Полный текст (1 489 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
كانت هناك أحوال سيئة في إيران حيث إن اليأس، والقنوط، والجهل ثبت سمومها وترمي النفوس إلى أوهام تتشبث بأذيالها للنجاة. ففي مثل هذا الظروف السيئة والمعتقدات الفاسدة ولد مؤسسها المرزا علي محمد رضا الشيرازي سنة ١٢٣٥ هـ، وشبّ فيها حتى أعلن أنه الباب إلى المهدي المنتظر الملقب بالبهاء، وسمى الحركة بالحركة البهائية، وله كتاب وضعه وسماه (الأقدس)، وقد هلك سنة ١٨٩٢ م - ١٢٦٦ هـ.
اعتقاداتهم:
لهم اعتقادات كثيرة، من أبرزها:
١ - أن الباب هو الذي خلق كل شيء بكلمته، وهو المبدأ الذي ظهرت عنه جميع الأشياء.
٢ - يقولون بالحلول والاتحاد، خصوصًا في المرزا حسين علي المازندراي الملقب بالبهاء.
٣ - إنكار البعث واليوم الآخر، والجنة، والنار، الحساب، والميزان، وغيرها.
٤ - إنكار الشرائع بدعوى نسخها بظهور الباب.
والمقصود: أن هؤلاء البابية والبهائية وقعوا في الشرك بأنواعه،
стр. 807
فاعتقادهم أن الباب هو الذي كل شيء شرك بالله في الربوبية بالأنداد. وسيأتي بيانه.
واعتقادهم أن ذات الرب جلّ في البهاء هو شرك في الربوبية بالتعطيل بتعطيل ما يتعلق بحقيقة التوحيد. كما سيأتي بيان ذلك.
واعتقادهم عدم وجود القيامة والبعث، واليوم الآخر، والجنة والنار، والثواب، والعقاب أوقعهم في الشرك بالله في الربوبية بالتعطيل بتعطيل الله عن أفعاله. ومثل هذا اعتقادهم في إنكار الشرائع؛ فإنه تعطيل لأفعال الله جل شأنه. فلوجود هذين الاعتقادين الأخيرين أوردتهم في هذا الموضع.
وهؤلاء البابية والبهائية في إنكارهم هذين الشيئين ليس لهم أي مستند لا شرعي ولا عقلي، وإنما هي ادعاءات تقريرية يريدون من ورائها هدم الدين الإسلامي من أساسه، ولكن الله يحفظ هذا الدين من كيد أعدائه الكافرين ولوكره المشركون.
الفرع الثاني: المعتزلة قديمًا وحديثًا:
لقد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من القدرية من المعتزلة، وذلك لإنكارهم القدر، وقد سبق معنا إثبات كونه شركًا وتعطيلاً لأفعال الله في الباب الثاني. وإنما المقصود هنا بيان وقوع بعض الناس في هذا النوع من الشرك، فالمعتزلة القدرية هم الرواد في إنكار القدر في الإسلام، وهو أول شرك على رواية منصوصة عن الصحابة ﵃ أجمعين.
стр. 808
والمعتزلة ليست فرقة منقرضة كما يزعمه البعض، بل آراؤهم حية في الفرق الأخرى، ولهذا ترى جحود القدر من المسائل التي لا تزال موجودة، فإن من أهل الضلال من يجحده كلية، ويدعو غيره إلى الكفر به، كما فعل ذلك القصيمي حين زعم أن الإيمان بالقدر سبب تأخر المسلمين عن مواكبة الحضارة الدنيوية، وأنه كان سببًا ـ بزعمه ـ في إلقاء الوهن بين الناس.
ومثله: حسين أمين الذي يرى أن عقيدة الإيمان بالقدر عقيدة بدوية، لا تناسب المدنية والتطور الذي يشهدهما العالم اليوم.
ومن أهل الضلال من يجحد مراتبه، كالإرادة والخلق، وهؤلاء هم المعتزلة ومن اعتقد معتقدهم من الرافضة، وبعض الماتريدية وبعض الأشاعرة مثل محمود شلتوت، وغيرهم.
فهؤلاء يزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه، وليس الله ـ تعالى ـ والخلق أحد مراتب القدر، كما أنهم ينفون إرادة الله ـ تعالى ـ، والإرادة أيضًا من مراتب القدر. وقد سبق الرد على منكري القدر في الباب الثاني فلا نعيده هنا.
الفرع الثالث: الروحية الحديثة:
هي دعوة هدامة، وحركة مغرضة، مبنية على الشعوذة، تدّعي استحضار أرواح الموتى بأساليب علمية، تهدف إلى التشكيك في الأديان والعقائد،
стр. 809
وتبشر بدين جديد وتلبس لكل حالة لباسها.
ظهرت في بداية هذا القرن في أمريكا، ومن ورائها اليهود، ثم انتشرت في العالمين العربي والإسلامي.
أصل هذه الفكرة ونشأتها:
الروحية الحديثة أو تحضير الأرواح شيء واحد، فقد تأسست بلندن عام ١٨٨٢ م جمعية المباحث الروحية وامتد علمها في إنجلترا وأمريكا. ومن أعضائها أعلام في الفلسفة والعلوم الطبيعية. وتقبل في عضويتها المؤمنين بوجود الأرواح والمناهضين لها، وكل ما تشترطه الإلمام بالروح كظاهرة طبيعية.
وتقوم هذه الجمعية ببحوث ودراسات عن الروح وعن عالم ما وراء الطبيعة بواسطة التجربة ـ كما يدعون ـ، وتقيم المؤتمرات وتؤلف الكتب.
وبداية فكرة الروح عندهم قصة حدثت مع رجل يدعى (فيكمان) كان يسكن في قرية (هيدسفيل) في نواحي ولاية (نيويورك) حيث سمع طرقات متكررة في منزله فدب الرعب في أسرته فهجروا البيت، ثم سكنت في البيت أسرة أخرى هي أسرة (جون فوكس)، وعادت الطرقات من جديد، وتجاسرت ربة البيت؛ فقالت للطارق: إن كنت روحًا فأحدث طرقتين، ففعل، فسألته عن سن ابنتها، فطرق طرقات بعدد سني ابنتها. ولم تزل تسأله حتى علمت أنها روح رجل كان ساكنًا في ذلك البيت فقتله جاره وسرق ماله، وهكذا ضبطت الجريمة.
هكذا يروي أدعياء الروحية الحديثة بداية فكرتهم، وبعد هذا بدأ
стр. 810
أصحاب هذا المذهب يحضرون الأرواح ويقومون بالتجارب إلى أن توصلوا إلى تثبيت معالم مذهبهم، والذي يتلخص فيما يلي:
١ - يقولون: إن الإنسان مكون من جسم مادي ومن آخر أثيري يتخلله ويطابقه، وأن الموتى بعد الموت مباشرة يكونون في عالمنا هذا. ولا يزالون كذلك مدة تختلف باختلاف درجتهم الروحية.
