← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

شيء لحسن إرادة مولاه في كل شيء أطعته في كل شيء بأن أنجلي له في كل شيء حتى يراني كأني عين كل شيء). ٨ - النابلسي الحنفي: حيث كان هو من أكثر الناس دفاعًا عن عقيدة وحدة الوجود. ومما يدل عليه صراحة كتابه: (جواب عبد الغني)، وقد جاء فيه في تفسير قوله تعالى: (وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). أي: الذين ألهاهم التكاثر، أي: التكاثر عن الوحدة، حتى زاروا المقابر، أي حتى ماتوا على كثرة أعيانهم ولم يرجعوا إلى العين الوحدة). ٩ - التجاني: من أقواله في وحدة الوجود: (كذلك صاحب اليقين سلبه الله صورة الغير والغيرية ولم يبق في حسه وشهوده وإدراكاته وذوقه إلا الحق محضًا من كل وجه وبكل اعتبار، كما قال بعض العارفين:

стр. 842

فلم يبق إلا الله لا شيء غيره ... فما ثم موصول ولا ثم بائن وقال أيضًا: (فكل عابد أوساجد لغير الله في الظاهر فما عبد ولا سجد إلا لله تعالى، لأنه هو المتجلي في تلك الألباس ... ). ١٠ - أشرف علي التهانوي الديوبندي الحنفي الملقب عند أغلب الأحناف بحكيم الأمة: حيث قال نقلاً عن الشيخ إمداد الله: (قيل لموحد: إذا كان الحلوي والخرء شيئًا فكل الحلوى والخرء جميعاً، فجعل هذا الموحد شكله شكل الخنزير، فأكل الخرء، ثم حول نفسه من صورة الخنزير إلى صورة الآدمي، فأكل الحلوى). فعلق عليه أشرف علي التهانوي بقوله: (إن هذه المعترض على هذا الموحد كان غبيًا، ولذلك تكلف هذا الموحد هذا التصرف، وإلا فالجواب ظاهر، وهو أن الحلوى والخرء متحدان في الحقيقة لا في الأحكام والآثار). ١١ - الشيخ إمداد الله: إمام الديوبندية الحنفية وشيخهم الأول في التصوف: حيث قال: (أعجبني بعض الأمور الطيبة في الحرمين: منها: عقيدة وحدة الوجود انتشرت كثيرًا في الناس وارتكزت فيهم حتى الأطفال ... ). نقول: لقد كان هذا ـ إن صح قوله ـ في عصر الظلمات قبل قيام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بدعوته السلفية، نحمد الله عز وجل

стр. 843

الذي أزال عن هذه الديار تلك الخبائث والرذائل والشرك والكفر والبدع بمثل هذا المجدد، وأقرت عيون السلفية بدعوته المباركة. ١٢ - البريلوي: حيث زعم: أن الرسول ﷺ جزء من نور الله، وأن الكون إنما هو من نوره ﷺ ، حتى وصل الأمر إلى كون المخلوق جزءًا من الخالق. أقول: وليس هذا إلا عقيدة وحدة الوجود. فهذه نماذج من شرك المتصوفة بتعطيل الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. وهو اسم لثلاثة فروع: ١ - الحلول: وقد سبق الرد عليه عند الرد على الجهمية الحلولية. ٢ - الاتحاد الخاص: وسيكون الكلام في الرد عليه في النوع الثاني. ٣ - وحدة الوجود أو الاتحاد العام: وسيرد على هذا الاعتقاد في الفرع الثالث. فإن قيل: ما وجه ذكر هؤلاء المتصوفة في العصر الحاضر، وقد ماتوا وفاتوا وبادوا؟ يقال: لا عبرة بكونهم قد مضوا، بل العبرة بوجود أفكارهم بعد موتهم أيضًا: فهؤلاء الذين ذكرتهم الآن ـ وسيأتي ذكر الآخرين منهم ـ إنما ذكرتهم لسببين اثنين:

стр. 844

الأول: إن أفكار هؤلاء الأساطين موجودة برمتها عند المتصوفة بدون أي تعديل، بل ربما تطورت إلى أودية وشعاب. الثاني: إن هؤلاء المشايخ هم مشايخ التصوف في القديم، ومشايخ التصوف في الحاضر، فما من متصوف إلا وهو يبجل هؤلاء المذكورين، ويذكرهم بأنهم أولياء الله، فلينظر العاقل إلى نفسه، بأنه لو كان الأمر في المشايخ والأساطين هكذا ـ بأنهم مبتلون بالشرك بالله، فما بال أتباعهم؟ . الفرع الثاني: الاتحاديون، والردود عليهم: أما الاتحاد فيمكن أن يجاب عنه بما يلي: ١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: (الخالق والمخلوق إذا اتحدا، فإن كانا بعد الاتحاد اثنين ـ كما كان قبل الاتحاد ـ فذلك تعدد وليس اتحاد، وإن كانا استحالا إلى شيء ثالث كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد ... لزم من ذلك أن يكون الخالق قد استحال وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره فإنه لابد أن يستحيل، وهذا ممتنع على الله تعالى منزه عنه، لأن الاستحالة تقتضي عدم ما كان موجودًا، والرب تعالى واجب الوجود بذاته، وصفاته اللازمة له صفات كمال، فعدم شيء منها نقص يتعالى الله عنه، ولأن اتحاد المخلوق بالخالق يقتضي أن العبد متصف بالصفات القديمة اللازمة لذات الرب، وذلك ممتنع على العبد المحدَث المخلوق، فإن العبد يلزمه الحدوث والافتقار والذل، والرب تعالى يلازمه القدم والغنى والعزة، وهو ـ سبحانه ـ قديم غني عزيز يستحيل عليه نقيض ذلك، فاتحاد أحدهما بالآخر: يقتضي أن يكون الرب متصفًا بنقيض صفاته من الحدوث والفقر

стр. 845

والذل، والعبد متصفًا بنقيض صفاته من القدم والغنى الذاتي، وكل ذلك ممتنع). ٢ - أن يقال في الرد عليهم: إن هذا القول ليس له دليل من الشرع ولا مستند من العقل، بل هذه عقيدة دخيلة في الإسلام من الديانة الهندوسية والديانة النصرانية، وكفى كون هذه العقيدة من هاتين الديانتين أن تكون باطلة. الفرع الثالث: أصحاب وحدة الوجود: سبق معنا بيان المقصود بأصحاب وحدة الوجود، بأنه لم يذهب إلى هذا المذهب إلا بعض المتصوفة. وفيما يلي بعض الردود على أفكارهم وآرائهم. ١ - إن هذا الاعتقاد من الاعتقادات الدخيلة في الإسلام، حيث إنه لا دليل له من الشرع ولا مستند له من العقل، وإنما يوجد مثل هذا الاعتقاد في الديانة الهندوسية، وبعض الديانات المنحرفة. ٢ - وقد ناقش شيخ الإسلام هذا المذهب وبين أنه يقوم على أصلين هما: أ- أن المعدوم ثابت في العدم. ب- وجود الأعيان نفس وجود الحق. أما الأصل الأول: فقد نشأ عند ابن عربي من علم الله الأشياء قبل إيجادها، فرأى أنها لابد أن تكون ثابتة في العدم، وإلا لما علمت وتعلق بها العلم.

