Полный текст (1 489 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وحصول الجهل بالدين يتخذه وسيطًا يقربه إلى الله فيعطفه عليه في قضاء حاجاته، فيكون قد أساء الظن بإفضال ربه وإنعامه وإحسانه إليه، وهذا يحدث وإن اعتقد أن الله يسمع ويرى ويملك كل شيء.
وربما تكون إساءة الظن بالله سبحانه غير ناتجة عن الغلو في المخلوق؛ كمن وصف الله الكامل بجميع الوجوه بصفات المخلوق الناقص، قال الإمام ابن القيم: (فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، أو عطل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، فقد ظن به ظن السوء).
ولعل ما يحملهم على إساءة الظن بالله جل شأنه هو: أنهم ما قدروا الله حق قدره، قال ابن القيم: (هنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، وظن به ما يناقض أسماءه وصفاته، ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا). فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في العذاب، وأنه ليس تحريمه وقبحه لمجرد النهي عنه، بل يستحيل على الله أن يشرع لعباده عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه ما يناقص أوصاف كماله ونعوت جلاله، وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية
стр. 562
والإلهية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضى به؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا).
أما إساءة الظن بالله سبحانه الناتجة عن الغلو في المخلوق الذي يجر الناس إلى الشرك في العبادة غالبًا فهو واضح.
قال ابن القيم: (ومن ظن أن له ولدًا، أو شريكًا وأن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه، ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم كحبه، ويخافونهم ويرجونهم؛ فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه).
وقال في موضع آخر: قال تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لقومه: (مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)؛ أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ وما ظننتم به حتى عبدتم معه غيره؟ وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره؟ فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم وهو على كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم
стр. 563
بتفاصيل الأمور، فلا يخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده، فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته، فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه.
وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم يحتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم ويعينهم على قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة؛ لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصور عملهم.
فأما القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه ... إلى أن قال: فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره من لا يقدر على خلق أضعف حيوان وأصغره، وإن سلبه الذباب شيئًا مما عليه لم يقدر على استنقاذه منه، وقال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
فما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه في عبادته من ليس له
стр. 564
شيء من ذلك ألبتة، بل هو أعجز شيء وأضعفه، فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل).
وقال في موضع آخر: (ومن ظن به أنه إذا غضبه وأسخطه، وأوضع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه وليًا، ودعا من دونه ملكًا أو بشرًا ـ حياً، أو ميتًا ـ يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه، ويخلصه من عذابه، فقد ظن به ظن السوء، وذلك زيادة في بعده من الله، وفي عذابه).
وقال أيضًا في بيان سوء الظن بالله الناجم عن عدم قدر الله حق قدره: (وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه في محض حقه من الإحلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟ فلو جعل له من أقرب الخلق إليه شريكًا في ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبًا على محض حقه، واستهانة به، وتشريكًا بينه وبين غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح إلا له سبحانه، فكيف وإنما أشرك بينه وبين أبغض الخلق إليه، وأهونهم عليه وأمقتهم عنده، وهو عدوه على الحقيقة؟ .
فإنه ما عبد من دون الله إلا الشيطان، كما قال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشياطين، وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة، كما قال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ
стр. 565
أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ)، فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته، ويوهمه أنه ملك.
وكذلك عباد الشمس والقمر والكواكب يزعمون أنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب، وهي التي تخاطبهم، وتقضي لهم الحوائج، ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان فيسجد لها الكافر، فيقع سجودهم له، وكذلك عند غروبها.
وكذلك من عبد المسيح وأمه لم يعبدهما وإنما عبد الشيطان، فإنه يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه، ورضيها لهم وأمرهم بها، وهذا هو الشيطان الرجيم، لا عبد الله ورسوله، فنزل هذا كله في قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). فما عبد أحد من بني آدم غير الله كائنًا من كان إلا وقعت عبادته للشيطان، فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضى الشيطان ... ).
