وممن توفى فيها من الأعيان الشيخ عبد العزيز بن بشر، وهذه ترجمته:
هو الشيخ العالم القاضي العارف المتفنن في العلوم عبد العزيز بن عبد الرحمن آل بشر من بني زيد من شقراء، وكان فيه صلاحية للقضاء ومؤهلات للأعمال، فجعله ابن سعود قاضيًا في بريدة لما دخلت في ولايته للمرة الثانية، وكان القاضي قبله إبراهيم بن حمد بن جاسر، فلما قدم الشيخ المترجم تولى القضاء وأخذ يدرس في العلوم الدينية، ومما نقل عنه أنه لما قدم إلى ضواحي البلد مساء استضافه رجل من أهالي الصوير القرية المجاورة للبلد إلى جهة الشرق، فلبى طلبه وقال: سندخل البلد صباحًا ونسلم في آخر النهار من تبعات المسؤولية، ومعنى هذه الكلمة كل واقعة من القضايا تحل ويسلم القاضي منها تعد غنيمة، وكان سخيًا كريمًا مبذالًا، واتخذ كاتبًا من أهالي بريدة وهو عبد الله بن ناصر بن سليمان بن سيف نجل الشيخ ناصر ابن سليمان، ووافق قدومه المسغبة التي جرت على نجد، فألّف رسالة مختصرة فصيحة للمسلمين في هذا الموضوع فاستمر في القضاء ثلاث سنين، ثم أنه لعدم معرفته بالناس وتمييزه لطبقاتهم اختلط لديه الحابل بالنابل وسعى بعض أهل الأغراض فتوترت العلاقات بينه وبين بعض العلماء، فساءت الحال إلى أن نقل من القصيم إلى الإحساء فتولى القضاء هناك وقام بهذه الوظيفة قيامًا حسنًا، ولبث في الإحساء مدة طويلة، ثم أنه نقل إلى قضاء الرياض، ثم إنه أسنَّ وهرم فكان من المعمّرين لأن ولادته حوالي سنة ١٢٧٣ هـ، وقد رأيت له تقريرًا لتضعيف إمامة المرأة للرجال في صلاة النافلة وهذه المسألة التي قال بضعفها من مفردات الإمام أحمد، وقد انتقد الشيخ عبد العزيز بعض العلماء بشأن هذه المسألة، ولما مات صلى عليه المسلمون في سائر الأقطار بالنية، وكان الذي خلفه على قضاء الإحساء الشيخ سليمان العمري، أما القاضي بعده في الرياض فقد جعلت الحكومة بعده الشيخ ابن زاحم والشيخ عبد الله بن حميد.
وفيها أمر الشيخ القاضي عمر بن محمد سليم بنقض بناية المسجد الجامع في مدينة بريدة وإعادة بنايته لأن المسجد قد تضعضع بعض بنائه لكثرة ما يتردد عليه
стр. 1157
من السيول على مر السنين، فشرع في هدمه وأضيف له سعة من جهة الشمال، وقام الشيخ بأعباء العمل، وكان قد شاور الأعيان من الأهالي فوافقوه على ذلك، غير أن الشيخ هو الذي باشر المهمة بنفسه وبعث بالأخبار إلى جلالة الملك، فبعث الملك أيده الله ورفع قدره مساعدة على العمل، وهذه المساعدة قدرها خمسة عشر ألف ريال فرنسي، وتقدر بخمسة وأربعين ألف ريال سعودي، وكم لهذا الملك من الأعمال الطيبة والمسارعة إلى كل مشروع ديني، ولما أن هدم إلى اسه عدل الشيخ جهته وأقيمت العمد كأحسن ما يكون في القوة والحسن، وجعل محل السقف الخشي عقودًا من الحصا وكان الشروع في العمل في ١٥ جمادى الأولى، ثم إنه جلب إليه مهندسين وأكثر من العمال في بنائه فاستقام من طين وأحكم بنائه إحكامًا مبرمًا، وقام الشيخ أكمل القيام فكان يباشر وضع العمد والجدر ويرشد المهندسين إلى إكمال العمل، وقد وزع الأهالي وقت بنائه في أربعة مساجد من بريدة، وكان انتهاء العمل في ٩ شعبان إذ امتد وقت العمارة ثلاثة أشهر إلا قليلًا، وتعتبر هذه المدة قصيرة لكبر المسجد ولأنه أصبح يسع خمسة آلاف من المصلين، وتعد هذه الخطة حسنة خالدة في تاريخ الشيخ المذكور والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وقد قام أهالي عنيزة فعمّروا مسجد الجامع في مدينتهم وأتقنوا صنعته، وقد امتاز علمهم الخيري بأن غالب النفقة كانت من الأهالي وفقهم الله وأكثر القائمين بالأعمال الدينية.
وفيها طلب أهالي مكة من جلالة الملك عبد العزيز أن يسنّ بهم سنته في أهل تجد بأن يجعل عندهم من ينظر في مشكلات القضاء، وشكوا إليه ما يقاسونه من ضياع أموالهم في طول المراجعات والتردد إلى المحاكم، فأتحفهم بالشيخ العالم العاقل محمد بن عبد العزيز بن مانع صاحب شرح عقيدة السفاريني، وكان عالمًا حسن الخلق ذا بصيرة وسياسة وتجربة في الأمور، أشمط اللون، قصير القامة، فجلس المذكور في مكة على كرسي العدالة، وطلبت منه الحكومة رجالًا من المنتسبين إلى العلم في نجد يكونون مرشدين يعظون في مساجد مكة المشرفة ويدّرسون في كتب
стр. 1158
الحنابلة على الشيخ المذكور، ويكون يضاف إليهم من الأعمال كونهم أعضاء في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هناك بشرط أن يكون أولئك المذكورون من تلامذة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ومن تلامذة الشيخ عمر بن محمد بن سليم، فذهب المذكورون إلى مقر أعمالهم التي طلبوا إليها، ولما أن وصلوا في هذه السنة إلى أم القرى أخذوا في الدراسة على الشيخ محمد وانبعثوا يرشدون في مساجد مكة وما يليها، كان يذهب المرشد إلى أحد المساجد فيصلي مأمومًا ثم يأخذ بعد الصلاة في الموعظة والإرشاد، ويا حبذا هذا العمل الخيري، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يقوم به الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع والأعضاء الذين معه فكانوا في قوة وعزيمة ونشاط، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ومن الأعضاء من لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد كان يجلس الرئيس محمد بن مانع وإلى جانبيه الأعضاء من الحجازين والنجديين فيؤتى بالمجرم فيوتف أمام الهيئة يسوقه العسكري، فيقرر على جنايته هذا شتم، وهذا لم يشهد الجماعة، وهذا يشتكي جاره، وذلك مؤذن يشكو زميله يقول أقام للصلاة ولم يؤذن، وهذا شرب مسكرًا، وذا عثر على أنه يفتح الراديو في الملهى إلى غير ذلك، فيعزر العاصي بما يستحق ويردع المعتدي، وكثيرًا ما يجري الخلاف في كثير من المسائل، هذا وقد جعل لكل شخص مرتب شهري يصرف له من الأرز والسمن والتمر واللبن والسكر والشاي والنفقة والسكنى والكسوة.
وفيها نزل غيث عظيم على مكة المشرفة حتى سقط منها مائة وأربعون بيتًا، وخرب لذلك بعض مجاري عين زبيدة، ودخل السيل في المسجد الحرام حتى كان على قدر قامة الإنسان، وبلغ حوالي باب الكعبة المعظمة، وخرّب أسلاك الكهرباء بعدما دخل إلى أعمدتها فاضطرت الحكومة السعودية إلى وضع اسطوانات من حديد يجعل من بينها ألواح خشبية في أبواب المسجد الحرام للوقاية من دخول السيل فيه، لكن الله دافع عن الأنفس البشرية، كذلك قامت الحكومة بإنشاء سد في أعالي مكة ليصرف الوادي عن البلد.
стр. 1159
وفيها حصل تمرد من شرار في مكة يريدون زعزعة نظام الحكم بحسب ما يتصورون، وكان القائمون بهذا الأمر بعض أحفاد الشريف عون الرفيق أمير مكة في العهد العثماني، وهم الشريف حسن والشريف عبد الحميد طلبا من الملك في العام الماضي الحضور إلى الحجاز لإدارة شؤون أملاكهما الخاصة فيها، فأذن لهم جلالة الملك بذلك وأكرم مثواهم فحضروا إلى الحجاز بهذه الدعوى، وأخذوا يعملون للقيام بثورة داخلية، وأخذوا يتصلون برجال البادية ويوزعون الأموال على بعض زعماء القبائل بواسطة عامل من عمالهم يقال له عابد الديب، ثبت في النتيجة أنه هو الذي كان يحرضهم على ذلك ويسول لهم إمكان نجاحهم في مهمتهم دون أن يعلم المفتون أن حب المليك قد تغلغل في كل قلب من قلوب الشعب، ولذلك قام زعماء القبائل المشار إليهم يطلعون سمو الأمير فيصل نائب الملك ويخبرونه بالخفاء بجميع حركات الثائرين وسكناتهم وما يقبضونه من أموال في هذا السبيل، حتى حان وقت موعد التنفيذات الموهومة، فعند ذلك عاجلهم جلالة الملك فأمر بالقبض على كل من الشريف عبد الحميد والشريف حسن، وعابد الديب وبعض من كان له بهم صلة وأودعهم في مكان خاص بدار الأيتام بمكة المكرمة، وشرع مدير الأمن العام مهدي بك الصلح في إجراء التحقيق معهم حتى ثبتت إدانة عابد الديب باعتباره اليد المباشرة في الأمر فحكم عليه بإعدامه، وبعدما أراد الملك إعدام الشريف عبد الحميد وسجن الشريف حسن سجنًا مؤبدًا لكونه لم يعارض في الأمر قضت إرادته بأن يمثلا بين يديه، ولما جيء بهما أنبئهما على فعلهما ثم عفى عنهما، وأمر لهما يحوائز وصرفهما إلى مصر، وحج بالناس في هذه السنة جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، وممن حج فيها من الأعيان الشيخ عمر بن محمد بن سليم، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وقاضي جيزان محمد بن عبد الله التويجري، وكان قد تأثرث هذا بمرض أصابه، ويظهر لي أنه شبيه بالسل، لأنه مات على أثره ﵀.
وفيها حجتنا الثانية على ظهور الإبل، ولم يحج من الإبل إلا قليل لأن الأمة قد
стр. 1160
استبدلت بها السيارات لتوفر الراحة والطمأنينة فيها، وكانت المسافة التي قطعت بها الطريق من القصيم إلى مكة عشرين يومًا، وتمر في سيرها على ذات عرق، الميقات المعلوم، وقد رأينا من أسباب الأمن والصحة شيئًا عجيبًا لأن الطريق مطمئنة والسبل آمنة، وقد ضبطت ضبطًا لا مزيد عليه ورجعنا بالسيارات.
تغيير السكة
لما كان في هذه السنة صدر الأمر السامي بتعطيل السكة القديمة المتعامل بها، وكانت قطعًا من النحاس مضروبة في قسطنيطنية، وأبدلت بقروش من النيكل سعودية، وكان ذلك بركبة من جلالة الملك جعل الأولى بنكًا يقبضها ويبدلها بجديدة، كل ذلك مراعاة للشعب لأن لا تكسد الأولى لدى أفراد الأمة، ولقد كان صاحب الجلالة يعالج في ذلك من قد يم غير أنه استطاع بحكمته أن يبدلها عن رغبهَ الشعب وطمأنينته إليها، أما الريال العربي فلم ينصرف مفعوله إلا في السنة التي بعدها، وكانت العاقبة إلى خير.
ثم دخلت سنة ١٣٦٠ ه ـ
استهلت هذه السنة والأمور هائجة مائجة بين ألمانيا وحلفائها، وبين الحلفاء، وأصبحت الحرب العالمية الثانية تنذر بشرها وويلاتها، وقد انتصرت الجيوش الألمانية واحتلت الدانمارك وهولندا وبلجيكا، وطردت قوات التحالف من نارفيك، واصلت النرويج وطردت القوات البريطانية من فرنسا، والبلجيك وأكرهتها على الفرار من دنكرك بشمال فرنسا بعدما ألقت فرنسا سلاحها وسلمت إلى هتلر، وتقدم الكابتن برين يخترق بغواصته البحرية الحواجز والأسلاك المكهربة في موانع سكايافلو، وفرث أوف نورث بشمال بريطانيا، وينسف البوارج والدوارع البريطانية في عقر دارها، ويعود إلى قواعده في ميناء كييل سالمًا، وكذلك الجنرال غالاند قائد أسراب الشتوكا الألمانية ينقض في كل يوم على بريطانيا فيدمر ويخرب ويضرب مدينة كونتري من أعلى وجه الأرض
стр. 1161
حتى مسحها وأزالها من عالم الوجود، وتقدم المارشال رومل يسحق الجيش البريطاني الثامن سحقًا ويطرده من الصحراء الغربية ويقف عند العلمين على بعد سبعين كيلو مترًا من القاهرة والاسكندرية، وكان النصر إذ ذاك حليف ألمانيا إذ كانت قد أعدت لهذه الحرب الضروس عدتها سرًا من سنين خلت في غفلة الدول جميعها ورصدت لها مجهودات أبنائها عمالًا وصناعًا ومخترعين ومحاربين، وظل هتلر الطاغية في أوجه تنشر أنباء انتصاراته في جو مشبع بالرهبة والذعر، وتروي الأخبار عن عجائب آلاته الميكانيكية التي لم يسمع بمثلها، حتى غزت هذه الأخبار القرى واقتحمت كل مملكة، وسولت له نفسه أن سيسيطر على العالم، فلم يبقَ إلا الاستسلام له أو رد كيده.
