مثلاً لله، وهذا

стр. 1338

المثل من أبلغ المثال في تجهيل عابدي الأصنام وتقبيحهم واستركاك عقولهم والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه حيث وصفوا بالإلهية ـ التي تتضمن القدرة على الخلق، والإحاطة بالكائنات كلها ـ صوراً وتماثيل لو سلبها الذباب مما دهنت به من العسل، والزعفران ما ردته عن نفسها ولا استنقذته منه. والظاهر أن ضارب المثل هو الله ـ تعالى ـ ضرب مثلاً لما يعبد من دونه، فاستمعوا لحال هذا المثل. وقد ذكر ابن القيم كلاماً موسعًا حول هذا المثل نقتطف منه قوله: (حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات، ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟ ). جـ - مثل عجزها عن حماية غيرها: وضرب الله مثلاً لبيان عجز آلهة المشركين عن حماية

стр. 1339

عابديها وقلة غنائها، مشبهًا إياها ببيت العنكبوت، فيقول تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). يبين ـ تعالى ذكره ـ أن الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله، ويرجون نفعها عند حاجتهم إليها فهم في ضعف عقولهم وسوء اختيارهم لأنفسهم كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة احتيالها لنفسها تتخذ بيتًا لنفسها ليحميها فلم يغن عنها شيئًا عند حاجتها إليه، وهؤلاء المشركون إذا حل بهم سخط الله لن يغني عنهم أولياؤهم شيئًا ولن يدفعوا عنهم بأس الله، فشبه الأصنام ببيت العنكبوت لبيتها الواهن الضعيف، فكما لا يغني العنكبوت بيتها هكذا لا تغني أصنامهم عنهم من الله شيئًا، وبه قال ابن عباس وقتادة، وابن زيد، والضحاك. يقول ابن القيم في هذا المثل: (فذكر سبحانه أنهم ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياءهم أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتًا وهو أوهن البيوت، وأضعفها، وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا كما قال تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا).

стр. 1340

المطلب الخامس: الأمثال المضروبة لوصف حال المشرك وحالة الموحد وهي ثلاثة أمثال: أ- مثل المشرك بالساقط من السماء. ب- مثل المشرك بالحيران في الأرض. جـ - مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين. أ- مثل المشرك الساقط من السماء: ضرب الله مثل المشرك بالذي يهوي من السماء فتخطفه الطير أو هوت به الريح في مكان سحيق، قال تعالى: (حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ). يحث الله عباده على إخلاص التوحيد وإفراده بالطاعة والعبادة دون الأوثان، ويذكر قبح الشرك وبطلان بأوضح الأمثلة؛ لأن من يشرك بالله شيئًا من دونه فمثله في بعده عن الهدى وإصابة الحق وهلاكه وذهابه عن ربه مثل من خر من السماء فتخطفه الطير فهلك، أو هوت به العواصف في مكان بعيد، فعن قتادة قال: (فَكَأَنَّمَا خَرَّ) الآية، قال: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك بالله في بعده من الهدى وهلاكه. فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره، ويجوز في هذا التشبيه أمران:

стр. 1341

أحدهما: أن نجعله من التشبيه المركب، فيكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره برجل أهلك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة، فحال كحال من سقط من السماء فاختطفته الطير ومزقته في حواصلها، أو عصفت به الريح فسقط في مكان سحيق. وعلى هذا التشبيه المركب لا ننظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابلة من المشبه به. ثانيهما: أن نجعله من التشبيه المفرق، فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به، فيكون قد شبه التوحيد في علوه وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض وإليها يصعد، وشبه المشرك الساقط من السماء إلى أسفل سافلين لما يجده من التضييق والشدة، وشبه الشياطين التي تؤزه وتتقاسم قلبه بالطير التي تتقاسم لحمه، وشبه هواه الذي ألقاه في التهلكة بالريح التي هوت به في مكان سحيق. ب- مثل المشرك بالحيران في الأرض: وضرب الله مثل المشرك في عبادته الأصنام كمثل رجل في الفلاة حائر وله أصحاب مسلمون موحدون يدعونه للهدى فلا يتبعهم، قال تعالى: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). يأمر نبيه محمدًا ﷺ أن يقول للكفار: أنخص بالعبادة الأصنام وندع عبادة الله فنرجع القهقري لم نظفر بحاجتنا؟ فيكون مثلنا في ذلك

