Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
الله لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء)).
وعن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم ... )) فذكر معناه.
١١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)).
١٢ - وفي كتاب عمر ﵁: وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير فإن رسول الله ﷺ نهانا عن لبوس الحرير وقال: إلا هكذا؛ ورفع لنا رسول الله ﷺ إصبعيه.
وجه الدلالة: منعه عن زي المشركين؛ لأن الشرك أكبر الظلم وأكبر الكبائر، فإذا كان بمجرد لبس الكفار أصبح الزي غير مرغوب شرعًا، فما بالك باعتقاده الشرك؟
١٣ - ما جاء في حديث طويل رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن النبي ﷺ قال: (( ... أولاهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم، فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ... )).
стр. 1367
وجه الاستدلال: ضرب الرسول ﷺ مثلاً قبيحًا للشرك في هذا الحديث، وهو ظاهر في بيان قبح الشرك وبطلانه.
١٤ - عن عبد الله: قال النبي ﷺ كلمة وقلت أخرى، قال النبي ﷺ : ((من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار))، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندًا دخل الجنة)).
١٥ - وقال رسول الله ﷺ : ((ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى إنهم يجعلون له ندًا ويجعلون له ولدًا وهو مع ذلك يرزقهم، ويعافيهم، ويعطيهم)).
١٦ - عن أبي هريرة في حديث طويل ذكر فيه قصة فتح مكة ـ إلى أن قال ـ: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدون، قال: وفي يد رسولا لله ﷺ قوس وهو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطنعه في عينيه ويقول: ((جاء الحق وزهق الباطل))، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو.
١٧ - ولعل أدل دليل على قبح الشرك تشبيهه ﷺ الشرك بالمقطوعة الأطراف في بعض الأحاديث؛ فمن ذلك قول النبي ﷺ : ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة
стр. 1368
جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء)). يقول أبو هريرة ﵁: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ).
وفي رواية لمسلم: ((ويشركانه))، وفي رواية: ((إلا على هذه الملة، حتى يبين عنه لسانه)). ففي هذا الحديث شبه النبي ﷺ المشرك بمن قطع أطرافه، ومعلوم أن هذا قبح في الفطرة والعقل، فمن الذي يريد أن يكون مجدع الأطراف؟ .
١٨ - قوله ﵊ فيما يرويه عن ربه: (( ... إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، ثم ... )) الحديث. وهو من الأحاديث القدسية. وفيه نسبة الشرك إلى الشياطين، ونسبة ذلك إلى الضلال، ولا أظن أحدًا عنده عقل يريد أن يكون فريسة إغواء الشيطان وإضلاله، وهو يعرف أن الشيطان على الباطل.
стр. 1369
الفصل الثالث تنوع دلالات الفطرة والعقل على قبح الشرك وبطلانه
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في بيان معنى الفطرة والعقل.
المبحث الثاني: في إثبات كون الشرك مخالفاً للفطرة والعقل.
المبحث الثالث: في الاستدلال بالأدلة العقلية القرآنية على قبح الشرك وبطلانه.
стр. 1370
المبحث الأول في بيان معنى الفطرة والعقل
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في بيان معنى الفطرة
الفطرة في اللغة فعلها ثلاثي وهو فطر، والحالة منه الفطرة كالجلسة، وهي بمعنى الخلقة. قال ابن فارس عن أصل هذه الكلمة: (أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه، ومنه الفطرة: وهي الخلقة). وأتى بالفتح قبل الإبراز؛ لأنه سبب من أسبابه.
وقال ابن منظور: الفطرة تعني: (الابتداء والاختراع).
والأمر ظاهر في أنه لا خلاف بين هذه المعاني الثلاثة: الخلقة، والابتداء، والاختراع.
وقد عرف العلماء الراسخون الفطرة الواردة في القرآن والسنة بالإسلام،
стр. 1371
فلعله من لوازم المعنى، فإن الفطرة هي: (الخلقة التي خلق الله العباد عليها وجعلهم مفطورين على محبة الخير وإيثاره وكراهية الشر ودفعه، وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول الخير والإخلاص لله والتقرب إليه).
فمعنى الفطرة تؤول إلى الإسلام وعليه إجماع السلف، فلا شك إذا كان معنى الفطرة هو الإسلام أنه مخالف للشرك، فالشرك مخالف للفطرة كما ستأتي أدلته على ذلك، ولكن إذا كان الأصل في الإنسان أنهم فطروا على الإيمان هل يعني ذلك أن الإنسان إذا ترك بدون أي توجيه أنه يهتدي للإسلام؟ .
أجاب شيخ الإسلام عن هذا السؤال بقوله: (وليس المراد أن الإنسان حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين موحدًا لله، فإن الله تعالى يقول: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا)، وإنما المراد: أن فطرته مقتضية وموجبة لدين الإسلام، ولمعرفة الخالق، والإقرار به، ومحبته، ومقتضيات هذه الفطرة وموجباتها تحصل شيئًا بعد شيء، وذلك بحسب كمال الفطرة وسلامتها من الموانع).
وسئل مرة أخرى عن هذه الآيات والأحاديث فأجاب: (الصواب: أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها يوم قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)؛ وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة، فإن حقيقة
стр. 1372
(الإسلام) أن يستسلم لله، لا لغيره وهي معنى (لا إله إلا الله)، ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل، فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، ولكن سلامة القلب، وقبوله وإرادته للحق ـ الذي هو الإسلام ـ بحيث لو ترك بغير مغير لما كان إلا مسلمًا، وهذه القوة العلمية العملية التي تقتضي بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع هي: فطرة الله التي فطر الناس عليها).