ذكر جهود بذلتها بريطانيا أمام تلك الأهوال الساحقة
لما كادت بريطانيا بعد أن جابهت عدوها الظافر الشديد المراس تكون عزلاء من السلاح قبضت الأقدار لها أن يمسك بزمام أمورها في أحلك ساعات الشدائد بطل صنديد وهو تشرشل، فأعلن أن بلاده ستقاتل هتلر حتى تنتصر أو تموت كريمة في ساحة الهيجاء، فاشتعلت مصانع بريطانيا الحربية ليلًا ونهارًا لإنتاج ما كانوا في أمس الحاجة إليه من عتاد الحرب، وجندوا على الفور جيشًا كبيرًا، وكان هتلر قد ظهر بمظهر المنتصر وأعطى بريطانيا فرصة للتسليم قبل أن يقضي عليها نهائيًا، وكان قد توسع في فتوحاته فزادت مساحة ألمانيا من ١٨٠.٩٧٦ ميل مربع إلى ٣٢٣.٣٦٠ ميل مربع بالأضانة إلى ٢٩٠.٠٠٠ ميل مربع من الأراضي المحتلة غير الملحقة، وكان تحت تصرف هتلر أربعون ألف طائرة و ١٨٠ غواصة، ولما رأت بريطانيا خطورة الموقف بعثت تستصرخ الولايات المتحدة، ولقد تشجع موسوليني فجرد حملة كبيرة مكونة من ٣٠٠ ألف جندي بقيادة المارشال جراذياني عبرت حدود مصر في سبتمبر ١٩٤٠ م، وواصلت زحفها جنوب وادي النيل، ولكن الجنرال ويغل قائد القوات البريطانية أوقف زحف الإيطاليين عند سيدي براني.
стр. 1162
وفي ٩ ديسمبر ١٩٤٠ م بدأ هجومًا مضادًا جرف أمامه الجيش الإيطالي الجرار، ووقع في قبضته نحو ١٥٠ ألف أسير، وأنزلوا بالجيوش الإيطالية في أفريقيا هزائم منكرة وسقطت أديس أبابا فعاد إليها الإمبراطور هيلاسلاسي، وكان بريطانيا قد أوقعت بالأسطول الفرنسي خشية انضمامه إلى قوات المحور، ولما اطمأنت من خطره تمكنت من السيطرة حينئذٍ على البحر الأبيض المتوسط إلى انتهاء الحرب، ثم قامت تهاجم الأسطول الإيطالي، وقام سلاح الجو البريطاني يمطر الأسطولات الإيطالية وابلًا من القنابل والقذائف النارية فعطب وأغرق، وذلك في الحادي عشر من شهر تشرين الثاني ١٩٤٠ م.
ولما كان في ٢٩ من شهر مارس ١٩٤١ التقى الأسطول الإنكليزي ليلًا ببعض السفن من الأسطول الإيطالي فأصلاها نارًا حامية وتمكن من إغراق بعضها، وبذلك تمكن الإنكليز من إضعاف الأسطول الإيطالي بحيث فقد القدرة على الهجوم، ولكن هذا لم يجعل الأسطول الإنكليزي في مأمن من غارات العدو، فقد كانت إيطاليا تملك عددًا كبيرًا من الغواصات تقلق الأسطول الإنكليزي، كما أنها تملك عددًا محترمًا من الطائرات فكانت المواصلات الإنكليزية في البحر المتوسط مهددة بمهمات إيطالية.
ولثقة هتلر بقوة أسطول إيطاليا البحري وما لها من الغواصات واستطاعة سلاح الطيران الجوي الإيطالي اعتقد أنه سيغلق البحر، وقد يجوز هذا لولا وجود مالطة التي كانت تقاوم وتضرب قلاعها بالمدافع رغم الهجمات الجوية التي تعرضت لها، وربما أن الإغارات الجوية عليها بلغت ثلاثة آلاف غارة، فإنها لم تسقط ولم تسكت قلاعها.
وكان الواجب على هتلر أن يسكت قلاعها ويدكها ومراكزها العسكرية والجوية، وبما أن إيطاليا فشلت في تقدمها لغزو اليونان بحيث اضطرت بريطانيا إلى نجدتها واستقرت جيوشهم في كريت، فقد جعلت المصادر البريطانية تقول أن من واجب هتلر احتلال هذه الجزيرة لتأمين الأرض التي استولى عليها من الهجمات الجوية القريبة، وإذا لم يتمكن المحور من الاستيلاء على مالطة الضعيفة فكيف
стр. 1163
يستطيع احتلال كريت التي تعج بالجنود، والتى كانت السفن الإنكليزية تحميها من جميع الجهات، واعتبرت الإنكليز في ذلك الوقت أن الاستيلاء على الجزيرة من المستحيلات، ثم تقدمت إيطاليا وبدأ هجومها في شمالي أفريقيا، ذلك بأنه قد انضم أكثر دول البلقان إلى المحور، بل راح بعضها يحارب معه، وكانت إيطاليا تملك في ليبيا وأفريقيا ما يقارب نصف مليون جندي، بينما لم يكن بمقدور الإنكليز أن يضعوا أمامهم أكثر من مئة ألف جندي، وتعرضت المواصلات الإنكليزية لأشد الأخطار وأقصاها.
وكانت الخطة الإيطالية لغزو مصر تقوم على أن تبدأ الحملة في جبهتين، الأولى من طرابلس الغرب والثانية من الحبشة بقيادة الدوق أوف أوستا، وأما الحملة الأفريقية من طرابلس الغرب فكانت بقيادة المارشال غرازياني، وتم لهم بعض ما يريدون لولا أن حملة الإنكليز بقيادة الجنرال ويغل في ٩ كانون الأول ١٩٤٠ م على مواقع الإيطاليين فارتدوا من حيث أتوا، وسقطت البردية وطبرق ودرنة وبنغازي في أيدي الإنكليز، وأسر من جنود إيطاليا ١٣٠ ألف إيطالي، ولما أخذت الإنكليز تهاجم بمدافعها الثقيلة البردية لتدمير مراكزها العسكرية واستحكاماتها شوهت الأراضي التي حولها من ضرب القنابل والانفجارات النارية، وقد قام الطراد الإيطالي يدافع عن طبرق بواسطة مدافعه البعيدة المدى والمدافع الأخرى المضادة للطائرات، غير أنه أصيب ببعض القنابل البريطانية من الجو فاشتعلت فيه النار وأصيب بالعطب.
موقف أمريكا
لما نشبت الحرب أقرَّ الرئيس روزفلت قانون الحياد الأميركي الذي حظر فيه تصدير الأسلحة على اختلاف أنواعها إلى جميع الدول المتحاربة ودون استثناء، وكان هذا القانون بالتأكيد ضربة شديدة لإنكلترا وفرنسا، ولكن موقف الحكومة الأميركية ما لبث أن تبدل بعد شهرين من إعلان الحرب، وبعد أن ربحت ألمانيا
стр. 1164
الجولة الأولى وهذا لأن أميركا كما هو معلوم ومشهور منحازة بعواطفها إلى جانب الحلفاء، وقد قدمت لهم مساعدات عظيمة من اقتصادية وحربية ومالية، وتعمل جاهدة لتقوية سلاحها وتعزيز دفاعها، كأنما هي تتوقع الحرب بين لحظة وأخرى مما يقطع بأن السياسة الأميركية أخذت تسير باطراد نحو المشاركة في الحرب إلى جانب إنكلترا، فأخذ الرئيس روزفلت بحض الكونغرس على تعديل أحكام هذا القانون، فأقرَّ الكونغرس قانونًا سمح فيه للدولة المتحاربة أن تبتاع نقدًا من الأميركيين ما تحتاجه من الأسلحة، ولما وقفت إنكلترا ومستعمراتها تحارب بمفردها القوة الألمانية الظافرة تعاظم اهتمام أميركا بمصير بريطانيا وخشيت أن يتمكن الألمان من إبادتها وسحقها، فأعلن الرئيس الأميركي في خطاب ألقاه: بأننا سنمد أعداء العدوان بجميع الموارد المادية التي تملكها أمتنا، كما أعلن أن قيامه ذلك يحول دون انتقال مستعمرات فرنسا وهولندا بعد استسلام هاتين الدولتين في أمريكا الجنوبية إلى قبضة الألمان، وبعد قيام الحرب بسنة تم الاتفاق بين الولايات المتحدة وإنكلترا على أن تقرض الأولى الثانية خمسين مدمرة أميركية مقابل تأجير بريطانيا إلى الولايات المتحدة عددًا من القواعد البحرية والجوية في جزر الهند الغربية وجزيرة نيوفوند لاند لمدة تسعة وتسعين سنة، وآخر ذلك أن اعتمد المستر روزفلت قانون الإعارة والتأجير الذي جعل من الولايات المتحدة مصنعًا لتزويد الحلفاء بكل ما يحتاجونه، وسنعود عن قريب.
أما ما كان من أمر هتلر فإنه تقدم كهماته وملأ رعبه كل قلب وكل بيت، وتوهم المتوهمون لفرط ما ظفر به من انتصارات أنه متصل بالسماء قبحهم الله أنى يؤفكون، وقد ظل علمه المعقوص خفاقًا في جميع ميادين القتال التي امتدت جبهاتها إلى أميال بعيدة من شرق أوربا إلى غربها، كما ظلت جيوشه ومدرعاته تجوب جميع الميادين في البر والبحر والجو تكتسح الممالك وتدمر وتقصف بسرعة عجيبة حتى وصلت إلى اليونان بعدما دمرت في طريقها ما تقدم ذكره، واحتلت جميعها احتلالًا عسكريًا صارمًا بعد أن دكت حصونها ونسفت قلاعها وأزالت خطوط دفاعها من الوجود.
стр. 1165
وكانت اليونان إذ ذاك مشتبكة في حرب مع إيطاليا حلفاء ألمانيا، وكان الظنون أن تكون إيطاليا هي الغالبة لوفرة جيوشها وكثرة عتادها واعتمادها على مساندة حليفتها الجبارة، وبما أن إيطاليا هي البادئة بالعدوان فإن اليونان ردتها على أعقابها على رغم ما يظهره الدتشي زعيم إيطاليا من الجعجعة الجوفاء، حتى أنه كان يخطب مزهوًا فخورًا بكثرة جيوشه وهو واقف على ظهر المدفع يهدد ويرغي ويزبد ويسمي البحر الأبيض الذي يقف عليه بحرنا.
ولما أن وصلت جيوش الألمان في الزحف إلى الحدود اليونانية لم ترَ أن تسلم حليفتها إيطاليا الخسف، بل عزمت على أن تقيمها من كبوتها وتنهضها من عثراتها وترد إليها شرفها واعتبارها بالاستيلاء على اليونان وضمها إلى قائمة الدول التي سقطت تحت عجلات مدرعاتها.
فكر هتلر ورجاله في أيسر طريق إلى بلوغ تلك الغاية فاتجهت أنظارهم إلى جزيرة كريت القائمة في الجنوب الشرقي من البحر الأبيض، وكانت مملوكة لليونان، وباستيلائهم على هذه الجزيرة يضربون عصفورين بحجر واحد إذ يجعلون منها أيضًا قاعدة حربية لغزو الجزر البريطانية وتهديد قوافل الإنكليز أعدائهم الألداء حين تمر في البحر محملة بالمؤن والذخائر ويقطعون الطريق على أسطولهم الحربي والتجاري، وفطنت إنكلترا إلى الأهداف التي ترمي إليها ألمانيا من سعيها في الاستيلاء على هذه الجزيرة، فوقفت بجانب حليفتها اليونان تساندها وتساعدها وتمدها بجيوشها لصد الغزاة عنا بأي ثمن إذ لم يفتها أن غزو كريت مقدمة لغزو موعده الجزر البريطانية.