стр. 1342

مثل الرجل الذي سيرته الشياطين في الأرض حيران ضالاً عن المحجة، ولهذا الحيران أصحاب مسلمون يدعونه لما هم عليه من الهدى الذي هم عليه مقيمون والصواب الذي هم عليه متمسكون وهو يعاندهم ويتبع الشياطين الداعية له لعبادة الأوثان. عن ابن عباس في قوله تعالى: (قُلْ أَنَدْعُو) الآية، قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله كمثل رجل ضل الطريق إذ ناداه مناد: يا فلان ابن فلان، هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه: يا فلان، هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق. وهذا المثل في غاية الحسن، وذلك؛ لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه كالحجر حال نزوله من أعلى فإنه لا ينزل إلا مع الاستدارة، وذلك يوجب كمال التردد والحيرة؛ لأنه عند نزوله من أعلى إلى أسفل لا يعرف على أي شيء يسقط عليه، قال أبو حيان: (ولا تجد للخائف الحائر أكمل ولا أحسن من هذا المثل)، وعن مجاهد قال: (حيران: هذا مثل ضربه الله للكافر يقول: الكافر حيران يدعوه

стр. 1343

المسلم إلى الهدى فلا يجيب). جـ - مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين: وضرب الله تعالى مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين. والموحد بالعبد المملوك لرجل واحد، ثم بين سبحانه أنهما لا يستويان، قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). هذا المثل يبين حالة المشرك بالله الذي يعبد آلهة شتى، ويطيع الشياطين وهم في أنفسهم متنازعين سيئة أخلاقهم، وحالة المؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد، فالمشرك كالعبد المملوك لجماعة مختلفين متنازعين سيئة أخلاقهم، وكل واحد منهم يستخدم هذا العبد لمصلحته، وأما الموحد فهو كالعبد المملوك لشخص واحد، فهو مطمئن ومستريح من تشاحن الخلطاء والشركاء عليه؛ لأن الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون وأخلاقهم سيئة، كلهم يتلقونه آخذين بطرقه لملكهم له ولأن لكل منهم حقًا عليه، والموحد يملكه إله واحد، فلا يستوي هذا ومن جعل في عنقه حقوقًا لآلهة متعددة. يقول ابن القيم: (ومنها قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ .... ) الآية، هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد، فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحنون، والرجل المتشاكس الضيق الخلق، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته لا

стр. 1344

يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين. والموحد لمّا كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد لرجل واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفه مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليه لمصالحه، فهل ييستوي هذان العبدان؟ وهذا من أبلغ الأمثال، فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه وإلتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحقه صاحب الشركاء المتشاكسين، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون). المطلب السادس: مثل قلب الموحد وقلب المشرك وهما مثلان: أ- ضرب الله مثلاً لقلب المؤمن الموحد بالبلد الطيب، ومثلاً لقلب المشرك الكافر بالبلد الخبيث، فقال تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ). بين في هذا المثل أن البلد الطيب تربته العذبة مشاربه فيخرج نباته إذا أنزل الله الغيب طيبًا ثمره في حينه ووقته، والبلد الذي خبث فتربته رديئة، ومشاربه مالحة، يخرج نباته بعسر وشدة، فعن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي قالوا: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر؛ لأن قلبا لمؤمن لما دخله

стр. 1345

القرآن آمن به وثبت الإيمان فيه وفاض بالخير، وقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه ولم يثبت فيه الإيمان، ففاض بالنكد والشر والفساد. وقد سمى الله في كتابه المؤمن بالطيب والكافر بالخبيث، فقال تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، فالخبيث في هذه الآية هم الكفار والطيب هم المؤمنون، كذا قاله السدي. وقد ورد مثل هذا المثل عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)). وهذا الحديث يبين مثل قلب المؤمن ومثل قلب الكافر بما يوافق المثل القرآني الذي بيناه. ب- وضرب الله مثلاً آخر للقلب الذي يريد أن يهديه