وبناء عليه فيمكن مكالمة الروح بعد خروجها من الجسم ورؤيتها مجسمة بواسطة شخص يسمّونه الوسيط الذي لا يشترطون فيه الصلاح، والدين، بل المهم أن يكون لديه استعداد فطري لهذا الأمر، وأن يتمتع بقوة البصر أو الشم، أو الذكاء، أو قوة الأعصاب، وأن يقع في خدر عال عند إرادته تحضير الروح فتستفيد الروح من استعداده فتكلم الناس بفمه وتنبئ عن أمور الحاضرين وتكشف أسرار العلم والفلسفة وتصف العلاجات.
أما أسلوب تحضير الأرواح فيتم تجهيز غرفة مظلمة فيها نور أحمر خافت ـ حتى إن الإنسان لا يستطيع أن يميز ما حوله ـ ويجلس فيها الذين يريدون مشاهدة الروح أو ما يسمّونهم (بشهود الجلسة)، وهناك حجرة صغيرة متصلة بالغرفة السابقة. وتسمّى هذه الغرفة الصغيرة بالخباء أو الخدر وهي معدة لجلوس الوسيط. فإذا تم الاتصال بين الوسيط والأرواح فإنه يخرج عبر الوسيط إشعاعات من الحجرة الصغيرة باتجاه الحجرة الكبيرة، وتسمع أصوات الروح في تلك اللحظة بل إنها تطلب الطعام والشراب.
ويؤكد أصحاب المذهب على صحة مذهبهم بأنهم التقطوا صورًا لتلك الأشباح بواسطة الأشعة تحت الحمراء، وأن مذهبهم علمي بدليل وجود العلماء من مختلف الحقول في صفوفهم.
стр. 811
٢ - ويقولون: إن هذه الأرواح تفتيهم في مشكلات الغيب ومعضلاته ويستعان بهم في علاج مرضى الأبدان والنفوس، والإرشاد على المجرمين، والكشف عن الغيب، والتنبؤ بالمستقبل.
٣ - يعتقدون أن هذه الأرواح التي يستحضرونها مرسلة من الله إلى البشر كالرسل.
٤ - يعتقدون أن معجزات الأنبياء هي ظواهر روحية كالتي تجري في غرفة تحضير الأرواح، ويقولون: إن بإمكانهم إعادة معجزات الأنبياء.
٥ - يعرضون أفكارهم لكل شخص وفق ما يناسبه، ولذلك تجدهم أحيانًا يدعمون تلك الدعاوى بنصوص من الكتب السماوية بعد أن يلووا أعناقها كما يريدون، وفي بعض الأحيان يقولون لهم: (أنصح الحاضرين بقراءة القرآن والأدعية). وفي الحقيقة: تظهر بعد أيام من الدخول فيها: إنهم يرفضون الوحي، والرسل، ويقولون: إنه ليس في الأديان ما يصح الركون إليه، ويسخرون من المتدينين.
٦ - يقولون: بأن إلههم أظهر من إله الرسل وأقل صفات بشرية وأكثر صفات إلهية.
وفيه تصريح بأن الروحية دين جديد يدعو إلى العالمية ونبذ كل الأديان.
٧ - ينكرون شرع الله، وينادون بترك العبادات.
٨ - يدعون أن الأرواح التي تخاطبهم تعيش في هناء وسعادة رغم أنها كافرة، ليهدموا بذلك عقيدة البعث والجزاء، وأن الجنة والنار حالة عقلية
стр. 812
يجسمها ويصنعها الخيال.
٩ - يقولون بحلول الإله في الحاضرين في المجلس واتحاده بهم.
فهذه أغلب اعتقادات الروحية الحديثة. فقد وقعوا بهذه الاعتقادات الفاسدة في أنواع من الكفر كما وقعوا في ألوان من الشرك. أما وقوعهم في أنواع من الكفر بالله جل شأنه فهذا واضح، فإن أغلب هذه الأقوال كفر. وأما وقوعهم في ألوان من الشرك بالله؛ فيمكن بيانه فيما يلي:
أ- قولهم إن هذه الأرواح تحل المشكلات، والمعضلات، وتخبر عن الغيب، هذا كله شرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفات الله جل شأنه. وسيأتي شبهاتهم والردود عليها ـ بمشيئة الله ـ فيما بعد.
ب- قولهم بالحلول والاتحاد: شرك بالله في الربوبية بتعطيل حقيقة التوحيد. وسيأتي ذكر هذا القول عند بيان شرك الربوبية بتعطيل حقيقة التوحيد بعد هذا الباب ـ بمشيئة الله ـ.
ج- قولهم: بإنكار الشرائع، وهكذا قولهم بإنكار عقيدة البعث، والجزاء، والجنة والنار، والحساب، شرك بالله في الربوبية بتعطيل أفعال الله جل وعلا.
ولما كان هذا النوع من الشرك ـ الذي نحن في بيانه ـ وجد لدى هؤلاء ـ أصحاب الروحية الحديثة ـ جرى ذكرهم في هذا الموضع.
ولكن هل عندهم شبهة عقلية أو شرعية في إنكارهم البعث واليوم الآخر،
стр. 813
وإنكارهم الشرع؟ يبدو لمن يتفصح أقوالهم وآراءهم أنهم لا يذكرون أي شبهة لا عقلية ولا شرعية، في رد هذين الشيئين. وإنما هذا من الادعاءات التقريرية التي لا نشغل بالنا بالرد عليه.
ومع تفاهة دعاوى هذه الفرقة أو الطائفة نرى أن هذه الدعاوى منتشرة في جميع العالم الإسلامي، وقد تأثر بها كثير من الناس الذين عرفوا بالعلم والفضل، ووجد من يرى أن الأرواح تحضر حقيقة، وتستطيع أن تخبر عن المغيبات وتحل المشاكل. فمن هؤلاء: الشيخ طنطاوي جوهري، والأستاذ أحمد فهمي أبو الخير، والأستاذ محمد فريد وجدي، والدكتور رؤوف عبيد الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة عين شمس، والشيخ محمد حسنين مخلوف كما ذكر عنه الدكتور رؤوف عبيد، والأستاذ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر سابقًا، وغيرهم.
الفرع الرابع: العلمانية: (غير الملحدة):
وهي العلمانية التي لا تنكر وجود الله، بل تؤمن به إيمانًا نظريًا، ولكنها تنكر تدخل الدين في شئون الدنيا، وتنادي بعزل الدين عن الدنيا والحياة. بل تنكر شرع الله ولزومه إمّا صراحةً وإمّا ضمنًا.
стр. 814
فهذا الاعتقاد لا شك في كونه شركًا بالله في الربوبية بتعطيل أفعاله .
من مظاهر هذه العلمنة:
١ - تطبيق العلمنة في التعليم ومناهجه، فأبعد الدين عنه.
٢ - تطبيقها في السياسة والحكم، فعزل الدين عنها.
٣ - تطبيقها في الاقتصاد ونظم الأموال فعزل الدين عن هذا المجال.
٤ - تطبيقها في القوانين المدنية، فوضع العلمانيون قوانينهم.
٥ - تطبيقها في الاجتماع والأخلاق، فأبعد الدين عنهما.
٦ - تطبيقها في الفنون، فانطلق هواة الفن ينتجون إنتاجاتهم المختلفة مستهينين بالدين وبفضائل الأخلاق وبفضائل السلوك.