ولما كانت ألمانيا لا تملك الأسطول البحري القوي الذى يمهد لها غزو جزيرة كريت عن طريق البحر، وكان الأسطول الإنكليزي الضخم غول البحر يجول ويصول شمالًا ويمينًا طول الجزيرة فلا يمكنها من بلوغ ما تريد، فقد تركت البحر للإنكليز يجولون فيه ويصولون بأسطولهم وأعدت لغزو الجزيرة خطة جهنمية لم يسمع بمثلها في التاريخ من قديم الزمان وحديثه، ففي ذات صباح كان أهل الجزيرة
стр. 1166
ماضين إلى أعمالهم آمنين مطمئنين في حراسة الأسطول الإنكليزي الرهيب فما راعهم إلا أن سمعوا من فوقهم دويًا كقصف الرعد يصم الآذان ويبعث الفزع في القلوب تنهد له الجبال الرواسي وتشيب منه النواصي، فتطلعوا إلى السماء مذعورين مأخوذين لينظروا ما دهاهم، فإذا السماء تمور مورًا وإذا جو الجزيرة كله ملئ بالطائرات، وما هي إلا لحظات قصار حتى هبط عليهم جنود المظلات ألوفًا مؤلفة بأسلحتهم المختلفة فملؤا آفاق الأرض وسدوا منافذ الطرق، ونظر أهل الجزيرة فإذا أرضهم وديارهم تموج بالعجلات والدبابات والسيارات والمراكب المختلفة التي تحمل الذخائر والمؤن والعتاد، ولم يمضِ على هذا الجيش العجيب غير دقائق معدودات حتى صارت الجزيرة في قبضته، وسرت الجنود كالجراد المنتشر يملأون الطرق يتجولون يطلقون المدافع فتنبعث نيرانها ذات اليمين وذات الشمال حتى غدت الجزيرة الأمنة المطمئنة كبركان منفجر، واستولوا على المطارات، وبما أن سربًا من طائرات الإنكليز شرعت تضرب الغزاة فقد قابلته ألمانيا في معركة رهيبة فوق الجزيرة وجعلت قاذفات القنابل تتهافت ساقطة محرقة فوق الأرض أو غائصة في أعماق البحر.
ولما قام أهل الجزيرة يكافحون مستميتين ضربتها ألمانيا ضربًا مزعجًا حتى طفئت الأسماك على ظهر البحر وأصلتهم نيرانًا حامية، وامتد اللهيب وأظلم الجو ثم نشر الألمان عيونهم وأرصادهم وبثوا طابورهم الخامس وأقلام استعلاماتهم في كل مكان حتى لم يبقَ شبر واحد من الأرض بعيدًا عن أعينهم الراصدة.
ولما أن استسلمت فرنسا في ١٧ حزيران ١٩٤٥ م دخلها هتلر على رأس جيشه الظافر المنتصر ووقف تحث قوس النصر الحافل بأسماء مواقع انتصاراته يستعرض جيشه الألماني المنتصر الظافر الذي تدفقت أفواجه وفرقه من شارع الجيش الكبير على ما سوى ذلك من الشوارع إلى مختلف الثكنات والمواقع التي أعدت لإيواء جيوش الرائخ، واحتلت القوات الألمانية بذلك الهجوم الخاطف على الجبهة الغربية في مدة لا تزيد على ٣٥ يومًا خصص منها ١٧ يومًا لاحتلال فرنسا.
ولما أن سحقت ألمانيا فرنسا التفت هتلر إلى بريطانيا التي أصبحت وحدها
стр. 1167
عدوة الرايخ الألماني الثالث رقم ١، وبما أن روسيا لم تكن في نظر هتلر بقضها وقضيضها وبجيوشها ومعداتها سوى قصة يمكن أن تطوى صفحاتها في أيام معدودات، ولكن هتلر كان يعلم علم اليقين أن بريطانيا وحده هي القادرة على تغيير وجه الحرب فأمريكا لم تدخل الحرب بعد، واليابان تراقب التطورات عن كثب، وستالين يقف وقفة الحائر المرتجف الذي لا يعرف كيف يتحرك وما هي الخطوة التي ينبغي له أن يخطوها وفي أي اتجاه.
وكانت بريطانيا تشعر في قرارة نفسها بأن الوقوف وجهًا لوجه أمام قوات المحور المنتصرة ليس من الأمور الهينة وقد رأت الضرب المدوخ وأن تلك الجيوش الألمانية بعدما تذوقوا النصر وطعم المكاسب والمغانم صاروا يندفعون بكل قواهم نحو غزو جديد.
ضرب لندن وفتح الجباه على هتلر
إن هتلر كان يحترم بريطانيا ويحاول جاهدًا استمالة ساستها إليه، غير أن بعض زعماء الألمان مثل غوبلز يكره بريطانيا ومثله من الزعماء غورينغ، ولما قامت القيادة الألمانية بوضع خطة لغزو بريطانيا وإعداد أساطيل بحرية ضخمة نزلت الجيوش الألمانية على سواحل بريطانيا الشرقية والجنوبية وجاء الجنرال فون برا وخينش رئيس أركان حرب القوات المسلحة العامة يستشير الزعيم في تحديد موعد الإنزال صرخ هتلر بوجهه قائلًا: دعونا من هذه المهزلة أنا لا أريد سحق بريطانيا، ومن أجل هذا أمر هتلر يوم انسحاب الجيش البريطاني من دنكرك بأن لا تتعدى جيوشه حدود دنكرك إلى أن تنتهي عملية الانسحاب، غير أن غوبلز وغوربنغ لم يتفقا على شيء في حياتهما كاتفاقهما على مهاجمة بريطانيا بقوة وعنف زائدين فما أمر هتلر بإلغاء عملية الإنزال ببريطانيا إلا قام غورينغ مصممًا على الهجوم عليها، وراحت طائرات الرائخ تصلي لندن وأمهات المدن البريطانية نيرانًا حامية بلا هوادة أولين، وكان الضعف والقلق يسودان إذاعاتها وصحفها إلى درجة أنها ما كانت لتحسن التعبير حتى في الدفاع عن نفسها، فضلًا عن الرد على الإذاعات الصاخبة منها.
стр. 1168
ولما شرع غورينغ بقصف لندن وأمهات المدن البريطانية وبدأ بمعركة بريطانيا يسحق قواها المادية والمعنوية أعلن للملأ بأن معركة بريطانيا قد بدأت، وراح الدكتور غوبلز يذيع بأن ألمانيا قد كسبت الجولة الأولى في بريطانيا وأن بريطانيا تتردد حائرة بين الفناء الأبدي أو التسليم، ولقد فعل اللوفتوافا مفعوله الشديد الأثر في لندن والمدن البريطانية التي أغار عليها ودمرها وصيرها ركامًا، وانتظرت الأمة بعد ذلك بأن اللوفتوافا سيحرق لندن ويكره بريطانيا على التسليم وهي صاغرة، ولقد حدى بغورينغ جنونه إلى أن ألقى خطابًا من تلقاء نفسه بأنه يعطي ضمانًا للشعب الألماني بأنه لا تستطيع أي طائرة من طائرات العدو والحلفاء أن تطير على أرض الرايخ وهو موجود على قيد الحياة.
ولما أن أهدى الإمام يحيى إلى هتلر كمية من القهوة اليمنية قهوة المخا لعلمه بأن هتلر يحب ارتشاف جرعاتها لتوحي إليه ما توحي من أفكار صاعقية، صادرتها مدمرة بريطانية في البحر الأحمر وأذاع راديو لندن بذلك متهكمًا فتأثر هتلر من هذا الحادث البسيط وبلغ من تأثره أن أمر المارشال غورينغ بأن يزيد في قصف بريطانيا، فمسحت قنابله بعض مدنها وأزالتها من على وجه الأرض، وأضعف الإمام يحيى الهدية بأن بعث إلى هتلر خمسة آلاف طن من القهوة، وبما أن بريطانيا لم تتوفق مع روسيا فيما قيل، بل قد طرد ستالين وفدها وتحسنت الحال فيما بينه وبين ألمانيا فإنه اليوم يخاف ألمانيا على شعبة، فإذا كانت بريطانيا تقف أمام عدو واحد في الجبهة الغربية وهي كفأر مختبئ في جحر ذي منفذين يقف على باب منفذ واحد قط ضخم في حين أن المنفذ الثاني مفتوح يستطيع الفأر أن يفر منه، فهكذا بريطانيا يمكنها الفرار إلى كندا والولايات المتحدة، فإن ستالين كدب حائر يقف بين صيادين ماهرين لذلك جعل يفاوض بريطانيا، ورأى قبل أن يستحقد هتلر أن يوعز إلى سفيره في أنقرة ليتصل بالسفير البريطاني فيها، فما كان رد بريطانيا عليه إلا مرضيًا سريعًا وأنه لم يحدث بين الدولتين روسيا وبريطانيا ما يستحق الذكر، ولا يمكن أن يكون حائلًا دون اسئناف المفاوضات، ولما شعر فون بابن صراحة منذ شهر أيلول
стр. 1169
١٩٤٠ م بأن السفارة الروسية في أنقرة على اتصال دائم مستمر بالسفارة البريطانية أبرق إلى زعيمه هتلر يخبره بالحقيقة ويحذره من مغبة هذه الاتصالات ونتائجها الوخيمة على ألمانيا، فما على هتلر إلا أن يعبئ ألمانيا لمواجهة الخطر الأكبر لهذه الجبهة الشرقية، وهذا الذي يريده تشرشل في فتح هذه الجبهة لتستعيد بريطانيا قوتها بعد أن تستجم من هول هذه الحرب، وسنعود عن قريب إن شاء الله.
وفيها خرج صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود ملك المملكة العربية السعودية بموكبه وجنوده من عاصمة المملكة الرياض وسار يريد مقاطعة القصيم، وكان في صحبته نجله وولي عهده سعود وبقية الأنجال المحترمين، وقبل سيره أصلحت الطريق الرملية لسياراته وقدم الفراشون والخدم ينصبون الخيام في الموضع الكائن في بريدة المعروف بالتغيرة يبعد عن البلد بقدر كيلو ونصف كيلو، فقدمها في موكبه العظيم يحيط به نظام عسكري، وهذا لأول مرة يقدم عاصمة القصيم بالنظام العسكري، وأضيء مخيمه الزاهر بالكهرباء فاستقبله الأهالي استقبالًا عظيمًا على حسب ما لديهم من الاستقبال، وهرعت الأمة للسلام عليه والترحيب بقدومه، وكنت فيمن قدم عليه يحملة من التلامذة وطلاب العلم، فقام لأداء السلام كعادته في التواضع، وبعدما أديرت القهوة العربية أخذ يتكلم ويلقي علينا من جواهره فقال:
يا إخواني سبحان من يغير ولا يتغير، وإن الدنيا مآلها إلى الفناء والزوال، ويكفينا عبرةً سكان هذه البقاع الخاوية -ويشير إلى جهة الغرب يريد الشماس الموضع المعروف شمالي البلد الذي كان موضع السكنى في الأزمنة الغابرة- يا إخواني كأنه لم يسكن، إخواني: إن العز في طاعة الله تعالى، أما الدنيا فإنها تمضي على ما كانت حلاوة ومرارة، نحن لا نخشى من الناس وإنما نخشى من أنفسنا، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وهذه الدنيا وإن حذرنا منها فكلنا لا ننتهي عن الركون أليها كما قيل "الدنيا دواهي وكل عنها ناهي وهو غير متناهي" انتهى، فأحببت أن أشجعه على القيام بأوامر الله وإن كان لم يقصر، رفع الله منازله
стр. 1170
في جنات النعيم وجزاه عن الإسلام وأهله خيرًا، فقلت له: إن إمام هذه الدعوة محمد بن عبد الوهاب قال لجدكم محمد بن سعود: إن قمتم بهذا الأمر فلا يقاومكم أحد إلا إن كانت هذه العنز تقاوم هذا الجبل، فأعجبه ذلك وتأثر قليلًا: نخشى عدم القيام بهذا الأمر، غير أننا نسأل الله المعونة.
وبعدما تمتعنا برؤية واغتنمنا فرصة مشاهدته قمنا مودعين، فأقام في بريدة أيامًا ثم ارتحل منها وخلف ضيافة في بريدة بمرتب عشرة أكياس أرز وأربع صفائح سمن وبعير كل يوم فأصبح فقراء أهل القصيم يترددون إلى الضيافة كل يوم، منهم المتناول بيده والحامل بآنيته، ونفع الله الفقراء بهذا الضيف، وقد فرق نقودًا كثيرة.
ثم إنها عطلت السكة الأولى المتعامل بها وهي الريال الفرنسي وأبدلت بالريال العربي، وجعل لذلك بنك يقبض ويبدل وكان الريال العربي بقدر خمسي الريال الفرنسي، وله نصف وربع كلها من الفضة، أما القرش فكذلك من النيكل.
ذكر من توفى فيها من الأعيان
فمنهم قاضي عنيزة الشيخ عبد الله بن محمد بن مانع ﵀ وعفا عنه، كان شيخًا كبيرًا فاضلًا ناسكًا ورعًا سكينًا، فمن روعه أنه كان إذا جلس للقضاء قد يحضر الكتاب للمراجعة ويطيب أنفس المتخاصمين ويحرص على الإصلاح، وقد يرضي أحد الخصمين بشيء من ماله، وكان في صفته أنه يخضب لحيته بالحناء، ومربوع القامة، وبعد وفاته لبثت عنيزة أيامًا بلا قاضي.
