← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

أعينيَ جودا بالدموع السواكب ... على من دهانا موته بالمصائب على شيخنا عبد العزيز لفقده ... تبدت كلوم القلب من كل جانب ففي موته منا القلوب تصدعت ... وحارت دموع العين بين الجوانب لقد كان ذا علم وكان مسددًا ... بنحو وقرآن وإرشاد طالب وقد كان شيخًا في العلوم جميعها ... بهمته يسمو لأعلى المراتب إلى مسلك التوحيد قد صار آيةً ... بهطال وبل العلم مثل السحائب فصار لنيل العلم مرقىً وسلمًا ... بتسهيل حل المشكلات الغرائب وصار إمامًا حاذقًا متفننًا ... له القدم الطولى بحل الغرائب إلى الله نشكو ما دهانا بموته ... فلا غيره يرجى لجبر المصائب عليه توكلنا بتسليم أمرنا ... مددنا يدًا نحو السماء بالمطالب فلا نلتجي إلا إليه ولا لنا ... سوى ربنا المعبود جزل المواهب لقد هالنا يوم دهتنا خطوبه ... بموت جليل القدر سامي المناقب فيا ثلمةً هدت من العلم جانبًا ... ويا لوعة الإخوان من كل صاحب ويا فرجة التدريس من بعد أنه ... محافله محفوفةٌ بالمكاتب لفقد إمامٍ كان يبدي دروسها ... ويهدي مخباها إلى كل راغب نعته خطوب الموت من بين أهله ... ومن بين جيران ومن بين صاحب فكم قبله جته المنية بغتةً ... فعضت عليه في حداد القواضب وكم قد دهتنا قبله من رزيةٍ ... نسينا بذكرى موته كل صاعب لقد خمدت تلك الدروس لفقده ... وسفت عليها الريح رمل الكتائب فنبكي عليه لوعةً في قلوبنا ... وفي القلب حرٌ شاعل بالملاهب لقد جدد الأحزان من بعد سليها ... وأجرى دموع العين فوق الحواجب وقد أوجعتنا فرجة الحبر شيخنا ... وناهت رزاياها بهد الجوانب لعشرٍ خلت في طلعة الفجر موته ... سينبيك عن تحريرها خط كاتب بشهر صفر في جمعةٍ من صباحها ... على نعشٍ نحو المقابر ذاهب

стр. 1122

ثمان سنين بعد خمسين قد تلت ... ثلاث مئين بعد ألف لحاسب وعجل في التجهيز من كان غاسلا ... وسجاه ثوبًا بعد شد العصائب ليبكي على التحقيق من كان باكيا ... لأن ذويه ذاهب بعد ذاهب فقد جاء في الأخبار عن سيد الورى ... بأن ذهاب العلم موت الأطائب فيا ربنا يا ملتجانا وجبرنا ... أغث قبره من مدك بالمواهب وأسكنه جنات النعيم تكرمًا ... ونور له في القبر يا خير واهب وأنهله من حوض النبي محمد ... بكاسٍ روي سائغ للمشارب وافرغ علينا الصبر يا خير من دعي ... لجبر قلوب هدمت بالمصائب وابق لنا بحر العلوم إمامنا ... يزيل الصدى جالي ظلام الغياهب وشيخٌ لنا يحكي المهمات كلها ... ولم يثنه في الله شوب الشوائب سمي ابن خطابٍ عفيفٌ وذو تقى ... وحامي حمى السمحاء عن كل ناكب ومن معدن بالعلم قد طاب أصله ... من آل سليم من كرام أطائب وإخواننا من كان للعلم طالبًا ... ومن قرر التوحيد أعلى المذاهب ومن كان في الإسلام يبدي ودادنا ... على القرب أو في شرقها والمغارب وصل على المبعوث من آل هاشمٍ ... محمد المختار من نسل غالب بعد الحصى والرمل والحب والنوى ... وما هل في الغبراء وبل السحائب وما غردت طيرٌ بأغصان دوحةٍ ... وما وقع العصفور فوق الذوائب وما أم بيت الله من كل ناسك ... على نجب تطوي قفار السباسب وأصحابه والتابعين على الهدى ... وأنصار دين الله من كل صاحب وهذه مرثية قلتها في المترجم وبعثت بها إلى بعض أصدقائنا بهذه المقدمة: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإنه لما كان في ١٠ صفر سنة ١٣٥٨ هـ توفى الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي غفر الله لنا وله، فوجل المسلمون لوفاته ومصابه، لما أن أودعوه قبره وأهالوا ترابه وعظمت لفراقه الأحزان، وهاجب له الهموم والأشجان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلما أن

стр. 1123

رأيت مصيبته تجدد بفراته والقلب قد زادت شجونه لشدة احتراته، أبديت هذه الأبيات وإن كنت لست من أهل هذا الشأن ولا ممن يسابق في الميدان، ولكن لعظم ما جرى وما حل بأهل الإسلام ودهى: إلى الله أشكو طارقات النوائب ... ورزء كبير من عظيم المصائب وما قد عرى أهل الديانة والتقى ... فحقٌ على خل دهي بالمعاطب يريق دموع العين سحًا ودائمًا ... ويبكي طويلًا بالدموع السواكب لموت إمامٍ قام لله داعيًا ... شمائله تسمو لعالي المراتب فأعظم بهذا الرزء أي مصيبةٍ ... وخطبٌ دهى بالمزعجات اللوازب تنادي بها السكان في كل مشهدٍ ... وسارت بها الركبان فوق النجائب لموتك يا عبد العزيز مصائبًا ... تهون على أربابها في الأقارب لأن كنت يا عبد العزيز فجعتنا ... وجسمك أضحى في تخوم السباسب وربعك أمسى دائرًا ومعطلًا ... عليه رياحٌ تعتلي بالكتائب فوا أسفًا من فقده وفراقه ... فمن مثله في شرقها والمغارب إمامٌ لشرع الله يبدي مفسرًا ... يحل عويص المشكلات النوادب يدين بقال الله قال رسوله ... فوائده يهدى بها كل طالب يقضي بتدريس العلوم نهاره ... مديمًا عليها في الضيا والغياهب يقرر توحيد الإله بجهده ... ولم يكترث يومًا بكل مشاغب لقد كان حبرًا للأنام ومفتيًا ... تحيط به الطلاب من كل جانب يبين لهم حقًا ويردي لباطل ... فمورده عذبٌ زلال لشارب يعامل أهل الخير بالود والصفا ... ويرجم أعداء الهدى بالثواقب وفي سنة المعصوم أضحى موضحًا ... لتقرير مسنون وتبيان واجب كما فاق في علم الفرائض غيره ... وفي النحو والقرآن قد جاء بالعجائب فمن مثله في الخلق يؤتى لمشكلٍ ... ويجلو ظلامًا من عضال الغياهب وفي كل فن فكره متجول ... يعيد ويبدي غامضات المصاعب

стр. 1124

فسبحان ربي يمنح العلم من يشاء ... مواهبه ليست ترى في التلاعب فوا حر قلبي من فقيد مفارقٍ ... إلى عسكر الأموات أضحى بذاهب مجالسه قد عطلت عرصاتها ... وقد أفلت أنوار تلك الكواكب أرى ثلمه والله ليس يسده ... فئام كثير قد سعوا في المراتب فيا ثلمةً عادت علينا بحسرةٍ ... وعمت مصابًا عجمها والأعارب فيا رب يا مولاي يا خير منجدٍ ... أنله الرضا والعفو يا ذا المواهب وبوءه في الجنات ارفع غبطةً ... تقر له عينٌ بعالي المراتب لأن كان رب العرش عنا أماته ... سقته المنايا من كؤوس المصايب فحمدًا لمولانا على كل حالةٍ ... مقاديره فينا تصيب لهارب وما من بقاء يرتجى لمؤملٍ ... وفينا من الأحبار عالي المناقب وأعني به الحبر الهمام الذي له ... مناقب مجدٍ ساميات المراتب هو الشيخ ذو العرفان نجل محمدٍ ... تفرع من غر كرامٍ أطائب جزاه إله الخلق عنا بفضله ... فقد كان أستاذًا أتى بالرغائب وأرغم أهل الزيغ من كل ملحدٍ ... وكشف أستارًا لغمض المذاهب وصل إلهي كلما هب ناسم ... وما ماض برق من خلال السحائب على المصطفى بل سيد الرسل كلهم ... وآلٍ وأصحاب سموا في المناقب بعد هتون القطر من وابل السماء ... وما حج بيت الله من كل راكب وهذه مرثية أنشأها الشيخ عثمان بن أحمد بن بشر في المترجم وقد أقمنا ما تكسر من أبياتها من غير تصرف لطلب الناظم منا لذلك: إلى الله أشكو لوعتي ومصيبتي ... على فقد أهل العلم من كل ماجد فهذه علامات الدبور بوقتنا ... إذا مات منهم واحد بعد واحد فقد حل مصداق ما قال ربنا ... ففي الوعد قد جاء بنقص الأماجد كذلك ما قد قاله سيد الورى ... بموت رعاة الدين أهل التعاضد كمثل الفتى عبد العزيز أخي الحجا ... تقيٌ نقىٌ طيب العرض زاهد

стр. 1125

يقطع ساعات النهار بدرسه ... ويبديه جهرًا في زوايا المساجد إذا خاض في علم الأصول رأيته ... بصيرًا خبيرًا مرشدًا كل وارد يقرر توحيد العبادة جهرةٌ ... ويبذله لكل باغٍ وقاصد وإن خاض في علم الفرائض خلته ... ففيها عليمًا قد حوى كل شارد وإن خاض في علم الفروع وجدته ... خبيرًا بأقوال الهداة الأماجد ويحكي خلافًا قاله كل عالمٍ ... ويسرده عن واحد بعد واحد وأما علوم النحو فهو مسدد ... يعيد ويبدي مظهرًا للفوائد فيا رب تنفعه بما قد منحته ... يكون له يوم اللقا خير شاهد ويا رب بوءه من الخلد منزلًا ... مع السابقين الأطيبين الأماجد ثم أخذ يدعو للمشايخ، فلولا هم لأظلمت البسيطة، ولولا هم لمادت بأهلها الخ، وهي تبلغ واحدًا وثلاثين بيتًا، تركناها خشية الإطالة. وقال الأخ المحب عمر الوسيدي مرثية في الفقيد جعل لها مقدمة، ثم أتى بها، وهذا نص القصيدة المشار إليها: أتانا كتابٌ من صديقٍ وصادقٍ ... قريبٍ وصاف بالوداد المقارب فلما قرأت الكتاب وجدته ... يعزي بموت من دهى بالمصائب خررت صريعًا باكيًا عظم ما بدا ... ونيران حزني أوقدت باللهائب هو الشيخ عبد العزيز وحبرنا ... إمام الهدى نسل الكرام الأطائب صلالة إبراهيم (١) العبادي ونجله ... فقك جاد نفعًا في الورى كل طالب وقد كان ردء في القضاء لشيخنا ... وتدريس سكان بها وأجانب له مجلسٌ عن رونق الحسن والبها ... يلوح ويزهو زانه كل طالب وفيه من الأحكام در نفيسةٌ ... كروضة مرباع زهت بالجوانب

стр. 1126

فكل بها وقت الصباح وفي المساء ... يروح ويغدو زانها كل راغب أحاط بها أمر المليك فأصبحت ... معطلة تبكي على فقد طالب فآها على تلك الرياض قد أقفرت ... رياح بها تسفوا على كل جانب فيا عين جودي من الدمع هاتفًا ... وسحي دموعًا كالسحاب السواكب على عالمٍ حبرٍ لدى القبر قد ثوى ... وحيدًا وخال من جليس مصاحب سوى ما مضى من صالح السعي خالصًا ... بريئًا من الأشرار خالي الشوائب سقى قبره الرحمن وابل رحمةٍ ... وهتان عفو من جزيل المواهب وبوأه ربي من الخلد منزلًا ... ووصل حسان ناعمات كواعب ولو كان يجدينا كثير من البكا ... بكينا عليه من دم القلب رائب فما نفع الخنسا بكاء لصخرها ... ولا ثاكلًا مجروحةً بالمصائب ولو كان نفديه بمالٍ وأنفسٍ ... وجاه أتينا بالعجيب العجائب ولكن حكم الله لا بد نافذ ... وأمره غلاب على كل غالب فما كان للمرء يقينًا يصيبه ... وما أخطأ الإنسان ليس بصائب فأعظم به خطبًا ورزء ومحنةً ... وليلٍ بهيم مدلهم الغياهب فأحسن ربي جميعًا عزاكمو ... مع الغفر للميت وجبر المصائب وهذا اقترابٌ للزمان خطوبه ... كسلك نظام مثلت بالتقارب تموت خيار الناس تبقى شرارها ... وهذا قريب من ظهور العجائب وقد أخبر المعصوم عن قبض علمنا ... بموت الرواة والهداة الأطائب وموت عليم في الخليقة ثلمة ... وليس لها سدٌ يطاق لطالبٍ كذا قيل في المنقول موت قبيلةٍ ... لأَيسر من قبض الفقيه وطالب فيا معشر الإخوان جدوا وشمروا ... إلى طلب العلى وخير المكاسب

