← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان تأليف فضيلة الشيخ إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن من علماء أهل القصيم الجزء الأول مكتبة الرشد ناشرون

стр. 2

ح مكتبة الرشد، ١٤٢٧ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر آل عبد المحسن، إبراهيم عبيد تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الواحد الديان وذكر حوادث الزمان. / إبراهيم عبيد آل عبد المحسن.- الرياض، ١٤٢٧ هـ ٨ مج ٤٠٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم ردمك: ٨ - ٦١٨ - ٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ٦ - ٦١٩ - ٠١ - ٩٩٦٠ (ج ١) ١ - التاريخ الإسلامي ٢ - التراجم أ- العنوان ديوي ٩٥٣ ٤٧٩٢/ ١٤٢٧ ردمك: ٨ - ٦١٨ - ٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة) رقم الإيداع: ٤٧٩٢/ ١٤٢٧ ٦ - ٦١٩ - ٠١ - ٩٩٦٠ (ج ١) جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م مكتبة الرشد - ناشرون المملكة العربية السعودية - الرياض شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز) ص. ب.: ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ - هاتف: ٤٥٩٣٤٥١ - فاكس: ٤٥٧٣٣٨١ E-mail: alrushd@alrushdryh.com Website: WWW.rushd.com فروع المكتبة داخل المملكة * الرياض: فرع طريق الملك فهد: هاتف: ٢٠٥١٥٠٠ - فاكس: ٢٠٥٢٣٠١ * فرع مكة المكرمة: شارع الطائف: هاتف: ٥٥٨٥٤٠١ - فاكس: ٥٥٨٣٥٠٦ * فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري: هاتف: ٨٣٤٠٦٠٠ - فاكس: ٨٣٨٣٤٢٧ * فرع جدة: ميدان الطائرة: هاتف: ٦٧٧٦٣٣١ - فاكس: ٦٧٧٦٣٥٤ * فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة: هاتف: ٣٢٤٢٢١٤ - فاكس: ٣٢٤١٣٥٨ * فرع أبها: شارع الملك فيصل: تلفاكس: ٢٣١٧٣٠٧ * فرع الدمام: شارع الخزان: هاتف: ٨١٥٠٥٦٦ - فاكس: ٨٤١٨٤٧٣ * فرع حائل: هاتف: ٥٣٢٢٢٤٦ - فاكس: ٥٦٦٢٢٤٦ مكاتبنا بالخارج * القاهرة: مدينة نصر: هاتف: ٢٧٤٤٦٠٥ - موبايل: ٠١٠١٦٢٢٦٥٣ * بيروت: بئر حسن: هاتف: ٨٥٨٥٠١/ ٠١ - موبايل: ٥٥٤٣٥٣/ ٠٣ - فاكس: ٨٥٨٥٠٢/ ٠١

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين أما بعد: فهذه ترجمة المؤلف الشيخ إبراهيم بن عبيد ﵀ . ترجمة المؤلف هو الشيخ الفرضي اللغوي المؤرخ الواعظ إبراهيم بن عبيد بن عبد المحسن بن عبيد. ولد في الخامس عشر من جمادى الآخرة لعام أربع وثلاثين بعد الثلاثمائة والألف (١٥/ ٦/ ١٣٣٤ هـ) في مدينة بريدة بمنطقة القصيم ونشأ في بيئة محافظة وأسرة معروفة بالعلم والديانة. فجده الشيخ عبد المحسن بن عبيد عرف بالديانة وحب أهل العلم والفضل، والصبر على خشونة العيش، وقد اتخذ أصحابًا من خيرة أهل زمانه للاستعانة بهم بعد الله على سلوك سبيل المؤمنين، وفقد بصره في آخر عمره، وقد خلف ابنين هما عبيد ومحمد وبنتًا واحدة، توفي ﵀ سنة خمس بعد الثلاثمائة والألف للهجرة (١٣٠٥ هـ). أما والده فهو الشيخ الفاضل عبيد بن عبد المحسن من أكابر أعيان بريدة في زمنه ومن تجارها، كان محبًا للعلم وأهله باذلًا ماله في خدمة الفقراء والمحتاجين، عرف بالنسك والسخاء. ولد سنة سبع وستين بعد المائتين والألف للهجرة (١٢٦٧ هـ) في زمنٍ كثرت فيه الحروب والمحن والمخاوف، تأخر زواجه فلم يتزوج حتى بلغ أريعين سنة بعد أن شهد وقعة المليداء، وكان جيد الخط كاتبًا لأمير بريدة حسن بن مهنا، عارفًا بخرص الثمار، فيذهب مع خارص الأمير حسن بن مهنا لخرص الثمار وكان رفيقه في جودة الخط الكاتب محمد بن

стр. 4

عبدان، ولم يكن في زمانهما أحسن منهما خطًا، وقد بسط الله عليه الرزق في النصف الأخير من عمره، فكان يتمنى أن لو كان ذلك في حياة والده ليواسيه ويوسع عليه، وكان يأكل من كسب يده وعنده ثروة عظيمة، ويبذل الأموال في سبيل الخير والإحسان وصلة الأقارب، وله مقامات في الإحسان. ولما كانت سنة الجوع كان إذا خرج من بيته إلى السوق يحمل على رأسه أوعية التمر (الزبلان) فيها التمر والدقيق ويوزعه على من مرَّ به من الواقعين على ظهر الأرض من الجوع، وذلك سنة ١٣٢٧ هـ، وله مقامات ومبشرات كثيرة بأنه من أهل الجنة بسبب شكره لنعم الله وإنفاقها في سبيل الخير. وكان محافظًا على الصف الأول في الصلاة ولم تفته تكبيرة الإحرام عشرين سنة، وله عادات مستحسنة، فكان يفطر الصوام في شهر رمضان، ويرسل بالطعام إلى المعتكفين في العشر الأواخر منه، ويكثر من ذبح الأضاحي، وكان مكرمًا لأولاده وأحسن تربيتهم وقدمهم لتعلم القرآن والسنة، وإذا رأى منهم مجتهدًا فرَّغ باله وتكفّل له بطلب معيشته وجعله يشتغل بالعلم، وله معرفة بشراء الكتب ومطالعتها ويقدّم كثيرًا منها لأبنائه، وكان مولعا بتلاوة القرآن ويحب الشعر والحكمة. كانت وفاته، ﵀، في آخر رمضان سنة ١٣٥١ هـ وله من العمر أربع وثمانون سنة، وعمر المؤلف حين وفاة والده سبعة عشر عامًا، وعدد أولاد عبيد اثنا عشر، سبعة من الذكور وهم: عبد العزيز فلما توفي صغيرًا ولد ابن له آخر فسماه أيضا عبد العزيز وتوفي كذلك صغيرًا، وعبد الرحمن ومات في حياة والده سنة ١٣٣٧ هـ، وعبد المحسن وتوفي بعد والده بثلاث عشرة سنة في سنة ١٣٦٤ هـ، وفهد وتوفي سنة ١٤٢٢ هـ، وإبراهيم وهو المؤلف، ومحمد ولا يزال حيًا وعلى ذكر حسن وإقبال على العبادة وزهادة في الدنيا مع كثرة

стр. 5

اطلاعه على كتب السلف وخاصة شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وكتب أئمة الدعوة النجدية، ولم يتزوج محمد وعمره الآن يزيد على الثمانين أطال الله عمره على طاعته وختم بالصالحات عمله. وولد لعبيد أيضًا خمس بنات ماتت واحدة في حياته وبقيت أربع إلى بعد وفاته، وذريته مباركة صالحة بحمد الله وتوفيقه. نشأ المؤلف في هذه الأسرة ونهل من منهلها ولمَّا بلغ السادسة من عمره، التمس أهله فيه النجابة فقدّمه والده إلى الشيخ المربي صالح بن محمد الصقعبي، ﵀، وكان الشيخ صالح قد تفرّغ لتربية وتعليم الصبيان حتى إنه أنشأ مدرسة أهلية يتعلم فيها الطالب مبادئ العلوم والقراءة والكتابة والحساب، وبلغ عدد الطلاب في إحدى السنين في هذه المدرسة أربعمائة طالب يدرسهم الشيخ صالح والبارزون من طلابه. وتستمر الدراسة في المدرسة ست ساعات يوميًا، ولذا تميّز من درس في هذه المدرسة عن غيره ومن التمس فيه الشيخ نجابة وحرصًا فإنه يخصّه بكثير من الوقت والفائدة، فيحفظ الطالب المجدّ عنده القرآن، ثم ينتقل إلى المشايخ الذين يدرّسون في المساجد. وكان المؤلف، ﵀، من هؤلاء المجدّين، فحفظ القرآن ولم يجاوز الثانية عشرة من عمره وأتقن حفظه بالتجويد. وكان الشيخ صالح، ﵀، يحفظ في منظومات التجويد، ولقد جعل الله القبول والمحبة لهذا الشيخ فأحبه أهل بريدة وأجلّوه لما كان له من جهد في تربية وتعليم أبنائهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، وتوفي الشيخ صالح سنة (١٣٥٨ هـ)، وانتقل المترجم له من مدرسة

стр. 6

الشيخ صالح إلى حيث دروس الشيخ العلامة عبد العزيز بن إبراهيم العبادي ولد سنة (١٣١٤ هـ) وتوفي سنة (١٣٥٨ هـ) ﵀ فدرس عليه في شتى العلوم وأخذ عنه في التجويد، وكان الشيخ العبادي، ﵀، يحفظ عددًا من المنظومات في علم التجويد، فكان يحفظ الجزرية والتحفة، فحفظ المترجم عليه شيئًا من منظومات هذا العلم واستفاد من شيخه العبادي في هذا العلم. ولقد قرأ أحد أحفاده القرآن عليه، ﵀، كعادته في مجالسه فوقع أن أخفى الميم في الفاء، فرد عليه ونبهه على هذا الخطأ وبين أحكام الميم الساكنة، واستشهد بقول الجزري في التحفه: (واحذر لدى واو وفاء أن تختفي ... لقربها ولاتحاد فاعرف) وتأمل اهتمام الشيخ العبادي ﵀ بعلم التجويد مع ما كان عليه من ثقل في لسانه، ﵀، ولم يمنعه ذلك فقد كانت همته عاليه. وأخذ المترجم عن العبادي في الحديث والفقه والتوحيد والفرائض، وقد استفاد منه كثيرًا في الفرائض، وقد كان العبادي متميزًا في الفرائض، ولذا قال الشيخ عبد المحسن العبيد في رثائه له: لقد كان في علم الفرائض آية ... فسبحان من قد خصه بالمواهب يفكك تركيباتها وحسابها ... له نظر في فقهها والغرائب إذا خاض في أبوابها وعلومها ... وأحكامها يوما أتى بالعجائب وقال فيه الشيخ إبراهيم العبيد: كما فاق في علم الفرائض غيره، وفي النحو والقرآن قد جاء بالعجائب.