وممن توفى فيها أيضًا الشيخ حسين باسلامة الحضرمي مؤلف كتاب حياة سيد العرب، وتاريخ النهضة، وتاريخ المسجد الحرام، وتاريخ الكعبة المعظمة، وله غير ذلك، وهذه ترجمته:
هو حسين بن عبد الله بن محمد بن سالم بن عمر بن عوض باسلامة آل باداس الكندي الحضرمي المكي، تقدم ذكر ولادته، وتوفى عن عمر ناهز إحدى وستين
стр. 1171
سنة، أخذ القرآن والتجويد والكتابة والإملاء والخط والحساب عن الشيخ فرج بن عبد الله سوداني، والشيخ علي المنصوري، والشيخ سليمان بن محمد فرج الغزاوي، وأكمل دراسته على الشيخ محمد الفارسي، والشيخ يوسف اليماني، وتعلم من الشيخ محمد عبيد الله أفندي علم التاريخ والجغرافيا، واتصل بالشيخ محمد شعيب المغربي فأخذ عنه علم مصطلح الحديث والتفسير والحديث وأصول الفقه، ثم بعد ذلك شرع في التأليف، فمنها ما ذكرنا ومنها الجوهر اللماع، والناسخ والمنسوخ من القرآن، وألّف كتابًا في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، وكتابًا في تحريم المتعة، وكتابًا في معنى كرامة الأولياء، ونال عدة وظائف منها سكرتير مجلس الشيوخ في عهد الحسين بن علي الشريف ١٣٣٥ هـ، وانتخب عضو في الجلس التأسيسي الذي وضع للنظام الأساسي لحكومة جلالة الملك عبد العزيز ١٣٤٤ هـ ثم انتخب عضوًا في المجلس الاستشاري، بعدها بسنة ثم كان عضوًا في مجلس الشورى، ثم عين عضوًا في لجنة الحج في بدء تأسيسها، ثم كان عضوًا في مجلس الشورى، وانتخب عضوًا في مجلس المعارف وذلك في سنة ١٣٥٠ هـ، ثم انتخب عضوًا في هيئة المطالبة بأوقاف الحرمين الشريفين، وذلك في سنة ١٣٥٤ هـ، وقد استمر في هذه المجالس الثلاثة يشغل وظيفتها.
وفيها حدث سعال عظيم في الصبيان الصغار وهلك بسببه عدد كثير، فنسأل الله تعالى أن يجبر المصاب ويجعلهم شفعاء لوالديهم.
وفيها وقع خسف عظيم في فلسطين هلك بسببه أموال تقدر بسبعمائة طن، وسقط مائة وأربعون بيتًا، واختلف بسببه من الأنفس البشرية مائة ألف وثلاثون ألفًا، وتشققت الأرض، وجعل يفور منها دخان الكبريت.
وفيها في ليلة ١٥ ذي الحجة كثر الجراد جدًا في القصيم وخرج الناس لطلبه، وكثر أذاه.
وحج بالناس في تلك السنة نائب جلالة الملك ونجله فيصل بن عبد العزيز، وقد عني جلالة الملك بأمر الحجاج، فكان يبعث البرقيات تترى إلى سمو الأمير فيصل للسؤال عن الحجاج وراحتهم في كل مكان نزلوه، وذلك لشدة اهتمامه بشأنهم.
стр. 1172
وفيها زحف الجنرال الإنكليزي ويلسن والجنرال كاترو الفرنسي على سوريا فاستولوا عليها وذلك بعدما رأت انكلترا أن تبادر إلى ذلك متعاونة مع قوات فرنسا الحرة، وأعلن كاترو استقلال كل من سوريا ولبنان، فاعترفت انكلترا بهذا الاستقلال، واعترفت الدول العربية بذلك رغم وجود جيش الاحتلال الفرنسي في البلاد.
ثم دخلت سنة ١٣٦١ ه ـ
في أوائل شهر ربيع الأول استسقى المسلمون وسألوا الله الغيث، فلما كان في ٢٥ منه نزل غيث عظيم وهطلت أمطار على القصيم، فجرت الأودية حتى تجرفت من السيول، وامتلأت المحاجر وجرى وادي الفاجرة بعدما مرَّ عليه عشرون سنة لم يجرِ، فلم يشعر الأهالي من سكان تلك المواضع إلا بها قد زخرت كالبحر، فانقطعت السابلة من الجهة الشرقية والشمالية عن العاصمة، ودمرت الفاجرة كلما مرت عليه من البيوت والمساكن الكائنة بالخبيب، فعميت آثارها وكان يوضع في تلك المواضع أخشاب كبيرة كثيرة للبيع، فبعدما سقطت البيوت كانت الأخشاب المنصوبة والموضوعة هناك بما فيه من جريد النخل وغيره غثاء من جوانب الوادي، واختلط الحابل بالنابل وامتد الوادي كالبحر تجري به السفن، ولما أن بلغت الفاجرة إلى السادة الحارة المعلومة في بريدة وأشفى أهلها على الهلاك تحيط بالماء كثبان الرمال من الغرب والشرق، والبيوت من الجنوب أوقفها الله اللطيف بعباده، وانقطع جريها من الشمال، وبعث الله ريحًا من مطلع سهيل فتوقفت، وهكذا يصنع كل وادي يجري فإنه يدمر ما في طريقه، ونأمل من الأهالي إجراء ما يلزم نحو هذه الفادحة بأن يتخذوا سدًا لتصريف هذه السيول الجارفة أو إجراءها بالأنابيب من منتهاها إلى جهة الشرق لتتمشى إلى العيون.
ولولا قيام أمير بريدة إذ ذاك وترحيله السكان عن البيوت لكان الأمر أشد من ذلك، ومما يجدر بنا ذكره أن أناسًا اتفقوا في موضع قبل مجيء ذلك الوادي بخمسة
стр. 1173
أيام ودار الحديث بشأن الفاجرة فيما بينهم، فمن قائل: تمنعها السواقي، ومن قائل: تمنعها الحفر التي في طريقها فلا تأتي، حتى أقسم من بينهم رجل جريء بأن لا تجري في الخبيب بعدما جرت من قديم، فما كان سوى خمسة أيام حتى صنع الله ذلك الأمر والله على كل شيء قدير.
وكان القاضي فضيلة الشيخ عمر بن محمد بن سليم قد سافر إلى الرياض بدعوة من الملك عبد العزيز لبعض الأمور الهامة فلم يشعر أمام جلالة الملك إلا وهو يحدث الملك بهذه الحادثة التي لم يعلم بها لكونها بعد سفره، وأخبره بأنها هدمت المستشفى في بريدة مبشرًا له بهطول الأمطار هناك، وإن المستشفى لا يظن به أمام السيول، وذلك المستشفى المشار إليه كان عبارة عن موضعين في الخبيب يفصل بينهما الشارع العمومي قد جلبت الحكومة إليه أطباء ماهرين في السنة الماضية من ضمنهم محمد علي الطباع، كان جراحًا له في القصيم أحسن الأثر في أعماله، وآخر يدعى الشواف يعالج في البصر ويلتحق بهما مساعدون وفراشون وخدم، وقد أعيد بعد ذلك المستشفى وأبعد عن مواقع الخطر، غير أنه فقد أولئك المهرة وخلفهم أناس أقل منهم.
وفيها جعل الملك عبد العزيز في قضاء عنيزة محمد بن عبد الله بن حسين أبا الخيل، فسار إلى البلد وباشر مهمته فيها، وكان يروم معالي الأمور ويريد من الأمة بها القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير أنه لما لم تساعده الظروف استقال من وظيفته وحصلت له العافية، ثم إنه جعل جلالة الملك على قضاء عنيزة فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عودان من أهالي الجنوب، ولما أن قدمها استطاع بسياسته ولين عريكته أن يتحبب إلى الأهالي ويسودهم بعقله وعلمه، واستمر في القضاء، وقد أكمل المسجد الجامع في عنيزة وتمت العمارة في هذه السنة.
وفيها بعث الملك عبد العزيز مساعدات للمزارعين على طريق القرض ذهبًا وقمحًا لكل كيس من القمح ثلاثون ريالًا، فانتعش المزارعون فجعلت هيئة
стр. 1174
للتقسيم، وكان قدومها في مبدأ شهر شوال، ورجعت السيارات الضخمة التي حملت المساعدات المذكورة في ١٩ منه تحمل كمية من الحجاج بأجر زهيد، فسبحان من منح ذلك الملك التوفيق، ولقد كانت الأسعار إذ ذاك مناسبة في الرخص بحيث كان كيس الأرز من الفورة الطيبة لا تزيد قيمته عن ستة وثلاثين ريالًا، أضف إلى ذلك بقية الأسعار، وهذا غريب في وقت الحرب العظمى التي لا تزال طاحنة رحاها، وحج بالمسلمين في هذه السنة جلالة الملك عبد العزيز، وممن حج فيها من الأعيان أخواه سعود بن عبد الرحمن، وأحمد بن عبد الرحمن، ونجل الملك محمد بن عبد العزيز، وسعود بن عبد الله آل سعود، وعبد العزيز بن فيصل آل سعود، ومحمد بن سعود، وفيصل بن تركي، وفيصل بن عبد الله، ومحمد بن تركي وغيرهم.
وممن حج فيها من الأعيان: الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وهذه آخر حجة حجها ﵀ على ظهور النجائب هو ورفقته.
تنبيه
قد أشرنا فيما تقدم إلى انضمام اليابان إلى المحور وذلك منها تحذيرًا للولايات المتحدة من الانضمام إلى الحلفاء، ولما رأت تصميم روزفلت على مد الحلفاء أرسلت اليابان وفدًا رسميًا للمفاوضات وإزالة أسباب الاحتكاك بين الدولتين، وبينما كانت المفاوضات دائرة بين الفريقين انقضت قاذفات القنابل اليابانية على حاملات الطائرات في صباح ٧ ديسمبر ١٩٤١ م دون إنذار، وأمطرت بالقنابل الأسطول الأمريكي الراسي ساعتئذٍ بقاعدته البحرية الكبرى في بيرل هاربر بجزر هاواي، فحطمت أكثر قطعه، وبذلك قضت اليابان بضربة واحدة على التفوق البحري الأمريكي في ذلك المحيط وقامت كتائبها تبحر على جناح السرعة من مستعمرة الهند الصينية الفرنسية وتنزل دون مقاومة في شمال شرق الملايو وفي سيام، فأعلنت الولايات المتحدة الحرب فورًا على اليابان، وذلك في الحادي عشر من كانون الأول ١٩٤١ م، فأعلن هتلر في اليوم نفسه الحرب على أمريكا، كما أن
стр. 1175
إيطاليا أعلنت الحرب عليها، وبذلك أصبح القتال يعم قارات العالم كلها ما عدا أمريكا الجنوبية، وتقدم اليابان حتى أصبحت جيوشهم تطرق أبواب الهند، وطرد اليابان القوات الأمريكية بعد نضال عنيف من جزر الفلبين واستسلمت قواتها للعدو الظافر، ولكن القوات الأمريكية بعد سقوط أول قنبلة على مينا بيرل هاربر جندت جميع إمكانياتها للحرب فبدأت معامل الصناعات تعمل لمدة ٢٤ ساعة كل يوم، ووجه روزفلت إلى الكونغرس الأمريكي في كانون الثاني للكشف عن منهاج التسلح الذي لم يجهله العالم، فأنتجت معامل أمريكا ستين ألف طائرة وخمسًا وأربعين ألف دبابة وعشرين ألف مدفع مضادة للطائرات، وجندت خمسة وعشرين مليون مقاتل في هذه السنة المذكورة، ولسان روزفلت الحالي يقول:
ألا لا يجهلن أحدًا علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ذكر من توفى فيها من الأعيان
فمنهم الأمير أخو جلالة الملك عبد العزيز وهو محمد بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي الهمام المقدام وابن السادة الكرام، كان شجاعًا فاضلًا، وممن باشروا الفتوحات مع أخيه الملك، بل هو أحد النقباء الذين سطوا على عجلان وذويه وجرعوهم كؤوس الحمام، كان أسنّ من الملك ومأمون التقلبات، تقيًا ناسكًا مهيبًا، يسير بأوامر صاحب الجلالة أخيه، بل كان عونًا له في مهمات الأمور وعضده الأشد، وحضر معه جميع حروبه، وعاش عزيزًا ومات عظيمًا، ولما توفى صلى عليه المسلمون في سائر الأقطار بالنية، وكتب الملك كتابًا إلى سائر الرعية بأن من كان له دين على أخيه أو حق قديم أو حديث فليتقدم بحجته لقبض ماله عليه، وكان له من الأولاد خالد، وقد توفى قبله كما تقدم، وله فهد بن محمد، وكان فهد صائدًا ماهرًا، ومن أنبل آل سعود، وهذه صفة المترجم:
كان ضخمًا طويلًا عليه آثار النجابة والمكارم والشجاعة والعظمة والتقدير.
