← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ إنّي أنهاكم عن ذلك)). وقال ﵊: ((لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلّوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)). كما نهى النبي ﷺ عن تجصيص القبور، كما قال جابر بن عبد الله ﵄: ((نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه)). وكذلك نهى عن الصلاة عند القبور سواء بنى عليه مسجد أو لا، لقوله ﷺ : ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها)). فقد نهى النبي ﷺ عن تلك الأمور كلها الدالة على تعظيم القبر؛ لئلاّ يفضي ذلك إلى عبادتها وطلب قضاء الحوائج من الموتى، ويدل على أن هذا هو المراد ما أشار به إلى صنيع الأمم السابقة، وكذلك، لأن هذا هو أصل ابتداء الشرك في الناس كما تقدم، وقد قال ابن قدامة معللاً للنهي عن اتخاذ القبور مساجد ومصلّى: (لأن تخصيص القبور

стр. 597

بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام: تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها). ثالثاً: النهي عن الوفاء بالنذر بالذبح لله تعالى في مكان يذبح فيه لغير الله، أو يقام فيه عيد من أعياد الجاهلية، فعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: (نذر رجل أن ينحر إيلاً ببوانة، فسأل النبي ﷺ ، فقال: ((هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: ((فهل كان فيه عيد من أعيادهم؟ )) قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ : ((أوف بنذرك، فإنّه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم)). فقوله في آخر الحديث: ((فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله)) يفيد أن الوفاء بالنذر في المكان الذي فيه أمر من أمور الجاهلية معصية لله، ففي هذا سدّ لذريعة الشرك وإبعاد المسلمين عن التشبه بالمشركين في تعظيم أوثانهم.

стр. 598

رابعًا: النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ صيانة للصلاة والمصلّين المسلمين أن يشبهوا الكفار في سجودهم لها وعبادتهم لها وللشيطان، فمن ذلك قول النبي ﷺ : ((صلّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار ... ـ إلى أن قال ـ حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار)). خامساً: النهي عن الصلاة إلى ما قد عُبد من دون الله، (وأحبّ لمن صلّى إلى عمود أو عودٍ، أو شجرةٍ، أن يجعله على أحد جانبيه، ولا يصمد له صمدًا، سدًّا لذريعة التشبه بالسجود لغير الله تعالى). سادساً: الأمر بهدم بناء القبب والمساجد على القبور والأمر بتسويتها: فمن ذلك ما قال أبو الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب: ((ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، ألاَّ تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلاّ سويته)).

стр. 599

سابعًا: التحذير الشديد من زيارة القبور للصلاة في المساجد المبنية عليها، أو الدعاء عندها، على ظن أن هذا أسرع إجابة، أو للتبرك بها، أو جعلها عيدًا، أو للحج إليها بشد الرّحال إليها، أو زيارتها لعبادة الله تعالى عندها أيّ نوع كان من أنواع العبادات، من ذبح، أو نذر أو اعتكاف، أو قراءة القرآن، إلى غير ذلك؛ فإن كل هذا لمن أعظم أسباب الوثنية. فقد قال رسول الله ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى)). ودخل في النهي شدّها لزيارة القبور والمشاهد، فإمّا أن يكون نهيًا، وإمّا أن يكون نفيًا، وجاء في روايةٍ: بصيغة النهي، فتعيّن أن يكون للنهي، ولهذا فهم منه الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ المنع، كما في الموطأ والمسند والسنن عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة ـ وقد أقبل من الطور ـ: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجتَ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا

стр. 600

تعمل المطي إلاّ إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)).

стр. 601

المبحث الثالث سدّه الوسائل القولية والفعلية التي تؤدي إلى الشرك ـ خصوصًا إلى الشرك الأصغر ـ وصدور التحذير منه ﷺ قد نهى الرسول ﷺ عن كل ما يؤدي إلى إساءة الظن برب العالمين وعدم تقديره حق قدره، كما نهى أيضًا عن الأقوال والأفعال التي فيها التسوية بين الله والمخلوق، وإن كان المرتكب لا يعتقد التسوية. وسأذكرها في عدة مطالب. المطلب الأول: تحذير النبي ﷺ من وقوع أمته في الشرك الأصغر باللسان: فمن أفراده: أ- الحلف بغير الله، وقد ورد النهي عنه في أحاديث، مثلاً: ١ - قوله ﵊: ((ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)). ٢ - وقال: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ... )).

стр. 602

٣ - وقال أيضًا: ((من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله)). ٤ - وقال أيضًا: ((لا تحلف بأبيك ولا بغير الله؛ فإنه من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)). ٥ - وقال أيضًا: ((لا تحلفوا بالطواغيث ولا بآبائكم)). ٦ - وقال أيضًا: ((لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ... )). ٧ - وقال أيضًا: ((من حلف بالأمانة فليس منّا)). ٨ - وقال أيضًا: ((من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله)). ٩ - ثم إن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: ((إنكم تشركون ... وتقولون:

стр. 603

والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: وربّ الكعبة ... )). والمقصود: بيان تحذير النبي ﷺ من الوقوع في هذا النوع من الشرك الأصغر. ب- الشرك مع الله أحدًا ولو بمجرد القول، وقد ورد النهي عن مثل هذا الاشتراك في اللفظ وإن لم يعتقد حقيقة الاشتراك، مثلاً: ١ - أن النبي ﷺ قال: ((لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم فلان)). ٢ - إن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: ((إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت ... فأمرهم النبي ﷺ ... أن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت)). ٣ - وقوله ﵊: ((إنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده)). ٤ - وقوله ﵊ للذي قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، قال: ((أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده)). وفي رواية: ((أجعلتني لله عدلاً، بل ما شاء الله وحده)).