стр. 846

وهذه شبهة واهية، لأن علم الله الشيء لا يستلزم ثبوته في العدم، فالإنسان يعلم الموجود والمعدوم الممكن والمعدوم المستيحل ... فهذه أمور نتصورها نوع تصور، ولا يكون لها ثبوت في الخارج، فثبوت الشيء في العلم والتقدير ليس ثبوتًا لعينه في الخارج ... والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف، أن المعدوم ليس في نفسه شيئًا، وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء واحد. وأما الأصل الثاني: وهو قولهم: إن وجود الأعيان نفس وجود الحق وعينه، فقد ذكر شيخ الإسلام: أن هذا الأصل انفردا به عن جميع مثبتة الصانع من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين، وأن هذا هو حقيقة قول فرعون والقرامطة المنكرين لوجود الصانع. فمن فهم هذا فهم جميع كلام ابن عربي نظمه ونثره وما يدعيه من أن الحق يغتذي بالخلق، لأن وجود الأعيان معتمد بالأعيان الثابتة في العدم، ولهذا يقول بالجمع من حيث الوجود، وبالفرق من حيث الماهية والأعيان، ويزعم أن هذا هو سر القدر، لأن الماهيات لا تقبل إلا ما هو ثابت لها في العدم في أنفسها فهي التي أحسنت وأساءت، وحمدت وذمت، والحق لم يعطها شيئًا إلا ما كانت عليه في حال العدم. فكلامه تضمن شيئين: إنكار وجود الحق. وإنكار خلقه لمخلوقاته. فهو منكر للرب الذي خلق فلا يقر برب ولا بخلق، ومنكر لرب العالمين،

стр. 847

فلا رب ولا عالمون مربوبون، إذ ليس إلا أعيان ثابتة ووجودها قائم بها، فلا الأعيان مربوبة ولا الوجود مربوب، ولا الأعيان مخلوقة، ولا الوجود مخلوق، وهو يفرق بين المظاهر والظاهر والمجلي والمتجلي، لأن المظاهر عنده هي الأعيان الثابتة في العدم، وأما الظاهر فهو وجود الخلق. وقد أبطل شيخ الإسلام هذا الأصل بقوله: هذه الأعيان المعدومة الثابتة في العدم هل خلقها الله وجعلها موجودة بعد أن كانت معدومة؟ أم لم يخلقها فلا تزال معدومة؟ فإن كان الأول: امتنع أن تكون هي إياه، لأن الله لم يكن معدومًا فيوجد. وإن كان الثاني: وجب أن لا يكون شيء لم يكن موجودًا وهذا تبطله المشاهدة والعقل والشرع، ولا يقوله عاقل، ولا يقبله عقل. وأما قولهم: ظهر الحق وتجلى، وهذه مظاهر الحق ومجاليه، وهذا مظهر إلهي ومجلي إلهي، فقال شيخ الإسلام: أتعني به أن عين ذاته حصلت هناك؟ أو تعني أنه صار ظاهرًا متجليًا لها بحيث تعلمه؟ أو تعني أنه ظهر لخلقه بها وتجلى بها؟ فإن عنيت الأول: فهو باطل، فقد صرحت بأن عين المخلوقات ـ حتى النجاسة منها ـ هي ذات الله أو هي وذات الله متحدتان، أو ذات الله حالة فيها، وهذا الكفر أعظم من كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، وأن الله ثالث ثلاثة، وأن الله يلد ويولد، وأن له بنين وبنات. وإن عنيت أنه صار ظاهرًا متجليًا لها، فهذا حقيقة أمر صار معلومًا لها، ولا ريب أن الله يصير معروفًا لعبده لكن كلامك في هذا باطل من وجهين:

стр. 848

١ - إنك جعلته معلومًا للمعدومات التي لا وجود لها لكونه قد علمها، واعتقدت أنها إذا كانت معلومة يجوز أن تصير عالمة، وهذا عين الباطل. ٢ - إنه إذا علم أن الشيء سيكون، لم يجز أن يكون هذا قبل وجوده عالمًا قادرًا فاعلاً، وأن هذا ليس حكم جميع الكائنات المعلومة، بل بعضها هو الذي يصبح منه العلم. وأما إن قلت: إن الله يعلم بها لكونها آيات دالة عليها، فهذا حق، لكنك لم تقل هذا الوجهين: ١ - إنها لا تصير آيات إلا بعد أن يخلقها ويجعلها موجودة، لا في حال كونها معدومة معلومة، وأنت لم تثبت أنه خلقها ولا جعلها موجودة، ولا أنه أعطي شيئًا خلقه، بل جعلت نفسه هو هي المتجلية لها. ٢ - إنك قد صرحت بأنه تجلى لها وظهر لها، لا أنه دل بها خلقه وجعلها آيات تكون تبصرة، والله قد أخبر في كتابه أنه يجعل في هذه المصنوعات آيات .. وإذا كان عندهم أن المرئي بالعين هو الله، فهذا كفر صريح باتفاق المسلمين، ولا سيما إذا قيل: ظهر فيها وتجلى، فإن اللفظ يصير مشتركًا بين أن تكون ذاته فيها أو تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها مثال المرئي، وكلاهما باطل، فإن ذات الله ليس في المخلوقات، ولا نفس ذاته ترى في المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة. ولكن ظهورها: دلالتها عليه شهادتها له، وأنها آيات له على نفسه وصفاته .

стр. 849

ويقول في معرض رده على القائلين بأن الوجود واحد بمعنى: أن الموجودات اشتركت في مسمى الموجود: ( ... فهذا صحيح، لكن الموجودات المشتركات في مسمى الواحد لا يكون وجود هذا عين وجود هذا، بل هذا اشتراك في الاسم العام الكلي، كالاشتراك في الأسماء التي يسميها النحاة اسم الجنس ويقسمها المنطقيون إلى جنس ونوع وفصل وخاصة وعرض عام. فالاشتراك في هذه الأسماء: هو مستلزم لتبائن الأعيان، وكون أحد المشتركين ليس هو الآخر، وهذا ما يعلم به أن وجود الحق مباين لوجود المخلوقات، فإنه أعظم من مباينة هذا الموجود لهذا الموجود، فإذا كان وجود الفلك مباينًا مخالفًا لوجود الذرة والبغوضة، فوجود الحق تعالى أعظم مباينة لوجود كل مخلوق ... فإن الوحدة المعينة الشخصية تمتنع في الشيئين المتعددين، ولكن الوجود واحد في نوع الوجود بمعنى أن اسم الموجود عام يتناول كل واحد، كما أن اسم الجسم والإنسان ونحوهما يتناول كل جسم وكل إنسان، وهذا الجسم ليس هو ذاك، وهذا الإنسان ليس هو ذاك، وكذلك هذا الموجود ليس هو ذاك). وقال: (ولهذا اتفق أئمة المسلمين على أن الخالق بائن من مخلوقاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، بل الرب رب والعبد عبد (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا).