стр. 7

وعرف عن العبادي أنه يسهب في إيضاح المسائل وقرأ عليه في المطولات كـ (أعلام الموقعين عن رب العالمين) و (المغني) و (الشرح الكبير) و (شرح المنتهى) و (المقنع) و (الصحاح والسنن والمسانيد). وقرأ عليه (مدارج السالكين) وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومع أخذه عن العبادي، ﵀، في هذه العلوم، فقد كان ملازمًا لشيخه الشيخ عمر بن سليم، ﵀، الذي انتهى إليه قضاء القصيم في زمنه وسارت إليه الركبان وجثت حوله الركب، وقد كان بحق مدرسة، بل جامعة متنقلة حوى من العلوم أنواعها، فلزم المترجم الشيخ عمر بن سليم، ﵀، ملازمة شديدة، وأخذ في شتى العلوم، وأكثر من الأخذ عنه، خاصة في الفرائض، فهو شيخه ومعلمه في الفرائض. وكان الشيخ عمر يخصه بمزيد عناية لما رأى منه نبوغًا في الفرائض، ولقد حدث أنه كان وأقرانه عند الشيخ عمر يدرسون الفرائض، فكان الشيخ عمر على هيبته شديدًا في تعليمهم الفرائض، فأخبر أنهم كانوا يبكون عند الشيخ عمر لأنه كان يعنف من لا يجيب، فشكوا ذلك إلى الشيخ العبادي وطلبوا منه أن يكلم الشيخ عمر فيرفق بهم في تدريس الفرائض، فذهب إليه العبادي وكلمه وقال ﵀: (فلم يزده ذلك إلا شدة في التعليم ﵀. وكان المترجم في جلساته يثني كثيرًا على الشيخ عمر بن سليم ﵀ ويجلّه، ويذكر أنه ما مرّ على القصيم رجل بمثابة الشيخ عمر بن سليم، ولذا ترجم له في تاريخه بترجمة حافلة في أحداث ١٣٦٢ هـ، ورثاه بقصيدة طويلة عدّد فيها مآثر شيخه الشيخ عمر ﵀.

стр. 8

كما استفاد المترجم أيضًا من الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ولم يدرك كثيرًا من مجالسه فكان جلّ أخذه عن الشيخين العبادي وعمر بن سليم. وجلس المترجم للتدريس في المساجد وهو في الثانية والعشرين من عمره، وذلك بإلحاح من قبل مشايخه سنة ١٣٥٦ هـ. واستمر في طلب العلم مع جلوسه للتدريس واشتغاله بتأليف الكتب، فلقد ألَّف كتابه (عقود اللؤلؤ والمرجان في وظائف شهر رمضان) وعمره خمس وعشرون سنة، وانتهى من تأليفه في سنة ١٣٥٩ هـ. وأقبل على دروسه الكثير من طلبة العلم وأخذوا عنه في القرآن والتجويد واللغة والتوحيد والفقه وبخاصة الفرائض. ومن أشهر من أخذ عنه الشيخ الفاضل صالح بن إبراهيم البليهي ﵀، ولد سنة ١٣٣١ هـ وتوفي في ٣/ ٥/ ١٤١٠ هـ، وكان أكبر سنًا من شيخه فأخذ عنه، وكانت لهما رحلات إرشادية إلى بعض المدن والقرى، ومن أبرز مؤلفات الشيخ صالح البليهي كتاب (السلسبيل في معرفة الدليل) حاشية على زاد المستقنع. ومن طلاب الشيخ المترجم الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، حفظه الله، عضو هيئة كبار العلماء في المملكة. ومن طلابه أيضًا محمد بن عودة، الرئيس العام لتعليم البنات سابقًا. ومنهم الشيخ عبد الرحمن الحميد، والشيخ علي بن راشد الرقيبة، والشيخ الزاهد عبد الله الحسين، والشيخ علي السكاكر رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سابقًا، والشيخ صالح بن عبد الرحمن القرعاوي استمر بالقضاء في عدد من المدن وانتهى به المطاف إلى أن أصبح قاضيًا في هيئة

стр. 9

التمييز بمكة المكرمة، وتوفي ﵀ في ٢٨ رمضان ١٤٢٥ هـ، والشيخ الفاضل علي الربيش رئيس المحكمة الجزائية ببريدة، والشيخ الفاضل الواعظ عبد العزيز العقل، والشيخ عبد الله بن محمد الزعاق توفي عام ١٤١٠ هـ ﵀، والشيخ الزاهد محمد المرشد ﵀، والدكتور علي العجلان مدير عام فرع وزارة الشؤون الإسلامية في منطقة القصيم، والأستاذ سليمان التويجري. وغيرهم كثير من مشايخ وقضاة رحم الله الأموات منهم وحفظ الأحياء وبارك فيهم. وقد امتدحه الشيخ الأديب محمد بن عبد العزيز الهليل فقال: هو الشهم إبراهيم ذو النبل والإخا ... أبوه عبيد العابد المتبصر عبيد بن عبد المحسن العابد الذي ... محاسنه في الناس تروى وتذكر جزا الله إبراهيم خيرًا فإنه ... لذو العلم والتوفيق والله أقدر ففقه وتاريخ مع الوعظ والرثا ... علوم وآداب تصان وتنشر أما عن صفته، فقد كان ﵀ أبيض اللون طويلًا، عريض ما بين المنكبين، وله هيبة ووقار، وترى عليه سمة العالم، ولقد حدثني أحد كبار السن قال: كنا ونحن صغار نرى الأرض ترتج إذا مشى في السوق أحد هؤلاء الثلاثة - عمر بن سليم، وفهد العبيد، وإبراهيم العبيد - على أن المتحدث لم يكن بعيد السن عن المترجم ﵀. وأحدثت هيبة شخصيته، فقد كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وربما طالب بتأديب المعتدي ويقف على تأديبه بنفسه، وله احترام وتقدير لدى المسؤولين من ولاة الأمر.

стр. 10

وشارك أهالي بريدة قديمًا في تطوير مدينتهم وتوفير الخدمات، فكان الأهالي قديما يراجعونه في هذه الأمور فيرفع إلى ولاة الأمر مباشرة بل ربما ذهب بنفسه إلى ولي الأمر وقابله في ذلك. وأخبرناه مرة أنه بُدئ العمل في امتداد شارع المياه جنوبًا، فقال: نعم أنا كتبت بطلب هذا الشارع برغبة الأهالي ورفعت الطلب إلى الملك فيصل، ﵀، وجاء بعدها بريد بالشكر والإفادة أنه سيتم ذلك، إن شاء الله، بعدما يتم اعتماد شارع الشاحنات ببريدة. وكان أريحيًا اجتماعيًا لمن يجلس معه بأدب، فلقد حدثني أحد طلابه قال: كان الشيخ يأخذنا نحن الطلاب إلى رحلة برية ترغيبًا لنا في العلم وكان يمازحنا بل ويجعلنا نلعب أمامه لعبة المطارحة، فكان يشاهدنا ويضحك لذلك. قال تلميذه الأستاذ سليمان التويجري وكان من صفاته التي يعتز بها كل تلميذ جثم على ركبتيه أمامه متعلمًا دماثة في الخلق ومتواضعًا في الأخلاق وإخلاصًا في إيصال المعلومات إلى أذن تلاميذه. ومن الجدير بالذكر أن المؤلف، حفظه الله وأكثر من أمثاله، رجل اجتماعي بطبعة يحب الاختلاط والامتزاج بمشايخه وتلاميذه، وكانت النكتة لا تغادر مجلسه الأمر الذي يدعو جلساءه إلى الرغبة الأكيدة في الاجتماع والائتناس به، وكان قارضًا للشعر وله ديوان في الشعر، والمذكور يملك حاسة رقيقة شفافة تدعوه في كثير من الأحيان إلى إبداع غرر القصائد التي يرثي بها مشايخه وتلاميذه أهـ. وكان يجيب دعوة الزواج ويحرص عليها على كثرتها ويحث أبناءه على الحضور، فإذا حضر وسلم على الحضور أمر أحد أولاده بأن يقرأ آيات من

стр. 11

القرآن، ثم يشرع هو في تفسيرها والتعليق عليها ولا يطيل لمناسبة الدعوة. ويلي دعوة من دعاه ولو كان بعيد البلد، ويذكر أحد أبنائه قال: ذهبت معه إلى إحدى القرى وقد أجاب دعوة، وتبعد تلك القرية عن بريدة قريبًا من ثلاثمائة كيلومتر، فحضر الدعوة ووعظ في المسجد والبيت ثم رجع في يومه. وكان يحب الجلوس والاجتماع بأولاده وأحفاده وأصهاره ويقيم لذلك وليمة، ولا يمر أسبوع إلا وقد جمع الأسرة، فإذا اجتمعوا أخذ بالحديث ربما عن التاريخ وأخبار الأمم أو عن أخبار علماء القصيم وأئمة الدعوة النجدية، أو طلب من أحد أبنائه أن يقرأ شيئًا من القرآن، فكان ينصت للقراءة ويثني على القارئ ويفسر الآيات ويطرح أسئلة في إعراب الآيات على الحضور، وكان يطرح عليهم كثيرًا من المسائل الفرضية، وربما أحضر معه كتابًا وطلب من أحد أبنائه أن يقرأ عليهم ويحب دواوين الشعر. ولم يكن يملّ من ذلك. وقبل وفاته بشهر قُرئ عليه الميمية لابن القيم وذلك قبل الحج بأيام، وكان يحبها، فأثنى على ابن القيم كثيرًا وعلى القصيدة، وحيث كان في جلسة أسرية فقد طلب من بعض النساء الحضور لسماع القصيدة والتعليق عليها، فشرع يشرح القصيدة ويتلذذ بها. حتى خنقته العبرة فجعل يخفيها ﵀. قال أحد أحفاده: ولما رجعنا من الحج تلك السنة وقدمت للسلام عليه قدم إليّ ديوانه البستان وهو مخطوط، وطلب مني أن أقرأ عليه قصيدة الصرصري في قصة يوسف وإخوته ﵈، وفي الليلة التي أصيب فيها بالمرض كنا في وليمة أسرية فطلب أن نحضر كتابًا لنقرأ فيه فاخترت له كتاب الشوقيات لأحمد شوقي، فأخذه وجعل يثني على شعر أحمد شوقي ويذكر ما بينه وبين حافظ إبراهيم، ثم بحث عن قصيدة.