وجملة الشبهات التي يتشبثون بها في هذا الباب ما يلي:
١ - إن العلمانية هي أساس الوحي، والوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه.
٢ - إن الشريعة مطبقة بالفعل.
٣ - التناقض بين العلم والدين.
٤ - دعوى ضرورة الدولة القومية وانقضاء عصر الدولة الدينية.
٥ - دعوى جمود الشريعة وقعودها عن ملاحقة الحياة التطورية.
٦ - دعوى الاستبداد السياسي.
٧ - دعوى الكبت واضطهاد حرية الفكر ومعاداة التقدم.
стр. 815
٨ - دعوى الموانع الطائفية.
٩ - دعوى القسوة في العقوبات الشرعية.
هذا مجمل الدعاوى التي يتشبثون بها في تعطيل شرع الله .
مجمل الردود على هذه الدعاوى:
أولاً: نقول: هل تؤمنون بالله ربًا؟ فإن آمنتم بهذا المبدأ فالأمر هين، فإن من المستحيل أن يكون الرب غير عالم بمصالح العباد ومشاكلهم، أنتم عالمون بهذه المصالح والمشاكل التي تذكرونها! ، هل الله جل وعلا لا يعلم ما تذكرونه؟ .
ثانياً: هل تؤمنون بالرسول ﷺ بأنه آخر الرسل وشريعته آخر الشريعة؟ وأنها ناسخة لما قبلها؟ وأن هذه الشريعة مكملة؟ أم ترون أن شريعته ناقصة، وهناك شريعة غير شريعة محمد ﷺ بعده؟ فإن قلتم بالأول الذي يدل عليه القرآن والسنة فقد اعترفتم بتفاهة هذه الدعوى، وإن قلتم بالثاني فقد خرجتم من دين الإسلام.
ومع الردود على هذه الشبهات يكون قد استعرضنا معظم الشرك في الربوبية بتعطيل أفعاله جل وعلا. وإن كان هناك فرق وطوائف أخرى وجد عندهم هذا النوع من الشرك؛ كالقومية، والوطنية، وبعض نوادي
стр. 816
الماسونية من الليونز، والروتاري، وبعض الأديان الوضعية المنبوذة كالبوذية، ولكن شرك هؤلاء أنسب بباب آخر غير باب شرك تعطيل أفعال الله، فلهذا آثرت ترك ذكرهم هنا.
المطلب الثالث: في بيان أنواع الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد:
تنبيه:
سبق معنا إثبات كون التعطيل شركًا، كما تضمن هذا البيان أيضًا إثبات كون تعطيل الصانع عما يجب عليه من حقيقة التوحيد شركًا، وهنا أريد أن أشير إلى مجمل هذا البيان بما يلي:
إن دخول هذا النوع من التعطيل في الشرك له سببان:
الأول: لأنه داخل في توحيد المعرفة والإثبات، (أعني: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات)، وكل ما يضاد توحيد المعرفة والإثبات مضادة ظاهرة فهو شرك لا محالة، ولزيادة البيان أمثل بمثال، وهو: أن الواجب على العبد في تحقيق التوحيد أن يعتقد أن ربه على عرشه، ولا يماثله أحد، ولا يشبهه، ولا يحل في أحد، ولا يتحد مع أحد أبدًا، بل هو بائن من خلقه، وإذا لم يكن هذا اعتقاد أحد فإنه ما حقق توحيد الله ، وبهذا يكون قد وقع في الشرك بالله سبحانه في الربوبية.
الثاني: أنه لما عطل كونه على عرشه، بل عطل كونه مباينًا لخلقه، وربما
стр. 817
عطل وجوده كما هو عند الاتحاديين فإنه يكون قد أشرك بالله جل وعلا من ناحية أخرى، فإنه في اعتقاده هذا عطل ذاته، وربوبيته، وعطل جميع أسمائه وصفاته وأفعاله وجميع مستلزماتها، فلما عطل هذه الأشياء كلها، وقد سبق معنا بيان كون هذه الأشياء من الأسماء والصفات والأفعال لها آثارها في العبودية، والعبد لا يستغني عن العبودية بها مطلقًا، لأن الرب جل وعلا لم يسمّ بهذه الأسماء ولم يتصف بهذه الصفات، ولم يفعل هذه الأفعال إلا لأن الخلق يحتاج إليها لا محالة، فإذا كان قد عطل الله المعبود الحق عن هذه الأشياء كلها فحتمًا يكون قد يتوجه بها إلى المعبود الباطل.
ثم إن في مثل هذا الاعتقاد نداء إلى تأليه الإنسان نفسه.
ونظرًا لجزئيات هذا المطلب فإنني سأبينه في مدخل وثلاثة فروع.
مدخل: في معرفة مذاهب المعطلين الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد:
المعطلون للصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: مذهب الحلول.
ومعنى الحلول: يقال: حل المكان وحل به يَحُلُّ ويَحِلُّ حِلاًّ وحلولاً إذا نزل به.
وفي المعجم الأوسط: (الحلول: اتجاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر).
وفيه: (مذهب الحلول بأن الله حال في كل شيء).
стр. 818
قلت: هذا أحد نوعي الحلول كما سيأتي.
وفيه أيضًا: (الحلولية فرقة من المتصوفة تعتقد مذهب الحلول على غير ما قال به أهل السنة).
وعند بعض الصوفية وبعض فرق النصارى: الحلول: هو حلول اللاهوت بالناسوت. وينقسم عندهم باعتبار تمكنه إلى قسمين:
١ - الحلول الجواري: وهو عبارة عن كون أحد الجسمين طرفًا للآخر؛ كحلول الماء في الكأس.
٢ - الحلول السرياني: وهو: عبارة عن اتحاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، كحلول ماء الورد في الورد، وكحلول الماء في المادة السكرية.
وينقسم باعتبار المحل إلى قسمين أيضًا:
١ - الحلول الخاص: وهو قل النسطورية من النصارى ومن نحا نحوهم ممن يقول: إن اللاهوت حل في الناسوت. فمصدر هذا القول إنما هو من النصارى، ولكن دخل في الإسلام بواسطة الرافضة الغلاة الذين قالوا: إن الله حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته، كما قال به الصوفية المنتسبة إلى الإسلام الذين يقولون بأن الله حلَّ في الأولياء.
стр. 819
٢ - الحلول العام: وهو قول الجهمية ومن نحا نحوهم من الأشعرية والماتريدية الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان.
المذهب الثاني: مذهب الاتحاد:
ومعنى الاتحاد: امتزاج الشيئين واختلاطهما حتى يصيرا شيئًا واحدًا، وينقسم الاتحاد إلى قسمين:
١ - الاتحاد الخاص: وهو قول يعقوبية النصارى القائلين: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزاجا كاختلاط اللبن بالماء، وهو قول به بعض المنتسبين إلى الإسلام في بعض الأشخاص.
٢ - الاتحاد العام: وهو قول الملاحدة الذين يزعمون أن الله عين وجود الكائنات، وهذا القول هو المعبر عنه بوحدة الوجود ـ كما سنرى ـ وهو شر الأقوال كلها كما يقول شيخ الإسلام؛ لأن أولئك قالوا: إن الرب يتحد عبده الذي قربه واصطفاه، فخصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح والأولياء، وهؤلاء جعلوا ذلك ساريًا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) فكيف بمن قال: إن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس والأنتان وكل شيء؟ !