стр. 850

فهذه بعض الردود على القائلين بوحدة الوجود، والأمر لا يحتاج إلى كثرة الردود، بل تصور حقيقة مذهب هؤلاء كافٍ في إدراك بطلانه وسخافته. ولكن هل يوجد لديهم أي شبة يتشبثون بها؟ نعم، قد وجد عندهم بعض الشبه، حيث استندوا على آرائهم الفاسدة ببعض النصوص الشرعية. بعض منها صحيحة، ولكن الاستدلال بها باطل، وبعض منها باطلة من أساسها. أهم الشبه التي يستند إليها أصحاب وحدة الوجود: الشبهة الأولى: تشبثهم بالحديث الذي فيه (أن الله يجمع الناس ويظهر لهم فينكرونه، ويظهر لكل أمة بصورة لا تعرفها فتنكره، فيعود فيظهر لكل أمة بالصورة التي عبدوه عليها في الأرض فيسجد الكل ... ). هكذا ذكروه كأنه لفظ الحديث، واستدلوا به على وحدة الوجود، على أنه يظهر لكل عابد على صورة معبوده في الدنيا، لأنه ما عبد إلا هو. قبل الرد على الاستدلال يقال لهم: إن لفظ الحديث لا يدل على ما تقولونه، فإن النص الوارد في الحديث كالتالي: (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: ((هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ )) قالوا: لا يا رسول الله. قال: ((فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئًا ليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت،

стр. 851

وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ويضرب جسر جهنم)) ... ). فهذا هو الحديث الصحيح الذي أرادوا أن يتصيدوا منه الدليل على قولهم الفاسد. وللرد عليهم على استدلالهم أقول: ١ - أين فيه: أنه تعالى يظهر لكل أمة بالصورة التي عبدوه عليها؟ . ٢ - يثبت الحديث: أن هذا التجلي لن يكون إلا في الآخرة، وهؤلاء يدينون بتلبسه بالصور في الدنيا. ٣ - يدين هؤلاء: أن الله يتجلى لكل أحد بحسب اعتقاده، فإذا اعتقد في صنم أو كوكب أو عجل تجلى له في صورة معتقده، أما إذا تجلى له في صورة أخرى أنكره، أما العارف المطلق فإنه يعرف الله ـ في زعمهم ـ في كل صورة يظهر بها؛ لأنه يعتقد أن الرب عين كل شيء، هذا في حين يبين الحديث أن المؤمنين أنكروه في صورته الأولى، وعرفوه في صورته الثانية، وهؤلاء هم الرسل والأولياء، وهم ـ باعتراف هؤلاء ـ أكمل العارفين، وهم لم يعرفوه إلا في صورة واحدة، وهذا ينسف أصل دعواهم: وهو أن العارف من يعرف الله في كل صورة.

стр. 852

٤ - يزعم الاتحادية: أن الله عين كل شيء، والحديث يثبت وجود قوم مؤمنين، وكافرين ومنافقين، فإذا أخذنا بفكر المتصوفة كان ربهم هو الكافر والمنافق وغير ذلك؛ لأنه عندهم عين كل شيء، وبطلان هذا الفكر واضح جلي. ٥ - يثبت الحديث: أن الله سبحانه لن يتجلى إلا في صورة واحدة في كل مرة من المرتين الأولى والثانية، وأما هؤلاء فيدينون بتجلي ربهم فيما لا يتناهى من الصور المتباينة في آن واحد. ٦ - لم يبين الحديث كُنه الصورة الأولى، أما الصورة الثانية فعرَّفها الحديث بأنها هي التي رأوه فيها أول مرة، وهذا ينقض قول الحلولية بأنه يظهر لكل أحد في صورة معتقده، كما يبطل قول أهل الوحدة بأن ربهم عين كل شيء. ٧ - ما لهؤلاء القوم يستشهدون بما لا يؤمنون به؟ فإنهم يزعمون أنهم يأخذون عن الله مباشرة، ويستنكفون أن يعملوا بالشريعة التي جاء بها رسل الله. الشبهة الثانية: استدلالهم بقوله ﵇: (( ... كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها ... )). يقول ابن عربي: (فذكر أن هويته هي عين الجوارح التي هي عين العبد، فالهوية واحدة والجوارح مختلفة). يقال في الرد عليهم: إن هذا الحديث في الواقع حجة عليهم لا لهم، وذلك من وجوه: منها:

стр. 853

١ - إن قوله: ((من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة)) فأثبت معاديًا محاربًا، ووليًا غير المعادي. ٢ - قوله: ((وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه)) فأثبت عبدًا متقربًا إلى ربه، وربًا افترض عليه فرائضه. ٣ - قوله: ((ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه)) فأثبت متقرِبًا ومتقرَبًا إليه، ومحبًا ومحبوباً غيره. ٤ - قوله: ((لئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه))، فأثبت سائلاً ومسئولاً غيره، ومستعيذاً ومستعاذًا به غيره، وهذا كله ينقض قولهم: الوجود واحد. والحديث حق، وظاهره على أن الولي لكمال طاعته لله ومحبته له، يبقى عمله لله، فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغض الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه أحبه، وما يراه مما يبغضه أبغضه، فيبقى محبوب الحق محبوبه، ومكروه الحق مكروهه، ومأمور الحق مأموره، وولي الحق وليه، وعدو الحق عدوه. وعلى الأوجه كلها لا متمسك فيه للاتحادية، ولا القائلين بالوحدة. الشبهة الثالثة: استدلالهم بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ).

стр. 854

يقول النابلسي: (فقد أخبر تعالى: أن نبيه محمدًا ﷺ هو الله تعالى وتقدس، وبيعته وبيعة الله ويده التي مدت للبيعة هي يد الله تعالى، كما سمعت من الآية الشريفة). يقال في الرد على هذه الشبهة كما قال شيخ الإسلام: (إن قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ) لم يرد بك أنك أنت الله، وإنما أراد أنك أنت رسول الله ومبلغ أمره ونهيه، فمن بايع فقد بايع الله، كما أن من أطاعك فقد أطاع الله، ولم يرد بذلك أن الرسول هو الله، ولكن الرسول أمر بما أمر الله به فمن أطاعه فقد أطاع الله، ... ومن ظن في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ) أن المراد به أن فعلك هو فعل الله، أو المراد: أن الله حال فيك ونحو ذلك فهو مع جهله وضلاله ـ بل كفره وإلحاده ـ فقد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره، وذلك؛ أنه لو كان المراد به أنه خالق لفعلك لكان هناك قدر مشترك بينه وبين سائر الخلق، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله، ومن بايع مسيلمة فقد بايع الله، ... وعلى هذا التقدير: فالمبايع هو الله أيضًا فيكون الله قد بايع الله! ). فهذه بعض الشبهات التي يستندون إليها في الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بتعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. بقي أن نجيب على شبهة كبرى للبريلوية، وهي: الشبهة الرابعة: أن الرسول ﷺ نور وليس ببشر، وأنه مخلوق من نور الله.

