← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

٢٧ - وقوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ). فلم يعرف إبراهيم ﷺ ضيوفه حتى أخبروه عن أنفسهم، فلو كان يعلم الغيب لما كانت هناك هذه المحاورات التي حصلت، بل عرفهم إبراهيم ﵇ في أول وهلة ولم يقدم لهم أي طعام. ٢٨ - وإخباره تعالى عن نبي الله لوط ﷺ بأنه لا يعلم المغيبات: فقال: (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ... ). ٢٩ - قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ

стр. 947

نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ). ٣٠ - ز - إخباره تعالى عن سليمان ﷺ بأنه لا يعلم الغيب: فقال تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ). ٣١ - ح - إخباره تعالى عن داود ﵇ بأنه لا يعلم المغيبات: فقال: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ). ٣٢ - ط - إخباره عن موسى ﷺ بأنه لا يعلم الغيب: فقال: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) - إلى قوله تعالى: - (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) - إلى أن قال: - (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) - إلى أن قال: - (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا). ٣٣ - وقوله تعالى: (قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولىَ).

стр. 948

٣٤ - وقوله تعالى: (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ). ٣٥ - وقوله تعالى: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ). فلو كان عالمًا بالغيب لما كان لإخباره تعالى عن أمر الحية معنى، ولما فر من الخوف. ٣٦ - وقوله تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) فلو كان عالمًا بالغيب لما غاب عنه ضلال قومه بالسامري. ٣٧ - ي - إخباره تعالى عن يعقوب ﷺ بأن لا يعلم الغيب: فقال: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ). فلو كان عالمًا بالغيب لقال: إنه في الحب الآن، وأنتم لكاذبون، ولما حصل ما حصل له من الأسى والحزن. ٣٨ - ك - إخباره تعالى عن زكريا ﵇ بأنه لا يعلم الغيب: فقال: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ

стр. 949

لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ). ٣٩ - وقال عنه أيضًا: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا). ٤٠ - ل - قوله تعالى عن عيسى ﵇: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). ٤١ - م - وقال تعالى عن جميع أنبيائه مطلقاً: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). ٤٢ - ن - قوله سبحانه عن الملائكة نافيًا عنهم علم الغيب والعلم المحيط الشامل لكل شيء: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). ٤٣ - س - وقوله تعالى عن الجن: (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ). ٤٤ - ع - وفي الرد على استدلالهم بأن الأولياء يعلمون المغيبات يورد قوله

стр. 950

تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ). ٤٥ - وقال تعالى في الأولياء الكرام أصحاب الكهف: (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ) إلى أن قال: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). ٤٦ - وقوله تعالى في حق الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم ممن كان المشركون ينادونهم عند الكربات: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). ٤٧ - وقوله تعالى أيضًا في حق الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم ممن كان المشركون ينادونهم عند الكربات ويدعونهم لدفع المضرات وجلب الخيرات: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ). ٤٨ - وقوله تعالى أيضًا في حق الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم ممن

стр. 951

كان المشركون ينادونهم عند الكربات ويدعونهم لدفع المضرات وجلب الخيرات ويستغيثون بهم عند إلمام الملمات ونزول البليات: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ). ٤٩ - ف - قال تعالى في حق مريم التي هي من أعظم وليات الله تعالى: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ). ٥٠ - وقوله تعالى: (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا). ٥١ - ص - وأما ما ادعت البريلوية بأن الرسول عنده جميع علوم المخلوقات فيرد عليه بقوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ). ٥٢ - ق - ومن الآيات التي تبطل زعم البريلوية أن الرسول ﷺ حاضر وناظر كل حين وآن وأنه موجود في السموات والأرض وفي كل مكان وفي كل زمان قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ). ٥٣ - وقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ).

стр. 952

٥٤ - وقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ). ٥٥ - وقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ). ٥٦ - وقوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ). ٥٧ - وحكى الله في كتابه ذهابه بنبيه محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)؛ أي ذهب به إلى المسجد الأقصى حيث لم يكن هناك من قبل، وإلا لم يخبر بذهابه هناك، ولم يتعجب به قومه. ٥٨ - وقال جل من قائل: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا). أي أخرجوه من مكة وذهب بأبي بكر إلى الغار، وبعد خروجه لم يكن في مكة، وقبل خروجه لم يكن بالغار. ٥٩ - وقال: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

стр. 953

٦٠ - وقال: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ)؛ أي نصر الله رسوله عند نزوله ببدر وفي العدوة الدنيا عند نزول الكفار في العدوة القصوى، حيث خرج من المدينة مع أصحابه الثلاث مائة وثلاث عشرة مجاهدًا، ولم يكن في المدينة بعد خروجه كما لم يكن في البدر قبل خروجه، إليها. ٦١ - وقال: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا). فكان في الحديبية في العام السادس بعد الهجرة، حيث لم يكن في المدينة، وكما لم يكن في مكة ولم يكن في الحديبية موجودًا قبله، ولم يبق فيها بعد رجوعه إلى المدينة. وقال: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ)، وغير ذلك من الآيات الكثيرة، والوقائع اليومية التي كانت تحدث في حياته ﷺ ؛ من وجوده في الحجرة الشريفة، وانتظار الصحابة إياه في المسجد، وخروجه من البيت، ووجوده في المسجد، وعدم وجوده في المسجد عند وجوده في السوق، وغير ذلك من الحوادث الظاهرة والأمور الجلية التي لا خفاء فيها إلا لمن أعمى الله قلبه مع عمى بصره، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، فكيف يقول هؤلاء المتصوفة أن الرسول ﷺ لا يخلو منه مكان بل كل شيء أمام عينيه، وأنه يعلم جميع أحوال الموجودات والمخلوقات ولا تخفى عليه خافية؟