стр. 1346

وللقلب الذي يريد أن يضله فقال تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ). يبين تعالى أن من اراد الله هدايته إلى الإيمان به وبرسوله ﷺ وبما جاء به من عند ربه ويوفقه لذلك، يفسح صدره للإيمان ويهونه ويسهله له بلطفه ومعونته حتى يستنير الإيمان في قلبه فيضيء له ويتلقاه صدره بالقبول. ومن أراد إضلاله عن سبيل الهدى يجعل صدره حرجًا بخذلانه وغلبة الكفر عليه، والحرج: أشد الضيق، وهو الذي لا ينفذ إليه شيء من شدة ضيقه، وهو هنا القلب الذي لا تصل إليه الموعظة ولا يدخله نور الإيمان لرين الشرك عليه، وضيق مشاربه فلا يدخل الإيمان، وهو في ذلك كالحرجة: وهي الشجرة الملتف بها الأشجار الكثيفة فلا يدخل إليها شيء لشدة التفاف الأشجار بها. وقوله تعالى: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء): الصعود هو الطلوع إلى أعلى، فشب الله تعالى الكفار في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه كما أن صعود السماء لا يطاق؛ لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع على بني آدم ويبعد عن الاسطاعة وتضيق عنه المقدرة. قال ابن جريج: (حرجًا بلا إله إلا الله لا يجد لها في صدره مساغاً)، وقال الطبري: (وهذا مثل من الله ـ تعالى ذكره ـ ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه؛ لأن ذلك ليس في

стр. 1347

وسعه). المطلب السابع: أمثلة وصف حواس الموحد وحواس المشرك ضرب الله مثل المؤمن الموحد بالحي، والسميع، والبصير، وهو في النور، والظل وبمن يمشي سويًا، وضرب مثل الكافر بالميت، والأصم، والأبكم، والأعمى، وهو في الظلمات والحرور، وبمن يمشي مكبًا على وجهه وهو كالأنعام. وهذه في الحقيقة عدة أمثال لكن لارتباط بعضها ببعض وصعوبة تمييزها عن بعضها ولورودها في القرآن متداخلة، أحببت أن أتكلم عنها مجتمعة، وسأذكر أولاً كل الآيات التي وردت في هذا حسب ترتيب السور: يقول تعالى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)، ويقول تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، ويقول تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ)، ويقول تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا)، ويقول تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ

стр. 1348

بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)، ويقول تعالى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ)، ويقول تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ)، ويقول تعالى: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)، ويقول تعالى: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)، يقول تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)، ويقول تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)، ويقول تعالى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، ويقول تعالى: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ). لقد شبه الله المؤمن بالحي، وشبه الكافر بالميت من حيث إن الميت جسده خال من الروح فيظهر منه النتن والصديد والقيح وسائر أنواع العفونات وأصلح أحواله دفنه تحت التراب، والكافر كذلك يظهر منه الجهل

стр. 1349

بالله تعالى ومخالفاته لأمره وعدم قبوله لمعجزات الرسل لأنه ميت القلب، وهذا من باب التهكم والازدراء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه روح الإسلام ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الأموات، قال الله تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ..... )؛ فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات، وسمى الله رسالته روحًا والروح إذا عدم فقد فقدت الحياة). وشبه الله الكافر بالأنعام التي لا تفقه ما يقال لها وهمها الأكل والشرب، وهو في شدة نفوره من الإيمان وفراره عن سماع القرآن كالحمر التي رأت الأسد ففرت مسرعة في كل اتجاه، فبين سبحانه أن الكفار أضل من البهائم؛ لأنها تبصر منافعها ومضارها وتتبع مالكها، قال عطاء: الأنعام تعرف الله والكافر لا يعرفه. ولهذا جعل الأكثرين أضل سبيلاً من الأنعام؛ لأنها تتفع قائدها وتهتدي الطريق، وأما الكفار فدعاهم الرسل للطريق والهداية فلم يتبعوهم، بل لم يفرقوا بين ما يضرها من النبات أو الطريق وبين ما ينفعها منه، فتجتنب الأول وتؤثر الثاني، والله تعالى لم يعط البهائم قلوبًا تفقه بها، ولا ألسنة تنطق بها وأعطى ذلك للكفار ثم لم ينتفعوا به فصاروا أضل من البهائم لأنهم لم يهتدوا مع وجود الأدلة.

