← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

العلم الباطن. المرتبة الخامسة: مرتبة النقباء: ولقد عرف النقباء صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية فقال: (أما النقباء فهم الذين استخرجوا خبايا النفوس وأشرفوا على الضمائر لتحققهم بالعبودية). إذن، النقباء هم الذين يعرفون ما في الضمائر، ومعنى ذلك هم الذين يعلمون الغيب. المرتبة السادسة: مرتبة النجباء: وقد عرفهم صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية بما يلي: (أما النجباء فهم أربعون شخصًا، مشغولون بحمل أثقال الخلق، فلا يتصرفون في حق أنفسهم بل في حق غيرهم). المرتبة السابعة: مرتبة الأئمة: وقد تحدث محيي الدين بن عربي عن هذا عند المتصوفة فقال: (أما الأئمة فهما إمامان، أحدهما عن يمين القطب ونظره في عالم الملكوت واسمه عبد الرب، والآخر عن يساره ونظره في عالم الملك واسمه عبد الملك، وهو الذي يخلف القطب إذا درج). إذا نظرنا إلى النص السابق نرى بوضوح أن المتصوفة يقصدون بلفظ الأئمة الإمامين اللذين يجلسان عن يمين القطب ويساره، وهذا حسب

стр. 912

زعمهم، وإلا فلا وجود أصلاً للقطب المزعوم فضلاً عن أن يكون له إمامان يجلسان بجنبيه. المرتبة الثامنة: مرتبة المجذوب: هناك درجة أخرى من الدرجات التي وضعها المتصوفة لمن يسمونهم أولياء الله وهي مرتبة المجاذيب. وقد تحدث صاحب عوارف المعارف على هذه المرتبة فقال: المجذوب: هو الذي يبادئه الحق بآيات اليقين، ويرفع عن قلبه شيئًا من الحجاب، ولا يؤاخذ في طريق السلوك والمعاملة، وهذا لا يؤهل المشيخة. والخلاصة التي توصلنا إليها من خلال كلامنا عن مراتب الصوفية التي وضعوها للأولياء: هو أن المتصوفة كونوا مملكة بشرية وهمية، وزعموا أن هذه المملكة هي التي تسير هذا الكون بكامله، فلا يقع في هذا الكون أمر من الأمور إلا عن طريق هذه المملكة المزعومة، وأن هذه المملكة لها التصرف المطلق في هذا الكون فهي التي تحفظه من المهالك وعن طريقها يرزق كل ما في هذا الكون. وهذا واضح جدًا في النصوص السابقة التي أوردتها عن أئمة التصوف، وبهذا نصل إلى نتيجة واحدة وهي أن المتصوفة يعتقدون بأن هناك بشر شركاء لله في تدبير هذا الكون وتسييره. والحقيقة ـ فيما أعلم ـ أن هذا شرك بالله في قدرته الكاملة، وقد انفرد المتصوفة بمثل هذا القول من بين الفرق والطوائف بل وأصحاب الأديان المختلفة، وذلك لأنه حتى الكفار الذين بعث إليهم الرسول ﷺ لم يكونوا يقولون إن الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله

стр. 913

لها المشاركة مع الله في التصرف في هذا الكون، وإنما كانوا يقولون: إنها وسائط فقط. ولذا نقول: إن المتصوفة فاقوا المشركين الأوائل في الشرك بالله، فإنه ما وجد مثل هذا الاعتقاد في شرك الأمم السابقة ولا في شرك العرب في الجاهلية، وإن وجد شيئًا من هذا النمط فكان في الباطنية الكفرة، فهؤلاء لعلهم استقوا هذه الاعتقادات من الباطنية الأشرار، وسأزيد هذا الموضوع توضيحًا فيما يلي بإيراد حكايات عن أئمة التصوف ثبتت لنا أن المتصوفة يعتقدون بأن مشائخهم لهم التصرف الكامل في هذا الكون. ثانياً: ذكر نماذج من نصوص من بطون كتب الصوفية التي ألفها أئمة جهابذة عندهم تثبث لنا أن المتصوفة بالفعل يعتقدون أن الأولياء يتصرفون في الكون: سبق معنا بيان مراتب الأولياء ووظائفهم عند المتصوفة، وهنا أورد بعض النصوص من بطون كتبهم لكي نثبت ونؤكد ونوضح أكثر اعتقاد المتصوفة التصرف المطلق للأولياء في هذا الكون والذي هو شرك بالله في قدرته الكاملة، وحتى نقطع الحجة على كل متنطع متصوف يقول مثلاً: إن هذا القول لم يقله المتصوفة وإنما هو مفترى عليهم. فمن هذه الحكايات: أ- ما يقول به يوسف النبهاني في معرض حكاياته لكرامات الأولياء: أن عبد الله بن علوي ابن الأستاذ الأعظم من كراماته أن رجلاً أنشد أبياتًا تتعلق بالبعث والحساب، فتواجد صاحبه وخر مغشيًا عليه، فلما أفاق قال للرجل: أعد الأبيات، فقال الراجل: بشرط أن تضمن لي الجنة، فقال: ليس ذلك إليّ ولكن اطلب ما شئت من المال، فقال الرجل: ما أريد إلا الجنة وإن حصل لنا شيء ما كوهنا، فدعا له بالجنة فحسنت حالة الرجل وانتقل إلى ـ رحمة الله ـ وشيعه السيد

стр. 914

المذكور وحضر دفنه وجلس عند قبره ساعة، فتغير وجهه، ثم ضحك واستبشر فسئل عن ذلك فقال: إنه لما سأله الملكان عن ربه قال: شيخي عبد الله بن علوي فتعبت لذلك فسألاه أيضًا فأجاب بذلك فقالا: مرحبًا بك وبشيخك عبد الله يا علوي. قال بعضهم: هكذا ينبغي أن يكون الشيخ يحفظ مريده حتى يعد. والشاهد في النص أن المتصوفة يعتقدون أن معرفة شيخ الطريقة من الطرق الصوفية تغني عن معرفة الله ورسوله، وأنه كفيل لكي ينجي مريده من عذاب النار ويدخله الجنة، وأن شيخ أي طريقة صوفية يستطيع أن يحفظ مريده حيًا وميتًا، وعلى هذا فلا حاجة للتعب والسهر في تلاوة كتاب الله ومعرفة معانيه ولا في دراسة سنة رسوله محمد ﷺ ، وهذه دعوى صريحة للقضاء على الدين الإسلامي كله وتحويل البشرية إلى عبادة البشر الذين يطلق عليهم المتصوفة أنهم أولياء. ٢ - وقال النبهاني أيضًا: ومنهم الشيخ عبد الله أحد أصحاب سيدي عمر النبيتي، كتب لي أنه رآني بحضرة رسول الله وهو يقول للإمام علي بن أبي طالب: ألبس عبد الوهاب الشعراني طاقيتي هذه وقل له يتصرف في الكون فما دونه مانع. والشاهد في النص ـ كما هو واضح ولا يحتاج إلى شرح وإيضاح ـ هو أن رسول الله ﷺ قال للشعراني: تصرف في هذا الكون وأنه ليس هناك أي مانع يمنعه من التصرف فيه، ومعنى ذلك أن المتصوفة يعتقدون أن الأولياء يتصرفون في هذا الكون، وهذا شرك بالله تعالى لم يصل إليه المشركون الأوائل الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ . ٣ - وقال أيضًا: ومن جملة القصص المشهورة: (أن الفقيه إسماعيل