стр. 1127

هو العلم قال الله قال رسوله ... وأهل الهدى من كل آل وصاحب ولا تؤثروا يومًا على العلم شهوةً ... ولا لذة مطعومنًا والمشارب أكبوا عليه باجتهادٍ ورغبةٍ ... وبحثٍ طويلٍ عن مباحٍ وواجب ولا تقتدوا بي بالبطالة والردى ... فإن اقتداء بالردى غير صائب فآهًا على عمرٍ مضى لي سبهللًا ... وآها على التفريط يا ويح كاذب فيا رب وفقني تدارك ما مضى ... من العمر والتفريط تبًا لخائب وقد قيل لو بالصين فاطلبوه (١) بجهدكم ... وسيروا له باليعملات النجائب وللعالم فضل على كل عابد ... كبدر تمام مضلةٍ للكواكب فمن في السماء والأرض تدعوا جميعها ... بغفران ذنبٍ للهداة الأطائب وحيتان بحرٍ والسباع جميعها ... كذا نملةٍ في الجحر تدعو لطالب وعالم صدقٍ يستضاء بنوره ... أشد وأقوى من له ألف راهب على ذلك الشيطان يحرق نوره ... جميع العتاة من رجيمٍ وكاذب ثم أخذ يمتدح الشيخ عمر بن محمد بن سليم ويدعو له بالبقاء، ويذكر مآثره وما له من المقامات بين أهل الإسلام التي فاق بها من سواه فقال: فيا فالق الحب ويا فالق النوى ... ويا خير مسؤول برغبة طالب تفضل علينا بامتنان بشيخنا ... وفاروقنا بدر الدجى والغياهب وشمس تضيء للأنام منيرةً ... إذا ما غشى ديجورها كل ثاقب وحان بنا من حادث الدهر محنةً ... وأظلمت أرجاء لنا بالنوائب أزال لها بالعلم نورًا وحكمةً ... بتبيان مسنون وحضر وواجعب فسيرته في المسلمين جميلةً ... وأفعاله محمودةً في العواقب أدام لنا منه علومًا كثيرةً ... وصالح نسل عاقبًا بعد عاقب ومد له في العمر طولًا وفسحةٌ ... على عمل يرضي جزيل المواهب يكون لنا كهفًا منيعًا عن العدى ... نلوذ به عند اشتداد النوائب فضجوا جميعًا بالدعاء برغبةً ... وتأمين بعض يستجاب لطالب

стр. 1128

كذاك صلوا على خاتم الورى ... نبيٌ أتى من لؤي بن غالب وأزكى صلاة الله جل ثناؤه ... على خاتم الرسل الكرام الأطائب محمد المبعوث للناس رحمةً ... بشيرًا نذيرًا لعجمها والأعارب وأصحابه والآل ما هبت الصبا ... وما أنهل ودق من خلال السحائب ومن مرثية قالها فيه تلميذه محمد بن صالح بن صليم مادحًا للمترجم ومنوهًا بفضله: فتىً قد سما مجدًا وقد فاق نهمةً ... عليه وقار كاللالئ ناثر لقد كان ذا علم وبالفقه حاذقًا ... مقيمًا على التدريس لله صابر يعيد دروسًا مرةً بعد مرةً ... سناها كضوء الشمس بالأفق ناشر إذا قرر التوحيد يومًا رأيته ... على منهج الأبرار باقصد عابر وما ضره غمد ولكن مصيبةً ... بفقدانه دمع على الأرض قاطر إلى الله نشكو جميع بلائنا ... وما لاعنا من فادح الدهر باهر وقد جاء عن المعصوم نصٌ مصرحٌ ... رواه ابن عمرو في الصحيحين صائر فليس ذهاب العلم نفس انتزاعه ... ولكن بموت من عليه يصابر وذي سنة من ربنا قد قضى بها ... وكل لتقادير الإله يبادر فكم متعب في الدين والعلم نفسه ... بجد وإقبال على العلم ساهر يموت وكم مفني لعمر سبهللا ... يعمر دهرًا وهو للحق باطر فيا ربنا يا من إليه ابتهالنا ... ويا من لزلات المسيء ساتر ويا منقذًا ذا النون من وسط لجةٍ ... عليه طباق البحر بالموج زاخر ويا راحمًا أيوب من بعد ضره ... أغث قبره جودًا رذاذًا يبادر وأسكنه من أعلى الجنان محلةً ... ينعم فيها يوم تبلى السرائر فيا أيها الأخوان جدوا بجهدكم ... على طلب الأرباح ذاك التفاخر أقيموا على نيل العلوم نهاركم ... كذا ليلكم سمرًا ولله بادروا الخ وهي حسنة، وقد قيلت فيه قصائد رئي بها غير ما تقدم تركنا إيرادها

стр. 1129

لضيق الموضع، ولأن غالبيتها لم يتزن، ومهما كانت الأحوال فإن مصيبته عظيمة وموته خطب جسيم، ولا نزيد على ذلك. ذكر من توفى فيها من الأعيان صالح بن محمد الصقعي، كان مؤدبًا للصبيان ومعلمًا للقرآن والكتابة، وهو مؤدبنا ومدرسنا، وتعلم منه خلائق كثيرون في الحساب والكتابة وفاقوا بجودة القلم وضبط القرآن وحفظه، وجعل الله في تعليمه بركة، فكل من درس عليه فإنه ينال ذكرى حسنة، ومن لم يطلب العلم منهم فلا بد أن يتفوق على بني جنسه في القراءة والكتابة، وكانت مدرسته تحتوي على أربعمائة طالب. وصفة تدريسه أنه يكتب للأولاد حروف الهجاء في ألواح من الخشب، فإذا حذق الصبي الهجاء فإنه يعطى جزء عم فيشرع في الفاتحة، ثم الناس ثم الفلق ثم الإخلاص ويصعد كذلك، فإذا اجتمع الأولاد صباحًا فإنهم يأخذون جميعًا الدراسة، وبعد ساعتين يقرأ عليه اثنا عشر طالبًا، وكلما قرأ واحد فإنه يقيم معه خمسة يقرأون عليه، ومن قرأ فإنه يأتي إلى المؤدب فيجعل معه خمسة وهكذا حتى تتم الدراسة في حوالي أربع ساعات، فإذا كان بعد الظهر حضر الأولاد يمرون ما درسوا صباحًا ويخرجون قبيل العصر بدقائق ثم يامر من كان من الدرجة الثالثة أن يكتبوا لأهل الهجاء في ألواحهم، ويحضر كبار الطلاب بعد صلاة العصر في دكاكين في السوق لتعلم الكتابة والحساب، وقد وافق في زمنه حظًا وافرًا وقبولًا عند الناس فكان في بلدة بريدة محترمًا وموقرًا، وكان له صوت حسن ويمتاز ببره بوالدته، وقد امتد مرضه زمنًا يقرب من ثلاثة أشهر فالله المستعان. أما والده فهو إمام مسجد عودة الرديني زمن آل رشيد، وهو محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد المته الصقعبي يحسن جودة الخط، وله قلم جيد في الكتابة، وقد نسخ كتبًا كثيرة ومصاحف بيده لخلو زمنه من المطابع، وكان جهوري الصوت، حسن التلاوة، يصلي إمامًا في مسجده المشار إليه في ليالي رمضان، فيحضر للصلاة خلفه خلق كثير وجم غفير من الرجال والنساء، حتى ربما امتلأ المسجد.

стр. 1130

وممن توفى فيها عبد الله بن صالح بن هزاع، كان تلميذًا للأول ومؤدبًا للصبيان، قليل الشر قد اشتغل بصلاح نفسه، وكان شابًا رزينًا نشأ على العفاف والبر والصلة، فرحمة الله عليه، وكان سنه حين توفى خمسًا وعشرين سنة. وممن توفى فيها نصيان بن حمد آل نصيان، كان طالب علم، وتلميذًا للشيخ عبد العزيز العبادي، وله فهم عظيم وجودة حفظ، حتى أنه ليحفظ عن ظهر قلبه كلما رآه، وله يد في الشعر، وقد قدمنا له قصيدة رثى بها شيخه عبد العزيز، وكان يبيع ويشتري ويأكل من كسبه، وبحب أهل الدين ويألفهم ويألفونه، وهذه صفته: كان شابًا طوالًا متوقد الذهن، واعيًا سكينًا، وسنه حين وفاته ست وعشرون سنة، ومن العجائب ويجدر بنا ذكره أن صالحًا الصقعبي خرج يحمل حجرًا على عاتقه ليعلم به قبر ابن هزاع، فقال له الذي يحفر القبور، إذ ذاك علي بن عبد العزيز الحوطي: يا مطوع إنك جعلت لقبر تلميذك حجرًا واحدًا فلو جعلت حجرين كعادة الناس، فأجابه بقوله: ساخرج بآخر في الجمعة المقبلة، فمرض ومات ولم يخرج إلى المقبرة إلا محمولًا بنعشه، ففي ذلك عبرةً لمن يخشى. وممن توفى فيها براك بن منصور بن براك كان ﵀ طالب علم ضرير البصر، وقد امتد مرضه بقروح كانت في صدره ﵀ وعفى عنه، وكان محبًا لأهل الدين يميل إليهم ويحبهم، وتوفى أيضًا أناس كثيرون من الأخيار في ذلك الوقت. وممن توفى فيها من الأعيان أيضًا وفاتنا أن نقدمه على غيره، صاحب السمو الملكي الأمير الباسل خالد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعود، وهذه ترجمته: هو خالد بن أخي جلالة الملك محمد بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن مقرن، الأمير ابن الأمير الشجاع الباسل؛ كان مقدمًا موقرًا عند عمه الملك عبد العزيز، لا يزل خادمًا لعمه سامعًا مطيعًا متأدبًا مع أبيه

стр. 1131

وعمه، وله قوة نفس وشجاعة، والشبل من الأسود، وقد اختلف في سبب وفاته فقيل أنه طرد ضبيا وساق مفره سيارته فانقلبت به سيارته، وقيل كانت وفاته حينما قفل من الحج في اصطدام سيارته ولا ريب أنه توفى بحادث سيارته انقلابًا أو اصطدامًا، فالله المستعان، وكان موضع الأعجاب من والده الأمير محمد بن عبد الرحمن أديبًا مقدمًا ومحترمًا. ذكر وفاة ملك العراق ففيها توفى ملك العراق الشاب النبيل غازي بن فيصل الشريف رحمة الله على أموات المسلمين، وهذه ترجمته: هو غازي بن فيصل بن الحسين بن علي بن محمد بن عبد المعين بن عون الشريف الهاشمي القرشي، ولد سنة ١٣٢٩ هـ وأبوه يقود الحملة إلى أبها لتأديب الأدريسي فسمي غازي تيمنًا بغزو أبيه، ونشأ في حجر والدته تحت رعاية جده الحسين بن علي لغياب والده زمن طفولته عن مكة يعالج الأحداث التي تتالت على بلاد العرب من إعلان الحرب العظمى إلى إعلان الثورة العربية، وما حصل في خلال ذلك وبعده، وقد تولى الشيخ ياسين البسيوني امام الملك حسين الخاص، إقرائه القرآن وتعليمه الكتابة والقراءة، ثم جيء له بحسن العلوي ليعلمه قواعد اللغة العربية وعلوم الدين الإسلامي، ثم إنه سافر بعد ذلك إلى بغداد فكان تحت إشراف والده مباشرةً، واختار له أساتذة ومعلمين يؤدبونه، فنشأ نشوًا طيبًا ونبت نباتًا حسنًا، وأعده والده لهذا المنصب الخطير وهيأه لهذا العمل الكبير. ولما مات والده وله من العمر اثنتان وعشرون سنة توج ملكًا على العراق، وكان قد درس في اللغة الإنكليزية وركب إلى انكلترا، واستقبل في كل مصر وبلد استقبالًا فخمًا، ودخل المدرسة الحربية في بغداد كل ذلك في حياة والده، ولقد أصدر والده تعليمات خاصة إلى مدير المدرسة بأن لا يميزه في معاملة ولا يفرق بينه وبين زملائه، وكان في صفته وأخلاقه أشهل العينين، جذاب الملامح، قوي البنية،