فهذه كله إساءة الظن بالله جل وعلا في جانب شركهم بالعبادة معه غيره سبحانه، وأما إساءة الظن بالله سبحانه التي حملت الناس على الإشراك معه في أمور الربوبية والتي نجمت عن عدم معرفة قدر الله حق قدره فقد بينه الله في كتابه الكريم، حيث قال: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ
стр. 566
فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) لمن أنكر صفة من صفاته.
وقال: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ). قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا: هو التكذيب بالقدر.
وقال: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ).
فإن من قال: إنه لم يرسل إلى خلقه رسولاً، ولا أنزل كتابًا، نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه من إهمال خلقه وتضييعهم وتركهم سدى، وخلقهم باطلاً وعبثاً، فهذا ليس إلا سوء ظن بالله سبحانه، وليس إلا عدم معرفة قدر الله حق قدره.
وقال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ).
وقال: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).
وقال: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا)، وقال:
стр. 567
(وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ)، وقال: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)، وقال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ).
سيقت هذه الآيات كلها في الرد على من ظن بالله ظنًا سوءًا في أنه لا يحيي الموتى ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع خلقه ليوم يجازي المحسن فيه بإحسانه والمسيء بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه، ويكرم المتحملين للمشاق في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته، ويبين لخلقه الذين يختلفون فيه، ويعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. فمن ظن هذا الظن فهو لم يقدر الله حق قدره، وأساء الظن برب العالمين.
وقال سبحانه: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
وقد فسر هذا الظن من المشركين والمنافقين ـ الظن الذي لا يليق بالله سبحانه ـ: بأنه لن يحقق وعده بنصر الرسول ﷺ وأصحابه، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، كما قال تعالى: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا
стр. 568
بُورًا).
قال ابن القيم في تفسير الآية الأولى: (وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظن غير الحق؛ لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم ـ إلى أن قال ـ: وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته).
فعلمنا بهذا البيان: أن إساءة الظن بالله سبحانه هي التي أوقعت الناس في الشرك سواء أكان هذا الشرك في العبادة أم كان في أمور الربوبية.
стр. 569
الباب الثالث: الشرك في هذه الأمة
وفيه فصول:
الفصل الأول: خوف الرسول ﷺ من وقوع الشرك في هذه الأمة والتحذير منه.
الفصل الثاني: في بيان سده ﷺ جميع الطرق المؤدية إلى الشرك.
الفصل الثالث: في بيان خفاء الشرك على كثير من الناس حتى وقعوا فيه.
стр. 570
الفصل الأول خوف الرسول ﷺ من وقوع الشرك على أمته والتحذير منه
وتحته مباحث:
المبحث الأول: في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ من وقوع الشرك فيما يتعلق بذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله.
المبحث الثاني: في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ على أمته في الوقوع في الشرك في عبادة الله سبحانه ومعاملته، والتحذير من الوقوع فيه.
стр. 571
الفصل الأول خوف الرسول ﷺ من وقوع الشرك على أمته والتحذير منه
إن إفراد الله بالعبادة واعتقاد أنه سبحانه لا شريك له ولا ند له ولا مثيل له في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، حق واجب له تعالى على عباده، بل أول الواجبات وأعظمها وأساسها.
وهو دين الله الذي أرسل به جميع رسله من نوح إلى محمد ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).
وقال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ).
وقال سبحانه: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ).
فجميعهم جاءوا يدعون إلى عبادة الله جل وعلا وحده، ونبذ عبادة غيره منذ أن ظهر أول شرك في الأرض حتى بعث الله خاتمهم محمدًا ﷺ ، فالأنبياء
стр. 572
كلهم كما قال ﷺ : ((إخوة علات؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد)).
وقد أدى جميع الأنبياء هذه الفريضة، إذ إنهم أرسلوا لطرد الشرك عن أهل الأرض الذين أرسلوا إليهم، فهو واجبهم الأول. كما أدى هذا الواجب ـ كما ينبغي ـ نبينا وقدوتنا محمد ﷺ الذي أشهد علينا يوم عرفة بأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، فنصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وفتح الله به قلوبًا عميًا وآذانًا صمًا، وقد وصفه الله في كتابه بقوله: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ).