стр. 954

فهذه بعض الآيات القرآنية الدالة على أن علم الغيب صفة مختصة بالله تعالى، وأن الأنبياء ﵈، والأولياء، والملائكة، والجن، لا يعلمون المغيبات. والله تعالى هو وحده عالم الغيب والشهادة، وهو وحده علام الغيوب، وعنده وحده مفاتيح الغيب، وهو وحده يعلم الأمور الخمسة المذكورة في آخر سورة لقمان، وهو وحده يعلم السر وأخفى، وهو وحده يعلم ما في الصدور، وهو وحده لا تخفى عليه خافية، وقد تقدم في هذه الآيات أنه لا يعلم أحد في السموات والأرض الغيب غير الله تعالى، وأن الأنبياء لا يعلمون الغيب. وأن الأولياء كأصحاب الكهف، ومريم، وغيرهم لم يكونوا يعلمون الغيب، وأن الله تعالى قد ساق في كتابه كثيرًا من أخبار أنبيائه وأوليائه دليلاً على أنهم لم يكونوا يعلمون الغيب، كقصة آدم والملائكة وإبراهيم، ولوط ويعقوب ويوسف وزكريا وعزير ومريم وأصحاب الكهف، وغيرها، وهي كلها أدلة قاطعة على أنهم لم يكونوا يعلمون الغيب كله، وهكذا الجن لم يكونوا يعلمون الغيب. الرد عليهم من السنة النبوية ووقائع من السيرة العطرة: السنة النبوية مليئة بالأدلة على أن الرسول ﷺ لم يكن يعلم الغيب، فضلاً عما يدعيه المتصوفة معرفة علم الغيب لأوليائهم. سأورد فيما يلي بعض الأحاديث الدالة على أن علم الغيب ليس إلا عند الله جل وعلا. الحديث الأول: حديث جبريل المعروف المشهور، وفيه قال جبريل: (متى الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) ... في خمس لا

стр. 955

يعلمهن إلا الله ثم تلا النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) الآية). وقد استدل العلماء بهذا الحديث على أن جبريل والنبي ﷺ لم يكونا يعلمان الوقت المحدد لقيام الساعة، بل لا يعلم ذلك أحد غير الله تعالى، من ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي، لدلالة الحصر. وهذه الأمور الخمسة هي مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا الله . الحديث الثاني: قول النبي ﷺ : ((مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله)). الحديث الثالث: ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: ((إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم ولعل بعضكم أبلغ من بعض، فأحسبه أنه صدق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها)). فعلم من هذا الحديث أن النبي ﷺ لم يكن يعلم الغيب، فلم يكن يعرف الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل في الخصمين، ولذلك حذرهما

стр. 956

بهذه الكلمة الجامعة التي فيها عبرة لكل مسلم. الحديث الرابع: حديث الحوض، وقد روي بعدة روايات، منها: ١ - ((أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن معي رجال منكم، ثم ليختلجن دوني، فأقول: يارب أصحابي؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ )). ٢ - وفي رواية: ((خطب رسول الله ﷺ : فقال: أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً، ثم قال: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) إلى آخر الآية، ثم قال: ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يارب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم)). ٣ - وفي رواية: ((فأقول: إنهم مني؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فأقول: سحقاً سحقًا لمن غير بعدي)).

стр. 957

٤ - وفي رواية: ((إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك؟ فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي)). وهناك روايات أخرى لهذا الحديث عن أكثر من عشرة صحابي ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ في كلها إما إنك لا تدري، أو لا علم لك، أو هل شعرت، ونحو ذلك من ألفاظ هذا الحديث المتواتر القاطع للنزاع، ودل هذا الحديث بهذه الألفاظ كلها أن النبي ﷺ لا يعلم أعمال أمته، وأن روحه ليست بمطلعة على أحوال الناس. وإذا كان هذا حال أفضل الرسل، فكيف بالأنبياء الآخرين فضلاً عن الأولياء والصالحين؟ ! . الحديث الخامس: الذي ذكره الحافظ ابن حجر: وقال قبل إيراده: (إن بعض من لم يرسخ في الإيمان كان يظن أن صحة النبوة تستلزم اطلاع النبي ﷺ على جميع المغيبات، كما وقع في المغازي لابن إسحاق أن ناقة النبي ﷺ ضلت، فقال زيد بن اللصيب: يزعم محمد أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فقال النبي ﷺ : ((إن رجلاً يقول كذا وكذا، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها وهي في شعب كذا قد حبستها شجرة)) فذهبوا فجاءوا بها).

стр. 958

الحديث السادس: ما روي في أسباب النزول: أنه ﷺ : ((جاءه رجل بفرس له يقودها عقوق ومعه مهرة له يبيعها فقال: من أنت؟ قال: أنا نبي الله، قال: وما نبي الله؟ قال: رسول الله، قال الرجل: متى تقوم الساعة؟ فقال ﷺ : ((غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله))، قال: متى تمطر السماء؟ فقال ﷺ : ((غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله. قال الرجل: ما في بطن فرسي هذا؟ فقال ﷺ : ((غيب ولا يعلم الغيب إلا الله)). قال: أرني سيفك، فأعطاه النبي ﷺ سيفه، فهزه الرجل ثم رده إليه، فقال ﷺ : أما إنك لم تكن تستطيع الذي أردت ... )). الحديث السابع: وروى البخاري في صحيحه: عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ قالت: جاء النبي ﷺ يدخل حين بنى عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك، فجعلت جويرات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال ﷺ : ((دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين)).

стр. 959

فالرسول ﷺ حرص على تصحيح العقيدة الإسلامية في مسألة الغيب ولو أغنية من الأغنيات مما كانت الجارية تنسب إليه ﷺ شيئًا من علم الغيب، حتى أمرها من فوره بأن تترك هذا القول. الحديث الثامن: ما روي عن عائشة ﵂ وله حكم الرفع: تقول عائشة ﵂: من زعم أن رسول الله ﷺ يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّه). رواه مسلم. وفي رواية للبخاري عنها: ((من حدثك أنه يعلم الغيب فقد كفر)). الحديث التاسع: حديث قصة الإفك التي رواها البخاري ومسلم وغيرهما: وقد جاء فيها: ((يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه)). ومن نتائج هذه القصة أن رسول الله ﷺ رغم أنه كان قد وطن نفسه لمواجهة كل بلية أو أذى يقوم بها المنافقون؛ لأنه كان على علم وبصيرة بمكايدهم، إلا

