فانظر يا أخي إلى هذا الشرك الوخيم، والغلو القبيح الذميم، المجانب للصراط المستقيم، كيف أن الشيطان إذا استولى على قلب العبد، فإنه يورده المهالك.
ووازن بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله في الآية الأخرى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
وقد لعن الرسول اليهود والنصارى، باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد يعبد الله فيها، فما بالك بمن عبد الصالحين ودعاهم.
وكذلك ما يفعل عند قبر حمزة وفي البقيع، من الفعل الذميم، والأمر الشنيع ما يكل عنه اللسان ولا يبلغه البيان، فلو رأيت تلك القباب وعكوف أهل الشرك والارتياب، معتقدين أنها تضيء على العالمين، وتذكر بأهلها للنفع والضر، لقلت لم يبق شيء لمالك يوم الدين، ومدبر الخلائق أجمعين، فجزى الله من هدمها وأزالها وسواها.
وفي بندر جدة ما قد بلغ من الضلال حده، وعندهم قبر طوله ستون ذراعًا، يزعمون أنه قبر حوى، وقد بلغ عنده من الضلال الغاية القصوى، فمن لم يبذل الحطام لسدنة قبر أمه من الأنام فإنه يعد من اللئام، ولا يدخل عليها للسلام فتجدهم يجبون من الأموال، ما لا يخطر بالبال أو يدور في الخيال، وهذا القبر قد وضعه بعض الشياطين، فأكثروا في شأنه من الإفك وبالغوا في الكذب.
وكان عندهم معبد يسمونه العلوي، بالغوا في تعظيمه والغلو به حتى جاوزوا جميع الخلائق، حتى لو دخله قاتل نفس أو غاصب أو سارق لم يتعرض له بمكروه مؤمن ولا فاسق، ولم يجسر أحد أن يكون مخرجًا له أو يناله بسوء.
ولقد انكسر رجل تاجر من أهل جدة بمال عظيم لأهل الهند وغيرهم يقدر ذلك المال تسعمائة ألف، فلما رأى ما وقع به الإفلاس وليس لديه مقابل، ذهب إلى مشهد العلوي مستجيرًا به ولاذ بأعتابه، ولجأ إليه فلما رأى ذلك غرماؤه لم
стр. 37
يتقدم إليه منهم شريف ولا وضيع ولم يتجاسر أحد من الملوك والحكام على هتك ذلك المشهد، وترك الرجل وبيته ولم يرزأ بشيء احترامًا للمشهد، واجتمع طائفة من التجار وجعلوا له منهج الإنضار والتيسير واتفقوا على تنجيمه مدة سنين، وذلك بإرشاد من أهل العلم إذ ذاك والدين، وكان ذلك في ١٢١٠، فلو أن هذا المنكسر لاذ بالله وتعلق بأستار بيته لما التفتوا إليه، ولم يرعوا لله حرمه بل أخذوه وغلوه وهتكوه وعذبوه، فانظر كيف كان قدر هذا العلوي أعظم عندهم من قدر الله ﵎ قبحهم الله أنى يؤفكون.
أما بلاد مصر وصعيدها وأعمالها فقد جمعت من الأمور الشركية والعبادات الوثنية، والدعاوي الفرعونية ما لا يتسع له كتاب، ولا يحصره خطاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدونها من أعظم الفضائح قد قلبت من الدين رسمه، وغيرت منه اسمه، وكان عنهم مشهد البدوي الذي لا يعرف له أصل ولا فضل ولا عبادة، بل قد افتتنوا به وصرفوا له الألهية من دون الله، وقد جاوزوا به وبأمثاله عندهم من المعبودين ما ادعته الجاهلية لآلهتهم، وجمهورهم يرى له من تدبير الربوبية والتصرف في الكون بالمشيئة والقدرة العامة ما لم ينقل مثله عن أحد بعد الفراعنة والنماردة، وبعضهم يقول القطب أحمد يرجعون إليه.
وكثير منهم يرى أن الأمور شورى بين عدد ينتسبون إليه، وكانوا يتداولون بينهم حكايات، ويحكون في محافلهم مجريات من أفحش المنكر والضلالات، فيقولون فلان استغاث بفلان فأغيث، وفلان شكى لصاحب القبر حاله وأمره فأغاثه. وكشف ضره.
وكان بعض أهل مصر يعتقدون أن أحمد البدوي يتصرف في الكون، وبعضهم يقول إن الذين يتصرفون في الكون سبعة ويعده معهم، وبعضهم يقول أربعة، وكانوا بزعمهم البدوي والرفاعي، والدسوقي، وأبو العلاء، وهؤلاء في مصر.
وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمة الله عليه أنه في حال لبثه بمصر، وجد فيها عالمًا متفننًا إذا أخذ يعبر عن المسائل الأصولية، والفرعية، فكأنه البحر
стр. 38
الذي لا ساحل له فأعجب به الشيخ عبد الرحمن، وأبدى من إعجابه بذلك العالم لرجل من أهل الدين يثق به هناك فأجابه ذلك الرجل بقوله لا تغتر بكلامه، فإنه مشرك، وسأطلعك على شركه إن شئت، فجمع بينهما بمصر وسأله كمسترشد قائلًا يا أستاذ كم الذين يتصرفون في الكون، فتكلم ذلك العالم المشار إليه بالتعظيم بأن قال: يا بني سبعة هم الله والبدوي، والرفاعي، والدسوقي، وأبو العلاء، وعبد القادر الجيلاني، وسابعًا أسماه لهم، فأما أحمد البدوي فلا يدخل مصر ذرة ولا يخرج منه ذرة إلا بإذنه، فالتفت صاحب الشيخ عبد الرحمن إليه قائلًا له: احمدوا الله يا أهل نجد على ما من به عليكم من معرفة التوحيد.
وذكر الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن أنه رأي في أيام رحلته إلى مصر لطلب العلم مجتمعًا هائلًا أعظم من اجتماع المسلمين عشية عرفة عند جبل الرحمة فسأل عنه فقيل هذا مولد البدوي، ورأى سوقًا طويلًا للبغايا اللائي قد أوقفن فروجهن في ذلك اليوم للسيد البدوي، ويأتي الفساق فيقعون عليهن متصدقات بذلك له في هذا المجتمع، وكان يحصل في مصر من الكفر بالله والإشراك به ما لم يصل إليه كفر أبي جهل وأشياعه، فالله المستعان.
وإنها لحالة تضحك العقلاء، ويستحي والله من ذكرها فيعاذ بالله من هذا الهوس الذي بلغ منهم إلى هذه الغاية، وكذلك ما يفعل باليمن؛ ما هو منحرف عن أوضح السنن، بل كان أعظم الشرك والمحن، وأكثر من أن يستقصى، أو يعد ويحصى.
وكان في شرقي صنعاء قبر يسمونه الهادي، فترى كلًا من الضلال على دعوته، والاستغاثة به رائحًا وغادي، فتأتيه المرأة إذا تعسر عليها الحمل وكانت عقيمًا، وتقف وتقول عنده كلامًا قبيحًا ذميمًا. فسبحان الله من كان على جهل خلقه حلمًا.
وكذلك ما يجري في بلد برع من عبادتهم القبر الذي يؤتى إليه من مسيرة أيام وليالي لطلب الغوث منه، وشكاية الحال، وما يجري من أهل الهجرية ومن حذا
стр. 39
حذوهم، فيأتون قبر بن علوان، ويصدونه في نوائب الزمان، ويستغيث به كل لهفان، ويسميه الغوغاء منهم منجي الغارقين، كما حكاه بعض السامعين، وكانوا ينذرون له في البر والبحر، وبفعلون في حضرته أمورًا تريوا على العدو الحصر؛ يطعنون أنفسهم بالسكاكين والدبابيس، وقد جعلها لهم عبادة إبليس، ويقولون وهم يرقصون، ويغنون له ويطربون، قد ملأ الوجد منهم ألبابا، وذهنًا يا سادتي قلبي بكم معنى، ويفعلون عند قبره الموالد، ويجتمع عنده أنواع الكفار لفعل المعاصي والمفاسد؛ فليس في أقطار اليمن في ذلك الزمان من يساويه في الاشتهار، بل ولا في سائر الأقاليم والأقطار، فيا ليت شعري أما علموا أنه مخلوق مربوب، وبمعاصيه مطلوب، وإنه من جملة الأموات الذين لا يستطيعون زيادة في الحسنات، ولا نقصًا من السيئات. فسبحان من يحلم على العصاة، ولا يعاجل بالعقوبات.
وأما أهل حضرموت والشحر ويافع وعدن؛ فقد ثوى فيهم الغي وقطن، وعندهم العيدروس الذي كابروا فيه بغلوهم المحسوس، يقول قائلهم عند قبره وهو مستجير، وقد التفت عن السميع البصير شيء لله يا عيدروس، شيء يا محي النفوس، وكذلك ما يفعل في بلدان الساحل.
وما يجري من أهل المخا عند قبر علي بن عمر الشاذلي، وأهل الحديدة في قبر صديق، فإنه قد أقبل على تعظيمه، والغلو به كل فريق وأدى بهم الحال إلى أنه لا يمكن أحدًا يريد ركوب البحر، والنزول منه حتى يجيء إليه ويسلم عليه، ويطلب منه الإعانة والمدد.
وأما أهل اللحية فعندهم الزيلعي، يسمونه الشمس من غير اختلاف، فيه عندهم ولا لبس، وسبب هذه التسمية لأنه ليس عليه قبة، بل هو مكشوف، وكان أهل البادية منه يزعمون أنه كان رسولًا في حاجة فضايقه غروب الشمس، فقال لها: قفي فوقفت وامتثلت أمره؛ والله يعلم ظاهر الحال وسره، فبذلك كان لديهم معروف، وجميع نوع من النذر إليه مصروف.
(وكذلك قبر رابعة فلا يحلف صادق الإيمان إلا بها).
стр. 40
وفي أرض نجران يجري عندهم من تلاعب الشيطان، وخلع ربقة الإيمان، ما لا يخفى على أهل العلم بهذا الشأن، من ذلك رئيسهم المسمى بالسيد، عبدوه بأنواع العبودية؛ وصرفوا له رسمًا من الألوهية، وأتوا من طاعته وتعظيمه، وتصديره، وتقديمه، والغلو فيه ما مضى بهم إلى عبادة الأوثان والأصنام، وخلع ربقة الملة والإسلام.
وكذلك حلب ودمشق، وسائر بلاد الشام فيها من تلك المشاهد والنصب، والأعلام ما لا يوافق عليه أهل الإيمان، ولا تلائمه الأديان.
وكذلك الموصل وبلاد الأكراد ظهر فيها من أنواع الشرك والفجور والفساد فوق ما يذكر ويراد.
فتعالى من لا يعاجل بالعقوبة على الجرائم ولا يهمل الحقوق والمظالم وقد بلغوا من الضلال ما يتنزه العاقل عن ذكره ووصفه ولا يمكن الوقوف على غاياته وكشفه مما تستنكر عن ذكره المسامع ولا يتمكن من وصفه ناظم أو ساجع. فناهيك بقوم إستخفهم الشيطان وعدلوا عن عبادة الرحمن، وباؤا بالخزي والهوان.