стр. 915

الحضرمي ﵁ أنه قال يومًا لخادمه وهو في سفر يقول للشمس تقف حتى يصل إلى منزله ـ وكان في مكان بعيد وقد قرب غروبها ـ فقال لها الخادم: قال لك الفقيه إسماعيل: قفي لي، فوقفت حتى بلغ مكانه، ثم قال للخادم: ما تطلق ذلك المحبوس؟ فأمرها الخادم بالغروب فغربت وأظلم الليل في الحال). ثم ذكر بأن بعض المتصوفة قال: (لا يكون الشيخ شيخًا حتى يمحو خطيئة تلميذه من اللوح المحفوظ. وقال آخر منهم منكرًا لهذا القول المذكور: لو كان شيخًا لما غفل عن تلميذه حتى وقع في الخطيئة). والشاهد من النصين السابقين واضح جدًا؛ حيث إن الولي الأول أوقف الشمس عن السير ثم أطلق سراحها، ولم يوقفها بنفسه بل أمر تلميذه أن يقول لها: إن الشيخ يأمرك أن تقفي فوقفت، وهذا اعتقاد تصرف لغير الله في هذا الكون واعتقاد القدرة الكاملة في غير الله، وأما النص الثاني فالشاهد فيه أن المتصوفة يعتقدون بأن الأولياء لهم التصرف الكامل حتى إنهم يستطيعون أن يمحوا الخطايا والذنوب التي وقع فيها أتباعهم من اللوح المحفوظ، ورأى أحد المتصوفة أن وقوع المريد في الذنب يعتبر نقصًا في شيخه وذلك لأنه لو كان شيخًا حقيقة لما وقع مريده في الخطيئة، ومعنى ذلك أن الولي يحفظ مريده من الوقوع في المعاصي ويعصمه، وهذه عقائد فاسدة؛ وذلك لأن فيها دعوى بأن البشر لهم حق التصرف في هذا الكون. وهناك نصوص أخرى تدل كلها صراحة على أن المتصوفة يعتقدون في

стр. 916

أوليائهم أنهم يحيون الموتى، ويشفون المرضى، وينزلون الأمطار، ويعطون الأرزاق، ويهدون الهداية التوفيقية، ويقلبون الأعيان، ويفعلون ما يشاءون، وكتب القوم مسطورة ومشحونة بمثل هذه الشركيات. والمقصود: بيان كون إثبات هذه الأمور شركًا بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة القدرة الكاملة لغيره سبحانه. يقول الشيخ أبو بكر الجزائري تحت عنون (شرك الربوبية ومظاهره في الأمة الإسلامية). (وهنا بيان مقتضب لتلك المظاهر الشركية في بعض أفراد الأمة الإسلامية نذكرها تحذيرًا منها وتعليمًا بأن عقيدة المؤمنين الحقة خلوها من كل مظاهر الشرك وآثاره لابتنائها على هدي الكتاب والسنة؛ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ : ١ - اعتقاد كثير من عوام المسلمين وأشباههم أن هناك في الكون قطبًا وأبدالاً من الأولياء والصالحين لهم قدر معين من التصرف في حياة الناس، فهم يولون ويعزلون ويعطون ويمنعون ويضرون وينفعون، كما شاع بين عوام المسلمين أن لهؤلاء الأقطاب والأبدال ديوانًا يطلق عليه ديوان الصالحين منه تصدر القرارات والمراسيم بربح فلان وبحاجة وخيبة فلان وخسرانه، ومن هنا

стр. 917

تعلقت قلوب كثير من الناس بالصالحين وهتفت بهم الألسنة واستغيث بهم ودعوا عند الشدائد ونودوا للخلاص من المحن، وهو مظهر واضح للشرك في الربوبية لما فيه اعتقاد التصرف والتدبير في الكون لغير الله تعالى، أوله ولغيره . ٢ - اعتقاد كثير من المنتسبين إلى العلم أن لأرواح الأولياء تصرفًا بعد موتهم، وشاع هذا الاعتقاد الكاذب والباطل ورسخ في نفوس كثير من المسلمين حتى أصبحت الأضرحة والمشاهد والقبور ملاذًا لكل خائف مستشفى لكل مريض، فمن أصابه كرب أو نزل به ضيم أو حلت به نكبة فزع إلى تلك الأضرحة والمشاهد والقبور وأناخ بساحتها وتعلق بأهداب أصحابها راجيًا منها تفريج كربه وقضاء حاجته ... وهذا من خصائص الربوبية؛ إذ هو من التدبير للخلق الذي اختص به الرب ﵎ ... ). والمقصود: بيان كون المتصوفة ومن على شاكلتهم من العوام كثير منهم وقعوا في هذا النوع من الشرك بالله جل شانه. ولكن هل لدى هؤلاء شبهة نقلية أو عقلية؟ إن أصحاب هذا الاعتقاد ـ السابق ذكره ـ على صنفين: الصنف الأول: يعتقدون أن الأنبياء والأولياء لهم القدرة الكاملة والمطلقة في فعل هذه الأمور. ومعلوم من الدين بالضرورة أن أي اعتقاد مثل هذا يعتبر شركًا في الربوبية في صفة القدرة الكاملة لله جل شأنه. وهذا الصنف من الناس لا يستندون في هذا الاعتقاد إلى أي شبهة نقلية صحيحة أو عقلية صريحة، وإنما جل شبهاتهم إما ادعاءات فارغة أو أحاديث واهية وموضوعة،

стр. 918

والاشتغال بالرد على الادعاءات والأحاديث الواهيات ضياع للوقت. الصنف الثاني: لا يعتقدون ـ على الظاهر ـ أن لهؤلاء الأنبياء والأولياء قدرة كاملة على التصرف في الكون، ويبدو أن هؤلاء لا يستندون في هذا الاعتقاد إلا قولهم: بأنهم يتوسلون أو يتوسطون أو يتبركون أو يستغيثون أو يستنصرون أو مثل هذه الألفاظ، وإن كانوا في الحقيقة يعتقدون أن هؤلاء المستغاثون أو المتوسلون أو المتبركون عندهم قدرة كاملة على فعل هذا ولكنهم يخفون هذا بل يظهرون للناس أنهم يفعلون، ويعتقدون هذه الأمور في الأنبياء والأولياء على أن الأنبياء والأولياء لهم قدرة على فعل هذه الأمور بالوساطة والشفاعة والجاه والوجاهة والمنزلة الرفيعة والكرامة. وإذا كانوا يبدون لنا هذا الاعتقاد نقول لهم: إن هذا الاعتقاد شرك بالله في الألوهية. وسيأتي بيان شبهاتهم والردود عليها عند بيان الشرك في الألوهية في العصر الحديث. الفرع الرابع: مظاهر الشرك في الربوبية بادعاء إثبات صفة القدرة الكاملة لأحد غير الله في المتبركين بغير الله: هناك أفراد من الناس وقعوا في الشرك بالله في الربوبية باتخاذ الأنداد في صفة القدرة الكاملة لله جل شأنه بالتبرك بغير الله. وفيما يلي بيان كون التبرك شركًا بالله في الربوبية باتخاذ الأنداد في صفة القدرة الكاملة لله . خلاصة الكلام في التبرك: إنه على قسمين: الأول: التبرك المشروع. فهذا النوع من التبرك لا كلام فيه. فكل ما ثبت في شرع الله تعالى التبرك به يجوز التبرك به ولا ينافي التوحيد ولا يكون من البدع أبدًا.