стр. 12

وأصيب ﵀ بالمرض في تلك الليلة، ولما رجع من جدة وقد كان ذهب إليها للعلاج، اجتمعنا حوله للسلام عليه، فطلب مني أن أقرأ آيات من القرآن، فقرأت عليه سورة النجم كاملة، وكان قد ضعف بصره ويعاني من الألم، فلما بلغت قوله تعالى: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ جعل يتأمل كلام ابن تيمية ﵀ حينما قال: أنا المكدي وابن المكدي ... وهكذا كان أبي وجدي فترحم عليه. وهكذا كانت مجالسه عامرة بالعلم حتى إنه كان يطرح المسائل العلمية على بناته وحفيداته ﵀. وكان من شأنه أيام الطلب أنه يقضي أوقاتًا كثيرة في طلب العلم تزيد على ست عشرة ساعة يوميًا ما بين قراءة وتأليف، وكان يكره أن يشغله أحد عن القراءة والكتابة، واختار الاشتغال بالتعليم عن الوظائف الأخرى، فلقد عرض عليه القضاء مرات فاعتذر حبًا للسلامة وإيثارًا للعافية، عرض عليه القضاء في إحدى نواحي القصيم وفي عسير وفي الجوف وفي تيماء، فاعتذر، وألحَّ عليه الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ أن يتولى قضاء تيماء فطلب منه الإعفاء حتى بكى أمام الشيخ فعذره الشيخ لذلك. التحق بالتعليم النظامي عندما أسست أول مدرسة في بريدة سنة ١٣٥٦ هـ، واستمر يدرس فيها حتى تقاعد رحمه الله تعالى سنة ١٣٩٦ هـ. وطلب منه أن يفتح درسًا في الفرائض وأخبر برغبة طلاب العلم بذلك فقال إنه منشغل بالتأليف وأنه جلس ما فيه البركة، وأخبر أنه جلس أربعين سنة يدرس فيها بالمساجد وهكذا وأكثر منه في إمامة المسجد.

стр. 13

قال الدكتور عبد الله بن محمد الرميان: تولى الشيخ إبراهيم العبيد إمامة مسجد ماضي سنة ١٣٦٢ هـ بعد وفاة إمامه سليمان الحميد واستمر في إمامته حتى سنة ١٣٦٦ هـ، فتكون إمامته في هذا المسجد خمس سنوات، انتقل بعد ذلك إلى مسجد ابن خضير الجنوبي، ثم انتقل إلى مسجد مجاور لسكنه، واستمر في إمامته إلى وفاته ﵀ سنة ١٤٢٥ هـ، فتكون مدة إمامته قريبًا من ثلاث وستين سنة. وكان بقاؤه في مسجد ابن خضير إلى سنة ١٣٩٩ هـ، وفي مسجد السويلم إلى سنة ١٤٠٣ هـ، ثم في مسجده من عام ١٤٠٣ هـ، إلى وفاته ﵀. وكان له جلد في نسخ الكتب بيده، ونسخ عددًا من الكتب قبل وجود الطباعة الحديثة مثل (حادي الأرواح) لابن القيم، و (فتح المجيد) للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ. وقصائده كثيرة ومؤلفاته التي بلغت أكثر من ٥٢٣٧ صفحة. أما عن شعره فلقد أنشأ عددًا من القصائد في فنون متنوعة كالوصف والنصيحة والمدح والرثاء والإخوانيات وغيرها في أكثر من ست وعشرين قصيد بما مجموع أبياتها: ٨٧١ بيتًا، وهذا ما ذكره في كتابه التذكرة وله قصائد غيرها. وبذا عدَّه الأدباء والمؤلفون في شعراء المنطقة. قال الدكتور إبراهيم المطوع وهو يتحدث عن كتاب على تذكرة أولى النهي والعرفان، ولكون المؤلف شاعرًا، فقد احتوى الكتاب على مادة شعرية وفيرة للمؤلف نفسه ولشعراء من المنطقة ومن خارجها كـ: ابن سحمان وابن مشرف وحسن بن

стр. 14

نفيسه فيحرص المؤلف على أن يتبع كل حادثة أو مناسبة أو موقعة مما قيل فيها أو حولها من قصائد شعرية تصل أحيانًا إلى سبعة وسبعين بيتًا، كقصيده للشاعر صالح بن عبد العزيز العثيمين، فرثاء الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وقصيدة المؤلف البالغة ثمانية وسبعين بيتًا في مناسبة وفاة عدد من معارفه عام ١٣٦٤ هـ، وقد يتدخل المؤلف في إصلاح ما اعوج عروضيًا من تلك القصائد أو يحذف أبياتًا منها لعدم استقامتها أو يترك القصيدة فلا يوردها لأنها غير موزونة. وعلى ذلك فهو يكتب تاريخه بحس الأديب الناقد، وهذا ما يجعلنا مطمئنين إلى ما أورده من نصوص شعرية إلى أن قال: وهكذا نرى أنه ورد في كتابه ما مجموعه من القصائد والمقطوعات (٤٤) قصيده ومقطوعة، ومجموع أبياتها (١٣١٨) بيتًا فقط لشعراء المنطقة من عام ١٣٥١ - ١٤٢٠ هـ. على أن الدكتور إبراهيم استفاد منه في الأجزاء المطبوعة، وهي إلى سنة ١٣٨٤ هـ، وتلك نهاية الجزء الخامس، وبعد النظر في المخطوطات وهي الأجزاء المتبقية وجدت له عددًا من القصائد، ونقل عن غيره كذلك. أما مؤلفاته فأقدمها وأشهرها هو كتاب (عقود اللؤلؤ والمرجان في وظائف شهر رمضان). الكتاب الذي أثنى عليه الأكابر والأصاغر، وهزَّ القلوب وساقها إلى علّام الغيوب مع أنه ألفه في صغره، فقد فرغ من تأليفه سنة ١٣٥٩ هـ وعمره حينها خمس وعشرون سنة، وطبع الكتاب الأول سنة ١٣٧١ هـ، مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة على نفقة الشيخ حسن محمد بن محمود الشنقيطي ﵀، وتوالت الطبعات بعدها في أكثر من أربع عشرة طبعة، واشتهر عند الناس في وقته، وكان يقرأ به في مساجد نجد قبل صلاة التراويح وبين السليمات وصلاة

стр. 15

القيام في شهر رمضان، ولقد أخبراني أنه بلغه أن الكتاب وصل إلى الملك عبد العزيز ﵀ فكان يقرأ عليه في رمضان وكان يبكي وهو يستمع للكتاب، وسأل كثيرًا عن مؤلفه فاهداه الملك بعضًا من الكتب، ويقع الكتاب في مجلد واحد في أربعمائة وإحدى عشرة صفحة بتوزيع بديع على مجالس الوعظ والإرشاد في شهر رمضان. ومن كتبه كتاب التاريخ، وقد سماه (تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان) طبع منه خمسة أجزاء ولا زالت البقية إلى الجزء الثامن في المطبعة، وتتولى طبعه مكتبة الرشد، ولعله ينزل قريبًا بإذن الله تعالى، وبدأ في التاريخ بمقدمة ثم ترجم للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ثم بتعريف بالمملكة العربية السعودية. وأول سنه أرَّخ فيها سنة ١٢٦٨ هـ ونهاية الجزء الأول إلى سنة ١٣١٩ هـ، ويبدأ الثاني من سنة ١٣٢٠ هـ إلى سنة ١٣٣٩ هـ، ويبدأ الثالث من سنة ١٣٤٠ هـ إلى سنة ١٣٥٢ هـ، ويبدأ الرابع من نفس السنة إلى سنة ١٣٧٢ هـ، والجزء الخامس وهو نهاية المطبوع يبدأ سنة ١٣٧٣ هـ إلى سنة ١٣٨٤ هـ، ويبدأ السادس وهو مخطوط من سنة ١٣٨٤ هـ إلى نهاية السنة ١٣٨٥ هـ، ويبدأ السابع من سنة ١٤١٠ هـ، ثم الثامن من السنة نفسها، وآخر خبر ذكره في تاريخه ووقف عليه قلمه هو نبأ وفاة الشيخ العالم العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ ولم يكمل ترجمته وذلك سنة ١٤٢١ هـ. وقد أودع في تاريخه أخبارًا عالمية مصدره منها الإذاعات والإعلام وأفواه الرواة، وأخبارًا محليه وقف على كثير من الإعلام وأخبارًا عن علماء نجد والقصيم بخاصة وأخبار القصيم وتراجم العلماء ومشايخ ووجهاء القصيم ٤

стр. 16

ومراثيه لهم، فحفظ بهذا الكتاب تاريخ تلك الفترة الزمنية ما بين سنة ١٢٦٨ هـ إلى سنة ١٤٢١ هـ. وهو مرجع الباحثين والمؤرخين في تلك الفترة في كثير من الأمور، وقلّما تجد من ألّف عن القصيم إلا وينقل عن هذا الكتاب. قال الدكتور إبراهيم المطوع: وهو كتاب تاريخي قيم يؤرخ للدولة السعودية ويعد مرجعًا أصيلًا وفريدًا لكثير من مؤرخي ودارسي الأدب والتاريخ السعودي. ومن كتبه كتاب (الأعلام المرفوعة والتحف المدفوعة وعقيدة أمة الإسلام المقروءة والمسموعة) وهو شرح لمتن العقيدة الوسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، ويقع في جزءين، وهو مطبوع بأكمله وفرغ من تأليفه في ٢١/ ٨/ ١٤٠٣ هـ. ومن كتبه أيضًا: (السحاب المركوم والرحيق المختوم في وظائف السنة منثورها والمنظوم) ويقع في ثلاثة مجلدات. ومن كتبه أيضًا: (رياض الأنوار الزاهرة والحكم المنثورة الباهرة في تعظيم سنة سيد ولد آدم وفخرهم في الدنيا والآخرة) ويقع في مجلد واحد، وقد فرغ من تأليفه في ٢/ ٣/ ١٤١١ هـ. ومنها كتاب (تحذير الأنام عن ارتكاب القبائح والآثام في تحريم الدخان والمسكرات والمفطرات) ويقع في مجلد واحد حرره في ٤/ ٥/ ١٤١٨ هـ، وله كتيّب صغير في دعاء ختم القرآن، فهذه كتبه المطبوعة وله كتب مخطوطة، منها كتاب (البستان) في المواعظ والحكم والأمثال، وهو ديوان شعري جمع فيه بعضًا من قصائده وقصائد لبعض السابقين، ومنه كتاب (التحريم في تبرج النساء) وكتاب