стр. 604

والمقصود: بيان تحذير النبي ﷺ من الوقوع في هذا النوع من الشرك الأصغر. ج- التحذير عن الشرك الأصغر الذي يتضمن النزاع في خصوصية الرب سبحانه على الظاهر، وإن كان لا يقصده المتلفظ. فمن هذا النوع: ١ - قوله ﵊: ((إن أخنع الأسماء عند الله رجل يسمّى: بشاهان شاه ـ أي ملك الملوك ـ لا ملك إلا الله))، وفي لفظ: ((أغيظ رجل على الله رجل يسمّى بملك الأملاك)). ٢ - قوله ﵊: ((لا يقل أحدكم: أطعم ربّك، وضّئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي)). د- التحذير من إسناد بعض الحوادث إلى غير الله وفيها شبه اعتراض على القدر. فمن هذا النوع: ١ - قوله ﵊: ((المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، واحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: (لو فعلت كذا وكذا)، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان).

стр. 605

وقوله ﵊: ((أربع في أمتي في أمر الجاهلية لا يتركونهن، ـ وذكر منهن ـ الاستسقاء بالنجوم))، وفي روايةٍ: ((أخاف على أمتي ثلاثاً: استسقاء بالنجوم ... )). المطلب الثاني: تحذير النبي ﷺ أمته من الوقوع في الشرك الأصغر الفعلي: وأفراده كثيرة، منها: التطير، وتصديق الكاهن، والعرّافين، ولبس الحلقة والخيط ونحوها جاء التحذير من الوقوع فيه، حيث قال: ١ - ((الطيرة شرك)) قاله ثلاثاً، يقول الراوي: ((وما منا إلاّ، ولكن الله يذهبه بالتوكل)). ٢ - ((ليس منّا من تطيّر، ولا من تطيّر له، أو تكهّن أو تكهّن له، أو سحر أو سحر له)). ٣ - ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك)). ٤ - ((أخاف على أمتي ثلاثاً: حيف الأئمة، وإيمانًا بالنجوم، وتكذيبًا

стр. 606

بالقدر)). ٥ - ((إن ممّا أخاف على أمتي: التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة)). ٦ - ((لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر))، وفي رواية: ((ولا نوء ولا غول)). ٧ - ((من سحر فقد أشرك)). وغيرها من الأحاديث، وهذا الباب واسع، وقد سبق بيان بعض الأحاديث. المطلب الثالث: تحذير النبي ﷺ أمته من الوقوع في الشرك الأصغر القلبي: فمن أفراده: أ- الرياء، وقد خاف النبي ﷺ من وقوع هذا النوع من الشرك على أمته، فقال: ١ - ((أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه؛ فقال: الرياء)). ٢ - قوله ﵊: ((إن يسير الرياء شرك)).

стр. 607

٣ - وقوله ﷺ : ((قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)). والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ب- ومن أفراده: إرادة الإنسان بعمله الدنيا. وقد سبق التحذير من النبي ﷺ في هذا النوع من الشرك الأصغر القلبي، فمن أشهر هذه الأحاديث: ١ - قوله ﷺ : ((تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة ... )) الحديث. ٢ - قوله ﷺ : ((من تعلّم علمًا يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ... )). والأحاديث في هذا الباب كثيرة. والمقصود: بيان النبي ﷺ كما خاف على أمته في الوقوع في الشرك الأكبر بجميع أنواع هكذا خاف أن يقعوا في الشرك الأصغر بكافة أنواعه، ومن ثمّ حذر أمته في الوقوع فيه، وذكرنماذج من أنواع الشرك كي لا يقعوا فيما وقع فيه الأمم السابقة؛ لكونه كالأب الرحيم لأمته، ولكونه رؤوفًا رحيمًا لما

стр. 608

يعنتهم. ولكن رغم هذا التحذير الشديد من وقوع أمته في أنواع من الشرك صدرت البشارة النبوية بثبات فئة من أمته على الحق بعيدة عن الشرك بجميع مظاهره وأنواعه، وهي الطائفة المنصورة والناجية، حيث قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون))، وفي رواية: ((لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة)). قال العلماء: هم أصحاب الحديث والأثر. فهؤلاء لا يشركون بالله جل وعلا بمقتضى هذه البشارة النبوية.

стр. 609

المبحث الرابع: في بيان شبهة من قال بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة وردّها هناك نصوص يتشبث بها القائلون بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة، ويزعمون دلالتها على خلاف ما ذهبنا إليه مما دلت عليه الأدلة، ويؤكده الواقع من أن الشرك يقع في هذه الأمة. ومن أشهر هذه النصوص التي يستدلون بها ما يلي: ١ - قوله ﷺ : ((والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أنتنافسوا فيها ... )). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ ما خاف علينا الشرك فكيف يقع الشرك في هذه الأمة؟ ويجاب عن هذه الشبهة بما أجاب به الحافظ ابن حجر في الفتح، حيث قال في شرح الحديث: أ- ـ (أي على مجموعكم، لأن ذلك قد وقع من البعض، أعاذنا الله تعالى منها). ب- أو يقال: إنه في الصحابة خاصة، لأن الرسول ﷺ قال: ((عليكم)). قال الحافظ في الفتح: (فيه إنذار بما سيقع فوقع كما قال ﷺ ... وأن الصحابة