стр. 855

هذه الشبهة مكونة من جانبين: أولاً: ادعاؤهم أن النبي ﷺ نور. ثانيًا: ادعاؤهم أنه جزء من نور الله، وجميع الخلائق من نور محمد ﷺ . أما الجانب الأول: فهو قولهم بأن النبي ﷺ نور، وأنه لا يوجد له ظل لكونه نورًا، وأنه جاء متنقلاً من أصلاب آبائهم من آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب، فهذا القول قد قال به كثير من المتصوفة، قديمًا وحديثًا. ومعلوم أن هذا القول من الأقوال المبتدعة ونتيجة للغلو، ومخالفة لصريح القرآن والسنة، والكلام على هذا الموضوع سيكون في غير هذا الموضع. وأما الجانب الثاني: وهو قولهم: إن محمدًا ﷺ جزء من نور الله، وأن

стр. 856

جميع الكائنات من نوره، فهذه هي العقيدة الاتحادية التي نحن بصدد ذكرها وردها. وفيما يلي بيان القائلين بهذا القول والردود المقنعة عليها، بمشيئة الله. ممن قال بذلك من المتصوفة: ابن عربي الحاتمي، وعبد الكريم الجيلي، وأبو الحسن بن عبد الله البكري، والبريلوي، ومحمد عثمان عبده البرهاني، والملا علي القاري. فالنبي ﷺ عند هؤلاء الغلاة خلق من نور الله تعالى، ثم خلق من نور النبي ﷺ بقية المخلوقات، فهذا الذي ذهبوا إليه من خلق العالم أو صدوره عن ذات الله تعالى يفسر لنا ما ذهب إليه هؤلاء من القول بوحدة الوجود. الردود على هذا القول: ١ - إن ما ذهبوا إليه لم يكن وليد أفكارهم، إنما كان مستمدًا من مصادر فلسفية قديمة تأثروا بها ونقلوها إلى المسلمين، وما زال تأثيرها إلى وقتنا

стр. 857

الحاضر. ٢ - إن هذا القول من معتقدات النصارى في عيسى ﵇. ٣ - إن هذا القول مما تأثر به المتصوفة من الشيعة؛ حيث ترى الشيعة أكثر الناس مشتغلين بالنور وادعائه في أئمتهم. ٤ - إن هذا القول ليس له أي مستند صحيح من النقل ولا دليل صريح من العقل. شبهات وجوابها: من الشبهات التي يتشبثون بها في هذا الباب: استدلالهم ببعض الأحاديث المنسوبة إلى الرسول ﷺ ، من ذلك ما يلي: ١ - استدلال هؤلاء الغلاة على قولهم هذا بالحديث المنسوب إلى جابر ابن عبد الله الأنصاري في مواضع متفرقة من كتبهم، ناسبًا تخريجه إلى عبد الرازق الصنعاني في المصنف له، فبعضهم يذكره في بضعة أسطر، وبعضهم في بضع صفحات، وفيما يلي أشمل نص وجد من هذه الروايات الموهومة: (عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء؟ قال النبي ﷺ : إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور في القدر حيث شاء الله،

стр. 858

ولم يكن في ذلك لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء ولا أرض، ولا شمس ولا قمر، ولا جني ولا إنسي، فلما أراد أن يخلق الخلق، قسم ذلك النور أربعة أجزاء: ١ - فخلق من الجزء الأول: القلم. ٢ - ومن الثاني: اللوح. ٣ - ومن الثالث: الجنة والنار. ٤ - ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: أ- فخلق من الأول: نور أبصار المؤمنين. ب- ومن الثاني: نور قلوبهم ـ وهو المعرفة بالله ـ. ج- ومن الثالث: نور أنسهم ـ وهو التوحيد ـ لا إله إلا الله، محمد رسول الله ... الحديث). فهذا الحديث الذي تم نقله الآن فيه قوله: (من نوره)، وهو يدل على أن محمدًا ﷺ خلق من نور الله. الردود على هذه الرواية: لنا على هذه الرواية بحثان من حيث الرواية، ومن حيث ٣ الدراية. أما من حيث الرواية: فأقدم من رأيت من نسبه إلى مخرج هو القسطلاني، حيث قال: (وروى عبد الرازق بسنده). ولكنه لم يصرح في أي كتاب خرجه بالسند.

стр. 859

ثم جاء الزرقاني في شرحه للمواهب اللدنية، فنسبه إلى عبد الرزاق في مصنفه، وزاد عليه تخريجًا آخر، فقال: (ولم يذكر الرابع من هذا الجزء، فليراجع من مصنف عبد الرزاق مع تمام الحديث، وقد رواه البيهقي ببعض مخالفة). هكذا قال الزرقاني، ولكن ما وجدنا في المصنف بعد طول البحث والتنقيب أي حديث يشبهه ـ فضلاً أن يكون هذا موجودًا فيه ـ. فظننت لعل عبد الرزاق أخرجه في تفسيره، فبحثت عنه في تفسيره فلم أجده. ثم رأيت شيخ الطريقة البرهانية قد أحال تخريجه إلى كتاب جنة الخلد ونسبه إلى عبد الرزاق، وقد بحثت عن هذا الكتاب لعلي أطلع على سند الحديث، ولكن دون جدوى فلم أعثر له على أثر، بل لم أقف على من نسب مثل هذا الكتاب لعبد الرزاق، وكذلك بحثت عن كتب عبد الرزاق الأخرى أيضًا فلم أجد له أثرًا، وقد بحثه غيري أيضًا في مصنفات عبد الرزاق فلم يعثر عليه. بل قد شهد شاهد من القوم على براءة عبد الرزاق من هذا الحديث. وهو عبد الله بن الصديق الغماري ـ الذي وصفه العلوي المالكي بأنه محدث الدنيا! ! ! ـ حيث قال عبد الله بن الصديق الغماري: معلقًا على قول السيوطي في الحاوي على هذا الحديث: (إنه غير ثابت):

стр. 860

(وهو تساهل قبيح، بل الحديث ظاهر الوضع، واضح النكارة، وفيه نفس صوفي ... والعجب أن السيوطي عزاه إلى عبد الرزاق، مع أنه لا يوجد في مصنفه ولا تفسيره ولا جامعه، وأعجب من هذا أن بعض الشناقطة صدق هذا العزو المخطئ، فركب له إسنادًا من عبد الرزاق إلى جابر، ويعلم الله أن هذا كله لا أصل له، فجابر ﵁ بريء من رواية هذا الحديث، وعبد الرزاق لم يسمع به، وأول من شهر بهذا الحديث ابن عربي الحاتمي، فلا أدري عمن تلقاه، وهو ثقة، فلابد أن أحد المتصوفة المتزهدين وضعه ... ). فهذا آخر ما عندنا من نقد الحديث من ناحية الرواية، وقد اتضح لنا من البحث السابق أن الحديث لم يخرجه أحد، لا عبد الرزاق ولا غيره، وإنما هو من أكاذيب المتصوفة. وأما ما نسب إليه الزرقاني بأنه رواه البيهقي ببعض مخالفة، فهذا أيضًا من جنس ما سبق، فإني قد بحثت في مظان هذا الحديث من كتب البيهقي فلم أظفر به ولا ما هو بمعناه في أي من كتبه. أما من حيث الدراية: فأيضًا أن الحديث لا يصح لوجوه: ١ - إننا لا نعرف في أي كتاب روى هذا الحديث عبد الرزاق، ولا نعرف أنه رواه عند أحد من العلماء المعتد بهم، ومن قرائن وضع الحديث ألا يتداوله العلماء وأهل العلم بالحديث، فليس الحديث في مصنفه، ولا في مسند أحمد