стр. 17

(لزوم الجماعة) وله منسك في الحج والعمرة وذكره في كتابه (التذكرة) أنه قد ألَّف كتابًا في وصف رحلته إلى جنوب المملكة، وله قصائد كثيرة لم تنشر. أصيب الشيخ إبراهيم بجلطة في شبكة العين في شهر ذي الحجة من عام ١٤٢٤ هـ، فراجع المستشفيات، وسافر إلى جدة لأخذ العلاج، واعتمر في سفرته تلك ثم رجع إلى بريدة، وبعد رجوعه بيومين اشتد عليه الألم في صدره، وفي وتلك الليلة الأولى من سنة ١٤٢٥ هـ نقل إلى مستشفى الملك فهد التخصصي ببريدة وبقي فيه إلى وفاته، ﵀، يوم السبت الثامن من شهر محرم سنة خمس وعشرون بعد الأربعمائة والألف في الساعة العاشرة والنصف صباحًا، وقد تناقل الناس نبأ وفاته في ذلك اليوم واجتمعوا للصلاة عليه لصلاة المغرب في جامع الخليج ببريدة الذي يؤم فيه المصلين فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن محمد الونيان، حفظه الله وبارك في جهوده، فازدحم الناس للصلاة عليه وامتلأ المسجد بالمصلين وكذا الطرقات وصلى عليه في المسجد إمامًا أخوه محمد ثم حمل على الأكتاف حيث صلي عليه في الطريق إلى المقبرة عدة مرات. صلى عليه فضيلة الشيخ عبد الله القرعاوي حفظه الله إمام الجامع الكبير ببريدة، ومرة أخرى صلى عليه الشيخ عبد الله بن الشيخ صالح الخريصي إمام جامع الخريصي، ودفن تلك الليلة التي توفي فيها بعدما بكاه الناس وترحموا عليه وتأثروا لفقده، وحضر جمع كثير من طلاب الشيخ وأصدقائه ومحبيه، وقبر في مقبرة الموطأ ببريدة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 18

تقديم الناشر "علي الحمد الصالحي " أحمدك اللهم حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا كما أنت أهله. وأصلي وأسلم على عبدك ورسولك المصطفى ونبيك المجتبى، عدد قطرات الماء وذرات الثرى، وعدد سكان الأرض والسماء من الخلائق، وعدد ما نطق بذكر الله ناطق؛ وعدد الحركات والسكون، وعدد ما كان وما يكون. وبعد فإن علم التأريخ من العلوم التي تناولها الكاتبون: في كافة العصور لأن فيه عدة مقاصد، منها الاعتبار بحال من مضى وما جازى الله به من أطاع وعصى في الدنيا جزاء معجلًا، ومنها أن من عرف أخبار الماضين عاش معهم في أحوالهم وأفكارهم إلى غير ذلك من المقاصد. وقد اعتنى به أناس كثيرون خارج الجزيرة العربية ما بين خاص بقطر أو بلاد وما بين عام، أما في هذه الجزيرة فلم يعتن به إلا أفراد قلة في القرون الأولى، ثم أهمل مئات من السنين، ثم بعد دعوة الشيخ "محمد بن عبد الوهاب" كتب فيه أناس حسب ما تهيأ لهم من داخل الجزيرة وغيرها، وتعتبر دعوة الشيخ بمنزلة المطر النازل على الأرض الميتة فاهتزت وربت. ثم كتب فيه ابن غنام والجبرتي وابن بشر وآخرون، منهم كاتب هذا التاريخ الشيخ الفاضل المؤرخ "إبراهيم بن عبيد" وقد بذل فيه جهدًا كبيرًا، وأوقاتًا ثمينة، وتابع الوقائع والحوادث حسب ما بلغ إلى علمه، فجاء هذا التاريخ عامًا في وقت مست الحاجة إليه. حافلًا بشتى الحوادث والأخبار والوفيات؛ ولعله يكون حافزًا للقراء المطلعين لجمع بقية الشتات، ونقل للحقائق من ألسنة الثقات. "ومؤسسة النور للطباعة والتجليد" ترى عظيم المنة لمن كان مساندًا لها بالسبق لهذه المفخرة؛ وقد كانت بفضل الله عليها سباقة للخير، داعية إليه، تترسم من الأمور أعلاها.

стр. 19

وسيكون هذا التاريخ في خمسة أجزاء متوسطة (١) حسب تجزئة مؤلفه؛ نفع الله به والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 20

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ترجمة المؤلف: بقلم تلميذه: سليمان العبد العزيز التويجري هو الشيخ الفاضل الموسوم بالعلم والفضائل إبراهيم بن عبيد بن عبد المحسن آل عبيد ولد في خامس عشر جمادى الثانية سنة ١٣٣٤ هـ، ونشأ في أحضان والديه، ثم أخذ في الدراسة في إحدى المدارس الأهلية في بريدة، ولما تم له من العمر اثنتا عشرة سنة حصل على حفظ القرآن ودراسته بالتجويد، وأخذ نصيبًا من تعلم الخط والحساب، وكان ذلك موضع الإعجاب من مدرسيه لما لمسوه منه من الجد والاجتهاد. ثم إنه لما أخذ نصيبه الوافر من تلك المدرسة انضم إلى التعلم على يد الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي المشهور بالعلم والتدريس في القصيم. وانضم أيضًا إلى التعلم من فضيلة الشيخ عمر بن محمد بن سليم وجدّ ونافس في طلب العلم وأكثر من الأخذ عنهما. ومن جملة ما درس به عليهما إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم، وكشاف القناع عن الإقناع للبهوتي؛ والروضة الندية لصديق بن حسن القنوجي الهندي، وزاد المستقنع وشرحه، والرحبية في الفرائض والمواريث وملحة الإعراب في النحو، وألفية ابن مالك في النحو والصرف، وكتب العقائد والحديث كالعقيدة الواسطية؛ والصابونية والطحاوية، والتوحيد وشروحه. وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ونال الأعجاب من مشائخه وأعجبوا بجهده واجتهاده وقوة حافظته وذاكرته، حتى كان يذهب بين العشائين

стр. 21

والعتمات وأواخر الليل إلى تلك المساجد التي لا تزال إذ ذاك عامرة بالتدريس وحلق الذكر لأخذ نصيبه من العلم رغم زمهرير الشتاء وبرده القارس، وأمطاره وثلوجه، وكان مشائخه يقدرون أعماله ويعرفون له فضل الاجتهاد. ولما بلغ من العمر اثنين وعشرون سنة أخذ يدرس ويعلم في المسجد واجتمع عليه تلامذة كثيرون فضلاء. من تلامذته الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي المدرس في المعهد العلمي، والشيخ علي بن محمد السكاكر رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مقاطعة القصيم، والشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الحميد، والشيخ محمد الصالح المرشد مدير المعهد العلمي في بريدة سابقًا، والمدرس بالجامعة الإسلامية لاحقًا؛ والشيخ علي بن محمد الربيش أحد أعضاء المحكمة المذكورة، وأخذ عنه الشيخ محمد بن عبد الله بن عودة أحد أعضاء رئاسة القضاء في السعودية؛ وأخذ عنه الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم الدوسري مساعد مدير مكتبة الحرم المكي، وعلي بن راشد الرقيبة، وأخذ عنه الأستاذ سليمان بن عبد العزيز التويجري، وأخذ عنه صالح بن إبراهيم الرسيني، وعبد الله بن صالح الحسين، وأخذ عنه غير هؤلاء خلق كثير وجمع غفير، وأخذ عنه ابناه عبد الرحمن ومحمد. ومن العجائب أن غالب الذين أخذوا عنه وتتلمذوا عليه، وفقهم الله، ولديهم صلاح في دينهم، وقد برز أقرانه في مادة الفرائض التي قل من يسبر عورها ويحل عويصها، وكان يرجع إليه في كثير من المسائل الفرضية التي قد تبلغ حد الإعجاز في صعوبتها ويتلقاها بصدر مملوء باليقين والاستعداد، حتى أنه بلغ به الأمر إلى أن تأتيه المسائل الفرضية من جهات بعيدة من خارج المملكة، ولا يزال الآن يعالج مهنة حل المسائل والإفتاء، وكان الرجل شغوفًا ومحبًا لمادة التاريخ، وله ذوق رفيع في مادة القواعد، وكان من صفاته التي يعتز بها كل تلميذ جثم على ركبتيه أمامه متعلمًا دماثة الخلق، ومتواضعًا في الأخلاق، وإخلاصًا في إيصال المعلومات إلى أذهان تلاميذه. والجدير بالذكر أن المؤلف حفظه الله وأكثر من أمثاله رجل اجتماعي بطبعه يحب

стр. 22

الاختلاط والامتزاج بمشايخه وتلاميذه، وكانت النكتة لا تغادر مجلسه، الأمر الذي يدعو جلسائه إلى الرغبة الأكيدة في الاجتماع والاستئناس به، وكان قارئًا للشعر وله ديوان في الشعر والمذكور يملك حاسة رقيقة شفافة تدعوه في كثير من الأحيان إلى إبداع غرر القصائد التي يرثى بها مشايحه وتلاميذه، أما عن مؤلفاته فكفاه فخرًا واعتزازًا سفره الباقي ما بقي المحبون للخير؛ وذلكم هو كتاب "عقود اللؤلؤ والمرجان في وظائف شهر رمضان" الذي ما فتئ كل إمام مسجد في المملكة وغيرها يقرؤه على مأموميه في ليالي رمضان الشريف. حتى آل الأمر إلى أن دام رجال فضلاء من خارج المملكة بدعوة إلى الشيخ بالاستئذان منه بطلب ترجمته إلى اللغة الأردية، والإنجليزية، والفرنسية؛ وهذا وربي شيء يبعث الاطمئنان والاعتزاز والسرور. كما أن من مؤلفاته "البدور البهية والفتوحات القدسية" (١) وهو وظائف لسائر السنة يدور حول المشاكل الاجتماعية في الوسط الاجتماعي الراهن سيطبع عن قريب وهو ثلاثة أجزاء، ومنها هذا التاريخ. أخي القارئ علك تجد فيه ضالتك المنشودة وبغيتك المطلوبة، وقد أنفق المؤلف من عمره في تأليفه ثمان عشرة سنة كانت حافلة بالجهد المتواصل، والسهر الطويل، ولم المعلومات من مظانها ومن كل صوب وحدب، والمذكور غني عن قيلة قائل في مدحه والثناء عليه، فالذي بين يديك أخي القارئ يحكي واقع المذكور وهو لا يرجو منك إلا الدعاء والصفح عن كل خلل، فإن كان خيرًا فمن توفيق الله وامتنانه، وإن كان غير ذلك فالإنسان عرضة للخطأ، وقبل أن نختم هذه العجالة العابرة عن حياة المؤلف نورد لك نموذجًا من شعره فقد كان يدرس عليه أحد المنتدبين للتدريس في