стр. 1350

يقول ابن القيم ﵀: (شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرمات ففرت منه، وهذا من بديع القياس والتمثيل؛ فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالحمر وهي لا تعقل شيئًا، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرمي نفرت منه أشد النفور، وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضًا وحضه على النفور، فإن في الاستفعال من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرد، فكأنها تواصت بالنفور وتواطأت عليه). وكذلك شبه الله تعالى: المؤمن الموحد بالسميع والبصير، وشبه الكافر بالأصم والأبكم والأعمى وذلك لتعطيل حواسه وعدم الاستفادة منها. فعن ابن عباس ومجاهدك أن الأعمى الأصم الأبكم هو الكافر وأن السميع البصير هو المؤمن؛ لعدم إيصار الكافر للحق والهدى واستماعه له، وإبصار المؤمن ذلك واستماعه له، قال قتادة: (هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن، فأما الكافر فصم عن الحق فلا يسمعه وعمي عنه فلا يبصره، وأما المؤمن فسمع الحق وانتفع به وأبصره). وقال ابن القيم ﵀: (وجعل أحد الفريقين كالأعمى والبصير من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم عن سماعه فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء وسمعه أصم عن سماع الأصوات. والفريق الآخر بصير القلب سميعه، كبصير العين وسميع الأذن، فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين، ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا).

стр. 1351

وشبه الله المؤمن بمن يمشي سويًا معتدلاً على طريق مستقيم، وشبه الكافر بمن يمشي مكبًا على وجهه في ظلمات كثيفة، وقد ورد عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي أن هذا مثل المؤمن والكافر، وأجمع عليه المفسرون؛ وذلك لأن المؤمن معه نور الله، وأما الكافر فهو في الضلالة والظلام متحير لا يجد مخرجًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وضرب الله مثل المؤمن بالحي والبصير والسميع والنور والظل، وضرب مثل الكافر بالميت والأعمى والأصم والظلمة والحرور). المطلب الثامن: مثلان لبيان فساد أعمال المشركين وهما يدلان على قبح الشرك وبطلانه ضرب الله مثلين لأعمال المشركين، ومثلاً لما ينفقونه من الأموال في وجوه البر: أ- أما مثلا الأعمال: فقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا

стр. 1352

لَهُ مِن نُّورٍ). يبين الله أن مثل أعمال الذين أشركوا بالله مثل سراب بأرض منبسطة يرى وسط النهار وحين اشتداد الحر، فيظنه العطشان ماءً، فإذا أتاه ملتمسًا الشرب لإزالة عطشه لم يجد السراب شيئًا، فكذلك الكافرون في غرور من أعمالهم التي عملوها وهم يحسبون أنها تنجيهم عند الله من الهلاك كما حسب العطشان السراب ماءً، فإذا صار الكافر إلى الله واحتاج لعمله لم ينفعه وجازاه الله به بالجزاء الذي يستحقه. وقوله تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ) الآية هذا مثل آخر لأعمال الكفار، إلا أن المثل الأول في انخداع الكافر بعمله في الدنيا وغروره به، وهذا المثل لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ وفساد وضلال وحيرة على غير هدى، فهي في ذلك كمثل ظلمات في بحر عميق جدًا كثير الماء، وفوق هذا البحر العميق موج عال مخيف، وفوق هذا الموج موج آخر، وفوقهما سحاب متراكم، فاجتمعت عدة ظلمات، وهكذا عمل الكافر ظلمات في ظلمات. قال ابن عباس وابن زيد في مثل السراب: (هذا مثل ضربه الله لأعمال الذين كفروا)، وقال قتادة وأُبي بن كعب في مثل الظلمات: (هذا مثل آخر ضربه الله للكافر يعمل في ضلال وحيرة)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومثل أعمال الكافرين بالظلمة).

