← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وما تنهض الأوطان إلا إذا ارتدت ... من العلم والأخلاق درعًا مسردا وما تنهض الأوطان إن لم يكن لها ... مدارس تحمي حرثها أن يبددا وما تنهض الأوطان إن لم يكن لها ... مصانع تحمي مجدها أن يهددا وما تنهض الأوطان إلا بماجدٍ ... إذا ما ادلهم الخطب كان المسددا فما فيصل فينا سوى الأمل الذي ... يراح له في الحادثات ويغتدا وما فيصل فينا سوى المنهل الذي ... عرفناه عذبًا مذ قصدناه موردا وما فيصل فينا سوى النور زاهيًا ... يبيت لظلم الحالكات مبددا لئن كان في الأمريكيتين شواهق ... فإن له في الجد حصنًا مشيدا وإن كان فيها للحديد مصانع ... فإن صنيعًا منه ما زال أجودا وإن كان فيها للزهور معارض ... فما هو إلا الزهر بلله الندا وإن كان فيها للحسان ملاعب ... فإن له من نفسه الطهر والهدا ومن باتت العلياء تخطب وده ... حقيق بأن يسلو سواها فيقتدا ومن ناب عن شعب لإظهار فضله ... حقيق بأن تغدو النفوس له فدا إذا قيل من للمجد يرفع شأوه ... تلفتت الدنيا ومدت له اليدا وإن قيل من يهدي السيوف سليلةً ... أجابت سمي السيف فيصل سيدا على الرحب يا شمس السياسة والحجى ... على الرحب يا من حل فينا ممجدا على الرحب ملئ القلب والسمع نوركم ... وملئ عيون في غيابك سهدا بعثت مع الأنسام أسمى تحيةً ... بنت من عظيم الود صرحًا ممردا وجئت على من الهواء محلقًا ... كطيفٍ من الآمال قد لاح مسعدا فلله ما أبهى مطيتك التي ... تهادت بأكناف الفضاء تأودا وقد بسطت منه الجناح وأرسلت ... حنيا هو البشرى بمن قد تفردا وكانت قلوب الشعب في نظراتهم ... تحاول أن ترقى السماء تصعدا ورفت بنود البشر وازدهر الحمى ... وراحت وفوت البيت نحوك قصدا وأبرعت لحني ليس يدرك شأوه ... وحسبي من الإخلاص أني لك الفدا

стр. 1227

لأن خنقتني في الوداع عواطفي ... فإني بلقياك المشوق مغردا فدع كل صوت غير صوتي فإنني ... أنا الطائر المحكي والآخر الصدا نظمت قلوب الشعب عقدًا منظدًا ... بحبك ما أسماه عقدًا منضدا جميل بأن تهفو القلوب لمجدكم ... وتهتز وجدًا حينما خالدٌ بدا فما خالد أن قيل من هو خالدٌ ... سوى الفضل والأخلاق والنبل والندا إذا قيل من تهوى السيوف يمينه ... تنادت به الأيام لا زلت أوحدا وإن قيل من يعتاد للعز منصبا ... أجابت أرى في خالد من تعودا أميران في الدنيا الجديدة أشرقا ... وسيفان من غمد العروبة جردا فحدث عن الإجلال ما شئت معلنًا ... وحدث عن الإكبار ما شئت منشدا وبين بلاد الإنكليز حفاوةٌ ... بضيفين كانا للمحامد منتدى وفي غرب إفريقية وشمالها ... ودادٌ قديمٌ بالوصال تأكدا لقد عدتما والشوق ملئ ربوعنا ... فأضحى نشيد اليمن فيها مرددا أعدا لنا من خير ما قد شهدتما ... فإن من الإصلاح أن تتعهدا وإن بلاد العرب ظمأى لنهضةٍ ... يحدث عنها كل من راح أو غدا فسيرا بها نحو العلاء بهمةٍ ... وكونا لها قلبًا وكونا لها يدا ويا ثالث البدرين أحسب بعودةٍ ... أفاضت علينا من بهائك عسجدا ويا قائد الجيش المظفر إنه ... غدا كأسمك المنصور والمتأبدا ألست الذي أمسى بعد حسامه ... طريق العلا والمجد سهلًا معبدا فبالأمس أرض الشام كانت بفضلكم ... تنادي ومصر خلدت ذلك الندا وكم هو خلاب وكم هو رائع ... بأن نجتلي شمسًا وبدرًا وفرقدا جميل بأن يبدو مع العلم نوركم ... فما هو إلا العيد حتى تجددا فما أنتموا إلا سلالة عاهلٍ ... ببيت له عرش القلوب ممهدا قد اعتاد أن يسمو بأمة يعربٍ ... لكل امرءٍ من دهره ما تعودا له من كتاب الله أوضح منهج ... وأمسى بتوفيق الإله مزودا

стр. 1228

إذا رفعت رايات عزٍ وسؤددٍ ... فإن له في الشرق عزًا وسؤددا وإن أنشدت فينا أهازيج مجده ... تردد في الكون الفسيح لها صدا أعز إلهي عرشه وحماكموا ... من الكيد والتفريق والشر والعدا وأبقى جميع المسلمين بعزةٍ ... وخص إلهي بالصلاة محمدا وفي هذه السنة وقع في الناس سعال شديد، ومن أبلغ ما كانوا يصنعونه ضده من العلاج أخذ كاسات من الهوى الذي تزعم الدكاترة أنه داخل الأحشاء، لذلك توضع كهيئة المحاجم في الظهر وتمتص ذلك الهوى. ولما أن كان في شعبان من هذه السنة كثرت الشكايات ضد القاضي محمد بن عبد الله بن حسين، فجاء الأمر من قبل جلالة الملك عبد العزيز بعزله وإقامة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد قاضيًا في بريدة، فلما صدر الأمر السامي بذلك باشر القضاء وذهب في شهر رمضان ليأتي بأهله إلى بريدة، وقد أناب في غيابه أحد المنتسبين للعلم، فلما كان في شهر ذي القعدة قدم بأهله وأولاده وأسكنته الحكومة بيتًا فسيحًا في وسط بريدة، وكان ضرير البصر، وسنه إذ ذاك لايتجاوز خمسًا وثلاثين سنة. ذكر سفر الشيخ ابن مانع للعلاج ففي العشر الأواخر من رمضان اشتد بالشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع ألم البواسير وانضاف إلى حصر البول، فأمر صاحب الجلالة بأن تباشر الصحية الكبرى بمكة المشرفة علاج الشيخ المذكور وبذل كلما في وسعها، وتابع البرقيات، وبعدما أجري الكشف عليه قرر الدكاترة أن علاجه في مصر، فأمر صاحب الجلالة ببعثه إليها، فسار على متن طائرة للعلاج هناك، وأوصى صاحب الجلالة بالمبادرة إليه، وهناك دخل المستشفى وبرء بتوفيق الله تعالى. وفيها نقل الشيخ عبد الله بن عمر بن دهيش من مكة المشرفة إلى قضاء الرياض

стр. 1229

فباشر عمله، ونقل الشيخ ابن زاحم، والشيخ الذي يدعى محمد الخيال إلى القضاء في المدينة المنورة. وفيها عين الشيخ عبد الله بن عودة السعوي قاضيًا في جيزان فسارع إلى مباشرة عمله هناك. وزارة الدفاع في هذه السنة عين الأمير منصور بن جلالة الملك وزير للدفاع ومفتشًا للأمور العسكرية، وألغيت وكالة الدفاع ونشر البلاغ الرسمي المصادر بنص الإرادة الملكية، ولما كان في غاية ذي القعدة وغرة ذي الحجة هطلت أمطار غزيرة على مكة، وفي اليوم الثاني هطلت أمطار والناس في صلاة الجمعة، ووافق لذلك ظلمة وعظم وقع المطر حتى تشوش المصلون وازدحموا ازدحامًا شديدًا فلم يسمع التكبير، واختلط الحابل بالنابل وتقدموا من جهة الإمام وهم لا يشعرون، وحج بالمسلمين صاحب السمو الملكي النائب العام فيصل بن الملك، لأن الملك لم يحج هذا العام، وممن حج من الأعيان الشيخ العالم العلامة عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وقد شاهدته في الطواف فرأيته شيخًا كبيرًا متهدم الأركان، ناحل الجسم، وبصره ضعيف، وحج أيضًا الشيخ الفاضل محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، والشيخ ابن زاحم، والشيخ محمد الخيال، وحج من الأعيان أيضًا أمير جيزان خالد السديري، وأمير الحدود الشمالية عبد العزيز السديري، وممن حج فيها الشيخ عبد الله بن علي القصيمي النجدي ساكن مصر، وكان لم يظهر ردته عن الإسلام في هذه السنة، نسأل الله العافية، وحججنا في هذه السنة حجتنا الخامسة، وقد رأينا في هذه السنة عجائب وكلها في الحج وسفره. فمنها أننا لما بلغنا إلى عشيرة ونزلنا تحت تلك الأشجار المظلة حوالي الآبار، ووافق نزولنا وقت الهاجرة في ساعة كنا بحاجة إلى الراحة والنوم فيا لمشاق السفر، ولأن الأمة في حاجة إلى الهدوء والسعي لمرمة الجهاز إذا بصوت