أما العراق فقد كان فيه المشهد الحسيني قد اتخذته الرافضة وثنًا بل ربًا مدبرًا، وخالقًا ميسرَا وأعادوا به المجوسية، وأحيوا به معاهد اللات والعزى وما كان عليه أهل الجاهلية وكانوا يأتون مشهد العباس ومشهد علي فيركع فيه له أحدهم ويسجد ويدعوه بخالص الدعاء من دون الله ومنهم من يزعم أن زيارته أفضل من سبعين حجة، ولقد غلوا في تلك المشاهد وأتوا من الشرك القبيح أعظم مما يفعل النصارى في المسيح وكذلك ما يفعلونه في مشهد الكاظم وغيره وإذا كان يوم عاشوراء فإن الرافضة قد جعلته مأتمًا فهذا يصرخ وهذا يحثو التراب على رأسه يدعو بالويل والثبور وهذا يضرب صدره بالحديد والخشب حتى يكون كأنما أصابه لهب، وكان من الرافضة من يصلي لتلك المشاهد، ويركع ويسجد لها الساجد، وقد صرفوا من الأموال والنذور لسكان تلك الأجداث والقبور ما لا يحصل عشر معشاره للعزيز الغفور، ويفعلون عند
стр. 41
قبر أبي حنيفة، ومعروف الكرخي من الدعاء والاستغاثة، وسفح العبرات والدموع، والتعظيم والذل، والخضوع، ما لا يصدر بين يدي الله في الصلاة من الحضور والخشوع، ويقولون قبر معروف الترياق المجرب.
وأما عبد القادر الجيلاني فقد فتن به أهل العراق، فيأتون ضريحه في بغداد ويسجدون لحضرته، ويرون أنه لداعيه يسمع من مدة بعيدة، وأجمعوا على أنه يسمع الشكايات؛ ويغيث اللهفات، وزين لهم الشيطان عبادته فاعتقدوا أنه يطفيء الحريق، وينجي الغريق، وصرفوا له العبادة من دون الله، وبالجملة فهم شر أهل تلك الأمصار، وأعظمهم نفورًا عن الحق، والاستكبار.
وكذلك أيضًا ما حوالي البصرة، وما توسط فيها مثل قبر الحسن البصري، والزبير، فقد أكثروا هناك الدعاء والاستغاثة، وأقبلوا على تلك المشاهد والتجؤ إليها عند الشدائد، وليس هناك منكر لها ولا زاجر، ولا رادع.
وهكذا جميع قرى الشط والمجرة على غاية من الجهل، وكان في القطيف، والبحرين من الرفض والبدع، والشرك، والأحداث المجوسية؛ والمقامات الوثنية، ما يضاد الملة المحمدية، ويصادم الطريقة الحنفية، فلما تفاقم هذا الخطب، وتلاطمت أمواج بحور الشرك والكفر، وادرست أعلام الملة، وانطمست أثارها وخيمت البدع والضلالات.
تجرد هذا الشيخ رحمة الله عليه للدعوة إلى الله تعالى، ورد الناس إلى ما كان عليه سلفهم الصالح في باب العلم والإيمان، وباب العمل الصالح، والإحسان، وترك التعلق على غير الله من الأنبياء والصالحين وعبادتهم، والاعتقاد في الأحجار والأشجار والغيران، وغيرها، فاستحسن بعض الناس ما يقول ممن سبقت له من الله السعادة، وكان على بصيرة وهدى من ربه، ولكن لظهور الجهل والجاهلين، لم يتمكنوا من إزالة بدع المبتدعين، ولم يقدروا على رد هؤلاء الشاردين، ثم إن الشيخ طلب من والده عبد الوهاب أن يسمح له بالحج إلى بيت الله الحرام فأجابه إلى طلبه، وبادر الشيخ
стр. 42
بالحج إلى بيت الله الحرام، وأدى المناسك، ثم إنه قصد المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأقام بها شهرين.
ثم إنه رجع إلى وطنه وأشتغل بالقراءة في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، ثم بعد ذلك رحل لطلب العلم، وذاق حلاوة التحصيل، والفهم وزاحم العلماء والكبار، وذهب إلى الحجاز والبصرة مرارًا.
ولما أن وصل المدينة، وجد فيها الشيخ العالم عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي من آل سيف رؤساء بلد المجمعة، فأخذ الشيخ عنه، وذكر أنه كان عنده يومًا من الأيام فقال له عبد الله بن سيف المذكور: تريد أن أريك سلامًا أعددته للمجمعة، فقال له نعم، فأدخله في منزل قد مليء بكتب كثيرة فقال هذا الذي أعددنا لها ثم إن الشيخ ﵀ كان عنده، وأخذ بيده مرة فمضى به إلى الشيخ العلامة محمد حياة السندي المدني فأخبره بالشيخ محمد وعرفه به وبأهله، فأقام الشيخ عنده وأحبه، وأخذ عنه ولما كان ذات مرة في حال إقامته في المدينة وقف عند الحجرة النبوية، وإلى جانبه الشيخ محمد حياة فرأى الشيخ أناسًا يدعون رسول الله ﷺ ويستغيثون بالحجرة، ويطلبون الحاجات من رسول الله ﷺ ، فالتفت الشيخ محمد إلى الشيخ محمد حياة وقال له ما تقول يا شيخ في هؤلاء، فرفع محمد حياة إصبعه إليهم، وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فقال له الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ما منعك من الإنكار عليهم، قال لا أقدر، أنا ولا أنت على ذلك فوثق به الشيخ، واتخذه صديقًا، وأقام في المدينة ما شاء الله، ثم خرج منها إلى نجد، وتجهز إلى البصرة يريد الشام، ولما أن وصلها جلس فيها عند عالم جليل من أهل المجموعة، قرية من أعمال البصرة في مدرسة فيها، وهذا العالم كان اسمه محمد المجموعي، فأقام مدة يقرأ عليه فيها، وينكر أشياء من البدع، وأعلن بالإنكار واستحسن شيخه ذلك، وقرر له التوحيد، وانتفع به وحكي عن رجل في مجموعة البصرة، إن أولاد ذلك العالم كانوا أحسن أهل بلدهم صلاحًا ومعرفةً للتوحيد، ذلك لما نشره الشيخ بين ظهرانيهم، ولا أن قام بالدعوة، هناك اجتمع عليه أناس من رؤساء أهل البصرة، وغيرهم، فنافروه وآذوه أشد الأذى، وأخرجوه منها
стр. 43
وقت الهاجرة، ولحق شيخه أيضًا منهم أذى فسار الشيخ ﵀ إلى الزبير، غير أنه لما كان في منتصف الطريق أدركه العطش، وأشرف على الهلاك لأنه كان يسير إذ ذاك راجلًا وحده، فوافاه صاحب حمار مكاري يقال له أبو حميدان من أهل بلد الزبير، فرأى عليه الهيبة والوقار، وكان على حالة عجيب من العطش فسقاه وحمله على حماره حتى وصل الزبير فجعل يقلب حيلته فيمن يبدأ بدعوته، فأراد أن يسير على الشام فضاعت نفقته فثنى عزمه، وإنما أراد أن يبدأ بالشام لظنه أنه أسهل انقيادًا من نجد.
ولما أراد الله الذي سبقت إرادته أن يجمع أهل نجد بعد الفرقة ويكثرهم بعد القلة، وأن تعمر تلك الرباع بالتوحيد بعدما تدثرت سار الشيخ من تلك الديار إلى جهة الأحساء، ولما أن وصل إليها نزل على الشيخ العالم عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الأحسائي.
ثم أنه خرج من الأحساء وقصد بلد حريملا، وكان والده عبد الوهاب قد انتقل إليها من العيينة سنة ١١٣٩ هـ بعد وفاة أمير العيينة عبد الله بن معمر في الوباء المشهور الذي وقع في العيينة، وكان لما أن توفي تولى بعده بن ابنه محمد بن حمد الملقب خرفاش فوقع بينه وبين عبد الوهاب منازعة أدت إلى عزل عبد الوهاب عن القضاء، فعزله خرفاش وجعل مكانه أحمد بن عبد الله بن عبد الوهاب بن عبد الله، فانتقل والد الشيخ إلى حريملا فقدم إليها الشيخ محمد واستقر هناك فيها، فجعل ينكر في حريملا ما يفعل الجهال من البدع والشرك في الأفعال والأقوال، وكانوا إذا مرض المريض فالسبب لعافيته اذبحوا له خروفًا بهيمًا أسود أو تيسًا أصمع، ولا تسموا الله على ذبحه، وأعطوا المريض منه كذا وكذا، وكلوا منه كذا واتركوا كذا وكذا، فربما يشفي الله المريض فتنة لهم واستدراجًا وامتحانًا، وربما يوافق وقت الشفاء المحتوم فيكون فتنة لكل مفتون، واشتد نكير الشيخ لهذه الأمور حتى وقع بينه وبين أبيه نزاع بل وقع بينه وبين أهل البلد النزاع أيضًا، غير أنه تمكن أن ينكر المنكر مدة سنين حتى توفى والده عبد الوهاب في ١١٥٣ هـ.
ثم بعد ذلك أعلن الشيخ بالدعوة واشتد نكيره على أهل الأوثان والأصنام، وقام
стр. 44
بأوامر الله ورسوله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهجر ما كان عليه الخلوف من البدع والأغيار، وجادل وقرر الحجج والبينات، وبذل نفسه لله، وأنكر على أصناف بني آدم الخارجين عن سواء السبيل، وما زال هذا دأبه حتى ظهر الإسلام في الأرض، واستجاب له من أراد الله هدايته من الحاضر والباد، وانقمع به أهل الشرك والضلال والفساد.
وكان أهل حريملا إذ ذالك قبيلتين أصلهما قبيلة واحدة، وهم رؤساء أهل البلد، وكل قبيلة ترى أن الأمر لها وليس لواحدة منهما سلطة على الأخرى، وما كان للبلد رئيس يرجع إليه ويزع الجميع بل كان الأمر يكاد أن يكون فوضى، لأن بلدًا لا رئيس له تكثر المنازعة فيه، وما حصل الشقاق في قديم الدهر وحديثه إلا عن عدم الرؤوساء القدراء الذين بإمكان الواحد منهم أن يوقف كل معتد عند حده فثار عبيد لإحدى القبيلتين يقال لهم الحميان، قد كثر فسقهم واعتداؤهم بين الأمة على الشيخ وأرادوا الفتك به، وأن يبيتوه ليلًا وتعاقدوا سرًا على ذلك، لما كان من منعه لهم عن الفساد والمنكر والغي، فلما تسوروا عليه الحائط ليلًا علم الناس فصاحوا وهرب العبيد فتبين من هذه الخطة التي أجمعوا كيدهم بها للشيخ أنه مهدد بالخطر الفادح.
فانتقل من حريملاء إلى العيينة، وكان رئيسها يومئذ عثمان بن حمد بن معمر فرحب به وتلقاه، وأكرمه وتزوج فيها الجوهرة بنت عبد الله بن معمر، وعرض على الأمير عثمان ما قام به، ودعا إليه وقرر له التوحيد، وشجعه على نصرته، وقال إني أرجوا أن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله وتملك نجدًا وأعرابها، فساعده عثمان بن معمر في بادئ أمره وأعلن الشيخ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبعه أناس من أهالي العيينة فقوي عزمه وقام لإزالة أشجار بها تعظم ويعلق عليها، فبعث إليها سرًا من يقطعها بأجرة من ماله فقطعت.
ومن ضمن هذه الأشجار شجرة عظيمة عندهم من أعظم الأشجار لم يتمكن من قطعها مباشرةً فخرج بنفسه سرًا لذلك غير أنه وجد عندها راعي غنم أهل البلد فصده عنها، وخافه الشيخ بأن ينم عليه فأعطاه أحد أسلابه التي عليه فلان له الراعي، وتركه وشأنه فقطعها.