стр. 919

الثاني: التبرك الممنوع. وهو التبرك الذي لم يرد الشرع بجوازه، أو ورد الشرع بخلافه. وله نوعان: أ- التبرك الشركي: وهو ما كان فيه طلب الخير والنماء من غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، أو أن يعتقد المتبرِّك، أن المتبرَّك به غير الله تعالى يعطي الخير والنماء فوق الأسباب العادية. وهذا النوع من التبرك يرجع إلى عقيدة التصرف في الكون لغير الله . ومن المظاهر في العصر الحديث: ما يقولون: إن فلانًا لمبارك، أو الشيخ فلان مبارك، أو أن القبر الفلاني يتبرك به، أو مثل هذا الكلام الذي يدور بين المتصوفة في مشايخهم وأوليائهم. بل ترى بعضهم يسافرون إلى بغداد أو أجمير أو دلهى طلبًا للبركة من قبر أوليائهم ومشايخهم. ب- التبرك البدعي: وهو ما لم يكن فيه طلب الخير والنماء من غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله، بل كان فيه طلب الخير والنماء من الله، ولكن بواسطة شيء لم يرد به الكتاب السنة. كطلب البركة من الله بواسطة غلاف الكعبة، أو طلب البركة من الله بواسطة استلام الحجرة النبوية، ونحوها، أو طلب البركة من الله تعالى بواسطة تمر المدينة النبوية، ونحوها مما هو معروف. وهذا التبرك البدعي ربما يتطور حتى يكون شركًا في العبادة، وذلك إذا صرفوا لها بعض العبادات بسبب المبالغة في تعظيمهم والافتتان بها. والتبرك الذي أردنا إيراده هاهنا هو التبرك الشركي، إذ هو لا شك في كونه من الشرك بالله في قدرته الكاملة.

стр. 920

الفرع الخامس: الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لغير الله لدى أصحاب الروحية الحديثة: وذلك؛ لأنهم يعتقدون في الأرواح بأنها تحل لهم جميع المشاكل، وقد سبق بيان مذهبهم في ذلك في المبحث الأول، ومما يشكل عليهم أو يتشبثون به من الشبه ما يلي: قولهم: إن هذه الأرواح في أغلب الأحيان تعطينا حلولاً كافيةً لمشكلاتنا، فالأرواح عندها القدرة الكاملة على حلول المشكلات؛ كإشفاء المريض، وإلا من أين يحصل لنا هذه الأمور؟ إن هذا المذهب ألصق بالمطلب الذي بعده، فإن هؤلاء يرون أن هذه الأرواح يعلمون الغيب، وما هذه التصرفات إلا لعلمهم الغيب ومعرفتهم بحقيقة الأمور، ولهذا فإننا نؤجل الرد عليهم إلى المطلب الثاني ـ عند بيان الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة العلم المحيط بكل شيء ـ، وإنما يرد عليهم هنا على قولهم بمقدرة هذه الأرواح على حل المشاكل وتوصيف أشياء من الطب وما يتبع ذلك. فنقول في الرد عليهم: أ- إن ادعاء وجود الحلول الكافية لدى هؤلاء فيه شرك بالله في قدرته الكاملة، وليس هناك أي دليل لهم على ذلك، بل هي مجرد دعوى، بل بعضهم ربما يحل الشيطان بعض المشاكل لما عنده من الحيل لتنفيذ خططه، سواء كان بسرقة أو باستعانة الشياطين الأخر، وربما يسرق أموال الغير ليرضي

стр. 921

بها صاحبه، كما ذكره شيخ الإسلام في بعض مصنفاته. وأما ما يذكرون بأنهم يصفون الوصفة الطيبة فيشفون بهذه الأدوية فلا تمنع أن يكون من الجنات لديهم بعض المعرفة بالطب، ثم ليس هذا مطردًا في جميع المرضى، بل قد يكون بعضهم وصف لهم بعض الأدوية ولكنه ما شفي بهذا، والواقع خير دليل على هذا. الفرع السادس: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد لدى بعض الناس ادعاء إثبات صفة القدرة الكاملة الثابتة لله تعالى لغيره سبحانه بالتمائم والرقى ولبس الخيط والحلقة ونحوها: لقد سبق الكلام على مسألة التمائم والرقى ولبس الخيط والحلقة متى تكون هذه الأشياء شركًا بالله جل شأنه ومتى لا؟ وما هي الأدلة الدالة على عدها من الشرك؟ . وهنا نشير إلى أن هذه الظاهرة موجودة بصفة عامة في أغلب العالم الإسلامي في الوقت الحاضر، وأغلب من يستعمل هذه التمائم والرقى ويلبسون الخيط والحلقة يعتقدون فيها النفع والضر لذاتها، وبهذا يقعون في الشرك في الربوبية في قدرته الكاملة. أما إن لم يعتقدوا فيها إلا على كونها من باب الالتفات إلى الأسباب فهذا شرك أصغر. الفرع السابع: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لدى السحرة والكهان: لقد سبق معنا بيان حكم السحر والكهانة والتنجيم، بأنها تكون من

стр. 922

الشرك بالله جل وعلا في الربوبية من جهتين: من جهة إثبات القدرة الكاملة للسحرة والكهنة والمنجمين. ومن جهة إثبات العلم الشامل المحيط بالمغيبات لهم. كما سبق معنا بيان كونها من الشرك بالله في العبادة إذا صرف لهم أو لشياطينهم أي أنواع من العبادة. هنا أريد أن أنبه على أن هؤلاء السحرة والكهنة والمنجمين لهم وجود في جميع الدنيا بشكل عام، وهؤلاء عندهم نفس أنواع الشرك الذي سبق أن تكلمنا عليها عندما بينا أنواع الشرك في الجاهلية لدى العرب. إن هذه الخصلة من الخصال الموجودة في زماننا هذا عند من يدعون الولاية، فإن منهم من يتعاطى الأعمال السحرية من إمساك الحيات، وضرب السلاح، والدخول في النيران، ونحوها، ويزعم أنها من الكرامات التي تجري على أيدي الصالحين، نتيجة للجهد والسهر والرياضيات. وهذا أكثر ما يوجد في المتصوفة، بل لك أن تقول: إن التصوف والسحر قرينان، يدل على ذلك أمران: أحدهما: أن أئمة السحر هم أئمة المتصوفة، فإن جابر بن حيان كبير السحرة، والحلاج الزنديق أكبر منه، وهكذا ابن عربي الملحد وغيرهم من المتصوفة كانوا من السحرة.