стр. 1230

امرأة تستغيث استغاثة احتراق وتصرخ بويلها وثبورها، وهناك خصومة تسمع الأصوات ولا نرى إلا الأشجار لكثرتها في ذلك الموضع، ولما أن أنصتنا مستمعين إلى صوت المرأة إذا بها تقول باعلى صوتها: يا معشر المسلمين، ويا حجاج بيت الله، ألا تنصرون مظلومًا، ألا تأخذون حق الضعيف، وتردد ذلك بصوت شجي يقلق الراحة ويبعث على النجدة، فرأى أصحابنا عدم الدخول في شأنهم وتركهم لأنهم في موضع الشيابين الذي يهون عليهم القتل والسلب، غير أن تلك الاستغاثة تستجيش وتحرك الساكنات، فلا يقر القرار لصاحب أنفة أن يسمعها إلا يقوم للنجدة وحل النزاع: إليكم عباد الله صرخة صارخ ... يرن صداها في تخوم السياسب تجاوبها الأحجار والأرض والسما ... بكاء حزين قد دهي بالمصائب أما فيكمو من يرتجي لمرزء ... حريق فؤاد من هموم نواكب فيا ويح مقهور بقتل حبيبه ... وعيناه في مرأى قريبٍ لنادب أحجاج بيت الله فكوا لمسلمٍ ... أحاط به أعدائه فعل خائب على رأسه الأعداء تفري أيمه ... بعضب يمان دامغٌ في المضارب وقد حيل بيني أن أنال فكاكه ... فيا ويل مقهورٍ غاضه كل غالب فإن لم تجيبوا غوثنا وتسارعوا ... فعما قريب موته بالمعاطب فطلبت من أصحابنا النظر في المسألة، غير أني لم أتمالك أن قمت من بينهم وسمحت بعدم المساعدة منهم، ولما رأوا تصميمي لم يسعهم إلى أن يمشوا أمامي نحو الصياح، ولما أن قربنا منهم إذا محفل لا يقل عدده عن أربعين رجلًا من بينهم شاب قائم على رأسه صاحبه وهو شاب مثله وقد علاه بالخنجر يطعنه في ظهره وكاهله وكتفه الأيسر، وقد وطئ برجله اليسرى على صفحة عنقه، وكانت أم المغلوب على قدر ثلاثة أمتار وقد شد أحد الحاضرين يديها إلى ظهرها وأمسكها عن ابنها فكانت على هذه الصفة وحظها الصياح، وأولئك الحاضرون يتفكهون على تلك الدماء التي تجري كالمرازيب، فعجبت لنلك القسوة وتقدم أصحابنا إليهم، فقام الخبيث قد انتضى خنجره يتهدد ويتوعد فلم يتقدم أحد، وأحجم القوم لهذا المنظر

стр. 1231

البشع وخشيةً من الفوضى فلم أعبأ بتهديداته، فلما رأى ذلك فرّ عن صاحبه وفرَّ الحاضرون، جاءت الأم إلى ولدها فوقعت عليه كطائر قد رمي فوقع، ولما رمت بنفسها عليه جعلت تقبله وتمسح عنه الدم والتزمته تبكي وتقول: يا عبد الله بسم الله عليك ثم أقامته بعضديه حتى اعتدل قائمًا، غير أن ظهره قد أصيب بعشرين طعنة من خنجر المعتدي، وكان الدم يجري على عقبيه، وولت به إلى مركز التفتيش الذي لا يتجاوز قدرًا من مسافة كيلو متر، وبينما هي تهدئه إذ جاء إعرابي جلف غليظ عليه ثوب وسخ له أردان وقد أعطي بسطة في الطول يحمل قناة (١) كأنها رأس بعير، فأراد أن يحول بينها وبين المركز، وله وثبة كوثبة الأسد، وجعل يقول لنا يا حجاج إنهم أبنائنا يتخاصمون ويصطلحون هذا والمرأة تستعيذ وتقول لنا احجزوه فينهم يريدون القضاء على ابني، فبتوفيق الله تمكنا من رده عن المرأة وابنها وعاد خاسئًا حيث لا ندري أين ذهب. ومن عجيب ما رأيت أننا لما نزلنا من الريع إلى الميقات السيل انكسرت السستة أي أضلاع الحديد التي تكون مؤخر السيارة حوالي الكفرات، فأقمنا لذلك آخر النهار ١٧ ذي القعدة، فصلينا المغرب وقد اشترينا شاة للذبح فضاعت بين تلك الجبال في وقت الصلاة فذهب بعض الرفقة وضربوا يمنةً وشرة لطلبها حتى اهتدوا إلى خيمة أعراب بين تلك الحجارة فسألوهم عنها وألقوا التبعة عليهم، وأنثوا راجعين، وبينما تشد الرحل للسير إذا بأعرابي جاء بالشاة من مسافة ثلاثة كيلو مترات يقودها بحبل في رقبتها وسلمها إلينا. تالله إنها لغريبة عجيبة، فمنذ عشرين سنة والحجاج كانوا صيدًا للحرامية ولا يدري الإنسان متى يختطف بعيره، متى يختطف رحله وتنهب الأواني والقدور وهي فوق ظهور الأبل، وهذه السنة يؤتى بعنز من أقاصي جبال الحجاز تقاد بالليل

стр. 1232

ويخبط صاحبها الهوام والحجارة خوفًا من سطوة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل فيؤتى بالضالة التي ألجأها المبيت إلى بعض البيوت فيا للعجب العجاب، إنها لنكتة يجب علينا أن نحلي بها تاريخنا. عجيبة ثالثة حج في هذه السنة رجل من أهل حلب أشمط كان طوله قدرًا من ذراع ونصف ذراع، وجهه وجه رجل، وقدر جلوسه كابن أربع سنين، ومن مرفقه إلى أنامله قدر من تسع أصابع، أما قدر وركيه وساقيه فثلثا ذراع، وكان أبيض اللون، سمينًا، قارئًا للقرآن، فصيحًا عربيًا، ولما أن ورد إلى المملكة العربية السعودية للحج مانعت الحكومة من دخوله خشية أن يكون من يأجوج ومأجوج، وبعد سؤال وجواب وبحث ومراجعات سمح له بالدخول، ولقد افتتن به الناس ينظرون إلى خلقته ويعجبون من رؤيته، فسبحان الخالق لما يشاء والقادر العظيم، كذلك رأينا رجلًا أسمر اللون مقعدًا وله في ذراعه يدان والذراع الأخرى فيها يد ليس فيها سوى إصبعين، فتبارك الله أحسن الخالقين. وممن توفى فيها من الأعيان الزاهد العابد: علي بن منديل، كان حلو النصائح كثير التسبيح والحمد والتهليل والتكبير، فتراه يمشي على تلك العصاء الضخمة الغليظة رجلاه مسترخيتان، فإذا لقي أحدًا من الناس قال له: قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، يغرس لك بها شجرة في الجنة، ثم يذهب إلى النساء اللواتي ينقلن الماء العذب للبيوت في مجامعهن على الآبار فيقف ويتكلم قائلًا: لا تكثرن الكلام بغير ذكر الله، أكثرن التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير يغرس لكن شجر في الجنة، وإذا رأى من يحب حمله السلام إلى والدته وأن يبلغها ذلك، وما زال يلهج بالموت وذكره والرحيل إلى الآخرة حتى مات ونقل اليها، وكان فقيرًا ومحبوبًا لدى الناس، تسمع موعظته وإن كان أميًا، وذلك لأنه كهل طلق المحيا.