стр. 960

أنه ﷺ لم يكن يتوقع منهم النيل من عرضه، والإساءة إليه في أحب أهله إليه، ولذا كانت الحادثة شديدة على رسول الله ﷺ ، تحمل في طياتها دروسًا وعبرًا؛ من أهمها بشرية الرسول ﷺ وكونه لا يعلم الغيب، بل الغيب من علم الله الخالص، إذ لو كان يعلم الغيب لبادر إلى تكذيب المفترين لأول وهلة، وبادر إلى بيان تبرئة عائشة دون أي شك ولم يلبث القلق والضيق معه إلى شهر، ولم يذهب إلى زوجه ولم يقل: ((يا عائشة، قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه)). فهذه الحادثة صريحة في أن النبي ﷺ لا يعلم المغيبات. الحديث العاشر: ما جاء في قصة بيعة الرضوان: ذلك أن رسول الله ﷺ لما وصل إلى الحديبية في عمرته بركت ناقته هناك لأمر يعلمه الله، ثم أوفد عثمان ﵁ إلى مكة لإعلامهم بأنه لم يأت ليشن حربًا عليهم، وإنما جاء زائرًا للبيت ومعظمًا لحرمته. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ حين بلغه أن عثمان قد قتل قال: ((لا نبرح حتى نناجز القوم))، فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. ومن أهم الدروس التي ينبغي الاهتمام بها في هذه القصة أن خبر مقتل عثمان لما أشيع وبلغ النبي ﷺ صدقه واقتنع بصحته إلى حدٍ كبير، فتحول في

стр. 961

لحظة عن خيار السلم الذي جاء معه وأعلن حالة استنفار قصوى، ودعا أصحابه للبيعة على القتال وعدم الفرار، فبادروا ﵃ إلى البيعة. ولما تمت البيعة رجع عثمان ﵁ فظهر أن نبأ مقتله كان مجرد شائعة لا أساس لها من الصحة، ولو كان ﷺ يعلم الغيب لخبرهم بالواقع ولأفادهم أن عثمان حي معافى، لم يصبه مكروه، ولكنه ـ وهو على مقربة من مكة ـ لم يكن يدري ما يجري بداخلها. الحديث الحادي عشر: ما جاء في قصة عثمان بن مظعون ﵁ التي وردت في حديث أم العلاء الأنصارية ﵂؛ وهي أنه لما توفي أبو السائب عثمان بن مظعون ﵁ وفرغوا من تكفينه، دخل النبي ﷺ ، فقالت أم العلاء: (رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال النبي ﷺ : ((وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقالت: لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: ((أما هو فقد جاءه والله اليقين، والله إني لأرجو له الخير، وما أدري والله ـ وأنا رسول الله ـ ما يفعل بي)). قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده). وهذا النص أيضًا دليل آخر صحيح صريح على أن رسول الله ﷺ لم يكن

стр. 962

علمه ببعض المغيبات دليلاً على علمه بكل غيب، فلئن كان بشر بعض أصحابه بالجنة إطلاع الله له على حالهم، فإنه لم يكن ما حال بعضهم الآخر، ذلك لأن معرفة ما يئول إليه حال الإنسان يوم القيامة غيب لا يعلمه إلا الله. فهذه بعض نصوص الشرع تدل على أن علم الغيب من خصائص الربوبية لا يعلمه أحد إلا ما أعلمه الله أحد خلقه، فمن أثبت هذا العلم لغير الله فقد نازع الله في ربوبيته في علمه المحيط الشامل لكل شيء، ومعلوم أن هذا شرك بالله في ربوبيته بالأنداد في صفته العلم المحيط. الفرع الثالث: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط لدى السحرة: لقد سبق معنا كيف يكون السحر شركًا في الربوبية، ومتى يكون، وإنما ذكرته هاهنا لوجود ظاهرة السحر والتسحر في العصر الحديث بصفة عامة في جميع دول العالم، بل ترى الآن هناك محافل وأندية للسحرة ولهم سلطة عجيبة على كثير من الملوك، وقل ما تجد صحيفة يومية أو أسبوعية إلا وفيها إعلان عن تعليم السحر، وإبرازه بأنه فن من الفنون المحمودة. والناس دائمًا يهرولون إليهم بغية معرفة الأخبار السرية أو طلبًا للتنبؤات ـ كما يسمون ـ المستقبلية، ويعتقدون معرفتهم بالمغيبات. وهذا لا شك في كونه شركًا بالله في الربوبية في صفته العلم المحيط. الفرع الرابع: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط لدى الكهنة والمنجمين والعرافين وأصحاب الطرق: سبق معنا ذكر كون الكهانة والتنجيم والعرافة شركًا بالله جل شأنه في صفته

стр. 963

العلم المحيط لكل شيء، وهنا أذكرهم على أن هذه الظاهرة من الكهانة والعرافة والتنجيم موجودة بشكل عام في جميع بلدان العالم، فقل ما تذهب إلى دولة إلا تجد هناك في الشوارع أناساً جالسين وأمامهم لوحة كبيرة مكتوب عليها: (تعرّف على مستقبلك)، أو (هنا نستطيع أن نقرأ خطوط أيديك ونخبرك بما سيحدث لك أو ما حدث)، أو (نحن نستطيع أن نختار لك أحسن الحجر الذي سينفعك في مستقبل عمرك بمعرفة برجك)، أو مثل هذه العبارة. وهناك من العلماء ما زالو ينظرون إلى حروف أبي جاد المعروف، حيث يأخذون اسم الرجل واسم والدته ثم يقسمونه على عدد معلوم ثم يقولون له: إنه سيحدث لك مثل هذا أو ذاك، ومعلوم أن هذه كلها من العرافة التي فيها ادعاء علم المغيبات التي اختص الله بها نفسه. وهناك طائفة أخرى من الناس تراهم يعلنون دائمًا في الصحف: (إن كان ولادتك في يوم كذا فأنت من حظ الجدي مثلاً، أو العقرب مثلاً، وأنت ستكون محظوظًا في يومك هذا، أو شهرك هذا، أو يقولون: ستكون محظوظًا في يومك هذا، أو شهرك هذا، أو يقولون: ستكون لك مصائب عن قريب، أو سيكون هناك انحطاط جسدي أو فكري أو تجاري، أو مثل هذه العبارة. ولا شك أن هذه كلها من الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط. وأعظم من تتمثل فيهم الصوفية، فإن الذي يسبر أحوالهم، ويطلع عليها، يعلم علم اليقين أن أكثر مشايخ الطرق ما بين كاهن وعراف، فادعاء علم الغيب عندهم كأنه من مستلزمات الولاية والكرامة، ويسمون ذلك بـ (الكشف). كما أن الكهانة منتشرة بين كثير من الخرافيين الذين يدعون معرفة الغيب،