стр. 45
ثم أنه صار أمره في ازدياد وظهور، واجتمع مع عصابة نحو من سبعين رجلًا فيهم من هو من رؤساء آل معمر فعزم الشيخ على أن يهدم قبة زيد بن الخطاب ﵁ التي عند الجبيلة وهذه والتي بعدها هي سبب قيامة الأعداء عليه، وشنهم الإغارة عليه، فطلب من عثمان بن معمر مساعدة فعليه لهدمها قائلًا له دعنا نهدم هذه القبة التي وضعت على الباطل وضل بها الناس عن الهدى، فقال له دونكها فاهدمها، فقال إني أخاف من أهل الجبيلة أن يوقعوا بنا، ولا أستطيع هدمها إلا وأنت معي، فسار معه الأمير بنفسه بنحو من ستمائة مقاتل فلما قربوا منه ظهر عليهم أهل الجبيلة يريدون الدفاع عنها.
فعلم بن معمر بما هموا به فتأهب للحرب وأمر جنوده أن تتعزل للحرب، فكف أهل الجبيلة وخلوا بينهم وبينها فبلغنا عن الأمير عثمان بن معمر لما ظفروا بها أنه قال للشيخ نحن لا نتعرض لها فاهدمها أنت، فأخذ الشيخ فأسًا وهدمها حتى سواها في الأرض، فرجعوا وجعل الهمج والرعاع يتربصون به الدوائر، وماذا يحل به من الفواقر بسبب هدمها فاصبح الشيخ بحال جميلة.
وأن قيام بن معمر معه لهدمها ومساعدته تلك المساعدة ليحمد عليها.
ولكنه مع الأسف لم يثبت على تلك المناصرة، واستفزه الذين لا يوقنون فيا له من صارم لولا ما عراه من الأنثلام، وأراد الله أن يفوز بنصرة هذا الشيخ المجدد غيره.
ثم إن امرأة أتت إلى الشيخ واعترفت عنده بالزنا وأنها محصنة، وأقرت على نفسها أربعًا، فسال عن عقلها فإذا بها عاقلة فقال لعلك مغصوبة فنفت ذلك وأقرت بما يوجب الحد، فأمر بها فرجمت كما فعل النبي ﷺ في شأن الغامدية، وماذا على شيخنا إذا تأسى بالرسول ﷺ وأقام الحدود وأجرى أمر الشربعة على الأرض بعدما اندثرت أعلامها فخافه لذلك أهل الزنا والريب والنفاق واستشاط لهذه الفعلة أرباب الفسق والشقاق، ورن صدى هذه الفعلة في مشارق الأرض ومغاربها، وعظم أمر الشيخ وثقل على أعداء الإسلام شأنه، وعجزت عن حملها الأعناق وطبق ذكرها الآفاق.
стр. 46
وبعث قائد الأحساء والقطيف وما حولها من العربان إلى بن معمر يتهدده بقطع راتبه إن لم يقتله، وذلك لما قيل له أن في بلد العيينة عالمًا هذه فعاله، هدم القباب وقطع الأشجار، ورجم الزناة، فأرسل هذا القائد المعروف بسليمان بن محمد بن غرير الحميدي بكتاب إلى عثمان بن معمر قال فيه: إن هذا المطوع الذي عندك فعل كذا وكذا، وفعل وفعل ثم تهدده، وقال اقتله فإن لم تفعل قطعنا خراجك الذي عندنا في الأحساء، وكان قدره بلغ ألفا ومئتي أحمر وما يتبعها من طعام وكسوة، فلما ورد عليه كتاب بن غرير، باع الدين بالدنيا وسارع إلى نيل حطامها خائفًا من ذهاب العاجل، نسأل الله العافية، ولما أن قرأ كتابه وما جاء فيه من التهديد لم يسعه مخالفته، وعظم أمره في صدره لأنه لم يتمكن التوحيد فيه، ولم يعلم قدره وما لمن نصره، وقام به من العز والتمكن والسعادة في الدنيا والآخرة.
فبعث إلى الشيخ يقول له إنه أتانا كتاب من سليمان قائد الأحساء وليس لنا طاقة بحربه ولا إغضابه، فقال له الشيخ إن هذا الأمر الذي قمت به ودعوت إليه كلمة "لا إله إلا الله" وأركان الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أنت تمسكت به ونصرته فإن الله سيظهرك على أعدائك فلا يزعجك سليمان ولا يفزعك فإن ناصيته بيد الله، وإني أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة ما ستملك بلاده وما ورائها، وما دونها، فاستحيا بن معمر وأعرض عنه، ثم إنه تعاظم في صدره أمر صاحب الأحساء، وباع العاجل بالآجل عياذًا بالله فأرسل إلى الشيخ ثانيًا وقال: إن سليمان أمرنا بطردك ولا نقدر على غضبه، ولا مخالفة أمره لأنه لا طاقة لنا بحربه، وليس من الشيم والمروءة أن نقتلك في بلادنا فشأنك ونفسك، وخل بلادنا، فامر فارسًا عنده الفريد مع خيالة معه منهم طوالة الحمراني، وقال اركب جوادك وسر بهذا الرجل إلى ما يريد، فقال الشيخ أريد الدرعية، فركب الفارس جواده والشيخ يمشي راجلًا أمامه، وليس معه سوى مروحته، وكان ذلك في شدة الحر في فصل الصيف، وأوعز بن معمر إلى فارسه بأن إذا بلغت به موضع أخيه يعقوب فاقتله عنده، وكان يعقوب هذا رجلًا صالحًا قتل ظلمًا بين الدرعية والعيينة، وجعل في غار هناك على
стр. 47
قارعة الطريق، ونسب الشيخ إلى إخوته لأجل الصلاح، فسار الفارس والشيخ أمامه لا يلتفت بل يلهج بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر؛ والفارس لا يكلمه، فلما أن بلغ به الموضع المشار إليه سل سيفه وهم بقتله، والشيخ لا يشعر فوقفت يده بإذن الله تعالى، وأصابه رعب شديد حتى لم يستطع المشي قدمًا، وبطل كيده فصرف جواده منصرفًا إلى ابن معمر، يروي له هذه الخارقة، ويعبر عن خوفه ورعبه وكيف كانت الحالة التي صدته عن قصده، فمن مبلغًا دحلان وشيعته وأتباعهم عن خوارق العادات لهذا الشيخ، وما قام به من الثبات، وما أجراه الله له من النصر والتمكين، ولكن قد قال أحكم الحاكمين: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠].
وقد أحسن الشيخ محمد بن أحمد الحنفي حيث يقول:
شيخ الهدى محمد المحمدي ... الحنبلي الأثري الأحمدي
دعا إلى الله وبالتهليلة ... يصرخ بين أظهر القبلية
مستضعفًا وماله من ناصر ... ولا له معاون موازر
في ذلة وقلة وفي يده ... مهفة تغنيه عن مهندة
كأنها ريح الصبا في الرعب ... والحق يعلو بجنود الرب
قد أذكرتني درة لعمر ... وضرب موسى بالعصا للحجر
ولم يزل يدعو إلى دين النبي ... ليس إلى نفس دعا أو مذهب
إلى أن قال:
ومن أجاب داعي الله ملك ... ومن تولى معرضًا فقد هلك
والسابقون الأولون السادة ... آل سعود الكبراء القادة
هم الغيوث والليوث والشنف ... ونصرة الإسلام والشم الأنف
فأقبلوا والناس عنه أدبروا ... وعرفوا من حقه ما نكروا
حفوا به كأسد العرائن ... وكم وكم لله من ضنائن
стр. 48
ثم إن الشيخ قصد بلد الدرعية فوصل أعلاها في وقت العصر، فنزل على محمد بن سويلم العريني في بيته ونزل في ضيافته، ولما أن دخل عليه ضاقت عليه داره، وخاف على نفسه من أمير الدرعية محمد بن سعود فوعظه الشيخ، وسكن جأشه، وقال سيجعل الله لنا ولك فرجًا ومخرجًا فياله من امتحان وابتلاء لهذا الشيخ، ولكن كما قيل في كلام الحكمة: اشتدى كربة تنفرجي.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]
فإن كان الرسول ﷺ أذاه أهل مكة وخرج منها إلى الطائف يريد النصرة فخذله أهل الطائف، ورجع منها مهمومًا مكسوف البال فلا تباعه فيه أسوة.
وما أشبه الليلة بالبارحة، فعلى المؤمن الموفق أن يوطن نفسه وينتظر الفرج ويعلق أماله بربه، وكفى به حسيبًا.
ولما أن علم بقدومه خصائص من أهل الدرعية زاروه خفية فقرر لهم التوحيد وأستقر في قلوبهم فأرادوا أن يخبروا الأمير محمد بن سعود، ويشيروا عليه بنصرته، ولكنهم هابوه وخشوا سطوته، فاستعانوا عليه بزوجته موصي بنت أبي وهطان، وكانت نبيهة وذات عقل ومعرفة وهي من آل كثير فأتوا إليها وأخبروها بمكانة الشيخ ومنزلته، وما يأمر به وينهى عنه، وعلقوا آمالهم بعد الله عليها يطلبون مساعدتها لهم نحو الأمير، فوقر في قلبها معرفة التوحيد، وقذف الله حب الشيخ في قلبها، وانبعثت إلى زوجها تشجعه وتحثه على النصرة، وأخبرت الأمير بشأن الشيخ وطلبته مناصرته، وقالت له إن هذا الرجل أتى إليك وهو غنيمة ساقها الله إليك فأكرمه وعظمّه، واغتنم نصرته، فإن الله ناصرك ومؤيدك، فقبل الأمير مقالتها
стр. 49
وسمع نصيحتها، وأصغى لها، ورق لحالة الشيخ وألقى الله في قلبه محبته، وأراد أن يرسل إليه فقالت له زوجته وإخوته سر إليه برجلك في مكانه، وأظهر تعظيمه والاحتفال به فلعل الناس أن يكرموه ويعظموه.
فقام الأمير محمد بن سعود وسار بنفسه إلى الشيخ في بيت بن سويلم جعلها الله خطوات قائدة له إلى الجنان العالية في دار الأخرة وشكر سعيه، وجزى الله زوجته خيرًا، ولما دخل عليه في بيت آل سويلم رحب بالشيخ وبدره قائلًا أبشر ببلاد خير من بلادك، وأبشر بالعز والمنعة، فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين وهذه كلمة لا إله إلا الله، من تمسك بها وعمل بموجبها ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم فإن قمت بهذا الأمر فلا يقاومك أحد إلا أن كانت هذه العنز تقاوم هذا الجبل.
ثم أخبره الشيخ بما كان عليه رسول الله ﷺ وما دعا إليه وما عليه أصحابه ﵃ من بعده، وما أمروا به وما نهوا عنه، وإن كل بدعة بعدهم ضلالة، وكيف أعزهم الله بالجهاد في سبيله وأغناهم به، وجعلهم إخوانًا ثم أخبره بما عليه أهل نجد إذ ذاك من الشرك بالله تعالى والبدع والاختلاف والجور والظلم.