стр. 1233

مرَّ عليه ذات يوم غني من الزكرت قد لبس عقالًا وكسوة فاخرة من الصوف وفوق ذلك بشت من الوبر الطيب، وقد ثنى عطفه فلم يسلم على زاهدنا، فوقف على العصا فقال: رويدك يا مسكين ترفق اقصد في مشيك فإنك مخلوق من طين وخرجت من موضع البول مرتين، وقد حملت البهائم الصوف الذي على ظهرك فلم تتكبر وتطغى، فاستحيا منه الغني ووقف يعتذر. وكان يحب الأذان للصلوات الخمس فيؤذن ويقيم ويعظ وينصح، وقد سلم المسلمون من شره، فيا طوبى له إذا لقي رب الأرباب وفاز بما عنده من الثواب، نقول ذلك ولا نعلم إلا خيرًا فالله المستعان. وفي هذه السنة لا تزال الحرب مستمرة بين ألمانيا والحلفاء، وقد تراجعت ألمانيا بعدما وصلت إلى أبواب العلمين وظهرت انتصارات الحلفاء، وتغلبت القوات البريطانية بعدما كان الجميع في اضطراب مستمر والله على كل شيء قدير، وأمره بين الكاف والنون، ومما لا ريب فيه أن ألمانيا لا تطيق حرب أوربا بأجمعها إذا انضمت أمريكا إليها، أضف إلى ذلك ألظ هتلر أضاع الفرصة متمتعًا في حفلات صاخبة مزهوًا بنشوة النصر مع الآنسات والحريم الهتلري، وترك ستالين يعد عدته وينظم صفوفه بالاتفاق مع الحلفاء الذين أخذوا يغدقون عليه الأجهزة والمعدات الحربية الثقيلة والخفيفة. هذا وقد استقر الحاج أمين الحسيني في برلين، وبعده قدم رشيد عالي الكيلاني، وكان قدومهما من العراق، ولقد ثارت ثائرة هتلر على مجموع القادة الألمان في الجبهة الشرقية لتفريطهم في واجباتهم العسكرية، ولم ينتزعوا له النصر النهائي في الجبهة الشرقية الشيوعية قبل حلول الشتاء، ثم قرر قرارًا لا رجعة فيه ولا يقبل نقضًا ولا إبرامًا، فقبض بيده على أعنة القيادة وانتزع السلطات من أيدي قادة الجيوش برمتها، حتى أن قائد جيش لو أراد نقل سرية من مكان إلى مكان ما يجب أن يستأذن برقيًا القائد الأعلى، ولقد كان ينبغي أن يكون القائد هو الذي ينفذ الخطط المرسومة من القيادة العليا، غير أنه يجب أن يكون مطلق الحرية في التصرف يرى الحاضر ما لا يرى الغائب.

стр. 1234

هتلر والتطورات كانت أسلحة ألمانيا وحليفتها اليابان قوية، فمنها الغواصات المدمرة للأسطولات البحرية لا سيما العتاد الألماني فإنه جيد، وجانب منه يدل على طول العناية وإتقان الصنعة، حتى أن مهمات المحور أكثر من ستمائة ألف صنف كلها حربية، ومنها الصواريخ التي تطلق على مسافة ٧٨٠٠ ياردة فتسقط كيفما اتفق وتحدث رجة عنيفة، وكانت الألمان تخترع في مدة قليلة مدمرات هائلة، فمن ذلك الصواريخ الصارخة، فقد تسنى لهم استخراج طراز أقوى من البازوكا، وكان هذا السلاح مدمرًا هائلًا يستعملونه في محاربة دبابات الحلفاء على أن الشرر الذي يخرج من مؤخرة الصاروخ شديد جدًا بحيث أن حياة الجندي الذي يطلقه تتوقف على ثوب يلبسه، ثم شرعوا يطلقون الصواريخ من الطائرات، وإذا سقط في يد البريطانيين إحدى دبابات الألمان الجديدة فإنهم يغتنمونها لفحص طرازها، وقد تعقبت الطائرات الألمانية ضباطًا بريطانيين في مصلحة الاستخبارات سقطوا على دبابة جديدة من دباباتهم الجديدة وجعلت الطائرات تمطر الضباط والدبابة قذائف لتدمير الدبابة قبل أن يتمكنوا من معرفة أسرارها، وإن هندسة الطائرات الألمانية والطائرات اليابانية أيضًا في تحسن لا في تأخر، وقد ألقت القوات الألمانية ألغامًا على مدن أعدائها فاحدثت خرابًا لم يعهد له مثيل من قبل. وقد كانت مقادير المواد المتفجرة كبيرة، وكانت تنفجر حين تمس جسمًا ما فتحدث دويًا راعدًا من فورها، وكانت مدافع الألمان من عيار ٨٨ تضرب الطرق وتدمر ما أمامها، وكذلك الطربيد المائي الحديث، فقد ظن أنه سيقضي على السفن التي تسير على سطح البحر إذ تمضي طوائف الطرابيد الموجهة باللاسلكي باحثة في الماء عن السفن المعادية فتدمرها وتقابلها الحلفاء بمثلها، غير أن قوات ألمانيا متفوقة في الصناعة، وبالرغم من ذلك كله فإن قوات الحلفاء تقدمت، ففي خلال ثلاث ليال من ليلة ٢٥ تموز ١٩٤٣ م أغارت في كل ليلة ٧٠٠ طائرة من طائرات الحلفاء على ميناء ومدينة همبورغ فدكتها دكًا وقلبت عاليها سافلها، واستحالت برلين إلى بكر لجب من الدخان وامتلأت الملاجع بجثث الموتى الذين تعفنت أجسامهم.

стр. 1235

وصارت الشوارع جداول وأنهار من دخان تذر لم تفد معه الأقنعة الواقية من الغازات السامة. إن هتلر والحق يقال رجل عظيم يوازي ستالين أو يفوق عليه في الذكاء والخديعة، ولكنه لم يكن سياسيًا واقعيًا، بل يعتمد على استعمال العنف والقوة لتحقيق مطامعه وأهدافه وغاياته التوسعية، وقد نسي أن ألمانيا بكل كفاءاتها ونبوغ قادتها وفيضان مصانعها الحربية ليست إلا رقعة صغيرة من هذه الكرة الأرضية التي تعج بالدول ذات الكفاءات والإمكانات التي تؤلف كجموعها كتلة ضخمة تقف ألمانيا أمامها خاشعة وهي حسيرة. ولقد كان عليه عندما زار وزير خارجية روسيا برلين وعرض على هتلر عددًا غير يسير من القضاة التي كان على هتلر الموافقة عليها وهي تتعلق بسياسة ألمانيا في بلاد البلقان وفي المضايق بتركيا، كان عليه أن يرضخ له لأنه رأى المخاوف تتضخم وما لا يدرك كله لا يترك كله، لأن ستالين لم يتم استعداده لمواجهة الخطر الألماني إلا بعد أن أعلن هتلر الحرب على أمريكا، ولكنه أبى ولو نزلت السماء على الأرض، كما أن قادة جيشه أجمعوا على الوقوف ضد الهجوم على روسيا منذ البداية وقدموا له نصيحة إن كان ولا بد فعليه أن يعقد قبل كل شيء صلحًا عاجلًا مع بريطانيا، ولسوء الحظ لم تقبل بريطانيا. وبما أن قوات الحلفاء من دبابات ومصفحات وقاذفات أمريكية دمرت وأعطبت في خطوط المواصلات، وقامت الغارات الجوية بغارات عنيفة على ثمانين مركزًا للخطوط الحديدة في شمال غرب أوربا، وألقت ما يزيد على ستة وستين ألف طن في خلال اثنتين وعشرين ألف رحلة من رحلاتها الجوية على خطوط الدفاع الألمانية، فإن هتلر ينتظر من مصانعه السرية التي كان يعمل فيها فطاحل العلماء وأساطنة المخترعين أن ينتهي صنع السلاح السري المنتظر الذي سيغير به وجه التاريخ، ألم يقذف بريطانيا بسلاح ٧/ ١، وأتبعه بسلاح ٧/ ٢، ويفكر في إيجاد حل لهذه المشكلة.

стр. 1236

ثم دخلت سنة ١٣٦٤ ه ـ استهلت هذه السنة والأبطال تتقارع وجو أوربا قد قامت قيامته بالضرب والحرب، ولقد ابتدأت اقتصاديات ألمانيا في الهبوط حيث قلَّ إنتاج البنزين الذي هو وقود الطائرات والبتروجين كقدار ٩٠ بالمائة، وبعده بقليل قلت حمولة العربات بمقدار ٧٥ في المائة نتيجة الهجمات على وسائل النقل الألمانية، كما قلَّ إنتاج الصلب بمقدار ٨٠ في المائة، وتقدمت الدبابات على مراكز الألمان منطلقة شاقة طريقها خلال إحدى الغابات في جبهة الإلزاس مطلقة نيرانها الحامية على تلك المراكز، ودبابات أخرى زاحفة وخلفها المشاة على أتم أهبة، هذا وهتلر يظهر التجلد، غير أنه تخلى عن نظريته وتحول عن تفكيره وذلك لعوامل شتى ومنها: محاولة ٢٠ تموز ١٩٤٤ م: حاول بعض العسكريين اغتياله، ومنها انهيار صحته وجهازه العصي، ومنها أن أنصاره بدأوا ينفضون أيديهم من حوله. ومنها أخيرًا اقتناعه بأنه خسر الحرب، فقال لبعض أخصائه بعدما دعاه إليه في بروسيا وسهر الليلة إلى الصباح هذا الكلام: عندما تتخلى العناية عن الإنسان وتنهار معنوياته لا يبقى أمامه إلا أن يتوارى، وقد لازمه ذلك الرجل ثلاثة أسابيع قال: كان يشكو ألمًا في معدته، وكلما شعر بالآلام يناشد طبيبه أن يسعفه بعقار مخدر، واتفق ذات ليلة أن تعذر إيجاد المخدر واشتدت وطأة الألم على الغو هرر هتلر، فقام إلى دولاب صغير مثلث الجدار وأخرج مسدسًا يريد الانتحار، غير أن ذلك الرجل الملازم له أدرك ما يجول في رأسه فاختطف المسدس من يده فقال هتلر وهو يتهالك على سريره: لم يبق للحياة معنى، وقد أشار عليه الأطباء ونصحوا له بالاستجمام وناشده كبار معاونيه أن يكل العبء اليهم بعض الوقت، ولكنه ضرب بالنصائح والمناشدات عرض الأفق، وكان يقول لزوجته إيفا برون كما توسلت إليه أن يرفق بنفسه: دعك من هذا الهذر إن إلمانيا لتنهار دفعة واحدة يوم أبتعد أنا عن الدفة، واقترحت عليه زوجته ذات يوم قضاء أسبوعين في جبال بافاريا.