стр. 610

لا يشركون بعده، فكان كذلك، ووقع ما أنذر به من التنافس في الدنيا). ج- أو يقال: (لعلّ النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم ويوحى إليه بأن طوائف من الأمة سوف يضلون ويشركون). ومن هذه الشبة أيضًا: ٢ - قوله ﷺ : ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)). وجه الاستدلال: (إن هذه البلاد بفضل الله طاهرة من كل رجس سالمة من كل شرك بإخبار رسول الله ﷺ . يجاب عن هذه الشبهة: بأن هذا الفهم الذي ذكره هذا المفتون لم يفهمه المحدّثون ولا السابقون الأوّلون، بل المعنى الذي فهموا منه هو النهي عن التمكين لدينين أن يجتمعا في جزيرة العرب، وليس المقصود به نفيه، ولا نفي وجوده عن النبي ﷺ ؛ إذ كيف يمكن حمله على النفي وقد كان هناك أديان ـ لا دينان فقط ـ عند موت النبي ﷺ وحتى في صدور الخلافة الراشدة في جزيرة العرب. ثانيًا: لو حملنا الحديث المنسوب إلى النبي بهذا اللفظ على النفي لكنّا قد كذبنا الواقع؛ فإن جزيرة العرب في تحديدهم (جنوبًا وشمالاً: من عدن إلى ديار بكر، وشرقًا وغربًا: من العراق إلى مصر، فتدخل فيها اليمن، والحجاز، ونجد، والعراق، والشام، ومصر)، فإن قلنا بحمل الحديث على النفي

стр. 611

فإننا قد فتحنا لغير المسلمين باباً للضحك على عقولنا في ردّ الأحاديث، بدلالة كذب الواقع له، فإن في هذه الديار المذكورة كم من الأديان، وكم من الكنائس أيضًا، وهي ما زالت معمورة من أول الإسلام حتى عصرنا الحاضر. ثالثاً: أن ما ذكره هذا الضال من الحديث الذي رواه الإمام مالك في الموطأ، وما ورد أيضًا بلفظ: ((لا يبقين دينان بأرض العرب))، وما رواه الإمام أحمد في المسند بلفظ: ((لا يترك بجزيرة العرب دينان))، كل هذه الأحاديث إنما جاءت في سياق رواية وصية النبي ﷺ وآخر عهده في حياته، وهي تدلّ صراحة على أن المراد بالحديث إنما هو النهي لا النفي كما فهمه هذا المفتون. رابعاً: أن جميع من روى هذا الحديث من أصحاب الحديث كلهم ذكروه بعبارات تدل على أن المراد هو النهي، لا النفي، فمن هذه الروايات ما يلي: ١ - عن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب ... )).

стр. 612

٢ - عن عمر قال: ((لئن شئت ـ إن شاء الله ـ لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب)). وهناك روايات صريحة تدل على أن هذا إنما هو أمر النبي ﷺ ، منها: ١ - عن ابن عباس: في حديث طويل قال ﷺ : ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)). وبعد هذه الروايات الواضحة لا يقول بحمل الحديث على النفي إلا الغبي الجاهل الذي ليس له أيّ مشاركة في هذا العلم الشريف. والله أعلم. وممّا اشتبه عليهم أيضًا: ٣ - قوله ﷺ : ((إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرتكم ـ جزيرة العرب)) هكذا ذكر بعضهم، وقال آخر: قوله ﷺ : ((إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم)).

стр. 613

وقوله ﷺ فيما رواه ابن مسعود ﵁: ((إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب، ولكن رضي منهم بما دون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات)). وجه الدلالة: (أن الرسول أخبر أن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، وفي حديث ابن مسعود: أيس الشيطان أن تعبد الأصنام بأرض العرب، وهذا بخلاف مذهبكم؛ فإن البصرة ومن حولها والعراق من دون دجلة الموضع فيه قبر علي وقبر الحسين ﵄ كذلك اليمن كلها والحجاز كل ذلك من أرض العرب، ومذهبكم أن هذه المواضع كلها عبد الشيطان فيها، وعبدت الأصنام، وكلهم كفار، وهذه الأحاديث ترد مذهبكم). ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي: أولاً: أن الرواية الأولى لم أجدها في كتب الحديث بهذا اللفظ، وأقرب ما وجدت مما يوافق هذه الرواية ما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: ((أيها الناس! إن الشيطان قد أَيِس أن يعبد في بلدكم هذا آخر الزمان، وقد رضي منكم بمحقرات الأعمال، فاحذروه على دينكم)) الحديث. والحديث ضعيف، فلا احتجاج فيه. أما الرواية الثانية: فهي ثابتة، ولكن هل الأحاديث الصحيحة تنتاقض