стр. 820
ومما تجدر الإشارة إليه ونحن نبين معنى الاتحاد عند هؤلاء قولهم: إن من وقع منه الاتحاد فلا يتصور معه أن تبقى منه باقية بل يفنى ويذوب ويصير جوهره جزءًا لا يتجزأ عن جوهر من اتحد به، يقول عبد الرحمن بدوي: (والاتحاد بالله ... أن يصير المحب والمحبوب شيئًا واحدًا فعلاً سواء في الجوهر والفعل أي في الطبيعة والمشيئة لانعدام المشير، فلا يصير ثمة غير واحد أحد هو الكل في الكل).
وقال أيضًا في معرض تحليله لقول أبي يزيد البسطامي يخاطب الله: (كنت لي مرآة فصرت أنا المرآة): (أما وقد بلغ أبو يزيد هذه المرتبة التي تعلو فوق مقام الأنبياء، فليثب الوثبة الأخيرة ليلحق بالألوهية نهائيًا فيصير هو والله شيئًا واحدًا).
فهذا القول يكفي في إثبات كونهم ضاهوا به النصارى والروافض.
الفرق بين الحلول والاتحاد:
فلسفة الاتحاد والحلول عند الصوفية تفسر بأن للحب الإلهي ناحيتين:
إحداهما: شوق الحق إلى الخلق، وله اعتباران أو مظهران:
أ- اشتياقه إلى الظهور بعد البطون أو التقيد بعد الإطلاق.
ب- اشتياقه إلى العودة إلى الإطلاق بعد التقييد أو التجرد بعد التعيين.
стр. 821
ثانيهما: شوق الخلق إلى الخلق.
فالناحية الأولى التي يشتاق فيها الحق إلى الخلق نتيجة الحلول، والثانية التي فيها شوق الخلق إلى الحق تنتج الاتحاد، أو بعبارة أخرى: يرى الاتحادي أن المخلوق المصطفى يرتفع بنفسه ويصفو ويسمو بروحه إلى حضرة الذات العلية حتى يتحد بها، ويفنى فيها ولا يبقى له أثر، بينما يرى الحلولي أن الله تعالى يتنازل عن علياته فيحل في بعض المصطفين من عباده.
تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ولذلك كثيرًا ما نجد الاتحاديين يعبرون عن رحلتهم إلى الاتحاد بالمعراج، يقول ابن الفارض:
ومن أنا إياها إلى حيث لا إلى عرجت وعطرت الوجود برجعتي
وقال شارحه: يعني عرجت من مقام أنا: إياها ـ وهو ابتداء الاتحاد.
ومن قولهم: أنا الحق، (لا إلا إلا أنا فاعبدني) إلى أن وصلت لا مقام لا نهاية فيه، وعطر الوجود برجوعه لاتصافه بصفات الرحمن واتحاده بذات الملك الديان). فهذا هو الفرق بين الحلول والاتحاد عند الصوفية.
المذهب الثالث: مذهب وحدة الوجود:
(وهو مذهب فلسفي صوفي يوحد بين الله والعالم، ولا يقر بوجود واحد هو الله وكل ما عداه أعراض وتعينات له).
стр. 822
وصف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مذهبهم بقوله: (ويقولون: إن وجود المخلوق هو وجود الخالق، لا يثبتون موجودين خلق أحدهما الآخر، بل يقولون: الخالق هو المخلوق).
وهذا المذهب هو مذهب الاتحاد العام المشار إليه آنفاً، لا يختلفون في شيء، ولذا نجد كثيرًا من أهل العلم يطلقون على ابن عربي وابن الفارض ومن على نهجهما أنهم من أهل الاتحاد، فمرادهم الاتحاد العام الذي هو وحدة الوجود. وهذا الإطلاق كثيرًا ما نجده في عبارات شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، فأينما وجد فالمراد به الاتحاد العام لا الخاص، ويبدو أن الشيخ عبد الرحمن الوكيل لم ينتبه بهذا المعنى فاستدرك كثيرًا على من أطلق لفظ الاتحاد على أهل وحدة الوجود. كما أن الدكتور عبد القادر محمد لم يفقه هذا المعنى، حيث ذهب يتهم ابن تيمية بالخلط بين معنى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود. فلو فقه أن للاتحاد معنيين، لبان له الحق ولم يقل ما قال.
ويمكن تلخيص الفرق التي تندرج في هذا النوع من الشرك فيما يلي:
١ - أصحاب الحلول.
٢ - أصحاب الاتحاد.
٣ - أصحاب الاتحاد العام أصحاب وحدة الوجود.
وكل من الحلول والاتحاد الخاص يقضيان وجود شيئين في الأصل، حل الأعلى منهما في الأدنى أو اتحد الأدنى منهما بالأعلى.
وأصحاب الاتحاد العام هو أصحاب وحدة الوجود. وحقيقتها: أنه لا
стр. 823
وجود لغير الله في العالم جملة وتفصيلاً.
فهذه الفرق الثلاث سنتكلم عليها في الفروع الآتية بمشيئة الله.
الفرع الأول: الحلوليون:
لقد وقع في هذا النوع من الشرك جملة من الفرق والطوائف الموجودة في العصر الحديث، من أشهرهم:
أولاً: بعض الفرق الباطنية المعاصرة، ومن أبرزها.
أ- البهرة بفرعيها السليماني والداودي: حيث يعتقدون أن الإله متجسد في زعيمهم شخصيًا.
ب- كما أن القرامطة كانوا يقولون: الخالق يجب أن يتجسد في صورة بشرية، فيعبدون بذلك إلهًا يعرفونه. والإمام هو الذي تجسد فيه الإله.
ج- كما يعتقد الدروز أن الحاكم بأمر الله: الحاكم العبيدي، له حقيقتان: حقيقة لاهوتية لا تدرك بالحواس ولا بالأوهام ولا تعرف بالرأي، وله حقيقة ناسوتية تظهر كيف شاء في أي صورة شاء.
د- كما يعتقد النصيرية حلول الإله في علي بن أبي طالب ﵁.
هـ- البابية والبهائية يعتقدون في البهاء حسين علي المازندراني: أن الله
стр. 824
حلَّ فيه، وإنما ظهر البهاء في صورة البشر ليتمكن من ترشيد الناس وإصلاحهم إلى الحق ـ كما يزعمون ـ.
ثانياً: بعض النحل المعاصرة، منها:
أ- القاديانية: لأنهم يعتقدون حلول الله في غلام أحمد القادياني، وادَّعاه هذا الكاذب لنفسه في كتبه.
ب- الروحية الحديثة: حيث إن من اعتقادهم: (أنهم في الله وأن الله فيهم).
فهذه هي الطوائف التي أشركت بالله جل وعلا في الربوبية بتعطيل الصانع عما يجب له من حقيقة التوحيد، وذلك بقولهم بالحلول، وسيأتي فيما بعد ذكر الطوائف الأخرى، ولكنها تستند ـ فيما تزعم ـ بأدلة شرعية أو عقلية. أما هؤلاء فلم يذكروا في اعتقادهم هذا في الله أيَّ دليل أو شبهة لا من الشرع ولا من العقل، وإنما يذكرونه كدعوى تقرير.