стр. 23

المملكة فما كان من تلميذه إلا إن جرى منه عدم مواضبة فعاتبه الشيخ بهذه الأبيات الطريفة: سلام يفوق الشمس في الحسن والبها ... ويفضح حسن البدر في التم معلما ويسري بادلاج يمر مسارعًا ... إلى ذلك الندب الجليل متمما محمدًا لا تترك دروسا سلكتها ... تفوق على الدر النفيس وترثما عليك بتحصيل العلوم فإنها ... نجاة لعمري من طريق جهنما بأي كتاب الله يولع عارف ... له نهمة تعلو سموًا على السماء كذك علوم النحو تعلو لغيرها ... تقوم ألفاظًا وتهدي من العماء يراد بها كل البيان فخذ بها ... فهذا لعمري بالقرار مسلما ولا تعد عيناك المكارم موثرًا ... قهاو وأشغالًا تعود فتثلما [فأجابه ذلك الأستاذ بهذه الأبيات] عليك سلام الله نورًا متمما ... ورحماته تترًا تباعًا من السماء وأوزعك الرحمن شكر هباته ... والأئه من منعم جل منعما وأتاني الرحمن علمًا وحكمةً ... وزودني فقهًا وعقلًا معلما وأنت الذي نورًا أضاء جبينه ... وبان عليه الفضل والحسن معلمًا أأترك نهرًا قبض الله فيضه ... على ظمأ مني وقد تقتل الظماء أأترك نورًا كنت شمسًا تمدد ... وأمشي طريق العائرين معتما أأترك آي الله لآ أعتني بها ... وها قد بدت من فرقل يكشف العما أأترك درس النحو لو أن خبرته ... لازداد جهلًا بالعلوم فأظلما ولو علم التوحيد يومًا أخذته ... ودرس الحديث أن يكون هو علما فلا تشفقن يومًا حريصًا محاذرًا ... مقاطعتي جمع العلوم مسلما إلى آخر الأبيات: وفي الأخير أحيي كل من أسدى إلى الأمة خدمةً جلى وعملًا مشكورًا من

стр. 24

نصح وتوجيه، أو تسجيل حوادث، أو غير ذلك مما ينير طريق الحياة المعتم لكل ناشد معرفة، وقاصد علم؛ والله أسأل أن يهدينا طريقه المستقيم وأن يمن علينا بالهداية والتوفيق؛ وهو حسبنا ونعم الوكيل. بقلم أحد تلاميذه سليمان العبد العزيز التويجري مفتش القسم المساعد بإدارة التعليم ببريدة

стр. 25

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين الحمد لله الذي ذلت لعظمته العظماء؛ وكلت عن الإحاطة بكنه معرفته أفهام الأذكياء؛ ووسع علمه أهل الأرض وأهل السماء، الله لا إله إلى هو له الأسماء الحسنى، جلّت صفات ربوبيته ونعوت وحدانيته فلا تحصيها بلاغة الفصحاء، واحتجب في هذه الدار عن الأبصار وقدر السعادة والشقاء على أهل الجنة والنار، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما. فسبحانه من إله تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره متوحد في العز والبقاء، وسبحانه من متصرف دبر الأزمان والدهور، وعاقب بين الأيام والشهور، وأباد الأمم الماضية على توالي العصور، وقدر ما يكون من الحوادث وقضا، وتعالى مليك قهر حكمه الجبابرة، وكسر الأكاسرة؛ فلا مفر عن حكمه، ولا محيد عن أمره، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى؛ وهم من خشيته مشفقون، أحمده حمدًا يفوق العد والإحصاء. وأشكر على ما أولاه من الفضل والعطا وأسداه من الآلاء والنعماء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله كسر المتجبرين؛ وجبر المكسورين؛ وجمع المتفرقين، وفرق المجتمعين، وأغاث الملهوفين، وتطاول بفضله على سائر العالين فسعت نعمته إلى جميع الأحياء ووسعت رحمته كل الأشياء. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المصطفى، والخليل المجتبى والحبيب المرتضى، ﷺ وعلى آله وأصحابه البررة الأتقياء والسادة الأصفياء وسلم تسليما. أما بعد فكما أن الله جعل هذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وعبرةً لأهل العقول من ذوي العرفان، وقنطرة عبور لا مسكن حبور، كما نرى ذلك ونشاهده من ذلة عزيز، وسقوط رفيع، وفقر غني، وغناء فقير، وأخذ مولع بزخرفها على غير

стр. 26

استعداد، وإنزاله في لحده بلا أهبة ولا زاد، قد فارق الأحباب، ووسد التراب، وانقطع عن الأحباب؛ فالواجب علينا أن نعتبر بأيام الله وما جرى على الأمم؛ ودار عليهم من السلب والعدم. وما آل إليه أمر المنيع في أعالي القصور، وإنزاله منها على الرغم بعد السرور قد رفع البنيان، وفاخر الأقران؛ ونسى طوارق الزمان؛ ووثق بما لديه من الأماني والأمان، فلم يشعر إلا بالمنية قد أنشبت فيه أظفارها، وعضت عليه بأنيابها، وأنزلته إلى قعر الحضيض؛ وأبدلته بعد العز ذلًا، وبعد الحياة خمودًا، وبعد الحركة سكونًا، فيا عجبًا له من قوي عاد ضعيفًا، وبعد قهره أصبح مقهورًا، وبعد سطوته ليثًا عاد مأسورًا، وبعد أنس ربعه عاد محصورًا، يا عجبًا لأهل هذه الدنيا كيف لا يعتبر الخلائف بالماضين، وكيف لا يتعظ المطلق بالمقيدين، وكيف لا تبكي العيون لمصيرها، فكم لهذه الدنيا من صريع. وكم لها من جريح، وكم لها من كسير، وكم لها من أسير، وكم لها من قتيل؛ ولكن أهلها لا يتعظون، وبغدرها لا يشعرون، ولا من سكرها يفيقون، ما هي والله إلا جيفة مستحيلة، أولعت النفوس باستجلابها، غافلةً عما فيها من الفجائع والقوارع والأنكاد، وقنعت بها همم دنية من أراذل العباد، فلا بذمها يسمعون، ولا بكثرة جفائها يزهدون. يا عجبًا كم هدمت الأيام من حصن، وكسرت من قوي وأذلت من شريف وأفقرت من غني وفرقت من حبيب، وكسفت من بال، وعطلت من بئر، وخربت من قصر مشيد. ولما كان المطلوب منا الاعتبار بمن مضى من القرون، وما جرى على الملوك الصيد، ممن طغى وتجبر على العبيد، وأتته الدنيا على ما يشتهي ويريد؛ وخدمته الولدان والخيل والعبيد، ولبس رقاق الثياب من كل غالٍ وجديد، وتزينت له الدنيا في غرورها كالعيد، فما كان إلا القليل حتى تكدرت منه العين، واختطفته أغربة البين، ودارت عليه المنون رحاها، وحل بعراصد البلا ومحاها؛ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ﴿وَتِلْكَ

стр. 27

الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. لقد كنت أتشوق لوضع تاريخ في ذكر حوادث ما جرى من الوقعات من لدن سنة سبع وستين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية إلى زمننا، هذا بحيث ما وجدت أحد أتى بالمقصود ولم أجد بنقاشي عليلًا ولا لروي غليلًا. بيد أن يوجد قطع فيها نبذ من الوقعات التي جرت في ظهور صاحب الجلالة الملك "عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود" إنما سجلت ودونت لغرابة سطوة هذا الملك الأعظم، والرئيس الأفخم، غير أن هذه النبذة، وإن كانت جلّ المقصود، فلا تفي بالتاريخ، وما كان هذا الوقت بجدير الإهمال، ولا بسهل المجال، ولكنه ترك لصعوبته، ولعدم من يقوم بأعباء مهمته، فسنح بخاطري أن أضع تاريخًا لائقًا، رائقًا في هذا الموضوع، وان كنت لا أرى مساعدًا على هذا الشأن، ولا من يجري فرسه في هذا الميدان، وذلك لأن التاريخ أصبح اليوم لا يعرفه في الحقيقة أكثر الناس، ولا يعتني به في غالب البلدان، وأخص بذلك نجد إلا سيما ما بين رأس هذا القرن إلى نصفه، فقد أهمل كإهمال تاريخنا قبل ثلاثمائة سنة، وكنت إذا سألت الشيوخ والمسنين ممن أظنه أهلًا لتلك البضاعة، ومن أخال فيه الصدق والكفاءة، فإنه يقول: غزا فلان وانكسر فلان، وحادثة كذا في الربيع؛ إما كونه يعرف السنة والشهر واليوم، بل الساعة والدقيقة، فلا يهتدون إليه سبيلا، فخلت من مساعد يعين على هذه المهمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله؛ هذا وقد يسر الله ما كنت أرومه، ومنَّ علي بذلك، وكم له علينا من منة لا نقوم بشكرها، وأقرّ بفضله العين بوجود ما كنت أتمناه، وأكدح في نيله وأتلقاه، وذلك بمدة طويلة بذلت فيها مجهودًا من طاقتي، وسهرت الليالي لاستحصالها، وكلفت الأيام لرصدها لتكون متلقاة من مصادر وثيقة، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 28