стр. 614

مع بعضٍ؟ كلا، بل لابدّ أن يكون لكل واحدٍ منها محمل غير ما للآخر، فالحديث الذي نحن بصدده يخالف ظاهرًا ـ لدى البعض ـ الأحاديث الثابتة الصحيحة التي فيها خوف الرسول ﷺ وتحذيره من وقوع ألوان من الشرك في هذه الأمة، والعلماء قد ذكروا لهذا الحديث عدة احتمالات، فممّا قالوا فيه: ١ - إن الشيطان أيس بنفسه ـ ولم يبأس ـ لما رأي عز الإسلام في حياة النبي ﷺ وإقبال القبائل على الدخول في هذا الدين الذي أكرمهم الله، فلمّا رأى ذلك يئس من أن يرجعوا إلى دين الشيطان، وأن يعبدوا الشيطان أي: يتخذوه مطاعًا. وهذا كما أخبر الله عن الذين كفروا في قوله: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ)، فهم يئسوا أن يراجع المسلمون مع عليه المشركون من الدين الباطل القائم على اتخاذ الأنداد مع الله، وصرف العبودية إلى أشياء مع الله أو دونه. فكما أن المشركين لما رأوا تمسك المسلمين بدينهم يئسوا من مراجعتهم، هكذا الشيطان يئس لما رأى عزّ المسلمين ودخولهم في الدين في أكثر نواحي جزيرة العرب. والشيطان ـ لعنه الله ـ لا يعلم الغيب، ولا يعلم أنه ستحين فرص يصد الناس بها عن الإسلام والتوحيد، وكانت أول أموره في صرف الناس لعبادته بعد موت النبي ﷺ ، حيث أطاعه أقوام وقبائل فارتدت عن الإسلام إمّا بمنع الزكاة، أو باتباع مدعي النبوة، فنشط وكانت له جولة وصولة، ثم كبته الله. والمقصود: أن الشيطان ييأس إذا رأي التمسك بالتوحيد والإقرار به

стр. 615

والتزامه، واتباع الرسول ﷺ ، وهو حريص على أن يصد الناس عن هذا، ولذا تمكن من هذا في فترات مختلفةٍ، فعبده القرامطة عبادة طاعة وهم في الجزيرة، وأفسدوا ما أفسدوا، وعبده من بعدهم ممّا يعرفه أولو البصيرة. فالقول بأن الشرك منتفٍ عن هذه الأمة مخالف للواقع، كما أنه مخالف للفهم الصحيح لنصوص الشرع. ٢ - أو يقال: إن نبينا ﷺ فصّل ما بين الشرك والتوحيد وبينّه أتم بيان، وترك الدين على بيضاء ليلها كنهارها، وهذه البيضاء هي مضمون لا إله إلا الله، وهي إفراد الله بالعبادة، وخلع الأنداد، والكفر بما يعبد من دون الله، والبراءة من الشرك وأهله، كما فسّرها أهل العلم ﵏، فإذا علم هذا يقينًا فمحال أن يكون الشرك بصورته التي نهي الله عنها موجودًا في بلادٍ كثيرة، ويحكم عليها بالشرك ويوجد في الجزيرة بصورته ولا يحكم عليها بالشرك. وهذا من التلاعب والهوى الصارخ. ٣ - وقال ابن رجب في شرح الحديث: إنه يئس أن يجتمعوا كلهم على الكفر الأكبر. وأشار ابن كثير إلى هذا المعنى عند تفسيره قوله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) حيث قال: (قال ابن عباس ﵄: يعني يئسوا

стр. 616

أن تراجعوا دينكم). ٤ - ولا يبعد أن يقال: (مراد النبي ﷺ بقوله: ((إن الشيطان ... )) أن الشيطان لا يطمع أن يعبده المؤمنون في جزيرة العرب، وهم المصدّقون بما جاء به الرسول من عند ربّه المذعنون له، والممتثلون لأوامره، ولا شك أن من كان على هذه الصفة فهو على بصيرة ونور من ربّه، فلا يطمع الشيطان أن يعبده ... ووجود مثل هذا في جزيرة العرب لا ينافي الحديث الصحيح كما لا يخفى على من له قلب سليم وعقل راجح، وإطلاق لفظ المصلّين على المؤمنين كثير في كلام العارفين. ٥ - ويحتمل أن يراد بالمصلين أناس معلومون بناء على أن تكون (أل) للعهد وأن يراد بهم الكاملون فيها ... وهم خير القرون، يؤيد ذلك قول النبي ﷺ في آخر الحديث ـ: ((ولكن في التحريش بينهم)). يقول الطيي: لعلّ المصطفى ﷺ أخبر بما يكون بعده من التحريش الواقع بين صحبه رضوان الله عليهم أجمعين، أي أيس أن يعبد فيها، ولكن يطمع في التحريش ... والدليل متى طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال). ٦ - أو يقال: كما أن الرسول ﷺ قد أخبر بوقوع الشرك وحدوثه في هذه الأمة، ووقع، وحصل هذا الإخبار بما هو مشاهد عيانًا، ولا ينكره إلاّ من أعمى الله بصره وطمس بصيرته. هكذا أخبر الرسول ﷺ في هذا الحديث أناسًا معلومين بأن الشيطان لا يسلّط عليهم، وهم الذين قال عنهم الرسول ﵊: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق، منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من

стр. 617

خالفهم حتى يأتي أمر الله)). ٧ - أو يقال: إن الحديث يقول: إن الشيطان أيس أن يعبد. وظاهر لفظه: أنه أيس من أن يعبد هو نفسه، لا من أن يعبد غيره من المخلوقات كالأنبياء والملائكة والصالحين والأشجار والأحجار، والقبور. فإن الشيطان إن أطيع في عبادة بعض المخلوقات، وقد تضاف إليه هذه العبادة ولكنها إضافة غير حقيقية، والعلاقة في الإضافة كونه هو الآمر بها، وحقيقة عبادة الشيطان نفسه: أن توجه إليه العبادة كفاحًا مباشرة. ٨ - أو يقال: المراد أن الشيطان قد أيس من أن يعبد أو تعبد الأصنام في بلاد العرب في كل وقت وزمان، فهذا لن يكون إن شاء الله، وقد يشهد لهذا لفظة أبدًا) المذكور في الرواية الأخرى. وعلى كل حال: لا يمكن أن يدعى أنه لن يعبد غير الله في بلاد العرب في وقت من الأوقات، فإن هذا باطل كاذب بالإجماع والضرورة والنصوص المتواترة. ومما يستدل به القبوريون في هذا الباب: ٤ - قوله ﷺ : ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولا يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة، أو يأتي أمر الله تعالى ... )).