فلما تحقق الأمير محمد بن سعود معرفة التوحيد وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية، وأنه لا خير إلا في طاعة الله ، ولا شر إلا في معصيته أطرق رأسه وأرسل فكره الثاقب، وجال رايه فيما يلقاه من العجائب، وما يناله من الأذى والنواكب، إذا قام بهذا الدين وتصافرت عليه الأعداء لأنه إذا قام بهذا الأمر ورام تنفيذه فلا بد أن يصبح عليه الجو وتطبق الأمة على حربه وتجفوه عامة أهل الأرض، إلا من شاء الله لكنه لاقى ذلك بالصبر الجميل ثم رفع رأسه وقال يا شيخ: إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه، وأبشر بالنصرة لك، ولما أمرت به والجهاد لمن خالف التوحيد، ولكن أريد أن أشترط عليك اثنتين: الأولى إذا قمنا في نصرتك والجهاد في سبيل الله، وفتح الله لنا ولك البلدان فإني أخشى أن ترتحل عنا وتستبدل بنا غيرنا، والثانية أن لي على الدرعية قانونًا أخذه منهم في وقت
стр. 50
الثمار وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئًا فقال له الشيخ: فأما الأولى فأبسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم، وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها، فوقع تحقيق ظنه ﵀، فإنه لما كان ذات مرة أتى الأمير بغنيمة عظيمة فقال له الشيخ هذا أكثر مما كنت تأخذه على أهل بلدك فتركها بعد ذلك.
ثم أن الأمير محمد بسط يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله، والجهاد في سبيل الله وإقامة شرائع الله وشعائر الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقام الشيخ مع الأمير ودخل به البلد واستقر عنده في الدرعية.
ولما احتمى بحمى الله ثم حمى بن سعود تسلل إليه عند ذلك شيعته الذين في العيينة، ومن ينتسب إلى الدين ومن ضمن هؤلاء أناس من رؤساء بلد العيينة معاكسين لعثمان بن معمر، وهاجروا إلى الدرعية، وهاجر أيضًا أناس إليها ممن حولهم من البلدان لما علموا بان الشيخ استقر ومنع ونصر، ولولا خشية الإطالة لأتينا بقصيدة نذكر فيها مآثر آل سعود وما لهؤلاء الأئمة الذين رفع الله قدرهم وشاد في العالمين ذكرهم من السبق إلى المكارم، والسمو إلى همم تعلوا على ذوي الهمم ولكن تركنا ذلك خشية أن يضيق الموسع غير أننا نشاطر المحبين بذكر شيء من مناقب هؤلاء المهديين:
محمد الهادي لسنة أحمد ... يعيد ويبدي غامضات الفوائد
إذا افتخرت يومًا بقاع بأهلها ... فنجد لها فخر على كل سائد
له في كمال السبق باع مطول ... وهمة نحرير علت كل جاهد
فبادر إلى كشف له قد أتى به ... ليدفع غيا قاله كل مارد
يحل به شبهًا تضل عن الهدى ... فأوهى بناء شاده كل كائد
بآي كتاب الله يردي لملحد ... ونصر رسول الله ختم الأماجد
فيا طالبًا للحق يبغي حصوله ... هلم إلى كتب له في العقائد
ومن عذبه فاشرب زلالًا عن الضما ... لتنجو به يوم الجزاء والموارد
стр. 51
عليه سلام الله ما هبت الصبا ... ورحماته تترى كثير التوارد
وهذه أبيات تتعلق في مديح آل سعود في مناصرتهم للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب:
لقد أتى الشيخ مطرودًا ومضطهدًا ... من البرية لا تلقاه منصورا
قد أعرض الناس عن أقواله وجفوا ... وقابلوا دعوة دعا بها زورا
واستبدلو الخير بالشر المشوم وقد ... استأثروا بخرافات وتسطيرا
وكان في بلدة الدرعية العظما ... أكرم بهم نصرة للدين بل سورا
رئيسهم ماجد تسمو مناقبه ... نجل السعود أبو الأشبال مشهورًا
رباعهم للهدى مأوى وملتجا ... سبحان من زادهم فضلا وتبصيرًا
يقول يا شيخ أهلًا إن مقدمكم ... لقد هدى أمة نالوا به نورا
وقام يشدد له ازرًا ويعضده ... مقدما نفسه إذ ذاك تقديرا
شرع إلا له فلا نبغي له بدلًا ... ومن يرم غير ذا نرديه مدحورا
ولي من أبيات في مديح آل سعود بمناصرتهم للشيخ:
بآل سعود أيد الله حزبه ... وعاد بهم نجم الردى شرايب
أتى نحوهم شيخ الوجود لنصره ... بوقت به ضاق الفضا من معائب
محمد الموصوف بالعلم والهدى ... فوائده يهدي بها كل ناكب
رجال يدينون الإله بشرعه ... سيماهم التوحيد مع قطع شائب
ويسعون في نيل الفضائل جهدهم ... يريدون من رب الورى حسن عاقب
فقاموا بإكرام على حسب قدرهم ... وما المرء إلا ذكره في المراتب
أحاط بهم من حزب الإله بطانة ... عليهم بهاء الصدق ليس بكاذب
وما زال يسعى الشهم أعني محمدا ... سليل سعود في اقتحام المعاطب
يريد جهادًا بالنفيس ونفسه ... وأنجاله الغر الكرام الأطايب
على حسب ما يرسم له من طريقة ... تعود على الإسلام في كل صائب
стр. 52
على كل ما يرزا به يلق صابرًا ... صبورًا على الشدات عند النوائب
لقد نصر الإسلام بالبيض والقنا ... وبالنفس حتى دان كل محارب
فلا زال من أبناءه الغر قادةً ... يحامون عن دين الهدى كل خائب
أولئك الأنجاب من آل مقرن ... ليوث لدى الهيجاء لكسر الكتائب
فمن مثلهم في الناس جودًا وعفةً ... وحزمًا وإقدامًا غيوث المساغب
فما أحسن التقوى وأبهى لباسها ... مجملة أصحابها في النوائب
ولما هاجر المهاجرون إلى الدرعية واستوطنوها كانوا في عيش ضيق وحاجة شديدة وابتلوا بلاء شديدًا في ضيق المعيشة، فكانوا في الليل يحترفون بالأجرة، وفي النهار يتعلمون من الشيخ حلقًا في المساجد، يذاكرون في الحديث وفنون العلم، أضف إلى ذلك أن أهل الدرعية إذ ذالك في غاية الضعف، وضيق المؤنة، ولكن قد قال المبعوث إلى كافة الناس في وصيته للحبر ابن عباس: "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا"، وجعل الشيخ ﵀ يتحمل الذين الكثير في ذمته عن المهاجرين لمؤنتهم، وما يحتاجون إليه، وفي حوائج الناس وجوائز الوفود إليه من البلدان والبوادي، وكان استيطانه للدرعية سنة ١١٥٨ هـ.
وقد قدم عليه عثمان بن معمر في الدرعية لما علم أن بن سعود قد أواه ونصره، وأن أهل الدرعية فرحوا به وأقبلوا عليه، كما أنه قد هاجر إليه من العيينة أناس وفيهم من هم من أسرته، وتركوه وبلاده، وكان قد ركب إليه في عدة رجال من أهل العيينة ورؤسائها، وندم على طرده وخاف منه أمورًا تتفاقم عليه.
ولما أن قدم على الشيخ في الدرعية حاوله على الرجوع معه، ووعده النصرة والمنعة، فقال له الشيخ: ليس هذا لي إنما هو إلى محمد بن سعود، فإن أراد أن أذهب معك ذهبت، وإن أراد أن أقيم عنده أقمت، ولا أستبدل برجل المقاني غيره إلا أن يأذن لي، فأتى عثمان إلى أمير المؤمنين محمد بن سعود يطلب منه الشيخ فأبى عليه،
стр. 53
ولم يجد إلى ذلك سبيلا فرجع خائبًا إلى بلده، وأبى الله أن يكون ظهور الدين إلا على يدي الأمير ابن سعود وأنجاله، ثم إن الشيخ أخذ يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم ويبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وأمرهم أن يتعلموا معنى لا إله إلا الله، وأنها تنفي وتثبت، فلا إله تنفي جميع المعبودات وإلا الله تثبت العبادة لفاطر الأرض والسموات، ثم أمرهم بتعلم ثلاثة الأصول؛ وهي معرفة الله تعالى بآياته ومخلوقاته الدالة على ربوبيته، والهيته كالشمس والقمر والليل والنهار، ومعرفة دين الإسلام وأنه الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، وأنه ثلاث مراتب، ومعرفة الني محمد ﷺ والتفريق بين دينه ودين أبي جهل وأتباعه، فلما أن استقر في قلوبهم معرفة التوحيد بعد الجاهلية أشرب في قلوبهم محبة الشيخ وأحبوا المهاجرين، وأووهم، وكانوا قبل ذلك قد وقعوا في الشرك الأكبر والأصغر، وتهاونوا بالصلاة والزكاة، فلا للأحكام يعرفون، ولا بالشريعة يتقيدون، ثم إنه ألّف الرسائل والكتب، وحذر فيها من طرق الغي والرذائل، وبثها مفسرة بأوضح البراهين والدلائل، وكتب إلى أهل البلدان ورؤسائها وفقهائها، ومدعى العلم منهم وباح بما عنده, فمنهم من قبل واتبع الحق وفاز بسعادة الدنيا والآخرة، فاستجابوا لدعوته بعد أن كانوا في بيداء الضلالة واستضاؤا بنور الوحي والرسالة وهم الأقلون، ومنهم من عصى وهم الأكثرون، وأعرضوا عن دعوته، واتخذوه سخريًا ونسبوه إلى الجهل، ومنهم من نسبه إلى السحر، وأن مذهبه مذهب خامس، وأنه يريد أن يدعى النبوة وغير ذلك من أمور اختلقوها من تلقاء أنفسهم، قبحهم الله، ومن لم يراقب الله ولم يصن وجهه ولم يرع مخلوقًا، فليفعل ما شاء، نعوذ بالله من الخذلان فيا ويحهم إذا وقفوا بين يدي رب الأرباب، وشهدت عليهم الجلود والأسماع والأبصار، ويا خجلهم من ارتكاب سبيل هذه الورطة التي لوا بها عن الصراط المستقيم، وسكلوا لأجلها طريق الشقاء والجحيم.