وممن توفى فيها من الأعيان أيضًا نائب الحرم الشريف ومدير الأوقاف العام،
стр. 1176
ورئيس لجنة الصدقات في مكة المشرفة عبد الوهاب، وكانت وفاته يوم عيد الأضحى، فالله المستعان.
ذكر العرب مع روسيا
قد أشرنا فيما تقدم أن ستالين زعيم روسيا قد جس نبض تشرشل في حمأة هذه الحرب الجوية الطاحنة بغية استئناف المفاوضات معه، وكان تشرشل قد ضاق ذرعًا بالغارات الجوية الألمانية، فقد أصيب البرلمان والمتحف بأضرار بالغة. . لندن تحترق وزالت مدينة كوفنتري من عالم الوجود، والمستقبل لا يبشر بخير، حتى أن تشرشل نقل الماغنا كارتًا نص الدستور البريطاني إلى كندا، ولما أن انتهت معركة الجبهة الغربية بانتصار ألماني ساحق، وخرج هتلر من هذه المعارك ظافرًا منتصرًا أدهش ذلك ستالين الذي لم يعقد مع هتلر معاهدة الدفاع المشترك إلا ليورطه في معارك طاحنة مع الدول الغربية تكون وسيلة لإضعاف قوى ألمانيا العسكرية، وتوزيع الجيش الألماني على جبهات متعددة طويلة الخطوط، فهتلر ظهر بهذا المظهر يقول لبريطانيا: هلمي بنا إلى كلمة سواء بيننا، فإما صلح وسلام دائم، وإما حرب وخراب دائم، كان ستالين يحترق غيظًا وحنقًا على هتلر في تلك الانتصارات الصاعقية الخاطفة وقلب ظهر المجن، وما كان هتلر ليتجاهل بأن ستالين إمام المذهب الشيوعي أفسق وأكذب سياسي عرفه العالم في التاريخ الحديث، ولكنه لما رأى رفض تشرشل مفاوضة النازين ساير ستالين وعامله معاملة ظاهرة ينوي تنفيذها وإن كان رفيقه بضدها، وكان الذي اكتشف نوايا ستالين بأنه يسعى لعقد تحالف مع بريطانيا وحلفائها هو الحاج أمين الحسيني، ورشيد عالي الكيلاني، لذلك قرر هتلر الهجوم على روسيا وتعبئة الجيش الألماني وحشده ضد ستالين، وأصدر أمره الرسمي رقم ٢٠ بتاريخ ١٠ كانون الأول ١٩٤٠ م إلى قادة جيوش الرايخ بلزوم الاستعداد للهجوم على روسيا الشيوعية الخائنة، وعقد الزعيم هتلر مؤتمرًا دعا إليه قادة الجيوش الألمانية وعلى رأسهم الجنرال فون براوخيتش رئيس أركان
стр. 1177
الحرب العامة في قصر المستشارية يوم ٢ شباط ١٩٤١ م، ولما عرض عليهم مشروعه الجبار ساد الصمت قاعة الاجتماع، ولم يتجرأ قائد ألماني على أن ينبس ببنت شفة، واتجهت الأنظار إلى الجنرال فون براوخيتش الذي كان يخط بقلم الرصاص الذي بيده عبارة غيرت مجرى التاريخ، فالتفت إليه هتلر وهو يصيح بصوت عالي وبعصبية ظاهرة: ماذا تقول يا جنرال؟ فقام فون براوخيتش رئيس أركان الحرب العامة الألمانية وأدى التحية العسكرية لهتلر ثم تقدم إلى منصة الزعيم والأبصار شاخصة إليه، والجمع ساكت كأن على رأسه الطير، وقدم إلى هتلر الورقة التي كتب عليها بقلمه الرصاص، وهنا انفجرت مراجل غيظ الزعيم هتلر وهبَّ من مقعده ساخطًا ناقمًا وهو يصيح لقد صدق ظني فيكم يا أيها الجنرالات، إنكم تخونونني في وقت الحاجة إليكم، أنا لا أقبل استقالتك يا جنرال فون براوخيتش، إن استقالتك طعنة نجلاء في صدر جيوش الرايخ، طعنة لا يستطيع ستالين أن يركز مثلها في صدر جيشي لا أقبل. . أفهمت لا أقبل، وصمم على الاستقالة، ولما لم يفد الكلام شيئًا وأبدى الجنرال عذره عيّن هتلر مكانه الجنرال كايتل، وفي الخفاء تقرر الهجوم على روسيا في ٢ شباط ١٩٤١ م، ولا يلام هتلر فإن هؤلاء الحمر يأتمرون منذ عدة أشهر بهتلر للهجوم عليه، فأراد هتلر أن يتغدى بستالين قبل أن يتعشا به، وأعتقد أنه على أثر انتصاراته الصاعقية الخاطفة في الجبهة الغربية قد كانت الجبهة الشرقية الروسية مفتوحة أمامه.
ذكر نصيحة قواد الجيوش الألمانية لهتلر ورفضه ذلك
لقد كانت الجيوش الألمانية موزعة تحت قيادة الجنرالات الهتلرية في الغرب والشرق ينفذون الخطة التي رسمها لهم ويتعاونون تعاونًا تامًا يدعو إلى التقدير والإعجاب، ولما أصدر أمره بالزحف على روسيا صار الرأي العام السديد عندهم بأن الحرب مع روسيا ستكون حربًا خاسرة، واجتمع القادة وعلى رأسهم الفيلد مارشال فون روندشتيت، والفيلد مارشال فون براوخيتش، والجنرال هالدر،
стр. 1178
والجنرال كوسترينغ الذي كان ملحقًا عسكريًا لألمانيا في موسكو، وعرف روسيا جيدًا، وارتبط مع ستالين بصداقة شخصية وأجمعوا على الوقوف ضد الهجوم على روسيا منذ البداية، وقدموا نصيحة خالصة لهتلر بأنه إذا كان مصممًا تصميمًا جديًا للهجوم على روسيا الشيوعية فإن عليه قبل كل شيء أن يعقد صلحًا عاجلًا مع بريطانيا، وبناء على ما تقدم فإنه وقف هتلر أمام أعضاء الرايخشتاغ النازي يلقي خطابه المشهور الذي عرض فيه لأول مرة بعد تسليم فرنسا على بريطانيا الصلح حقنًا للدماء في الغرب، وكان يعتقد بأن في استطاعته أن يصنع ميونخ جديدة يحمل فيها بريطانيا على التسليم بمطالبه وعقد صلح معها، ولكن المستر تشرشل الذي تسلم الحكم في بريطانيا بعد حكومة سلفه تشمرلن قد تعلم الدرس الكافي من محاولة ميونخ، وأصرَّ على مواصلة القتال، ولقد صرح الفيلد مارشال فون روندشتيت بأن الحرب مع روسيا هي فكرة جنونية، وإذا كان هتلر لا يتجنب هذه الحرب فلمرارتها وقسوتها تكون بضعة أشهر لا تكفي لقهر روسيا، فعلينا أن نستعد لحرب طويلة، وأن نسير نحو أهدافنا خطوة خطوة، وإن صيفًا واحدًا لا يكفي لكسب النصر، وفي ذلك الحين زار برلين الرحالة الأسوجي الشهير سفن هيدين وكان من أكبر الشخصيات الأوربية التي تعطف على ألمانيا، فروى أنه التقى في ستوكهلم بتاجر إنكليزي كبير استنكر الحرب بين ألمانيا وإنكلترا وطلب هذا التاجر إلى سفن هيدين أن يدبر له زيارة خفية إلى برلين لكي يقابل هتلر ويقول له: اركب إلى لندن وقابل وزرائنا وقل لهم هائنذا، إن الاستمرار على القتال فيما بيننا هو ضرب من الجنون لا يفيد منه إلا روسيا عدوتنا وعدوتكم لكي تسحقنا فيما بعد الواحد تلو الآخر، هلموا فلنضع يدنا بأيديكم ولنتعاون بإخلاص من جديد، وهنا سأله سفن هيدين حسنًا ولكن ماذا يحدث إذا اعتقل الإنكليز هتلر حتى نهاية الحرب؟ فأجابه الإنكليزي أبدًا إن الإنكليز سيتأثرون بشجاعة هتلر ويتفقون معه، فلما أن سمعها هيس اغتر بها وبدأت الفكرة تجول في دماغه ليطير إلى الإنكليز فمنعه هتلر، وكاد بالرغم من ذلك أن يسافر على أثر زيارة مولوتوف وزير خارجية
стр. 1179
ستالين لبلين، ولما أن صعد هيس الطائرة في كانون الأول ١٩٤٠ م أصيبت بعطب بعد قليل فعاد بها إلى المطار وأوعز بتعديل بعض أجهزتها، ولما بدأ التوتر يشتد بين ألمانيا وروسيا اعتقد أن ساعة الصفر قد اقتربت، فطار نهائيًا في ١١ أيار ١٩٤١ م وحلق نحو اسكتلندا ليهبط هناك بالمظلة قرب قصر دوق هاملتون وهو يتخيل أنه سيجتمع بأركان الحرب ويعقد الصلح على أهون سبب، ولما نزل منكسر الساق بالمظلة وعرض الصلح اعتقله الإنكليز وسجن، ولما علم هتلر بسفره جعل يهز قبضتيه بعدما أيس من إدراكه قبل نزوله هناك، واستمر هياجه هذا المعتوه. . هذا المعتوه لن يستطيع في هذه الحركة أن يتوصل إلى اتفاق مع إنكلترا.
ولا ريب أن استقالة رئيس أركان حربه الذي لم يخسر معركة واحدة في خلال سنتين قد أثرت تأثيرًا شديدًا في نفسية هتلر، فلقد تخلى عنه القائد الفحل وأصرَّ هتلر على الهجوم على روسيا لما قام به ستالين من التآمر ضد الرايخ لفتح جبهة ثانية في الشرق لغزو ألمانيا غزوًا مفاجئًا وطعنها من الوراء شأن الجبار الغادر الرعديد، لذلك قام هتلر يدرس مع أركان حربه خطة هجوم على روسيا في قاعة الخرائط، ولا نهمل حزمه وسياسته فإنه أراد أن يسكن روسيا حتى يسيطر على الغرب ثم يلتفت إلى الشرق، وكان نجاحه باهرًا، ولما ضايقته خيانة ستالين ولم يتوفق لعقد الصلح مع بريطانيا التي أصرت على مواصلة القتال بالرغم عن ضعفها المهلك إذ ذاك وقوة هتلر المخيفة، أدار هتلر سفينة الرايخ الثالث نحو الشرق وسلطها على رمال روسيا ووحولها وثلوجها، وحشد خمسة ملايين من فلول الجيوش الألمانية ووضعها أمام الجيوش الشيوعية التي كان عدد جنودها سبعة ملايين، وهم ليس كالجنود الألمانية الذين أهلكت قواهم حروب الغرب، فأربعة وعشرين شهرًا في المعارك الغربية هدت حيل الجيوش وأنهكت قواها، فكيف يراد منها أن تكلل جهودها في الجبهة الروسية، كان السلاح الجوي الألماني في حالة إرهاق بعد أن دوّخ الغرب فيحتاج لوقت طويل للراحة وإعادة التنظيم.
ولقد قام هتلر يشجع قواده ويعدهم بالنصر تارةً ويتهدد ويتوعد أخرى، وقد
стр. 1180
يرغي ويزيد، حتى قال لغوبلز: إنني سأنتزع النصر انتزاعًا في روسيا وأسحق ستالين والحزب الشيوعي وأدخلك موسكو لتذيع أنباء النصر الألماني الأكبر، ولكنني سأهدم الكرملين وأزيل أثره من عالم الوجود، أفهمت. . غير أن غوبلز كغيره من زعماء الألمان يبدي الهلع والخوف من الحملة على روسيا، بل كان يعتبر الرايخ منذ الآن فصاعدًا في خطر، ومن كلام رئيس أركان الحرب الجنرال فون براوخيتش لما سأله هتلر عن أسباب استقالته لما استقال أن حشرج وأطلق حسرة من فمه كحشرجة المحتضر وقال:
يا زعيمي يقول بسمارك إن من يهاجم روسيا مصيره الزوال، إن أمامنا مثل نابليون وجيشه الكبير، فأجابه هتلر: ومن بسمارك، إن العهد الذي أوصى فيه بسمارك قد تبدل اليوم، فلقد مضت على وصيته نصف قرن وتبدل وجه روسيا.
ضرب روسيا وانتصار الزعيم هتلر
نشير إلى جيش الفريقين فنقول:
يقدر جيش روسيا في تلك الجبهة بـ ١٦٠ فرقة للمشاة و ٣٠ فرقة فرسان و ٣٥ فرقة آلية ودبابات، وإن قسمًا من هذه القوات يرابط في جبهة الشرق الأقصى أمام اليابان ويقول التقرير بأن مجموع الجنود الروس الذين يمكن سوقهم إلى صفوف القتال يقدر بأثني عشر مليون جندي، وأن قوة الدبابات والسيارات الألية تفوق عدد دبابات الرايخ ولكنها تقل عنها فنيًا وحربيًا.