стр. 861

ولا في سنن الدارمي، ولا في مسند الطيالسي، ولا في الكتب الستة، ولا في صحيحي ابن خزيمة وابن حبان، ولا في مستدرك الحاكم، ولا في معاجم الطبراني الثلاثة، ولا في دلائل النبوة للبيهقي، ولا في سنن البيهقي، ولا في سنن الدارقطني، ولا في كتب الضعفاء والمتروكين، ولا في كتب الزهد والرقائق كالحلية لأبي نعيم، وصفوة الصفوة، ولا في مجاميع الحديث كالجامع الصغير، والجامع الكبير، ولا في كنز العمال، ولا في كتب التراجم، فأين يكون هذا الحديث؟ ! ، لا شك أنه حديث باطل. ٢ - لو سلمنا أن الحديث صحيح إلى عبد الرزاق، لكان مما حدث به بعد تغيره، فقد عمي في آخر عمره وصار يلقن أحاديث ليست في كتبه، فوقعت المناكير في حديثه بعد ذلك. ٣ - إن الحافظ الثقة إذا حدث بحديث يخالف فيه الثقات كان حديثه شاذاً، فكيف إذا خالف الكتاب والسنة وروى الأباطيل؟ فلا ريب أن حديثه الذي انفرد به منكر مردود. ٤ - سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ أن قومًا ينقلون: (إن الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها، فخلق الله من كل قطرة نبيًا، وكانت القبضة هي قبضة النبي ﷺ وبقي كوكبًا دريًا، وكان نورًا منقولاً من أصحاب الرجال إلى بطون النساء). فأجاب: (من ذكر من أن الله قبض من نور وجهه قبضة) إلخ ـ فهذا أيضًا

стр. 862

كذب باتفاق أهل المعرفة بحديثه، وكذلك ما يشبه هذا من أحاديث يذكرها شيرويه الديلمي في كتابه الفردوس، ويذكرها ابن حمويه في مثل كتاب (المحبوب) ونحو ذلك مما يذكرون من أن النبي ﷺ ، كان كوكبًا أو أن العالم كله خلق منه، أو كان موجودًا قبل أن يخلق أبوه، أو أنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه جبريل، ومثل هذه الأمور، فكل ذلك مفترى باتفاق أهل العلم بسيرته ... ). وقال أيضًا: (فهذه الأحاديث وأمثالها مما هو كذب وفرية عند أهل العلم، لا سيما إذا كانت معلومة البطلان بالعقل، بل متخلية في العقل! ليس لأحد أن يرويها ويحدث بها إلى على وجه البيان، لكونها كذباً، ... وعلى ولاة الأمور أن يمنعوا من التحديث بها في كل مكان، ومن أصر على ذلك فإنه يعاقب العقوبة البليغة التي تزجره وأمثاله عن الكذب على النبي ﷺ وأصحابه، وأهل بيته، وغيرهم من أهل العلم والدين). ٥ - إن شيوع مثل هذا المعتقد الذي يخالف كل دليل من كتاب الله ومن سنة رسوله، يجعل المسلمين في سخط الله تعالى، لأنهم يعتقدون عقائد تخالف ما شرع الله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ . ٦ - إن نسبة مثل هذه العقائد إلى الإسلام تجعله في نظر خصومه دين الخيالات والمبالغات. ٧ - إن مثل هذا القول سفسطة ظاهرة، فإن ذات ربنا ﵎ منزه من أن يكون مادة لغيره وأخذ قبضة من نوره ليس معناه أنه قطع منه جزء فجعله نور

стр. 863

نبيه، فإنه مستلزم للتجزي، وغير ذلك مما يتبعه في ذاته ـ تعالى الله عنه ـ. حتى لو سلمنا جدلاً ـ وأنى له ذلك ـ أن الحديث ثابت؛ فإن قوله: (من نوره) إن الإضافة فيه كالإضافة في قوله تعالى في قصة خلق آدم: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)، وكقوله تعالى من قصة سيدنا عيسى: (وَرُوحٌ مِنْهُ)، وكقولهم: (بيت الله الكعبة والمساجد)، وقولهم: (روح الله) لعيسى، وغير ذلك. قال الزرقاني في شرح المواهب: عند شرح قوله (من نوره): (إضافة تشريف، ... على حد قوله تعالى: (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ)، وهي بيانية). وبهذا علمنا: أن الشبهات التي يتشبث بها أصحاب وحدة الوجود كلها ساقطة من أساسها، فلا يوجد لديهم أي دليل لا من العقل ولا من النقل على القول بوحدة الوجود.

стр. 864

المبحث الثاني: الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد والكلام عليه سيكون على محورين: المحور الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد في الذات. المحور الثاني: الشرك في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال. المحور الأول: في بيان الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد في الذات: وقد وقع فيه جملة من الملل في العصر الحاضر، فمن هذه الملل ما يأتي: ١ - شرك المجوس الموجودين في العصر الحاضر، وقد سبق بيان مذهبهم وعقيدتهم فيما سبق، فلا نعيده هاهنا. ٢ - شرك النصارى الموجودين في العصر الحاضر، مع اختلاف فرقهم ونحلهم؛ فإنهم ما زالوا على العقائد السابقة الذكر، وإن اختلفت النحل والأسماء في العصر الحديث. ٣ - بعض الفرق الباطنية المعاصرة: من أبرز الفرق: أ- الإسماعيلية المعاصرة: فإنهم يعتقدون كاعتقاد سلفهم: أن الله لم

стр. 865

يخلق العالم خلقًا مباشرًا، بل كان ذلك عن العقل الكلي الذي هو محل لجميع الصفات الإلهية، ويسمونه الحجاب، ويسمون الأول بالسابق والثاني بالتالي، وقد حل العقل الكلي في بعض إنسانهم وأئمتهم، فمن هؤلاء الذين لهم الألوهية عندهم: ١ - الإمام الموجود عند البوهرة السليمانية والداودية. ٢ - الإمام الحالي لدى الإسماعيلية الأغاخانية. ج- النصيرية: حيث يعتقدون في علي بن أبي طالب ﵁ أنه إله، ويعتقدون أيضًا ألوهية خمسة أيتام. فهؤلاء أبرز من أشرك بالله في الربوبية بالأنداد في الذات، فالمجوس والنصارى معلوم شركهم لدى الجميع، وأما الفرق الباطنية المنتسبة إلى الإسلام فلا يذكرون تجاه هذه الاعتقادات أي شبهة، وإنما هي ادعاءات تقريرية، وهم باعتقادهم هذه قد خرجوا من الإسلام جملة وتفصيلاً. المحور الثاني: الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد في الصفات والأفعال: وله جانبان: الجانب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بادعاء إثبات صفات الخالق

стр. 866

للمخلوق. الجانب الثاني: الشرك في الربوبية بالأنداد بادعاء بإثبات صفات المخلوق للخالق. أما الجانب الأول ففيه عدة مطالب: المطلب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة القدرة الكاملة الخاصة لله جل وعلا للمخلوق. المطلب الثاني: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة العلم المحيط الخاصة بالله جل وعلا لبعض المخلوقات. المطلب الثالث: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة الحكم الخاصة بالله جل شأنه لغير الله جل وعلا من المخلوقات. المطلب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة القدرة الكاملة لغير الله جل شأنه المقصود بالشرك في قدرة الله الكاملة: معلوم أن صفة من الصفات الجامعة لله، تشمل كثيرًا من صفاته تعالى، وهي تعني: كل ما ليس في مقدور البشر أن يفعله من خصائص الربوبية. فمن هذه الصفات ما يلي: ١ - التصرف الشامل في الكون والمكنون. ٢ - التصرف الخاص في الكون والمكنون. وهذا النوع الثاني من التصرف يشتمل على عدة أمور. - القدرة على الخلق والإيجاد. - القدرة على إحياء الموتى.