стр. 1237

وكانت الجيوش الحليفة أتمت تحرير فرنسا والبلجيك وراح الجيش يدق أبواب بروسيا الشرقية، فبدأ عليه قبول الاقتراح وقام ألبرت زوللر الذي لازمه في آخر وقته، وقامت زوجته الغو هرر لأعداد الحقائب وعرض الأوراق، فضحك هتلر ضحكة عصبية كادت تفصم أوصاله وجعل يتمتم كمن يخاطب نفسه، لماذا يريدون مني أن أستجم في بافاريا، إنهم يظنون بحياتي وقد فاتهم أني سئمت تكاليف الحياة، وكرر هذه العبارة ثلاث مرات، ثم أبلغ زوجته أنه لن ينتقل إلى الجبال البافارية. وفي ذلك التاريخ قدم وزير التسليح الحربي في ألمانيا الهر ألبرت شبير تقريرًا بأن الاقتصاد الألماني معرض للانهيار ما بين ثلاثة إلى أربعة أسابيع، ورغم ذلك فقد استمر الضرب الاستراتيجي إلى ١٦ إبريل فوق ألمانيا محققًا النصر. إعلان الحكومة السعودية الحرب على ألمانيا طلبت الحلفاء من عاهل الجزيرة العربية أن يعلن الحرب على ألمانيا، وألحت بريطانيا وأكدت الطلب، فنزولًا تحت إرادة الحلفاء أعلنت الحكومة ذلك بصورة أسمية، وعرضت بلادها للحرب بوقت لا تملك فيه مدفعًا مضادًا للطائرات، ولا طائرة مقاتلة تدفع عنها صولة من يعتدي عليها، كل ذلك كان مروءة ووفاء للصداقة التقليدية التي تربطها بها، وأني لأعجب لهذه الدولة الخائبة بريطانيا بصفتها لا تقدر الأعمال، وتعرف الذي حق حقه، فإن من واجبها نحو جيرانها المحافظين على الولاء والصداقة وحسن الصلاة ألا تحدث ما يجرح العواطف ويثير الضغائن كما في واحة البريمي في إجراء المفاجئات هناك. وكان إعلان الحكومة السعودية الحرب في ١٥/ ٣ الموافق لأول مارس ١٩٤٥ م بلاغ رسمي: إن الحكومة العربية السعودية أصبحت ابتداء من أول مارس سنة ١٩٤٥ م في حالة حرب مع دولتي ألمانيا واليابان، وذلك باستثناء الأماكن المقدسة فهي لا تزال على حيادها لا تحارب ولا تحارب، ولقد تأثر هتلر لذلك منتقدًا الحكومة السعودية بذلك.

стр. 1238

زيارة ملك مصر فاروق للمملكة السعودية لما كان في أوائل صفر من هذه السنة استقل ملك مصر فاروق الأول على ظهر فخر البحار اليخت في البحر متجهًا إلى الميناء، وكان قد تهيأ لذلك صاحب الجلالة ملك المملكة العربية السعودية، وسار إلى سفح رضوى الجبل المشهور يعد العدة لاستقبال ضيفه العظيم، فنصبت السرداقات الرحيبة والخيام الكبيرة المزخرفة على صفين متقابلين، وزينت بمصابيح الكهرباء، وفرشت بالبسط المنقوشة الجميلة، وزودت بكل ما يحتاجه إليه الملوك من وسائل الراحة والرفاهية والمسرات بما يليق بمقامهم الرفيع، وكان أحد الصفين جعل للضيف العظيم والآخر للملك عبد العزيز، فلما كان في الساعة الخامسة من يوم الأربعاء ١٠/ ٢ قدم الضيف ومعه الطوافة فوزية، فاستقبله الملك عبد العزيز وفي معيته أخوته الأمراء عبد الله ومساعد وسعد، وأبنائه فيصل ومحمد ومنصور وسعد وفهد وبندر وغيرهم، وحفيده عبد الله الفيصل، ويوسف ياسين، وحافظ وهبة، كما أن مع الملك فاروق سبعة من أعيان حكومته، وقد حصل استقبال عظيم ودي تعانق فيه الملكان في حين أن فخر البحار أطلق إحدى وعشرين طلقة كتحية، فأطلق الميناء السعودي جوابًا لها مائة طلقة، ولما ركب فاروق في معية جلالة الملك في السيارة السعودية كانا بين صفوف الجند المتراصة لأداء التحية، وبعد الجلوس في السرادق الفخم المعد لهما وتناول القهوة العربية وكؤوس المرطبات، وتناول المآدب، سار فاروق من الغد إلى المدينة المنورة مودعًا لجلالة الملك عبد العزيز يريد السلام على الرسول ﷺ وصاحبيه، وقد رافقه فيصل ومحمد وسعد وفهد وعبد الله ويوسف ياسين، فبات بين ينبع والمدينة. وفي صباح الجمعة دخل المدينة فاستقبل فيها استقبالًا حماسيًا رائعًا، واحتفى به أهل بلد الرسول ﷺ فأقام فيها يوم الجمعة وليلة السبت، وبذل

стр. 1239

أموالًا عظيمة ثم عاد من المدينة إلى سرادق جلالة الملك بعدما ودع فيها وداعًا حارًا، فوصل إلى المخيم عصرًا وبعد الأكل والشرب وكمال اللذة جلسا في سرادق جلالة الملك، ولبثا إلى منتصف الليل، فكانت ليلة من أروع الليالي وأجلها في تاريخ الأمة العربية. ولما كان في صباح يوم الأحد الموافق ١٤/ ٢ تلاقى العاهلان بسرادق الملك فاروق، وكان يومًا تاريخيًا مشهودًا خرج الناس والجنود في الميدان العام يتطلعون إليهما، فقدم عاهل المملكة العربية السعودية إلى فاروق سيفًا عربيًا وخنجرًا مرصعين بالجواهر والأحجار الكريمة تخليدًا لذكرى هذا الاجتماع، كما أن فاروق قدم إلى ابن سعود قلادة محمد علي الكبير رمزًا على الصداقة المتينة التي تربط الأسرتين المالكتين برباط الود الوثيق، ثم تبودل العلمان المصري والسعودي باحتفال عسكري رائع اشترك فيه جيش البحرية المصرية والجيش السعودي، وأقيمت مناورة عجيبة من قبل الجيش العربي السعودي اشترك فيها الأمراء السعوديون وهزجوا بنشيد حماسي حيوا به عاهل مصر، وانتهى هذا الاحتفال في الساعة السادسة والنصف، ثم سار فاروق يشيعه جلالة الملك والأعيان إلى الميناء فتواع الملكان وتعانقا وأكدا الحرص على الوفاء والصداقة والمحبة والولاء بينهما وبين بلديهما، وامتطى فاروق ظهر اليخت وغادر الميناء في الساعة العاشرة والنصف من يوم الأحد إلى مصر. ذكر الاتفاق بين الأقطاب الثلاثة وسفر ابن سعود إلى مصر فنقول ركب عاهل الجزيرة ابن سعود البحر في هذه السنة للمرة الثانية للاجتماع بقطبي الديمقراطية فرانكلين روزفلت رئيس أمريكا والمستر تشرشل رئيس الوزارة البريطانية وبغيرهما من الملوك والرؤساء، ولو لم تكن هناك مباحثات مهمة، ولو لم تكن لهؤلاء منزلة سامية في نفس ابن سعود لما قام بهذه الرحلة من الرياض، وقد كانت تبعد عن مكة بألف كيلو متر، إلى الفيوم التي تبعد بأكثر من ألفي ميل