стр. 1353

ولكن ابن كثير عدّ المثلين للكفار الدعاة وغير الدعاة، حيث جعل مثل السراب لعمل الكافر الداعية لمذهبه وكفره فيحسب أنه على كل شيء من الأعمال والاعتقادات وهو في واقع الأمر ليس على شيء. وقال القرطبي: (ضرب الله مثلاً آخر للكفار أي أعمالهم كسراب بقيعة أو كظلمات، قال الزجاج: إن شئت مثل بالسراب وإن شئت مثل بالظلمات). وبهذا نرى القرطبي، والزجاج يجعلان المثلين مترادفين. وقد ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين كلامًا جيدًا حول هذين المثلين، حيث يقول: (ذكر سبحانه للكافرين مثلين: مثلا بالسراب، ومثلا بالظلمات المتراكمة، وذلك لأن المعرضين عن الهدى والحق نوعان: أحدهما: من يظن أنه على شيء، فيتبين له عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان يظنه، وهذه حالة أهل الجهل، وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدى وعلم فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء، وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب بقيعة يرى في عين الناظر ماء ولا حقيقة له، وهكذا الأعمال التي لغير الله وعلى غير أمره يحسبها العامل نافعة له وليست كذلك ... ، وتأمل جعل الله سبحانه السراب بالقيعة ـ وهي الأرض القفر الخالية من البناء والشجر والنبات والعالم ـ فمحل السراب أرض قفر لا شيء بها، والسراب لا حقيقة له، وذلك مطابقة لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى، وتأمل ما تحت قوله: (يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ) والظمآن الذي قد اشتد عطشه فرأى السراب فظنه ماء فتبعه فلم يجد شيئًا بل خانه أحوج ما كان إليه، فكذلك هؤلاء لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسول

стр. 1354

ولغير الله، جعلت كالسراب فرفعت لهم أظمأ ما كانوا وأحوج ما كانوا إليها فلم يجدوا شيئًا ووجدوا الله سبحانه ثَمَّ فجازاهم بأعمالهم ووفاهم حسابهم ... النوع الثاني: أصحاب مثل الظلمات المتراكمة، وهم الذين عرفوا الحق والهدى وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال، فتراكمت عليهم ظلمة الطبع وظلمة النفوس وظلمة الجهل؛ حيث لم يعملوا بعلمهم فصاروا جاهلين، وظلمة اتباع الغي والهوى، فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له وقد غشيه موج ومن فوق ذلك الموج موج، ومن فوقه سحاب مظلم، فهو في ظلمة البحر وظلمة السحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان). ب- وضرب الله مثلاً لبطلان أعمال المشركين وحبوطها بالرماد الذي عصفت به الريح الشديدة فلم تبق منه شيئًا، فقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ). هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار التي كانوا يعملونها في الدنيا من المكارم وصلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسرى وعقر الإبل وإغاثة الملهوف والإجارة وغيرها من أعمال البر يزعمون أنهم يريدون بها وجه الله، فمثلها كمثل رماد هبت عليه ريح عاصفة فنسفته وذهبت به، فلا يجد الكافرون من أعمالهم الخيرة شيئًا ينفعهم عند الله يوم القيامة؛ لأنهم كانوا يشركون فيها معه الآلهة والأوثان، فهي على غير هدى بل هي على جور وضلال.

стр. 1355

والمثل هنا إنما هو للأعمال، ولكن الله تعالى قال: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ) حيث قدم الاسم على الخبر؛ (لأن العرب تقدم الأسماء لأنها أعرف، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه، والمعنى مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد). قال ابن كثير: (هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه غيره وكذبوا رسله وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها). وقال ابن القيم ﵀: (فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف، فشبه سبحانه أعمالهم ـ في حبوطها وذهابها باطلاً كالهباء المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان وكونها لغير الله الله وعلى غير أمره ـ برماد طيرته الريح العاصف فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه، فلذلك قال: (لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء، فلا يرون له أثرًا من ثواب ولا فائدة نافعة، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه موافقًا لشرعه ... وفي تشبيهه بالرماد سر بديع؛ وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا، فكانت الأعمال التي لغير الله وعلى غير مراده طعمة للنار وبها تسعر النار على أصحابها، وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارًا وعذاباً،