١ - إن هذا الاعتقاد أصلاً مستقي من الفلسفة اليونانية، وهي عنصر رئيس في الفلسفة الهندية، والمسيحية استمدت هذه الفكرة من الهندوكية.
стр. 825
٢ - يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: (إن هذا القول ـ الحلول والتجسيد ـ كفر صريح باتفاق المسلمين، ... فإذا قيل: ظهر في صورة إنسان وتجلى فيه، فإن اللفظ يصير مشتركًا بين أن تكون ذاته فيها، وأن تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها وكلاهما باطل، فإن ذات الله ليست في المخلوقات، ولا في نفس ذاته ترى المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة).
٣ - قال الرازي: (إن المعقول من حلول الشيء في غيره كون هذا الحالّ تبعًا لذلك المحل في أمر من الأمور، وواجب الوجود لذاته يمتنع أن يكون تبعًا لغيره، فوجب أن يمتنع عليه الحلول).
٤ - (إنه تعالى لا يجوز أن يحل في غيره، وذلك لأن الحلول هو الحصول على سبيل التبعية وأنه ينفي الوجوب الذاتي، وأيضًا: لو استغنى عن المحل لذاته لم يحل فيه، إذ لابد في الحلول من حاجة، ويستحيل أن يعرض للغني بالذات ما يحوجه إلى المحل، لأن ما كان غنيًا لا يزول بالغير، ولا احتاج إليه: أي إلى المحل لذاته، فإن الاستغناء عدم الاحتياج ولا واسطة بينهما، ولزم حينئذ مع حاجة الواجب قدم المحل، فيلزم محالات معًا).
٥ - إن الحلول محال ولا يمكن تصوره بين عبدين، فكيف يمكن تصوره بين العبد وربه؟ .
стр. 826
٦ - (إن القديم يختلف عن الحادث لاختلاف الماهية في كل منهما، وهذا الاختلاف يوجب استحالة حلول القديم في الحادث.
٧ - كما أن الله واجب الوجود، وهذا الوصف ينفي الحلول، لأنه في حالة حدوثه يصبح الحالّ تبعًا لما حل فيه، وكما يصبح معلولاً لهذا المحل ومتأثرًا به، بل إن ليصبح في غير الإمكان تصور الحال إلا بتصور المحل، إذن ينتفي الحلول في هذه المرة كما استحال في الأولى).
من الطوائف الأخرى التي وقعت في هذا النوع من الشرك، والتي تزعم أن لديها مستند من الشرع أو العقل ما يلي:
ثالثاً: الجهمية: حيث ادعوا أن الله في كل مكان، ونفوا كونه على عرشه. وبهذا وقعوا في الحلول العام. ويقال لهم: الجهمية الحلولية، غلب على عُبَّادهم وصوفيتهم وعامتهم من شبهاتهم في هذا الباب:
١ - قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
٢ - قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ).
٣ - قوله تعالى: (وهو معكم أين ما كنتم).
стр. 827
الردود على هذه الافتراءات:
كل من آمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا يعرف قبح هذا القول بفطرته السليمة، وذلك لما يترتب على اعتقاد مثل هذا القول من مفاسد عظيمة بأبى القلب تصورها، فضلاً أن يكون هذا صحيحًا في حقيقة الأمر، فمن اعتقد أن ربه في كل مكان يستلزم أن يكون في القاذورات والنجاسات والحمامات ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ.
أما بالنسة لاستدلالاتهم ببعض الآيات القرآنية فإنني سأكتفي بنقل بعض الردود العلمية من الأئمة الكبار في هذا الشأن:
أولها: ردُّ الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ:
قال الإمام أحمد: (بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على عرشه). فقلنا: لِمَ أنكرتم أن يكون الله على العرش؟ وقد قال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).
فقالوا: هو تحت الأرض السابعة، كما هو على العرش، فهو على العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كل مكان، وتلوا آية من القرآن: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ).
فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء.
فقالوا: أيَّ مكان؟
فقلنا: أجسامكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن
стр. 828
القذرة ليس فيها من عظمة الرب شيء، وقد أخبرنا أنه في السماء).
وساق الإمام بعض الآيات الدالة على أن الله في السماء عاليًا على خلقه، ثم قال: (وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس كان مكانه، والشياطين مكانهم، فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد.
وإنما معنى قول الله جل ثناؤه: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ). يقول: هو إله من في السموات، وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان. فذلك قوله: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً).
وقال: من الاعتبار في ذلك: لوأن رجلاً كان في يديه قدح من قوارير صاف، وفيه شراب صاف، لكان نظر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح. والله ـ وله المثل الأعلى ـ قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه.
وخصلة أخرى: لو أن رجلاً بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيتًا في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله ـ وله المثل الأعلى ـ قد أحاط بجميع ما خلق، وعلم كيف هو؟ وما هو؟ من غير أن يكون في شيء مما خلق، ـ ثم قال: ـ وما تأول الجهمية من قول الله : (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ)؟
стр. 829
فقالوا: إن الله معنا وفينا. فقلنا: الله جل ثناؤه يقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، ثم قال: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ)؛ يعني الله بعلمه (وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا) يعني الله بعلمه (هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) يعني بعلمه فيهم (أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، بفتح الخبر بعلمه وبختم الخبر بعلمه.
ويقال للجهمية: إن الله إذا كان معنا بعظمة نفسه فقل له: هل يغفر الله لكم فيما بينه وبين خلقه؟
فإن قال: نعم، فقد زعم أن الله بائن من خلقه دونه، وإن قال: لا، كفر.
وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان، فقل: أليس الله كان ولا شيء؟
فيقول: نعم.
فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا عن نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لابد له من واحد منها:
إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين نفسه.
وإن قال: خلقهم خارجًا ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر حين زعم أنه دخل في مكان رجس وقذر ورديء.
وإن قال: خلقهم خارجًا ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع، وهو قول أهل السنة).
стр. 830
ثانيها: رد الإمام عثمانم بن سعيد الدارمي:
حيث قال ردًا على الحلولية ومنكرًا عليهم مقولتهم: (أرأيتم إذا قلتم: هو في كل مكان، وفي كل خلق، أكان الله إلهًا واحدًا قبل أن يخلق الخلق والأمكنة؟ قالوا: نعم.
قلنا: فحين خلق الخلق والأمكنة، أقدر أن يبقى كما كان في أزليته في غير مكان؛ فلا يصير في شيء من الخلق والأمكنة التي خلقها بزعمكم، أو لم يجد بدًا من أن يصير فيها، أو لم يستغن عن ذلك؟
قالوا: بلى.
قلنا: فما الذي دعا الملك القدوس إذ هو على عرشه في عزه وبهائه بائن من خلقه أن يصير في الأمكنة القذرة، وأجواف الناس، والطير والبهائم؟ ... لقد شوهتم معبودكم إذا كانت هذه صفة، والله أعلى وأجل من أن تكون هذه صفته، فلابد من أن تأتوا ببرهان بيّن على دعواكم من كتاب ناطق أو سنة ماضية، أو إجماع من المسلمين، ولن تأتوا بشيء منه أبدًا.