стр. 1240

من مكة، ولما حرص على الاجتماع بركوب البحر وتطع مئات الأميال برًا وبحرًا إنه حرص على الاجتماع بقطبي الديمقراطية ليعرفهما حقيقة العرب والمسلمين إذ ليس هناك من هو أحق بتمثيل العرب من جلالة الملك عبد العزيز بن سعود، إن ابن سعود بينه وبين بريطانيا معاهدات صداقة وولاء لا يمكن بحال من الأحوال أن يستدبر بعض ما فيها أو يتنكر لها عند المحن والشدائد، فقد ضل وفيًا لها في رخائها وشدائدها لذلك فإنه وقف في هذه الحرب الكبرى الثانية في الحياد ولم يدخل في الحرب إلا لإرضائها. أما علاقته بأمريكا الديمقراطية فهي صداقة لما استمنحت لبض شركاتها امتيازًا في أرضه وحافظت على العهود والمواثيق، وتقربت منه وتزلفت طلبًا لمودته الغالية، استقبلها بترحاب وسرور وبسط لها جناحه وأخذت الصداقة كل يوم تنمو لأن كلا الفريقين ينميها بالإخلاص والمزاورة وتبادل النفع والتجارة، ولقد جاء كثير من أقطاب بريطانيا إلى بلاد ابن سعود وزاروه في دياره فأعجبوا به أيما إعجاب وصادقوه، بل زراه خال ملك الإنكليز وزوجته وذهبا يبشران العالم بعظمته وعبقريته وكرمه ونبله وأصالة طبعه ومتانة أخلاقه وصدق زعامته ومؤهلاته. وقد كثرت الكتب المؤلفة باللغة الإنكليزية الدالة على حفاوة البريطانيين بهذا الملك العظيم الذي يشترك في تقديره المسلم وغير المسلم، والعربي وغير العربي، والشرقي وغير الشرقي، ثم جاء كثير من الأمريكيين إلى المملكة السعودية فقابلوه في الرياض وغيره وأعجبوا بشخصيته إعجابًا لا حد له سموًا وحيوية ونبوغًا وعبقرية وعظمة وخلائق لا يوهبها إلا الزعماء الذين يخلقون لنقل الأمم من حال إلى حال. وقد حرص الحلفاء في هذه الحرب على الأخص أن يبرهنوا لابن سعود على إخلاصهم له وحبهم إياه وتقديرهم له، ولقد بعث هو نجليه فيصلًا وخالدًا إلى أمريكا وبريطانيا لزيارة قطي الديمقراطية الكبيرين روزفلت وتشرشل، فاستقبلا هناك استقبالًا عظيمًا فخمًا في السنتين اللتين قبل هذه، كما قد زار الملك فاروق

стр. 1241

ابن سعود في مملكته للاجتماع به، وإن ابن سعود ليجل مصر ويقدر ملوكها ويعنى بأمرها، حتى قال في مجلسه الحافل بوفود بيت الله الحرام في أوائل هذه الحرب للأستاذ الكبير محمد لطفي جمعة ما معناه: حينما زحف المحور بقواته الدرعة الميكانيكية وانتهى إلى العلمين وضرب مصر بالطائرات كان كأنما ضرب بلاده. ولقد وضع الرئيس روزفلت مدمرة أمريكية لتقل ابن سعود، فأمر بأن تزود بكل ما يحتاج إليه ملك في رحلة خطيرة كهذه الرحلة، واصطحب جلالة الملك معه طاهيه وساقيه وما يحتاج إليه، كما اصطحب معه حرسه الخاص، وبعد أو زودت المدمرة بكل ما تحتاج استقبلها جلالة الملك، وما يعلم أحد بمقصوده غير ابنيه سعود وفيصل، حتى أن حاشيته ما كانت لتعلم شيئًا عن الرحلة، ولا عن الاتجاه، ولا عن الغرض حتى اختفت اليابسة عن الأنظار، هنا لك علم رجال الحاشية فدهشوا لذلك كثيرًا، وكان عدد من معه في الرحلة ثمانية وأربعون رجلًا، منهم شقيقه الأمير عبد الله، وابناه محمد ومنصور، ووزير المالية عبد الله بن سليمان، وحافظ وهبة وزير المملكة المفوض في لندن، ويوسف ياسين نائب وزير الخارجية، وعبد الله بلخير مترجم جلالته، وبعض أركان حربه، كما كان معه بعض الفنيين من رجال المواصلات اللاسلكية مهمتهم الاتصال بمكة المكرمة منصف ساعة خلال الرحلة كلها، وكان يرافق جلالته الكولونيل دليم أبي وزير الولايات المتحدة المفوض بالمملكة السعودية الذي تولى الترجمة الرسمية في الاجتماع. ولما أن استقل جلالة الملك المدمرة آثر أن يقيم على ظهرها استمتاعًا بمنظر البحر الجميل وهوائه الرخي الرقراق، فنصب له عند برج الدفعية الأمامي خيمة مزينة بالنقوش والزخارف، ودعا الملك في مساء اليوم الأول جميع ضباط المدمرة وبحارتها لتناول العشاء، ولعلها أول جلسة يجلسها هؤلاء الأمريكيون لتناول الطعام، جلسة عربية، وفي اليوم الثاني شاهد جلالته قوة المدمرة الهجومية عندما أطلقت مدافعها المضادة للطائرات، وتذفت قنابل الأعماق الخاصة

стр. 1242

لمقاومة الغواصات، وكان منظرًا عجيبًا بحيث يذوب كل آلات الفتك والتدمير في هذا الخصم. ولقد اعجب السعوديون بالبحارة الأمريكان وهم في ملابسهم الزرق البحرية، كما أعجب أبناء الدنيا الجديدة بالعرب وهم يرفلون في ثيابهم الفضفاضة الرحيبة المزخرفة، يروحون ويغدون في خفةٍ ونشاط، والكل في سرور بهذه الفرصة التي أتاحت لهم هذا الاجتماع. وفي صباح الخميس الموافق ٢/ ٣/ ١٣٦٤ هـ فبراير ١٩٤٥ م، كانت المدمرة في البحيرات المرة حيث ينتظر الرئيس روزفلت في الطرادة الأمريكية كونيري استقبالًا لضيفه العظيم، وكان الرئيس على سطح الطرادة يرقب المدمرة حينما تهادت بالملك العظيم فتبادل بحارة السفينة التحيات والنداءات البحرية بالبوق، وأخذت المدمرة مرساها اتجاه كونيري، ومد بينهما جسر عبره الملك، فاستقبله البحارة وكبار الضباط ورؤساء أركان الحرب المرافقين للرئيس استقبالًا حماسيًا رائعًا، ثم سعى إلى جلالته الرئيس وصافحه وحياه واحتفى به احتفاء جدًا، وتبادلا عبارات التحية والمودة، وأعجب روزفلت بابن سعود إعجابًا لا حد له، فلقد ملأته شخصية الزعيم العربي الأكبر، وقد طابق ما سمع عنه، بل زاد عظمًا في رؤيته ثم قال له: كنت أود أن أجتمع بك قبل هذا. ولما تناولا طعام الغداء وفرغا بدأا حديثهما في جو يسوده الود والتقدير والإعجاب، واستعرضا فيه ما بين المملكة السعودية والولايات المتحدة من روابط كثيرة يحرص عليها الطرفان ويبذلان الجهد في سبيل المصالح المشتركة بينهما، وتنمية الصلات الودية، وقال روزفلت: يجب أن يتاح لرؤساء العالم فرصة تبادل الآراء لكي يزداد تفاهمهم وتقدير كل منهآلمشاكل الآخر، ثم تناول الملك والرئيس شؤونًا أخرى إقليمية وعالمية. وكان جلالة الملك أيده الله كثير الاهتمام بقضية فلسطين، فأبان للرئيس وجهة نظره، كما دلّ على عدالتها وصحتها ما أقنعه، فوعد بأن ينظر في ذلك، ثم تناولا بالبحث شؤونًا عربية هامة لها شأنها.