وذكر الإمام ابن القيم محاورة بين: الإمام محمد بن نصر، وبين الإمام ابن قتيبة في مقتضى آية الميثاق، قال: (قال محمد بن نصر: واحتج ابن قتيبة بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ) فأجابوا ـ بكلام ـ شاهدين مقرين على أنفسهم بأن الله ربهم، ثم ولدوا على ذلك.
قال محمد بن نصر: فقوله: (ثم ولدوا على ذلك) زيادة منه ليست في الكتاب، ولا جاءت في شيء من الأخبار.
قلت ـ أي ابن القيم ـ: قوله: (ثم ولدوا على ذلك) إن أراد به أنهم ولدوا حال سقوطهم وخروجهم من بطون أمهاتهم عالمين: بالله وبتوحيده وأسمائه وصفاته فقد أصاب ـ أي محمد بن نصر ـ في الرد عليه. وإن أراد أنهم: على
стр. 1373
حكم ذلك الأخذ، وأنهم لو تركوا لما عدلوا عنه إذا عقلوا فهو الصواب الذي لا يرد).
فالمقصود بكون الفطرة دالة على الإيمان والتوحيد وعدم الشرك: هو سلامة القلب واستقامته على التوحيد وبراءته من الشرك بكافة صوره وألوانه، بحيث لو ترك صاحبه بلا مغير لصبغته ـ حتى تعقله ـ لما كان إلا موحدًا لربه بالألوهية، ومنخلعًا من تأله ما سواه.
المطلب الثاني: في معنى العقل
العقل: مفرد جمعه عقول، يطلق في اللغة العربية على عدة معان، منها:
١ - الحجر والنهى، ضد الحمق.
٢ - الدية، وعقل القتيل بعقله: وداه.
٣ - القيد الذي تقيد به البعير لئلا يند.
٤ - الحكمة.
٥ - حسن التصرف.
٦ - الملجأ، يقال: عقل القوم وأعقل: إذا لجأ وقلص عند انتصاف النهار.
٧ - الحصن.
стр. 1374
ومهما يكن من الإطلاقات لهذا اللفظ فإن أصلها واحد، وهو حبسة في الشيء أو ما يقارب الحبسة، أو الإمساك والاستمساك.
والعقل في الاصطلاح: له إطلاقان:
١ - القوة الفطرية: أو الاستعداد الغريزي، والملكة الناضجة التي أودعها الله تعالى في الإنسان وخلقه عليها متهيئًا بسببها لقبول العلم، وهذا هو محل التكليف ومناط الأمر والنهي، وبه يكون التمييز والتدبير.
٢ - يراد به العلوم الضرورية والمسلمات العقلية التي يستفيدها الإنسان بتلك القوة الفطرية، وهذا هو العقل المستفاد، وإليه الإشارة في القرآن الكريم في كل موضع ذم الله تعالى فيه الكفار بعدم العقل. كقوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).
стр. 1375
المبحث الثاني في إثبات كون الشرك مخالفاً للفطرة والعقل
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في إثبات كون الشرك مخالفًا للفطرة
لقد خلق الله ـ جل في علاه ـ عباده حنفاء مسلمين موحدين لرب العالمين بالألوهية، ومتبرئين من الشرك والتأله لما سواه، وجعل ذلك لوازم فطرهم، بحيث لو تركوا ودواعيها لما كانوا إلا عارفين بالله، وبتوحيده وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى القائم عليها والمنبثق منها: وحدانية تألهه، وبذلك شهدت فطرة الموحدين وعقولهم؛ بأن الله أهل أن يعبد، ولو لم يرسل بذلك رسولاً ولم ينزل به كتاباً، وعليه أصبحت الفطرة بينة التوحيد وشاهده في أنفس الموحدين. فلا جرم أن الفطر يقتضي: عبادة الفاطر، وأن من كان مفطورًا مخلوقًا فحري به أن يتفرغ لعباده فاطره وخالقه لا سيما إذا كان أمره بيده ومنتهاه إليه، قال سبحانه: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
ومن هنا استحال جواز الشرك في الفطر السليمة والعقول المستقيمة ولو لم يرد بذلك خبر، كيف وقد أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه في فطر خلقه من حسن التوحيد وحل الطيبات، ومن قبح الشرك وحرمة الخبائث.
стр. 1376
وبهذا تكون الفطرة حجة مستقلة في بطلان الشرك، فهي أسبق من كافة الحجج الواهية وسائر المعاذير الساقطة التي يتشبث بها المشركون.
قال ابن القيم: (قوله تعالى حاكيًا عن صاحب يس أنه قال لقومه محتجًا عليهم بما تقر به فطرهم وعقولهم: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فتأمل هذا الخطاب كيف تجد تحته أشرف معنى وأجله، وهو أن كونه سبحانه فاطرًا لعباده يقتضي عبادتهم له، وأن من كان مفطورًا مخلوقًا فحقيق به أن يعبد فاطره وخالقه، ولا سيما إذا كان مرده إليه، ومبدؤه منه، ومصيره إليه، وهذا يوجب عليه التفرغ لعبادته، ثم احتج عليهم بما تقر به عقولهم وفطرهم من قبح عبادة غيره، وأنها أقبح شيء في العقل وأنكره، فقال: (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، أفلا تراه كيف لم يحتج عليهم بمجرد الأمل بل احتج عليهم بالعقل الصحيح ومقتضى الفطرة).