стр. 867

- القدرة في إنزال المطر. - القدرة على شفاء الأمراض. - القدرة على الهداية التوفيقة. - القدرة على حفظ العالم من الدمار. - القدرة على النفع والضر. - القدرة على الإنقاذ من عذاب القبر. - القدرة على غفران الذنوب ومحو الخطايا من الصحف. - القدرة على إجابة الدعاء واستماع ندائهم وإغاثة المكروبين من كربهم والمصابين من مصائبهم. لقد وقع في هذا النوع جملة من الفرق والنحل والطوائف وبعض الجهلة من الناس في العصر الحديث؛ فإن كل من أثبت لغير الله جل شأنه من الأفعال والأعمال التي تتعلق بالقدرة الكاملة كالإحياء والإماتة والنفع والضر والخلق والرزق والإغاثة من الكرب والمصائب وغيرها التي لا يمكن أن تكون من غير الله، فقد أشرك بالله في صفته القدرة الكاملة. وسأذكر هذه الفرق والنحل والطوائف وبعض من تورط ببعض أنواع الشرك في الفروع التالية: الفرع الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لغير الله في الشيعة: وذلك؛ لما يعتقدون في علي ﵁: (أن علياً لما رفع السيف ليضرب به مرحّبًا، أمر الله سبحانه إسرافيل وميكائيل أن يقبضا عضده في الهواء حتى لا يضرب بكل قوته، ومع هذا قسمه نصفين، وكذا ما عليه من

стр. 868

الحديد وكذا فرسه، ووصل السيف إلى طبقات الأرض، فقال لي الله سبحانه: يا جبريل، بادر إلى تحت الأرض، وامنع سيف علي عن الوصول إلى ثور الأرض حتى لا تنقلب الأرض، فمضيت فأمسكته، فكان على جناحي أثقل من مدائن لوط، ... وفي ذلك اليوم أيضًا: لما فتح الحصن، وأسروا نساءهم كانت فيهم صفية بنت ملك الحصن، فأتت النبي ﷺ وفي وجهها أثر شجة، فسألها النبي ﷺ عنها، فقالت: إن عليًا لما أتى الحصن وتعسر عليه أخذه، أتى على برج من بروجه، فهزه فاهتز الحصن كله، وكل من كان فوق مرتفع سقط منه، وأنا كنت جالسة فوق سريري فهويت من عليه فأصابني السرير، فقال لها النبي: يا صفية، إن عليًا لما غضب وهز الحصن غضب الله لغضب علي، فزلزل السموات كلها حتى خافت الملائكة ووقعوا على وجوههم، وكفى به شجاعة ربانية، وأما باب خيبر فقد كان أربعون رجلاً يتعاونون على سده وقت الليل، ولما دخل علي الحصن طار ترسه من يده من كثرة الضرب، فقلع الباب، وكان في يده بمنزلة الترس يتقاتل فهو في يده حتى فتح الله عليه). ومعلوم أن مثل هذه القدرة خاصة بالله تعالى، وهي ليست في مقدور البشر. وهذا النص وإن كان في مصدر قديم للشيعة إلا أن القوم ما زالوا على نفس الاعتقاد؛ بدليل كون هذا الكتاب ونصوصه عندهم مثل صحيح البخاري عند أهل السنة، فالقوم ما زالوا يعتقدون مثل هذا الاعتقاد. وهؤلاء الشيعة في اعتقاداتهم هذه ما يذكرون أي دليل يذكر من مصادر موثوقة، وإنما يختلقون أكاذيب، وينقلون روايات ملفقة من المجهولين

стр. 869

ليثبتوا هذه العقائد. ولا يستدلون لا بالآية القرآنية ولا بالسنة الصحيحة، ولا بالعقل الصريح، حتى نشتغل بالرد عليهم، ولذا فإننا لا نطيل في الرد عليهم، مكتفيًا بما سيأتي في ردنا على المتصوفة فيما بعد. الفرع الثاني: الشرك بالله في صفته القدرة الكاملة لدى البابية والبهائية: لقد وقعت البابية والبهائية في ألوان من الشرك بالله جل وعلا، سبق أن ذكرنا بعضًا منها، وهنا نذكرهم على أساس أنهم وقعوا في الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته القدرة الكاملة، وذلك؛ أنهم يعتقدون أن الباب الذي هو حسين علي المازندراني هو الذي خلق العالم كله، وإليه الخلق والرزق، وكل ما هو لدى الله فهو عنده. الفرع الثالث: الشرك في الربوبية بالأنداد في صفته الكاملة لغير الله في المتصوفة: المتصوفة قد وقعوا في هذا النوع من الشرك من وجوه عدة، وفيما يلي بيان ذلك بالتفصيل: أ- اعتقاداتهم تجاه النبي ﷺ في هذا الباب: فمن هذا الباب ادعاء الغلاة: أنه إليه الملاذ والمهرب في الشدائد والكرب. فمن أقوالهم الدالة عليه ما يلي: ١ - يقول القسطلاني ـ ثم لم يعلق عليه الزرقاني موافقة له ـ: (فهو خزانة

стр. 870

السر، وموضع نفوذ الأمر، فلا ينفذ أمر إلا منه، ولا ينقل خير إلا عنه، ولله در القائل: ألا بأبي من كان ملكًا وسيدًا ... وآدم بين الماء والطين واقف إذا رام أمرًا لا يكون خلافه ... وليس لذاك الأمر في الكون صارف) ٢ - ما ذكر النبهاني عن بعض أساطينهم أنه قال: يا ملاذي يا منجدي يا منائي ... يا معاذي يا مقصدي يا رجائي يا نصيري يا عمدتي يا مجبري ... يا خفيري يا عدتي يا شفائي أدرك أدرك أغث أغث يا شفيعي ... عند ربي واعطف وجد بالرضاء أنت عوني وملجئي وغياثي ... وجلا كربتي وأنت غنائي ٣ - كما نقل أيضًا عن آخر قوله: نفحة لمحة غياثًا عياذًا ... عطفة جذبة جوابًا نداء كم هموم من الديون علتني ... أنا في فكرها صباح ومساء ثقلت حملها غير أني ... بك أرجو وضعًا لها أو وفاء أنت في كل مطلب نصب عيني ... لا أرى لي إلا سواك التجاء يا مجلي بحبه الكرب فَرِّج ... كربة القلب واكشف الغماء

стр. 871

يا مرجي الخطوب أنت المرجى ... عند ما ترجى الخطوب الرجاء عظمت كربتي فجئتك قصدًا ... قاصدًا للعظائم العظماء ٤ - ونقل عن آخر قوله: بذلي بإفلاسي بفقري بفاقتي ... إليك رسول الله أصبحت أهرب ٥ - ونقل عن آخر قوله: يا رسول الإله إني ضعيف ... فاشفني أنت مقصد للشفاء يا رسول الإله إن لم تغثني ... فإلي من ترى يكون التجائي ٦ - وقال النبهائي نفسه مثل هذا القول: سيدي أبا البتول أغثني ... أنت أدرى بما حواه الضمير وقال أيضًا: (إن المسلمين ... من أهل السنة والجماعة ـ وهم جمهور الأمة المحمدية يعتقدون فيه ﷺ : أنه يعلم الغيب، ويعطي ويمنع، ويقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء، ويدخل الجنة من يشاء). ٧ - ومثل هذا ما جاء في القصيدة للبوصيري التي سميت بالبردة ـ ظلمًا