стр. 1132

مفتول العضد ممشوق القامة، منتصبها، كثير التواضع، جم الحياء، وكان أهل العراق يعظمونه لما يرجونه له في النهضة والاستقبال، ولما مات غازي في هذه السنة عين ابنه فيصل الثاني تحت وصاية ابن عمه عبد الإله بن علي بن الحسين. وفيها توفى رئيس جمهورية تركيا مصطفى كما باشا، وقد قدمنا في سنة ولادته نشأته ودراسته، وذلك في حوادث ١٢٩٨ هـ، ونذكر هنا شيئًا من أخلاقه وجراءته وأعماله، كان يمتاز بقوة الإرادة، وثبات العزيمة، والإقدام، والاستقلال بالرأي، وهو قليل الكلام إلا إذا كان الموضوع يهمه، فيتدفق تدفقًا، وينقلب إلى محامٍ بارع، وخطيب لسن، وقد روي عن والدته أنها جاءته على أثر اجتماعه مع إخوانه الضباط في بيته يعقدون آراء ضد السلطان عبد الحميد قبيل إعلان الدستور، فقالت له: بعد أن تبينت الغاية من الاجتماع: يا ولدي أريد أن تبين لي هل تحاول أنت وإخوانك أن تشقوا عصا الطاعة على السلطان، وله قوة سبعة أولياء، ولما أفهمها الغاية الحقيقية قالت له يجب التماس الحيطة يا بني، وتوفيت والدته تريرة العين بما بلغه من مجد ورفعة، وكان مصطفى صريحًا لا يعرف المداهنة، وله حظ في تقلباته وانتصاراته. فمنها أن عصابة تألفت لاغتياله فرصدت له الطريق في بعض تنقلاته وأطلقت النار على رجل تظنه المترجم فأردت الرجل قتيلًا فأرادوا مصطفى وأراد الله سواه، ولم تقدر العصابة عليه، وذلك قبل وفاته بسبع سنين، فاتخذ البوليس بعد ذلك قوة الاحتياطات الشديدة للمحافظة على حياته، ولقد ضاد مصطفى كمال للسلطات وحيد الدين محمد وقام بتركيا فسطى سطوات تشيب الوليد، وما زال يضرب اليونان حتى كان آخر أمره أن نصب المدافع العظيمة على حصون أفيون، وكانت محكمة حيث ظن اليونان أنها لن تنال، فلما صبت المدافع نيرانها الحامية على الحصون احتل المدينة ودخلها وحمل اليونان خسائر بلغت عشرين ألف قتيل وواحد وستين ألف أسيرًا، ومن ضمنهم القائد العام، وكبير من الضباط، وخسر اليونان المدافع كلها، وكان يبلغ عددها سبعمائة مدفع، وجميع الطيارات، ومائة وستين ألف بندقية، وكمية عظيمة من الذخائر والمعدات.

стр. 1133

وكان في مدة رئاسته لجمهورية تركيا لا يتجاسر أحد على معارضته ولا يرتفع في وجهه صوت، ولقد قام بتركيا بعناية فائقة بترقية اقتصاديات بلاده وتعزيز الصناعات، فأنشأ ٤ معامل للسكر، و ٣٢ معملًا لنسيج الحرير والجوخ، و ٨ معامل للكبريت، و ١٩ للكحول، و ٨٠ للتجارة، كل ذلك من دون أن يستقرض قرشًا واحدًا أو يهيب امتيازًا لأجنبي. وبالجملة فإنه عمر الدنيا وأعرض عن الدين، فلا حول ولا قوة إلا بالله والله المستعان، وفي هذه السنة غشت الآفاق ظلمة بدون رياح، بل أقبلت الظلمة من الجنوبي الغربي فكانت الدنيا كأنها فحمة في السواد، واستمرت كذلك عشرين دقيقة فوقفت الدواب عن السير وما استطاع أحد السير لأن الإنسان لا يبصر صاحبه إلى جنبه، وكان ذلك في ابتداء الساعة الثانية ليلًا من إحدى ليالي ربيع الأول في فصل الربيع، ثم تجلت الظلمة والله على كل شيء قدير. وفيها عادت القضاة والأئمة المبعوثون إلى اليمن من نجد بعدما لبثوا هناك أربع سنين، وبما أنهم طلبوا من الحكومة الرجوع إلى أهاليهم لطول الغياب واختلاف الهوى الذي أملهم، فإن الحكومة سمحت لهم بالإياب وبعثت بأناس كيرهم، فمن هؤلاء الشيخ محمد بن عبد الله التويجري، ومنهم الشيخ عبد الله بن يوسف، وعبد العزيز العريفي فمسكوا أعمالهم. ذكر الحرب العالمية الثانية سنة ١٢٥٨ هـ ١٩٣٣ م كانت ألمانيا قبل هذه السنة بإحدى وعشرين سنة مهزومة ذليلة وذلك لأنه بعدما انتهت الحرب العالمية الأولى وعقدت معاهدة فرساي وميثاق عصبة الأمم، وعادت هذه الدولة مغلوبة ولم تحل مشاكلها بل زادت عليها مشاكل جديدة مثل التعويضات، وديون الحرب، ونزع السلاح، والأمن الاجتماعي، والأزمة الاقتصادية، والبطالة المنتشرة على نطاق واسع، ولما كانت بهذه المثابة وافق أن الرئيس هندنبرغ قد بلغ من العمر ستًا وثمانين سنة، فعين هتلرًا مستشارًا وذلك في ٣٠ يناير ١٩٣٣ م، وكان هذا المنصب هو أعلى منصب تنفيذي في ألمانيا، ويماثل

стр. 1134

منصب رئيس الوزراء، وقام فرق الصاعقة يلبسون لباسًا بنيًا، واستولوا بالرعب وحلوا البرلمان، واستولى هتلر ووزرائه على كل السلطات في ألمانيا، وكانوا يستطيعون أن يسنوا أي قانون ويعملوا ما يريدون، وكانت ألمانيا عبارة عن جمهوريات يضمها اتحاد فدرالي فأنهوا الاتحاد وركزوا كل السلطات في برلين وعينوا دكتاتورين في كل مكان، وكل واحد من هؤلاء مسؤول أمام الدكتاتور الذي فوقه وهكذا، وكان هتلر بالطبع هو الدكتاتور الأعلى. ولما مات رئيس ألمانيا هندنبرغ في أغسطس ١٩٣٤ هـ تسلم هتلر مركزه وقتل زعماء من جملتهم الجنرال شليشر الذي كان في يوم من الأيام مستشارًا، ولما قتل هتلر خصومه في ألمانيا وجمع بين الرئاسة والمستشارية وأصبحت جميع القوات مركزة بين يديه أصبح يدعى بلغو هرر أو قائد الشعب الألماني، فانتشر العاطلون الشقاء بين السكان، كما أنشئت معسكرات للعمل الإجباري، وأرسل إليها العمال، وخفت البطالة غير أن الحالة الاقتصادية لم تتحسن، وبدأت ألمانيا تتسلح سريا مما أثار مخاوف الدول الأخرى، ولم يحدث في العالم أحداث توازي نحو قوة ألمانيا النازية وزيادة تأثيرها في ظل هتلر، فهتلر اليوم يسيطر على أوربا، وكانت الدول الكبرى تنحني له اليوم وترتعد فرائضها لتهديداته، ولقد انتصرت ألمانيا لما خلق منها هتلر دون أن يكلفها أي انتصار عسكري أو أية حرب، وأصبحت دولة منتصرة قوية، وماتت معاهدة فرساي ودفنت. ولما كان في مايو ١٩٣٥ م أعلن هتلر بصورة عنيفة الغاء الفقرات الخاصة بعدم التسلح، كما أعلن الخدمة العسكرية الإجبارية، ثم أخذ ينفذ أكبر مشروع للتسلح، ولم تفعل عصبة الأمم أي شيء اتجاه هذه الأعمال، فلقد كان الخوف يسيطر على أعضاءها وخصوصًا فرنسا، ولذلك فقد تفاوضت مع الاتحاد السوفيتي لعقد تحالف بينهما، ولقد قامت فرق الصاعقة بالعنف والإرهاب والتعذيب والضرب، وأشد حملاتهم على الشيوعيين، واستأصلوا جميع اليهود في الوظائف والأعمال وطردوا ألوفًا من الزعماء والأطباء والممرضات من اليهود، وأحلوا مكانهم ألمانيين،

стр. 1135

وحدثت حماسة وكان الذين يؤيدون ذلك ٥٢ في المائة و ٤٨ مخوفون، وآخر ذلك خضع البقية وإن كانوا مرغمين، فأصبح الألمان يستطيعون التنفس بحرية مرة أخرى، ويشعرون أن الإهانة التي لحقتهم قد غسلت، وقد أحدث طرد اليهود واضطهادهم هزة عنيفة في أوربا وأمريكا بصفة أن المطرودين رجالًا اشتهروا في جميع أنحاء العالم بالعلم والطب والمحامات والكتابة والموسيقى، ومنهم من يعتبر ألمانيا وطنًا لهم، وتسابق العالم إلى الترحيب بهم، وقد أعلنت اليهود العالمية المنتشرة في جميع أنحاء العالم مقاطعتهم للبضائع الألمانية والمواد والمنتجات، وكل عمل يعود على مساعدة ألمانيا، وذلك بمجلس عقد في نيويورك، وقد ساعدت خطابات هتلر النازية وتهديده بإعادة تسليح ألمانيا على إخافة أوربا، وتكتلت دول أوربا لما خشيت قوة ألمانيا، وبدأت كفرنسا تتودد إلى الاتحاد السوفييتي كبولندا وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا ورومانيا، وطفقت يتقرب بعضها من بعض، وذلك لما استفادته من معاهدة فرساي التي قام هتلر بنقضها. ولما أن احتلت ألمانيا حوض السار في يناير ١٩٢٥ م على أثر الاستفتاء الذي أجري هناك، ونقض هتلر شروط عدم التسلح وغير ذلك خافت فرنسا وفزعت، أما انكترا فقد قبلت هذه الأعمال ولم تكتف بذلك، بل زادت عليها بأن وقعت معاهدة سرية بحرية مع ألمانيا تعبتر هذه المعاهدة بحد ذاتها نقضًا لمعاهدة فرساي، وهكذا نرى أن إنكلترا تجاهلت معاهدة الصلح، ومن العجب أنها عملت كل ذلك دون أن تستشير حليفتها فرنسا في الوقت الذي كانت فيه ألمانيا تتسلح بشكل أفزع كل أوربا، وكان هتلر يعتمد على مناصرة إيطاليا، وكان عداءه لروسيا مع تصريح صرح به أن من أكبر الكوارث أن تتخلى إنكلترا عن استعمارها للهند، مما يحسن الصلات بينه وبين إنكلترا ويجذبها نحوه، ولكن ماذا تصنع إنكلترا وقد أفزعها الإرهاب في ألمانيا، ومما قال هتلر في خطاب له في نورمبرج عام ١٩٣٧ م: إذا أردت مهاجمة خصمي فإنني لا ألجأ للمفاوضة واضاعة الوقت، وقضاء عدة أشهر فيهما ولكنني أعمل ما علمته دائمًا أخرج في جنح الظلام وأنقض عليه