وقال في موضع آخر: (وقال تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لقومه: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره ... فإن إدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح ... ).
стр. 1377
فالشرك مخالف للفطرة لا محالة، والذي يزيد هذا البيان وضوحًا ما يلي:
١ - لجوء الإنسان وفزعه إلى خالقه سبحانه، سواء كان هذا الإنسان موحدًا أو مشركًا عند الشدة والحاجة.
فإن بني آدم جميعًا يشعرون بحاجتهم وفقرهم، وهذا الشعور أمر ضروري فطري، إذ الفقر وصف ذاتي لهم، فإذا ألمت بالإنسان ـ حتى المشرك ـ مصيبة قد تؤدي به إلى الهلاك فزع إلى خالقه والتجأ إليه وحده واستغنى به ولم يستغن عنه، وشعور هذا الإنسان بحاجته وفقره إلى ربه تابع لشعوره بوجوده وإقراره، فإنه لا يتصور أن يشعر الإنسان بحاجته وفقره إلى خالقه إلا إذا شعر بوجوده، وإذا كان شعوره بحاجته وفقره إلى ربه أمرًا ضرورياً لا يمكنه دفعه، فشعوره بالإقرار به أولى أن يكون ضروريًا.
قال الله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا).
وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ
стр. 1378
قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ).
فرجوع الإنسان وإنابته إلى ربه إلى ربه عند الشدائد دليل على أنه يقر بفطرته بخالقه وربه سبحانه، وأنه لا يرضى بالشرك، وهكذا كل إنسان إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الباري سبحانه في تكوينه في رحم أمه وحفظه له، وعرف كذلك افتقاره إليه في بقائه وتقلبه في أحواله كلها ويتقوى هذه المعرفة في نفسه حجة قوية لأن الحاجة استلزمتها، فتكون أوضح من الأدلة الكلية مثل افتقار كل حادث إلى محدث.
٢ - التصريح بأن الفطرة مقتضية للإقرار بالخالق وتوحيده وحبه، ومخالفة الشرك وقبحه في الأدلة السمعية، وقد سبق معنا الأدلة الدالة على هذا القول.
٣ - ورود التكليف بتوحيد العبادة أولاً، كأن هذا تذكير لما فطروا عليه من ذبح الشرك. فإنه لم يكن الإقرار بالله جل وعلا وبربوبيته فطريًا، والشرك مخالفاً للفكرة لساغ لمعارضي الرسل عند دعوتهم لهم بقول الله تعالى: (فَاعْبُدُونِ) أن يقولوا: نحن لم نعرفه أصلاً فكيف يأمرنا؟ فلما لم يحدث ذلك دل على أن الفطرة مخالفة للشرك (في الربوبية)، وأن المعرفة كانت مستقرة في فطرهم. فإن الأمر يتوحيده في عبادته فرع الإقرار به وبربوبيته فيكون بعده.
стр. 1379
٤ - إلزام المشركين بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية.
وقد تقدم ذكر هذا الكلام بما أغنى عن إعادته هاهنا.
ووجه الدلالة: إنه لو لم يكن المشركون مقرين بربوبية الله وبقبح الشرك على مقتضى فطرتهم لما ألزمهم بالإقرار بألوهيته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فدل على أنه ليس في الله شك عند الخلق المخاطبين به ... ).
فهذه كلها أدلة صحيحة على أن الخلق مفطورون بالإقرار بالله سبحانه والشرك مخالف لهذه الفطرة الصحيحة.
المطلب الثاني: في أن الشرك مخالف للعقل
إن الله ـ جل في علاه ـ قد منَّ على عباده بمنة جليلة ونعمة عظيمة، بها يسمون على كافة المخلوقات إن عملوا بواجبها، وبها يردون إلى أسفل سافلين إن خرجوا عن موجبها، ونقضوا مقتضاها، ألا وهي نعمة العقل. وأراد المنان بمنِّ نعمة العقل على الإنسان الضعيف تقويته على إدراك الآثار الربانية والمطالب الإلهية، ومن ثم جعل حجة مستقلة عليه في بطلان الشرك، وكذا جعل مستندًا من مستندات السمع، وبها قامت حجة الله على خلقه.
قال الإمام ابن القيم: (فإن الله سبحانه ركب العقول في عباده ليعرفوا بها:
стр. 1380
صدق وصدق رسله، ويعرفوه بها، ويعرفوا كماله وصفاته، وعظمته وجلاله، وربوبيته وتوحيده، وأنه الإله الحق وما سواه باطل، فهذا هو الذي أعطاهم العقل لأجله بالذات والقصد الأول، وهداهم به إلى مصالح معاشهم التي تكون عوناً لهم على ما خلقوا لأجله، وأعطوا العقول له، فأعظم ثمرة العقل: معرفته لخالقه وفاطره، ومعرفة صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله، وصدق رسله، والخضوع والذل والتعبد له).
وقال ﵀: (إن السمع حجة الله على خلقه، وكذلك العقل، فهو سبحانه أقام عليهم حجته بما ركب فيهم من العقل، وبما أنزل إليهم من السمع، والعقل الصريح لا يتناقض في نفسه، كما أن السمع الصحيح لا يتناقض في نفسه، وكذلك العقل مع السمع، فحجج الله وبيناته لا تتناقض ولا تتعارض، ولكن تتوافق وتتعاضد، وأنت لا تجد سمعاً صحيحاً عارضه معقول مقبول عند كافة العقلاء أو أكثرهم، ولا تجده ما دام الحق حقاً والباطل باطلاً، بل العقل الصريح يدفع المعقول المعارض للسمع الصحيح ويشهد ببطلانه).