стр. 618

وجه الاستدلال: (أن النبي ﷺ أخبر أن أمر هذه الأمة لا يزال مستقيمًا إلى آخر الدهر، ومعلوم أن هذه الأمور ... التي تكفرون بها، ما زالت قديمًا ظاهرة ملأت البلاد، فلو كانت هي الأصنام الكبرى، ومن فعل شيئًا من تلك الأفاعيل عابد الأوثان، لم يكن أمر هذه الأمة مستقيمًا، بل منعكسًا ... ). يجاب عن هذه الشبهة: بأن هذه الشبهة ناتجة عن قصور باعه في علم الحديث. فإن الأحاديث تأتي بروايات مختلفة بعضها تفسّر البعض الآخر، فالذي ذكره جاء بعدة روايات، حتى إنه جاء في صحيح البخاري في خمسة مواضع عن معاوية ﵁. وقد جاء في كتاب العلم بلفظ: ((ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله ولا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله))، وفي كتاب الاعتصام بلفظ: ((ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون)). وجاء في كتاب المناقب بلفظ: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ... )). كما جاء في كتاب الاعتصام بلفظ: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)). وفي كتاب التوحيد: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ... )).

стр. 619

والحديث جاء عند مسلم بلفظ: ((لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)). والمقصود: أن الروايات المطلقة في بعض الأحاديث تحمل على الروايات المقيدة، فإن من قواعد أصول الفقه حمل المطلق على المقيد إذا اتحد المحل والحكم، وهنا هكذا، لهذا قال الحافظ ابن حجر عند شرح الحديث: (أن بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبدًا). ولا شكّ أن هؤلاء البعض هم المحدثون ومتبعو الآثار لا غيرهم من القبوريين كما نصّ عليه السلف. ومما يتشبث به القبوريون في هذا الباب: ٥ - عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : ((لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزّى)) فقلت: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) إن ذلك تام، قال: ((إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم)).

стр. 620

وقال النبي ﷺ : ((لا يزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ... حتى يقاتل آخرهم المسيح)). وقال النبي ﷺ : ((لن يبرح هذا الدين قائمًا عليه عصابة المسلمين حتى تقوم الساعة)). وقال رسول الله ﷺ : ((لا يزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك)) فقال عبد الله بن عمرو: أجل، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك مسّها مسّ الحرير، لا تترك إنسانًا في قلبه مثقال حبةٍ من إيمان إلاّ قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة)). وجه الاستدلال: (في هذه الأحاديث الصحيحة أبين دلالة على بطلان مذهبكم؛ وهي أن جميع هذه الأحاديث مصرّحة بأن الأصنام لا تعبد في هذه الأمة إلاّ بعد انخرام أنفس جميع المؤمنين آخر الدهر)). ويجاب عن هذه الشبهة من عدة أوجهٍ: أولاً: مراد النبي ﷺ في هذا الحديث بيان وقت ظهور الشرك بصفة عامة بحيث يطغى على التوحيد ويسيطر على حاملي لواء التوحيد ويستأصلهم، فذكر: أن هذا يحدث في أواخر أيام الدنيا، قبل انعقاد القيامة الكبرى، وبعد

стр. 621

خروج الريح القابضة لأنفس جميع المؤمنين حتى لا تبقى هذه الطائفة المنصورة والناجية على ظهر الأرض. والذي يدلّ عليه فهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو حيث إنه عقّب على قوله ﵊: ((لا تزال عصابة ... الحديث)) بقوله: أجل، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك ... إلخ. فهذا الحديث: إنما يبين التحديد الزمني لفشو الشرك في هذه الأمة حتى لا يبقى في ظهر الأرض إلا مشرك، وليس المراد منه عدم وقوع الشرك في هذه الأمة كما ظنّه بعض مدّعي العلم والمعرفة، وإلاّ يكون هذا الفهم مخالفًا للأحاديث الصحيحة الأخرى ومخالفًا للواقع. وأما استدلاله بهذا الحديث على عدم وقوع الشرك في هذه الأمة، فليس فيه ما يدل عليه، وقد بينّا المراد من الحديث، ثم إن عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعّين كما هو معلوم لدى كل واحد من أهل العلم. ومما يتشبت به القبوريون أيضًا في إثبات شبهتهم: ٦ - قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... ). وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... ). وجه الاستدلال: (أن الأمة ليس فيها من يعمل الكفر، وأنها أمة صالحة كلها ـ من أولها إلى آخرها ـ ليس فيها شرك).

стр. 622

ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي: أولاً: أنهم تركوا من الآيتين ما هو دليل عليهم، وذلك: (أن الله وصف خير أمة أخرجت للناس بثلاث صفاتٍ وهي لأهل الإيمان خاصة، وليس لأهل الكفر والشرك، والنفاق والبدع والفسوق فيها نصب، فقال: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، فليس المشركون والمنافقون من خير أمةٍ ... بل هم من شرار الأمة ... ). ثانياً: (كل أهل الملل من اليهود والنصارى والمجوس والصابئة من أمته أرسل إليهم وكلهم من أمة محمد، وهم أمة الدعوة ... ومن لم يؤمن بالنبي ﷺ ولم يتبعه من هذه الملل الخمس فهو في النار، كما قال تعالى: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية) فأخبر تعالى أنهم في النار مع كونهم من هذه الأمة. وأما استدلاله بقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، فالخطاب للنبي ﷺ وأصحابه، وهم المعنيون بهذه الأمة، ومن كان مثلهم من أهل الإيمان لحق بهم، وأمّا الكفار والمشركين والمنافقين فهم أعداء الأمة الوسط في كل زمان ومكان، ولا يمكن أحد أن يزعم أنهم من الأمة الوسط إلا مثل هذا الجاهل الذي يقول: ليس في الأمة كافر ولا مشرك ... ).