стр. 1136

كالبرق الخاطف، وكان لما أن زحف هتلر على النمسا وضمها إليه وأعلن اتحادها مع ألمانيا وذلك في مارس ١٩٣٨ م، لم تنبس هذه المرة عصبة الأمم ببنت شفة، وبدأ النازيون في النمسا في شن حملة إرهابية عنيفة استمرت مشكلة الألمان تشغل بال أوربا عدة أشهر، وقد صرح تشمبر لن رئيس الوزارة البريطانية بأن إنكلترا لن تتدخل لإنقاذ النمسا، ولما ضمت ألمانيا النمسا اعتقد كثير من الناس أن دور غزوهم لتشيكوسلوفاكيا آن أوانه ولا سيما وقد ذهلت أوربا عندما رأت انتصار ألمانيا في النمسا. وكانت تشيكوسلوفاكيا أكثر بلاد أوربا ذهولًا إذ أنها أصبحت الآن محاطة من ثلاث جهات بألمانيا النازية، وكان مركز هذه الدولة من الناحية الدولية قويًا جدًا، فقد كانت دولة صناعية متقدمة وتملك جيشًا قويًا مدربًا، وترتبط بمحالفات مع فرنسا والاتحاد السوفييتي، كما كان الفروض في إنكلترا أن تقف إلى جانبها في حالة دخولها في نزاع مسلح، ولما كانت هذه الدولة الوحيدة الباقية في وسط أوربا موضع عطف الديمقراطيين في جميع أنحاء العالم بما فيهم أمريكا، وأصبح كيان الدولة نفسها في خطر لما ظهر واضحًا أن هدف هتلر هو القضاء عليها لأنها كانت بمثابة شوكة في ظهره، فإن السياسة الإنكليزية قد شجعت هتلر في عدوانه عليها متظاهرة أنها إنما تسعى إلى إيجاد حل سلمي، لذلك أرسلت الحكومة البريطانية اللورد نسمان كوسيط، ولكنه في الواقع كان يضغط بصورة مستمرة على الحكومة التشيكية لقبول طلبات ألمانيا، وأخيرًا قبل التشيكيون اقتراحاته برغم ضررها الكبير لهم، ولكنهم ما كادوا يقبلونها حتى طلبت ألمانيا منهم طلبات جديدة، ولم يكتفوا بذلك بل أعلنوا التعبئة العامة، وعندئذٍ ذهب المستر تشمبرلن بنفسه وقابل هتلر في بن ختسجادن، وهناك قبل إنذاره الذي طلب به تسليم مساحات واسعة من تشيكوسلوفاكيا بأن تقبل إنذار هتلر وشروطه وإلا تخليًا عنها كليًا؛ ولما سمع الشعب التشيكي بهذه الخيانة أصيب بصدمة عنيفة أذهلته، وإضطرت الحكومة أن تقبل الإنذار والحزن

стр. 1137

والأسى يملآن كل نفس عندها، ذهب تشمبر لن مرة أخرى وقابل هتلر في جود سبرج على نهر الراين فوجد أن الدكتاتور يريد الآن أكثر مما أخذ فلم يستطع تشمبر الموافقة على ذلك فعلم أنه اقترب شبح الحرب وظلل سماء أوربا في أواخر سبتمبر ١٩٣٨ م، وأخذ الناس يتسابقون لاقتناء الكمامات الواقية من الغازات السامة وحفر الخنادق في المنتزهات والجنائن خوفًا من الغارات الجوية، وثم ذهب المستر تشمبر لن مرة أخرى إلى ميونخ وقابل هتلر وحضر الاجتماع أيضًا المسي دلادينه والسنيور موسوليني زعيم إيطاليا، ولم تدع روسيا كما أن تشيكوسلوفاكيا لم تدع ولم تستشر، وإن كان الخبر أو الشر راجعًا عليها، وقبلت جميع طلبات هتلر في هذا الاجتماع، وقد هدد الغو هرر المجتمعين بأن عدم قبولها سيثير الحرب، ووقعت الدول الأربع اتفاق ميونخ في ٢٩ سبتمبر، ولا يخفى أن ذلك فعلته الدول الأربع وإن كان فيه العار والشنار عليها تسكينًا كهدنة أخذت فيها تعد نفسها لحرب طاحنة. التعريف بهتلر لما أن كان هذا الرجل هو المثير للحرب العالمية الثانية أحببنا التعريف به إذ كان جبارًا متعاظمًا، ولضخامة الحرب فلا غرابة إذا عرفنا كثيرها: هتلر كان رجلًا عظيمًا، ومن أخلاق ألمانيا وعاداتهم أنهم عرفوا بعلو الهمة والنشاط وقوة الإقدام، وغاية التبصر والتأني، والرسوخ والفطنة والشجاعة والبسالة، ودقة السياسة، ولولا فقرهم بالنسبة إلى أمم أوربا لدانت لسطوتهم بقية الأمم، وكان هتلر يؤثر القسوة والوحشة ويأخذ بالأمثال التي ينتج عنها ذلك، كان في أول أمره صعلوكًا، فتشبث بالعمل بالإجرة وكان لا يزال محتقرًا لأنه من غير بيت حاكم، ولم يكن مواطنًا ألمانيًا إلا قبل تسلمه الحكم بسنة أو سنتين، بل كان ألمانيًا نمساويًا، وقد اشترك في ثورة فاشلة ضد الجمهورية الألمانية وحكم عليه بالسجن، ولكن الحكم قد خفف عنه ثم ألّف حزبه المسمى الحزب الوطني

стр. 1138

الإشتراكي، وكان يؤيده في مبدأ أمره طبقة من ألمانيا، وكان جنديًا في صف ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، فنال وسامًا بدائيًا، وله من العمر إذ ذاك عشرون سنة، ثم بعد ذلك قام يتطلب المجد فانضم إلى ستة أنفار ثم زاد أتباعه إلى مائة واحد عشر، ثم إلى مائتين، ثم إنه ما زال يخدع الناس حتى أصبح أتباعه في خمسة آلاف، ثم بلغوا إلى مائة ألف، فلما عظم شأنه وعلا ذكره استجاب له أتباعه الذين وعدهم بالقيام بألمانيا والتقدم بها إلى الإمام وإنقاذها من رق الضرائب، وكان أسباب حبسه يرجع إلى ما تقدم من اشتراكه في الثورة، وكان ذلك وله من العمر ثلاثون سنة إلى خمس وثلاثين، وما زال يخطب الخطب الرائعة حتى استمال قولب العالم بها، ولخطبه وقع في النفوس لما له من الفصاحة وجودة اللفظ، وقوة الإرادة، حتى صوت له سبعة ملايين ولم ير أعظم من نفسه، كما في كلامه المشهور. إن أمي مثلًا كانت تبدو تافهة في مجتمع نسائنا المثقفات فيه قد عاشت لزوجها وأولادها، وهذا كان عالمها الوحيد، ولكنها وهبت ألمانيا ابنًا. وذكر مرة أن الرئيس هند نبرغ انتقد شبيبة يقولون له استيقظ استيقظ وهو ليس بنائم في الحقيقة، ففهم من ذلك الكلام أنهم يوجهون ذلك إلى ألمانيا، استيقظي يا ألمانيا لا يوجهون الكلام إلى شخصه. فلما تولى هتلر الرئاسة قام بألمانيا خلال هذه السنوات الخمس وأخرجها من قالب الذل إلى درجة شخصت لها العالم بأبصارها، هتلر وما هتلر، كان عاملًا يطلي الجدران بالأصباغ في بلاده النمسا، ثم صار عريفًا في الجيش الألماني، واشترك في الحرب العالمية الأولى، ولما أن جرح وأصيب في المثانة وسرحته فرنسا من الأسر بعد الحرب راح يشتغل بالرسم في ميونخ، وما زال يتطلب المجد حتى أصبح ذلك الرجل العظيم الذي دوخ العالم، وبهرت شهرته الدنيا بأسرها، وقد كان يولي فلسطين العربية أهمية كبرى في منهجه الخاص المرسوم لتحطيم اليهود العالمية والقضاء على النفوذ البريطاني المنتشر في الشرق الأوسط والعربي قضاء لا رجعة فيه، لذلك طمع به ملوك العرب وأوفد ابن سعود إليه وفدًا برئاسة خالد أبي

стр. 1139

الوليد للمفاوضة في شأن تسليح المملكة العربية السعودية باحدث الأسلحة الألمانية التي طبقت شهرتها الخانقين، كما قد طلب منه الملك غازي تسليح العراق بأسلحة حربية حديثة، كان أخطرها المدافع المضادة للطائرات التي أهداها هتلر إلى الجيش العراقي سنة ١٩٣٩ م. ولما أن قدم وفد ابن سعود على هتلر سأل هتلر رئيس إذاعته يونس بحري عن خالد هذا بعدما أبدى إعجابه بالملك ابن سعود وأنه رجل عصامي خلق في الصحراء مملكة ووحد القبائل والإمارات، وإنه رجل يستحق كل الاحترام، ولما أن أراد هتلر العظيم زعيم ألمانيا أن ينفذ خطته أمر الغو هرر في ليلة ٢٠ نوفمبر الموافق تشرين الثاني جيشه بالزحف على بولندا، فاخترق الجيش الألماني الممر الكوريدور الكاين بين ألمانيا وبولندا، واحتل مدينة وميناء دانزيك في حرب خاطفة صاعقية لم يعرف التاريخ لها مثيلًا بدون أن يعلن الحرب عليها، بل زحف فجأة وبدون سابق إنذار، وراحت القوات الجوية الحربية تقصف المدن والحصون الحربية البولندية تمهيدًا لتمكين الجيش الذي أطبق على قوات المارشال بلسوديسكي البولندي من كل حدب وصوب من تنفيذ الخطة التي رسمها هتلر ورؤساء أركان حربه بصورة محكمة، وقد استمات الجيش البولندي القوي في سبيل الدفاع عن مواقعه، غير أن السلاح الألماني الآلي الفتاك اكتسح ما يعترض في سبيله من معاقل حربية وحصون، وطحن الجيش البولندي الصامد في وجه ألمانيا طحنًا، فكانت الدبابات تمر على جثث ألوف المؤلفة من القتل. وفي ١٨ يومًا انتهت معركة بولندا بدون قيد أو شرط أو تسليم، وأخمدت هذه الضربة كل مقاومة في أرجاء البلاد الشاسعة، ولما أن جرى ذلك كان قد عزم هتلر على إزالة بولندا من عالم الوجود ومسح اسمها من على الخارطة الأوربية مهما كلف الثمن، ثم إنه اقتسمها هو وروسيا بعد ذلك، وفي فجر اليوم السابع عشر من سبتمبر دخل الروس شرق بولندا، وما انصرم الشهر

стр. 1140

حتى كان الصليب المقوف فوق نصف بولندا الغربي، والمطرقة والمنجل فوق نصفها الشرقي، وكانت الأساطيل الجوية الألمانية قد حولت مدن بولندا إلى ركام وأنقاض، ولما اقتسمها ظن هتلر وزعماؤه أن ذلك يضمن عدم قيام ستالين بعمل ضد ألمانيا إلى الأبد، وما عملوا أنه كان يفاوض بريطانيا لعقد معاهدة دفاع مشترك مع الحلفاء لخبثه ومكره، وكانت حملة هتلر على بولندا قضت على جيوش المارشال بلسوديسكي واقتيد الكولونيل بيك وزير خارجية بولندا أسيرًا، ولعبت قوات غورينغ اللوفتوافا الدور الرئيسي في تصديع الجبهة البولندية، ولقد أثارت تلك العاصفة اهتمام العالم عامة وخبراء الطيران الدوليين خاصة، فقد قضت طائرات الرائخ على السلاح الجوي البولندي، وشلت حركته بسرعة متناهية بالرغم من قوته ومتانة أسلحته، فكانت التجربة قاسية للأسلحة الجوية البريطانية الفرنسية لأن أسلحة القوات الجوية البولندية كانت من منشأ بريطاني فرنسي أضف إلى ذلك كثرة عدد أهل بولندا، فقد قيل أنهم كانوا ثلاثين مليونًا من البشر. وفي هذه السنة قامت بريطانيا ولجأت إلى تسكين ثورات عرب فلسطين التي ظلت تتلاحق وذلك تهدئه للأحوال، وعقدت مؤتمرًا سمي مؤتمر المائدة المستديرة في لندن اشترك فيه زعماء عرب فلسطين ومندوبون عن الدول العربية، واشترك فيه اليهود أيضًا لكن هذا المؤتمر منيَ بالفشل وإنما كان هذا من بريطانيا تخديرًا لأعصاب العرب في فلسطين حتى تضع الحرب أوزارها فيحكمون فيها بما يشاءون. ثم دخلت سنة ١٣٥٩ ه ـ استهلت هذه السنة ورحى الحرب العالمية الثانية طاحنة، وكانت بريطانيا لما رأت رئيس وزرائها تشمبر لن يميل إلى السلام، ويرجو هتلر باسم حكومته وباسم الإنسانية المعذبة أن يحفظ أوربا والعالم من شرور الحرب، اتهمته بالضعف وجعلت