ومن ثم كان العقل كافياً في معرفة الله وتوحيده، وكذا بطلان الشرك وقبحه ولو لم يرد بذلك شرع، فالإيمان بالله وحده والابتعاد عن الشرك وكلما يعبد من دون الله مستقر في الفطر والعقول، بل هو أرسخ وأثبت مرتكزاتهما، وبهذا كان العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك ولو لم يأت بحرمته شرع.
فإن النقل والعقل خرجا من مشكاة واحدة، وجاء النقل ليخاطب العباد بمرتكزات العقل ويقيم موجبه، ويفصّل مجمله، ويبين ما عجز عن إدراكه،
стр. 1381
ولم يأت قط بمحالاته، ولا بضد تصوراته وموازينه.
وإليك براهين ما سبق من الكتاب والسنة، بفهم فحول أهل العلم، ونظار أهل السنة:
قال القرطبي في قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً): (أجمع العلماء على أن: هذه الآية من المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ، وكذلك هي في جميع الكتب؛ ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب).
وقال ابن القيم: (قال تعالى: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)، ولم يقل: إلهكم، والرب: هو السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح، والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها، فلا شيء أوجب في العقول والفطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له).
والمراد بالوجوب هنا: استحالة قبول العقول المجبولة ـ من قبل فاطرها ـ الشرك به سبحانه ولو لم يرد بذلك شرع، ومن ثم كان العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك.
وقال ﵀ في قوله تعالى: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي): (أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفًا لهم، ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب في العقول، مستهجن تركها، قبيح الإخلال
стр. 1382
بها، فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه، ونعمه كلها بَعْدُ تابعة لإيجاده وخلقه، وقد جبل الله العقول والفطر على شكر المنعم، ومحبة المحسن، ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع).
وقال ﵀ في ردة على نفاة التحسين والتقبيح الذاتي للأفعال: (قولكم: فكيف يعرفنا العقل وجوبًا: على نفسه بالمعرفة، وعلى الجوارح بالطاعة، وعلى الرب بالثواب والعقاب؟ .
فيقال: وأي استبعاد في ذلك؟ وما الذي يحيله؟ فقد عرفنا العقل من الواجبات عليه ما يقبح من العبد تركها، كما عرفنا، وعرف أهل العقول، وذوو الفطر التي لم تتواطأ على الأقوال الفاسدة: وجوب الإقرار بالله وربوبيته وشكر نعمته ومحبته، وعرفنا قبح الإشراك به، والإعراض عنه، ونسبته إلى ما لا يليق به.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكثير من هؤلاء ـ أي الذين يظنون أن العقل غير مستقل بإدراك التوحيد ـ يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل كالمعاد وحسن التوحيد والعدل وقبح الشرك والظلم والكذب، والقرآن يبين الأدلة العقلية الدالة على ذلك، وينكر على من لم يستدل بها؛ ويبين أنه بالعقل يعرف بالمعاد، وحسن عبادته وحده، وحسن شكره، وقبح الشرك وكفر نعمه، كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع).
стр. 1383
وقال ﵀ في قوله تعالى: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ـ إلى قوله تعالى ـ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) أي وخلق ما تنحتون، فكيف يجوز أن تعبدوا ما تضعون بأيديكم وتدعون رب العالمين؟ فلولا أن حسن التوحيد، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا؛ إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه).
وقال ابن القيم في تفسير هذه الآية: (فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه ـ الشرك ـ تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح).
وقال ﵀ في قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ): (أي لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد غير الله لفسدتا وبطلتا، ولم يقل (أرباب) بل قال: (آلهة) ـ والإله هو المعبود والمألوه ـ وهذا يدل على أنه من الممتنع المستحيل عقلاً أن يشرع الله عبادة غيره أبدًا، وأنه لو كان معه معبود سواه لفسدت السموات والأرض، فقبح عبادة غير الله قد استقر في الفطر والعقول وإن لم يرد بالنهي عنه شرع، بل
стр. 1384
العقل يدل على أنه أقبح القبيح على الإطلاق، ومن المحال أن يشرعه الله قط، ... ).
فحسن التوحيد وعدم جواز الشرك من أثبت الثوابت وأركز المرتكزات في الفطر والعقول، ومن ثم استحال جواز الشرك فيهما ما دامت السماء سماءً والأرض أرضًا، فحسن التوحيد وقبح الشرك حقيقة ثابتة راسخة، ولو لم ترسل الرسل وتنزل الكتب، فالعقل قاطع بوجوب عبادة الفاطر الخالق، المربي المنعم، المالك لجلب النفع، ولدفع الضر، وكذا يقطع بحرمة عبادة كل مخلوق مربوب محدث والشرك معه.
وقد هيأ الله العقول للقيام بالبراهين الباهرة والحجج الدامغة والأدلة الدالة على تلك الحقيقة التي كانت سببًا لانبثاق كافة الحقائق؛ وبهذا كانت الفطر والعقول من أقوى مستندات النبيين والمرسلين على الملحدين والمشركين، وبذلك أصبح العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك، ولو لم يرد بحرمته شرع، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم في هذا الصدد: (وهذا ـ أي فطر الذرية على التوحيد ـ يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك، لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا).