أما الأجهزة الحربية الأخرى قيل عنها بأنها جيدة غير أن القوات الجوية والقوات البحرية الروسية لم تكن بذات أهمية، ونشير إلى أن المعلومات عن الحالة الداخلية لها كانت ناقصة فلا يمكن الوصول إليها، والمجاهدون في هذه الجبهة سبعة ملايين، أما الجبهة الألمانية فمجموعة جيوش الجنوب بقيادة الفيلد مارشال فون روندشتيت وهي تتالف من جيش الدبابات الأول الذي يقوده الجنرال فون كلايست يدخل في ذلك الجيش الحادي عشر المرابط والجيش الهنغاري والجيش
стр. 1181
الألماني السابع عشر المرابط في شمال جبال الكاربات بقيادة الجنرال فون شتو ليناغل والجيش الألماني السادس إلى غير ذلك.
أما جيش الوسط فبقيادة الفيلد مارشال فون بوك وكان مجموعة تعتبر من أقوى وأنظم الجيوش الألمانية المزعجة، غير أن القيادة الشيوعية لم تجرؤ على القيام بمثل الكبرى المؤدية إلى موسكو، وكان مجموع جنودها يتألف من ٣٠ فرقة للمشاة و ١٥ فرقة للقوات الآلية وللدبابات وللفرسان، وكان يقف أمام هذه القوات المخيفة المارشال الروسي الشيوعي تيموشنكو بقواته التي تزيد على القوات النازية من الناحية العددية، أما مجموعة الجيوش الشمالية فيقودها الفيلد مارشال ريترفون ليب يساعده قادة الجيش الألمانيين السادس عشر والثامن عشر بقيادة الجنرالين بوخ وبوشلر، وكذلك الجيش الآلي الرابع بقيادة الجنرال هوبنر، وكانت مواقع هذه الجيوش الألمانية تمتد من ميناء ميميل على بحر سوالكي، وكان المفروض على هذه الجيوش احتلال مدينة لينيغراد والتقدم منها نحو الجنوب.
القوة البحرية
إن كل مجموعة من الجيوش الثلاثة الآنفة الذكر كانت لها قوة جوية خاصة، وكانت هذه القوات الجوية مؤلفة من الأسطول الجوي الرابع بقيادة الجنرال لوهر وهو ملحق كجموعة الجيوش الجنوبية والأسطول الجوي الثاني وهو الأقوى في هذه القوات الجوية بقيادة الفيلد مارشال كيسلرينغ لمساندة مجموعة جيوش الوسط، ومجموعة جيوش الجنوب المتقدمة تتألف من ٢٥ فرقة للمشاة، ومن ٤ فرق آلية و ٤ فرق للدبابات، ومن ٤ فرق للمشاة الجبليين القناصة.
ولما وقعت الواقعة كانت شديدة الوطأة على روسيا، فلقد انهارت خطوط الدفاع الروسية في ساعات معدودة وتغلغلت قوات الرايخ الألماني داخل أوكرانيا بسرعة البرق الخاطف، وكانت الدلائل كلها تشير إلى أن الرايخ الثالث بقواته الفتاكة كان ينتقل من نصر إلى نصر على طول خطوط القتال، وأصبح هتلر نفسه
стр. 1182
شديد الاعتقاد بأن النصر النهائي حليفه، كما أصبح في متناول يده، وبأن روسيا لن نقوى على المقاومة أكثر من شهر أو شهرين.
وكانت النتيجة في واقعة فياسما اقتياد ٦٥٠ ألف أسير من روسيا واغتنام خمسة آلاف مدفع و ١٢٠٠ دبابة، وأمر هتلر على المارشال فون بوك أن يعد فرق الهندسة لتقوم بتخريب الكرملين ساعة دخول الجيش الألماني إليها ظافرًا، واعتقد الجيش بعد هذه الكارثة أن الجيش الأحمر في طريق الإبادة والفناء، وبأن أبواب موسكو قد انفتحت لاستقبال جيوش هتلر، وألقى الله الرعب في قلوب الجنود الروسية وبقوا واجمين بدون حراك في انتظار التسليم، فالأسر ولكن أنى وهيهات وأمر الله واقع لا محالة.
ولما أن انتقلت القيادة العامة من مدينة إلى مدينة وتقدمت حتى لم يكن بينها وبين موسكو عاصمة روسيا سوى مائة ميل وذلك بتاريخ ٢ أيلول ١٩٤١ م، ولم يبق أمام قوات الرايخ الثالث إلا عدد هزيل من مواقع الدفاع وجعل الجيش الألماني يمني نفسه وهو على أبواب موسكو بقضاء عطلة عيد الميلاد وعيد رأس السنة بين الأهل والأصحاب في برلين إذا بعدوين أحاطا بجيش ألمانيا هما تساقط الثلوج وإمداد بريطانيا لحليفتها الروس، هذا وقد كانت الجيوش الألمانية في حالة يرثى لها من شدة التعب والنصب واستمرار قراع الكتائب والجحافل، وصار لسان الحال فيهم يردد قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... يهن فلول من قراع الكتائب
ولما احتلت جيوش هتلر روسيا الأوربية وشبه جزيرة القريم، وثلاثة أرباع الفقفاس اتجهت الحركات الاستقلالية التي كانت تعمل سرًا في تركستان المسلمة، وفي أيبيل أورال وشبه جزيرة القريم نحو الزعيم هتلر يعلقون آمالهم بعبد الله عليه، ذلك لما قاسوه من جبروت ستالين ومظالم الشيوعية وتنكيلها بأربعين مليونًا من المسلمين، ورأوا هتلر كمنقذ هبط عليهم من السماء ليساعدهم على التحرر والتخلص من كابوس الاستعمار الشيوعي، ووصلت برلين عدة وفود لمفاوضة
стр. 1183
حكومة الرايخ الثالث وهم يتعهدون بمساعدة ألمانيا بكل ما يملكون لسحق روسيا، ورفعوا وثيقة إلى هتلر يشكون إليه فيها الشيوعية وما ارتكبوه من الأفعال الوحشية ضد الإسلام وأهله من حرمان العلماء والأئمة والمؤذنين حقهم، وإغلاق المساجد وغير ذلك من الضغط الشديد، ولسوء حظ هتلر رفض مفاوضة الوفود ووضع في أذنيه وقرًا عن سماع شكاياتهم، ولو أن هتلر بادر في إبادة روسيا لنجح ولكنه أضاع ستة أسابيع تمكن فيها ستالين من إقامة جيوشه خطوط دفاع عميقة وسط الأدغال والأحراش المحيطة بموسكو من جهتها الغربية، وحشر الألوف المؤلفة من العمال لذلك بعدما نقل السفارات والمفوضيات الأجنبية منها إلى مكان ما في الشرق، وأصرَّ هو على البقاء في موسكو وصمم على الدفاع عنها حتى النفس الأخير، هذا والجنود الألمانية محاصرة لموسكو فلم يكن بينها وبين العاصمة أكثر من طلقة مدفع، وفي هذه المحنة ظهرت في ميادين القتال لأول مرة الأسلحة المرسلة من بريطانيا وحليفاتها إلى روسيا، وجاءت معونة بريطانيا وحليفاتها إلى ستالين المنهزم المغلوب وأنقذته وجيوشه من الفناء المحتم وتساقط الثلوج، وأصبح جيش الألمان يلتحف السماء ويمشي على الأرض ودرجة برودتها ٣٠ تحت الصفر في الأوحال والأمطار والزمهرير لأن شتاء روسيا قاتل.
ولما هجم الشتاء بقره وببرده وثلوجه وصقيعه على الجيوش الألمانية وصارت تغطس إلى الأذقان في الوحول والمياه والمستنقعات المجمدة ما كان هتلر يحلم إلا بنصر عاجل شامل في خلال بضعة أسابيع، ولم يكن قد أعد عدته لتجهيز جيوشه بملابس الشتاء، فلقد كان ينقص جيشه الغازي الملابس الدافئة والغذاء الدافئ الذي لم يستحضر سلفًا لهذه المعارك الدائرة على خط قتال يبلغ طوله ثلاثة آلاف كيلومتر، وبما أن قادة الجيش الألماني كانوا قد فكروا في إعداد ملابس شتوية وتهيئة أكثر من عشرة ملايين ملابس للجنود وذلك في حين الزحف فإن هتلر لم يوافق لظنه أنه يكسب الحرب والانتصار في حرب صاعقية خاطفة، كما تم له في الغرب، وما كان في حسبانه أن يعود عشرات
стр. 1184
الألوف من جنوده قد بترت أيديهم وأرجلهم من البرد الذي جمد أطرافهم، فلم يفدها الطب الحديث بعلاج ولم ينفعها إلا البتر، وإن الواجب أن تعبأ السكك الحديدية والطائرات لتغذية وتجهيز الجيوش النازية، فقد تعبت الحيوانات التي تجر عربات نقل الذخائر بين الأوحال والثلوج، فجيوش المشاة التي قطعت أراضي روسيا من واشو على نهر الفيستولا في بولندا إلى نهر نافا المتاخم لموسكو قد مشت هذه الطريق الوعرة الجرداء المهلكة سيرًا على الأقدام تتبعها المؤن والذخائر المنقولة على ظهور الخيل التي هدت الأبعاد الشاسعة حيلها وأفناها طول المدى وقلة العلف وندرته قد صارت في حالة يرثى لها، فقد تساوى الإنسان والحيوان، وفي مساء ٢١ كانون الثاني أذاعت ألمانيا بيانًا للدكتور غوبلز يحث فيه الشعب الألماني والشعوب الصديقة بجمع الملابس الشتوية لجنود ألمانيا المرابطين، فهبَّ الشعب الألماني وتبرع بمائة مليون كسوة للجيش الألماني المرابط في روسيا.
معركة موسكو
لما جاءت الإمدادات من بريطانيا لموسكو عن طريق الإعارة والتأجير أحدثت الأسلحة البريطانية من الدبابات والمدافع الثقيلة خوفًا سيئًا لدى جيوش الرايخ الألماني، فلقد شعرت القوات الألمانية بأنها عارية وغير قادرة على الدفاع أمام هذه الأسلحة الجديدة، ففي مدينة فيريا اجتاحت الدبابات البريطانية خطوط الدفاع الألمانية وهي لا تلوي على شيء، ولم تستطع القوات الألمانية التحرش بها، وبقيت القوات الألمانية التي كانت تتوثب لدخول موسكو مذهولة وعاجزة عن أن تتقدم خطوة، وبالرغم عن ذلك فإن الفيلد مارشال فون كلوغة أمر قواته الآلية بالتقدم نحو موسكو فاحتلت مدينة كلين الواقعة على بعد ٥٠ ميلًا من موسكو، ووصلت طلائع قواته موسكو، بل أقامت لها جسرًا على قناة موسكو فافولفا في شمال موسكو العاصمة، وصارت قوات هتلر تشاهد أسوار موسكو القيصرية القديمة
стр. 1185
وجدران الكرملين العالية من ضاحية أوسرتيكوي، غير أنه صدر أمره بعد ذلك بوقف القتال علمًا منه بأن مواصلة القتال في ظروف ثلجية قاسية ليس من المصلحة، هذا وقد احتلت بريطانيا وروسيا بلاد إيران عقب حركة مارس العراقية ١٩٤١ م، تلك الحركة التي كلفت العراق غاليًا من الرجال والأموال وحطمت قوى الجيش العراقي كما أسلفنا، وشرعوا في الحال بإنشاء سكة حديدية من البصرة إلى أذربيجان عبر إيران لإمداد الجيوش الشيوعية بالأجهزة والإمدادات الحربية الثقيلة خاصة، ثم بعد أن رؤى بأن هجوم كانون الأول المتقدم على الجيوش الهتلرية لم يؤدِ إلى النتيجة المطلوبة، ولم يسحق قوات هتلر بل فشل ستالين وعاد أدراجه وهو يحمل إلى الكرملين خفي حنين، قامت قيامة روسيا وراحت تطالب الحلفاء بريطانيا وأمريكا بفتح جبهة ثانية على هتلر، فأخذت إمدادات الحلفاء في خريف عام ١٩٤٢ م طوفانًا هائلًا توقف لها الزحف الياباني على أبواب الهند وحدث مثل هذا في ميدان شمال أفريقيا، فقد توقف زحف رومل عند العلمين وأنزل الأمريكيون والبريطانيون قوات كبيرة هناك، ولما أن تراجع القائد الألماني المارشال فون كلوغة قام المارشال الروسي جوكوف بعد تراجعه بثلاثة أيام وهجم على جيوش هتلر وقادها من معركة ستالينغراد، وكان هجومه عنيفًا إلى درجة بعيدة، حتى أنه حطم أجزاء الجبهة النازية المرابطة في العراء أمام موسكو.