ثم قال: فاحتج بعضهم فيه بكلمة زندقة أستوحش من ذكرها، وتستر آخر من زندقة صاحبه، فقال: قال الله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
стр. 831
قلنا: هذه الآية لنا عليكم، لا لكم، إنما يعني أنه حاضر كل نجوى، ومع كل أحد من فوق العرش بعلمه، لأن علمه بهم محيط، وبصره فيهم نافذ، لا يحجبه شيء عن علمه وبصره، ولا يتوارون منه بشيء، وهو بكماله فوق العرش بائن من خلقه (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)، أقرب إلى أحدهم من فوق العرش من حبل الوريد، قادر على أن يكون له ذلك، لأنه لا يبعد عنه شيء ولا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض، فهو كذلك رابعهم وخامسهم وسادسهم، لا أنه معهم بنفسه في الأرض كما ادعيتم، وكذلك فسرته العلماء.
فقال بعضهم: دعونا من تفسير العلماء، إنما احتججنا بكتاب الله، فأتوا بكتاب الله.
قلنا: نعم، هذا الذي احتججتم به هو حق، كما قال الله ، وبها نقول على المعنى الذي ذكرنا، غير أنكم جهلتم معناها، فضللتم عن سواء السبيل، وتعلقتم بوسط الآية، وأغفلتم فاتحتها وخاتمتها، لأن الله افتتح الآية بالعلم بها، وختمها به، فقال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ). الآية، ففي هذا دليل على أنه أراد العلم بهم وأعمالهم، لا أنه في كل مكان معهم كما زعمتم. فهذه حجة بالغة لو عقلتم).
ثالثها: ردّ المحدث محمد بن الحسين الآجري:
стр. 832
حيث قال ـ رحمه الله تعالى ـ محذرًا من مذهب الحلولية:
(أما بعد، فإني أحذر إخواني المؤمنين مذهب الحلولية، الذي لعب بهم الشيطان فخرجوا بسوء مذهبهم عن طريق أهل العلم إلى مذاهب قبيحة لا تكون إلا في مفتون هالك.
زعموا: أن الله حالٌ في كل شيء حتى أخرجهم سوء مذهبهم إلى أن تكلموا في الله بما تنكره العلماء العقلاء، لا يوافق قولهم كتاب ولا سنة وقول الصحابة ﵃ ولا قول أئمة المسلمين، وإني لأستوحش أن أذكر قبيح أفعالهم تنزيهًا مني لجلال الله الكريم وعظمته كما قال ابن المبارك: (إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع نحكي كلام الجهمية) ثم إنهم إذا أنكروا عليهم سوء مذهبهم قالوا: لنا حجة من كتاب الله . وإذا قيل لهم: ما الحجة؟
قالوا: قال الله في كتابه في سورة المجادلة: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ) الآية، وبقوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
стр. 833
فلبَّسوا على السامع منهم بما تأولوا، فسروا القرآن على ما تهوى أنفسهم فضلوا وأضلوا، فمن سمعهم ممن جهل العلم ظن أن القول كما قالوا، وليس هو كما تأولوه عند أهل العلم.
والذي يذهب إليه أهل العلم: أن الله على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط علمه في جميع ما خلق .. وهو على عرشه سبحانه الأعلى، ترفع إليه أعمال العباد، وهو أعلم بها من الملائكة الذين يرفعونها بالليل والنهار).
ثم قال: (فإن قال قائل: فأين معنى قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ). الآية التي بها يحتجون؟
قيل له: علمه ، والله على عرشه وعلمه محيط بهم، وبكل شيء من خلقه، كذا فسره أهل العلم، والآية تدل أولها وآخرها على أنه العلم.
فإن قال قائل: كيف؟
قيل: قال الله : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) فابتدأ الله الآية بالعلم وختمها بالعلم، فعله محيط بجميع خلقه وهو على عرشه، وهذا من قول المسلمين).
هذه بعض أقوال السلف في الرد على الجهمية، وكل عاقل يدرك بفطرته النقية بطلان هذا القول لمخالفته الحق والصواب الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وعقلائها.
стр. 834
ثم إن هذه الأقوال السلفية كما أنها ردٌّ على الجهمية الحلولية القائلين بالحلول المطلق العام هكذا تصلح ردًّا على المتصوفة ـ الآتي ذكرهم ـ القائلين بالحلول المقيد الخاص. لهذا أطلت في نقل هذه الردود كي تكون ردًّا على كلتا الطائفتين الحلوليتين، إذ الشبهات هي هي، وإن اختلف القائلون بها.
رابعًا: بعض المتصوفة:
هناك بعض المتصوفة المنتسبة إلى الإسلام قد قالوا بالحلول الخاص والمقيد، ووقعوا في هذا النوع من الشرك، وما زال بعض الناس يزعمون أن هؤلاء المتصوفة الحلوليين من علماء هذه الأمة وعظمائها، وتنبيهًا على هذا الخطأ ونصحًا للأمة سأورد هنا بعض هؤلاء المتورطين في القول بالحلول، ونماذج من أقوالهم. ولكن قبل أن ندخل في بيان أقوال هؤلاء المتصوفة يحسن بنا أن نتعرف على الصوفية والمتصوفة ومستقاها في عقائدها وأفكارها.
التعريف بالتصوف والمتصوفة:
هذه الكلمة (التصوف) اختلف في اشتقاقها اللغوي اختلافاً عجيباً، كما اختلف في ذكر معناها الاصطلاحي اختلافًا غريبًا، وإنني فيما يلي سأذكر أصح ما عندي من هذه الأقوال والآراء:
التصوف أصل تسميته من الصوف، حيث ذهب غالب المتصوفة المتقدمين والمتأخرين إلى أن الصوفي منسوب إلى لبس الصوف، واختاره
стр. 835
جمع من أهل السنة الذين صنفوا في الرد على التصوف، كابن خلدون، وابن تيمية.
أما في اصطلاح الصوفية، فقد وجد لديهم عبارات تفوق المئات بل الآلاف في تحديد هذا المصطلح، ولعل أصح ما قال فيه أحد متأخريهم: (إنه لم ينته الرأي فيه إلى نتيجة حاسمة بعد).
ومن الطريف أنهم يرجعون ذلك إلى عظمة قدر التصوف والصوفية حيث إن التصوف ـ كما يحلله هؤلاء ـ لا تدرك أغواه ولا تبلغ أبعاده، إذ هو مادة جميع العلوم والفنون، فيفوق الحدود والضوابط، ولا يقدر أحد أن يجمع كل جوانبه في ألفاظ قليلة حاصرة، بل غاية أمر المتعرض لتعريفه وحده أن يعبر عما أدركه هو في التصوف، وما رآه من مقامات الرجال وأحوالهم، فكل يعبر عن حاله وذوقه ومشاهداته التي يزعمها.
وهذه النزعة الباطنية تهدف ـ بلا ريب ـ إلى فتح طرق ومسالك ينفذ منها أهل التصوف إلى سن طرق ومخارج جديدة في البدعة كلما شدد عليهم الخناق.