стр. 1385
المبحث الثالث الاستدلال بالأدلة العقلية القرآنية على قبح الشرك وبطلانه
والكلام على هذا المبحث سيكون في مطلبين:
المطلب الأول: الأدلة العقلية القرآنية المتعلقة بالله الدالة على قبح الشرك بالله وبطلانه
لقد ذكر الله أدلة متنوعة عقلية على قبح الشرك وبطلانه في كتابه العزيز، وفيما يلي بعض هذه الأدلة على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر.
أ- دليل الخلق والملك:
وفيه نقطتان:
الأول: خلق جميع المخلوقات وملكها.
الثاني: خلق الإنسان.
فهذان الدليلان ذكرهما الله للاستدلال على أن من يخلق ومن لا يخلق لا يكون سواسية في نظرا لعقلاء، فإذا لم يكونوا سواسية فلابد ألا يسوى ولا يشرك بينهما.
أما الأول: فهو خلق جميع المخلوقات ومالكها.
قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)، وقال تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ
стр. 1386
وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ).
وقال تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ). وقال تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، وقال تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ).
وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)، وقال تعالى: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا).
وقال تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)، وقال
стр. 1387
تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)، وقال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، وقال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ).
هذا الدليل الذي ذكر في هذه الآيات يسمى دليل الخلق والملك، وقد جمعت بين كلمتي الخلق والملك؛ لأن الملك لازم للخلق والإيجاد، وكثيراً ما يرد في آيات القرآن الإشارة إلى أن الله هو الخالق المالك بنفس الآية.
وهذا الدليل مفاده أن كل شيء مخلوق مملوك له، وهذه الأصنام لم تخلق شيئًا ولا تملكه، فلا تصح إذن عبادتها من دون الله؛ لأن الخالق المالك هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة، إن آلهتكم أيها المشركون لم تخلق شيئًا ولا تملك ذرة في السموات والأرض ولا قشرة نواة، وليس لكم حجة على عبادتها، فاعبدوا الخالق المالك لا المخلوق المملوك إن كانت لكم عقول تعقلون بها.
أما الثاني: فهو دليل خلق الإنسان:
قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا
стр. 1388
الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)، وقال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وقال تعالى: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)، وقال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)، وقال تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، وقال تعالى: (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، وقال تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ)، وقال تعالى: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ).
قال الطبري: (قد بينا الحجج وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها لقوم يفقهون مواقع الحجج ومواضع العبر، ويفهمون الآيات والذكر، فإنهم إذا اعتبروا بما نبهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عينوا من البشر، وخلقي
стр. 1389
ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور، علموا أن ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه).
والآيات المنبهة لخلق الإنسان نفسه كثيرة، كقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ)، وقوله تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ، وقوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ)؛ لأن أقرب شيء إلى الإنسان نفسه، ولو فكر الكافر بأحوال نفسه وعجائبها وتنقله في بطن أمه أطواراً وخروجه من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، وأكله وشربه ونموه وحركات مفاصله لأوقعه ذلك على عظيم خطئه وشركه بعبادته غير الله تعالى.
وقد وردت مسألة خلق الإنسان بدليل آخر يأخذ بالألباب في قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ)؛ لأن البشر لم يخرجوا عن أحد احتمالات ثلاثة:
أ- إما أن يكونوا مخلوقين من غير خالق؛ أي وجدوا بطريق الصدفة.
ب- وإما أن يكونوا خلقوا السموات والأرض وخلقوا أنفسهم.
جـ - وإما أن يكونوا مخلوقين لخالق واحد.
والاحتمال الأول: وهو كونهم غير مخلوقين لخالق احتمال باطل؛ لبطلان أن يكون الخلق جاء بطريق الصدفة، لارتباط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها واستحالة صدور أثر بلا مؤثر وفعل بلا فاعل وخلق بلا
стр. 1390
خالق وتنظيم بلا منظم.
والصدفة لا ينبثق عنها هذا التركيب العجيب في جسم الإنسان ولا هذا التأليف العجيب بين الذكر والأنثى لاستمرار النوع الإنسان كما سبق بيانه.
وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكونوا خلقوا أنفسهم، فهو أشد بطلاناً ـ كما مرمعنا في بطلان شبهة أن تكون الطبيعة هي الخالقة ـ؛ لأن معنى ذلك أن كل شيء خلق نفسه وهذا مستحيل لأنه يوجب اجتماع الضدين، بنفس الوقت: الوجود والعدم، فيكونوا موجودين معدومين خالقين مخلوقين، وهم لم يزعموا قط أنهم خلقوا أنفسهم، فعجزهم عن خلق السموات والأرض أظهر وأبين، لقوله تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ).
وقد نبّه المشركين على حقيقة وهي: أنهم لم يخلقوا أنفسهم بقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ). فلم يجيبوا بنعم لعلمهم وعجزهم وقصورهم التام عن ذلك، ولتمنيهم أن تكون النطفة ذكرًا فلا يأتي، وكراهتهم الأنثى فتأتي بغير إرادتهم.