стр. 1141

مكانه تشرشل فلم تطل المدة بعد احتلال بولندا أكثر من سبعة أشهر حتى زحفت قوات الرايخ الثالث إلى الغرب حتى وقفت مرابطة على طول خط الدفاع الغربي الممتد من بحر الشمال إلى حدود سويسرا، وأخذوا يبدون تذمرًا صريحًا من جراء حالتهم المفجعة. وفي صباح يوم ١٠ مارس ١٩٤٠ م أطلق هتلر رصاصة الانطلاق فانقضت الطائرات الألمانية الشتوكا على المعاقل والحصون الهولندية والبلجيكية والفرنسية واحتلت جيوش الرايخ الدانمارك بدون أن تلقى مقاومة، بل اكتفى ملك الدانمارك بتسجيل احتجاجه على خرق ألمانيا حياد الدانمارك، وكان الجنرال رومل يوقد القوات الألمانية، والجنرال غودريان يقود الدبابات التي اشتهرت في خلال الحرب الأخيرة بقوتها ومتانتها ومناعة دروعها الواقية، وراحت قوات الرايخ المسلحة لا تخرج من نصر إلا لتدخل في نصر جديد، واحتل الجنرال غودريان خط ما جينوا إذ وصل إليه من خلفه بطريق بلجيكا من حصن ليبج فقيردان، وسيدان، وانتهت هذه الحملة بتسليم فرنسا في ١٧ حزيران، وتم الاتفاق بين هتلر والمرشال بيتان على اقتسام فرنسا، فيحتل الجيش الألماني شمال فرنسا بما فيها باريس، ويبقى القسم الجنوبي من فرنسا تحت إدارة بيتان، على أن تكون عاصمته مدينة فيشي الشهيرة بمياهها المعدنية الصالحة لمعالجة الأمراض على اختلافها، ووقعت بينهما الهدنة على ذلك. إن هتلر لعجيبة تصرفاته، فكيف يقر رئيس فرنسا ولم يحتلها بعد أن ألقت السلاح واستسلمت، كما أنه لم يحتل المغرب العربي بل أعطى هتلر المارشال بيتان القسم الأكبر من فرنسا واحتفظ لنفسه بالقسم الأقل، وسمح لبيتان بأن يستمر في حكم المغرب العربي، والاحتفاظ بالمستعمرات الفرنسية وبالبلاد الواقعة تحت الانتداب كسوريا ولبنان وتخومها، وأقوى احتمال قيل في ذلك هو أن هتلر يعرف بيتان من قديم ويفظ شجاعته في الحرب العالمية الأولى وظفره وانتصاراته، ولا ينسى له يدًا تقدمت في الحرب الأولى إلى هتلر لما سقط هتلر جريحًا في المعركة في

стр. 1142

مثانته واقتيد إلى المستشفى العسكرية بمدينة ليل، فأجريت له عملية جراحية في المثانة ثم أطلق سراحه بعد الأسر، فصارت هذه عقدة لن ينساها أبد الدهر يعظم بيتان ويحترمه حتى حانت فرصة المكافاة، فيراه شيخًا أشيب مطاطا رأسه أمامه فيتفضل عليه ويسلمه عصا المارشالية، هذا الذي حمل هتلر على أن يفرط في مقدرات جيشه هذا التفريط، فلم يتم احتلال فرنسا، وترك الباب مفتوحًا، وهذا يعد من أخطائه الفاحشة، وقد أتيحت له فرص ينبغي له أن ينتهزها كما أهمل الاستيلاء على جبل طارق بإقفاله وإسبانيا، واعتبروا إحجامه خطأ عسكريًا يضاف إلى سلسلة الأخطاء التي ارتكبها أثناء الحرب، وكان واثقًا كل الثقة بأن النصر صائر إليه، وبما أن فرنسا العظيمة التي تقف في مصاف الدول الكبرى قد ألقت السلاح أمامه وسقطت تحت قوات هتلر وذلك لما قام سلاح ألمانيا الجوي محلقًا في جو فرنسا ونزل جنود المظلات في أسطحتها لم ترى بدًا من أن تسلم أمام قوات ألمانيا فإنه عزم على أن إنكلترا لن تستطيع الوقوف في وجهه وأمام قواته، وقد خاطب تشرشل في ١٩ تموز عام ١٩٤٠ م يقول: على المستر تشرشل أن يصدقني حين أقول له أني أتوقع انهيار إمبراطورية عظيمة لم يكن بودي أن أعمل على تهديمها وتمزيقها وإني لواثق من أنه إذا طال هذا النزاع بيننا فإن أحد الفريقين سوف ينهار حتمًا والمستر تشرشل يعتقد أن هذا الفريق هو ألمانيا، وأما أنا فأعتقد أنه سيكون إنكلترا، ولهذا أجد من واجبي في هذه اللحظة وأمام ضميري أن أتقدم بالنصيحة إلى بريطانيا العظمى لتدرس الموقف في ضوء الحكمة والعقل، وأعتقد أن من حقي أن أنقدم بهذه الدعوة لأني لست المغلوب في هذه المعركة، ولا أرى سببًا لدوام هذه الحرب وامتدادها، وإني لحزين جدًا حين أفكر بالضحابا الكثيرة التي تسقط فيها، ولهذا أريد من كل قلبي أن أضع لكل هذه الأمور حدًا رحمةً بشعي وبالشعوب الأخرى، وكان جواب تشرشل على هذه الدعوة التصميم على المضي في الحرب إلى النهاية. وكان المستر ونستون تشرشل رئيس الوزراء في الحكومة البريطانية جهارًا عنيدًا

стр. 1143

وقاسيًا صلبًا وخطيبًا بارعًا، فأثار بقوته واندفاعه وصلابته ووقوفه متحديًا القوات الألمانية، وروح المقاومة في الشعب الإنكليزي، وبذلك تمكن من الثبات والدفاع المستميت لما بدأ الألمان في إرسال غارات جوية هائلة على إنكلترا تمطر أهلها موتًا ودمارًا في هجمات مروعة لما رفض تشرشل عروض هتلر واستعد غورينغ المارشال للطيران الألماني، فوجه ضرباته الشديدة وغاراته الجوية الساحقة على السلاح الجوي البريطاني وعلى المراكز العسكرية في الجزر الإنكليزية، وبدأت المعارك بهجمات قام بها سلاح الجو الألماني فضرب موانئ لندن والمطارات الإنكليزية، ثم بدأ الهجوم على لندن نفسها ثم على المدن الصناعية الإنكليزية، وبذلك أصبحت معركة بريطانيا أعظم معركة جوية في تاريخ العالم، وكان غرض الهجوم الألماني الجوي الأول تدمير المطارات الإنكليزية والقضاء على أكبر عدد ممكن من الطاثرات والطيارين، وقد ابتدأت المعركة في آب من ١٩٤٠ م وامتدت إلى أواخر شهر تشرين الثاني، وكان هجوم الألمان شديدًا في شهر آب، وتتابعت موجاتهم واحدة تلو الأخرى، فلما اعتقدوا في أوائل شهر أيلول أن قد تم لهم ما أرادوه وقضوا على المطارات أو أكثرها توجهوا إلى لندن لضربها ظنًا منهم أنه لم يبق هناك قوة جوية كافية لحمايتها. ولما كان في سابع شهر أيلول هاجمت ٣٧٥ طائرة ألمانية مدينة لندن في وضح النهار وألقت عليها القنابل المتفجرة والمحرقة دون هوادة ولا رحمة فدهشت لندن لجسامة الخطب وهول الهجوم، وقامت بريطانيا في هذه العركة التي قلبت مصائر الحرب رأسًا على عقب وحاربت حرب المستميت، وقابلت السلاح الجوي الألماني بما تستطيعه من طياريها وطيارين الأميركان والكنديين والأيرلنديين واستعملت المدافع المضادة للطائرات حتى تمكنت من إسقاط كمية من الطائرات المحلقة فوق جوها يقدرها بعضى الناس بمائة وخمس وثمانين طائرة بينما كانت سيارات الإطفاء تعمل ليلًا ونهارًا لإطفاء الحرائق التي كانت تنشب في العاصمة من جراء هذه الغارات الألمانية فعدل الألمان من الغارات النهارية إلى الغارات الليلية وهذه وإن

стр. 1144

كانت لا تأتي بالغاية المطلوبة منها تمامًا وهي إصابة الأهداف المقررة، إلا أنها لا تقل عن الغارات النهارية خسائر في الأرواح والممتلكات، وأحلت ببريطانيا خسائر من القتلى تقدر بعشرات الألوف من المنازل ودمرت ما مرت عليه، وتركت مئات الألوف جرحى، وكانت معارك البحر في تدمير بريطانيا كمعارك الجو هولًا وتدميرًا، وبالرغم من هذه الخسائر العظيمة التي أصيبت بها الدولة البريطانية فإنها جمعت أعصابها وكانت تعمل ليلًا ونهارًا لإصلاح ما أفسده العدو في مطاراتهم ومراكزهم العسكرية مع مضايقة هجمات العدو هذه، وجعلت تؤكد أنها لم تضعف وأن هجمات العدو قد دربتها على المقاومة والثبات أبدًا، وتابع الألمان هجومهم حتى انقطعت المواصلات بين بريطانيا والقارة الأوربية بسبب استيلاء الألمان على فرنسا وسيطرتهم على أكثر أوربا. وبما أن الأسطول الفرنسي قد شارك الأسطول البريطاني في حماية البحار أول الحرب فإن الأسطول الفرنسي انسحب من المعركة بعد سقوط فرنسا وأصبح الأسطول البريطاني يكابد وحده تلك المهمات الصعبة الشديدة، وتمكنت قوات هتلر من إصابة عدد كبير من سفن الحلفاء، كما أصابت بعض السفن الحربية الكبيرة كحاملة الطائرات كوارجس والمدرعة رويال أوك وأغرقتها الغواصات الألمانية، أضف إلى ذلك أن إيطاليا قد انضمت إلى ألمانيا ودخلت في الحرب وكان لديها أسطول لا يستهان به، فأصبح الإنكليز مستهدفة للقصف الجوي وللحصار البحري الذي فرضه الألمان حول جزرها، ولقد حاولت بلغاريا الوقوف على الحياد في هذه الحرب، ولكن الضغط الألماني كان شديدًا عليها فاضطرت آخر الأمر إلى الاستسلام، وعقدت معاهدة صداقة مع المحور بحضور هتلر نفسه، وبعد إمضاء معاهدة الاتفاق والتعاون التي صدرت بين المحور وبلغاريا سارت الدبابات الألمانية في شوارع صوفيا تأييدًا وتأكيدًا للإعلان أن الجيش الألماني قد أصبح في داخل بلغاريا. ولما كان في ٢٧ من شهر أيلول ١٩٤٠ م عقدت اليابان مع دولتي المحور وإيطاليا ميثاق صداقة ومساعدة لمدة عشرة أعوام، وقد نص هذا الاتفاق على أن

стр. 1145

يساعد هذا التاريخ، وكان الغرض منه تحذير الولايات المتحدة من الانضمام إلى صفوف الحلفاء، وقد هاجم الإنكليز بعض السفن الحربية الألمانية فتمكنوا من بعضها وأغرقوا طراد ألمانيا، ولكن بعدما أغرقت الألمان طردًا كبيرًا إنكليزيًا يسمى هود، وعطبت غيره، ولكن الخسائر التي حلت بالإنكليز أضعاف أضعاف الخسائر التي تلحق بالألمان، لأن الألمان لم يكونوا يعتمدون على البحر في نقل ما يحتاجونه، بينما كان كل اعتماد الإنكليز على البحر في كل شيء، وسنعود عن قريب، ولما كونت حكومة فرنسية في فيشي خاضعة لألمانيا وتحت انتدابها ارتاحت نفوس السوريين الذين استمرت ثوراتهم تقض مضجع فرنسا. ثم إنه ألف بعض الضباط ورجال السياسة الفرنسية حكومة فرنسا الحرة برئاسة الجنرال ديجول، لكن الإدارة الفرنسية في سوريا تبعت حكومة فيشي فانتشر عملاء المحور الألمانيون في المنطقة وسيطروا على مطاراتها واتخذوها قاعدة لألمانيا في الشرق فبادرت إنكلترا إلى العمل متعاونة مع قوات فرنسا الحرة وزحف الجنرال ويلسن الإنكليزي والجنرال كاترو الفرنسي على سوريا بعد هذه السنة بل في السنة التي بعدها واستولوا عليها من قوات حكومة فيشي وأعلن الجنرال كاترو استقلال كل من سوريا ولبنان، فاعترفت بهذا الاستقلال إنكلترا والدول العربية رغم وجود جيش الاحتلال الفرنسي في البلاد. ذكر ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق فنقول انتشرت الدعاية الألمانية ضد بريطانيا في صفوف الجيش العراقي حتى قام بعض الضباط بانقلاب عسكري في هذه السنة بعدما مهدت الثورة في التي قبلها، وذلك بتشجيع هتلر للعراقيين، وكان بعض ساسة العراق الذين كان يقودهم الحاج أمين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني يعملون مع ضباط الجيش العراقي الأربعة الثائرين ضد بريطانيا للقيام بثورة في العراق وجعل أمين الحسيني يرسل رسله إلى برلين وأنقرة وروما للاتفاق مع ألمانيا وإيطاليا على إرسال الأسلحة اللازمة لتجهيز الجيش العراقي، وجعله قادرًا بأسلحته المحورية على مقارعة بريطانيا