فحرصًا منه ﷺ على حمايتنا مما يوقعنا في العنت ـ وأي عنت فوق عنت الوقوع في الشرك؟ ـ خاف الرسول ﷺ على أمته أن يقعوا في الشرك فحذرهم منه تحذيرًا بليغًا.
كما أن هناك سببين آخرين لخوفه ﷺ على أمته من الوقوع في الشرك، وهما:
أ- أن الشرك في أغلب الأمم السابقة كان بحيث يظهر لكل واحد بأنه شرك فلا يخفى على الناس ويمكن الاحتراز منه بسهولة، بخلاف الشرك في هذه الأمة فإنه كما يكون ظاهرًا يكون خفيًا أيضًا، ولهذا قال ﷺ : ((أيها الناس، اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل))، فقال له من شاء الله أن يقول:
стр. 573
وكيف نتقيه يا رسول الله؟ قال: ((قولوا: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه)).
فلما كان الشرك بهذه المثابة من الخفاء خاف الرسول ﷺ على أمته من أن يقعوا فيه، فصدر التحذير منه بكافة أنواعه، كما صدر التحذير من جميع دواعيه.
ب- أن الرسول ﷺ لما علم أن الأمم السابقة كاليهود والنصارى والفرس قد ابتلوا بالابتداع في الدين والوقوع في الشرك خاف أن تقع أمته في مثل ما وقع فيه الأمم الماضية، فحذر أمته عن اتباع سنن الأمم السابقة، فقال:
١ - ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه)). قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟ )).
٢ - ((إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك)).
٣ - ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)).
стр. 574
٤ - ((قاتل الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، قالت عائشة: يحرم ذلك على أمته.
٥ - ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). قالت عائشة: يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشيء أن يتخذ مسجدًا.
٦ - ((أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله)).
ولهذا نهى النبي ﷺ ((أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها))، كما نهى عن ((تجصيص القبر وأن يبنى عليه بناء)). لأن الأمم السابقة قد وقعوا فيه فحذر أمته كي لا يقعوا فيما وقع فيه الأمم السابقة، فإن هذه الأمة ستتبع سنن الأمم السابقة كما جاء عن النبي ﷺ في حديث آخر أنه قال:
٧ - ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرًا بشبر،
стр. 575
وذراعًا بذراع))، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: ((ومن الناس إلا أولئك)).
٨ - ((ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ... )).
والمقصود: بيان خوف النبي ﷺ على أمته في الوقوع في الشرك الذي وقع فيه الأمم السابقة، ولما كان أغلب شرك الأمم السابقة بالقبور وعبادة الصالحين حذر أمته من الوقوع فيها، بل أمر بتسوية القبور، وعدم كتابة الاسم عليها، ولعن من ذبح لغير الله؛ خشية أن يقعوا فيما وقع فيه الأمم السابقة.
стр. 576
والأمم السابقة وقعوا في ألوان من الشرك نتيجة الغلو في الأنبياء والصالحين، فلهذا سبق التحذير منه ﷺ في ذلك حيث قال:
١ - ((إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)).
٢ - وقال أيضًا: ((هلك المتنطعون)).
كما أن بعض الأمم السابقة كان لديهم الشرك بالهوى، فسبق الإنذار من الوقوع في مثل ما وقعوا فيه، فقال:
١ - ((إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط)). وقد سبق بيان كونه شركًا في الباب الأول.
وهذا كله تحذير من النبي ﷺ من الشرك بأنواعه؛ حماية لجناب التوحيد.
ولما كان النبي ﷺ حذر أمته من الوقوع في ألوان من الشرك سأذكر فيما يلي نماذج من التحذيرات النبوية في هذا المجال.
стр. 577
المبحث الأول في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ من وقوع الشرك فيما يتعلق بذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله، والتحذير منه
فمن هذا القبيل:
١ - قلو النبي ﷺ فيما يرويه عن الله: ((لا يزال عبدي يسأل عني، هذا الله خلقني، فمن خلق الله؟ )).
٢ - قول النبي ﷺ : ((قال الله : إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ )).