وعلى التقرير السابق فلم يبق إلا الاحتمال السابق وهو كونهم مخلوقين لخالق واحد هو الله رب العالمين، فيجب إذن إفراده بالألوهية وإخلاص العبادة له، ولذلك يقول في نهاية آيات سورة الطور: (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، فهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام من دون الله وهو خالقهم، بعد أن بين لهم بطلان كل احتمال يرد على الخاطر،
стр. 1391
ولم يبق إلا أنهم مخلوقون لخالق واحد متفرد بالألوهية، لذلك نزّه سبحانه نفسه عما يفترون ويشركون معه في العبادة آلهتهم، فقال: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وقد روى ابن كثير قصة جبير بن مطعم عندما قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداء الأسرى، وكان إذ ذاك مشركًا، فسمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآيات كاد قلبه أن يطير كما يروي عن نفسه، فكان سماعه لهذه الآيات من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام ونبذ الشرك والأوثان.
وقد تكلم ابن القيم كلاماً موسعاً عن خلق الإنسان وعجائبه ودلالة ذلك على وحدانية الله، وقبح الشرك عقلاً، تركنا ذكره اختصاراً.
ب- دليل عدم فساد الكون:
ينبه الله في القرآن الكريم على أن من الدلائل العقلية على قبح الشرك بانتظام أمر الكون بما فيه؛ لأنه لو كان يحكم هذا الكون أكثر من إله لم ينتظم أمره ولدخله الفساد والخلل، يقول تعالى مبيناً هذه الحقيقة: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، ويقول تعالى: (وَمَا
стр. 1392
كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).
وقد تكلم ابن القيم ﵀ على الآيتين السابقتين مبينًا قطعيتهما على الدلالة على وحدانية الإله المعبود وقبح الشرك به سبحانه، ويقول في نهاية كلامه: (وإنه لوكان في السموات والأرض إله غير الله لفسد أمرهما واختل نظامها وتعطلت مصالحهما ... فهذان برهانان يعجز الأولون والآخرون أن يقدحوا فيهما بقدح صحيح أو يأتوا بأحسن منهما، ولا يعترض عليهما إلا من لم يفهم المراد منهم).
جـ - دليل الرزق:
ينبه الله في القرآن الكريم على أن من الدلائل العقلية على قبح الشرك أن أصنامهم لا يملكون الرزق حتى باعترافهم، ومن كان لا يملك الرزق لعابديه يقبح عبادته عقلاً. فقال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)، وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا
стр. 1393
مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
إن مسألة الرزق من خصائص الربوبية، والمشركون كلهم معترفون بأن الرازق هو الله، وأن أصنامهم لا تملك رزقاً، واعترافهم بتفرد الله بالرزق يوجب عليهم إفراده بالألوهية والعبادة وعدم الشرك به سبحانه.
د- دليل النوائب:
ينبه الله في القرآن الكريم على أن من الدلائل العقلية على قبح الشرك أنهم لا يدعون غير الله من الأصنام والأوثان في البلاء والكرب والمصائب بل يخلصون لله بالدعاء والاستغاثة، فلو كان عندهم عقل صريح لعرفوا أن من لا قدرة له على إنقاذه من الشر لا يكون إلهاً، بل الإله هو الذي يكون قادراً على دفع الضر والشرور عن المألوه، ولا يملك هذا إلا الله سبحانه حتى باعترافهم ـ فكان مقتضى العقل الصحيح ألا يشرك به شيئًا.
قال تعالى في بيان هذه الحقيقة: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ)، وقال تعالى: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ)، وقال: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ
стр. 1394
وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ .... )، وقال تعالى: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ).
فانظر هذا البيان الإلهي لسفه عقول المشركين، حيث إنهم يلتجئون إلى الله الواحد عند كل كرب في البحر والبر لتيقنهم أن أصنامهم لا تملك دفع المكروه عنهم وأن الله وحده هو الكاشف للبلاء، ثم يصرون على عبادتها وإشراكها مع الله في الألوهية.
والعقل السليم لا يرضى بالتجاء صاحبه إلى إله في الشدة وإله آخر في الرخاء؛ لأن الإله المنجي من الكربات حقيق أن يكون إلهاً معبوداً وحده هو في الرخاء، كما في قصة إسلام حصين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولهذا قال النبي ﷺ لأبي عمران بن حصين: ((كم تعبد اليوم إلهًا)) قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك، قال: الذي في السماء)).
المطلب الثاني: الأدلة العقلية القرآنية المتعلقة بالأصنام الدالة على قبح الشرك بالله ، وبطلانه
لقد نوّع الله ذكر الآيات العقلية المتعلقة بالأصنام الدالة على قبح الشرك
стр. 1395
وبطلانه، وفيما يلي بعض هذه الأدلة على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:
١ - دليل النقص:
وبيان هذا الدليل أن هذه الأصنام التي يعبدونها أنقص من عابديها، ويتضح ذلك بثلاث نقاط:
أ- أن هذه الأصنام ميتة لا حياة فيها، وأما عبادها فهم أحياء.
ب- أن هذه الأصنام لا تنطق، وأما عبادها فينطقون.
جـ - أن هذه الأصنام ليس لها أرجل، وأيد، وسمع، وبصر، وعبادها لها ذلك.
وفيما يلي تفصيل ذلك:
أ- فقد الأصنام الحياة:
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ).
أخبر تعالى في هذه الآيات أن من صفات آلهة المشركين كونها مخلوقة لا تخلق شيئًا ـ وهذا ما أشار إليه إبراهيم ﵇ بقوله: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) ـ ثم هي ميتة لا أرواح فيها، بل هي جمادات لا تعقل، وما تدري متى تكون الساعة، فكيف يرتجى عندها ثواب وجزاء؟ .
ب- فقد الأصنام النطق:
قال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ
стр. 1396
يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ)، وقال تعالى: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا).