стр. 1356

كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره ونهيه التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيمًا وروحًا، فأثرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادًا، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار). جـ - وضرب الله مثلاً لنفقة الكفار وعدم قبولها بالزرع الذي أصابته ريح شديدة تحمل ناراً ملتهبة فلم تبق منه شيئًا، قال تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). شبه الله سبحانه ما ينفق الكافر ويتصدق به على وجه القربة إلى الله وهو مشرك بالله وجاحد به ومكذب لرسله وأن ذلك غير نافعه وأنه مضمحل عند حاجته إليه ذاهب بعد ما كان يرجو نفعه، كشبه ريح فيها برد شديد وتحمل النار فأصابت زرع قوم أملوا إدراكه ورجوا ريعه لكنهم كفرة، فأهلكت الريح التي فيها الصر الزرع ولم ينتفع بشيء منه، وكذلك يفعل الله بنفقة الكافر وصدقته ويبطل ثوابها، والمراد بالمثل صنيع الله بالنفقة. قال الطبري: (فتأويل الكلام مثل إبطال أجر ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر، وإنما جاز ترك ذكر إبطال الله أجر ذلك لدلالة الكلام عليه وهو قوله تعالى: (كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ)، ولمعرفة السامع ذلك معناه). وقد رأى بعض العلماء أن هذا المثل مضروب لأعمال الكفار كلها ليس للنفقة فحسب، وإنما خص النفقة بالذكر لكونها أظهر وأكثر.

стр. 1357

قال ابن القيم: (وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن أنفق في غير طاعته ومرضاته، فشبه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكاره والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر ولا يبتغون به وجه الله، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره، فأصابته ريح شديدة البرد جدًا يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار فأهلكت ذك الزرع وأيبسته).

стр. 1358

المبحث الثالث تقرير الله قبح الشرك وبطلانه ببعض القصص القرآني لقد ذكر الله ما جرى لكل رسول مع قومه، وكيف كانت دعوة الرسل إلى الله لأقوامهم وذلك بالدعوة إلى التوحيد وبيان قبح الشرك وبطلانه، وأخبرنا عن إهلاك الأمم السابقة لمّا ردوا أمر الله وتمردوا على الشرك به سبحانه، كل هذا يعتبر بيانًا من الله سبحانه لقبح الشرك وبطلانه. وقد سبق ذكر بعض هذه القصص عند بيان شرك الأمم السابقة مفضلاً، وفيما يلي بعض أوجه دلالة هذه القصص على قبح الشرك وبطلانه. فمثلاً في قصة نوح ﷺ نرى أن الله أهلكهم بطوفان من عنده نتيجة شركهم بالله بعد ما دعاهم نبيهم بسبل شتى وطرق مختلفة ولكن دون جدوى، فلما جاءهم أمر الله لم ينفعهم أصنامهم شيئًا ولم ينقذوهم مما حل بهم من العذاب والنكال، وفيه دلالة واضحة على قبح الشرك بالله سبحانه وعلى كونه من أبطل الباطل. يقول الطبري: (إن فيما فعلنا بقوم نوح من إهلاكنا لهم إذ كذبوا رسلنا وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام لعبرًا لقومك من مشركي قريش وعظات، وحججًا لنا يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم فينزجروا عن كفرهم ويرتدوا عن تكذيبك حذرًا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب، وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم). ومثل هذا في قصة قوم إبراهيم ﷺ ؛ حيث بين ﵇ حجته أمام

стр. 1359

طاغوت زمانه الذي ادّعى الربوبية وعطل المصنوع عن صانعه، وادّعى خصائص الربوبية لنفسه بقوله: (فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). هكذا بهت الذي أشرك بالله وكفر به؛ لأن الإله الحق لابد أن يتصرف في ملكه كما يشاء، فإذا لم يستطع على ذلك دل على أن دعواه باطل، وأن الشرك بالله سبحانه باطل وقبيح. وهكذا لما أراد إبراهيم ﵇ إظهار شناعة الشرك وقبحه به سبحانه أمام قومه جميعًا ذهب يحمل الفأس فكسر الأصنام وأبقى الصنم الكبير، وهذا فيه وجهان لقبح الشرك وبطلانه: أولهما: أن هذه الأصنام إن كانت آلهة فلم لم تدافع عن نفسها عند تكسيرها؟ والإله الحق حي لا يموت، وهذه قد اندثرت وصارت حطامًا. ثانيهما: أنها إذ لم تدافع عن نفسها فلما لا تجيبكم عمن كسرها؟ فإن أجابتكم عمن كسرها فهي بحاجة إلى الحماية ولذا هي ليست آلهة؛ لأن الإله الحق غني عن حماية غيره له، فالشرك مع الله سبحانه بهذه الآلهة المزعومة قبيح لا شك فيه. فهذا مثلان من جملة مئات الأمثلة في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أوردتهما كالنموذج لدلالة القصص القرآني على قبح الشرك وبطلانه، وقد سبق بيان أخبارهم مفصلاً في الباب الأول. وكل من تفكر في هذا القصص القرآني يدرك حقيقة ما ذكرناه لا محالة، ولعلنا نكتفي بهذا

стр. 1360

القدر، مكتفيًا بما سبق معنا في الباب الأول، فإن المقصود هو الإشارة بإيجاز، وإلا لو بدأنا هذه القصص وما تدل عليه من العبر والعظات لخرجنا عن موضوعنا ولعملنا بعض التكرار في عملنا.