فهذا الشك إذا تمكن في القلب يحصل الشرك في ذاته سبحانه، فحذر النبي ﷺ من الوقوع في ذلك، وبين كيفية اتقاء الناس من الوقوع فيه، فقال:
((الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فقولوا: آمنا بالله ورسوله)).
وفي رواية قال: ((فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله)).
وفي رواية قال: ((فإذا بلغ من ذلك ليستعذ بالله ولينته)).
стр. 578
وفي رواية قال: ((فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله)).
وفي رواية قال: ((فإذا قالوا ذلك، قل: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم ليتفل عن يساره، وليستعذ بالله من الشيطان)).
ومن هذا القبيل أيضًا: الوسوسة في أمر الرب سبحانه، وإرشاد النبي ﷺ فيه بأنها محض الإيمان ما لم يتجاوز حد الوسوسة ولم يتفوه به، كما جاء في الحديث التالي، وهو:
٣ - ما روى أبو هريرة ﵁ قال: جاء أناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا نجد الشيء في أنفسنا ليتعاظم عند أحدنا أن نتكلم به، قال: ((وقد وجدتموه؟ )) قالوا: نعم، قال: ((ذلك صريح الإيمان)).
وفي رواية قال: ((ذاك محض الإيمان)).
وفي رواية قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أحدث نفسي بشيء من أمر الرب لأن أخرَّ من السماء أحب إلي من أن أتكلم به، قال: ((ذاك محض الإيمان)).
وفي رواية عن ابن عباس: ((أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله،
стр. 579
إني لأجد في صدري الشيء لأن أكون حممًا أحب إلي من أن أتكلم به، قال رسول الله ﷺ : ((الله أكبر، الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة)).
ومن هذا القبيل أيضًا: خوف النبي ﷺ من خوض أمته في القدر والتحذير منه، فمما جاء فيه:
٤ - قول النبي ﷺ : ((أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: الاستسقاء بالأنواء، وحيف السلطان، والتكذيب بالقدر)).
وقوله ﵊: ((إن لكل أمة مجوسًا، وإن مجوس هذه الأمة القدرية)).
وقوله ﷺ : ((أخّر الكلام في القدر لشرار أمتي في آخر الزمان)).
ومن هذا القبيل أيضًا خوف النبي ﷺ على أمته الكبر ـ الذي هو حق خالص لله تعالى ـ فحذرهم من الوقوع فيه حيث قال:
٥ - ((يقول الله : العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته)).
стр. 580
ومن هذا القبيل أيضًا: خوف النبي ﷺ على أمته من الوقوع في فتنة الدجال الذي يدعي الربوبية، فيوقع الناس في الفتنة بالشرك فيها، فحذر النبي ﷺ من ذلك أمته، حيث قال:
٦ - ((إني قد حذرتكم الدجال حتى قد خشيت أن لا تعقلوا، إن المسيح الدجال رجل قصير أفحج. أدعج أعور ممسوح العين ليس بناتئة ولا حجرًا، فإن ألبس عليكم فاعلموا أن ربكم ﵎ ليس بأعور، وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)).
وقوله ﵊ ((وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور)).
وقوله ﷺ وهو يحذر أمته من فتنته: ((أتعلمون أنه لن يرى أحدكم ربه حتى يموت)).
وقوله ﷺ : ((من قال: أنت ربي، فقد فتن)).
٧ - ومن هذا القبيل أيضًا: نهي النبي ﷺ عن كثير من الأمور التي فيها ادعاء
стр. 581
خصائص الربوبية، أو ادعاء صفات الرب جل شأنه، وتحذيره عن التورط فيها، فمثلاً:
قال في التميمة: ((من علق تميمة فقد أشرك))، و ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك)).
وقال في الطيرة: ((من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك)) و ((الطيرة شرك)).
وقال في السحر: ((من سحر فقد أشرك))، وقال: ((إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله)).
فهذه كلها من الشرك بالله جل شأنه في صفته القدرة الكاملة.