فصل ويا ويل كل مؤرخ ، بل لو شئت لقلت كل مؤلف في هذا الزمان من بعض المتعنتين الفارغين، الذين قلت بضاعتهم من العلم بحيث كانوا قطاع السبيل في طريق المؤلفين، لا سيما في التاريخ فنجد أحدهم يتحيل لتشويه سمعة المؤلف بمخرقته وغروره، مثال ذلك أن الحادثة قد تروى من طرق كثيرة، ومن الناقلين من تكون بضاعته زعموا، فيقوم الممخرق ضاربًا بنقل المؤرخ عرض الحائط، وإن كان صحيحًا، ثم يأتي بطريق أخرى كأنه نزل الوحي بصحتها لأي شيء، لا لظهور الحق حاشا والله، بل وكلا، بل لكثرة الخبط والنيل من حق المؤلف، فهل لا يقوم ذلك المعترض إن كان فيه مؤهل فيضع تاريخًا لأن الباب مفتوح أو يكف شره عن المؤلفين كما قيل: اقلوا عليهم لا أبا لأبيكمو ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا فإذا وقعت حادثة مثلًا في أعالي السوق ومنتهاه، واجتمع الناس لرؤيتها منهم المتقدم ومنهم المتأخر، فإن الأمة بعد صدورهم ترويها على جهات مختلفة، وكل رواية لا توافق الأخرى، هذا وهي في بلد، ووقوعها في الحال، فما بالك فيما لا يكون في بلدك ولا في زمانك فما شئت من تغيير واختلاف وطريق الحل هو أن تمسك بتلابيب من قتل القتيل وشهد حفر الحائط، ورأى بعيني رأسه وسمع بأذنيه، وأمسك بيديه، فنأخذ منه مشافهةً بعد ما نعرف ثقته وأمانته، فعند ذلك نهتدي إلى الصواب سبيلا، والله المستعان وعليه التكلان لا رب غيره ولا إله سواه. فصل وقد كانت الأمم الأخرى تشجع المؤلفين وتبذل لهم مقابل أعمالهم التي قاموا بها جوائز سنية لقيامهم بأعمال يشكرون عليها، وهذه طريقة طيبة أن ينال المؤلف أو المخترع للصناعة جزاء يشجع على عمله، ويشجع أمثاله حتى تحصل المسابقة إلى الأعمال الكاملة، فيا ليتنا إذا لم نحصل على هذه الخطة ألقينا

стр. 29

عن عواتقنا رداء الحسد؛ ونهضنا بأمتنا كل بحسب مقامه، حتى تسير السفينة لنصل إلى ساحل الكمال والمعرفة، وسلمنا من التلطخ بتلك الأقذار والتضمخ بها، وخطابي هذا موجه إلى المتعنتين فقط، أما فطاحل العلماء وأهل الفضل والمعرفة فإنهم بالمكان الأرفع، وقد حماهم الله من ذلك وهم في كرامة. ولعل قائلًا يقول لو أن المؤلف جعل ذكر آل سعود متصلًا وآل رشيد على حده ونحو ذلك من الآراء، ويقول لو كانت تراجم الوفيات على حدة ونحو ذلك، فاعلم أن الآراء لا تزال مختلفة وكل له نظر واختيار، وقد تعشقت طريقتي التي سلكتها، وللناس فيما يعشقون مذاهب، وبكل حال فإن من أراد أن يسوق الحوادث على ترتيبها كل سنة بحوادثها، فإنه يضطر إلى سلوك الطريقة التي سلكنا، وهي طريقة الحافظ بن كثير، وابن بشر وأمثالها. فصل فدونك كتابًا يصلح للدنيا والدين ، ويلائم سائر طبقات الناس، قد اشتمل على نكت أدبية، ونبذ تاريخية وتراجم لأئمة أعلام وملوك أكاسرة عظام، أبادهم مولاهم الذي أوجدهم، وسيجددهم بعدما أخلفهم ويجمعهم بعدما فرقهم، وقد احتوى على قطع شعرية تشهد لأهل نجد بل للعرب بالفتوحات الإسلامية، وقمع البدع المظلمة الوبية، ولعمر الله لقد بذلت مجهودي في تأليفه، وجمعه، وترتيبه، وتصنيفه، وحرصت على أن لا أنقل فيه إلّا ما كان صحيحًا، والتزمت بالإنصاف فيما أذكره فلا أغلو ولا أجفو. وسميته تذكرة أولي النهى والعرفان، بأيام الله الواحد الديان. فجاء منة من الله لا يملّه جليسه، ولا يشبع منه الأنيس، ممتعًا لقارئه، مشوقًا للناظر فيه، فلقارئه غُنْمُهُ، وعلى مؤلفه غرمه له صفوة، وعليه كدرة، له عذبه، ولمؤلفه مره، وها هو قد نصّب نفسه هدفًا لسهام الراشقين، وغرضًا لأسنة الطاعنين. وأنا سائل بالله من اطلع عليه، أن لا ينظر إليه بعين السخط، فإنها تبدي المساوئ،

стр. 30

وأن لا يتصف بأخس الحيوانات التي تترك الطيبات وتتبع الخبيثات، وأن يهب الخطأ للإصابة؛ ويدفع بالحسنة السيئة، فهذه بضاعة المؤلف المزجاة تعرض عليك، وموليته الكريمة تساق إليك، فإن وافقت كفوًا كريمًا، لم تعدم منه قبولًا وإحسانًا، أو ردًا جميلًا إن كان خطها احتقارًا أو استهجانًا ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]. وقد قنع المؤلف بدعوة صالحة يفوز بها في الآخرة، وتستر عليه الباطنة والظاهرة، والمؤمن يستر وينصح، والمنافق يهتك ويفضح، وقد ظهر تاريخنا بثوبه الذي ألجأت إليه الضرورة، فتارةً تجد فيه ترغيبًا وترهيبًا، وأخرى تأخذ من نوادره وملحه نصيبًا، فإن شئت وجدته واعظًا وناصحًا، وإن أردت وجدته لنيل نصيبك من الدنيا مانحًا، وللسياسة والتجربة صالحًا. وأسأل الله رب الأرباب، وراحم من انطرح بين يديه وأناب، ومجزل الثواب للأحباب، أن يفتح لي وللمسلمين الأبواب، ويسهل العقبات، ويرشدنا لأحسن الأسباب، ويهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الكريم الوهاب. وقد أحببنا أن نجمله بوضع ترجمة لشيخ الإسلام قدّس الله روحه ونوّر مرقده وضريحه، وذكر نبذة من الكلام عن المملكة العربية السعودية. ذكر ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو الإمام العالم العلامة، والبحر الفهامة، العلم الظاهر، والبحر الزاخر، ذر المناقب العليا، والأخلاق الذكية والسيرة المرضية، وناصر السنة المحمدية والملة الإبراهيمية، شيخ الإسلام ومجدد الإسلام، بعد ما اندرس بين الأنام، الإمام المحقق والألمعي المدقق الشيخ "محمد بن عبد الوهاب"، أجزل الله له الأجر والثواب، وأدخله الجنة بغير حساب، وهذا نسبه. هو أبو الحسن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زافر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن

стр. 31

شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظل بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مراد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. له خمسة أبناء حسين وحسن وعلي وعبد الله وإبراهيم. ولد الشيخ في بلدة العيينة ١١١٥ هجرية، وكان من بيت علم؛ فأبوه شيخ كبير وجده سليمان بن علي عالم نجد في زمانه، له اليد الطولى في العلم، وانتهت إليه الرياسة في نجد، ولما ولد المترجم في العيينة فرح به والده، وحفظ القرآن تجويدًا عن ظهر قلبه، قبل بلوغ عشر سنين، ودرس في الفقه حتى نال حظًا وافرًا وأصبح موضع الإعجاب من والده لقوة حفظه، وجودة ذكاءه، لأنه كان حاد المزاج متوقد الذهن سباقًا في عقله، قويًا في جسمه، وشوهد منه في حال سفره كثرة المطالعة في كتب التفاسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام، فشرح الله صدره لمعرفة التوحيد وتحقيقه ومعرفة نواقضه المضلة عن طريقه، ولما تم له اثنتا عشرة سنة من عمره بلغ الحلم، ورآه والده أهلًا للإمامة في الصلاة، فقدمه إمامًا فقام بأعباء هذه المهمة رغم حداثة سنه. أخلاقه وسجاياه كان بشوشًا متواضعًا جوادًا، ذا عبادة وإيثار للفقراء والمساكين، أضف إلى ذلك قوة وهيبة تهابه الأمراء والرؤوساء، بل كان يهابه كل من يراه. ومن العجائب، أنه في أصله متواضع، لين العريكة سمح بشوش، لكن الله تعالى جعل له هيبة في القلوب، ومنحه كمال الرأي والفراسة والتدبير، وكان شكورًا لنعمة الله، وعلى جانب عظيم من الإنطراح بين يديه، وكثيرًا ما يلهج بقوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩]، ويتمثل لهذه الأبيات: بأي لسان أشكر الله أنه ... لذو نعمة أعجزت كل شاكر حباني بالإسلام فضلًا ونعمة ... علي وبالقرآن نور البصائر

стр. 32

وبالنعمة العظمى اعتقاد ابن حنبل ... عليها اعتقادي يوم كشف السرائر وأيضًا: فإنه كان على ثقة بربه ويعلم أنه من كان مع الله كان الله معه ومن قام لله قام الله معه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. وكان قويًا بأمر الله تعالى، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يستشعر الخوف ولا اليأس معلقًا آماله بالله، ولقد قام في زمن عاد المعروف فيه منكرًا والمنكر معروفًا والسنة بدعة والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير، وقد طبق الشرك مشارق الأرض ومغاربها إلا من شاء الله، قد ملأ الشرك الأقطار وعم القرى والأمصار، وملأت البدع الفيافي والقفار، فأراد الشيخ أن يكون داعية إلى الله وإلى كتابه ورسوله، وما عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، لأنه حنيف موحد وإمامه الرسول، جعل يدعو إلى التوحيد وإفراد الله بأنواع العبادة، وخلع عبادة ما سواه، مبينًا أن تلك الجمادات التي يعبدونها، والأموات لا تجلب خيرًا ولا تدفع ضرًا، وما النفع إلّا بيد الله الذي لا يرزق سواه، ولا ينفع غيره صارخًا بالدعوة: "أيها الناس هلّموا إلى ربكم وأفردوه بالعبادة"، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]، فما كانت هذه الأشجار لتجلب نفعًا أو تدفع ضرًا، وإن الميت لا ينفع نفسه فضلًا عن أن ينفع غيره؛ وكان لنجد من الشرك الحظ الأوفر فكان لما دعاهم إلى ذلك عود الشجا في حلوقهم، وحنظلة في أفواههم، فما كان لصرخته مجيب، ووافقت آذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، قد استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون، وزين لهم الشيطان عبادة الأشجار والأحجار، والقبور والبناء عليها، والتبرك بها، والنذر لها، والاستعاذة بالجن والشياطين، والذبح لها، فكانوا في نجد يضعون الطعام للجن في زوايا البيوت، يطلبون شفاء مرضاهم وكشف بلواهم. قلت يا عجبًا لأمر المشركين حيث أعمى الله بصائرهم ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١].