فهم لا يريدون أن يكون التصوف مما يضبط بضوابط معينة، ويحدُّ بحدود معلومة، بل يريدونه شعاباً وأوعارًا لا تحد ولا تحصى، فمتى اكتشف الناس أن شعباً ما يؤدي إلى مخالفة الكتاب والسنة فتحوا شعباً آخر أكثر إيغالاً في
стр. 836
الوعورة والحزونة، ولا شك أنهم لو حدوا التصوف حدًا جامعًا، وقيدوه بالكتاب والسنة لأدى ذلك إلى كشف زيف ما يظهرونه من أمور تخدع الساذج والمغفل.
وهذا الأمر هو الظاهر في عدم تعريفهم التصوف تعريفًا واحدًا جامعًا مانعًا، فليس في تناقض أقوالهم وعدم تعريف التصوف بتعريف جامع مانع أي عظمة قدر لهم كما يزعمون.
نشأة التصوف:
إذا تتبعنا كتب التاريخ التي كتبت عن نشأة الفرق في الإسلام فإننا سنجد بأن أول بوادر ظهور التصوف وبروزه ظاهرة معروفة بهذا الاسم ولها تعاليم خاصة بها ومدرسة وتلاميذ تربيهم خاصة تختلف مع التربية العامة التي يسلكها أهل السنة والجماعة في تربية الأجيال المسلمة، كان في القرن الثاني الهجري، وذلك نتيجة توسع الفتوحات الإسلامية واختلاط الشعوب المتنوعة المختلفة في عقائدها وأجناسها ولغاتها، ولذا لا يستبعد أن يكون بعض من المسلمين تأثروا بالعقائد التي كانت موجودة وسائدة هناك، خاصة وأن التصوف كان معروفًا قبل الإسلام في الأمم الماضية وبالأخص في بلاد فارس والهند، وكان من مصادره الديانة النصرانية المنحرفة، وبعض الديانات الوضعية؛ كالهندوسية والبوذية، واليونانية الوافدة.
стр. 837
المقصود بالمتصوفة في هذا الباب:
المتصوفة على أقسام عدة كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وذكره الرازي أيضًا في بعض مصنفاته. والمقصود من هذه الأقسام عندنا ما يلي:
١ - المتصوفة الحلولية: وهم القائلون بحلول الله في بعض مخلوقاته.
٢ - المتصوفة الوجودية: وهم القائلون بوحدة الوجود.
٣ - المتصوفة الإباحية: وهم القائلون بسقوط التكاليف وإباحة المحرمات.
٤ - المتصوفة القبورية: وهم الداعون إلى دعاء الأنبياء والأولياء أحياءً وأمواتًا، من دون الله أو مع الله، والمستغيثون بهم، والطالبون لكشف الكربات وقضاء الحاجات منهم.
ولما كان هدفنا هنا بيان المشركين بالله جل وعلا في الربوبية بتعطيل حقيقة ما يجب على العبد من التوحيد، فإننا سوف نتناول فيما يلي: المتصوفة الحلولية، والمتصوفة الوجوية (أصحاب الوحدة والاتحاد). راجياً أن يكون الكلام على المتصوفة القبوبية في المبحث الثاني ـ بمشيئة الله ـ وأما المتصوفة الإباحية فهم مندرجون تحت شرك تعطيل الرب ج وعلا في كماله المقدس بتعطيل أفعاله، وقد سبق الكلام عليه.
المتصوفة الحلولية والوجودية قديمًا وحديثاً:
ولعل أول من قال بالحلول من المتصوفة في الإسلام هو الحلاج، فمن
стр. 838
أقواله في هذا الباب:
مزجت روحك في روحي كما ... تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسّك شيء مستني ... فإذا أنت أنا في كل حال
ويقول أيضًا:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... ليس في المرآة شيء غيرنا
قدسها المنشد إذ أنشده ... نحن روحان حللنا بدنا
لا أناديه ولا أذكره ... إن ذكري وندائي يا أنا
وأما الاتحاد: فلعل أول من قال به في الإسلام من المتصوفة: أبو يزيد البسطامي، ومن أقواله في هذا البا:
(من ثلاثين سنة كان الحق مرآتي، فصرت اليوم مرآة نفسي، لأني لست الآن من كنته، وفي قولي: أنا والحق إنكار لتوحيد الحق؛ لأني عدم محض).
فهما رائدان من رواد الحلول والاتحاد، قد تبعهما كثير من المتصوفة، فمن هؤلاء:
١ - الشبلي: حيث قال هو بنفسه: (أنا والحلاج في شيء واحد، خلصني جنوني وأهلكه عقله).
٢ - الغزالي: وذلك؛ أنه قسم التوحيد أربع مراتب:
стр. 839
الأولى: أن يقول الإنسان بلسانه: (لا إله إلا الله) وقلبه غافل عنه، أو منكر له كتوحيد المنافقين.
الثانية: أن يصدق بمعنى اللفظ كما صدق به عموم المسلمين وهو اعتقاد العوام.
الثالثة: أن يشاهد ذلك بطريقة الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك؛ بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار.
الرابعة: أن لا يرى في الوجود إلا واحدًا، وهي مشاهدة الصديقين، وتسمية الصوفية: الفناء في التوحيد؛ لأنه من حيث لا يرى إلا واحدًا فلا يرى نفسه أيضًا، وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقاً بالتوحيد كان فانيًا عن نفسه في توحيده ... .
٣ - ابن الفارض: ويدل عليه ما جاء في تائيته:
إليَّ رسولاً كنت مني مرسلاً ... وذاتي بآياتي علي استدلت
وقوله أيضًا:
تحققت أني في الحقيقة واحد ... وأثبت صحو الجمع محو التشتت
٤ - ابن عربي الملقب عند المتصوفة بالشيخ الأكبر:
ويدل عليه كثير من كتبه، وبالخصوص: فصوصه. والذي جاء فيه:
(فكل ما ندركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات. فمن حيث
стр. 840
هوية الحق هو وجوده، ومن حيث اختلاف الصورة فيه هو أعيان الممكنات).
٥ - ابن سبعين: ومن الأقوال الدالة على كونه من أصحاب وحدة الوجود ما يلي:
قوله: (فإن عرفته في كل شيء عين كل شيء لا الصورة المتعينة لم تجهله في صورة أصلاً).
٦ - العفيف التلمساني ـ الفاجر ـ: والذي يدل على أنه كان من أصحاب وحدة الوجود:
ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية ـ (مر التلمساني ومعه شخص بكلب، فركضه الآخر برجله، فقال: لا تركضه، فإنه منه).
٧ - أبو الحسن الشاذلي: شيخ الطريقة الشاذلية المعروفة حيث قال:
(من أطاعني في كل شيء بهجرانه لكل شيء أطعته في كل شيء بأن أنجلي له في كل شيء حتى يراني أقرب إليه من كل شيء، هذه هي طريق أولى، وهي طريق السالكين، وطريق كبرى، من أطاعني في كل شيء، بإقباله على كل
стр. 841
شيء لحسن إرادة مولاه في كل شيء أطعته في كل شيء بأن أنجلي له في كل شيء حتى يراني كأني عين كل شيء).