стр. 582
كما أنه حذر من الوقوع في الشرك بالله تعالى في صفته العلم المحيط فقال: ((لا يدري متى يجيء المطر إلا الله))، وقال: ((مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله)).
وقال: ((لا يعلم ما في غد إلا الله)).
٨ - ومن هذا القبيل أيضًا: إخباره ﷺ عن وقوع الناس في التعطيل العام للربوبية والألوهية لله جل شأنه قبل يوم القيامة، حيث قال: ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله)).
стр. 583
المبحث الثاني في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ على أمته في الوقوع في الشرك في عبادة الله سبحانه ومعاملته، والتحذير من الوقوع فيه
فمن هذا القبيل:
١ - ما حذر النبي ﷺ من وقوع الشرك في أمته بعبادة الأوثان، فمن هذه الأحاديث ما يلي:
أ- قوله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة)). قال أبو هريرة ﵁: وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدونها في الجاهلية.
وذو الخلصة: بفتح الخاء المعجمة واللام بعدها مهملة، هذا هو الأشهر في ضبطها، والخلصة: نبات له حب أحمر، كخرز العقيق.
و(ذو الخلصة): اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت، الخلصة، واسم الصنم: ذو الخلصة.
و(ذو الخلصة): اسم لصنمين كل منها يدعى ذا الخلصة، أحدهما لدوس، والثاني لخثعم وغيرهم من العرب، فأما صنم دوس، فهو المراد في
стр. 584
هذا الحديث، ولا يزال مكان هذا الصنم معروفاً إلى الآن في بلاد زهران (جنوب الطائف)، في مكان يقال له: (ثروق) من بلاد دوس، ويقع ذو الخلصة قريبًا من قرية تسمى (رمس) بفتح الراء والميم.
وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ في هذا الحديث، فإن قبيلة دوس وما حولها من العرب قد افتتنوا بذي الخلصة عند ما عاد الجهل إلى تلك البلاد، فأعادوا سيرتها الأولى وعبدوها من دون الله، حتى قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالدعوة إلى التوحيد، وجدد ما اندرس من الدين، وعاد الإسلام إلى جزيرة العرب؛ فقام الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵀ وبعث جماعة من الدعاة إلى ذي الخلصة، فخربوها، وهدموا بعض بنائها، ولما انتهى حكم آل سعود على الحجاز في تلك الفترة عاد الجهال إلى عبادتها مرة أخرى، ثم لما استولى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀ على الحجاز، أمر عامله عليها، فأرسل جماعة من جيشه فهدموها، وأزالوا أثرها، ولله الحمد والمنة.
ب- قوله ﷺ : ((لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى)). فقالت عائشة: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) أن ذلك تامًا، فقال: ((إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين
стр. 585
آبائهم)).
ج- قوله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان)).
ما روى الإمام مسلم في حديث الساعة: قال: ((سمعت رسول الله ﷺ قال: فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌ رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور ... )).
٢ - ومن هذا القبيل إخباره ﷺ بخروج الناس من الإيمان ودعوتهم إلى الشرك بسبب ما يعرض لهم من الفتن. فمما روي فيه:
أ- قوله ﷺ : ((إن بين أيديكم فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا ... )).
٣ - ومن هذا القبيل أيضًا: إخبار النبي ﷺ عن اتباع أمته الهوى حتى يسيطر على عقولهم فلا يمشون إلا وراءه، وذكر من مظاهر هذا الاتباع للهوى ركونهم
стр. 586
إلى الدنيا، وعبادتهم لها، بجميع مظاهرها البراقة من الأموال النفيسة والدراهم والدنانير وغيرها، حيث قال:
أ- ((تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة ... )) الحديث.
ب- وقال: ((إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال ... )).
ج- وقال: ((أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم)).
د- وقال: ((لتصبن عليكم الدنيا صبًا)).
هـ- وقال: ((اتقوا الدنيا ... )).