стр. 1243

وكان الملك المعظم صريحًا كعادته في مخاطبة الرئيس، ومن الكلمات الخالدة التي قالها أنه قال: لا أريد كتابات بل أريد أن تعطى الكلمة من عبد العزيز لروزفلت، ومن روزفلت لعبد العزيز وهذا حق، فكلمة من عبد العزيز فوق الكتابات والمعاهدات لأنه رجل شريف، ثم أبدى الرئيس روزفلت لجلالة الملك رغبته في تقديم طائرة أمريكية هدية تذكارية لهذا الاجتماع التاريخي، فقبل جلالته الهدية، ثم بعد ذلك سار جلالة الملك إلى ضفاف النيل فسلك الطريق برًا إلى الفيوم حيث نزل بفندقها الشهير أويرج دولاك القائم على بحيرة قارون المتربع في مكان جميل هادئ يعطره أرج الورد والرياحين ويلفه النسيم، إنه لموضع حسن يسحر الألباب فشرّفه ابن سعود كما شرّفه أقطاب العروبة، وكان قد أحيط بقوات بريطانية تحرسه ليلًا ونهارًا وقد أبعد عنه كل أحد، فما بقي غير المدير أبقي للاستعانة به عند الضرورة، فكان الناس بعد ذلك يغدون ويروحون دهشين ولا يعلمون ما سيجري من مباحثات خطيرة في سبيل العروبة، وفي سبيل الإسلام، وقد زود ذلك الفندق بكل ما يلزم للملك العظيم ولمرافقيه من رجال الحاشية، كما أعد نظام واسع للتلغراف حتى يتسنى لجلالته أن يتصل بمملكته المترامية الأطراف، فكان يستقبل كل يوم عديدًا من المرات التقارير ويصدر الأوامر إلى رجال دولته، كما لو كان في مكة والرياض. ولما قدم الأوبرج ٣/ ٣/ ١٣٦٤ هـ وقت العصر من يوم الجمعة ما كان يشرفه حتى أسرع إليه فاروق ومعه الرئيس شكري القوتلي فاستقبلهما ابن سعود استقبالًا رائعًا وعانقهما وأبدى ما يضمر لهما من المحبة، وقضوا بضع ساعات في تناول الحديث والبحث في الشؤون العربية الهامة، وقد طاب الحديث بين هؤلاء الأقطاب الثلاثة، ولقد طال الحديث في الموضوعات حتى تأخروا عن مأدبة العشاء التي أقامها الرئيس شكري مساء الجمعة بدار المفوضية السورية لخطورة الموضوعات التي تناولوها وانهماكهم في الحديث، ثم غادر فاروق والرئيس مودعين جلالة الملك عبد العزيز خير وداع.

стр. 1244

ولما كان في صباح غد يوم السبت ٤/ ٣، ١٧ فبراير ١٩٤٥ م ركب المستر ونستون تشرشل رئيس الوزارة البريطانية ممتطيًا سيارة مرتديًا بدلة الكولونيل الأول بفرقة الهوسار الرابعة يصحبه المستر أنطوني أيدن وزير الخارجية البريطانية، واللورد موران طبيب رئيس الوزارة البريطانية الخاص وهيئة مكتبه التي رافقته في مؤتمر القرم ووجهتهم الفيوم، ولما أن وصلوا لأوبرج استقبلهم جلالة الملك ابن سعود ومن معه من كبار دولته الذين تقدم ذكرهم استقبالًا رائعًا وتبادلوا عبارات التحية والولاء، وكانت البسمات تتألق على ثغورهم، وقد كان صاحب الجلالة عبد العزيز مرتديًا في هذه المقابلة ثيابه العربية عليها دثاره الرسمي الأحمر الموشح بالذهب ويشع على رأسه عقال مقصب جميل، فبادل الفريقان النظر، ودنى كل منهما إلى صاحبه، وأعجب تشرشل ومن معه بعظمة ابن سعود الملك العربي المسلم الكبير إعجابًا لا حد له، ودار بينهم الحديث الودي، ثم اختلى الملك ورئيس وزراء بريطانيا وقد تولى مترجم جلالة الملك مهمة الترجمة بينهما ومكثا أكثر من ساعة يتباحثان في مسائل ثشى أهمها ما يتعلق بالعرب ومستقبلهم ثم غادرا غرفة الاجتماع وكل منهم مسرور من هذه المقابلة الودية، وبينما كان في المحادثة مدت أخونة الغداء في ردهة الفندق المستطيلة الملونة باللونين الأزرق والأحمر المشرفة على بحيرة قارون الهادئة الصافية، ولما خرجا جلسا على المائدة وحضر جمع من الجانب البريطاني على المائدة من بينهم أيدن وموران والمستر جوردن الوزير البريطاني المفوض سابقًا في جدة، والقائد العام لقوات الشرق الأوسط، والوزير البريطاني المقيم في الشرق الأوسط، والسفير البريطاني بالقاهرة، والمستشار الشرقي بالسفارة البريطانية بالقاهرة، ووكيل وزارة الخارجية، وقائد القوات الجوية في الشرق الأوسط، والوزير الإنكليزي المفوض في جدة، والمستر لسي روان السكرتير الخاص لرئيس الوزارة، وسكرتير مكتب وزير الدولة، والبريجادر كلايتون، والماجور راندولف بن تشرشل، وبعد تناول الأطعمة خرج الملك والرئيس واجتمعا بالحاشية من الطرفين في الأوبرج، وتبادلوا الهدايا التذكارية الثمينة.

стр. 1245

ولقد بهت تشرشل من ضخامة أمر ابن سعود وتكلم قائلًا له: إني سأعتز بهذا دائمًا لا لقيمته، لكنه تذكار لهذا الاجتماع، وقام مدهوشًا ليأتي بهديته له، فجاء مقبلًا ومعه صندوقان من العطر الشذي المستحضر من أحسن الخلاصات العطرية، وبكل صندوق ست زجاجات وقدمهما هدية إلى الملك ابن سعود فتقبلهما منه شاكرًا، وكانت هدية ابن سعود لتشرشل سيفًا عربيًا وخنجرًا فاخرين مطعمين بالذهب، مرصعين بالأحجار الكريمة، منقوشين بنقوش فنية جميلة، وقدم له ملابس عربية ممتازة وعباءة ثمينة جدًا في حقيبة من الجلد، وأهدى ابن سعود أيضًا للمستر أيدن سيفًا كالسيف الذي أهداه لتشرشل، وقدم إلى صحبه مجموعات كثيرة من الملابس العربية. وختمت الجلسة بين ملك العرب وبين تشرشل بالود والصفا والوداع الحار. وقد قلنا أبياتًا بمناسبة تلك السفرة التي في وقت لم تضع الحرب فيها أوزارها: فيا مخبرًا أبشر وأنعم بعودة ... يعودبها من سعيه وهو غانم لعلك تحظى بالسعادة والهنا ... لتكشف هما للقلوب يلازم وكيف يطيب النوم من كل ذاهلٍ ... وكيف يطيق الصبر حيران هائم إذا كان فخر العرب عنا مباعدًا ... وما علمنا في حاله كيف قادم فيا حافظًا ذا النون في بطن حوته ... ومخرجه مما حوته الظلائم تفضل علينا بالأياب لعاهلٍ ... بما شاء من آماله وهو سالم تقر لنا عينٌ تسح بذرفها ... أحاط بهامن قارعاتٍ عظائم فمن مثلنا يا صاح في فقد عاهل ... لمفقده أمسى ينوح الحمائم أليس الذي أمسى لأمة يعربٍ ... زعيمًا عظيمًا سده متراكم يدافع عنها جهده غير وانئ ... بتقديم نفسٍ مقدمًا وهو حازم فسائل لأمريكا وسائل للندنٍ ... سينبيك عن أخباره من أعاظم فتى همه يجلي عن العرب نكبةً ... إذاسامها سوء العذاب الأظالم هلموا بنا يا قوم ندعو لربنا ... يغيث به البلدان إن رام هاشم ومن نتائج هذا الاجتماع إعلان ابن سعود الحرب على ألمانيا كما تقدم، وكان

стр. 1246

من المصادفات الغريبة أن الله ألقى الذلة على ألمانيا ورفع يده عنها من حينما أعلن ابن سعود الحرب عليها، ثم إنه بعث ابن سعود بكتاب إلى روزفلت رئيس الولايات المتحدة في ٣/ ٢٦ من هذه السنة يناشده بحق العرب في فلسطين، وأن يوضع حد لأعمال اليهود هناك، والكتاب طويل فصل فيه صاحب الجلالة تاريخ فلسطين، فأجاب عليه الرئيس بكتاب طيب اللهجة قال فيه: تتذكرون جلالتكم أنه في مناسبات سابقة أبلغتكم موقف الحكومة الأمريكية اتجاه فلسطين، وأوضحت رغبتنا بأن لا يتخذ قرار فيما يختص بالوضع الأساسي في تلك البلاد بدون استشارة تامة مع كل من العرب واليهود، ولا شك أن جلالتكم تذكرون أيضًا أن خلال المحادثات الأخيرة أكدت لكم إني سوف لا أتخذ أي عمل بصفتي رئيسًا للفرع التنفيذي لهذه الحكومة يبرهن أنه عدائي للشعب العربي، وإنه لما يسرني أن أجدد لجلالتكم التأكيدات التي تلقيتموها جلالتكم سابقًا بخصوص موقف حكومتي، وموقفي كرئيس للسلطة التنفيذية فيما يتعلق بقضية فلسطين، وإن علمكم بأن سياسة هذه الحكومة في هذا الخصوص غير متغيرة، وقد كتب هذا الكتاب بتاريخ أبريل ١٩٤٥ م قبل وفاته بأسبوع. وفاة رئيس أمريكا روزفلت لقد فوجئ العالم بهزة كان لها وقعٌ عظيم في سائر القلوب، وهي وفاة الرئيس روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وافته المنية على حين بغتة في وقت كان العالم ينتظر نتيجة هذا التطاحن العالي، وإن المتوفى غني عن التعريف بشخصيته التي لعبت دورها الهام في تغيير وجهة التاريخ في هذا النزاع القائم، أضف إلى ذلك صداقة تأسست بينه وبين عاهل الجزيرة الملك عبد العزيز بن سعود، وكان من النتائج الباهرة في تاريخ الأمة العربية ذلك الاجتماع العظيم الذي كان بين جلالة الملك وبين الرئيس في مياه الإسماعيلية