стр. 623

ويبين الشيخ عبد الرحمن بن حسن جانبًا من البدع والشرك والضلال الذي وقع في هذه الأمة ... (مثل المرتدين في عهد الصديق، والخوارج زمن علي بن أبي طالب، والقدرية، والجهمية الجبرية، ودولة القرامطة، الذين وصفهم شيخ الإسلام بأنهم أشدّ الناس كفرًا، والبويهيين، والعبيديين وغيرهم). وبالجملة: (هذا المعترض مموه بلفظ الأمة ملبس، قال تعالى في ذم هذا الصنف من الناس (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). وهذا من أعظم اللبس والخلط والتمويه، والامة تطلق ويراد بها عموم أهل الدعوة، ويدخل فيها من لم يستجب لله ورسوله، وتطلق أيضًا ويُراد بها: أهل الاستجابة المنقادين لما جاءت به الرسل، ومن لم يفصل ويضع النصوص [في غير] مواضعها فهو من الجاهلين الملبّسين). ويكشف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن أصل هذه الشبهة وسبب حدوثها، فقال: (اعلم أن هذا المعترض لم يتصور حقيقة الإسلام والتوحيد، بل ظن أنه مجرد قول بلا معرفة ولا اعتقاد، وإلاّ فالتصريح بالشهادتين في هذه الأزمان والإتيان بهما ظاهرًا هو نفس التصريح بالعداوة، ولأجل عدم تصوره أنكر هذا، وردّ إلحاق المشركين في هذه الأزمان بالمشركين

стр. 624

الأولين، ومنع إعطاء النظير حكم نظيره، وإجراء الحكم مع علته، واعتقد أن من عبد الصالحين، ودعاهم وتوكل عليهم، وقرّب لهم القرابين مسلم من هذه الأمة، لأنه يشهد أن لا إله إلا الله). ويظهر جهل القائل بهذا القول حين لم يفرق بين أمة الإجابة، وأمة الدعوة، وقد ردّ الشيخ عبد اللطيف ذلك الاشتباه، فقال: (ليس كل ما وصف بأنه من الأمة يكون من أهل الإجابة والقبلة، وفي الحديث: ((ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلاّ كان من أهل النار)) ... وقال تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)، فدلت هذه الآية على أن هؤلاء الكافرين من الأمة التي يشهد عليهم ﷺ ... والأمة في مقام المدح والوعد يراد بها أهل القبلة وأهل الإجابة، وتطلق في مقام التفرق والذم ويُراد بها غيرهم، فلكل مقام مقال). وممّا يتشبث به القبوريون أيضًا في هذا الباب: ٧ - قوله ﷺ : ((اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد)). وجه الاستدلال: (دعاؤه مستجاب)، يعني فلا يمكن أن يكون هناك

стр. 625

شرك بقبر الرسول. ويجاب عن هذه الشبهة: بأن دعاء الرسول مستجاب لا شك فيه، ولهذا قد أحاطه الله بأسوار وجدران، فلا أحد يستطيع أن يسجد لقبره مباشرة كائنًا من كان، وليس فيه أيّ دليل على أن أحدًا لا يشرك بالله جل وعلا بعبادة النبي مثلاً أو بإثبات خصائص الربوبية في الرسول ﵊، فإن هذا واقع، والواقع خير دليل في هذا المجال، فكم من الغالين في الرسول مثلاً يدّعي فيه خصائص الربوبية، وسيأتي معنا بيان نماذج من هذا الغلو في الباب الرابع بمشيئة الله. وأيضًا مما يتشبت به القبوريون في هذا الباب: ٨ - بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن أخوف ما أتخوف على أمتي، الإشراك بالله، أما إني لست أقول: يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا وثنًا، ولكن أعمالاً لغير الله وشهوة خفية)). وجه الاستدلال: أن الرسول ﵊ ما خاف علينا الشرك الأكبر، وإنما خاف علينا الشرك الأصغر. ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي: ١ - إن الحديث ضعيف، والحديث الضعيف لا احتجاج به عند من

стр. 626

يعتد به من أهل العلم. ٢ - ولو فرضنا صحته: يكون مراد النبي ﷺ من الحديث بيان خفاء هذا الشرك في أمته حتى يقع فيه بعض من يدعي العلم والتحقيق أيضًا، فمثلاً: عبادة الشمس والقمر والوثن من الظواهر التي لا يخفى ضلال مرتكبه، ولكن الشرك بأعمال القلوب؛ مثلاً المحبة لغير الله، والذل والخضوع لغير الله، واعتقاد أشياء مخصوصة لله جل شأنه لغير الله تعالى، هذه كلها من ضمن الأعمال لغير الله وممّا تبقى خفيًا، وهذا ظاهر، والحمد لله.

стр. 627

الفصل الثالث في بيان خفاء الشرك على كثير من الناس حتى وقعوا فيه وفيه مباحث: المبحث الأول: متى وكانت بداية الشرك في هذه الأمة؟ . المبحث الثاني: في بيان وقوع بعض هذه الأمة في الشرك. المبحث الثالث: دور العلماء في محاربة الشرك ومواجهة الانحرافات العقدية.