ومن العجائب أن هتلر أهمل تقوية الجبهة، فبالنظر إلى هذه الحالة القاسية التي لا تبشر بخير قرر المارشال فون كلوغة بعد اجتماع عقده مع رؤساء أركان حربه أن يأمر الجيش النازي الرابع بالانسحاب، غير أن هتلر أصدر أمرًا جديدًا إلى قيادة الجيش النازي الرابع بالهاتف اللاسلكي يقول فيه:
إن على الجيش الرابع أن لا يتراجع شبرًا واحدًا إلى الوراء مهما كلف الثمن، وبما أنها هبطت درجة الحرارة إلى ٤٢ تحت الصفر فإن جيوش ستالين كان حظها في أوحال الشتاء وثلوجه ومصائبه لم يكن بأقل من حظ جيوش هتلر في التعاسة والنكبة، فلقد كانت الكفة متوازية، غير أن الشيوعيين يتحملون برد بلادهم
стр. 1186
ويعرفون شعابهم، وما زالت تلك المعارك متطاحنة، فلا المارشال جوكوف قد استطاع أن يسحق القوات النازية ويجلوها عن حصار موسكو، ولا المارشال فون كلوغة قد تمكن من احتلال العاصمة الشيوعية موسكو، هذا وما كان الشعب الألماني ليعلم حقيقة الحال، غير أن الزعيم هتلر قد عجت إذاعته بنصر ألمانيا، واستمرت الحال إلى مساء ٢١ من تشرين الأول ١٩٤٢ م.
فهذا ما يتعلق ببعض المقصود، ونرجع إلى بقية أخبار السنة.
ففي آخرها نقل الشيخ عبد الله بن عمر بن دهيش من قضاء حائل إلى مكة المكرمة وشفع بالشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع يشاركه النظر في مسائل القضايا الشرعية في الحجاز، فكانا متعاضدين في العمل الذي يباشره ابن مانع وخلفه في قضاء حائل الشيخ حمود بن حسين الشغدلي، فالله المستعان.
ثم دخلت سنة ١٣٦٢ ه ـ
ففيها أعيدت في سوريا الحياة النيابية وشكلت حكومة وطنية وانتخب الرئيس شكري القوتلي رئيس للجمهورية، فاستمرت الحال حتى انتهت الحرب.
وفيها توالت الغارات التي شنها السلاح الجوي البريطاني على برلين وعلى أمهات المدن الألمانية، وهي أول غارة شنيعة من نوعها خربت زهاء خمسة آلاف عمارة، وكانت تحاول في أول الأمر شل أيدي العمال عن العمل لأن جلّ مصانع الأسلحة والذخيرة كانت قد نقلت إلى سراديب شيدت خصيصًا تحت الأرض، وبقيت حتى نهاية الحرب سالمة، وجعل هتلر يتظاهر بأنه لا يعبأ بذلك وأنه سيتخذ وسائل من السلاح الحديث ما يبطل تلك الغارات.
هذا وقد انصبغت الثلوج فوق أرض روسيا الحمراء بالدماء من الفريقين، ولما أن أنزلت الحلفاء قواتها في فرنسا وتغلب الجنرال مونغمري قائد الجيش البريطاني الثامن في طرابلس ليبيا على الفيلد مارشال رومل وأكرهه على أن يتراجع بجيشه إلى تونس العربية، أمر هتلر بتخريب باريس وإحراقها يوم أن أبلغ الحاكمان
стр. 1187
العسكري والمدني بلزوم انسحاب القوات الألمانية المسلحة منها والتراجع أمام جيوش الحلفاء بقيادة الجنرال إيزنهاور المتقدمة ببطئ نحو باريس، فسارع الرجال إلى وضع الألغام والمفرقعات والقنابل المؤقتة تحت جميع مداخل باريس والثكنات والجسور، وفي كل مكان هناك، وأراد هتلر أن يمحق جيوش الحلفاء في قلب باريس ويخربها ويدفنهم فيها، غير أن هذا الأمر لم ينفذ وأزيلت الألغام ورفعت القنابل والمفرقعات قبل ست ساعات من دخول جيش الحلفاء.
وفيها اشتدت المؤونة وغلت الأسعار جدًا، وتناهت الأطعمة في الغلاء حتى بلغت قيمة صاع الأرز عشرة ريالات، وبيع البعير بـ ٧٧٠ ريال بعدما كانت القيمة ٣٠٠ ريال، وصاع البر بثلاثة ريالات بعدما كان بريال ونصف، وهكذا البقر والغنم، وانتهت الثياب والقماش بالغلاء وانسدت أبواب البحور، لأن البواخر والسفن على خطر من العطب، ومن الأسعار ما زادت قيمته أربعة أضعاف، وقد بعث صاحب الجلالة عبد العزيز بن سعود مساعدات للفلاحين والمزارعين، كما قد بعث سيارات يحج فيها الفقراء، وهذا الغلاء واشتداد المؤونة إنما وقع بسبب شؤم الذنوب والمعاصي، نستغفر الله ونتوب إليه.
ذكر وفاة قاضي بريدة الشيخ عمر بن سليم
رفع الله منازله في جنات النعيم ووقاه بمنه حر الجحيم، ففي شهر محرم ابتدأ مرضه وكان شبيهًا بالسل، فما زال جسمه في انحطاط حتى توفاه الله في يوم ١٦ ذي الحجة، وهذه ترجمته:
هو الشيخ القاضي الإمام العالم العلامة أبو عبد الله عمر بن محمد بن عبد الله بن سليم، وتقدم ذكر نسبه، الحبر النبيل والألمعي الجليل، الإمام البلتع، والجهبذ الكبير الذي اتفق على تقديمه الخاص والعام، العظيم السميدع المقدام، الماهر في العلوم والنابغ في المنثور منها والمنظوم، شيخنا وأستاذنا فأعظم بمصابه على أهل الإسلام لأنه ركن عظيم آل إلى الانهدام، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 1188
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]، وقد أحببت أن أرتب ترجمته في عشرة أبواب.
الباب الأول: في ولادته ونشأته
ولد ﵀ عام ١٢٩٨ هـ، فتربى في كنف والده الكبير الشيخ محمد، وكان محببًا لديه فنشأ على العفاف والذكاء وحسن الأخلاق والطهارة والعبادة، فتعلم القرآن حتى مهر فيه، وحفظه عن ظهر قلب، وأخذ في الدراسة على والده الشيخ محمد بن عبد الله، وشرب من ذلك الزلال حتى نبغ من بين الأقران وفاق أهل الزمان، فلما رأى والده مؤهلاته وصلاحه قدمه إمامًا في صلاة التراويح وعمره إذ ذاك ١٨ سنة، ثم إنه اتفق أن كان في وقته فتن ومحن من بعض الحكام، فذهب به والده إلى النبهانية فكان في صحبته، وتفرد بالأخذ عنه حتى برع في العلوم نحوًا وصرفًا وفقهًا وحديثًا وأدبًا، وتعلم في علم المواريث حتى كان آية من آيات الله تعالى، ولما أن أعاد الله الكرة للمسلمين وظهر نجم آل سعود بعبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل جزاه الله عن الإسلام خيرًا رجع به والده إلى بريدة فكان فيها على قصر ذات يد وفقر وحاجة، وما كان له هم في جميع الدنيا أن همه إلا طلب العلم والجد والاجتهاد في تحصيل مسائله، هذا وألسنة أعدائه متلوثة في حسبته حسدًا ونفورًا ولله حكمة بالغة في تسلط الأعداء على أولياء الله وحزبه، وكذلك جعلنا لكل في عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، وقد بعث به والده إلى الشيخ العظيم عبد الله بن عبد اللطيف في بلد الرياض ليأخذ عنه، ولما أن جلس للتعلم من الشيخ عبد الله أعجب به ورأى ذكاءه وكمال عقله ونبله ومعرفته، فقضى له بالإجازة وشهد له بالبراعة والتقدم فرجع إلى وطنه بريدة محفوطًا بعناية الله وأصبح موضع الإعجاب على رغم حاسديه، ولقد كفانا ما جرى في قديم الدهر على الرسل وأتباعهم كما جرى على امام المتقين وسيد ولد آدم من قريش، ولا ريب أن كل صاحب نعمة محسود.
стр. 1189
الباب الثاني: في ذكر الوظائف التي نالها
تقدم أنه إمام المسلمين في المسجد الجامع وهو شاب من بينهم قدمه فضله وعلمه، ولما كان له من العمر ٢٩ سنة جعل إمامًا في مسجد عودة الرديني في بريدة فاجتمع عليه خلائق كثيرون من طلاب العلم وجثوا بين يديه من كل جانب وازدحموا بين يديه بالركب حلقًا حلقًا حتى أصبح ذلك المسجد لا نظير له في العالم، وكان له نبأ عظيم، وتخرج على يديه أناس كثيرون، وكان لتعليمه أثر عجيب لأنه نشأ عن نية طبية، ثم أنه نال القضاء في هجرة دخنة، وأفاد وضح الحق هناك، فلما تأسست الأرطاوية سنة ١٣٣٠ هـ بعثه إليها جلالة الملك المعظم فكان على قضاءها وقد تهذب عنده رجال لهم مؤهلات وذوق وتقدم، وهؤلاء من أهل بريدة سنذكرهم عن قريب، ولما جرى على قلب الجزيرة العربية الوباء المشهور بسنة الرحمة عند العامة كان الشيخ فيها فاختار الله للشهادة ثلاثة من أعظم تلامذته وهم النقباء الذين تشهد لهم بالفضل محاريب العلى ومنابر الفخر، ثم أنه نقل من الأرطاوية إلى مسجد في قلب بريدة وذلك بإيعاز من الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد لأسباب ترجحها السياسة هناك، ونقضي بأن يكون هذا الركن العظيم إمامًا للمسجد ومدرسًا فيه، وكان هذا المسجد يقال له مسجد ناصر بن سليمان بن سيف، ولما تعين مدرسًا فيه أقبل الناس إليه مهطعين وأصبح ذلك المسجد مأوى لكل طالبه ومستفيد، فسبحان من يحي العظام بعد موتها، وكان روضة من يرتع فيه أهل الإيمان والذوق والمعرفة والدين، وتضرب له أكباد الإبل من كل جهة، وتأتيه الطلاب زرافات ووحدانًا، فامتلأت حجر المسجد من الأجانب والأهالي، وكان لا يزال عامرًا بالتدريس كل وقت من ليل أو نهار حتى كان عدد الحلق ثمان حلق للذكر وغالبهم علماء أجلاء، وجلسوا يتعلمون عليه، ورأينا من الإقبال والرغبة ما لا يخطر على الأوهام، وقد درسنا عليه فيه أربع سنين وشاهدنا من الأكباب على التدريس ما لا تبلغه العبارة، فيا لذلك الوقت والزمان ما أحلاه وما
стр. 1190
أعظم الأنس، وما أحسن ذلك الاجتماع، فاستمر على تلك الحالة دهرًا طويلًا، وينوب عن أخيه في القضاء بعض الأحيان إذا مرض ويقوم بصلاة الجمعة والأعياد في حال تخلف أخيه، فلما توفى الشيخ عبد الله أخو المترجم ولي الشيخ قضاء مقاطعة القصيم، وكان جلوسه في العاصمة بريدة كرئيس قضاة تلك المنطقة، وتولى إمامة المسجد الجامع والخطب والأعياد والاستسقاء، وقد ينوب عنه تلميذه عبد الله بن رشيد في الجمعة والأعياد، واستمر في تدريساته فكان قاضيًا وإمامًا ومدرسًا وخطيبًا، أضف إلى ذلك أنه غني كبير وله ثروة عظيمة.