стр. 923

ثانيهما: أن من علوم المتصوفة علم الطلسمات، وعلم الحرف، والسيمياء، وهي من علوم السحر. كما أن الرافضة لا يبعدون كثيرًا عن المتصوفة في هذا الأمر، وذلك أن لهم عناية بالطلاسم واعتقادًا فيها. كما أن من الناس من يتخذ مهنة السحر وسيلة من وسائل العيش بها، مدعيًا أن ذلك من الطب ونحوه، ومنهم من يتخذ مهنة السحر للإضرار بعباد الله، فتارة يمرضون به وتارة يقتلون، وتارة يفرقون بين المرء وزوجه. وهذا موجود بكثرة. ومن صور وجود هذه الخصلة: حفلات الزار التي تقام في بعض البلاد، ويذبح من أجلها للشياطين، وينذر لهم. ومن ذلك ما يسمى بـ (ألعاب السيرك) التي تعتمد في غالبها على السحر. فهذا بعض ما يدل على وجود هذه الخصلة في هذا العصر. الفرع الثامن: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لدى المتطيرين والعائفين: سبق معنا بيان الطيرة والطيرة ووجودهما في الجاهلية، كما تكلمنا في

стр. 924

كونها شركًا بالله جل وعلا في الربوبية في صفة القدرة الكاملة لله جل شأنه. وهنا سيكون الكلام على وجود هذه الخصال في العصر الحاضر، فأقول: هذه الخصلة ما زالت موجودة إلى يومنا هذا، ففي بعض المجتمعات التي يغلب فيها الجهل، لا تزال العيافة موجودة بينهم، فهم يتعيفون من كثير من الطيور، وخاصة البوم، فهم يعتقدون أن هذا الطائر إذا وقع على دار أحدهم، فإنما تنعي إليه نفسه، أو أحد أفراد عائلته. كما أن كثيرًا منهم يتعيف بالغراب، فإذا قابله أول النهار، اعتقد أن مكروهًا يصيبه. وهكذا ترى الطيرة موجودة إلى يومنا هذا بشكل أوسع، ولها صور كثيرة، منها: التشاؤم ببعض الأشخاص ذوي العيب؛ كالأعور والأحول والأعرج، وببعض الأشجار؛ كالأشجار المتجرة عن أغصانها، وببعض الأرقام؛ كرقم (١٣) عند النصارى، ورقم (١٠) عند الروافض، ورقم (٧) عند أهل البادية، وببعض الأصوات، كصوت الغراب والبومة، وبالمقص إذا كان مفتوحًا، وبتقليم الأظافر ليلاً، وبالاغتسال ليلاً بقصد النظافة، وبالضحك الكثير، وبتسمية الأبناء باسم الآباء وهم أحياء، وبمشاهدة ما يسوء أول النهار كحادث مثلاً، أو بمشاهدة بغيض كعدو ونحوه، وبحكة رجل، ورفة العين اليسرى،

стр. 925

وببعض الأولاد، وخاصة البنات، وببعض الشهور كصفر وشوال، وببعض الأيام كيوم الجمعة، وبالعطاس، وبالكنس بمكنسة جديدة قبل تقليم أطرافها. وببعض الألوان كالأسود والأزرق، وبشرب الماء عند اصفرار الشمس، وبالعزم على كتابة الوصية، أو الندم على ما وقع منه من ظلامة للناس، ومحاولة التحلل منه، ورد ظلامتهم إليهم، وبذكر العقرب والحية، وغير ذلك من الهوام. فهذه الأمثلة تدل دلالة واضحة على أن هذه الخصلة ما زالت موجودة في هذا العصر. ولكن متى تكون الطيرة شركًا بالله في الربوبية، ومتى تكون شركًا أصغر؟ إذا اعتقد في المتطير به أن فيه قدرة على جلب النفع أو دفع الضر، فإنه حينئذ يكون من الشرك في الربوبية في القدرة الكاملة. قال في شرح السنن: (وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا مع الله تعالى). وأما إذا كان مجرد التفات إلى الأسباب فحينئذ تعد من الشرك الأصغر. لأنه (اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سببًا، وهذا يضعف التوكل

стр. 926

على الله، ويوهن العزيمة وبذلك يعتبر شركًا من هذه الناحية، والقاعدة: أن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرك سببًا فإنه مشرك). فهذه بعض أنواع الشرك بالله جل شأنه في الربوبية في صفته القدرة الكاملة في العصر الحاضر. وفيما يلي بيان بعض أنواع الشرك بالله جل وعلا في صفته العلم الشامل المحيط في العصر الحاضر. المطلب الثاني: الشرك بالله جل وعلا في الربوبية في صفته العلم المحيط ومظاهره في العصر الحديث لقد وقع في هذا النوع من الشرك عدة فرق ونحل في العصر الحاضر. وفيما يلي بيان أبرز من وقع في هذا النوع من الشرك من الفرق والنحل مع الردود على شبهاتها ـ بمشيئة الله ـ في الفروع التالية: الفرع الأول: مظاهر الشرك بالله جل شأنه في الربوبية في صفته العلم المحيط لدى الشيعة: الشيعة ترى أن أئمتهم يعلمون المغيبات، ولعل الشيعة هم أول من قالوا بمثل هذا القول في الإسلام، فلهم السبق في هذا الميدان كالميادين الأخرى ... حيث يرون أن أئمتهم فوق البشر، وفوق الأنبياء والرسل، بل آلهة يعلمون أعمار الناس وآجالهم، ولا يخفى عليهم خافية، ويملكون الدنيا كلها، ويغلبون على جميع الخلق، ويرتعد الكون من هيبتهم وشدة بأسهم، يدين لهم الملائكة كما دان لهم الأنبياء والرسل، ولا يضاهيهم أحد. وفيما يلي جملة من النصوص من كتب الشيعة تدل على هذا الاعتقاد. ١ - يروى في الكافي تحت باب: (إن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا):

стр. 927

عن جعفر أنه قال: إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم. ٢ - وروي تحت باب: (إن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم): عن جعفر بن الباقر أنه قال: (أي إمام لا يعلم ما يغيبه وإلى ما يصير، فليس ذلك بحجة الله على خلقه). فهذه بعض النصوص الدالة على اعتقادهم تجاه أئمتهم بأنهم يعلمون المغيبات، بل لو سألت أي شيعيّ في هذا العصر تراه يجيب بمثل هذا الجواب، ما لم يتلبس بالتقية ـ النفاق ـ. وهؤلاء في اعتقادهم هذا لم يستندوا لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما افتروا على هؤلاء الأئمة الذين هم برآء من مثل هذا الاعتقاد كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب. فهؤلاء مفترون وكاذبون على دعواهم هذه، فلا أشتغل بالرد عليهم، على أمل أن يكون هناك رد مقنع على المتصوفة الذين يعتقدون مثل هذا الاعتقاد تجاه أوليائهم وصلحائهم، يكون ردًا على الشيعة أيضًا. الفرع الثاني: مظاهر الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد في صفة العلم المحيط الشامل لدى المتصوفة: لقد وقع المتصوفة في هذا النوع من الشرك بالله جل شأنه. وقد سبق معنا: أنهم يعتقدون التصرف في الكون لأرباب التصوف وبالتالي يرون أنهم ينادونهم ويزعمون أن هؤلاء الأولياء يعلمون أحوالهم ونداءاتهم، وقد سبق بيان هذا النوع من الشرك، وإنما المقصود هنا بيان كون الاعتقاد في التصرف والنداء والاستغاثة والاستعانة والنداء لكشف الكربات ودفع البليات وجلب المنافع ودفع المضرات وغيرها لا يتأتى إلا باعتقاد علم