стр. 628

المبحث الأول متى وكيف كانت بداية الشرك في هذه الأمة ؟ إن الله أنعم على هذه الأمة حيث بعث محمدًا ﷺ رسولاً إلى الثقلين (عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)، وقد (مقت أهل الأرض عربهم وعجمهم إلاّ بقايا من أهل الكتاب)، والناس إذ ذاك أحد رجلين: إمّا كتابي معتصم بكتاب مبدل أو منسوخ، ودين دارس بعضه مجهول، وبعضه متروك، وإمّا أمي: من عربي وعجمي. فمنهم من بحث عن الحنيفية واعتصم بها، ولكن أغلبهم كانوا مقبلين على عبادة ما استحسنوه، وظنوا أنه ينفعهم؛ من نجم أو وثن أو قبر، أو تمثال أو غير ذلك؛ والناس في جاهلية جهلاء: من مقالات يظنونها علمًا وهي جهل، وأعمال يحسبونها صلاحًا، وهي فساد، وعبادات يحسبونها من عند الله، وهي من ما زينت لهم الشياطين وتهواها نفوسهم، ووجدوا عليها آباءهم. فهدى الله الناس بنبوة محمد ﷺ هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، وفتح الله بها أعينًا عمياً، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، بعد أن جاهدهم وجالدهم باللين والحكمة، وقارعهم بالسنان والحجة لمن كابر وعاند، وكان من أمره ﷺ مع قريش ما كان، حتى هاجر إلى المدينة،

стр. 629

وكان نصر الله حليفه، فاستقام أمره، وظهر دينه، فجاء نصر الله ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وجمعهم الله على دين الإسلام؛ دين التوحيد، والملة الإبراهيمية الحنيفية بعد تشتت تام وعداوة كاملة، وانهيار خلقي وانحلال ديني وفساد عقدي. فألف بين قلوبهم حتى أصبحوا بنعمة الله إخوانًا، وكسرت الأوثان والأصنام، وزالت عباتها على أصنافها، فطمست التماثيل وسويت القبور المشرفة، وأزيلت المعبودات من دون الله من قبر وشجر وحجر ونصب وصنم ووثن، وأبطلت. وتحررت العقول من دناءة تفكيرها، ووضاعة تصورها، فارتقت إلى التوحيد بعد أن كانت في حمأة الشرك، وأصبحت قلوبهم متجة إلى الله وحده لا شريك معه غيره؛ لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، فأتم الله أمره وأكمل دينه، وأعلا كلمته، حتى صار الدين كله لله. فلما تمت نعمة الله عليه وعلى أمته وظهر ما جاء به من الحق، ووضحت الطريقة توفاه الله جل وعلا إليه، والإسلام في تقدم وشوكة تامة وغلبة كاملة، ليظهر على الدين كله. وكان الصحابة ﵃ وأرضاهم ـ يأخذون سلوكهم وأعمالهم وعقائدهم من رسول الله ﷺ ، فحياته هي الإسلام غضًا طريًا، وقد نزل القرآن الكريم بلغتهم ففهموا ما أراد الله منهم، وما احتاج إلى بيان بينه لهم رسول الله بسنته، فكان الناس أمة واحدة ودينهم قائم في خلافة أبي بكر وعمر، فلما استشهد باب الفتنة عمر ﵁، وانكشف الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذبح صبرًا، وتفرقت الكلمة، وتمت وقعة الجمل ثم وقعة

стр. 630

صفين، فظهرت الخوارج وكُفِّر سادة الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب. وكان السبب في ذلك أنه كان هناك دولتان عظيمتان في زمن النبي ﷺ ؛ وهما: فارس، والروم، وقد كسر الله شوكتهم، وأزال ملكهم بأيدي الصحابة، وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، فلما سيطر حكم الإسلام على أكثر البلاد في آسيا، وإفريقيا، وغيرهما، دخل تحت حكمه أمم كثيرة رغبة ورهبة، وكان لها أديان مختلفة، من يهودية ونصرانية، ومجوسية ووثنية، وغير ذلك. وقد كان لكثير من الأمم سلطان كبير مثل المجوس، والرومان، فسلبهم المسلمون ذلك، وكان عند هؤلاء من الكبر والاستعلاء ما يجعلهم يأنفون من كونهم تحت سلطان المسلمين، ولا سيما وقد كانوا يرون العرب من أحقر الأمم، وأقلها شأنًا. كما أن اليهود واجهوا الإسلام ورسوله من أول أمره بالعداء، وحاولوا القضاء عليه بأنواع جهدهم وكيدهم إلى الدسائس، والمؤامرات، والاغتيالات لرجاله العظام، ودخل في الإسلام ظاهرًا من هؤلاء من قصد إفساده، وتمزيق وحدة أهله، ولابدّ أن يكون عن دراسة، وإعمال فكر وتخطيط، وربما يكون هناك جمعيات متعاونة، من المجوس والنصارى، والهنود، وغيرهم، وقد تكون لكل طائفة مؤسسات تعمل لإفساد عقائد المسلمين، لتيقنهم أنه لا يمكن هزيمة المسلمين إلاّ بإفساد عقيدتهم. فبدأت آثار تلك المؤامرات تظهر، شيئًا فشيئًا، فقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بأيد مجوسية، وربما بمؤامرة مجوسية يهودية، ثم قتل الخليفة الذي بعده، بأيد مشبوهة، من غوغاء، بدفعهم بعض دهاة اليهود والمجوس.