стр. 1247

حيث تجلى فيه ما انطوت عليه روح الفقيد من حب العدل والإنصاف، وإن مساعيه كانت ولا تزال لنصرة العدل في سائر الأقطار والمواطن ليعيش الناس كلهم في سلام ووئام، ولذلك كان لنعيه أثر عظيم، وقد أبرق حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم برقية لعائلة الفقيد يعزيهم بها، كما أبرق الملك الرئيس الجديد هاري ترومان يعزي الولايات المتحدة بهذا الفقيد الذي كان فقيد للعالم، وكان تحديد وصول الطائرة المهداة منه للملك عبد العزيز إلى مطار جدة يوم السبت ٢/ ٥ قبل الخبر المفاجئ، ولكن ذلك النبأ المؤسف لم يغير البرنامج، فقدمت في اليوم المذكور تنفيذًا لرغبة الفقيد، وقد قدم قبلها في طائرة خاصة أربعة أمريكان للاشتراك في تقديم الطائرة، ولما كان في الساعة التاسع والنصف من يوم السبت قدمت لنائب الملك ونجله منصور بن عبد العزيز فأبدى قبول الملك لها، وأنها ذكرى خالدة، وقد قامت صباح الجمعة برحلة إلى المخيم الملكي لتعرض على جلالة الملك، وهي من نوع دوجلاس ذات مقاعد وثيرة ومجهزة بأحدث الوسائط الفنية للراحة، وقد كانت هذه الطائرة كما ذكر سمو الأمير منصور في خطابه ذات أهمية خاصة لأنها رمز لذلك الاجتماع التاريخي الذي بين جلالة الملك والرئيس روزفلت. الجامعة العربية ١٣٦٤ - هجري إن الجامعة العربية مطلوبة لأن العرب لا يحسن بهم التنازع والتخاذل، بل ينبغي لهم التعاضد والاعتصام بحبل الله جميعًا، وقد فكر ابن سعود بها في الحرب العظمى الماضية وبعث بها إلى حكام العرب كيحيى وابن صباح وابن رشيد يطلب أن يتحدون في ذلك الوقت العصيب، لكنهم أعرضوا، ففكرت الأمة في هذه السنة بجعل جامعة عربية اشترك فيها مصر والملكة العربية السعودية والعراق وسوريا وشرق الأردن ولبنان واليمن. وكان اجتماع رضوى ثم اجتماع أم القرى بين الزعيم شكري القوتلي رئيس

стр. 1248

جمهورية سوريا والملك ابن سعود، ثم سافر فخامة الرئيس شكري إلى العراق واجتماعه بالوصي على عرشه الأمير عبد الإله أعظم إبرام لميثاق الجامعة العربية، وقد أنابت كل دولة عنها مفوضين والقصد من هذه الجامعة هو تثبيت العلاقات الوثيقة والروابط العديدة التي تربط بين الدول العربية، وحرصًا على دعم هذه الروابط وتوطيدها على أساس احترام استقلال تلك الدول وسيادتها وتوجيهًا لجهودها إلى ما فيه خير البلاد العربية قاطبةً وصلاح أحوالها، وتأمين مستقبلها، وتحقق أمانيها وآمالها، فاتفقت هذه الدول على عقد اتفاقية وميثاق لهذه الغاية وإباحة الدخول لكل دولة عربية مستقلة، وقد تألف هذا الميثاق من عشرين مادة وحرر في ٨ ربيع الثاني ١٣٦٤ هـ ٢٢ مارس ١٩٤٥ م، وكان باللغة العربية في القاهرة بصفتها المقر الدائم لجامعة الدول العربية. وقد ألحق بذلك مشكلة فلسطين وأن يوضع حل لذلك، ثم إنها اتفقت الدول الموقعة على هذا الميثاق على تعيين عبد الرحمن عزام بك أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية لمدة سنتين، وقد أقيم احتفال بقصر الزعفران بمصر واحتشدت الأمة لهذا المهرجان، وألقيت خطب من كل مندوب، وأعلى ما قيل خطاب ألقاه يوسف ياسين، فقد قوبل بالتصفيق والاستحسان. ذكر سكون العرب وسقوط ألمانيا وتسليم اليابان ولما كان في شهر فبراير الموافق لآخر صفر وأول ربيع الأول حققت الحلفاء الضرب على ألمانيا وانطلقت عليها القنابل من الجو كوقع المطر، وتقدم المارشال الجوي السيرار ثرتيدر الذي عين أخيرًا لتنسيق التعاون بين قوات الحلفاء الجوية البريطانية والأمريكية والروسية في المرحلة الأخيرة من الهجوم، فلو رأيت تلك القنابل تنقض على برلين وبلاد ألمانيا وثغورها فرجمت درسدن ولينرج، وميونخ، وهمبرج، وشتن، وغيرها، ولما صبت عليها القنابل كان في مبتدأ كانون الثاني قد قام عديد من حكام المناطق المحتلة ينتحرون مؤثرين هذه النهاية على تسليم أنفسهم للأعداء، وكان هتلر يتلقى أنباء الانتحارات وهو على فراش المرض فيعلق على

стр. 1249

كل منها بكلمتين اثنتين: حسنًا فعل .. ولكنه انفجر باكيًا عندما أبلغه غورنغ أن غوليتر فيينا صرع امرأته وأولاده الأربعة قبل أن ينتحر، ثم التفت إلى زوجته إيفابرون وقال لها همسًا إنها نهاية شعرية، وأثرت حالة هتلر الصحية في حالته النفسية فأضحى سويدائي المزاج ولكنه لم يفقد الأمل بإنقاذ ألمانيا حتى عندما شرع الحمر في دق أبواب المدن الصغيرة القائمة إلى الشرق من برلين، بيد أنه في مساء ٣ كانون الثاني يقول لفون ريبنتروب أن الدبلوماسية الألمانية لم تنجح في بذر بذور الشقاق في صفوف الحلفاء، وهاهم الغربيون يتدفقون على ألمانيا محاولين بلوغ برلين قبل حلفائهم الروس. وقد اقترح الجنرال زيللر هذا الصباح اللجوء إلى الغارات السامة وحرب الجراثيم، ولكني رفضت لأن هذه الأسلحة الفتاكة لن تؤخر القضاء المحتوم. أما الأسطولات البحرية فقد تقدم أسطول الولايات المتحدة في المحيط الهادي، وقام بهجوم ناجح على اليابان في جزر مارشال وجزائر جلبرت وأوقع خسائر باليابان، كما هاجمت طائرات الولايات المتحدة بقذائفها الأراضي اليابانية فانسحب الأسطول الياباني بعد أن خسر ١٥ بارجة غرقت في بكر المرجان، ولقد ألقت قاذفات الحلفاء على الجسور والموانئ والمصانع القنوات والسكك الحديدية في ألمانيا وفرنسا دون هوادة مليونين وسبعمائة ألف طن من القنابل والمتفجرات خلال غزواتها وغاراتها الهائلة الفتاكة، وتتابعت هزائم الألمان، وقد استسلم من قوات المحور في بعض الأماكن مائتا ألف وخمسون ألف يعدون من صفوة الفرق الألمانية والإيطالية، واستقال موسوليني من رئاسة الحكومة، فامر ملك إيطاليا فكتور عمانوئيل بالقبض عليه ثم غيب في السجن، وقامت الوزارة الجديدة في إيطاليا تفاوض الحلفاء سرًا لعقد هدنة، وبمقتضاها استسلم الإيطاليون دون قيد، وسلموا أسطولهم البحري والجوي إلى الحلفاء، وقد قامت سرية من جنود المظلات الألمانية فانقذت موسوليني، فقبض عليه مع نفر من أنصاره وأجريت له محاكمة صورية وحكم عليه بالإعدام مع بعض رفاقه، وعلقت جثثهم في بعض ميادين ميلانو، هذا وما كان يدور في الخلد أن يتقدم الألمان على مدينة عظيمة وهي ستالينغراد