стр. 33

ثم أخذ ينشر الدعوة، ويحذرهم من بطش ذي النقمة والسطوة، ولكن أين الثريا من يد الملتمس، قد انعكست قلوبهم وعمي عليهم مطلوبهم، لسان حالهم ينادي أنترك يا سفيه الرأي فحل الفحول، والغار الفلاني الذي لجأ إليه فلان فشفى مريضًا؛ والشجرة الفلانية التي ما قصدها أحد فخاب، فما أنت إلا سفيه لا تحترم الأولياء ولا تتأدب مع الأنبياء، ويلك يا ابن عبد الوهاب ما أكبر جراءتك؛ فلما رأى هذه الحالة لم ييأس من هداهم؛ ولم يدع نصحهم، وعزم بأن الدين لا يزول كما زال فيما مضى، ولكن من أين المساعد وأين المعاضد من حماة الدين، وحزب الله الموحدين، فيا طوبى له من وحيد على كثرة الجيران، ومن غريب مع كثرة السكان بين أناس رؤيتهم حمى الأرواح، وغيض القلوب لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا. ولما تجرد للدعوة، وعرفوا ما يريد، نصبوا له الحبائل، وبغوا له الفوائل، واختلقوا له المشاكل، وأجلبوا عليه بخيلهم وأرجلهم وصاحوا به من أقطار الأرض مشدد ساحر، غالٍ، كذاب، كاهن، وشوهوا سمعته، وقامت عليه قيامتهم، وشنوا عليه غارتهم، ذلك بأنه دعاهم إلى ما يخالف تلك العادات، ولا تلائم طبائعهم التي عاشوا بها على الكفر والشركيات، قد خلعوا من رقابهم ربقة الدين، وسلكوا سبيل الهالكين، وتعلقوا بالأولياء والصالحين، ونسوا مولاهم رب العالمين، نسوا الله وذكروا الجمادات، وولعوا بما لديهم من التخيلات والحكايات والمنامات، وأغشتهم العوائد والمألوفات، وصدتهم الشبهات والجهالات عن نيل الهدى من النصوص المحكمات. ذكر ما كان في زمانه من الشرك والبدع قد أحببنا ذكر شيء من غربة الإسلام، واندراسه بين الأمة لتعلم ما لهذا الشيخ الذي أقام الله به معالم الملة، وكشف به البدع والضلالات، فأما أهل نجد فلا تسأل عما هم فيه، إذ ذاك من الغباوة، فقد كانوا في بدع مظلمة، وفتن مدلهمة، وقد أعيت مشكلتهم الأطباء وأمثالهم، إذ ذاك كثير، إن أهل نجد قد بالغ الشيطان في كيدهم

стр. 34

وجد، وكانوا ينتابون قبر زيد بن الخطاب وقبته معلقين آمالهم به، يرون أنه يقضي لهم الحوائج، ويزعمون أنه من أكبر الوسائل، وكانوا يترددون إلى قبر زيد بن الخطاب ويدعونه رغبًا ورهبًا بفصيح الخطاب قائلهم؛ يقول شيء تقضيه يا ابن الخطاب، شيء لله يا كاشف العذاب، وكانت هذه القبة من أعظم أصنام أهل نجد، تراق حولها الدماء، ويصاح عندها، وتعفّر الجباه، وتستقبل وتقبل بالشفاه. وتخضع الأكابر لديها وتنكسر الرؤوس، فتعالى الله الملك القدوس، ويترددون إلى قبر يزعمون أنه قبر ضرار بن الأزور، ولا شك أنه كذب ظاهر وبهتان مزور؛ وكذلك أيضًا عندهم نخل فحال، ينتابه النساء والرجال، ويفعلون عنده أقبح الفعال، وكانت المرأة إذا تأخر عنها الزواج، ولم ترغب بها الأزواج، تذهب إليه وتضمه بيديها برجاء وابتهال، معرضة عن الملك ذي الجلال، وتقول يا فحل الفحول؛ أريد زوجًا قبل الحول. وشجرة عندهم تسمى الطريفية أغراهم الشيطان بها، وأوحى إليهم التعلق عليها، وأنها ترجى منها البركة، فكانوا يأتونها طوائف وفرق، ويعلقون عليها الخرق، وقد تشبث بها الشيطان واعتلق؛ يفعلون ذلك لعل الأولاد يسلمون وعن الموت يجارون، ولكن قد قال من يقول للشيء كن فيكون، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وفي أسفل الدرعية غار كبير؛ يزعمون أن الله فلقه لامرأة تسمى ابنة الأمير، أراد بعض الفسقة أن يظلمها ويظير، فصاحت داعية الله فانفلق لها بإذن الولي الكبير، وكان الله لها من ذلك السوء مجير، فكانوا يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز ويهدون، ويبعثون إليه ويقربون، فعياذًا بالله مما يعملون، وفي وادي غبيراء يجري من الهجر والمنكر؛ ما لا يعهد مثله ولا يتصور، كذلك قرية في الدرعية يزعمون أن فيها بعض الصحابة مقبور؛ فأصبح حظهم من عبادته موفور. ومن العجائب المضحكة أن بعض هذه الآلهة بل غالبها لا يعرف لها أصل ولا فضل، بل زين لهم الشيطان عبادتها ابتلاءً وامتحانًا، نسأل الله العافية.

стр. 35

كما جرى لأهل العارض إذ ذاك في عبادتهم "تاج" وطلبهم منه البركة والإفراج، وكان يدعى الولاية فيأتون إليه، ويرغبون فيما عنده من المدد بزعمهم ولديه، فتهافت الحكام والظلمة، ويلوذون به في الأمور الملحمة، ويزعمون أن له تصرفًا وفتكًا بمن عصاه، ومقدرة مع ما يحكونه عنه من الأمور الشنيعة، التي تدل على انحلاله من الملة والشريعة، وهكذا سائر بلدان نجد على ما وصفنا، وقد فشت هذه الاعتقادات الباطلة، والمذاهب الضالة والعوائد الجائرة، والطرائق الخاسرة، وعمت وطمت حتى بلاد الحرمين الشريفين. فمن ذلك ما يفعل عند قبر محجوب؛ وقبة أبي طالب عم الرسول ﷺ فيأتون للاستغاثة عند نزول المصائب، وحلول الأزمات والنواكب بالسماعات والعلامات، لنيل المطالب فكانوا يعظمونها غاية التعظيم، فلو أنه أتى سارق أو غاصب أو ظالم إلى قبر أحدهما، لم يتعرض له أحد، لما يرون لهما من وجوب الاحترام والمكارم، ويفعل عند قبر ميمونة أم المؤمنين وعند قبر خديجة زوج خاتم النبيين، ما تشمئز منه قلوب المؤمنين وتنكره فطر العالمين، من اختلاط النساء هناك بالرجال وفعل الفواحش والمنكرات وسيء الأفعال، ويشقون الجيوب ويرفعون الأصوات، ويفعلون من الشرك والضلال أعظم المنكرات، وهكذا كانت سائر القبور في مكة والمدينة، قد نصبت عليها القباب وتمرغ المشركون في تلك الرحاب شرفهما الله وطهرهما من لوث أهل الارتياب. أما قبر ابن عباس في الطائف، فكان ينتابه الفقراء وذوو الإفلاس، من أهل الكفر والنفاق والإبلاس، ويستمدون منه الرزق والغوث وكشف الضر والبأس، ويقف السائل عند القبر متضرعًا مستكينًا، ويبدي الفاقة إليه مستعينًا، فيفعل عنده من الأمور الشركية، ما لا تبلغه العبارة ولا تحصره الإشارة، وقد ذكر محمد بن حسين النعيمي الزبيدي ﵀، أن رجلًا رأى ما يفعل في الطائف من الشرك، فقال إن أهل الطائف لا يعرفون الله، إنما يعرفون ابن عباس، فقال له بعض من يترشح بالعلم معرفتهم لابن عباس كافية لأنه يعرف الله.

стр. 36

فانظر يا أخي إلى هذا الشرك الوخيم، والغلو القبيح الذميم، المجانب للصراط المستقيم، كيف أن الشيطان إذا استولى على قلب العبد، فإنه يورده المهالك. ووازن بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله في الآية الأخرى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. وقد لعن الرسول اليهود والنصارى، باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد يعبد الله فيها، فما بالك بمن عبد الصالحين ودعاهم. وكذلك ما يفعل عند قبر حمزة وفي البقيع، من الفعل الذميم، والأمر الشنيع ما يكل عنه اللسان ولا يبلغه البيان، فلو رأيت تلك القباب وعكوف أهل الشرك والارتياب، معتقدين أنها تضيء على العالمين، وتذكر بأهلها للنفع والضر، لقلت لم يبق شيء لمالك يوم الدين، ومدبر الخلائق أجمعين، فجزى الله من هدمها وأزالها وسواها. وفي بندر جدة ما قد بلغ من الضلال حده، وعندهم قبر طوله ستون ذراعًا، يزعمون أنه قبر حوى، وقد بلغ عنده من الضلال الغاية القصوى، فمن لم يبذل الحطام لسدنة قبر أمه من الأنام فإنه يعد من اللئام، ولا يدخل عليها للسلام فتجدهم يجبون من الأموال، ما لا يخطر بالبال أو يدور في الخيال، وهذا القبر قد وضعه بعض الشياطين، فأكثروا في شأنه من الإفك وبالغوا في الكذب. وكان عندهم معبد يسمونه العلوي، بالغوا في تعظيمه والغلو به حتى جاوزوا جميع الخلائق، حتى لو دخله قاتل نفس أو غاصب أو سارق لم يتعرض له بمكروه مؤمن ولا فاسق، ولم يجسر أحد أن يكون مخرجًا له أو يناله بسوء. ولقد انكسر رجل تاجر من أهل جدة بمال عظيم لأهل الهند وغيرهم يقدر ذلك المال تسعمائة ألف، فلما رأى ما وقع به الإفلاس وليس لديه مقابل، ذهب إلى مشهد العلوي مستجيرًا به ولاذ بأعتابه، ولجأ إليه فلما رأى ذلك غرماؤه لم