стр. 964

ويزعمون أنهم يرشدون الناس إلى ما يريدون، ويأكلون أموالهم بالباطل. كما أن من مظاهر وجودها: ما يوجد عند بعض من يتطبب بما يسمى بالطب الشعبي، فيزعم أنه يعرف سبب المرض الفلاني، وأن علاجه كذا وكذا، عن طريق الشياطين. كما أن من مظاهرها أيضًا: ما يدعيه الفلكيون من المنجمين من معرفة ما يحصل بما يسمى بالطالع سواء كان نحسًا أو سعيدًا، وهذا موجود في أكثر الصحف والمجلات. وأما الطرق: التي هي ضرب من ضروب الكهانة التي كان العرب يتوصلون ـ بزعمهم ـ بها إلى معرفة المغيبات. وذلك بالخط على الأرض على طريقة مخصوصة. وهذه الظاهرة ما زالت موجودة في هذا العصر، فمنها: الخط على الرمل، وضرب الودع منتشران انتشاراً كبيراً، وكذا التنبؤ ـ كما يسمون ـ بها. ومما يلحق بها مما هو موجود في هذا العصر، ما يسمى بـ (زهر الطاولة)، (والدومينو) وهذا يقومان على التنبؤ بالشيء عن طريق الأرقام، بحيث توضع دائرة على الأرض، ثم يلقى بالزهر المرقم داخلها، فإن لم يدخل فيها، فهو يعني أن ثمة شقاقًا سيقع، وإن دخل فيها تمت قراءة الأرقام الموجودة على الزهر، وكل رقم يدل على حادثة معينة. ومنها: قراءة النار: حيث إنهم يستدلون على ما يقع ـ بزعمهم ـ من الأحداث في المستقبل بصور الجمر، وتلهب النار.

стр. 965

ومنها: ما يسمى بقراءة الفنجان، وهو فنجان القهوة، حيث يعتمد الكاهن على ما يتبقى من القهوة فيه، فيرسم به على جوانب الفنجان خطوطًا، ثم يتنبأ بما يحصل. ومنها: ما يسمى بقراءة الكف، حيث يعتمد مدعي الغيب على خطوط الكف، وما فيها من تقاطعات، وتعرجات، وانقطاعات، واتصالات، ثم يزعم أنه يكون كذا، وكذا. ومنها ما يسمى بـ (قراءة الكوتشينة)، وهي كزهر الطاولة التي سبق الكلام عليها قبل قليل. ومنها: الضرب بحباب الفول. الفرع الخامس: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط في الروحية الحديثة: فإن في اعتقاد بعض الناس أن الأرواح ـ التي هي جنات في الحقيقة ـ تعلم المغيبات. وهذه الظاهرة قد انتشرت في الآونة الأخيرة في أغلب دول أوروبا، وفي بعض الدول الآسيوية أيضًا، وقد سبق معنا تفصيل البيان في كيفية مزاولة الوسيط الشيطاني من الإنس هذه الأعمال، وكيف أنها أشرك بالله من عدة جهات، وإنما أوردتهم هاهنا لأنهم يعتقدون في الأرواح أنها تعلم المغيبات. يقال في الرد عليهم:

стр. 966

١ - كما قال الشيخ محمود شلتوت في الفتاوى: لم يرد شيء فيما يختص بتحضيرها، وتسخيرها لدعوة الإنسان، كما لم يدل عليه حس موثوق به أو تجربة صادقة، وكل ما نسمعه في ذلك لا يخرج عن مظاهر خداع وإلهاء بالخيالات لا يلبث أن ينكشف أمره. ٢ - ما الذي أعلمهم أنها أرواح؟ هل يعرفون الروح؟ يمكنهم أن يقولوا: إنهم يحضرون قوى خفية، ولكن أرواحًا فلا، وكل ذلك غير مقبول، وليس هذا ثابت بالبحث العلمي؛ لأن البحث العلمي يحتاج إلى المعمل وإلى التجربة، وهذا لا يتوفر فيه التجربة والمعمل. ٣ - ما هذه الأرواح التي يزعمون أنهم يحضرونها؟ هل هي أرواح الصالحين؟ كلا، فهؤلاء عرفوا الله عن طريق الأنبياء والمرسلين، فيستحيل أن يخرجوا على كتبهم، ويتنكبوا طريقهم، ولو أتيحت فرصة العودة إلى الدنيا ـ جدلاً ـ لما دعوا الناس في هذا الزمان إلا إلى اتباع محمد ﷺ ، والأخذ من قرآنه، أم هي أرواح الفجار؟ كلا، فهؤلاء بعد ما غادروا الحياة ملكتهم حسرة قاتلة على زيغهم أيام الدنيا، ثم هو في أيدي حراس غلاظ شداد، قد أمسكوا بخناقهم توطئة لحسابهم الشاق، فكيف يتصور أنهم عادوا إلى الحياة الدنيا عن طريق الاتصال الروحي يستأنفون التزوير والتضليل؟ ! إننا لا نشك في أن مبادئ الروحية الحديثة هي من عبث مردة الجن الذين استغفلوا نفرًا من أبناء آدم، واصطادوهم إلى هذه المجالس؛ مجالس الأشباح والأوهام، مجالس تحضير الأرواح ـ كما يقال ـ ليملوا عليهم هذا المنكر من