ومما قاله الشيخ المرسوم بالدين والإيمان المدعو بملا عمران بن علي بن رضوان
стр. 54
صاحب لنجة من بنادر العجم في ذبّه عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ما افتراه عليه أعداء الإسلام، وأهل الضلال من الطغاة:
جاءت قصيدتهم تروح وتغتدي ... في سبب دين الهاشمي محمد
قد زخرفوها للعوام بقولهم ... إن الكتاب هو الهدى فيه اقتدي
لو أن ناظمها تمسك بالذي ... قد قال فيها أولًا إذ يبتدى
إلى أن قال:
الشيخ شاهد بعض أهل جهالة ... يدعون أصحاب القبور الهمد
تاجا وشمسان ومن ضاهاهما ... من قبة أو تربة أو مشهد
يرجون منهم قربة وشفاعة ... ويؤملون كذاك أخذًا باليد
ورأوا لعباد القبور تقربا ... بالنذر والذبح الشنيع المفسد
ما أنكر القراء والأشياخ ما ... شهدوا من الفعل الذي لم يحمد
بل جوزوه وشاركوا في أكله ... من كان يذبح للقبور ويفتد
فأتاهم الشيخ المشار إليه ... بالنصح المبين وبالكلام الجيد
يدعوهم لله أن لا تعبدوا ... إلا المهيمن ذا الجلال السرمدي
لا تشركوا ملكًا ولا من مرسل ... كلا ولا من صالح أو سيد
فتنافروا عنه وقالوا ليس ذا ... إلا عجيب عندنا لم يعهد
ما قاله آباؤنا أيضًا ولا ... أجدادنا أهل الحجى والسؤود
أنا وجدنا جملة الآباء على ... هذا فنحن بما وجدنا نقتدي
فالشيخ لما أن رأى الشأن من ... أهل الزمان اشتد غير مقلد
نادا هموا يا قوم كيف جعلتموا ... لله أندادًا بغير تعدد
قالوا له بل إن قلبك مظلم ... لم تعتقد في صالح متعبد
* * * *
قد عيروه بأنه قد كان في ... وادي حنيفة دار من لم يسعد
قلنا لهم ما ضر مصر فإنها ... كانت لفرعون الشقي الأطرد
стр. 55
إن النماردة الفراعنة الأولى ... كانوا بأرض الله أهل تردد
ذا قال أنا رب وذا متنبئ ... هم في بلاد الله أهل ترددي
يمنًا وشامًا والعراق ومصرها ... من كل طاغ في البرية مفسد
فبموتهم طابت وطار غبارها ... وزهت بتوحيد الإله المفرد
إن المواطن لا تشرف ساكنًا ... فيها ولا تهديه إن لم يهتد
من كان لله الكريم موحدًا ... لو مات في جوف الكنيف المطرد
وبعكسه من كان يشرك فهو لم ... يفلح ولو قد مات وسط المسجد
خرج النبي المصطفى من مكة ... وبقي أبو جهل الذي لم يهتدي
إن الأماكن لا تقدس أهلها ... إن لم يكونوا قائمين على الهدى
لو أنصفوا لرأوا له فضلًا على ... إظهار ما قد ضيعوه من اليد
ودعوا له بالخير بعد مماته ... ليكافئوه على وفاق المرشد
قالوا له غشاش أمة أحمد ... وهو النصيح بكل وجه يبتدي
هل قال إلا وحدوا رب السما ... وذروا عبادة ما سوى المتفرد
وتمسكوا بالسنة البيضا ولا ... تتنطعوا بزيادة وتردد
عجبًا لمن يتلو الكتاب ويدعى ... علم الحديث مسلسلًا في المسند
ويقول للتوحيد غشا إن ذا ... خطر على من قال فليتشهد
ويجدد الإسلام والإيمان ... معتقدًا بأن الشيخ خير مجدد
ما ذنبه في الناس إلا أنه ... هدم القباب وتلك سنة أحمد
إلى أن قال:
قالوا صبأتم نحوه قلنا لهم ... الحق شمس البصير المهتد
ما بيننا نسب نميل به ولا ... حسب قريبًا له يتودد
أيضًا ولا هو جارنا الأدنى الذي ... نمتار نعمته ولم نسترفد
لكنها شمس الظهيرة قد بدت ... لذوي البصائر فاهتدى من يقتد
стр. 56
إلى آخر القصيدة وكلها من هذا النمط لكننا أحببنا الاختصار.
وقال أيضًا ﵀ لما جد واجتهد في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله والذب عن أهل الإسلام الموحدين فلقبوه بالوهابي فانشأ هذه القصيدة:
إن كان تابع أحمد متوهبًا ... فأنا المقر بأنني وهابي
أنفى الشريك عن الإله ليس لي ... رب سوى المتفرد الوهاب
لا قبة ترجى ولا وثن ولا ... قبر له سبب من الأسباب
كلا ولا شجر ولا حجر ولا ... عين ولا نصب من الأنصاب
أيضًا ولست معلقًا لتميمة ... أو حلقة أو ودعة أو ناب
لرجاء نفع أو لدفع بلية ... الله ينفعني ويدفع ما بي
والابتداع وكل أمر محدث ... في الدين ينكره أولو الألباب
أرجو بأني ولا أقاربه ولا ... أرضاه دينًا وهو غير صواب
ثم ذكر عقيدته التي يدين الله بها حيث أنها عقيدة الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة وعقب ذلك بقوله:
وبعصرنا من جاء معتقدًا به ... صاحوا عليه مجسم وهابي
جاء الحديث بغربة الإسلام ... فليبك المحب لغربة الأحباب
هذا زمان من أراد نجاته ... لا يعتمد إلا حضور كتاب
خير له من صاحب متهجم ... ذي بدعة يمشي كمشي غراب
مهما تلى القرآن قال عبارة ... أي أنه كمترجم لخطاب
وإذا تلى آي الصفات يخوض بها ... تأويلها خوضًا بغير حساب
فالله يجمعنا ويحفظ ديننا ... من شر كل معاند سباب
ويؤيد الدين الحنيف بعصبة ... متمسكين بسنة وكتاب
لا يأخذون برأيهم وقياسهم ... ولهم إلى الوحيين خير مآب
لا يشربون من المكدر إنما ... لهم من الصافي ألذ شراب
стр. 57
قد أخبر المختار عنهم أنهم ... غرباء بين الأهل والأصحاب
في معزل عنهم وعن شطحاتهم ... وعن الغلو وعن بناء قباب
وقال عالم صنعاء الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني يمتدح إمام الدعوة ويثني عليه.
قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد
محمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي
لقد أنكرت كل الطوائف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ولا ورد
وما كل قول بالقبول مقابل ... ولا كل قول واجب الطرد والرد
سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول جل يا ذا عن الرد
وأما أقاويل الرجال فإنها ... تدور على قدر الأدلة في النقد
لقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريق لي وحدي
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهرًا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي
ويعمر أركان الشريعة هادمًا ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد
أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهرًا على عمد
وكم طائف حول القبر مقبل ... ومتسلم الأركان منهن باليد
وقال بعض أدباء أهل بريدة لما ذكر ما لفقه أعداء الشريعة من الأكاذيب على الشيخ محمد بن عبد الوهاب فأتى بالرد عليهم بعد ذلك بقوله:
أقول فلما أعلنوا الثلب للهدى ... وصاروا به فوق المنابر يخطبوا
وكتبهم في ذا تروح وتغتدي ... بتزوير قول نمقوه وأسهبوا
أكاذيب أن تقصد تحقق ما حكوا ... تجده سجايا كاذب فهو خلب
стр. 58
فكم حركتني لا لنفسي غيرة ... ولكن لنهج الحق ذاك المسلحب
لا دفع ما قد قذروه وعدتي ... من الآى مع نص الأحاديث اشطب
إذا صادف الأعناق منهم أبانها ... لكي يدر نمر الزور أنه ثعلب
إلى أن قال:
ولكن علمي أن بدر ذوي الهدى ... سيقصر عنه النبح لو جدأ كلب
يهون ما قد حل بي وكذا إذا ... ذكرت سيجزي الكل ما كان يكسب
وإلا فما شيخ الهداة يذم أو ... سبيلهم فهو السبيل الأطيب
فجدد دين الله يدعو لشامهم ... بهند ومصر والعراق ويثرب
على فترة قد جاء نجدًا وقد فشى ... بها الجهل حتى جاء يدعو ويسلف
فريدًا دعا للحق من غير ناصر ... ولكن دين الله يعلو ويغلب
فقام على ساق اجتهاد مشمرا ... إلى الله يدعو لا من الضد يرهب
فمهما يكيدوه بأمر تجده في ... مكائدهم يشتد حقًا ويصلب
ومن أجل ذا لما اعتقدت اعتقاده ... أبنت بنظمي ما لدي محبب
توهبت لا أن رأيت أولي النهى ... أنابوا إلى سبيل الهدى وتوهبوا
فما هو إلا سنة نبوية ... وآيات قرآن تقال وتكتب
فإن قيل قال النبي فإنني ... أهش إلى تلك المقال وأطرب
وما أنا أرضى غير هدي محمد ... ففيه إلى رب الهدى أتقرب
إلى آخر قصيدته التي وضحت مذهب الوهابية وأنه مذهب الإمام أحمد بن حنبل والأئمة المرضيين.
ولا نطيل بذكر ما امتدحه به الشيخ سليمان بن سحمان لأن لو أتينا بما ينبغي لضاق الموسع غير أننا نأتي بأنموذج من كلام حسان السنة في وقته محي السنة ومميت البدعة الشيخ المشار إليه قال ﵀ في رده على بابصيل بعد أبيات أبان فيها عقيدة الشيخ ثم قال بعد ذلك:
стр. 59
فاظهر مولانا بفضل ورحمة ... وجود وإحسان أمامًا مفهما
تقيا نقيًا ألمعيًا مهذبًا ... نبيلًا جليلًا بالهدى قد ترسما
تبحر في كل الفنون فلم يكن ... يشق له فيها غبار ولن وما
وسباق غايات وطلاع أنجد ... وبحر خضم إن تلاطم أو طما
فاطد للتوحيد ركنًا مشيدًا ... وأرشد حيرانًا لذاك وعلمًا
وحذر عن نهج الردى كل مسلم ... وهدى من الإشراك ما كان قد سما
فأقوى وأوهى كل كفر ومعبد ... بجد وأعلى ذروة الحق فاستما
وجادله الأحبار فيما أتى به ... وكل امرء منهم لدى الحق أحجما
وألزم كلًا عجزه فتألبوا ... عليه وغادوه عنادًا ومأثمًا
فلم يخش في الرحمن لومة لائم ... ولا صده كيد من القوم قد طما
وكل امرء أبدى العداوة جاهدًا ... وبالكفر والتجهيل والبهت قدر ما
فأظهره المولى على كل من بغى ... عليه وعاداه فما نال مغنما
وكيف وقد أبدى نوابغ جهلهم ... فكم مقول منهم تحدى فأبكما
وألقمه بالحق والصدق صخرةً ... وكان إذا لاقى العداة عثمثما
وقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به الكفر ادلهم وأجهما
فزالت مباني الشرك بالدين وانمحت ... وفل حسام كان بالكفر لهذما
وحالت معاني الغي واللهو والهوى ... بإشراق نور الحق لما تبسما
ولا نطيل بمدح العلماء له إذ المقصود الإشارة إلى شيء من ترجمته.
ولما أبى أكثر الخلق عن اتباع الحق ورأى تصميم الأكثر على ما هم عليه قبل ذلك، أمر بالجهاد وحث عليه فاستعد أهل الدين وامتثلوا، فأول جيش غزا سبع ركائب، وكانوا لم يعتادوا ذلك؛ فلما ركبوها وأخذت النجائب في سرعة السير سقطوا من أكوارها، ثم أغارت هذه النجائب على بعض الأعراب فغنموا ورجعوا سالمين، وصبر الأمير محمد بن سعود لأول وهلة وصدمة لأن الحرب سجال، ثم إنها تتابعت الغزوات؛ وكان الشيخ ﵀ هو الذي يجهز الجيوش، ويبعث
стр. 60
السرايا، ويكاتب أهل البلدان ويكاتبونه، وتفد الوفود إليه والضيوف عنده والداخل والخارج، فإنه يرجع إليه فلم يزل مجاهدًا حتى أذعن أهل نجد وانقادوا للحق وتابعوه وبايعوه، فعمرت نجد بعد خرابها، وصلحت بعد فسادها، ونال الفخر والملك من آواه، وصاروا ملوكًا بعد الذل وضيق الجاه، وأمد الله أهل الدرعية بجنده، وساعدهم بالعز والقبول، حتى أصبحت إذ ذاك مركز الدائرة، وتوالت عليها الفتوحات وترادفت إليها البركات، فكانت موضع الإعجاب والبهجة والنعمة والسرور والازدهار، بحيث يعجز عن عد صفات القبول عليها اللسان، ويكل عن التعبير عنها البيان، وسنلوح لذلك عن قريب.