стр. 928

الغيب فيمن ينادونهم ويستغيثون ويستنصرون بهم. وهذا واضح. ثم هناك نصوص صريحة عند المتصوفة تدل على ما قلناه بأنهم يعتقدون علم المغيبات للنبي ﷺ ولأرباب التصوف. وفيما يلي بيان ذلك من كتبهم. اعتقادهم علم الغيب للنبي ﷺ : غالت المتصوفة يعتقدون علم الغيب لرسول الله ﷺ ، فوصفوه بأنه عالم بجميع ما كان ما يكون أزلاً وأبدًا، وأنه يعلم جميع ما في اللوح المحفوظ؛ بل هذا كله من علومه ﷺ ! وأنه ﷺ يعلم ما في الضمائر والقلوب من الأسرار، وأنه لا تخفى عليه خافية، وأنه لا يخرج من علمه شيء، الكلام ها هنا في عدة أنواع. النوع الأول: علم ما كان وما يكون. تعتقد المتصوفة أن النبي ﷺ يعلم جميع ما كان وما يكون من المخلوقات والموجودات أزلاً وأبدًا، لا تخفى عليه منها خافية. وهذه العقيدة من أعظم عقائد البريلوية خاصة وصراحة. كما توجد هذه العقيدة عند الآخرين الذين تأثروا بهم من المتصوفة في العصر الحاضر. فقالوا: إن الله تعالى أعطى المصطفى ﷺ علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما يكون، وعلم ما في السموات وما في الأرض. النوع الثاني: علم جميع ما في اللوح المحفوظ وما سطره القلم وزيادة:

стр. 929

وأحسن من تمثل هذا القول هو البوصيري حيث قال: فإن من علومك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم وكلهم من رسول الله ملتمس ... غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم والبريلوية قالوا بمثل هذا القول، بل زادوا عليه: بأن علم اللوح والقلم سطر من سطور علمه ﷺ ونهر من بحور علمه بل ذرة منها. ولهذا قال: إنه كان يعلم القرآن قبل ولادته؛ لأنه كان يعلم جميع ما في اللوح المحفوظ. النوع الثالث: علمه ﷺ محيط بجميع الكون. لم يحجب عن روح رسول الله ﷺ شيء، فهو المطلع على عرشه، وعلوه وسفله، ودنياه وآخرته، وناره وجنته، فعلمه محيط بجميع المعلومات الغيبية الملكوتية. النوع الرابع: أنه ﷺ حاضر وناظر في كل مكان وزمان، وهو يشاهد العالم كله من المدينة، وأن السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله ﷺ ، يرى جميع الناس في زمان واحد وفي جميع الأقطار المتباعدة بدون أي إشكال، بل روح النبي ﷺ حاضر في بيوت أهل الإسلام، وإن القطب يملأ الكون ويكون حاضرًا وناظرًا وشاهدًا في كل مكان في الكون، فما بالك برسول الله ﷺ ، وكل ما يحدث في الكون من المشرق إلى المغرب ومن السماء إلى الأرض حتى قبل إبراهيم بآلاف السنين، فهو ﷺ يعلمه ويراه من

стр. 930

حيث إنه موجود في كل مكان وزمان. النوع الخامس: أن النبي ﷺ كان يعلم الأمور الخمسة من وقت الساعة ووقت نزول الغيث، وعلم ما في الأرحام، وأوقات موت الأنفس، وأين تموت. بل كان يعطي علوم هذه الخمسة من يشاء من خدمه. فهذه عقائد القوم في النبي ﷺ بأنه يعلم المغيبات كلها وجلها، وهي لا شك في كونها شرك بالله في الربوبية في صفته العلم المحيط. اعتقادهم تجاه ـ ما يزعمون أنهم من ـ الأولياء والصالحين: كما غالت المتصوفة في الرسول ﷺ وجعلوه عالمًا بكل المغيبات بأشكالها وأنواعها وعالمًا بجميع علوم الدنيا، وعالمًا لما كان وما سيكو، وموجودًا عند كل واحد، وعارفًا بأحوال أمته في كل لحظة ونفس، هكذا غالوا في أوليائهم وصلحائهم وأرباب تصوفهم ومشايخهم أنهم يعلمون أخبار السماء، واعتقد بعضهم فيهم بأنهم يعلمون ما في باطن الأرض، وبعضهم على أنهم يعلمون ما في باطن القلوب، وبعضهم اعتقدوا أن أولياءهم يعلمون الأمور المستقبلية.

стр. 931

وفيما يلي نقل يسير عن هذا الاعتقاد من بطون كتبهم: من الصوفية الذين زعموا بأن الأولياء يعلمون الغيب أبو القاسم القشيري، فقد ادعى بأن الإنسان وهو يترقى في درجات السلوك التي وضعها الصوفية لمريدهم قد يصل إلى مرحلة يصبح لا يخفى عليه شيء من هذا الكون، فقد قال وهو يتحدث في بيان درجات السلوك: (ثم من خلال هذه الأحوال قبل وصوله إلى هذا المقام الذي هو نهاية، وكان يرى جملة الكون يضيء بنور كان له، حتى لم يخف من الكون عليه شيء، وكان يرى جميع الكون من السماء والأرض رؤية عيان ولكنه كان لا يرى في هذا الوقت بعين؛ لأنه شيء ولكن لم يكن هذه رؤية علم بل لو تحرك في الكون ذرة أو نملة). إذا نظرنا في النص السابق نجد أن القشيري ادعى بأن الإنسان قد يصل إلى مرحلة يرى فيها كل شيء في هذا الكون حتى حركات الذرة والنملة الصغيرة، بمعنى أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهذا وصف لا يليق إلا بالله، فما أجرأ المتصوفة على الله وتعديهم على حقوقه ووصف أوليائهم المزعومين بها. ونقل الكلاباذي عن أبي عبد الله الأنطاكي أنه قال: (إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق، فإنهم جواسيس القلوب، يدخلون في أسراركم

стр. 932

ويخرجون من هممكم). ومن الصوفية الذين زعموا أن الأولياء يعلمون الغيب عبد الكريم الجيلي؛ فقد زعم بأنه رأى العوالم العلوية والسفلية بعد أن كشف الله له الحجب، وأنه شاهد الملائكة جميعًا وتبادل الحديث معهم والرسل والأنبياء، وإليك نص كلامه في هذا المجال، قال: ((وفي هذا المشهد اجتماع الأنيباء والأولياء بعضهم ببعض أقت فيه يزيد بشهر ربيع الأول سنة ثمانمائة من الهجرة النبوية، فرأيت جميع الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والأولياء والملائكة العالين والمقربين وملائكة التسخير، ورأيت روحانية الموجودات جميعها، وكشفت عن حقائق الأمور على ما هي عليه من الأزل إلى الأبد، وتحققت بعلوم الألوهية لا يسع الكون أن نذكرها فيه. ثم زعم بأنه رأى نوحًا ﵇ في السماء الثانية جالسًا على سرير خلق من نور الكبرياء بين أهل المجد والثناء فسلم عليه. وتمثل بين يديه فرد ﵇ ورحب به وقام ... إلى أن قال: وروحانية الملك الحاكم على جميع ملائكة هذه السماء عجائب من آيات الرحمن وغرائب من أسرار الأكوان لا يسعنا إذاعتها في أهل هذا الزمان. ثم واصل الجيلي افتراءاته فادعى أنه رأى في السماء الثالثة يوسف ﵇ وأنه دار بينهما حديث، وأنه كان يعلم تلك العلوم التي أخبره بها يوسف قبل أن يتفوه بها. حيث قال: اجتمعت في هذه السماء مع يوسف ﵇، فرأيته على سرير من الأسرار كاشفًا عن رمز الأنوار، عالمًا بحقيقة ما انعقدت عليه أكلة الأحبار، متحققًا بأمر المعاني مجاورًا عن قيد الماء والأواني، فسلمت عليه