стр. 1146

وطردها من العراق، وإذا سمحت الظروف من الجزيرة العربية لذلك قرر الحاج أمين الحسيني وهو ببغداد الاتصال بروسيا لكي تسمح للضباط الثائرين أن يحصلوا على السلاح الألماني المرسل منها عبر روسيا، فالقفقاس فإيران فالعراق بطريق راوندوز العراقية، وقرر الزعيم رشيد عالي الواقع تحت سيطرة المفتي وتأثيره المباشر، وقد ارتكب الكيلاني حسب إرشاد المفتي الحاج أمين وتوجهه خطأ كلفه وكلف العراق ثمنًا غاليًا وطلب من أخيه كامل الكيلاني بصفته سفير العراق في أنقرة أن يقابل السفير الروسي ويخبره بأن الحكومة العراقية التي هو رئيسها يومئذٍ قررت إعادة العلاقات الدبلوماسية بين العراق وروسيا وتبادل السفراء بين البلدين، فوافقت بدون تردد في الوقت التي تعمل فيه سرأ للتحالف مع بريطانيا وحلفائها، وبعدما وافق ستالين ما طلب بالسماح بمرور السلاح الألماني إلى العراق عبر روسيا. أما ملك العراق فيصل الثاني بن غازي الذي كان له من العمر إذ ذاك خمس سنين فقد قرر فر لذلك الانقلاب، وفر الوصي عبد الإله بن علي بن الحسين خال الملك وولي عهده، وفر بعض السياسيين إلى خارج البلاد واحتمى بعضهم بالمعسكرات البريطانية، ثم إنه كون رشيد عالي الكيلاني حكومة وطنية تحت نفوذ الضباط وأعلن خلع الوصي، واختير مكانه وصي آخر من الأشراف، وحاول رشيد عالي الاحتفاظ بصداقة بريطانيا لكنها رفضت الاعتراف بحكومته فتأزمت الأمور بينهما، ووجهت الحكومة العراقية قوات من الجيش للاستيلاء على مطار الحبانية أكبر قاعدة جوية بريطانية في العراق، فقامت القوات الإنكليزية وتأهبت للقتال ووصلتها إمدادات من الهند ومن شرق الأردن، وبعدما كانت حكومة رشيد تنتظر إمدادًا من ألمانيا تأخر وصول الإمدادات فاصطدمت بها القوات البريطانية في الفلوجة فهزمت الكيلاني وجنوده واحتلت بغداد فسقطت حكومة رشيد عالي، وفرَّ الحاج أمين الحسيني وفرَّ على أثره رشيد الكيلاني هاربًا إلى ألمانيا، وبعد القضاء على الثورة عاد الوصي عبد الإله وفيصل إلى العرش وحكم بإعدام كثير من

стр. 1147

الضباط الثائرين، وشكلت حكومة موالية للإنكليز، وإنما اختير هذا الصبي ملكًا على العراق بوصاية خاله إجابةً لرغبة الإنكليز التي سخطت أعمال والده غازي، حيث عارض المشروعات البريطانية وانتهج سياسة تحريرية فقتل في حجة اصطدام سيارته، وهكذا تصنع السيارات بمن يخالف تعاليم بريطانيا، وبعد ذلك قطعت حكومة العراق علاقتها مع ألمانيا وألقت القبض على الرعايا الألمانيين الموجودين في العراق وسلمتهم إلى الحكومة البريطانية فألقتهم حيث أقاموا في معتقلات الأسر طول مدة الحرب. ولما قدم المفتي والكيلاني إلى ألمانيا في الربع الأخير من سنة ١٩٤١ م قدم أولًا المفتي وبعد أربعين يومًا قدم الكيلاني مع أركان حربه جزير سليمان وحكمت سامي ونجدت الشواف، فحلوا ضيوفًا لدى المفتي الحاج أمين الحسيني، غير أن رشيد عالي لم يلق إكرامية بينما هو في ضيافته، قال يونس بحري جئت أزوره وكنت أنتظر أن أرى الكيلاني مرحًا كعادته عندما كان رئيسًا للديوان الملكي ببغداد في هاتيك الأيام التي كنا فيها تحت راية الملك غازي نقارع الاستعمار، فرأيت هذه المرة أمامي رجلًا قد أنهكت الأيام قواه، لقد كان يبكي وهو يقطع شعور رأسه بكلتا يديه، ثم التفت إلى وهو يقول: لقد سجنني، لقد مضى علي عشرون يومًا وأنا على هذه الحالة، لقد منعني من الاتصال بأحد يا أخ يونس، أرجوك أن تنقذني أريد حريتي وإلا أعيدوني إلى بغداد وسلموني للحكومة، وهناك دعوهم يشنقوني، إنني أفضل الموت على مثل هذه الحياة، ثم إنها أذيعت في ألمانيا أنباء مجيئه إلى برلين وأكرم مثواه، ولقد حافظ صاحب الجلالة الملك العظيم عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في هذه الحرب العالمية على الحياد والمودة كما فعل في الحرب العالمية الأولى، فكان هذا من حسن حظ البريطانيين لأنه لو كان ابن سعود قد انضم قبل الحرب إلى المحور الذي لم يدخر جهدًا لحمله على ذلك لكان من العسير أو من المستحيل إخراج الإيطاليين من الحبشة وأرتيريا، ولو أن ابن سعود تردد لكان من المحتمل أن تقضي الثورة التي قام بها

стр. 1148

الكيلاني في العراق إلى نتائج أخرى مختلفة جدًا، ولكنها تحولت فصارت تمهيدًا لدخول العراق في الحرب إلى جانب الأمم المتحدة وصار ابن سعود بجانب عظيم من شكر الولايات المتحدة والإنكليز له وشكر رعاياه الذين ينتظرون منه في مقابلة السلطة التي يتولاها أن يكون ركينًا حصيفًا لا خلل في تدبيره وأن يجنو أهم ثمار عقله وحكمته. ذكر من توفى فيها من الأعيان ففيها في ١٥ رجب توفى الشيخ الماهر عبد الله بن سليمان بن بليهد قاضي حايل ﵀، وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله بن سليمان آل بليهد، كانت قبيلته من بني خالد يتسلسل نسبه إلى مضر بن نزار، أخذ العلم عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وعن الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعن الشيخ عبد الله بن محمد بن فداء، وجميع بين العلم والشجاعة والعقل والذكاء والبصيرة، وجدَّ واجتهد حتى بلغ شأو المفاخر، وأصبح موضع الإعجاب من أمته وحكومته، ألف مناسكه التي صدق عليها قول القائل في مدحها من أبيات فيها: قد أوضح الدين الحنيفي نهجها ... لأئمةٍ سادوا بنيل سماكها وتمسكوا بأدلة كالشمس في ... إشراقها فالسعد في إمساكها تسعى إليك هديةً من خادمٍ ... للعلم كي يحظى بحسن دراكها فأرشد بها غاوي الطريق فإنها ... شمسٌ تنير وأنت من أفلاكها وألف أيضًا رسالة نصيحة لأهل مكة وغيرها صاح بها صيحة في دعوة الناس إلى التوحيد لله بلغت الأفاق، وكانت مختصرة تبلغ نصف كراسة، وله رسالة في هذا النمط وله غير ذلك.

стр. 1149

ذكر الوظائف التي نالها جلس للتدريس في مدينة بريدة وأخذ عنه جهابذة من العلماء، فمن أخذ عنه الأخ الفاضل عبد المحسن بن عبيد، وأخذ عنه أيضًا الشيخ محمد بن عبد العزيز العجاجي، وأخذ عنه من أهل حائل الشيخ حمود بن حسين الشغدلي، وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن ملق وغيرهم، وتولى وظيفة التدريس أيضًا في البدائع المعروفة في القصيم، وكان يؤم في مسجد هناك، وتولى أيضًا التدريس في البكيرية، وشغل وظيفة الإمامة في أحد مساجدها وكان ذلك قد وافق زمن اختلاف ومحن من ولاية آل رشيد فيعلّم ويرشد وقد يذهب إلى الفوارة الهجرة المشهورة، فلما أن دخلت أم القرى تحت ولاية ابن سعود جعله الملك رئيسًا للقضاة هناك لما قام به من المؤهلات، وسعة الرأي، وكمال العقل، فكان في رئاسة القضاء معظمًا ومحترمًا، وقام بدين الله أتم القيام وحرق كتبًا كثيرة في بعض مكاتب مكة موجودة بعد عهد الأتراك قد تداولتها الأيدي من كتب الضلال، وانتصر لدين الله ورسوله انتصارًا لم ينله في زمنه سواه، وانتصر لأهل الحق وقام بتوقيرهم، ثم إنه نقل منها وجعل على قضاء حائل فكان لدى الأمير الشهم فيها عبد العزيز بن مساعد رئيسًا للقضاة في الجبل، وكان يحب النزهة والفرجة لأمراض تختلف على بدنه في حالة إقامته، فلكثرة ذهابه وإيابه وأسفاره قل تدريس آخر عمره، وكان مقيمًا لدعائم الملة الحنيفية، ومحببًا إلى أهل الملة المحمدية كهفًا للإخوان، وغيظًا لأهل الضلال والطغيان، فلله ما أحسن حاله وما أنعم باله، وما أقل أمثاله، أضف إلى ذلك سخاءً وكرمًا وجودًا، فحدّث عنه في الفضل ولا حرج، وإن عميت أعين الخفاش في وسط النهار فللشمس أعين تراها وماذا على البدر من نباح الكلاب وعواها، وقد كان بعض الأعراب المتدينين ينالون من عرضه لركوبه السيارات في أول ظهورها وتعاطيه الأخبار في آلة اللاسلكي ويرونه متسامحًا في أمور الدين، ومترخصًا وهذه صفته:

стр. 1150

كان قصير القامة، قليل اللحم، يخضب لحيته بالحناء بعدما علاها الشيب، ويظهر من وجهه البشر ويبرق بالسرور والطلاقة، ليس بالعبوس ولا المقطب، وكان أصله من القرائن ثم انتقل بعض أسرته إلى القرعاء القرية التابعة لبريدة، وكنت أظن أن نقله من الحجاز لأن الجو لم يوافق له هناك. ذكر أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ومقاماته في الإسلام كان الشيخ عبد الله بن بليهد من أعظم المقربين عند الملك عبد العزيز، وكثير المناصحة له، إذ هو المقدم على رأس المجتمعات العظيمة، ولما كان في بعض الأيام دعى صاحب الجلالة بالعلماء واستوفدهم إليه في الرياض، وجعل يشكو زهد الناس في العلم وطلبه وأنه لا يطلب العلم إلا متعطل الأسباب كأعمى وقاصر في أمور الدنيا، فأجابه الشيخ عبد الله بقوله: نعم يا طويل العمر وما بال أهل العلم لا يكون عددهم قليل وهم لا يجدون الكفاية في أمر معيشتهم، فلو كان لديهم كفاية لفرغوا أوقاتهم للطلب، وأكبوا على الدراسة، وحصلوا على معلومات كثيرة، فلما أصبح طالب العلم فقيرًا لا يجد ما يسد به حوائجه وحقيرًا لدى الناس ضيق المعيشة، لا يجد ما ينفقه على نفسه ولا على أهله، فإن أعطيتموه شيئًا من بيت المسلمين فإن حقه نذر يسير، وإن حضر فإنه في آخر المجالس لا يلتفت إليه ولا يراعى ولا يقرب، كانت بضاعة العلم كاسدة بين الناس ولا يصبر على مكابدة مرارته إلا أفذاذ الرجال، فإذا أحببتم العلم وأردتم أن ترفعوا مستواه فأسسوا مدارس ومعاهد وشجعوا الطلاب بالمكافات الشهرية، وأكرموا العلماء وقدروهم وارفعوا من شأنهم، وجعل يحث على رفعة العلم والعلماء وإكرام العلم، وطلب من صاحب الجلالة تأسيس مدرسة كبرى لطلاب العلم في بريدة تكون دارًا للحديث والعلوم الدينية، وأن يصرف لأهلها كفاية من المطعم والمشرب واللبوسات، وأن يكون الشيخ عمر بن سليم إمامًا في مسجد وسط البلد وأشياء طلبها، فبادر الملك إلى ذلك وأسست هذه المدرسة حوالي سنة ١٣٤٥ هـ ولكنها لم تنتظم والقصد من هذه المدرسة أن تكون مأوى