لقد صدق الرسول ﷺ فيما خوفنا عنه، فقد وقع الناس في هذا العصر وراء الدنيا فلا يبالون بالدين إذا وافقهم شيء من الدنيا، بل كثير منهم يشترون الدنيا بالدين. وكم من الناس باعوا أنفسهم ولبوا منادي الدنيا. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 587
الفصل الثاني سده ﷺ جميع أبواب الشرك
وفيه مباحث:
المبحث الأول: سده جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.
المبحث الثاني: في سده ﷺ جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بعبادة الله ومعاملته.
المبحث الثالث: سده الوسائل القولية والفعلية التي تؤدي إلى الشرك خصوصًا إلى الشرك الأصغر وصدور التحذير منه ﷺ .
المبحث الرابع: في بيان شبهة من قال بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة وردّها.
стр. 588
المبحث الأول سدّه جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: سده جميع أبواب شرك التعطيل
لقد بين الرسول ﷺ الشرك، وحذّر منه، ونهى عنه، وبيّن أنواعه، وخطورته على الناس وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة، وذلك: لما خافه النبي ﷺ على أمته من الوقوع فيه ـ كما سبق بيانه في الفصل الأول ـ كما بيّن ﵊ ونهى عن كل ما يقارب الشرك أو يكون ذريعة للشرك بالله ، حماية لجناب التوحيد، وسدًّا لجميع أبواب الشرك بكافة أنواعه.
ومن هذا الوجه نرى أنه ﵊ سدّ جميع أبواب شرك التعطيل، سواء كان ذلك في أسمائه ـ سبحانه ـ أو صفاته، أو كان في أفعاله. ولعلّ من أهم الأدلة على هذا: بيان النبي ﷺ توحيد الربوبية، واحتجاجه به على توحيد الألوهية، وإثارة هذه الحقيقة الكامنة في نفوس الناس كي يلبّوا نداء الفطرة والعقل في هذا الباب.
فإن الشرك في هذا النوع وإن لم يكن منتشرًا على نطاق واسع في زمانه ﷺ إلا أنه بيّن ذلك ليكون نبراسًا لأمته، ولئلا يقعوا فيه، أو يواجهوا المبتلين به، فإنه قد يأتي زمان يقع بعض الأمة في مثل ذلك، كما هو الحال في زماننا الذي انتشر فيه الإلحاد وإنكار ربوبية الله كما هو عند الشيوعيين، والوجوديين،
стр. 589
والعلمانيين الملحدين، وهكذا المادّيون الذين ينكرون كل ما لا يشاهدونه، فكان من الضروري، العناية بهذا النوع من التوحيد، وسأضرب هنا بعض الأمثلة لحماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسدّه جميع أبواب شرك التعطيل في الربوبية.
١ - ذكره الآيات القرآنية الدالة على ذلك، فقال: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)، وقال: (أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).
٢ - ذكره ﷺ الوساوس التي تعتري أنفس المكلفين، وإرشاده إلى كيفية التخلص من هذا الداء العضال، وذلك بعدم إعطائها فرصة التمكن في القلب، وردّها إلى الوسوسة المحضة التي لا تؤاخذ عليها هذه الأمة، فمن ذلك:
أ- قول النبي ﷺ : ((الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله، فقولوا آمنا بالله ورسوله)).
وفي روايةٍ: ((فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله)).
وفي روايةٍ: ((فإذا بلغ من ذلك فليسعذ بالله ولينته)).
وفي روايةٍ: ((فإذا قالوا ذلك: فقل: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم ليتفل عن يساره وليستعذ بالله من الشيطان)).
انظر ـ رحمك الله ـ كيف سدّ النبي ﷺ باب التعطيل، والشك في جانب
стр. 590
رب البرية سبحانه جل وعلا.
ب- عن ابن عباس قال: ((إن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني لأجد في صدري الشيء لأن أكون حممًا أحب إليّ من أتكلم به، قال رسول الله ﷺ : الله أكبر، الحمد لله الذي ردّ أمره إلى الوسوسة)).
انظر كيف عالج الرسول ﷺ هذا الشك في الربوبية، حيث أمره بردّه إلى الوسوسة حتى لا يتمكن في القلب، وبها سدّ باب الشرك في الله سبحانه.