стр. 967

القول. وما أكثر عبث الجن بالإنس وأوسع طرقه، ولذلك يندد القرآن الكريم بأطراف هذه الفتنة فيقول: (وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ). ولا غرو، فإن الشيطان يستحلي إغواء أبناء آدم، كما يستحلي أبناء آدم أكل السحت وارتكاب الزنا، وما هذه الدعوى من تحضير الأرواح إلا من الشياطين. فالصحيح الذي لا مرية فيه: أن ما يسمونه بالأرواح ما هي إلا شياطين. وأما كيفية معرفتهم لبعض ما يغيب على الناس، فهذا لا يخلو عن ثلاثة أمور: ١ - إما أنه من قرين الميت الذي كان يعرف كثيرًا من أعمال الميت، فيخبرهم عن أحواله. ٢ - وإما أنه من قبيل الجن العابر الذي تعرف على حال المسئول عنه عن طريق استخباره عن الجن الذي هو قرين المسئول عنه. ٣ - وإما أن يخبر عن أشياء هي غائبة بالنسبة لدينا، وليست بغائبة لديهم؛ فمثلاً: كل ما في جيب الإنسان لا يراه إنسان آخر، ولكن الجنات يرون هذه الأشياء كرؤيتنا للمشهودات. فإخبارهم بهذه الأشياء ليس من قبيل المغيبات. فهذا آخر ما أمكن من بيان المشركين بالله في الربوبية بالأنداد في صفة العلم المحيط في العصر الحاضر.

стр. 968

المطلب الثالث: الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد في صفته الحكم والتشريع المطلقين بإثباتهما لغيره سبحانه وفيه مدخل وفروع: مدخل في بيان المقصود بالحكم في هذا الباب، وكون إثباته لغير الله شركًا بالله في الربوبية، وبيان الصور التي تدخل منه في هذا النوع من الشرك. المقصود بالحكم في هذا البا: مع الجهل بحقيقة الإسلام والبعد عنه، ومع جهود المحادين لله ورسوله، أخذت عدة مفاهيم شرعية تتغير في عقول الناس وتتبدل، وتنحرف عن معناها الأصلي، ومن تلك المفاهيم التي أصابها الضمور في عقول الناس مفهوم الحكم بما أنزل الله، فقد انحصر مفهوم الحكم بما أنزل الله على شموله واتساعه في بعض أجزائه. فبعضهم ينحصر في التشريعات والأحكام المتعلقة بالأسرة؛ من زواج وطلاق، وحضانة وغير ذلك. والبعض الآخر يحصره في العقوبات الشرعية من الحدود وغيرها. والبعض الآخر يحصره في مجرد كلمة غامضة تكتب في قصاصة من الورق لا قيمة لها يسمونها (الدستور) أو ما شابهه من المسميات. ونماذج بتر المفهوم الصحيح للحكم بما أنزل الله كثيرة ومتنوعة باختلاف أهواء البشر وضلالاتهم وجهالاتهم. وأبرز هذا المفهوم المبتور ما ترى في كثير من الناس الذين يكفرون الحكام وعامة الناس من غير تفصيل ولا احتياط

стр. 969

في هذا الأمر، ومن غير مراعاة منهج السلف في هذا الباب، بل ترى كثيرًا منهم يسارعون إلى تكفير الحكام لعدم الحكم بما أنزل الله، وتراه لا يحكم بما أنزل الله في نفسه وأسرته، بل زيادة على ذلك تراه يقبل أحكامًا تخالف شرع الله من عند رئيس جماعته، ونحلته التي ينتسب إليها، ولما وصل الأمر إلى هذا الحد لزم بيان المفهوم الصحيح للحكم بما أنزل الله. وإذا رجعنا إلى معنى كلمة (الحكم) نجد لها عدة معان، يتعلق منها بموضوعنا معنيان: الأول: القضاء والفصل في الأمور المعينة: اعتمادًا على تشريع سابق، ويكون دور القاضي في هذه الحالة: البحث في نصوص التشريع عما ينطبق على الحالةا لمعروضة، ثم يحكم فيها بما يدل عليه ذلك التشريع، ويدل على هذا المعنى لمفهوم كلمة الحكم، قوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، وقوله تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ)، وقوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا)، وغير ذلك من النصوص المشابهة. فالمراد بالحكم في هذه النصوص وما شابهها: القضاء والفصل في الأمور على وفق التشريع المنزل من عند الله.

стр. 970

وهذا النوع من الحكم ليس خاصًا بالله، ولا يمنع المسلم من مزاولته فكل مسلم استوفى شروط القضاء المعروفة يمكنه مزاولة هذا النوع من الحكم. وطبيعة هذا النوع من الحكم أنه يتعلق بوقائع معينة محددة، وما خالف في جوازه إلا الخوارج ومن تبعهم من معاصرينا. الثاني: القضاء والفصل في الأمور بغير اعتماد على تشريع سابق، أو القضاء والفصل في الأمور اعتمادًا على تشريع يضعه القاضي أو الحاكم من قبل نفسه، أو مما خلفته الأمم من التشريعات، أو مما سنته عقول الناس. فهذا النوع من الحكم يكون الحكم فيه بمعنى التشريع المبتدأ الذي يبتدئه الحاكم من عند نفسه أو من القوانين الأخرى المستوردة، من غير أن يمليه عليه أحد، أو يتبع فيه أحدًا، وقد يصحبه بعد ذلك الحكم بالمعنى الأول، وقد لا يصحبه. وفعل الحاكم في هذا النوع من الحكم أنه يضع من عند نفسه التشريع ويبين الأحكام المترتبة على الأقوال والأفعال والتصرفات. وقد يحكم الحاكم بعد ذلك في قضية أو واقعة معينة بناء على هذا التشريع ـ القوانين ـ، وقد لا يحكم فيها بنفسه. ويدل على هذا المعنى لمفهوم كلمة (الحكم) قول الله تعالى: (ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ)، وقوله تعالى: (وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ)، وقوله تعالى: (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)، وقوله تعالى: (وَلَا