ذمّ الله تعالى بني إسرائيل في هاتين الآيتين على عبادتهم عجلاً من ذهب زاعمين أنه إلههم، فاحتج عليهم بأنه لا يتكلم ولا يملك أن يهديهم طريق الخير لا يملك لهم ضرًا ولا نفعاً، وهذه صفات نقص يستحيل أن يتصف الإله بها، فلو كانت لهم عقول لفكروا بها وعرفوا أن هذا العجل لا يستحق العبادة، وهم أنفسهم أكمل من هذا العجل؛ لأنهم يتكلمون ويعبرون عما يريدون، وأما عجلهم فليس له إلا الخوار، ولكن جهلهم وضلالهم عطى على بصائرهم.
يقول الطبري: (يخبر ـ جل ذكره ـ أنهم ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل؛ وذلك أن الرب ﷻ الذي له ملك السموات والأرض ومدبر ذلك لا يجوزأن يكون جسدًا له خوار لا يكلم أحدًا ولا يرشد إلى خير).
جـ - فقد الأصنام السمع والبصر والأطراف:
قال تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ
стр. 1397
ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ).
ففي هذه الآيات يتضح إنكار الله على المشركين الذين عبدوا معه الأنداد والأوثان التي هل مخلوقة مربوبة لا تملك من الأمر شيئًا ولا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، ولا تنتصر لعابديها لأنها جماد، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا قال: (سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ)، فهي لا تسمع الدعاء، وسواء لديها من دعاها وغيره من عبادها؛ لأنها مخلوقات مثلهم، بل هي لا تفعل ما يفعله عبادها من الحركة والبطش والسمع والبصر، فهي في غاية المهانة والحقارة. فلا يليق بالعاقل أبدًا أن يعبد إلهًا دونه، وأقل منه، والعابد هو أكمل من معبوده وأقوى بروحه التي بها حياته، وبحواسه التي بها يصرف أموره، وبنطقه الذي به يفهم عن الناس ويفهمون به عنه.
٢ - دليل العجز:
وفيه نقطتان:
أ- عجز الأصنام في الدنيا.
ب- عجز الأصنام في الآخرة.
أ- عجز الأصنام في الدنيا:
قال تعالى: (يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)، وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ
стр. 1398
كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا)، وقال تعالى: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ)، وقال تعالى: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).
في هذه الآيات يذم الله تعالى عبدة الأوثان؛ لأن هذه الأوثان لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًا عن نفسها ولا عن عابديها، ويأمر نبيه ﷺ أن يجابههم سائلاً إياهم عن آلهتهم لتقريرهم بأنها لا تملك ضراً ولا نفعاً، ولا تملك كذلك حماية عبادها من الله إن أرادهم بمكروه، فالحافظ الوحيد لخلقه ليلاً، ونهاراً هو الله، فكيف آثرتم الإشراك على التوحيد بإيثاركم الأصنام على الخالق الرازق المحيي المميت رب السموات والأرض؟ فما أبين ضلالكم وبعدكم عن الحق.
ب- عجز الأصنام في الآخرة:
يقول تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، وقال تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ).
стр. 1399
إن الأصنام عاجزة عن نفع عابديها في الآخرة، فلن يجدوا يوم القيامة ما كانوا يتمنون من شفاعتها لهم، ولكن يجدوا منها العداء والتبرؤ، ويأمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يتهكم بهم وبما ادعوه من شفاعتها لهم لأن ذلك محال غير واقع؛ إذ كيف يزعمون شفاعتها والله يخبر أنها لا تشفع؟ يقول تعالى: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، والمعنى: (أتنبؤون الله بشفعاء لا يعلمهم في السماء والأرض وهو العالم بما فيهما المحيط علمه بكل شيء؟ إن عليكم إخلاص العبادة لله وحده وإفراده بالألوهية؛ لأنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه تعالى، وهذا وارد في قوله تعالى: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، فبهذا الاستثناء نفى سبحانه الشفاعة عن الأصنام وأثبتها لمن عبد من دون الله من الموحدين كالمسيح وعزير والملائكة، إذا أراد الله ذلك، لأنهم ممن شهد بالحق ووحدانية الله تعالى).
وبما أن الأصنام لا تملك الشفاعة في الآخرة، فموقفها من عبادها سيكون موقف التبرؤ والعداء والتنكر لعبادتهم إياها، يقول تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا).
стр. 1400
ويقول تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ)، وقال تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)، وقال تعالى: (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ).
هكذا يتبرأ المعبودون من عبدتهم يوم القيامة قائلين: يا ربنا، ما أمرناهم بعبادتنا ونتبرأ إليك من عبادتهم لنا، فكلنا عبيدك ولا نتخذ ولياً من دونك.
فإذا كانت هذه المعبودات الباطلةكلها تتبرأ من عابديهم ولا تجلب لهم نفعًا ولا تدفع عنهم ضرًا، فمن كان عنده مسكة من العقل هل يشرك بهم من يملك النفع والضر؟ .