стр. 1151

لكل غريب وفقير من طلاب العلم، ويا ليتها انتظمت وأصبحت يتردد إليها كل غريب وفقير، ولكنها ويا للأسف تأخرت وأملنا عظيم بحكومتنا أن تقوم بإكرام أهل الدين وفتح ملاجئ وبيوت للعجزة، وإنشاء مستشفيات وإصلاح طرق وغير ذلك مما يعود نفعه على البلاد. وكان جلالة الملك عبد العزيز يصبر على ما ينال جانبه ويتحمل العنف من المشايخ إذا ما بدت غيرتهم لله ولدينه، وذلك لما منحه الله من الخصال الجميلة والمكارم، وكنت أظن أن الله جلت قدرته إنما مكن له في الأرض وبسط ملكه وأعلى شأنه لإكرامه العلماء والعفو عن زلاتهم وأخذ نصائحهم، وكان المترجم يغلظ في النصيحة، حتى قال مرة: يا عبد العزيز إن بيت المال للعلماء والقضاة والمفتيين والأئمة والمؤذنين ليس بيت مال المسلمين خاصًا لجنودكم، وسمع جلالة الملك سيارة لحديدها وأخشابها قعقعة في مسيرها فجعل ينظر إليها من النافذة استنكارًا لصوتها وإلى جانبه الشيخ عبد الله، فسأل الملك عن هذه السيارة بعض من حواليه؟ فأجابه الشيخ قائلًا: هذه سيارة المشايخ التي تبعثونها إليهم إذا أرتم حضورهم. وكان الشيخ يحبذ للعامة ركوب السيارات والانتفاع بهذه المخترعات الحديثة، ويبين أنه لا مانع من ذلك ولا ينبغي للإنسان أن يتجاهل ويكون غبيًا، فإن الإنسان عدو ما جهل. أما كرمه وجوده فقد جعل موضعًا للضيافة، وحدثني من رأى بذله وجوده أنه كان في ضيافته ثلاثة أيام ولقي هناك أنواعًا من الأطعمة والأشربة كاللحم والأرز والخبز واللبن والشاي والبن، قال ثم استأذنته بالرحيل وودعته فسألني عن الإقامة في حائل وهل كان لي أهل؟ فلما تبين له أني أريد الإقامة ولا أهل لي في البلد طلب أن أتردد شهرًا كاملًا، وقال يا بين إن الشيء خارج لك أو لغيرك وهذه عادتنا فلا نتكلف للضيوف، وكان لديه سيارات ويحمل من استحمله، وكم له من يد بيضاء تجود بنفع المحتاج وكسوة العاري وإطعام الجائع، ومن فوائده أنه وعظ مرة فقال في موعظته:

стр. 1152

ما أحرص الشيطان على حرمان ابن آدم من الأجر، إني رأيت مرة رجلًا صلى مع الجماعة، فساعة سلم الإمام قام ليخرج مسرعًا، فلما خرجت قدمه الأولى وقف يفكر إلى أين يذهب، ولبث كذلك بين السوق والمسجد فعجبت كيف أقامه الشيطان من موضعه ذلك الذي ما دام فيه فإنه في صلاة وفوت عليه الثواب والحسنات، فيا له من حبر أديب شهدت له بالفضل محاريب العلا، وعرفه بالمكارم أهل الخبرة والنهى، فيا ليت شعري من مثل هذا الشيخ ومن يباريه في الفضل أدبًا وعلمًا ودينًا وعقلًا، وأنى لنا مثله، ولكنه من رجال كانوا فبانوا، وقد امتدحه الأدباء والأفاضل وترنموا بمديحه نظمًا ونثرًا في حياته وبعد وفاته، قال بعض المدنيين في قصيدة يمتدحه: إمامٌ له في المشكلات إذا دجت ... مقال لدى التحقيق يسفر عن فجر يجدد من تلك العلوم رسيسها ... ويحي به ميت الفؤاد مدى الدهر فلا غرو أن عاد الحجاز به سنًا ... وجر ذيول الفخر تيهًا على مصر هو الشهم عبد الله آل بليهد ... مؤيد دين الحق بالعز والنصر فمن ذا يضاهيه سموًا ورفعةً ... وفضلًا ومجدًا وهو أوحد في العصر وماذا يقول الواصفون وفضله ... تجلى فحلى فائق النظم والنثر إذا رام شخصٌ مادحٌ حصر وصفه ... فقولوا له قصر فقد جل عن حصر ولما مات رثاه العلماء والأدباء بمراثي كثيرة حسان، وباحوا بما عندهم ونحن نسوق بعضًا من كل، فمن ذلك ما قلناه فيه لما فجعنا بموته، بل الله ثراه بوابل العفو والغفران وأسكنه عاليات الجنان يمتع في جوار سيد ولد عدنان ويطوف عليه بالأباريق والأكواب فيها الولدان: على الحبر بحر العلم فرد الفضائل ... وبدر الدجى فالبيك كل القبائل على عالم التوحيد لا زلت باكيًا ... بدمع غزيرِ ساكب بل وهاطل عنيت به ذا الحزم بل كامل الحجا ... يعز علينا فقده في القبائل فأعظم بهذا الرزء أي مصيبة ... كفقدٍ لعبد الله زين المحافل

стр. 1153

هو الحبر ذو التحقيق نجل بليهد ... سليل سليمان كريم الشمائل حبيب رحيب بالوداد ومكرم ... لأهل العلوم الطيبين الأفاضل فيا أسفا من فقد ذي الجود والندى ... ومروي الصدى من غامضات المسائل لقد كان ذا قلبٍ سليم سرائر ... سؤول لمولانا جزل الفضائل يحب ذوي الإيمان من كل مخلصٍ ... ويبغض أهل الزيغ من كل جاهل يحامي على الإسلام من كيد مارق ... ويدمغ يافوخًا لأهل الأباطل له غيرةً لله تحمي محارمًا ... لدين الهدى إن رامه كل خاتل له في علوم الشرع باع طويلةً ... يقصر عنها خطو كل مماثل وفي كل الفنون أمسى محققًا ... بفهمٍ منيرٍ واقد في المسائل يبين أحكام الشريعة جاهدًا ... بتقرير مندوب وحظر لباطل وكم باع أردى بشهب علومه ... وقطع أعراقًا لها بالمعاول إذا جئته بالليل تلقاه خاضعًا ... ملحًا على المولى وليس بكاسل وفي كل آناء النهار بعلمه ... يبصر حيرانًا ويهدي لجاهل إمامٌ لعمر الله يسطو بحجةٍ ... ويجلي داجي مظلمات المشاكل وإن جئته في الجود تبغي لنيله ... فسبحان من يعطي جزيل الفضائل له خلق زاك يميل إلى العلى ... ويبذل مما عنده غير باخل إذا جاءه من مبتغي الفضل عاجزٌ ... يجد عنده كشف الهموم النوازل يجود ببذل المال لله وحده ... سجيته بذل الندا في القبائل وما همه جمع الحطام لوارثٍ ... وتحصيل مشرباتها والمآكل به تشهد الوفاد إن كنت سائلًا ... فسل ساكنًا في طيئها وأهل حائل فيأتيك بالأخبار من قاطن الحمى ... وضيف ثوى والمحصنات الأرامل له نهمةٌ في الجود والعلم والنهى ... فسل منصفًا عماله من فضائل ودع أحمقًا في غيه وضلاله ... ومن كان شريرًا كثير الغوائل وخنزير طبع بالسواقط مولعًا ... فهمته كسب القذا في المزابل

стр. 1154

فنشكوا إلى الله الخطوب جميعها ... فيا محنة الإسلام من كل عاطل وقد جاءنا عن سيد الرسل أحمد ... نبيّ أتى بالمعجزات الدلائل بأن ذهاب العلم موت رعاته ... وبعدهم تبقى شرار الرذائل فمن مثل عبد الله في الناس كلهم ... خبيرٌ بصيرٌ ماهرٌ في المسائل يغوص بفهم حاضرٍ متوقد ... لحل عويص المشكلات النوازل تغمده رب العباد بعفوه ... وإحسانه والله أقدر فاعل فيا من هو العالي على كل خلقه ... تمد الأيادي نحوه في المسائل ويا قاهرًا فوق العباد بقدرةٍ ... تباركت خلاقًا تجيب لسائل أغث قبره بالمن منك تفضلًا ... ونعمه في الجنات مع منازل لأن كان أمسى رهينًا بقبره ... فنرجوا له العقبى بدار الأفاضل ونسأل رب العرش يحسن عزاءنا ... ويحبر مكسورًا دهي بالمهاول ويبقى لنا حبر البلاد وشيخها ... فتى من سليم عالمًا بالدلائل فيا رب متعنا به وعلومه ... وتكفيه شر الطارقات النوازل وصلِّ إلهي ما تألق بارقٌ ... وما اهتزت الأزهار في صبح هاطل وما أمُّ بيت الله من كل سائر ... وما هل في الغبرا رذاذ الزواجل على أحمد الهادي إلى خير شرعةٍ ... وآل وأصحاب كرام فاضل وقال أيضًا الشاعر الحجازي أحمد بن إبراهيم الغزاوي يرثي الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد، وكان يعرف عن أخلاقه وشهامته حينما كان الشيخ قاضيًا في مكة: في مثلك الصبر عند الله يحتسب ... والعلم يرفع والأشجان تصطخب يا ويح كل فؤادٍ أنت موقظه ... أمسى بفقدك في أعماقه يجب ويا رزية هذا النعي في ملأ ... كأنما الدمع من أعماقه عبب ترمض عبراته حزنًا على جدثٍ ... فيه السماحة والأخلاق والأدب ما للجفون أراها فيك دامية ... كأنما هي بالأحشاء تنسكب

стр. 1155

هيهات أودى الردى في غير ما لجب ... بمشمخرٍ من الأطواد ينشعب حبرٌ من الصفوة الأولى علقت به ... فما فتئت أعاني فيه ما يجب هوى به الموت في لجي غمرته ... فأين لا أين ذاك المدرة الذرب في ذمة الله ما ألقى به وله ... من رحمة الله ما نرجو ونرتقب ما كان إلا جنانًا ثابتًا ويدًا ... تشد أزر الهدى والوعد مقترب تبلو الشريعة فيه حاذقًا فطنًا ... من الذين لهم في شملها دأب يجيش كالموج أو كالبحر منطقه ... ولا تباريه في آفاقه السحب في قلبه من ضحى الإسلام ألويةً ... خفاقةً وهي في غاراته خطب وفي سويدائه التوحيد مدرعٌ ... حسن اليقين غير أنه لهب إذا انبرى في مجال من مواقفه ... حسبت سحبان تجثو حوله الركب عجبت للحد هل في اللحد متسعٌ ... حتى انزوى فيه رضوى فهو محتجب بشد ما ضاقت الدنيا به أبدًا ... فكيف وأراه شبرٌ وهو منقلب ما لي وللندب فيمن خطبه جلل ... ومن عليه حدود الله تنتحب لا نملك اليوم إلا زفرةً ورضا ... بما قضى الله فيه ثم تحتسب وما قضى من له في ربه أمل ... ولا قضى من له في دينه نصب فإن ذكراه في الآصال باقيةً ... والموت حق وما من دونه هرب فضاعف الله أجر المؤتسين به ... في جنة الخلد وليعظم به السبب وعوّض الدين عنه خير ما طلعت ... عليه شمس الضحى أو غارت الحقب وقيل فيه مراثي كثيرة رثاه بها الشعراء والأدباء وأطالوا، فمن الذين رثوه الشيخ عثمان بن أحمد بن بشر، ورثاه أيضًا الأخ في الله والمحب فيه عمر الوسيدي وغيرهم، ولا نطيل بذكرها. ولما مات أحصي ما عليه من الديون فإذا هي كثيرة جدًا فتولى قضائها جلالة الملك عبد العزيز بن سعود، وصليَّ عليه في الآفاق بالنية، وله أنجال كرام ليس فيهم من يسد ثلمة والده، ثم إنه جعل الملك عبد العزيز مكانه في قضاء حائل وما يليها فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن دهيش، وكان رزينًا صالحًا وذا شخصية بارزة.