ومن أمثلة عناية الرسول ﷺ بجانب توحيد الأسماء والصفات وسدّه جميع أنواع شرك التعطيل فيه: بيانه ﷺ بيانًا كافيًا شافيًا لهذا الأمر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الحموية الكبرى: (فإن الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ... محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله، والعلم به ملتبسًا مشتبهًا، ولم يميّز ما يجب لله في الأسماء الحسنى والصفات العُلى، وما يجوز عليه، وما يمتنع عليه، فإن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية ... ومن المحال أيضًا أن يكون النبي ﷺ قد علّم أمته كل شيء، حتى الخِراءة ... أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه بقلوبهم في ربّهم، ومعبودهم، ربّ العالمين، الذي معرفته غاية المعارف ... بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية ... ).
وإليك أمثلة يسيرة لهذا البيان:
стр. 591
١ - قال الله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
٢ - وقال: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى).
٣ - وقال ﵊: ((إن لله تسعًا وتسعين اسمًا مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة ... )).
٤ - وفي الحديث: ((ما أصاب مسلمًا قط همّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري، وجلاء حزني وذهاب همّي؛ إلاّ أذهب الله همّه، وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا ... )).
فقد جاءت الأسماء الحسنى والصفات العُلى في الكتاب والسنة غير مشتبهة ولا مؤدية إلى التعطيل والإلحاد. وكل هذا بيان لهذا النوع من التوحيد، وسد لجميع نوافذ الشرك فيه.
стр. 592
المطلب الثاني: سده ﷺ لجميع أبواب شرك الأنداد في الربوبية وخصائصها:
ومن أمثلته ما يلي:
أ- بيانه ﷺ خصائص الربوبية، ونفيها ﷺ عن نفسه وعن أي خلق من المخلوقات، سواء كان ذلك في الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية. فمن ذلك:
١ - قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا).
٢ - قوله تعالى: (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً).
٣ - قوله تعالى: (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ).
٤ - وقوله: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ).
٥ - وقوله تعالى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
٦ - وقوله تعالى حكاية لقول نوح لقومه: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ).
стр. 593
٧ - وقوله تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ).
وقد جاءت الأحاديث النبوية لهذا النوع من الشرك، ومن أمثلتها:
١ - قوله ﷺ : ((لا عدوى ولا طيرة ... )) الحديث.
٢ - وقوله ﷺ لما خرج على أصحابه يتنازعون في القدر ... : ((ألهذا خلقتم، أم بهذا أمرتم؟ ! لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، انظروا ما أمرتم به فاتبعوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه)).
٣ - وقوله ﷺ : ((مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ... )) الحديث.
٤ - وقوله ﷺ : ((يقول الله : العظمة إزاره، والكبرياء رداءه. فمن نازعني واحدًا منهما عذبته)).
٥ - وقوله ﷺ : ((أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون))، وفي رواية: ((يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)).
٦ - وقوله ﷺ : ((قال الله : ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة)).
стр. 594
٧ - قوله ﷺ لمّا سمع الجارية تقول: (وفينا نبي يعلم ما في غدٍ) ـ: ((لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين)).
هذه بعض النماذج في سدّ النبي ﷺ لأبواب شرك الأنداد في الربوبية، وهناك نماذج أخرى؛ كالنهي عن الطيرة، والتنجيم والسحر، والتمائم، والرقى الممنوعتين، والاستسقاء بالأنواء، كلها من قبيل سدّه ﷺ جميع أبواب شرك الأنداد في الربوبية، وقد سبق بيانها والاستدلال عليها من كلام الرسول ﵊ في الفصل الأول، فلا نعيده هاهنا.
стр. 595
المبحث الثاني في سدّه ﷺ جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بعبادة الله ومعاملته
ومن ملامح هذا السدّ ما يلي:
أولاً: إن الرسول ﷺ قد نهى عن الغلو في مدحه بما قد يفضي إلى عبادته، فقال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)). إذ الغلو في تعظيمه يؤدّي إلى استشعار القلب بالخوف والرهبة منه والرجاء فيه، فيصرف إليه عندئذٍ شيئًا من حقوق الله تعالى.