ذكر علو قدره وإسناد الأمور إليه
كان آل سعود قد أسندوا الأمور إليه فكانت الأخماس والزكوات، وما يجيء إلى الدرعية من جل الأشياء ودقها تدفع إليه فيضعها حيث شاء، ولا يأخذ الإمام عبد العزيز ولا غيره من ذلك شيئًا إلا عن أمره، وتدبيره فبيده الحل والعقد والأخذ والإعطاء والتقديم والتأخير، ولما فتح الله الرياض ورجف بدهام بن دواس أحصي الدين الذي في ذمة الشيخ مما يبذله لله، وفي إظهار دينه وإعلاء كلمته، فبلغ ألف محمدية فقضاها من غنائمها، وكان لا يمسك على دينار ولا درهم، وجميع ما يرد من الأخماس والزكاة وغيرها، يفرقه في أوانه ويعطي العطاء الجزيل بحيث أنه يهب خمس الغنيمة العظيمة لاثنين وثلاثة، وكان لا يرسل جيش ولا يصدر رأي ولا تدبير من الأمير محمد وابنه عبد العزيز إلا عن رأيه وأمره.
وبالجملة فبيت المال أمره إليه قد فوض إليه أمره وأسند إليه شأنه.
فلما فتح الله الرياض واتسعت ناحية الإسلام، وأمنت السبل وانقاد كل صعب من حاضر وبادي، جعل الشيخ الأمر بيد عبد العزيز بن محمد بن سعود، وفوض أمور المسلمين وبيت المال إليه، وانسلخ منها بعدما أسسها ولزم العبادة، وتعليم العلم، ولكن عبد العزيز ما كان ليمضي بأمر دونه، ولا ينفذ شيئًا دون إذنه
стр. 61
ورأيه، وكان عطاؤه عضاء من وثق بالله بحيث لا يخشى الفقر، وكان كثير اللهج بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وعليه سيما الهيبة التي لم تحصل للملوك ولا للأمراء، ولم نسمع بها لغيره من العلماء والرؤوساء مع تواضعه ولين جانبه وخفض جناحه لطلاب العلم والسائل والمستفد وذي الحاجة والفاقة.
وبالجملة ففضائله أكثر من أن تحصر؛ وأشهر من أن تذكر، ولقد تضمخت ألسنة أعدائه بمسبته في أول ظهوره حسدًا وبغيًا كما قال الشاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
ومع ما يسمع من الأذى وينقل إليه وينمي يتضرع إلى فاطره أن يشرح صدور أعدائه للحق، وأن يسهل لهم قبوله ويعاملهم بعد القدرة بالصفح والعفو والمغفرة، ويسارع إلى قبول معذرة من جاء إليه معتذرًا من العلماء والرؤوساء لما وفدوا إليه منقادين وأذلهم الله بين يديه، فما وبخ ولا أهان بل أبدى البشاشة والعطف كأن لم يصدر منهم شيء، وهذه صفات كما قال الله عنه: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، ولو أرخينا عنان القلم لطال الكلام ولخرجنا عن المقصود.
ذكر مؤلفات الشيخ
أما مؤلفاته فهي الموارد العذبة اليانعة تدل على قدر مؤلفها وفضله ومكانته في العلم، إذ هو العالم الذي لا يبارى والجواد الذي لا يجارى، نفع الله بها المسلمين وجعلها للموحدين وهي عديدة ومسائلها مفيدة،
فمنها كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وهو كتاب لم ينسج مصنف على منواله، ولقد بارك الله بهذا المؤلف وشرحه العلماء، مثل الشيخ سليمان بن عبد الله، والشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ حمد بن عتيق.
ومنها كتاب كشف الشبهات الذي غدا بين الأمة جواهر لا قيمة لها.
ومنها كتاب ثلاثة الأصول، وشروط الصلاة وأركانها وغير ذلك، ثم ختمه
стр. 62
بأربع القواعد، وكان لا يستغني عنها مبتدي ولا منتهي.
وكتاب مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد.
وكتاب أصول الإيمان.
وكتاب فضائل الإسلام.
وكتاب الكبائر.
وكتاب آداب المشي إلى الصلاة، وهو هذا المتداول في أيدي الناس، قد جعل الله له قبولًا بين الأمة، وهو مأخوذ من شرح الإقناع.
وكتاب نصيحة المسلمين.
وكلامه على القرآن أكثر من مجلد.
ومختصر الإنصاف والشرح الكبير في مجلد ضخم.
وكتاب مختصر الهدى.
وكتاب مختصر سيرة ابن هشام، وهذه الثلاثة من أحسن ما يكون.
ومسائل الجاهلية التي خالف فيها الرسول أهل الجاهلية، بلغت مائة وتسعًا وعشرين.
وكتاب في الحديث كوضع المنتقى.
وكتاب نواقض الإسلام مردوفًا بعشر درجات تتعلق ببطلان الشرك، ومعاملة أهله، وثمان حالات لإقامة دين الحنيفية، والكلام على بعض فوائد الفاتحة.
أما الرسائل والأجوبة الفقهية والأصولية فإنها كثيرة جدًا لا يمكن استيعابها، وهي بعمومها تدل على إخلاص مؤلفها وصدقه وتحقيقه وبراعته، فنسأل الله تعالى أن يجازيه عن الإسلام وأهله خيرًا.
ولقد بعث إلى أحد إخواني في الله لما بعثه جلالة الملك عبد العزيز إمامًا ومرشدًا في جهة اليمن، لما أن فتحها الله عليه، فأقام هناك ورفقته من الأئمة والمرشدين
стр. 63
يبينون ويعلمون كما سير في هذا التاريخ، فقال في كتابه لما رأى من الأمور الشركية والبدع الوخيمة والوثنية في تلك الجهات، أنه يجب الدعاء للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وإن فضله علينا أعظم من آبائنا وأمهاتنا، ولا يعرف قدر للشيخ إلا من شاهد مثل ما شهدنا من البدع والكفر، فيجب علينا أن نقدمه بالدعاء له قبل آبائنا وأمهاتنا لأنه أخرجنا من ظلمات الجهل إلى نورا لعلم والتوحيد، وصدق هذا القائل فقد بلغت الحال بالشيخ محمد إلى أن قام بالملتزم يدعو الله أن يهدي خلقه؛ وذلك لما أراد نشر دعوته في نجد وغيرها، فرحمة الله عليه من إمام جدد معالم الإسلام وسعى في هداية الأنام، وجاهد في سبيل الله حتى أبلج الحق واستقام، فعليه من الرحمن أعظم الرحمة والسلام.
وذكر مشايخه وتلامذته
أما مشايخه فإنه أخذ عن والده عبد الوهاب وأشتغل في العلم بين يدي أبيه وجد في الطلب، وذلك قبل رحلته لطلب العلم في كثير من البلاد وكان والده يتوسم فيه الفضل والعلم ويحدث أخا الشيخ سليمان بذلك حتى قال له لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام، وأخذ عن الشيخ المدني محمد حياة السندي وأخذ عن الشيخ عبد الله بن سيف وأخذ عن الشيخ محمد المجموعي صاحب البصرة وغيرهم.
أما تلامذته الذين أخذوا عنه فإنهم علماء كبراء من بنيه وبني بنيه وغيرهم من علماء النواحي والأقطار فمنهم أبناؤه الأربعة العلماء الأذكياء والقضاة الفضلاء الذين جمعوا أنواع العلوم الشرعية، واستكملوا الفنون الأدبية، وهؤلاء حسين وعبد الله وعلي وإبراهيم وكل هؤلاء جهابذة نجباء فلا تسأل عما كانوا عليه من التدريس والحفظ والذكاء الذي فاقوا به الأقران، ونفعوا به الغرباء والسكان، ولكل واحد منهم قرب بيته مدرسة فيها طلبة العلم من الغرباء ونفقتهم من بيت المال ويأخذون عنهم فنون العلم في كل وقت.
стр. 64
فأما حسين فهو الخليفة بعد أبيه والقاضي في بلد الدرعية وله عدة بنين طلبة علم وقضاة.
وأشهرهم علي بن الحسين وحمد وحسن وعبد الرحمن وعبد الملك.
فأما علي فهو الشيخ الفاضل وحاوي الفضائل العلامة في الأصول والفروع، الجامع بين المعقول والمشروع، كاشف المشكلات، ومفتاح خزائن أسرار الآيات، قاضي الدرعية بوجود أعمامه وخليفتهم فيها إذا غابوا زمن سعود وابنه عبد الله ثم القضاء للإمام تركي بن عبد الله آل سعود في حوطة بني تميم؛ ثم كان قاضيًا في بلد الرياض للإمام فيصل بن تركي، وكان له معرفة تامة في الحديث والفقه والتفسير وغير ذلك، وأما حسن فولي قضاء الرياض زمن تركي بن عبد الله، وله معرفة تامة في الفقه وغيره ولكنها لم تطل حياته فقد مات ١٢٤٥ وأما عبد الرحمن بن حسين فقد ولي القضاء في ناحية الخرج لتركي بن عبد الله ثم لابنه فيصل وله معرفة ودراية في الفقه والتفسير والنحو وغير ذلك، وأما حمد وعبد الملك فطلبة علم ولديهم معرفة.
وأما عبد الله بن الشيخ فهو الخليفة بعد أخيه حسين في القضاء وكان هو قاضي الدرعية زمن سعود بن عبد العزيز، وكان آية من آيات الله في العلم والمعرفة، وله خبرة في الحديث ورجاله وفنون العلوم وكذا كان ابنه سليمان بن عبد الله فقد كان آية من آيات الله في العلم ولديه معرفة تامة في الحديث ورجاله وصحيحه وحسنه وضعيفه والفقه والتفسير والنحو وكان آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم وكان حسن الخط؛ فما كان في زمنه من يكتب مثل كتابته وله كتاب شرح التوحيد سماه تيسير العزيز الحميد ولكنه مع الأسف لم يكمله وقد أخذ العلم عن أبيه عبد الله والشيخ حمد بن ناصر بن معمر وأخذ العربية عن حسين بن غنام وغيره.
قتله إبراهيم باشا في وقعة الدرعية بعدما تهدده وأرغمه بآلات اللهو من
стр. 65
الرباب وغيرها ثم أمر أن يثوروا فيه البنادق والقرابين (١) فثوروها فيه فتمزق لحمه ﵀، ثم إنه جمع لحمه بعد ذلك قبح الله قاتله ولا بد من فصل القضاء بين الخلائق يوم المعاد وكان ذلك ١٢٣٣ وقد كان لعبد الله ابن آخر اسمه عبد الرحمن أجلى معه إلى مصر وهو صغير فصار في رواق الحنابلة في الجامع الأزهر وعنده طلبة علم وله معرفة تامة.
وأما علي بن الشيخ فكان عالمًا جليلًا وورعًا كثير الخوف من الله تعالى وكانت الأمثال تضرب به في بلد الدرعية بالورع والديانة وله معرفة بالفقه والتفسير وغير ذلك وراودوه على القضاء فأبى ويعرف له ابن اسمه محمد طالب علم وذو معرفة.