стр. 1156

وممن توفى فيها من الأعيان الشيخ عبد العزيز بن بشر، وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم القاضي العارف المتفنن في العلوم عبد العزيز بن عبد الرحمن آل بشر من بني زيد من شقراء، وكان فيه صلاحية للقضاء ومؤهلات للأعمال، فجعله ابن سعود قاضيًا في بريدة لما دخلت في ولايته للمرة الثانية، وكان القاضي قبله إبراهيم بن حمد بن جاسر، فلما قدم الشيخ المترجم تولى القضاء وأخذ يدرس في العلوم الدينية، ومما نقل عنه أنه لما قدم إلى ضواحي البلد مساء استضافه رجل من أهالي الصوير القرية المجاورة للبلد إلى جهة الشرق، فلبى طلبه وقال: سندخل البلد صباحًا ونسلم في آخر النهار من تبعات المسؤولية، ومعنى هذه الكلمة كل واقعة من القضايا تحل ويسلم القاضي منها تعد غنيمة، وكان سخيًا كريمًا مبذالًا، واتخذ كاتبًا من أهالي بريدة وهو عبد الله بن ناصر بن سليمان بن سيف نجل الشيخ ناصر ابن سليمان، ووافق قدومه المسغبة التي جرت على نجد، فألّف رسالة مختصرة فصيحة للمسلمين في هذا الموضوع فاستمر في القضاء ثلاث سنين، ثم أنه لعدم معرفته بالناس وتمييزه لطبقاتهم اختلط لديه الحابل بالنابل وسعى بعض أهل الأغراض فتوترت العلاقات بينه وبين بعض العلماء، فساءت الحال إلى أن نقل من القصيم إلى الإحساء فتولى القضاء هناك وقام بهذه الوظيفة قيامًا حسنًا، ولبث في الإحساء مدة طويلة، ثم أنه نقل إلى قضاء الرياض، ثم إنه أسنَّ وهرم فكان من المعمّرين لأن ولادته حوالي سنة ١٢٧٣ هـ، وقد رأيت له تقريرًا لتضعيف إمامة المرأة للرجال في صلاة النافلة وهذه المسألة التي قال بضعفها من مفردات الإمام أحمد، وقد انتقد الشيخ عبد العزيز بعض العلماء بشأن هذه المسألة، ولما مات صلى عليه المسلمون في سائر الأقطار بالنية، وكان الذي خلفه على قضاء الإحساء الشيخ سليمان العمري، أما القاضي بعده في الرياض فقد جعلت الحكومة بعده الشيخ ابن زاحم والشيخ عبد الله بن حميد. وفيها أمر الشيخ القاضي عمر بن محمد سليم بنقض بناية المسجد الجامع في مدينة بريدة وإعادة بنايته لأن المسجد قد تضعضع بعض بنائه لكثرة ما يتردد عليه

стр. 1157

من السيول على مر السنين، فشرع في هدمه وأضيف له سعة من جهة الشمال، وقام الشيخ بأعباء العمل، وكان قد شاور الأعيان من الأهالي فوافقوه على ذلك، غير أن الشيخ هو الذي باشر المهمة بنفسه وبعث بالأخبار إلى جلالة الملك، فبعث الملك أيده الله ورفع قدره مساعدة على العمل، وهذه المساعدة قدرها خمسة عشر ألف ريال فرنسي، وتقدر بخمسة وأربعين ألف ريال سعودي، وكم لهذا الملك من الأعمال الطيبة والمسارعة إلى كل مشروع ديني، ولما أن هدم إلى اسه عدل الشيخ جهته وأقيمت العمد كأحسن ما يكون في القوة والحسن، وجعل محل السقف الخشي عقودًا من الحصا وكان الشروع في العمل في ١٥ جمادى الأولى، ثم إنه جلب إليه مهندسين وأكثر من العمال في بنائه فاستقام من طين وأحكم بنائه إحكامًا مبرمًا، وقام الشيخ أكمل القيام فكان يباشر وضع العمد والجدر ويرشد المهندسين إلى إكمال العمل، وقد وزع الأهالي وقت بنائه في أربعة مساجد من بريدة، وكان انتهاء العمل في ٩ شعبان إذ امتد وقت العمارة ثلاثة أشهر إلا قليلًا، وتعتبر هذه المدة قصيرة لكبر المسجد ولأنه أصبح يسع خمسة آلاف من المصلين، وتعد هذه الخطة حسنة خالدة في تاريخ الشيخ المذكور والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وقد قام أهالي عنيزة فعمّروا مسجد الجامع في مدينتهم وأتقنوا صنعته، وقد امتاز علمهم الخيري بأن غالب النفقة كانت من الأهالي وفقهم الله وأكثر القائمين بالأعمال الدينية. وفيها طلب أهالي مكة من جلالة الملك عبد العزيز أن يسنّ بهم سنته في أهل تجد بأن يجعل عندهم من ينظر في مشكلات القضاء، وشكوا إليه ما يقاسونه من ضياع أموالهم في طول المراجعات والتردد إلى المحاكم، فأتحفهم بالشيخ العالم العاقل محمد بن عبد العزيز بن مانع صاحب شرح عقيدة السفاريني، وكان عالمًا حسن الخلق ذا بصيرة وسياسة وتجربة في الأمور، أشمط اللون، قصير القامة، فجلس المذكور في مكة على كرسي العدالة، وطلبت منه الحكومة رجالًا من المنتسبين إلى العلم في نجد يكونون مرشدين يعظون في مساجد مكة المشرفة ويدّرسون في كتب

стр. 1158

الحنابلة على الشيخ المذكور، ويكون يضاف إليهم من الأعمال كونهم أعضاء في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هناك بشرط أن يكون أولئك المذكورون من تلامذة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ومن تلامذة الشيخ عمر بن محمد بن سليم، فذهب المذكورون إلى مقر أعمالهم التي طلبوا إليها، ولما أن وصلوا في هذه السنة إلى أم القرى أخذوا في الدراسة على الشيخ محمد وانبعثوا يرشدون في مساجد مكة وما يليها، كان يذهب المرشد إلى أحد المساجد فيصلي مأمومًا ثم يأخذ بعد الصلاة في الموعظة والإرشاد، ويا حبذا هذا العمل الخيري، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يقوم به الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع والأعضاء الذين معه فكانوا في قوة وعزيمة ونشاط، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ومن الأعضاء من لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد كان يجلس الرئيس محمد بن مانع وإلى جانبيه الأعضاء من الحجازين والنجديين فيؤتى بالمجرم فيوتف أمام الهيئة يسوقه العسكري، فيقرر على جنايته هذا شتم، وهذا لم يشهد الجماعة، وهذا يشتكي جاره، وذلك مؤذن يشكو زميله يقول أقام للصلاة ولم يؤذن، وهذا شرب مسكرًا، وذا عثر على أنه يفتح الراديو في الملهى إلى غير ذلك، فيعزر العاصي بما يستحق ويردع المعتدي، وكثيرًا ما يجري الخلاف في كثير من المسائل، هذا وقد جعل لكل شخص مرتب شهري يصرف له من الأرز والسمن والتمر واللبن والسكر والشاي والنفقة والسكنى والكسوة. وفيها نزل غيث عظيم على مكة المشرفة حتى سقط منها مائة وأربعون بيتًا، وخرب لذلك بعض مجاري عين زبيدة، ودخل السيل في المسجد الحرام حتى كان على قدر قامة الإنسان، وبلغ حوالي باب الكعبة المعظمة، وخرّب أسلاك الكهرباء بعدما دخل إلى أعمدتها فاضطرت الحكومة السعودية إلى وضع اسطوانات من حديد يجعل من بينها ألواح خشبية في أبواب المسجد الحرام للوقاية من دخول السيل فيه، لكن الله دافع عن الأنفس البشرية، كذلك قامت الحكومة بإنشاء سد في أعالي مكة ليصرف الوادي عن البلد.

стр. 1159

وفيها حصل تمرد من شرار في مكة يريدون زعزعة نظام الحكم بحسب ما يتصورون، وكان القائمون بهذا الأمر بعض أحفاد الشريف عون الرفيق أمير مكة في العهد العثماني، وهم الشريف حسن والشريف عبد الحميد طلبا من الملك في العام الماضي الحضور إلى الحجاز لإدارة شؤون أملاكهما الخاصة فيها، فأذن لهم جلالة الملك بذلك وأكرم مثواهم فحضروا إلى الحجاز بهذه الدعوى، وأخذوا يعملون للقيام بثورة داخلية، وأخذوا يتصلون برجال البادية ويوزعون الأموال على بعض زعماء القبائل بواسطة عامل من عمالهم يقال له عابد الديب، ثبت في النتيجة أنه هو الذي كان يحرضهم على ذلك ويسول لهم إمكان نجاحهم في مهمتهم دون أن يعلم المفتون أن حب المليك قد تغلغل في كل قلب من قلوب الشعب، ولذلك قام زعماء القبائل المشار إليهم يطلعون سمو الأمير فيصل نائب الملك ويخبرونه بالخفاء بجميع حركات الثائرين وسكناتهم وما يقبضونه من أموال في هذا السبيل، حتى حان وقت موعد التنفيذات الموهومة، فعند ذلك عاجلهم جلالة الملك فأمر بالقبض على كل من الشريف عبد الحميد والشريف حسن، وعابد الديب وبعض من كان له بهم صلة وأودعهم في مكان خاص بدار الأيتام بمكة المكرمة، وشرع مدير الأمن العام مهدي بك الصلح في إجراء التحقيق معهم حتى ثبتت إدانة عابد الديب باعتباره اليد المباشرة في الأمر فحكم عليه بإعدامه، وبعدما أراد الملك إعدام الشريف عبد الحميد وسجن الشريف حسن سجنًا مؤبدًا لكونه لم يعارض في الأمر قضت إرادته بأن يمثلا بين يديه، ولما جيء بهما أنبئهما على فعلهما ثم عفى عنهما، وأمر لهما يحوائز وصرفهما إلى مصر، وحج بالناس في هذه السنة جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، وممن حج فيها من الأعيان الشيخ عمر بن محمد بن سليم، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وقاضي جيزان محمد بن عبد الله التويجري، وكان قد تأثرث هذا بمرض أصابه، ويظهر لي أنه شبيه بالسل، لأنه مات على أثره ﵀. وفيها حجتنا الثانية على ظهور الإبل، ولم يحج من الإبل إلا قليل لأن الأمة قد

стр. 1160

استبدلت بها السيارات لتوفر الراحة والطمأنينة فيها، وكانت المسافة التي قطعت بها الطريق من القصيم إلى مكة عشرين يومًا، وتمر في سيرها على ذات عرق، الميقات المعلوم، وقد رأينا من أسباب الأمن والصحة شيئًا عجيبًا لأن الطريق مطمئنة والسبل آمنة، وقد ضبطت ضبطًا لا مزيد عليه ورجعنا بالسيارات. تغيير السكة لما كان في هذه السنة صدر الأمر السامي بتعطيل السكة القديمة المتعامل بها، وكانت قطعًا من النحاس مضروبة في قسطنيطنية، وأبدلت بقروش من النيكل سعودية، وكان ذلك بركبة من جلالة الملك جعل الأولى بنكًا يقبضها ويبدلها بجديدة، كل ذلك مراعاة للشعب لأن لا تكسد الأولى لدى أفراد الأمة، ولقد كان صاحب الجلالة يعالج في ذلك من قد يم غير أنه استطاع بحكمته أن يبدلها عن رغبهَ الشعب وطمأنينته إليها، أما الريال العربي فلم ينصرف مفعوله إلا في السنة التي بعدها، وكانت العاقبة إلى خير. ثم دخلت سنة ١٣٦٠ ه ـ استهلت هذه السنة والأمور هائجة مائجة بين ألمانيا وحلفائها، وبين الحلفاء، وأصبحت الحرب العالمية الثانية تنذر بشرها وويلاتها، وقد انتصرت الجيوش الألمانية واحتلت الدانمارك وهولندا وبلجيكا، وطردت قوات التحالف من نارفيك، واصلت النرويج وطردت القوات البريطانية من فرنسا، والبلجيك وأكرهتها على الفرار من دنكرك بشمال فرنسا بعدما ألقت فرنسا سلاحها وسلمت إلى هتلر، وتقدم الكابتن برين يخترق بغواصته البحرية الحواجز والأسلاك المكهربة في موانع سكايافلو، وفرث أوف نورث بشمال بريطانيا، وينسف البوارج والدوارع البريطانية في عقر دارها، ويعود إلى قواعده في ميناء كييل سالمًا، وكذلك الجنرال غالاند قائد أسراب الشتوكا الألمانية ينقض في كل يوم على بريطانيا فيدمر ويخرب ويضرب مدينة كونتري من أعلى وجه الأرض
следующие страницы →