стр. 933

تحية وافد إليه فأجاب وحيًا ثم رحّب بي. ثم زعم الجيلي أن السماء الرابعة هيَ قاب الشمس وأن فيها إدريس، وأن أكثر الأنبياء في دائرة هذا الفلك المكين مثل عيسى وسليمان وداود وإدريس وجرجيس ... وغيرهم. وهنا كما نرى ذكر الجيلي اسم نبي لم نجد له ذكر في القرآن ولا في السنة فمن أين علم ذلك (جرجيس)؟ . ثم واصل الجيلي وصفه للسموات وما تحتويها، فقال في وصف السماء الخامسة: (هي سماء الكوكب المسمى بهرام، وحاكم هذه السماء هو الملك المسمى غزرائيل، وهو روحانية المريخ صاحب الانتقام والتوبيخ). وذكر الجيلي أيضًا أنه رأى في السماء السادسة موسى ﵇ ودار بينهما حديثٌ طويلٌ، ثم قال إنه رأى في السماء السابعة إبراهيم ﵇ قائمًا في هذه السماء وله منصة يجلس عليها على يمين العرش من فوق الكرسي وهو يتلو آية (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ). إلى أن قال: (إنه صعد إلى سدرة المنتهى، وأنه رأى هناك الملائكة وأنها على هيئات مختلفة وأمامهم سبعة ثم ثلاثون ثم ثلاثة ثم ملك مقدم يسمى عبد الله، وأنهم أخبروه أنهم لم يسجدوا لآدم). ثم بدأ عبد الكريم الجيلي في وصف الأراضي السبعة، فقال: (وأما الطبقة الأولى من الأرض فأول ما خلقها الله كانت أشد بياضًا من اللبن وأطيب رائحة من المسك فأعبرت لما أهبط آدم ﵇ عليها بعد أن عصى الله تعالى، وهذه الأرض تسمى أرض النفوس ... دورة كرة هذه

стр. 934

الأرض مسيرة ألف عام ومائة عام وستة وستون عامًا ومائتا يوم وأربعون يومًا ... ثم سلك الإسكندر الجانب الجنوبي ... وهو الظلمات حتى بلغ يأجوج ومأجوج وهم في الجانب الجنوبي من الأرض لم تطلع الشمس على أرضهم أبدًا، ثم سلك الجانب الشمالي حتى بلغ محلاً منه لم تغرب الشمس فيه، وهذه الأرض بيضاء على ما خلقها الله تعالى عليه هي مسكن رجال الغيب وملكها الخضر ﵇، وهي قريبة من أرض بلغار، وبلغار بلدة في العجم لا تجب فيها صلاة العشاء أيام الشتاء؛ لأن شفق الفجر يطلع قبل غروب شفق المغرب فيها ... وهذه الأرض أشرف الأراضي وأرفعها قدرًا لأنها محل النبيين والمرسلين والأولياء والصالحين). واسترسل في مكان آخر ببيان الأفراد والأقطاب إلى أن قال: (فكل أحد من الأفراد والأقطاب له التصرف في جميع المملكة الوجودية، ويعلم كل واحد منهم ما اختلج في الليل والنهار، فضلاً عن لغة الطيور، وقد قال الشبلي: ... (لو دبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أسمعها لقلت: إني مخدوع أو ممكور بي). وقال غيره: (لا أقول: ولم أشعر بها؛ لأنها لا تدب إلا بقوتي وأنا محركها فكيف أقول: لا أشعر بها وأنا محركها؟ ). إذا نظرنا في النصوص السابقة نجد أن عبد الكريم الجيلي صرح بأن الأولياء يعلمون الغيب بشتى أصنافها، فليس هناك من حاجة تخفى على الأولياء كبرت أو صغرت، وهذا طبعًا حسب زعمه، وإلا فالغيب علمه خاص

стр. 935

بالله لا يشركه فيه أحد من خلقه. وقال عبد الكريم الجيلي في مكان آخر وهو يتحدث عن الأولياء: (فإذا كشف الحجاب وفتح لهم الباب علم العوالم بأجمعها على ما هي عليه من تفاريعها من المبدأ إلى المعاد، وعلم كل شيء، كيف هو كائن وكيف يكون، وعلم ما لم يكن ولم لا يكون ما لم يكن، ولو كان ما لم يكن كيف كان يكون، كل ذلك علمًا أصليًا حكميًا كشفيًا ذوقيًا من ذاته لسريانه في المعلومات، علمًا إجماليًا تفصيلاً كليًا جزئيًا مفصلاً في إجماله، ومنهم من تجلى الله عليه بصفة السميع، فيسمع نطق الجمادات والنباتات والحيوانات وكلام الملائكة واختلاف اللغات، وكان البعيد عنه كالقريب). وهكذا كما رأينا في النصوص السابقة التي أوردتها عن عبد الكريم الجيلي نرى بوضوح كامل بأنه ادعى أن الأولياء يعلمون علم الغيب، وأنه بهذا القول فقد زعم بأن الأولياء يشاركون الله في هذه الخاصية التي أخبرنا الله كما سيأتي ـ بأنها خاصة به، وأنه لا يعلم الغيب إلا هو. ومن الصوفية الذين زعموا أن الأولياء يعلمون الغيب أحمد الرفاعي المتوفى سنة (٥٧٨ هـ)، فقد قال متحدثًا عن الدرجات التي يمر بها الإنسان حتى يصل إلى مرحلة الغوثية التي إذا وصلها الإنسان يصبح الغيب عنده كالمشاهدة، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهذا نص كلامه: (إن العبد ما يزال يرتقي من سماء إلى سماء حتى يصل إلى محل الغوث، ثم ترتفع صفته إلى أن تصير صفة من صفات الحق يطلعه على غيبه حتى لا تنبت شجرة ولا تخضر ورقة إلا بنظره، ويتكلم هناك عن الله بكلام لا تسعه عقول