وأما إبراهيم بن الشيخ فكان مدرسًا في العلوم ولديه معرفة تامة لكنه لم يل القضاء وأخذ عن الشيخ الإمام محمد بن ابنه الشيخ العالم الفاضل، وقدوة الأفاضل وعين الأقران والأماثل عبد الرحمن بن حسن رئيس قضاة المسلمين ومجد الفضلاء والمدرسين وناهيك به من عالم احتاج إلى تفريغ منطوقة الأكابر وأحيا مدارس العلم بعدما كانت رباعها دواثر، فعمرت بدروسه المساجد وجثا بين يديه العلماء الأماجد ولا بد من ذكر ترجمته في سنة وفاته وأخذ عن الشيخ أيضًا الماهر العظيم الورع الزاهد الذي طبق علمه الآفاق، وشهد له بالفضل كل أهل الاتفاق خلى عدوًا من أهل الخبث والنفاق، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين الناصري شيخ أبي بطين قاضي الوشم زمن الإمام عبد العزيز وابن سعود وابن عبد الله وأخذ عن الشيخ أيضًا العالم الجليل؛ والجهبذ الحبر النبيل، الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر قاضي الدرعية في زمن سعود، وأخذ عنه أيضًا الشيخ العالم العامل الزاهد الفاضل سعيد بن حجي قاضي حوطة بني تميم في ناحية الجنوب زمن الإمام عبد العزيز وابنه سعود، وأخذ عن الشيخ أيضًا العالم العلامة
стр. 66
القاضي في بلد الدلم وناحية الخرج الشيخ محمد بن سويلم وذلك في زمن الإمام عبد العزيز؛ وأخذ عنه أيضًا العام عبد الرحمن بن خميس إمام قصر آل سعود في الدرعية ثم تولى القضاء في بلد الدرعية في زمن الإمام عبد العزيز وابنه سعود، وأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن نامي قاضي بلد العيينة ثم كان قاضيًا في الأحساء زمن سعود وابنه عبد الله، وأخذ عن الشيخ أيضًا محمد بن سلطان العوسجي قاضي المحمل ثم كان قاضيًا أيضًا في الأحساء زمن سعود، وأخذ عنه أيضًا عبد الرحمن بن عبد المحسن أبا حسين القاضي في حريملاء وبلد الزلفى وغيرهما زمن سعود وابن عبد الله، وأخذ عنه أيضًا العالم عبد العزيز بن سويلم القاضي في ناحية القصيم زمن عبد العزيز وابنه سعود وابنه عبد الله وأخذ عن الشيخ أيضًا حمد بن راشد العريني القاضي في ناحية سدير زمن عبد العزيز وأخذ عنه أيضًا من القضاة ممن لا يحضرني الآن ذكره خلق كثير ومن لم يل القضاء من الرؤوساء والأعيان جم غفير من هؤلاء الإمام عبد العزيز بن الإمام محمد بن سعود وأخذ عنه أيضًا العالم الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود.
وبالجملة فبركات هذا الشيخ وسبقه عظيم وله من المناقب والمآثر ما لا يخفى على أهل الفضائل والبصائر لأنه العالم الذي لا يشق غباره ولا تبلغ في البحث والإفادة آثاره.
فسبحانه من خصه بتلك الخصال والله يختص بفضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وكان جهوري الصوت إذا أخذ في الخطبة فإنه يسمع من في المسجد على العموم وكان سنه حين وفاته نحو اثنتين وتسعين سنة وقد ثقل في آخر عمره فكان يخرج لصلاة الجماعة يهادي بين رجلين حتى يقام في الصف.
ولما نشر السنة وأمات البدعة وعمرت به معالم الملة بعد ما كان الإسلام غريبًا، ونشرت راية الجهاد بعد أن كانت الخلائق في فتن وضلال، وعرف الناس التوحيد
стр. 67
الكبير والصغير واجتمع الناس على الصلوات والدروس، والسؤال عن أصل الدين وفرعه، وتعلم العلم القاري والأمي، وانتفع بعلمه سائر الآفاق لأنهم سألوا عما يأمر به وينهى عنه، فاتضح أنه يأمر بتوحيد الله وينهى عن الشرك، وأن هدفه الذي يرمي إليه وهو طلب طريقة الرسول وأصحابه فهدمت القباب والمشاهد التي بنيت على القبور وغيرها من جميع المواضع الشركية من الحرمين واليمن وتهامة وعمان والأحساء ونجد وغيرها من سائر الأقطار، حتى لا تجد في جميع من شملته ولاية المسلمين الشرك الأصغر فضلًا عن الأكبر، اللهم إلا ما كان بين العبد وبين ربه، وأمر جميع أهل البلدان من أهل النواحي يسألون الناس في المساجد كل يوم بعد صلاة الصبح وبين العشاء عن معرفة ثلاثة الأصول، وهي معرفة الله ومعرفة دين الإسلام وأركانه، وما ورد عليها من الأدلة في القرآن، ومعرفة محمد ﷺ ونسبه ومبعثه وهجرته وأول ما دعا إليه وهي لا إله إلا الله بمعرفة معناها، ومعرفة البعث بعد الموت وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها، وفروض الوضوء ونواقضه وما يتبع ذلك.
أقام على ذلك يحث المتمسكين بالدين على الثبات ويشجعه حتى توفاه الله تعالى في آخر ذي القعدة ١٢٠٦ هـ، فجبر الله القلوب بفقده، وأحسن العزاء، ونسأل الله تعالى أن يغفر له ويرفع درجاته في الجنان، وأن يجمعنا وإياه في دار الرضوان إنه هو الكريم المنان، ولا أتاه نازل القدر والقضاء وطارق الموت والفناء الذي لا يمنع منه حصن ولا يدفعه مغالب، وانتزعه من بين الأحباب والأصحاب، وأخلى منه المنازل والرحاب رثاه العلماء من أهل الإيمان والتحقيق والعرفان فقال الشيخ العالم حسين بن غنام هذه القصيدة يرثاه بها ﵀:
إلى الله في كشف الشدائد نفزع ... وليس إلى غير المهيمن مفزع
لقد كشف شمس المعارف والهدى ... فسالت دماء في الخدود وأدمع
أمام أصيب الناس طرا بفقده ... وطاف بهم خطب من البين موجع
وأظلم أرجاء البلاد لموته ... وحل بهم كرب من الحزن مفضع
стр. 68
شهاب هوى من أفقه وسمائه ... ونجم ثوى في الترب وأراه بلقع
وكوكب سعد مستنير سناؤه ... وبدر له في منزل اليمن مطلع
وصبح تبدي للأنام ضياؤه ... فداجي الدياجي بعده متقشع
لقد غاض بحر العلم والفهم والندى ... وقد كان فيه للبرية مرتع
فقوم جلا عنهم صدا الدين فاهتدوا ... فأسماعهم للحق تضغي وتسمع
وقوم ذووا فقر وجهد وفاقة ... حووا واقتفو ما فيه للعيش مطمع
لقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلي الضلال ويرفع
إبان له من لمعة الحق لمحة ... أزيل بما عنه حجاب وبرقع
سقاه نمير الفهم مولاه فارتوا ... وعام بتيار العارف يقطع
فأحيا به التوحيد بعد اندراسه ... وأقوى به من مظلم الشرك مهيع
فأنوار صبح الحق باد سناؤها ... ومصباحه غال ورياه ضيع
سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها ... سواه وحاذا فناها سميذع
وشمر في منهاج سنة أحمد ... يشيد ويحي ما تعفى ويرقع
وينفي الأعادي عن حماه وسوحه ... ويدمغ أرباب الضلال ويدفع
يناضر بالآيات والسنة التي ... أمرنا إليها في التنازع نرجع
فأضحت به السمحاء يبسم ثغرها ... وأمسى محياها يضيء ويلمع
وعاد به نهج الغواية طامسًا ... وقد كان مسلوكًا به الناس تربع
وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع
فأثاره فيها سوام سوافر ... وأنواره فيها تضيء وتلمع
لقد وجد الإسلام يوم فراقه ... مصابًا خشينا بعده يتصدع
وطاشت أولوا الأحلام والفضل والنهى ... وكادت له الأرواح تتري وتتبع
وطارت قلوب المسلمين بيومه ... وظنوا به أن القيامة تقرع
فضجوا جميعًا بالبكاء تأسفًا ... وكادت قلوب بعده تتفجع
ففاضت عيون واستهلت مدامع ... يخالطها مزج من الدم يهمع
стр. 69
بكته ذو الحاجات يوم فراقه ... وأهل الهدى والحق والدين أجمع
فمالي أرى الأبصار قلص دمعها ... وليست على فقداه تهمي وتدمع
ومالي أرى الألباب تهدي قساوة ... وليست على ذكراه يومًا توجع
لقد غدرت عين تضن بمائها ... عليه وكبد قد أبت لا تقطع
يحق لأرواح المحبين أن ترى ... مقبوضةً لما خلت منه أربع
وتتلو سريرًا فوقه قمر الهدى ... وشمس المعالي والعلوم تشيع
فما بالها قرت بأشباح أهلها ... ولم تك في يوم الوداع تودع
فيالك من قبر حوى الزهد والتقى ... وحل به طود من العلم ممرع
لئن كان في الدنيا له القبر موضع ... فيوم الجزاء يرجى له الخلد موضع
سقا قبره من هاطل العفو ديمة ... وباكره سحب من البر همع
وأسكنه بحبوحة الفوز والرضا ... ولا زال بالرضوان فيها يمتع
وكان بن غنام هذا هو صاحب التاريخ المشهور وصاحب العقد الثمين الذي في شرح أحاديث أصول الدين.
وكان أعني ابن غنام له اليد الطولى في معرفة العلم وفنونه، وقد ذكر في تاريخه انه ابتدأ بالشيخ مرضه في شوال ثم ذكر معبرًا عن عبادته من صلاة وصيام تطوعًا وترنمه بالقرآن في دجا الظلام، إذ كان دأبه إحياء غالب الليل وأنه كان على حالة في الزهد مرضية، وقد مات ولم يخلف دينارًا ولا درهمًا بل كان عليه دين كثير فأوفى الله عنه الجليل والحقير؛ وكان قد ذكر عن المترجم شيئًا عظيمًا من الفضل وخفض الجناح واحتمال الأذى حتى أظهر الله دعوته ونصره على كل من أراده بسوء، ولا ريب أن شهرة الشيخ أعظم من ذكره، وقد أحببنا الاختصار ولو بسطنا لاحتاج إلى عدة أسفار، وخير الكلام ما لم يطل فيمله السامعون.
وقال الشيخ العالم العلامة القطب اليماني محمد بن علي الشوكاني صاحب نيل الأوطار رحمة الله عليه يرثي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب وأدخله الجنة بغير حساب لما نعيت له وفاته، وكانت هذه المرثية عظيمة،
стр. 70
ولا غرور ولا بدع فمن البحر يستجلب الدر، وبذلك تعرف قدر الشيخ عند ذوي الإيمان وورثة سيد ولد عدنان.