٨ - النابلسي الحنفي: حيث كان هو من أكثر الناس دفاعًا عن عقيدة وحدة الوجود.
ومما يدل عليه صراحة كتابه: (جواب عبد الغني)، وقد جاء فيه في تفسير قوله تعالى: (وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). أي: الذين ألهاهم التكاثر، أي: التكاثر عن الوحدة، حتى زاروا المقابر، أي حتى ماتوا على كثرة أعيانهم ولم يرجعوا إلى العين الوحدة).
٩ - التجاني: من أقواله في وحدة الوجود:
(كذلك صاحب اليقين سلبه الله صورة الغير والغيرية ولم يبق في حسه وشهوده وإدراكاته وذوقه إلا الحق محضًا من كل وجه وبكل اعتبار، كما قال بعض العارفين:
стр. 842
فلم يبق إلا الله لا شيء غيره ... فما ثم موصول ولا ثم بائن
وقال أيضًا: (فكل عابد أوساجد لغير الله في الظاهر فما عبد ولا سجد إلا لله تعالى، لأنه هو المتجلي في تلك الألباس ... ).
١٠ - أشرف علي التهانوي الديوبندي الحنفي الملقب عند أغلب الأحناف بحكيم الأمة: حيث قال نقلاً عن الشيخ إمداد الله: (قيل لموحد: إذا كان الحلوي والخرء شيئًا فكل الحلوى والخرء جميعاً، فجعل هذا الموحد شكله شكل الخنزير، فأكل الخرء، ثم حول نفسه من صورة الخنزير إلى صورة الآدمي، فأكل الحلوى).
فعلق عليه أشرف علي التهانوي بقوله: (إن هذه المعترض على هذا الموحد كان غبيًا، ولذلك تكلف هذا الموحد هذا التصرف، وإلا فالجواب ظاهر، وهو أن الحلوى والخرء متحدان في الحقيقة لا في الأحكام والآثار).
١١ - الشيخ إمداد الله: إمام الديوبندية الحنفية وشيخهم الأول في التصوف: حيث قال: (أعجبني بعض الأمور الطيبة في الحرمين:
منها: عقيدة وحدة الوجود انتشرت كثيرًا في الناس وارتكزت فيهم حتى الأطفال ... ).
نقول: لقد كان هذا ـ إن صح قوله ـ في عصر الظلمات قبل قيام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بدعوته السلفية، نحمد الله عز وجل
стр. 843
الذي أزال عن هذه الديار تلك الخبائث والرذائل والشرك والكفر والبدع بمثل هذا المجدد، وأقرت عيون السلفية بدعوته المباركة.
١٢ - البريلوي: حيث زعم: أن الرسول ﷺ جزء من نور الله، وأن الكون إنما هو من نوره ﷺ ، حتى وصل الأمر إلى كون المخلوق جزءًا من الخالق. أقول: وليس هذا إلا عقيدة وحدة الوجود.
فهذه نماذج من شرك المتصوفة بتعطيل الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
وهو اسم لثلاثة فروع:
١ - الحلول: وقد سبق الرد عليه عند الرد على الجهمية الحلولية.
٢ - الاتحاد الخاص: وسيكون الكلام في الرد عليه في النوع الثاني.
٣ - وحدة الوجود أو الاتحاد العام: وسيرد على هذا الاعتقاد في الفرع الثالث.
فإن قيل: ما وجه ذكر هؤلاء المتصوفة في العصر الحاضر، وقد ماتوا وفاتوا وبادوا؟
يقال: لا عبرة بكونهم قد مضوا، بل العبرة بوجود أفكارهم بعد موتهم أيضًا: فهؤلاء الذين ذكرتهم الآن ـ وسيأتي ذكر الآخرين منهم ـ إنما ذكرتهم لسببين اثنين:
стр. 844
الأول: إن أفكار هؤلاء الأساطين موجودة برمتها عند المتصوفة بدون أي تعديل، بل ربما تطورت إلى أودية وشعاب.
الثاني: إن هؤلاء المشايخ هم مشايخ التصوف في القديم، ومشايخ التصوف في الحاضر، فما من متصوف إلا وهو يبجل هؤلاء المذكورين، ويذكرهم بأنهم أولياء الله، فلينظر العاقل إلى نفسه، بأنه لو كان الأمر في المشايخ والأساطين هكذا ـ بأنهم مبتلون بالشرك بالله، فما بال أتباعهم؟ .
الفرع الثاني: الاتحاديون، والردود عليهم:
أما الاتحاد فيمكن أن يجاب عنه بما يلي:
١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: (الخالق والمخلوق إذا اتحدا، فإن كانا بعد الاتحاد اثنين ـ كما كان قبل الاتحاد ـ فذلك تعدد وليس اتحاد، وإن كانا استحالا إلى شيء ثالث كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد ... لزم من ذلك أن يكون الخالق قد استحال وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره فإنه لابد أن يستحيل، وهذا ممتنع على الله تعالى منزه عنه، لأن الاستحالة تقتضي عدم ما كان موجودًا، والرب تعالى واجب الوجود بذاته، وصفاته اللازمة له صفات كمال، فعدم شيء منها نقص يتعالى الله عنه، ولأن اتحاد المخلوق بالخالق يقتضي أن العبد متصف بالصفات القديمة اللازمة لذات الرب، وذلك ممتنع على العبد المحدَث المخلوق، فإن العبد يلزمه الحدوث والافتقار والذل، والرب تعالى يلازمه القدم والغنى والعزة، وهو ـ سبحانه ـ قديم غني عزيز يستحيل عليه نقيض ذلك، فاتحاد أحدهما بالآخر: يقتضي أن يكون الرب متصفًا بنقيض صفاته من الحدوث والفقر
стр. 845
والذل، والعبد متصفًا بنقيض صفاته من القدم والغنى الذاتي، وكل ذلك ممتنع).
٢ - أن يقال في الرد عليهم: إن هذا القول ليس له دليل من الشرع ولا مستند من العقل، بل هذه عقيدة دخيلة في الإسلام من الديانة الهندوسية والديانة النصرانية، وكفى كون هذه العقيدة من هاتين الديانتين أن تكون باطلة.
الفرع الثالث: أصحاب وحدة الوجود:
سبق معنا بيان المقصود بأصحاب وحدة الوجود، بأنه لم يذهب إلى هذا المذهب إلا بعض المتصوفة. وفيما يلي بعض الردود على أفكارهم وآرائهم.
١ - إن هذا الاعتقاد من الاعتقادات الدخيلة في الإسلام، حيث إنه لا دليل له من الشرع ولا مستند له من العقل، وإنما يوجد مثل هذا الاعتقاد في الديانة الهندوسية، وبعض الديانات المنحرفة.
٢ - وقد ناقش شيخ الإسلام هذا المذهب وبين أنه يقوم على أصلين هما:
أ- أن المعدوم ثابت في العدم.
ب- وجود الأعيان نفس وجود الحق.
أما الأصل الأول: فقد نشأ عند ابن عربي من علم الله الأشياء قبل إيجادها، فرأى أنها لابد أن تكون ثابتة في العدم، وإلا لما علمت وتعلق بها العلم.
следующие страницы →