стр. 936

الخلائق ... وكان يقول: إن القلب إذا تجلى من حب الدنيا وشهوتها صار كالبلور وأخبر صاحبه بما مضى، وبما هو آت من أحوال الناس). إذا نظرنا إلى النص السابق نجد أن الرفاعي صرح بأن الولي إذا وصل إلى مرحلة الغوثية يطلعه الله على الغيب فلا يخفى عليه شيء، وهذا فيه تقرير عن اعتقادهم علم الغيب في أوليائهم. كما أن الرفاعي يزعم أن الله اطلعه على سبعة مدائن، وكل سكانها لا يذكرون الله، وهم ليسوا من الجن ولا من الإنس، وأن الله يأمر الملائكة بأخذ ذنوب أمة محمد وقذفها على تلك المدن السبعة، وكل من يصاب منهم بذنب من الذنوب التي ارتكبها فرد من أفراد أمة محمد ﷺ يصبح من أهل الجنة. واليك نص كلامه، فقد قال إبراهيم الأعزب: كنت قائمًا في بعض الليالي في موضع هناك للسيد أحمد الرفاعي ﵁، فأيقظني وقال: أي إبراهيم، ألا أخبرك؟ أظهرني الله سبحانه في هذه الساعة على سبعة مدائن كل مدينة منها بقدر هذه الدنيا سبع مرات، وهي مملوءة من الخلق ليسوا من الجن ولا الإنس وما فيهم من يذكر الله تعالى، وكل ليلة عند غروب الشمس يأمر الله تعالى الملائكة فيأخذون ذنوب أمة محمد ﷺ وينفضوها على تلك المدائن السبعة، وكل من أصاب منهم ذنبًا فهو من أهل الجنة. ومن المتصوفة الذين زعموا بأن الأولياء يعلمون الغيب عبد الوهاب الشعراني (٩٧٣ هـ)، وهاك نماذج من كلامه: فقد قال الشعراني: في معرض حديثه عن شيخه وأستاذه علي الخواص

стр. 937

البرلس: (كان ... أميًا لا يكتب ولا يقرأ، وكان ... يتكلم على معاني القرآن العظيم والسنة المشرفة كلامًا نفيسًا يحتر فيه العلما! ! ! وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والإثبات، فكان إذا قال قولاً لابد وأن يقع على الصفة التي قال، كنت أرسل له الناس يشاورونه عن أحوالهم فما كان قط يحوجهم إلى كلام، بل كان يخبر الشخص بواقعته التي أتى لأجلها قبل أن يتكلم، فيتحير الشخص ... وسمعت سيدي ـ سيده ـ محمد بن عنان يقول: الشيخ برلس أعطى التصريف في ثلاثة أرباع مصر). ونقل الشعراني أيضًا عن شيخه علي الخواص أنه قال: (لا يكمل إيمان عبد حتى يصير الغيب عنده كالشهادة في عدم الريب، ويسري منه الإيمان في نفس العالم كله فيأمنوه على القطع على أنفسهم وأموالهم وأهليهم). وقال الشعراني عن إبراهيم العريان: (أنه كان إذا دخل بلدًا سلم على أهلها كباراً وصغاراً بأسمائهم حتى كأنه تربى بينهم، وكان ... يطلع على المنبر ويخطب عرياناً ... وكان يخرج الريح بحضرة الأكابر ثم يقول: هذه ضرطة فلان، ويحلف على ذلك فيخجل ذلك الكبير منه). ففي هذا النص مع ادعاء علم الغيب له من المخازي ما يستحي منه من عنده أدنى مسكة من عقل. ويقول الشعراني: وأما سيدي علي الخواص فسمعته يقول: (لا يكمل

стр. 938

الرجل عندنا حتى يعلم حركات مريده في انتقاله في الأصلاب وهو نطفة من يوم (ألست بربكم) إلى استقراره في الجنة أو في النار). وهنا ـ كما نرى في هذا النص ـ فقد ساوى هذا الرجل بين علم الله وعلم الأولياء، فماذا بقي لله؟ ! سبحانك هذا بهتان عظيم. وقال محمد محيي الدين الأحمدي الشناوي حفيد الشعراني الصوفي وهو يتحدث عن مناقب جده الشعراني: (وكان ... يشهد بقلبه تطور أعماله ثم تصعد إلى أماكنها من السموات والأفلاك، ومعرفة الأملاك الذين شاركهم في العمل من حملة العرش ملائكة الستور، والملائكة الذين نصفهم نار ونصفهم ثلج، وذلك لأن أعماله الموافقة لأعمالهم تصعد مع أعمالهم إلى حضرة الله تعالى، ومعلوم أن أهل كل حرفة يعرفون). ومن الصوفية الذين يزعمون بأن الأولياء يعلمون الغيب على حرازم بن العربي برادة، فقد قال واصفًا شيخه التيجاني: ... ومن كماله ... ونفوذ بصيرته الربانية وفراسته النورانية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب، وفي غيرها من إظهار مضمرات وإخبار بمغيبات، وعلم بعواقب الحاجات، وما يترتب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور الواقعات. وقال في رماح حزب الرحيم: (وينبغي على المريد أن يعتقد في شيخه أنه

стр. 939

يرى أحواله كلها كما يرى الأشياء في الزجاجة). وقال في بغية المستفيد: (وأما مكاشفته ... بمعنى إخباره بالأمر قبل قوعه يقع وفق ما أخبر به، فلا يكاد ينحصر ما حدث به الثقات عنه ... ومن إخباره بالغيب عن طريق كشفه ... إخباره بأمور لم تقع إلا بعد وفاته إما بالتصريح أو التلويح). إذا نظرنا في النصوص السابقة نرى بوضوح أن علي حرازم قد وصف شيخه بأنه كان يعلم ما في ضمائر الناس، وكان يخبر بالمغيبات ويعلم عواقب الأمور التي تصير عليها في النهاية، وأنه كان يخبر الأمر قبل وقوعه، وأنه ينبغي على كل مريد أن يعتقد أن شيخه مطلع عليه أينما كان، وهذه أمور غيبية لا يمكن أن يعلم بها أي مخلوق مهما كان؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي؛ لأن علم الغيب خاص بالله ، وكما نرى علي حرازم فقد اعتقد في شيخه بأنه يعلم الغيب وبهذا يصبح بأنه أشرك شيخه في خاصية اختص الله بها من بين مخلوقاته جميعًا. وقال البريلوي أحمد رضا مؤسس الطريقة البريلوية إحدى الطرق الصوفية بالقارة الهندية ناقلاً عن أمثاله من المتصوفة: (إن النبي لا يخفى عليه شيء من الخمس المذكورة في الآية الشريفة، وكيف يخفى عليه ذلك والأقطاب السبعة من أمته الشريفة يعلمونها وهم دون الغوث فكيف بسيد الأولين والآخرين الذي هو سبب كل شيء ومنه كل شيء؟ !

стр. 940

ثم قال: وكيف يخفى أمر الخمس عليه والواحد من أهل التصرف من أمته الشريفة لا يمكنه التصرف إلا بمعرفة هذه الخمس، فاسمعوا هذا يا منكرين، ولا تكونوا لأولياء الله مكذبين، فإن تكذيبهم خراب للدين، وسينتقم الله من الجاحدين، وأعاذنا الله بعباده العارفين). وقال البريلوي أيضًا: (الكامل قلبه مرآة الوجود العلوي والسفلي كله على التفصيل). وقال أيضًا: (ليس الرجل من يقيده العرش وما حواه من الأفلاك والجنة والنار، وإنما الرجل من نفذ بصره إلى خارج هذا الوجود كله). ونقلوا عن عبد القادر الجيلاني أنه قال: وعُلِّمَ نبت الأرض كم من نباتة ... وعلم رمل الأرض كم هو رملة وعلم علم الله أحصى حروفه ... وأُعلم موج البحر كم هو موجة أنا الواحد الفرد الكبير بذاته ... أنا الواصف الموصوف علم الطريقة ملكت بلاد الله شرقًا وغربًا ... وإن شئت أفنيت الأنام بلحظة وقالوا يا هذا تركت صلاتك ... ولم يعلموا أني أصلي بمكة مريدي تمسك بي وكن بي واثق ... فأحميك في الدنيا ويوم القيامة قلت: إن هذا القول لم يقل به عبد القادر، بل هو تقول عليه، وكذب صريح. فأين هذا الكذب من قول عبد القادر الجيلاني الثابت في كتابه الغنية: (فإن قيل: لِمَ لم يطلع الله عباده على ليلة القدر يقينًا وقطعًا؟ قيل: لئلا يتكلوا