стр. 971

يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)، وقوله تعالى: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)، وقوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ). وغير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على هذا المعنى. فالمراد بالحكم في هذه النصوص وما شابهها: إحداث تشريع مبتدأ للحكم في القضايا، سواء كانت قضايا كلية عامة، أو كانت قضايا معينة محددة. ومعلوم أن هذا النوع من الحكم مختص بالله رب العالمين، لا يشركه فيه أحد من خلقه. ومن هنا يتبين جليًا أن مفهوم الحكم بما أنزل الله مفهوم واسع يشمل كل ما جاءت به النصوص الشرعية من الكتاب والسنة أو دلت عليه. فمثلاً: ١ - مال الدولة الإسلامية: تحديد موارده، وتحديد مصارفه، وكيفية مصارفه، وكيفية الاكتساب في الإسلام، وما يحل منه وما يحرم، كل ذلك يشمله مفهوم الحكم بما أنزل الله. ٢ - ثروات الأمة المخزونة في باطن الأرض أو على ظاهرها: ما يكون منها ملكًا للدولة وما كان منها ملكًا للأفراد، وكيفية توزيع ثروات الأمة بين أبنائها بالحق والعدل، بحيث لا يستأثر بها فريق دون آخر، يشمله الحكم بما أنزل الله. ٣ - صفات الوالي: وما يشترط فيه من الشروط، وواجباته، وحقوقه، وكيفية اختياره أو عزله ـ إن اقتضى الأمر ـ كل ذلك يشمله أيضًا مفهوم الحكم بما أنزل الله.

стр. 972

٤ - العلاقات الخارجية: علاقات الدولة الإسلامية بغيرها من دول الكفر: ما هي حدود العلاقات؟ هل هي حرب أم هي سلم؟ أم هي هدنة مؤقتة أم هي غير ذلك؟ كل ذلك يشمله مفهوم الحكم بما أنزل الله. ٥ - مخالفات الناس ومعاصيهم: وما يترتب على ذلك من عقوبات قد تكون حدًا، وقد تكون تعزيراً، يشمله أيضًا الحكم بما أنزل الله. ٦ - العلاقات الأسرية: من زواج وطلاق، وحضانة، وخلع، وعدة ومتعة، وأحكام الوراثة، وأحكام المهور كل ذلك يشمله الحكم بما أنزل الله. ٧ - كما أنها تشمل حكم الله في الصلاة والصيام والزكاة والحج والزفاف والجنائز واللباس والطعام والشراب، بل في جميع أمور الفرد والأسرة والمجتمع والأمة. وهكذا، فالحكم بما أنزل الله مدلوله أشمل وأوسع من مجرد ما يظنه كثير من الناس، إذ ما من آية أو حديث فيها حكم من الأحكام الشرعية، إلا كان الحكم بما دلت عليه الآية أو الحديث داخلاً في مفهوم الحكم بما أنزل الله. ولعله يصبح من الواضح جدًا الآن شيئان: الأول: أن مطالبة المطالبين بالحكم بما أنزل الله لا تعني تنفيذ بعض هذه الأحكام، بل تعني جميع هذه الأحكام، وأن الأمر لا يخص الأمراء فقط، بل حتى على الأسرة والمجتمع، والمجتمع كلٍّ حسب ما كلف من جهة الشرع، فالرجل مكلف أن يحكم بما أنزل الله في أسرته؛ لأن كل واحد منا راع وكلنا مسئولون عن رعايانا. فما ترى من الناس من أنهم ينصبون جميع اللوم على الحكام والأمراء في عدم الحكم بما أنزل الله ليس ذاك إلا لمجرد القصور في النظر.

стр. 973

الثاني: لما قلنا: إن الحكم بما أنزل الله يشمل كل شئون الفرد والمجتمع، وإذا لم يطبق أحدنا ما حكم الله في ما يرعاه، فإن حكمه يختلف حسب ما أداه إليه عمله هذا، من الكبيرة وارتكاب الحرام وكفر دون كفر، إلى كفر أكبر وشرك أكبر؛ لأن للمخالفة درجات في الشرع، فإن كان خالفه بمجرد اتباع هواه فهل يقال له إنه كافر مثلاً؟ ولو قلنا بهذا فما الفرق بيننا وبين الخوراج مثلاً؟ ولهذا من الخطأ ما نرى الآن في الساحة أناسًا يكفرون الناس بدون تفصيل، وبدون النظر إلى عواقب الأمور وإلى أنه هل يوجد هناك عنده شبهة أو مانع أم لا؟ . كون إثبات صفة الحكم لغير الله شركًا بالله جل وعلا: لا شك أن تنحية شرع الله تعالى وعدم التحاكم إليه في شئون الحياة من أخطر وأبرز الانحراف في مجتمعات المسلمين. ولقد كان من عواقب الحكم بغير ما أنزل الله في بلاد المسلمين ما حل بهم من أنواع الفساد وصنوف الظلم والذل والمحق. ولعل أخطر منه إعطاء سلطة التشريع والحكم لغير الله سبحانه. ونظراً لأهمية وخطورة هذه المسألة من جانب، وكثرة اللبس فيها من جانب آخر، نفصل القول في المسألة على النحو التالي: منزلة إثبات صفة الحكم والتشريع لله وحده: فرض الله تعالى الحكم بشريعته، وأوجب ذلك على عباده، وجعله الغاية من تنزيل كتابه، فقال سبحانه: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) وقال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ).