стр. 37

يتقدم إليه منهم شريف ولا وضيع ولم يتجاسر أحد من الملوك والحكام على هتك ذلك المشهد، وترك الرجل وبيته ولم يرزأ بشيء احترامًا للمشهد، واجتمع طائفة من التجار وجعلوا له منهج الإنضار والتيسير واتفقوا على تنجيمه مدة سنين، وذلك بإرشاد من أهل العلم إذ ذاك والدين، وكان ذلك في ١٢١٠، فلو أن هذا المنكسر لاذ بالله وتعلق بأستار بيته لما التفتوا إليه، ولم يرعوا لله حرمه بل أخذوه وغلوه وهتكوه وعذبوه، فانظر كيف كان قدر هذا العلوي أعظم عندهم من قدر الله ﵎ قبحهم الله أنى يؤفكون. أما بلاد مصر وصعيدها وأعمالها فقد جمعت من الأمور الشركية والعبادات الوثنية، والدعاوي الفرعونية ما لا يتسع له كتاب، ولا يحصره خطاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدونها من أعظم الفضائح قد قلبت من الدين رسمه، وغيرت منه اسمه، وكان عنهم مشهد البدوي الذي لا يعرف له أصل ولا فضل ولا عبادة، بل قد افتتنوا به وصرفوا له الألهية من دون الله، وقد جاوزوا به وبأمثاله عندهم من المعبودين ما ادعته الجاهلية لآلهتهم، وجمهورهم يرى له من تدبير الربوبية والتصرف في الكون بالمشيئة والقدرة العامة ما لم ينقل مثله عن أحد بعد الفراعنة والنماردة، وبعضهم يقول القطب أحمد يرجعون إليه. وكثير منهم يرى أن الأمور شورى بين عدد ينتسبون إليه، وكانوا يتداولون بينهم حكايات، ويحكون في محافلهم مجريات من أفحش المنكر والضلالات، فيقولون فلان استغاث بفلان فأغيث، وفلان شكى لصاحب القبر حاله وأمره فأغاثه. وكشف ضره. وكان بعض أهل مصر يعتقدون أن أحمد البدوي يتصرف في الكون، وبعضهم يقول إن الذين يتصرفون في الكون سبعة ويعده معهم، وبعضهم يقول أربعة، وكانوا بزعمهم البدوي والرفاعي، والدسوقي، وأبو العلاء، وهؤلاء في مصر. وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمة الله عليه أنه في حال لبثه بمصر، وجد فيها عالمًا متفننًا إذا أخذ يعبر عن المسائل الأصولية، والفرعية، فكأنه البحر

стр. 38

الذي لا ساحل له فأعجب به الشيخ عبد الرحمن، وأبدى من إعجابه بذلك العالم لرجل من أهل الدين يثق به هناك فأجابه ذلك الرجل بقوله لا تغتر بكلامه، فإنه مشرك، وسأطلعك على شركه إن شئت، فجمع بينهما بمصر وسأله كمسترشد قائلًا يا أستاذ كم الذين يتصرفون في الكون، فتكلم ذلك العالم المشار إليه بالتعظيم بأن قال: يا بني سبعة هم الله والبدوي، والرفاعي، والدسوقي، وأبو العلاء، وعبد القادر الجيلاني، وسابعًا أسماه لهم، فأما أحمد البدوي فلا يدخل مصر ذرة ولا يخرج منه ذرة إلا بإذنه، فالتفت صاحب الشيخ عبد الرحمن إليه قائلًا له: احمدوا الله يا أهل نجد على ما من به عليكم من معرفة التوحيد. وذكر الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن أنه رأي في أيام رحلته إلى مصر لطلب العلم مجتمعًا هائلًا أعظم من اجتماع المسلمين عشية عرفة عند جبل الرحمة فسأل عنه فقيل هذا مولد البدوي، ورأى سوقًا طويلًا للبغايا اللائي قد أوقفن فروجهن في ذلك اليوم للسيد البدوي، ويأتي الفساق فيقعون عليهن متصدقات بذلك له في هذا المجتمع، وكان يحصل في مصر من الكفر بالله والإشراك به ما لم يصل إليه كفر أبي جهل وأشياعه، فالله المستعان. وإنها لحالة تضحك العقلاء، ويستحي والله من ذكرها فيعاذ بالله من هذا الهوس الذي بلغ منهم إلى هذه الغاية، وكذلك ما يفعل باليمن؛ ما هو منحرف عن أوضح السنن، بل كان أعظم الشرك والمحن، وأكثر من أن يستقصى، أو يعد ويحصى. وكان في شرقي صنعاء قبر يسمونه الهادي، فترى كلًا من الضلال على دعوته، والاستغاثة به رائحًا وغادي، فتأتيه المرأة إذا تعسر عليها الحمل وكانت عقيمًا، وتقف وتقول عنده كلامًا قبيحًا ذميمًا. فسبحان الله من كان على جهل خلقه حلمًا. وكذلك ما يجري في بلد برع من عبادتهم القبر الذي يؤتى إليه من مسيرة أيام وليالي لطلب الغوث منه، وشكاية الحال، وما يجري من أهل الهجرية ومن حذا

стр. 39

حذوهم، فيأتون قبر بن علوان، ويصدونه في نوائب الزمان، ويستغيث به كل لهفان، ويسميه الغوغاء منهم منجي الغارقين، كما حكاه بعض السامعين، وكانوا ينذرون له في البر والبحر، وبفعلون في حضرته أمورًا تريوا على العدو الحصر؛ يطعنون أنفسهم بالسكاكين والدبابيس، وقد جعلها لهم عبادة إبليس، ويقولون وهم يرقصون، ويغنون له ويطربون، قد ملأ الوجد منهم ألبابا، وذهنًا يا سادتي قلبي بكم معنى، ويفعلون عند قبره الموالد، ويجتمع عنده أنواع الكفار لفعل المعاصي والمفاسد؛ فليس في أقطار اليمن في ذلك الزمان من يساويه في الاشتهار، بل ولا في سائر الأقاليم والأقطار، فيا ليت شعري أما علموا أنه مخلوق مربوب، وبمعاصيه مطلوب، وإنه من جملة الأموات الذين لا يستطيعون زيادة في الحسنات، ولا نقصًا من السيئات. فسبحان من يحلم على العصاة، ولا يعاجل بالعقوبات. وأما أهل حضرموت والشحر ويافع وعدن؛ فقد ثوى فيهم الغي وقطن، وعندهم العيدروس الذي كابروا فيه بغلوهم المحسوس، يقول قائلهم عند قبره وهو مستجير، وقد التفت عن السميع البصير شيء لله يا عيدروس، شيء يا محي النفوس، وكذلك ما يفعل في بلدان الساحل. وما يجري من أهل المخا عند قبر علي بن عمر الشاذلي، وأهل الحديدة في قبر صديق، فإنه قد أقبل على تعظيمه، والغلو به كل فريق وأدى بهم الحال إلى أنه لا يمكن أحدًا يريد ركوب البحر، والنزول منه حتى يجيء إليه ويسلم عليه، ويطلب منه الإعانة والمدد. وأما أهل اللحية فعندهم الزيلعي، يسمونه الشمس من غير اختلاف، فيه عندهم ولا لبس، وسبب هذه التسمية لأنه ليس عليه قبة، بل هو مكشوف، وكان أهل البادية منه يزعمون أنه كان رسولًا في حاجة فضايقه غروب الشمس، فقال لها: قفي فوقفت وامتثلت أمره؛ والله يعلم ظاهر الحال وسره، فبذلك كان لديهم معروف، وجميع نوع من النذر إليه مصروف. (وكذلك قبر رابعة فلا يحلف صادق الإيمان إلا بها).

стр. 40

وفي أرض نجران يجري عندهم من تلاعب الشيطان، وخلع ربقة الإيمان، ما لا يخفى على أهل العلم بهذا الشأن، من ذلك رئيسهم المسمى بالسيد، عبدوه بأنواع العبودية؛ وصرفوا له رسمًا من الألوهية، وأتوا من طاعته وتعظيمه، وتصديره، وتقديمه، والغلو فيه ما مضى بهم إلى عبادة الأوثان والأصنام، وخلع ربقة الملة والإسلام. وكذلك حلب ودمشق، وسائر بلاد الشام فيها من تلك المشاهد والنصب، والأعلام ما لا يوافق عليه أهل الإيمان، ولا تلائمه الأديان. وكذلك الموصل وبلاد الأكراد ظهر فيها من أنواع الشرك والفجور والفساد فوق ما يذكر ويراد. فتعالى من لا يعاجل بالعقوبة على الجرائم ولا يهمل الحقوق والمظالم وقد بلغوا من الضلال ما يتنزه العاقل عن ذكره ووصفه ولا يمكن الوقوف على غاياته وكشفه مما تستنكر عن ذكره المسامع ولا يتمكن من وصفه ناظم أو ساجع. فناهيك بقوم إستخفهم الشيطان وعدلوا عن عبادة الرحمن، وباؤا بالخزي والهوان. أما العراق فقد كان فيه المشهد الحسيني قد اتخذته الرافضة وثنًا بل ربًا مدبرًا، وخالقًا ميسرَا وأعادوا به المجوسية، وأحيوا به معاهد اللات والعزى وما كان عليه أهل الجاهلية وكانوا يأتون مشهد العباس ومشهد علي فيركع فيه له أحدهم ويسجد ويدعوه بخالص الدعاء من دون الله ومنهم من يزعم أن زيارته أفضل من سبعين حجة، ولقد غلوا في تلك المشاهد وأتوا من الشرك القبيح أعظم مما يفعل النصارى في المسيح وكذلك ما يفعلونه في مشهد الكاظم وغيره وإذا كان يوم عاشوراء فإن الرافضة قد جعلته مأتمًا فهذا يصرخ وهذا يحثو التراب على رأسه يدعو بالويل والثبور وهذا يضرب صدره بالحديد والخشب حتى يكون كأنما أصابه لهب، وكان من الرافضة من يصلي لتلك المشاهد، ويركع ويسجد لها الساجد، وقد صرفوا من الأموال والنذور لسكان تلك الأجداث والقبور ما لا يحصل عشر معشاره للعزيز الغفور، ويفعلون عند
следующие страницы →