стр. 941

على عملهم فيها). ففي هذا النص له ما يدل على أنه لا يعرف الغيب، بل الغيب من خصائص الربوبية، حتى إنه لم يثبت لنفسه علم ليلة القدر بل أسنده إلى أنه من علم الغيب. وهذا يدل أيضًا على مدى كذب القوم حتى على عبد القادر. فهذه عقيدة المتصوفة في علم مشايخها وأوليائها، كما بينها أقطابها في دواوين فكرهم، ولا شك أن من له أدنى حظ من شعب الإيمان، أو له مسكة من العقل والفطر السليمة، أو رزق شيئًا من الإنصاف ـ يعلم علم اليقين أن هذا الفكر لا يتجاوز كونه ضرباً من الخيال، وأنه من قبيل الهراء المحض الذي لا يروج إلا على من فقد الإحساس بأهمية الإيمان بالله وحده. ورقّت روابط انتمائه إلى حزب الله، ولا يعتقد صحة هذه الدعاوى والملفقات إلا من لا يعرف التوحيد الذي أنزل الله على رسوله، ولا يعرف الشرك الذي أرسل الله رسله وأنزل الله كتبه للنهي عنه والابتعاد عنه بشتى الطرق. الرد على هذه العقيدة الشركية: الرد عليهم من القرآن: أ- إثبات الله في القرآن الكريم في عدة آيات منه بأن علم الغيب من خصائصه الربوبية، واستدلاله به على أن يعبدوه وحده لا شريك له، حتى لا يتوكل ولا يطلب شيئًا إلا من الله، ويدل عليه عدة آيات من القرآن الكريم، منها: ١ - قوله تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ). ٢ - قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ

стр. 942

الصُّدُورِ). ٣ - قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). ٤ - قوله تعالى: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ). ٥ - قوله تعالى: (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ). ٦ - قوله تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ). ٧ - وقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). ٨ - وقال تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ).

стр. 943

٩ - وقوله تعالى: (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). ١٠ - وقوله تعالى: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ). ١١ - وقوله تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ). ١٢ - ب - إخباره تعالى بأن علم الساعة وعلم المغيبات الخمسة لا أحد يتدخل فيه، بل هو في علم الله فقط. يدل عليه قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). ١٣ - وقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ). ١٤ - وقوله تعالى: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا). ١٥ - وقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا). ١٦ - ج - إخباره تعالى عن علم الغيب بأنه صفة له خاصة، فقال: (عَلاَّمُ الْغُيُوبِ).

стр. 944

١٧ - وقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ). ١٨ - قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ). ١٩ - د- إخباره تعالى عن نبيه محمد ﷺ بأنه لا يعلم الغيب؛ فقال تعالى آمرًا نبيه ﷺ أن يقول: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ). ٢٠ - ومثله أيضًا قوله تعالى: (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ). ٢١ - ونحوه أيضًا قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ). ٢٢ - وقال تعالى حكاية عن نبيه قوله: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). ٢٣ - وهكذا أمره أن يقول بأنه لا يعرف ما يفعل الله به ولا بغيره من الناس، بل كل هذا بيد الله، فقال: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ

стр. 945

إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ). ٢٤ - ويدل عليه قوله تعالى لنبيه بصيغة (لا تدري): (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا). فهذه الآيات كلها تدل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب. ٢٥ - هـ - وهكذا أن إبراهيم ﷺ الذي هو أبو الأنبياء يحدث القرآن عنه بأنه لا يعلم الغيب: كما يدل عليه قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ)، ففي هذه الآيات بيان كون إبراهيم ﵇ لا يعرف الغيب، وهذا واضح. ٢٦ - وقوله : (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ). فنبي الله إبراهيم ﷺ ما علم الغيب وإلا لما حصل له ما حصل.

стр. 946

٢٧ - وقوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ). فلم يعرف إبراهيم ﷺ ضيوفه حتى أخبروه عن أنفسهم، فلو كان يعلم الغيب لما كانت هناك هذه المحاورات التي حصلت، بل عرفهم إبراهيم ﵇ في أول وهلة ولم يقدم لهم أي طعام. ٢٨ - وإخباره تعالى عن نبي الله لوط ﷺ بأنه لا يعلم المغيبات: فقال: (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ... ). ٢٩ - قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ

стр. 947

نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ). ٣٠ - ز - إخباره تعالى عن سليمان ﷺ بأنه لا يعلم الغيب: فقال تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ). ٣١ - ح - إخباره تعالى عن داود ﵇ بأنه لا يعلم المغيبات: فقال: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ). ٣٢ - ط - إخباره عن موسى ﷺ بأنه لا يعلم الغيب: فقال: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) - إلى قوله تعالى: - (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) - إلى أن قال: - (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) - إلى أن قال: - (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا). ٣٣ - وقوله تعالى: (قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولىَ).

стр. 948

٣٤ - وقوله تعالى: (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ). ٣٥ - وقوله تعالى: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ). فلو كان عالمًا بالغيب لما كان لإخباره تعالى عن أمر الحية معنى، ولما فر من الخوف. ٣٦ - وقوله تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) فلو كان عالمًا بالغيب لما غاب عنه ضلال قومه بالسامري. ٣٧ - ي - إخباره تعالى عن يعقوب ﷺ بأن لا يعلم الغيب: فقال: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ). فلو كان عالمًا بالغيب لقال: إنه في الحب الآن، وأنتم لكاذبون، ولما حصل ما حصل له من الأسى والحزن. ٣٨ - ك - إخباره تعالى عن زكريا ﵇ بأنه لا يعلم الغيب: فقال: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ

стр. 949

لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ). ٣٩ - وقال عنه أيضًا: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا). ٤٠ - ل - قوله تعالى عن عيسى ﵇: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). ٤١ - م - وقال تعالى عن جميع أنبيائه مطلقاً: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). ٤٢ - ن - قوله سبحانه عن الملائكة نافيًا عنهم علم الغيب والعلم المحيط الشامل لكل شيء: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). ٤٣ - س - وقوله تعالى عن الجن: (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ). ٤٤ - ع - وفي الرد على استدلالهم بأن الأولياء يعلمون المغيبات يورد قوله

стр. 950

تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ). ٤٥ - وقال تعالى في الأولياء الكرام أصحاب الكهف: (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ) إلى أن قال: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). ٤٦ - وقوله تعالى في حق الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم ممن كان المشركون ينادونهم عند الكربات: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). ٤٧ - وقوله تعالى أيضًا في حق الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم ممن كان المشركون ينادونهم عند الكربات ويدعونهم لدفع المضرات وجلب الخيرات: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ). ٤٨ - وقوله تعالى أيضًا في حق الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم ممن
следующие страницы →