قال الشوكاني
مصاب دها قلبي فأذكى غلائلي ... واصمي بسهم الافتجاع مقاتل
وخطب به أعشار أحشائي صدعت ... فأمست بفرط الوجد أي تواكل
ورزء تقاضاني صفاء معيشتي ... وأنهنلني قسرًا أمر المناهل
فعدت به رهن التباع ولاعج ... حليف أسا للقلب غير مزايل
أسير جوى أفنى فؤادي رسيسه ... وقلب من الحزن المبرح ذاهل
مصاب به قامت على قيامتي ... ومن كرب لاقيت أعظم هائل
مصاب به ذابت حشاشة مهجتي ... وعن حمله قد كل متني وكاهلي
مصاب به قد أظلم الكون كله ... وكان على حال من الحزن هائل
مصاب به الدنيا قد أغبر وجهها ... وقد شمخت أعلام قوم أسافل
رميت به عن قوس أبرح لوعة ... يها نجم روحي كان أسرع آفل
به هد ركن الدين وأنبت حبله ... وشد بناء الغي مع كل باطل
وقام على الإسلام جهرًا وأهله ... نعيق غراب بالمذلة هائل
وسيم منار الأتباع لأحمد ... هوان انهدام جاء من كل جاهل
وهبت لنار الأتباع سمائم ... بسم لنفس الدين مرد وقاتل
فيا مهجتي ذوبي أسا وتأسفًا ... ويا كبدي انقشي بحزن مواصل
ويا لوعتي دومي وزيدي ولازمي ... ويا فجعتي للقلب ما عشت نازلي
ويا مقلتي نحي الكرى عنك جانبًا ... وجودي بدمع دائم السكب هاطل
ويا جزعي لا غبت كن متجددًا ... ويا سلوتي ولي وللقلب زائلي
فقد مات طود العلم قطب رحى العلا ... ومركز أدوار الفحول الأفاضل
وماتت علوم الدين طرا بموته ... وغيب وجه الحق تحت الجنادل
стр. 71
إمام الهدى ماحي الردا قامع العدا ... ومروي الصدى من فيض علم ونائل
جمال الورى رحب الذرا شامخ الذرا ... وجم القري صدر الصدور الأوائل
عظيم الوفا كنز الشفا معدن الصفا ... وجالي الخفا عن مشكلات المسائل
بهي السنا عذب الجنا طيب الثنا ... منيل المنى من سيبه كل آمل
إمام الورى علامة العصر قدوتي ... وشيخ الشيوخ الجد فرد الفضائل
محمد ذو الجد الذي عز دركه ... وجل مقامًا عن لحوق المطاول
إلى عابد الوهاب يعزى وأنه ... سلالة إنجاب زكي الخصائل
عليه من الرحمن أعظم رحمةً ... تبل ثراه بالضحى والأصائل
لقد أشرقت نجد بنور ضيائه ... وقام مقامات الهدى بالدلائل
إمام له شأنٌ كبير ورتبةً ... من الفضل تثني همة المتطاول
في يد كمال في العلوم فهل ترى ... له في تقارير لها من مماثل
تأخر ميلادًا وفي حلبة العلى ... وميدان فخر سابق للأوائل
على خلق يحكي النسيم لطافه ... وكامل أوصاف وحسن شمائل
وقلب سليم للمهيمن خاشع ... منيب وعن مولاه ليس بغافل
وجنب تجافيه المضاجع في الدجا ... وجفن بهتان المدامع هامل
وعن ذكر رب العرش في السر دائمًا ... وفي الجهر طول الدهر ليس بذاهل
* * * * *
عفو عن الجاني صفوح وحلمه ... إلى الشيم يعزي ليس يهفو لعاجل
يقابل من لاقى ببشر ومبسم ... ضحوك ووجه البشاشة باذل
ويأمر بالمعروف في كل حالةٍ ... وعن منكر ينهي وليس يقابل
ولم يأل جهدًا في نصيحة مسلم ... برأي وتدبير وحسن تعامل
* * * * *
يحازي بإحسان إساءة غيره ... وبالجاه عن مستوجه غير باخل
стр. 72
تقمص بالتقوى وبالخشية ارتدى ... ولم يمض منه العمر في غير طائل
ومن شأنه قمع الضلال ونصره ... لمن كان مظلومًا وليس بخاذل
وكم كان في الدين الحنيف مجاهدًا ... بماضي سنان دامغ للأباطل
وكم ذبّ عن سامي حماه وذاد من ... مضل وبدعى ومغو ونائل
* * * * *
ففيم استباح أهل الضلال لعرضه ... وما نكست أعلامه بالأراذل
وليس له شيء عن الله شاغل ... ولا عن وصال الاعتبار بفاصل
فلولاه لم تحرز رحى الدين مركزًا ... ولا اشتد للإسلام ركن المعاقل
ولا كان للتوحيد واضح لاحب ... يقيم اعوجاج للسير من كل عادل
فما هو إلّا قائم في زمانه ... مقام نبي في إماتة باطل
ستبكيه أجفاني حياتي وإن أمت ... سيبكيه عني جفن طل ووابل
وتبكيه أقلامي أسا ومحابري ... ويبكيه طرسي دائمًا وأناملي
عجبت لقبر ضمه كيف لم يكن ... يميد ببحر فائض العلم سائل
ولله نعش كان حامل جسمه ... هنيئًا له إذ كان أشرف حامل
ولا غرو أن يبكي الزمان لفقده ... فقد كان غيث الجود كهف الأرامل
فآها على ذاك المحيا وحسنه ... وآها على تلك العلوم الجلائل
وآها على تحقيقه ودروسه ... وتوضيحه للمعضلات المشاكل
* * * * *
فمن للبخاري بعده ولمسلم ... يبين المخبا منهما للمجادل
ومن ذا لتفسير الكتاب ومن ترى ... لأحكام نقد الدين من للمسائل
ومن لمسانيد سمت ومعاجم ... وكشف لثام الحكم عند النوازل
ألم ترى أن الدهر نصف كأبة ... عليه وذو جسم من الحزن ناحل
ومن للمعاني والبيان ومنطق ... وردع أخي الجهل الغوي المجامل
стр. 73
ومن لك بالأصلين واللغة التي ... بها أنزل القرآن أشرف نازل
ومن بعده للصدع بالحق قائم ... بجدٍ ولا يخشى ملامة عاذل
* * * * *
أفق يا معيب الشيخ ماذا تعيبه ... لقد عبت حقًا وارتحلت بباطل
نعم ذنبه التقليد قد جذ حبله ... وفل التعصب بالسيوف الصياقل
ولما دعا لله في الخلق صارخًا ... صرختم له بالقذف مثل الزواجل
أفيقوا أفيقوا أنه ليس داعيًا ... إلى دين إباء له وقبائل
دعا لكتاب الله والسنة التي ... أتانا بها طه النبي خير قائل
فوا أسفا والهف قلبي وحسرتي ... عليه ويا حزني لأكرم راحل
ويا ندمي لو كان يجدي من الفضا ... ولكن قضاء الله أغلب حائل
ولو كان من ريب المنية مخلص ... لكنت له بالجهد أي محاول
وما مات كلا بل إلى جنة العلى ... أتاه من الرحمن أكرم ناقل
ولما له الفردوس زاد اشتياقها ... وكان لها كفوًا وأسرع واصل
وكان على حسن الأرائك في ذرا ... أظلتها أهنا وارفة قائل
شدت ورق أغصان الهناء ترجعا ... تقول له قد فزت يا خير عامل
وخاطبه التاريخ فالًا بقوله ... هنيئًا برغد في رفيع المنازل
* * * * *
فيا سائر الأولاد للشيخ إنني ... أعزيكم ومع ذي انتساب ابن وائل
وأوصيكم بالصبر طرا والرضا ... يجاري القضاء في عاجل ثم آجل
بتسليم أمر الله ثم احتساب ما ... لديه تعالى من أجور جزائل
فما جزع يومًا بنافع جازع ... وما الحزن ردًا للقضاء بعاجل
ومثلكم لا يعتريه تزلزل ... ولا وهن في فادحات النوازل
فإن كان للجنات والدكم مضى ... فقد كان فينا معقبًا كل كامل
стр. 74
وأنتم بحمد الله عنه خلائف ... بعلم وفضل شامخ القدر شامل
وإنا لنرجوا أن تكونوا أئمةً ... بكم يقتدي في دينه كل فاضل
وللخير والإحسان من كل وجهةً ... تحث إليكم مضمرات الرواحل
ونسأل رب العرش يعظم أجوركم ... ويحميكم من طراقات الغوائل
ويجبر صدع القلب والكسر منكم ... ويعقبكم طرًا جمال المحافل
ولازلتمو غيظ القلوب لكل من ... يعاديكم من كل حافٍ وناعل
ولا فجعت في الدهر ساحة سوحكم ... برزء لموصول المسرة فاضل
عليكم سلام الله ما هب ناسم ... وجمل زاكي ذكركم كل عاطل
أو في الثنا مني عليكم مكررا ... وأزكى تحيات سوام كوامل
وأضعافها للمقرنيين كلهم ... هداة الورى من محتدي فرع وائل
هم الناس أهل الباس يعرف فضلهم ... جميع بني الدنيا فما للمجادل
لقد جاهدوا في الله حق جهاده ... إلى أن أقاموا بالضبا كل مائل
فناد يهمو في كل نادٍ مبجل ... فحقهم التبجيل بين القبائل
سعود مضى والسعد حالف نجله ... كما حالف الآباء ليس براحل
لقد نصروا دين الإله وحزبه ... كما دفعوا داعي الهوى بالقنابل
عليهم سلام الله ما ذر شارق ... وما اهتزت الأزهار في صبح هاطل
وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى الهادي كريم الشمائل
محمد المختار من فرع هاشم ... وآل وأصحاب كرام أفاضل
وهذا آخر ما أردنا إيراده من ترجمة الشيخ على جهة الاختصار والإشارة.
ونرجع إلى ما نحن بصدده، فنقول لا قام الشيخ في الدعوة إلى الله وأبى أكثر الخلق إلا العناد، وفل آل سعود راية الجهاد لنصرة الدين حصلت غزوات وقامت ساق الجهاد، وشمرت الحرب وأكثر ما كانت الخيانة والعداوة والمقاطعة من دهام بن دواس بحيث آذى أهل الدعوة، وما زال يحمل عليهم الحملات المنكرة حتى رجف الله به وفر على وجهه تاركًا الرياض معه أولاده وأتباعه فأبادهم الله تعالى
стр. 75
بالهلاك جوعًا وعطشًا، وكان ذلك في حر الصيف، وإن خروجه بهذه الصفة لآية من آيات الله تعالى لأنه نادى في الرياض بالفرار ففر إلى الخرج وتركوا الرياض خاوية لا أنيس فيها، ودخلها الجيش السعودي، وكذلك ما جرى من خروج عريعر مع بني خالد كافة يقدمهم رئيس نجران قاصدين الدرعية معهم أسلحتهم ومدافعهم وعددهم وعددهم يريدون إطفاء نور الإسلام وهدم تواعده العظام، وكان معهم مدافع وأسلحة نارية يزجي الوحوش رنينها فردهم الله خائبين، وباؤوا بالخزي بين العالمين، وجعلهم عبرةً للمعتبرين، وما جرى من ثويني والشريف غالب وغيرهم مما كفينا ذكره فحسبك ما أثمرته تلك الدعوة الوهابية من نشر دين الحنيفة، وبث الهدى منشورًا للناظرين في تلك البلاد الإسلامية التي استجابت لداعي الله ورسوله حتى أصبحت قد حفت بالتوفيق دينًا ودنيا ونما أهلها وكثروا وبورك في ثمارهم ومعائشهم.
ذكر القبول الذي جرى على الدرعية
كانت الدرعية منشأ هذه الدعوة ومر عليها زمن كانت في قوة عظيمة في البناء الشامخ، ورفاهية العيش وكثرة الرجال والأموال، حتى ذكر عنها بعض المؤرخين مبالغةً في الوصف بحيث لا يقدر الواصف على صفتها ولا يحيط العارف بمعرفة شأنها، فلو أنك ذهبت تعدّ رجالها وإقبالهم وذهابهم في كتائب الخيل والنجائب العمانيات، وما يدخل على أهلها من أحمال المال والأرزاق واللباس التي لهم مع المسافرين من أهلها ومن أهل الأقطار لم يسعه كتاب، ولرأيت العجب العجاب، وكان الداخل في موسمها لا يفقد أحدًا من أهل الآفاق من اليمن وتهامة وعمان والبحرين وبادية الشام ومصر وأناس من حاضرتهم إلى غير ذلك مما يطول عدّه، فهذا في الذهاب وذلك في الإياب، وآخر يتلو القرآن ليله في مناجاة رب العالمين حتى ذكر الشيخ المؤرخ عثمان بن عبد الله بن بشر التميمي الناصري الحنبلي ما نصه: "ولقد نظرت إلى موسمها يومًا في مكان مرتفع وهو في الموضع المعروف بالباطن بين منازلها الغربية التي فيها آل سعود المعروفة بالطريف، ومنازلها الشرقية المعروفة بالبجيري التي فيها أبناء الشيخ، ورأيت موسم الرجال في جانب، وموسم النساء في