ثانياً: نهى الرسول ﷺ عن البناء في القبور وعن اتخاذها عبدًا، وعن اتخاذها مساجد، فقال لما ذكرت له أم سلمة ﵂ أنها رأت كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الصور. قال: ((أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله)).
وقال الرسول ﷺ قبل أن يموت بخمس ليال: ((إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً،
стр. 596
ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ إنّي أنهاكم عن ذلك)).
وقال ﵊: ((لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلّوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)).
كما نهى النبي ﷺ عن تجصيص القبور، كما قال جابر بن عبد الله ﵄: ((نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه)).
وكذلك نهى عن الصلاة عند القبور سواء بنى عليه مسجد أو لا، لقوله ﷺ : ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها)). فقد نهى النبي ﷺ عن تلك الأمور كلها الدالة على تعظيم القبر؛ لئلاّ يفضي ذلك إلى عبادتها وطلب قضاء الحوائج من الموتى، ويدل على أن هذا هو المراد ما أشار به إلى صنيع الأمم السابقة، وكذلك، لأن هذا هو أصل ابتداء الشرك في الناس كما تقدم، وقد قال ابن قدامة معللاً للنهي عن اتخاذ القبور مساجد ومصلّى: (لأن تخصيص القبور
стр. 597
بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام: تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها).
ثالثاً: النهي عن الوفاء بالنذر بالذبح لله تعالى في مكان يذبح فيه لغير الله، أو يقام فيه عيد من أعياد الجاهلية، فعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: (نذر رجل أن ينحر إيلاً ببوانة، فسأل النبي ﷺ ، فقال: ((هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: ((فهل كان فيه عيد من أعيادهم؟ )) قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ : ((أوف بنذرك، فإنّه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم)). فقوله في آخر الحديث: ((فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله)) يفيد أن الوفاء بالنذر في المكان الذي فيه أمر من أمور الجاهلية معصية لله، ففي هذا سدّ لذريعة الشرك وإبعاد المسلمين عن التشبه بالمشركين في تعظيم أوثانهم.
стр. 598
رابعًا: النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ صيانة للصلاة والمصلّين المسلمين أن يشبهوا الكفار في سجودهم لها وعبادتهم لها وللشيطان، فمن ذلك قول النبي ﷺ : ((صلّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار ... ـ إلى أن قال ـ حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار)).
خامساً: النهي عن الصلاة إلى ما قد عُبد من دون الله، (وأحبّ لمن صلّى إلى عمود أو عودٍ، أو شجرةٍ، أن يجعله على أحد جانبيه، ولا يصمد له صمدًا، سدًّا لذريعة التشبه بالسجود لغير الله تعالى).
سادساً: الأمر بهدم بناء القبب والمساجد على القبور والأمر بتسويتها: فمن ذلك ما قال أبو الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب: ((ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، ألاَّ تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلاّ سويته)).
стр. 599
سابعًا: التحذير الشديد من زيارة القبور للصلاة في المساجد المبنية عليها، أو الدعاء عندها، على ظن أن هذا أسرع إجابة، أو للتبرك بها، أو جعلها عيدًا، أو للحج إليها بشد الرّحال إليها، أو زيارتها لعبادة الله تعالى عندها أيّ نوع كان من أنواع العبادات، من ذبح، أو نذر أو اعتكاف، أو قراءة القرآن، إلى غير ذلك؛ فإن كل هذا لمن أعظم أسباب الوثنية.
فقد قال رسول الله ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى)).
ودخل في النهي شدّها لزيارة القبور والمشاهد، فإمّا أن يكون نهيًا، وإمّا أن يكون نفيًا، وجاء في روايةٍ: بصيغة النهي، فتعيّن أن يكون للنهي، ولهذا فهم منه الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ المنع، كما في الموطأ والمسند والسنن عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة ـ وقد أقبل من الطور ـ: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجتَ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا
стр. 600
تعمل المطي إلاّ إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)).
следующие страницы →