стр. 631

قال الإمام ابن حزم: (الأصل في أكثر خوارج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام أن الفرس كانوا على سعة الملك، وعلوّ اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسهم، حتى أنهم يسمون أنفسهم الأحرار والأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم، على أيدي العرب، وكانت العرب أقل الأمم خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة، في أوقات شتى، ... فرأوا أن كيده على الحيلة أنجح. فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله ﷺ ، واستشناع ظلم علي ﵁، ثم سلكوا بهم مسالك شتى، حتى أخرجوهم عن الإسلام، فقوم منهم أدخلوهم إلى القول بأن رجلاً ينتظر يدعى المهدي، عنده حقيقة الدين، إذ لا يجوز أن يؤخذ الدين من هؤلاء الكفار، وقوم خرجوا إلى نبوة من ادعي له النبوة، وقوم سلكوا بهم ... القول بالحلول، وسقوط الشرائع. وآخرون تلاعبوا بهم، وأوجبوا عليهم خمسين صلاة في كل يوم وليلة ... وقد سلك هذا المسلك أيضًا عبد الله بن سبأ الحميري اليهودي، فإنه ـ لعنه الله ـ

стр. 632

أظهر الإسلام ليكيد أهله، فهو كان أصل إثارة الناس على عثمان ﵁ ... ومن هذه الأصول الملعونة، حدثت الإسماعيلية، والقرامطة، وهما طائفتان مجاهرتان بترك الإسلام جملة، قائلتان بالمجوسية المحضة، ثم مذهب مزدك الموبذ، ... فإذا بلغ الناس إلى هذين الشعبين أخرجوهم عن الإسلام كيف شاؤوا، إذ هذا هو غرضهم فقط). فأول فرقة ظهورًا هي الشيعة، وكانت الخوارج أيضًا في نفس الوقت ظهرت كفرقة مستقلة، وإن كان لكل منهما وجود قبل هذا ولكن بصفة متفرقة، فهاتين الفرقتين لهما السبق في تفريق جمع هذه الأمة. قال الشهرستاني: (ومن الفريقين ابتدأت البدع والضلالة ... وانقسمت الاختلافات بعده إلى قسمين: أحدهما: الاختلاف في الإمامة. والثاني: الاختلاف في الأصول ... والاختلاف في الإمامة على وجهين: أحدهما: القول بأن الإمامة بالاتفاق والاختيار، والثاني: القول بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين ... وأما الاختلاف في الأصول فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي، ... في القول بالقدر وإنكار إضافة الخير

стр. 633

والشر إلى القدر ... )، فتبرأ ابن عمر وابن عباس وغيرهما ممن يقول بهذه المقال. ثم حدثت بدعة الإرجاء، ثم حدثت بدعة الجهم بن صفوان ببلاد المشرق فعظمت الفتنة به، فإنه نفى أن يكون لله صفة، وأورد على أهل الإسلام شكوكًا أثرت في الملة الإسلامية آثارًا قبيحة تولد منها بلاء كبير. وفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال على يد واصل بن عطاء، كمسلك فكري، بنت هذه الفرقة مذهبها على الجدل، واستعانت في ذلك بما وجدته من منطق اليونان وفسلفتها لتعزيز آرائها، وغيّروا كثيرًا من مفاهيم العقيدة، وأصّلوا لبدعتهم أصولاً توافق عقولهم وأهواءهم. ثم تطورت هذه المذاهب السياسية والفكرية وتشبعت حتى خرجت بعض هذه الفرق عن دائرة الإسلام، كما هو معلوم.

стр. 634

بداية الانحراف الشركي في هذه الأمة في الربوبية بالتعطيل بعد استعراض أقوال العلماء في كيفية انحراف عقيدة هذه الأمة يحسن بنا أن نتعرف على بداية الانحراف الشركي في الربوبية بالتعطيل: سواء كان في أسماء الله أو صفاته أو أفعاله. ولعل أول شرك منظم في هذه الأمة في هذا الجانب ـ على ما نص عليه العلماء ـ هو شرك القدرية الذين أنكروا القدر، فأشركوا في الربوبية بتعطيل صفات الله وأفعاله. فإن إنكار القدر يتضمن إنكار كثير من الصفات والأفعال، كما أنهم أثبتوا خالقين. ولهذا قال ابن عباس ﵄: (هذا أول شرك في هذه الأمة). وقال ابن عمر ﵄ فيهم: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني برئ منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر). وأول من عرف بذلك رجل مجوسي يقال له: سيسويه، من الأساورة، وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به معبد الجهني.

стр. 635

ثم ظهر شرك التعطيل في أسماء الله وصفاته، بأنه ليس لله أسماؤه الحسنى، وأنه لا يوصف بشيء مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، وأنه لا يحب أحدًا من عباده، ولا يتكلم وليس له يد ولا وجه، وكان أول من عرف بذلك رجل يقال له: الجعد بن درهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أصل هذه المقالة ـ مقالة التعطيل للأسماء والصفات ـ إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين، وضلال الصابئين، فأول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة ... في الإسلام: هو الجعد بن درهم، فأخذهاعنه الجهم بن صفوان، وأظهرها، فنسبت مقالة الجهمية إليه، وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ . فهذه سلسلة يهودية لها سوابق في محاربة الإسلام. روى البخاري في خلق أفعال العباد، بسنده، قال: قال خالد بن عبد الله القسري في يوم أضحى: (ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد ابن درهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله علوًا كبيرًا عما يقول ابن درهم)، ثم نزل فذبحه، قال أبو عبد الله: قال قتيبة: إن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم).
следующие страницы →