هذا بالنسبة للأصنام والأوثان والملائكة والجان الذين ما أمروا عابديهم بعبادتهم، وأما الذي أمر الناس بعبادته بطاعته، فلننظر إلى حاله مع عابديه يوم القيامة؛ حيث ذكر الله هذه الصورة في سورة الرعد بقوله: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
стр. 1401
يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: (يخبر تعالى عما خطب به إبليس أتباعه بعدما قضى الله بين عباده فأدخل المؤمنين الجنات؛ وأسكن الكافرين الدركات: فقام فيها إبليس ـ لعنه الله ـ يومئذ خطيباً ليزيدهم حزناً إلى حزنهم وغبناً إلى غبنهم وحسرة إلى حسرتهم فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ) أي على ألسنة رسله ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدًا حقاً وخبراً صدقًا، وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم، ثم قال: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) أي ما كان لي دليل فيما دعوتكم إليه ولا حجة فيما وعدتكم به (إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاؤوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه (فَلَا تَلُومُونِي) اليوم (وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) فإن الذنب لكم أنكم خالفتم الحجج وابتعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ) أي بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) أي بنافعيّ بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ).
قال قتادة: أي بسبب ما أشركتمون من قبل؛ وقال ابن جرير: يقول: إني جحدت أن أكون شريكاً لله ، وهذا الذي قاله هو الراجح ... وقوله: (إِنَّ الظَّالِمِينَ) أي في إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل لهم عذاب أليم.
والظاهر من سياق الآية أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار كما قدمنا، ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم وهذا لفظه وابن جرير ... عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين، فقضى بينهم ففرغ من القضاء قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم وذكر نوحًا، وإبراهيم،
стр. 1402
وموسى، وعيسى فيقول عيسى: أدلكم على النبي الأمي، فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم إليه ... ثم يقول الكافرون هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون ... قم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم ... ـ ثم ذكر هذه الآية ـ (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ) الآية).
هذا ما ذكره ابن كثير ولم يعقبه بشيء، فإن صحت الرواية تكون خطبته في المحشر وإلا تكون خطبته بعد دخولهم النار، وعلى كل: ثبت كونه يتبرأ من عابديه ومطيعه يوم القيامة.
فهذا حال الشيطان مع عابديه ومطيعيه، وهو قد تبرأ من عابديه. فهل العاقل يعبده بعد أن يعرف حقيقة أمره ووبال طاعته؟
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
* * *
стр. 1403
الخاتمة
стр. 1404
الخاتمة
الحمد لله الذي تتم به الصالحات، والصلاة والسلام على نبي الرحمات، المؤيد بالمعجزات الباهرات، وعلى آله وصحبه أفضل البريات، وبعد:
فحيث استكملت هذه الرسالة أبوابها وفصولها، ومباحثها، ومطالبها،
وفروعها، عبر خطة علمية مرسومة ومنهج علمي مدروس، فإنه من المناسب أن أسجل أهم النتائج التي توصلت إليها، على النحو التالي:
أ- أن حقيقة التوحيد: إفراد الله تعالى بإثبات ذاته، وأسمائه، وصفاته، وإفراد الله تعالى بالعبادة، والألوهية.
٢ - أن التوحيد له أجزاء ثلاثة: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الأسماء والصفات، وتوحيد في عبادته وألوهيته.
٣ - أن لكل جزء من التوحيد ما يقابله مما يضاده.
٤ - أن أصل شُبَه من حاد عن التوحيد هو عدم تصور التوحيد الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وطلب من عباده تحقيقه.
٥ - أن الرب والإله كلمتان متغايرتان في اللغة، وفي مفهوم السلف، وفي لغة القرآن والسنة، وإن كان المقصود بهما واحد عند الجميع وهو الله سبحانه. ولكن بينهما فروق من حيث المعنى، ومن حيث اعتراف أغلب الناس بالأول دون الثاني، والخطأ في حقيقة التوحيد ناتج أيضًا من عدم تصور حقيقة الرب وحقيقة الإله ومدلول الكلمتين، ومن ثم جعلهما شيئًا واحدًا.
٦ - اْن الشرك هو الذي يقابل التوحيد من جميع النواحي.
стр. 1405
٧ - أن حقيقة الشرك: إثبات الند لله تعالى سواء كان في ربوبيته أو كان في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، أو كان في عبادته.
٨ - أن الشرك في الربوبية له ناحيتان: الناحية الأولى: تعطيل ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله؛ والناحية الثانية: تنديد وتمثيل ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله؛ إما بإثبات ذات مماثل له سبحانه من مخلوقاته، أو أسماء مماثلة للآخرين، أو صفات مماثلة للمخلوقات، أو أفعال مماثلة للمخلوقات، وإما بتمثيل ذاته بذات المخلوقات، أو صفاته بصفات المخلوقات، أو أفعاله بأفعال المخلوقات.
٩ - أن الشرك في الألوهية هو الشرك في العبادة.
١٠ - أغلب الأخطاء في الشرك إنما هي ناتجة عن عدم تصور حقيقة العبادة.
١١ - أن العبادة لها إطلاقان: الأول: باعتبار المصدر (التعبد، أو فعل العابد): وبهذا الإطلاق معناها: ما يجتمع فيه الذل والخضوع مع الحب.
والإطلاق الثاني: باعتبار الاسم (المتعبد به): وبهذا الإطلاق هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال الظاهرة والأعمال الباطنة، كما قال به شيخ الإسلام.
١٢ - أن العبادة بهذين الإطلاقين تشمل كيان الإنسان كله وجميع حياته أيضًا، فكل ما هو محبوب عند الله من أعمال العباد، وقد عمل بالحب والخضوع والذل فهي عبادة، سواء فعله لله أو فعله لغيره سبحانه.
١٣ - إذا تصور أحدنا حقيقة العبادة يتصور حقيقة الشرك في العبادة بسهولة، ويعرف أبعادها، وأغوارها، ويعرف المبتلين بها في كل عصر
следующие страницы →