стр. 872

وزورًا ـ مضاهًا للقصيدة الصحيحة: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم وقوله: ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تحلى باسم منتقم وقوله: إن آت ذنبًا فما عهدي بمنتقض ... من النبي ولا حبلي بمنصرم فإن لي ذمة منه بتسميني ... محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم إن لم يكن في معادي آخذًا بيدي ... فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه ... أو يرجع الجار منه غير محترم وقال أيضًا في قصيدته الهمزية: قد تمسكت من ودادك بالحبل ... الذي استمسكت به الشفعاء وأبى الله أن يمسني السوء ... بحال ولي إليك التجاء قد رجوناك للأمور التي ... أبردها في قلوبنا رمضاء وأتينا إليك أنصار فقر ... حملتنا إلى الغني أنضاء وانطوت في الصدر حاجات ... نفسي ما لها عن نديدك انطواء فأغثنا يا من هو الغوث ... والغيث إذا أجهد الورى اللأواء والجواد الذي به تفرج الغمة ... عنا وتكشف الحوباء يا نبي الهدى استغاثة ملهوف ... أضرت بحاله الحوباء إذا نظرنا إلى الأبيات السابقة التي أوردتها عن البوصيري نرى فيها الغلو

стр. 873

الشديد الذي أدى به إلى أن يتجاوز بالرسول منزلة العبودية إلى منزلة الألوهية والربوبية؛ حيث توجه إليه بطلب الاستغاثة، ووصفه بأنه هو الذي ينجيه من الكربات ومن هلاك يوم القيامة، وأنه ليس له غيره منج له. ٨ - ومثل هذا ما جاء عن البرعي: فخذ بيدي وجد بالعفو يا من ... إذا ناديته لبى سريعًا وقل عبد الرحيم غدا رفيقي ... وما يخشى رفيقك أن يضيعا يا سيدي يا رسول الله خذ بيدي ... في كل هو من الأهوال ألقاه إن كان زارك قوم لم أزر معهم ... فإن عبدك عاقته خطاياه يا صاحب القبر المقيم بيثرب ... يا منتهى أملي وغاية مطلبي يا من نرجيه لكشف عظيمة ... ولحل عقدٍ ملتوٍ متصعب يا من يجود على الوجود بأنعمٍ ... خضرٍ تعم عموم صوب الصيب يا غوثَ من في الخافقين وغيثهم ... وربيعهم في كل عام مجدب يا رحمة الدنيا وعصمة أهلها ... وأمان كل مشرّقٍ ومغرّبٍ وهناك أبيات أخرى للبرعي توجه فيها إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة، وإنما ذكرت هنا نماذج من شركه في الربوبية في القدرة الكاملة، وشركه في العبادة في الدعاء لغير الله. إذا نظرنا إلى هذه الأبيات التي قالها البرعي مادحًا بها الرسول ﷺ نرى أنه قد غلا في مدح الرسول غلوًا شديدًا، حتى وصل به هذا اللغو إلى أن يصرف

стр. 874

عبادات لا يجوز صرفها لغير الله عزوجل، حيث توجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة وطلب منه أن يأخذ بيده، وصرح بأنه إذا نادى الرسول فإنه ينفذ له مطلوبه، وطلب من الرسول أن ينجيه من كل الأهوال التي تصيبه في هذه الدنيا، ووصفه أيضًا بأن الرسول ﷺ هو الذي يجود بالنعم لكل ما في هذا الكون، وأخيرًا وصف الرسول ﷺ بأنه مغيث كل من في الخافقين، وأنه أمان لكل من في المشرق والمغرب. وهذه الأوصاف كلها لا تليق إلا بالله ، وأغلبها من الشرك في القدرة الكاملة، ولكن الغلو الزائد أوقع البرعي في هذه الشركيات التي نراها واضحة في هذه الأبيات التي أوردناها عنه، وهي لا تحتاج إلى الإيضاح والبيان؛ لأن الاستغاثة والتوجه إلى الرسول بالدعاء والالتجاء إليه في الشدائد واضح فيها من أولها إلى آخرها. وإذا لم تكن مثل هذه الألفاظ شركًا فليس هناك شيء يسمى شركًا. ٩ - ويقول آخر: أنشأك نورًا ساطعًا قبل الورى ... فرد الفرد والبرية في العدم ثم استمد جميع مخلوقاته ... من نورك السامي فيا عظم الكرم فلذا إليك الخلق تفزع كلهم ... في هذه الدنيا وفي اليوم الأهم وإذا دهمتهم كربة فرجتها ... حتى سوى العقلاء في ذاك منتظم جد لي فإن خزائن الرحمن في ... يدك اليمنى وأنت أكرم من قسم إذا نظرنا في هذه الأبيات السابقة نرى فيها الغلو الزائد في الرسول ﷺ واضح فيها؛ حيث ادعى فيها بأن الرسول أول مخلوق، وأنه مخلوق من نور،

стр. 875

وأن جميع المخلوقات استمدت من نوره، كما يتضح من البيت الثالث والرابع أنه يرى وجود القدرة الكاملة لدى الرسول ﷺ ، حيث يدعي الشاعر أن جميع الخلائق يفزعون إلى الرسول يوم القيامة وفي هذه الدنيا أيضًا لإنجائهم في المهالك، ولتحقيق المطالب. وزعم أيضًا بأن الرسول هو المفرج لجميع الكرب التي تصيب البشرية، ثم سأل الرسول أن يجود له من الخزائن التي في يده لأن خزائن الرحمن كلها في يد الرسول ﷺ على زعمه ـ، وهذه كلها من الشرك بالله جل شأنه في قدرته الكاملة. ١٠ - ويقول آخر: من استجار به ينجيه من كرب ... فجاه طه وسيع لا بمنحصر رب استجرب به في كل حادثة ... وكل نائبة ما عشت عمري وفي القيام وفي حشر لينقذني ... من كل ما أخشى من سيئ القدر شفاء ذي وصب نجاة ذي عطب ... غياث ذي نصب في السهل والوعر من راح قاصده يلقى مقاصده ... كالبحر في كرم والغيث والمطر وقال أيضًا: يا رسول الله غوثًا عجلا ... فعظيم الخطب فينا نزلا يا رسول الله فرج سندي ... أصلح الشأن وسد الخللا إن حصن الله من لاذ به ... أمن الخوف ونال الأملا أنت سر الله يا نور الهدى ... أنت غوث الخلق من كل البلا يا مزيل الخطب إن خطب دها ... سيدي أنت لها غث عجلاً فأغثني سيدي الأبناء من ... فرجًا للناس كلا أرسلا