الباب الثالث: في مجالسه وتدريساته وما ناله من العجب العجاب
جلس للتدريس وهو في سن الشباب، بل في عترته فالتف عليه الإخوان وصار غرة الزمان وأتته الطلاب من كل مكان، الأجانب والسكان، وانتفع بعلمه القاص والدان، فكان مفيدًا للمتعلمين ومرشًا للمستمعين، وشجا في حلوق المنافقين، وكانت الدروس التي يقوم بها كلها نافعة في غاية النفع، فكان إذا صلى الغداة جلس يقرأ ورده قليلًا ثم يلقي درس النحو والقواعد إلى طلوع الشمس، وغالب ما يدرس به في الآجرومية، وقطر الندى وبل الصدى، وملحة الأعراب، وألفية ابن مالك، ثم إنه يذهب إلى بيته للاستراحة والوضوء ثم يرجع إلى المسجد فيصلي تحية المسجد ويجلس في ناحيته الشرقية، فهناك الأمة مجتمعون لانتظاره والتلاميذ متحلقون، والمستمعون محدقون، وكان يحب أن يستفتح في تلاوة القرآن ثم يشرع الطلاب في العلوم الدينية حديثًا وفقهًا وتوحيدًا وأصولًا وفروعًا وآدابًا، ويحضر مجلسه من القراء والمستمعين ما يربو عدده عن ألف مسلم، وقل ما شئت من الازدهار والرغبة والإكباب على الطلب، وكانت الكتب التي يدرسون بها مثل المغني والشرح الكبير، والآداب الشرعية الكبرى، وصحيح البخاري ومسلم، والسنن والمسانيد، والمقنع ومختصره وشرحه، والعمدة في الفقه، ومدارج السالكين، والتواريخ على
стр. 1191
رأسها البداية والنهاية للحافظ ابن كثير، وفتح الباري والمنتقى، والتوحيد لابن خزيمة، ومن المختصرات دليل الطلاب، وعمدة الأحكام، وشرح التوحيد، وكتب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وأنجاله وأحفاده، وهناك تجد التلاميذ يزدحمون مطرقي الرؤوس بين يديه، وترى المستمعين حوالي مجلسه كأن على رؤوسهم الطير لما له من الهيبة العظيمة، فإذا انتهى التدريس ذهب إلى بيته لتناول الغداء، ثم يجلس للقضاء إلى قريب من وقت الظهر، ثم يجلس بعد صلاة الظهر للتدريس إلى قدر ساعتين، ثم يجلس يدرس بعد صلاة العصر، وكان هذا التدريس يجعله لمتن الورقات في الفقه، وأصول الفقه، وبعد ذلك يأخذ التلاميذ في الدراسة عليه، في بلوغ المرام في الحديث حفظًا، وقد يدرس في هذا الوقت في مصطلح علوم الحديث، ثم يقوم للقضاء فيجلس للفصل بين الناس في الدماء، والأموال، والحدود، فإذا فرغ من صلاة المغرب وسنتها جلس في فن المواريث والفرائض وقسمة التركات، وكان الذين يدرسون بعد المغرب ثلاثين تلميذًا، وإذا وصل إلى المناسخات والرد، وذوي الأرحام والخنثى، والقسمة فقد تستمر الدراسة إلى حوالي الساعة الثانية ليلًا، فما شئت خذه من حساب وتصحيح وقسمة إذا جلس مستقبل القبلة، وقد يكون جلوسه في ذلك الوقت مستقبل الجنوب، فإذا فرغ الأذان يقوم إلى المحراب للصلاة ويقرأ عليه قبلها ثلاثة من التلاميذ الفضلاء في التفسير والتاريخ، فإذا فرغ من صلاة العشاء الآخرة وسنتها يذهب إلى بيت عبد العزيز بن مشيقح وأولاده فيجد الأنوار قد أعدت والقهوة العربية تدار على القارئين والمستمعين، فيدرس عليه هناك خمسة عشر تلميذًا، وبعد ذلك يقوم ذاهبًا إلى بيته، فهذه دروسه على الدوام، وقد يجعل مجلسًا وقت الضحى في بيته زيادة على ما تقدم، وكان لتعليمه أثر عظيم، وفيه بركة شاملة وإن كان لا يكثر التفسير، ومن العجائب بركة جعلها الله في وقته وقوة في جسمة، ومثابرة عظيمة على الدراسة.
стр. 1192
الباب الرابع: في مشايخه وتلامذته الآخذين عنه
أما مشايخه فإنه أخذ العلم عن والده الشيخ محمد بن عبد الله، وناهيك به من إمام تفرد به وشرب من عذب زلاله ونعم المورد، قال شيخنا عمر فيما قصه علينا:
كنت مع والدي في النبهانية أيام عبد العزيز متعب، وكنا إذا أردنا الدراسة نخرج إلى البرية حذرًا من عيون ابن رشيد، لأنه منعنا من القراءة والدراسة، فلما أن كان ذات يوم من الأيام إذا بالباب غريب يستأذن استئذانًا شرعيًا ففتحنا فإذا به الشيخ عبد الله بن فداء جاء فارًا بدينه يريد الاجتماع بالوالد، وأخذ أيضًا شيخنا عمر عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن بشر في حال إقامته في قضاء بريدة، وكان جلوسه للدراسة على الأخير مجاملةً لتتحسن الحالة وتهدأ الأمور.
أما تلامذته والآخذون عنه فخلق كثير وجم غفير ملأوا القرى والأمصار، وقد حدثني الأخ المحب في الله الورع الصادق الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي القحطاني النجدي عن تلامذة المترجم يقول: إن الله تعالى كسا تلامذة الشيخ عمر بن سليم البهاء، وجعل عليهم سيما الهيبة عند الناس.
فممن أخذ عن الشيخ الفاضل الرزين سليمان بن عبد الله المشعلي نال قضاء الفوارة، ثم نقل منها إلى قضاء الشبيكية، ثم جعل قاضيًا في بلد المذنب، ثم نقل إلى قضاء البكيرية، وقد ينوب عن المترجم في قضاء بريدة، وأخذ عنه الشيخ محمد بن عبد العزيز العجاجي، وكان عالمًا قاضيًا ومفتيًا، وأخذ عنه الشيخ الشاب أخونا عبد الرحمن بن عبيد، وكان فيه مؤهلات وقوة ملكة وإدراك وتقدم، وأخذ عنه العالم الجليل عبد الله بن محمد بن جربوع، وأخذ عنه الحبر العالم عبد الله بن صالح الربدي، وهؤلاء الأربعة على الدوام في معيته حتى توفاهم الله، وأخذ عنه الشيخ الكبير والورع الشهير عثمان بن أحمد بن بشر شيخ الأجفر والأسياح، وأخذ عنه الماهر في الطلب والساعي إلى أعلى الرتب الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن
стр. 1193
صعب، وقد نال درجة القضاء وأخذ عنه الفاضل التقي الملازم له في المدخل والمخرج عبد الله بن رشيد بن فرج خطيب جامع بريدة، وأخذ عنه صالح بن عبد العزيز العجاجي وكان فاضلًا، وأخذ عنه العالم الناصح عمر بن صالح الأسيدي، وأخذ عنه الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عبدان قاضي أبها، ثم كان على قضاء الزلفي، (١) وأخذ عنه الحافظ فهد بن عيسى، وأخذ عنه محمد بن صالح المطبوع إمام مسجد في بريدة وواعظ ومرشد، وأخذ عنه الفصيح الأديب صالح بن عبد العزيز بن عثيمين الشاعر المشهور، وأخذ عنه شيخ أبي عريش وقاضي تلك الجهة الشيخ عثمان بن حمد بن مضيان، وكان ذا فضل وعقل، وأخذ عنه أخونا عبد المحسن بن عبيد، وكان من أفاضل تلامذته، ويأتي له بقية ذكر، وأخذ عنه محمد بن حمد بن مضيان، وأخذ عنه سليمان بن عبد الله بن حميد، وأخذ عنه ابنه الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد قاضي البرك، ثم كان في قضاء جيزان، ثم كان في قضاء الأسياح، وأخذ عنه الشيخ سليمان بن محمد بن جربوع قاضي العظيم، ثم كان قاضيًا في الأرطاوية، وأخذ عنه الزاهد الصابر على الفقر في نيل الأرباح عبد الرحمن بن عبد الله بن بداح، وأخذ عنه الشيخ الموصوف بالخير عبد الله بن سليمان بن نقير مطوع هجرة "النعي" بالتصغير، وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن دخيل قاضي لينة، وأخذ عنه الفاضل المجد في الطلب أخوه عثمان بن عبد الله بن دخيل، وأخذ عنه المطبوع الناسك ذو الأصل والفصل عبد العزيز بن عثمان بن مضيان مطوع السباخ في بريدة، وتخرج عليه الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، وأخذ عنه الشيخ محمد بن عبد الله التويجري قاضي جيزان، وأخذ عنه الشيخ صالح بن أحمد الخريصي قاضي الأسياح قبل ثم كان على قضاء الخرج، ثم كان رئيس محكمة بريدة، وأخذ عنه الشيخ صالح بن عبد الرحمن السكيتي، وأخذ عنه علي بن إبراهيم
стр. 1194
بن مشيقح وكان فاضلًا وقد نال درجة مساعد في محكمة بريدة، وأخذ عنه الشيخ عبد الله بن محمد بن عامر، وأخذ عنه الفاضل تلميذه علي بن محمد الخراز شيخ إحدى الهجر، وأخذ عنه القنوع بالقليل الأخ محمد بن عقيل، وأخذ عنه المطوع عبد الرحمن بن عبد الله بن فداء، وأخذ عنه علي بن عبد العزيز العجاجي كان ملازمًا له في الإقامة والسفر، وقد نال وظيفة في الأمر بالمعروف سابقًا، وأخذ عنه الشيخ ابن عم المترجم عبد العزيز بن صالح بن سليم، وكان عالمًا لا بأس به في العلم، وقد نال عدة وظائف، وأخذ عنه الشيخ محمد بن صالح بن سليم أحد أعضاء المحكمة الشرعية في المدينة المنورة، ثم كان قاضيًا في الخبر من أعمال الظهران، (١) وأخذ عنه الشيخ عبد العزيز بن محمد بن مضيان قاضي الشبكية، وأخذ عنه العاقل الفاضل الرحمن صالح بن محمد بن مقبل، وأخذ عنه علي بن عبد الرحمن بن غضبة مطوع الفوارة، وكان ذا أصل وسلامة صدر، وأخذ عنه آل مشيقح عبد الله بن عبد العزيز، وحمود بن عبد العزيز، وصالح بن عبد العزيز، ومحمد بن عبد العزيز آل حمود بن مشيقح، وأخذ عنه التقي الناسك إبراهيم بن صالح بن مشيقح، وأخذ عنه غانم بن سدلان، وأخذ عنه عبد الله العجلاني، ومحمد العجلاني، وأخذ عنه عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عويد، وكان ذا أصل عظيم، وأخذ عنه عبد الرحمن بن صالح القرعاوي، وأخذ عنه عبد الله بن سعد الشبرمي وحمد بن سعد الشبرمي.
واعلم وفقني الله وإياك أني سقت هؤلاء التلاميذ على قد سبقهم في السنين والملازمة له في بادئ أمره، ولم أسقهم على قدر درجاتهم في العلم والمعرفة، وأخذ عنه الشيخ عبد العزيز بن صالح بن فوزان قاضي جيزان، وأخذ عنه سليمان بن حمود بن عبيدان، وأخذ عنه الشيخ سليمان بن عبيد بن سلمي رئيس المحكمة الشرعية في الرياض، وقد كان قبل ذلك قاضيًا في المقاطعة الشرقية، وأخذ عنه الشيخ عبد الله بن عودة آل سعوي قاضي
стр. 1195
جيزان سابقًا، ثم كان قاضيًا في الدمام، وأخذ عنه الشيخ علي بن سليمان الضالع، وأخذ عنه حمد بن عقيل، وأخذ عنه صالح بن عبد العزيز بن مقبل وإخوته عبد الرحمن وسليمان، وأخذ عنه محمد بن رشيد آل ربيش، وأخذ عنه علي بن صالح بن مرشد، وأخذ عنه الشيخ صالح بن سليمان بن حميد، وكان لوذعيًا، وتولى وظيفة في البلاد اليمنية، وقد توفاه الله تعالى، وأخذ عنه عثمان بن محمد العجلاني، وأخذ عنه محمد بن صالح بن خليفة، وأخذ عنه صالح بن إبراهيم الرسيني، وأخذ عنه عبد الله بن صالح بن حسين، وأخذ عنه إبراهيم بن عبد العزيز الجبيلي قاضي رياض الخبراء، وأخذ عنه الزاهد ابن أخيه محمد بن عبد الله بن سليم، وكان شابًا وقد توفاه الله، وأخذ عنه عبد الله بن محمد العجاجي، وأخذ عنه سعد بن مرزوق العديم، وتخرج عليه الشيخ محمد بن عبد الرحمن البليهي، كان قد تولى القضاء في نجران، ثم كان قاضيًا في أعمال تبوك، وأخذ عنه الشيخ صالح بن محمد التويجري قاضي تبوك، وأخذ عنه عبد الرحمن بن عبد الله بن طرباق، كان قد تولى بعض أعمال القضاء، وأخذ عنه محمد بن راشد وعلي بن راشد آل رقيبة، وأخذ عنه عقلا بن موسى، وأخذ عنه سليمان بن عبد الله بن مشيقح، وأخذ عنه سبطه صالح بن سليمان العمري، وأخذ عنه حميدان بن عبد العزيز، وأخذ عنه محمد بن عبد الرحمن بن فداء، وأخذ عنه عبد الكريم بن فداء، وأخذ عنه عبد الله بن معتق، وأخذ عنه محمد بن رويسان، وأخذ عنه قاضي البكيرية عبد العزيز بن عبد الله بن سبيل، وأخذ عنه عبد الله بن محمد بن مسفر، وأخذ عنه علي بن محمد السكاكر، وعبد الله بن محمد السكاكر، وأخذ عنه الشقاوي، وابن سعدون، وابن غنيم وغير هؤلاء خلق كثير وجم غفير، وغالب من أخذ عنه أهل للقضاء والتدريس.
وممن أخذ عنه أيضًا الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي، ومحمد بن موسى الحمود، وعبد الله بن عقيل قاضي الحناكية، وقد هلك غالب الذين التموا واجتمعوا وأدركوا السبق من رؤساء التلامذة اقتطفهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، لأن