стр. 1361

الفصل الثاني تنوع دلالات السنة على قبح الشرك وبطلانه

стр. 1362

الفصل الثاني تنوع دلالات السنة على قبح الشرك وبطلانه تنوعت دلالات السنة النبوية على قبح الشرك، ويظهر ذلك جليًا في الأمور التالية: الأول: بيانا لنبي ﷺ قبح الشرك في أقواله، ويتضمن نهيه عن أنواع من الشرك. الثاني: بيان النبي ﷺ قبح الشرك في أعماله، ويتضمن كل ما فعله ﷺ في حياته من مواقفه في بعض الغزوات ومع بعض الكفار والمشركين وصناديدهم. الثالث: ذكره ﷺ ما يقع في أمته من أنواع الشرك وتحذيره منه. وسأذكر هنا نماذج من أحاديث النبي ﷺ القولية، والفعلية، والتقريرية، وأخبار عن جهاده وسيرته الدالة على قبح الشرك. ١ - عن عبد الله قال: لما نزلت: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قال أصحاب رسول الله ﷺ : أينا لم يظلم؟ فأنزل الله : (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وجه الاستدلال: أن الشرك أظلم الظلم ومعلوم أن الظالم قبيح فالشرك يكون أقبح. ٢ - عن أنس يرفعه: ((إن الله يقول لأهون أهل النار عذاباً: لو أن لك ما في الأض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم. قال: فقد سألتك ما هو أهون

стр. 1363

من هذا وأنت في صلب آدم ألا تشرك بي فأبيت إلا الشرك)). وجه الاستدلال: أن المشرك ما نفعه كل ما فعله في حياته؛ لأنه أبى، فليس له إلا النار، وليس شيء أقبح من دخول النار. ٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ عده من الموبقات، وأي قبح فوق الوقوع في الموبقات؟ ٤ - عن عبد الله بن أنيس الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمينًا صبرًا فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا جعله الله نكتة في قلبه إلى يوم القيامة)). ٥ - في رواية عن عبد الله قال: ((سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: ((الشرك أن تجعل لله ندًا، وأن تزاني بحليلة جارك، وأن تقتل ولدك

стр. 1364

مخافة الفقر أن يأكل معك))، ثم قرا عبد الله: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ). ٦ - وعن عبد الله قال: سألت النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: ((أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يُطعم معك؟ قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك)). وجه الدلالة: عد النبي ﷺ الشرك أعظم الذنوب وأكبرها، وإذا كانت الذنوب كلها معلوم قبحها لدى العقلاء فكيف بأعظمها وأكبرها؟ . ٧ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: يا أيها الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقام إليه عبد الله بن حزن، وقيس بن المضارب فقالا: والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذون لنا أو غير مأذون، قال: بل أخرج مما قلت: خطبنا رسول الله ذات يوم فقال: ((أيها الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم)). وجه الدلالة: لو ما كان قبيحًا لما أمرنا باتقائه، ولما حذرنا منه. ٨ - عن عبد الله بن عمرو قال: كنا عند رسول الله ﷺ فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيجان مزرورة بالديباج فقال: ألا إن صاحبكم هذا قد وضع كل فارس ابن فارس قال: يريد أن يضع كل فارس ابن فارس، ويرفع كل راع

стр. 1365

ابن راع، قال: فأخذ رسول الله ﷺ بمجامع جبته وقال: ((ألا أرى عليك لباس من لا يعقل ثم قال: إن نبي الله نوحًا ﷺ لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية؛ آمرك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين: آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع، والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده؛ فإنها صلاة كل شيء بها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر. قال: قلت، أو قيل: يا رسول الله، هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر؟ قال: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟ ، قال: لا؟ قال: هو أن يكون لأحدنا حلة يلبسها؟ قال: لا، قال: الكبر: هو أن يكون لأحدنا دابة يركبها؟ قال: لا، قال: أفهو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون ليه؟ قال: لا. قيل: يا رسول الله، فما الكبر؟ قال: سفه الحق وغمض الناس)). ٩ - عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عبد الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة ـ أو دخل الجنة ـ فسأله ما الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة والفرار يوم الزحف)). ١٠ - عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول

стр. 1366

الله لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء)). وعن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم ... )) فذكر معناه. ١١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)). ١٢ - وفي كتاب عمر ﵁: وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير فإن رسول الله ﷺ نهانا عن لبوس الحرير وقال: إلا هكذا؛ ورفع لنا رسول الله ﷺ إصبعيه. وجه الدلالة: منعه عن زي المشركين؛ لأن الشرك أكبر الظلم وأكبر الكبائر، فإذا كان بمجرد لبس الكفار أصبح الزي غير مرغوب شرعًا، فما بالك باعتقاده الشرك؟ ١٣ - ما جاء في حديث طويل رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن النبي ﷺ قال: (( ... أولاهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم، فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ... )).

стр. 1367

وجه الاستدلال: ضرب الرسول ﷺ مثلاً قبيحًا للشرك في هذا الحديث، وهو ظاهر في بيان قبح الشرك وبطلانه. ١٤ - عن عبد الله: قال النبي ﷺ كلمة وقلت أخرى، قال النبي ﷺ : ((من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار))، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندًا دخل الجنة)). ١٥ - وقال رسول الله ﷺ : ((ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى إنهم يجعلون له ندًا ويجعلون له ولدًا وهو مع ذلك يرزقهم، ويعافيهم، ويعطيهم)). ١٦ - عن أبي هريرة في حديث طويل ذكر فيه قصة فتح مكة ـ إلى أن قال ـ: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدون، قال: وفي يد رسولا لله ﷺ قوس وهو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطنعه في عينيه ويقول: ((جاء الحق وزهق الباطل))، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو. ١٧ - ولعل أدل دليل على قبح الشرك تشبيهه ﷺ الشرك بالمقطوعة الأطراف في بعض الأحاديث؛ فمن ذلك قول النبي ﷺ : ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة

стр. 1368

جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء)). يقول أبو هريرة ﵁: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ). وفي رواية لمسلم: ((ويشركانه))، وفي رواية: ((إلا على هذه الملة، حتى يبين عنه لسانه)). ففي هذا الحديث شبه النبي ﷺ المشرك بمن قطع أطرافه، ومعلوم أن هذا قبح في الفطرة والعقل، فمن الذي يريد أن يكون مجدع الأطراف؟ . ١٨ - قوله ﵊ فيما يرويه عن ربه: (( ... إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، ثم ... )) الحديث. وهو من الأحاديث القدسية. وفيه نسبة الشرك إلى الشياطين، ونسبة ذلك إلى الضلال، ولا أظن أحدًا عنده عقل يريد أن يكون فريسة إغواء الشيطان وإضلاله، وهو يعرف أن الشيطان على الباطل.

стр. 1369

الفصل الثالث تنوع دلالات الفطرة والعقل على قبح الشرك وبطلانه وفيه مباحث: المبحث الأول: في بيان معنى الفطرة والعقل. المبحث الثاني: في إثبات كون الشرك مخالفاً للفطرة والعقل. المبحث الثالث: في الاستدلال بالأدلة العقلية القرآنية على قبح الشرك وبطلانه.

стр. 1370

المبحث الأول في بيان معنى الفطرة والعقل وفيه مطلبان: المطلب الأول: في بيان معنى الفطرة الفطرة في اللغة فعلها ثلاثي وهو فطر، والحالة منه الفطرة كالجلسة، وهي بمعنى الخلقة. قال ابن فارس عن أصل هذه الكلمة: (أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه، ومنه الفطرة: وهي الخلقة). وأتى بالفتح قبل الإبراز؛ لأنه سبب من أسبابه. وقال ابن منظور: الفطرة تعني: (الابتداء والاختراع). والأمر ظاهر في أنه لا خلاف بين هذه المعاني الثلاثة: الخلقة، والابتداء، والاختراع. وقد عرف العلماء الراسخون الفطرة الواردة في القرآن والسنة بالإسلام،
следующие страницы →