стр. 876

فاكشف الغماء عني عجلا ... يا مغيثًا يا عظيمًا بطلا إذا نظرنا في الأبيات السابقة يظهر بجلاء مدى توغل صاحبه في الشرك في الربوبية في القدرة الكاملة، حيث إنه طلب منه النجاة والشفاء وفرج الكربات وغيرها. ففي هذه الأشعار والأبيات (ومثلها كثير عند المتصوفة) شرك في الربوبية بالله جل شأنه في صفته القدرة الكاملة، كما أن فيها شرك بالله بالأنداد بجملة من الصفات المندرجة تحت صفة القدرة الكاملة؛ من كشف الضر والخلاص من الكربات وشفاء السقام، واللجوء من الخوف والضرر والهول، كل هذه الصفات أثبتوها لغيره سبحانه. ١١ - ويقول البريلوي: إن النبي ﷺ يقضي كل قسم من الحاجات، إن جميع أمور الدنيا والآخرة في اختياره. ١٢ - ويقول آخر: ماذا في كفة الله تعالى سوى الوحدة؟ إن كنت تريد شيئًا فاطلبه من محمد ﷺ . ١٣ - وأيضًا يقول البريلوي: (إن مفاتيح الكون كلها في يد رسول الله ﷺ ، وهو مالك الكل، وأنه النائب الأكبر للقادر، وهو الذي يملك كلمة (كن)). ١٤ - ويقول أيضًا: (كل ما ظهر في العالم فإنما يعطيه سيدنا محمد ﷺ الذي بيده المفاتيح، فلا يخرج من الخزائن الإلهية شيء إلا على يديه، وإنه ﷺ إذا أراد شيئًا لا يكون خلافه؛ لأنه ليس لأمره صارف في الكون).

стр. 877

١٥ - ويقول أيضًا في ديباجة كتابه: (الأمن والعلى لناعتي المصطفى): (وصلى ربنا وسلم على دافع البلاء والوباء والقحط والمرض والألم، سيدنا ومولانا ومالكنا ومأوانا محمد مالك الأرض ورقاب الأمم ... قال الفقير المستدفع البلاء، من فضل نبيه العلي الأعلى، صلى عليه الله تعالى، عبد المصطفى أحمد رضا، المحمدي الحنفي القادري البركاتي البريلوي، دفع بنبيه البلاء، ومنح قلبه النور والجلاء). ١٦ - وقال: إن الرسول ﷺ هو المبرئ من السقم والآلام والكاشف عن الأمة كل خطب، وهو المحيي، وهو الدافع للمعضلات والنافع للخلق، والرافع للراتب، وهو الحافظ الناصر، وهو دافع البلاء، وهو الذي برد على الخليل النار، وهو الذي يهب ويعطي وحكمه نافذ، وأمره جار في الكونين. ١٧ - وقال: (منه الرجاء منه العطاء منه المدد في الدين والدنيا والأخرى للأبد). ١٨ - وقال: إن رسول الله ﷺ خليفة الله الأعظم، وإنه متصرف في الأرض والسماء. ١٩ - وقالوا: المعاملة كلها بيد رسول الله ﷺ ، يعطي من شاء ما شاء؛ لأن الدنيا والآخرة من جوده، وعلم اللوح والقلم من علومه، فإن كنتم تريدون

стр. 878

خيري الدنيا والآخرة فأتوا إلى بابه، ثم اطلبوا ما شئتم. ٢٠ - وقالوا: إن الله تعالى قد مكن النبي ﷺ من إعطاء كل ما أراد من خزائن الحق، ومن خصائصه ﷺ أن يخص من شاء بما يشاء، ومن خصائصه ﷺ أن الله تعالى أقطعه أرض الجنة يعطي منها ما يشاء من يشاء. ٢١ - وقالوا: إن رسول الله ﷺ مالك الأرضين ومالك الناس، ومالك الأمم، ومالك الخلائق، بيده مفاتيح النصر والمدد، والجنة والنار، وهو يكون صاحب القدرة والاختيار يوم القيامة، ويكشف الكروب ويدفع البلاء، وهو حافظ للأمانة وناصر لها، وإليه ترفع الأيدي للاستنجاد. ٢٢ - وقالوا: إن النبي ﷺ نائب مطلق عن الله تعالى، فالعالم كله تحت تصرفه، فهو يفعل ما يشاء، ويعطي ما يشاء من يشاء، ويسلب ما يشاء من يشاء؛ لا راد لقضائه في العالم كله، والعالم كله محكوم له، وهو مالك لجميع بني آدم، والأرض كلها والجنة كلها ملكه. وملكوت السموات والأرض تحت أمره، ومفاتيح الجنة والنار في يده، والرزق والخير وكل قسم من العطاء يوزع من عنده، إن الدنيا والآخرة حصة من عطائه. ٢٣ - وقالوا: قال الله تعالى: يا محمد، كلهم يطلبون رضاي، وأنا أطلب

стр. 879

رضاك، وجعلت ملكي كله من العرش إلى الفرش فداءً لك، حكمك جار على الشمس والقمر؛ لا يطلع الشمس حتى تسلم على ابنك الجيلاني غوث الثقلين وغيث الكونين. والخلاصة: بعد إيرادنا تلك المقالات عن المتصوفة ومن سار على نهجهم من القبوريين التي مدحوا فيها الرسول وتجاوزوا فيها الحد، حيث غلوا في الرسول ورفعوه إلى منزلة الألوهية والربوبية، نستطيع: إن نقول: إن المتصوفة قد وقعوا في انحراف عقدي خطير جدًا؛ حيث توجهوا إلى رسول بالدعاء والاستغاثة طالبين منه غفران الذنوب وتفريج الكروب، وغير ذلك من المطالب، تاركين الله وراء ظهورهم، معرضين عن دعائه الذي قال في كتابه: (ادعوني أستجب لكم). وقوله سبحانه: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان). وبما أن الدعاء يعتبر عبادة من أجل العبادات، فإن صرفه للرسول ﷺ يعتبر شركًا بالله ؛ وذلك لأن الرسول عبد من عباد الله ولا يستحق شيئًا من حقوق الألوهية، بل هو ﷺ كان يعبد ربه صلى الليل حتى تتفطر قدماه، وكان يستغفر الله كثيرًا ﷺ . ولأن غفران الذنوب وتفريج الكروب والإنجاء من المهالك في الدنيا والآخرة خاص بالله ، قال تعالى: (ومن يغفر الذنوب إلا الله)، والجواب: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله ؛ لا نبيًا

стр. 880

مرسلاً ولا ملكًا مقربًا ولا وليًا. وعلى هذا فالمتصوفة بتوجههم بالدعاء إلى الرسول والاستغاثة به وطلب غفران الذنوب منه يعتبرون قد وقعوا في الإشراك بالله غيره؛ لأن الدعاء عبادة فصرفه لغير الله يعتبر شركًا بالله . وسيأتي بيان هذا النوع من الشرك عند المتصوفة فيما بعد. إنما المقصود هنا: بيان شرك الربوبية بالأنداد لدى المتصوفة، وهذه النصوص فيها بيان صريح لوقوعهم في أنواع من الشرك في الربوبية بالأنداد، ومن أبرزها: الشرك في صفة القدرة الكاملة لله سبحانه، ولهذا فإننا سنرد عليهم فيما يلي: الردود على هذه الأقوال: يرد على هذه الأقوال بالقرآن والسنة وأقوال سلف هذه الأمة: أما الكتاب، فمثل قوله تعالى: ١ - (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ). ٢ - (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ). ٣ - (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). ٤ - (وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى
следующие страницы →