стр. 974

وبين سبحانه اختصاصه وتفرده بالحكم، فقال: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)، وقال سبحانه: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ)، وقال : (لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، وقال سبحانه: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)، كما سبق معنا إيراد النظائر من الآيات الدالة على أن الحكم والتشريع من خصائص الله . فالحكم بما أنزل الله من توحيد الربوبية؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته وكمال ملكه وتصرفه، ولهذا سمى الله تعالى المتبوعين في غير ما أنزل الله تعالى أربابًا لمتبعيهم، فقال سبحانه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). وكما يقول الشيخ محمد رشيد رضا ـ في بيان معنى الشرك في الربوبية ـ: هو إسناد الخلق التدبير إلى غير الله تعالى معه، أو أن تؤخذ أحكام الدين

стр. 975

في عبادة الله تعالى والتحليل والتحريم من غيره، أي غير كتابه ووحيه الذي بلّغه عنه رسله. ويقول ابن حزم ـ عند قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ) الآية ـ: (لما كان اليهود والنصارى يُحرمون ما حرم أحبارهم ورهبانهم، ويُحلون ما أحلوا، كانت هذه ربوبية صحيحة، وعبادة صحيحة، وقد دانوا بها، وسمى الله تعالى هذا العمل اتخاذ أرباب من دون الله وعبادة، وهذا هو الشرك بلا خلاف). ويقول ابن تيمية ﵀ في هذا الشأن: (وقد قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). وفي حديث عدي بن حاتم ـ وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي وغيرهما ـ وكان قد قدم على النبي ﷺ وهو نصراني، فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: ((أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ )). قال: فقلت: بلى. قال: ((فتلك عبادتهم)). وكذلك قال أبو البختري: ((أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن

стр. 976

يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية ... فقد بين النبي ﷺ أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال، لا أنهم صلوا لهم، وصاموا لهم، ودعوهم من دون الله، فهذه عبادة الرجل، وقد ذكر الله أن ذلك شرك بقوله: (لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). وإذا كانت متابعة أحكام المشرعين غير ما شرعه الله، تعتبر شركًا، وقد حكم الله على هؤلاء الأتباع بالشرك، كما قال تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)، فكيف بحال هؤلاء المشرعين؟ ! لا شك في كفرهم؛ لأنهم نازعوا الله تعالى في ربوبيته، وبدلوا دين الله وشرعه. كما أن حقيقة الرضا بالله ربًا توجب إفراد الله تعالى بالحكم، واختصاصه تعالى بالخلق والأمر، حيث قال سبحانه: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)، وقال سبحانه: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ). فالأمر كله لله تعالى وحده، سواء كان هذا الأمر كونيًا قدريًا، أو شرعيًا دينيًا.

стр. 977

يقول العز بن عبد السلام: وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء والإبقاء والتغذية والإصلاح الديني والدنيوي، فما من خير إلا هو جالبه، وما من ضير إلا هو سالبه ... وكذلك لا حكم إلا له. ويقول عبد الرحمن السعدي: فإن الرب والإله هو الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، وهو الذي يؤله ويعبد وحده لا شريك له، ويطاع طاعة مطلقة فلا يعصى بحيث تكون الطاعات كلها تبعًا لطاعته. إضافة إلى ذلك، فإن الحَكَم من أسماء الله تعالى الحسنى، فقد قال ﷺ : ((إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم)). يقول ابن الأثير: (وإنما كره له ذلك لئلا يشارك الله في صفته).

стр. 978

وفي دعاء الاستفتاح في صلاة التهجد يقول الرسول ﷺ : ((وإليك حاكمت)). يقول ابن منظور في اللسان: (أي: رفعت الحكم إليك ولا حكم إلا لك). وقال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا). وقال سبحانه: (فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ). وقال : (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ). وإن الإيمان بهذا الاسم يوجب التحاكم إلى شرع الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). وقال سبحانه: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ). وقد بين الله تعالى ـ في آيات كثيرة ـ صفات من يستحق أن يكون الحكم له ... كما قال العلامة الشنقيطي مبينًا ذلك: فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع، قوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)، ثم قال مبينًا صفات من له الحكم: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ

стр. 979

وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور، ويتوكل عليه، وأنه فاطر السموات والأرض ـ أي خالقها ومخترعها، على غير مثال سابق ـ، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجًا ... ؟ فعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم، ولا تقبلوا تشريعًا من كافر خسيس حقير جاهل. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السموات والأرض؟ وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات، وبصره بكل المبصرات؟ وأنه ليس لأحد دونه من ولي؟ عن ذلك علوًا كبيرًا. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأنه الإله الواحد

стр. 980

وأن كل شيء هالك إلا وجهه؟ وأن الخلائق يرجعون إليه؟ تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف أخس خلقه بصفاته. ومنها قوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ). فهل فيهم من يستحق أن يوصف بأنه يقص الحق، وأنه خير الفاصلين؟ ومنها قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ). فهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي ينزل الرزق للخلائق، وأنه لا يمكن أن يكن تحليل ولا تحريم إلا بإذنه؟ لأن من الضروري أن من خلق الرزق وأنزله هو الذي له التصرف فيه بالتحليل والتحريم. سبحانه جل وعلا أن يكون له شريك في التحليل والتحريم. وقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا): وقد قرأ هذا الحرف عامة القراء ... (ولا يشرك) بالياء المثناة التحتية، وضم الكاف على الخبر، ولا نافية، والمعنى: ولا يشرك الله أحدًا في حكمه، بل الحكم لله وحده لا حكم لغيره ألبتة، فالحلال ما أحله ـ تعالى ـ والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه. وقرأ ابن عامر في السبعة: (ولا تشرك) بضم التاء المثناة الفوقية، وسكون الكاف بصيغة النهي، أي لا تشرك يا نبي الله، أو لا تشرك أيها المخاطب في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم، وحكمه جل وعلا المذكور

стр. 981

في قوله: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) شامل لكل ما يقتضيه جل وعلا، ويدخل في ذلك التشريع دخولاً أوليًا. وإذا كان القول بأن الله هو الحَكَم، وأن الحُكم له وحده يمثل جزءًا من عقيدة المسلمين في الله ربهم فإنه يعني من جانب آخر أن المسلم لا يقر بذلك لأحد دون الله تعالى. هذا فضلاً عن أن يدعي ذلك لنفسه، أو لغيره. ومما تقدم تبين أن من ادعى أنه هو الحَكَم وأن الحُكْم له ـ سواء كان هذا المدعي فردًا، أو جماعة، أو هيئة، أو مؤسسة، أو مجلسًا شعبيًا، أو برلمانًا، أو غير ذلك من المسميات ـ فقد ادعى مشاركته لله ﵎ في ذلك. والمقصود: بيان كون الحكم والتشريع من خصائص الربوبية، وإعطاء هذه الخصيصة لغير الله شرك بالله جل شأنه في صفة الحكم وفي صفة التشريع. بقي أن نشير هنا إلى أنه هل وجد هذا النوع من الشرك في العصر الحديث أم لا؟ . فأقول: لقد وقع في هذا النوع من الشرك جملة من الطوائف في العصر الحديث، ويتمثل ذلك فيما يلي: إعطاء حق التشريع لغير الله سواء كان من الأمراء والسلاطين، أو القوانين، أو الأنظمة المستوردة. ومنها: إعطاء حق التشريع للعلماء والأئمة ورؤساء الأحزاب والجماعات. ومنها: إعطاء حق التشريع لمشايخ التصوف. وسأذكر كل من وقع في هذا النوع من الشرك في الفروع الآتية:

стр. 982

الفرع الأول: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفة الحكم والتشريع بإثباتهما لغير الله، سواء كان إنسانًا عادياً، أو أميرًا من الأمراء، أو كان قانونًا من قوانين الكفرة، أو نظامًا من الأنظمة المستوردة ... : كل من نصب نفسه حاكمًا مطلقًا أو مشرعًا ـ في أي قضية من القضايا ـ فقد أوقع نفسه في هذا النوع من الشرك؛ لأن الله سماه مشرعًا في قوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ). كما سماه طاغوتاً، وحرم التحاكم إليه، وبين أن من تحاكم إلى الطاغوت ثم زعم الإيمان أن أمره عجيب؛ لأن دعوى الإيمان يبطلها التحاكم إلى الطاغوت. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً). وقد سمى الله تعالى الذين يحكمون بغير شرعه كفارًا، وظالمين، وفاسقين، فقال سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، وقال سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وقال

стр. 983

عزوجل: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). وأبرز من وقع في هذا النوع من الشرك: المشرعون للقوانين الوضعية. والمستوردون لها والمبدلون بها الحكم الشرعي والمستحلون للحكم بها، والمنكرون لأحقية حكم الله ورسوله عليها، والمسوون بينها وبين حكم الله، والقائلون بعدم صلاحية حكم الله في هذا القرن العشرين ـ قرن العلم والنور ـ (كما يقولون)، والمعرضون عن أحكام الشريعة الدالة على عدم الاقتناع بها. وذلك: (أن طواغيت البشر ـ قديمًا وحديثًا ـ قد نازعوا الله في حق الأمر والنهي والتشريع بغير سلطان من الله تعالى، فادعاه الأحبار والرهبان لأنفسهم؛ فأحلوا به الحرام، وحرموا به الحلال، واستطالوا به على عباد الله، وصاروا بذلك أرباباً من دون الله. ثم نازعهم الملوك في هذا الحق حتى اقتسموا السلطة مع هؤلاء الأحبار والرهبان، ثم جاء العلمانيون فنزعوا الحق من هؤلاء وهؤلاء، ونقلوه إلى هيئة تمثل الأمة والشعب، أُطلق عليها اسم البرلمان، أو مجلس النواب ... وغالب الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين ـ من خلال استقراء دساتيرها ـ إنما هو انسلاخ من عقيدة إفراد الله تعالى وحده بالتشريع، حيث جعلت التشريع والسيادة للأمة أو الشعب، وربما جعلت الحاكم مشاركًا في ذلك في سلطة التشريع، وقد يستقل بالتشريع في بعض الأحوال، وكل ذلك تمرد على حقيقة الإسلام التي توجب الانقياد والقبول لدين الله تعالى، والله المستعان). وقد وصل امتهان الشريعة الإلهية ونبذها ـ في بعض تلك الدساتير ـ إلى

стр. 984

حد أنهم جعلوا هذه الشريعة الربانية مصدرًا ثانويًا من مصادر القانون، فتأتي الشريعة متأخرة بعد التشريع الوضعي، والعرف، كما أنهم يجاهرون صراحة بحق التشريع لغير الله تعالى ـ بحيث أن نصوص الشريعة لا تكتسب صفة القانون عندهم لو أرادوا العمل بتلك النصوص إلا بصدورها عمن يملك حق التشريع، وهي السلطة التي يمنحها الدستور الاختصاص بذلك. أما كون هذه الشريعة منزلة من عند الله تعالى فلا يعطيها صفة القانون عندهم فضلاً أن تكون حاكمة ومهيمنة، بل إن العرف يلغي أي مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية ـ فسحقاً لهم ـ. كما أن هذه القوانين والدساتير الطاغوتية عند أصحابها قد صار لها من الحرمة والتعظيم كما لو كانت شريعة إلهية، يبين ذلك الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ فيقول: (هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإسلام ... هي في حقيقتها دين آخر جعلوه دينًا للمسلمين بدلاً من دينهم النقي السامي، لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها وغرسوا في قلوبهم حبًا وتقديسها والعصبية لها، حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثير من الكلمات (تقديس القانون)، و (قدسية القضاء) و (حرمة المحكمة) وأمثال ذلك من الكلمات ... ثم صاروا يطلقون على هذه القوانين ودراساتها كلمة (الفقه) و (الفقيه)، و (التشريع) و (المشرع) ... وما إلى ذلك من الكلمات التي يطلقها علماء الإسلام على الشريعة وعلمائها). إن شريعة الله تعالى يجب أن تكون وحدها حاكمة ومهيمنة على غيرها،

стр. 985

وأن تكون المصدر الوحيد للتشريع، فلا ننخدع بما يقوله بعضهم بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، لما تضمنه هذه العبارة الشركية من الإقرار والرضا بمصادر أخرى للتشريع، ولو كانت مصادر فرعية. يقول الله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ). وفيما يلي بيان نصوص العلماء المحققين في إثبات ما ذكر: أولاً: قول شيخ الإسلام ابن تيمية: قال ﵀ في كتابه منهاج السنة النبوية: (ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلاً من غير اتباع لما نزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا هي تأمر بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام ويحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله، كسواليف البادية، وكأوامر المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي أن يحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، فإن كثيرًا من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون. فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار). وقال في موضع آخر: (والإنسان متى حلل الحرام ـ المجمع عليه ـ أو حرم
следующие страницы →