стр. 1250

فيدخلوها ويلتقوا بالروس فتجري حرب عصابات في الشوارع والبيوت، ويتماسك الفريقان ويتقابل الغريمان في وحشية وبسالة نادرتين، حتى كانت هذه المدينة مقبرة هائلة للجنود الألمان إذ كلفتهم من الأرواح نحو مليون مقاتل، فلقد تضاربت الأقران بالحديد والفؤوس والخناجر وسائر السلاح الأبيض، حتى لم يتمكنوا من النار وتواثبوا وتصارعوا، وجرت معركة لم يجرِ مثلها في التاريخ القديم ولا الحديث، ولما جرى على ألمانيا من أمر الله ما لا يطاق وأكرهوا على الارتداد انهارت قوتها دفعة واحدة. ضربة قاضية وسلاح فتاك لما بدأت الطائرات الأمريكية تشن غارتها على اليابان وتوقف اليابان عن محاولات إيقاف الإنزال الأمريكي في تلك الجزر كان على الرغم من هذه الانتصارات السريعة التي أحرزها الحلفاء أن قام الرئيس ترومان وشعر بأن الحرب مع اليابانيين قد تطول وتكلف غاليًا، فعند ذلك أمر باستخدام القنبلة الذرية التي كانت قد توصلت إلى صنعها، فرمت القاصفات الأمريكية أول قنبلة على مدينة هيروشيما في ٦ أب ١٩٤٥ م فدمرت هذه القنبلة ثلاثة أرباع المدينة، وسببت وفاة ٧٨١٥٠ من السكان، وأدت نتائجها إلى كوارث وخيمة، وجرحت مائة وعشرين ألفًا من الشيوخ والنساء والأطفال، وكان تدميرها الذي دمرت من المدينة أربعة أميال مربعة، وفي الثامن من أغسطس أعلنت روسيا الحرب على اليابان وشرعت في غزو منشوريا. وفي ٩ أب أسقط الأمريكيون قنبلة ذرية أخرى على ناجازاكي فأنزلت بها خسائر مروعة في الأرواح والأملاك مماثلة لما حدث في هيروشيما، فتأكد اليابان أن المقاومة عديمة الجدوى، وطلبت فتح باب المفاوضات لعقد الهدنة، وقبلوا شروط الحلفاء ووقعوا على وثيقة استسلام في ٢ أيلول ١٩٤٥ م، ولما وصلت الحال بهتلر رئيس ألمانيا إلى أن ينتحر أمر أحد ملازميه الذين لا يتخلون عنه بمغادرة برلين قبيل

стр. 1251

سقوطها بثلاثة أيام، ومع أنه كان يعلم أن الروس أتموا تطويق العاصمة، فما تمت لهجته وهو يخاطبه عن ذلك اليأس الذي يدفع فريسته إلى الانتحار، وكان قد اختار زوجته النهاية التي اختارها من قبل غوليترفيانا، وكان ذلك الملازم يروي إلزام هتلر له بمبارحة برلين فعجز عن الخروج لأنها قد حصرت، قال: وكانت برلين شعلة من نار وهبت فيها الحرائق ملتهبة وغادرت القصر عند الفجر لألجأ إلى سرداب، فالتقيت الجنود يحتلون السرداب فقضيت نهاري في ملجأ، ولما أرخى الليل سدوله على العاصمة تسللت عائدًا إلى قصر المستشارية وجعلت أتطلع الأخبار عن التطورات الأخيرة، وكل من التقيت به الجنود فإني أرى قد على وجوههم الوجوم، ولم أجرء على مقابلة هتلر، ولما هممت بالصعود من الطابق الأعلى اعترض سبيلي جنديان من رجال الحرس الخاص فأخبراني أن القصر يحترق لأن القنابل الروسية الناسفة والحارقة قد أشعلت النار فيه. أما أخرة هتلر فقد نقل لنا عن مرافقيه وسائق سيارته أنه قتل زوجته برصاصة وانتحر بعدها، وذلك لأنه أفهمها الحقيقة فقتلها وأتبعها نفسه، وقد قيل أنه أمر أحد الأطباء بحقنهما سمًا ففعل الطبيب ذلك نزولًا على رغبته، قال الضابط فرانز بوهلو يروي قصته أنه استدعاه في ساعة مبكرة من الصباح أول أيار ١٩٤٥ م، وقال له أنه قرر الانتحار بعد أن أفلت من يده زمام النصر، وأفهمه بحضور إيفابرون أنه سيطلق النار عليها رصاصة واحدة ثم ينتحر بدوره، فخرج الضابط لينقل ما سمع إلى معاوني الغوهرر علهم يتداركون الأمر، وقبل أن يبلغ الخبر الهام إلى أقربهم منه دوى طلق ناري فثان فثالث، فهرع الضابط والطبيب بوهارت وكانا على بضعة أمتار من حجرة الغو هرر إليها فوجدا هتلر وزوجته إيفابرون جثتين هامدتين وقد امتزجت دماؤهما، وكان قد أوصى قبل هلاكه الضابط بأن تنقل الجثتان ملفوفتين بالعلم الألماني إلى فناء القصر وتحرقان في حفرة قليلة العمق، وفعلًا جرى ذلك في وقت انهار به الطابق الثاني كله، وملأت

стр. 1252

الأنقاض الفناء المذكور، ثم إنها سلمت ألمانيا في الأسبوع الأول من أيار وقام خليفة هتلر الأميرال دونتز ينفذ اتفاق التسليم. أما زعماء الألمان مثل هيس الذي طار إلى بريطانيا ليسعى بالصلح بينهما وبين هتلر فاعتقلته وكذا شبير، وفون شيراخ، وفونك ونحوهم فقد ألقت الحلفاء القبض عليهم وحبسوا في أشيندو يعذبون بأنواع الإهانات وعلى رأسهم الأميرال دونتز ورئيس الدولة الألمانية ومستشارها، والقائد الأعلى للقوات السلحة يبدو وهو يحمل على ظهره كيس السماد أثناء العمل في الحديقة. أما بقية الزعماء فقد انتحروا، ففي ٣٠ نيسان من ١٩٤٥ م حرق غوبلز نفسه وزوجته ماجدة وأطفاله السبعة في قصر المستشارية، وهذا اليوم هو يوم العبوس القمطرير الذي قرر فيه هتلر استحالة كسب النصر واعترف وهو موقن بالنصر حتى اللحظة الأخيرة بأنه قد خسر الحرب نهائيًا فالله المستعان، وإنها لتكسبنا الأيام تذكر تمام قدرة الله تعالى وأنه المتصرف في خلقه على وفق مراده. جهود ضائعة ويأبى الله إلا ما أراد لقد كان هتلر قطعة من حديد لا يبالي بأحد ولا يوقف في طريقه، ومن جبروته أمره عندما بلغه أن قواته انسحبت من فرنسا بأن تخشى الألغام في باريس بالقنابل المؤقتة والمفرقعات، فإذا دخلها جيش الحلفاء نسفتها عليهم فتخرب باريس وتكون قبرًا لجيوش الحلفاء، غير أنه خانه الحاكم العسكري الألماني والحاكشم المدني سفيره وأزالوها وأنقذوا باريس. ومن عجائبه الطرق التي تتفرع من برلين شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا يكون مجموع طولها سبعة آلاف كيلو متر، وإقامة سور على سواحل الأطلسي لحفظ أوربا من قوات الحلفاء، وقد استخدم لهذا العمل الجبار أكثر من ثلاثة ملايين عامل ومهندس وخبير، وقد أمر هتلر منظمة فريتزترت بتشييد خطوط

стр. 1253

دفاع أخرى استنزفت من ألمانيا قوى لو صرفتها على الجبهة الشرقية لكان لها الحظ الأوفر في الانتصار. فمن ذلك خط دفاعي يمتد من حدود إسبانيا إلى حدود إيطاليا على شواطئ البحر الأبيض المتوسط بفرنسا، وأمر ببناء خط غوستاف وخط غويتك، وخط هتلر في إيطاليا، وخطوط أخرى، وقد تطلب هذا العمل الشاق لتحقيقه عشرة آلاف سيارة للنقل، وكانت المبالغ التي تدفع خزانة الدولة للعمال هناك ولعائلاتهم في ألمانيا وفي أوربا ضخمة تستنزف قواها، ولكن مطابع النقد الورقي الألماني مستعدة في طبع الملايين من الماركات لسد حاجة الناس وتسديد طلبات الجميع. وكان امتداد الجبهات الحربية والأبعاد الشاسعة الطويلة لطرق المواصلات التي تحتاجها القوات الألمانية المسلحة للتموين وتجديد العتاد والمؤن الحربية يتطلب وجود ملايين من العمال للسهر على إبقاء هذه الطرق صالحة للعمل، ففي انتصار ألمانيا تكون هذه الطرق تنشئ لها وسائل الراحة والاطمئنان، أما في التراجع والانكسار فلقد كانت تقطع على العدو سبيل اللحاق بالقوات النازية بنسف الجسور وتخريب الطرق. ولقد قاست ألمانيا خطرًا من خيانة بعض العمال الذين سخروا كالعبيد للعمل في مختلف الجهات من الأجانب الأوربيين، فقد كانوا يقومون بضد ما أمروا به من تصليح الخطوط فجعلوا يقومون بأعمال التخريب والتدمير في كل مناسبة، وهذه خطة مرة أثيمة ومنشأها من الأسرى الروس الحمر الذين جيء بهم من الجهات الشرقية واختلطوا بالعمال الأوربيين، وبالرغم من التنكيل بهم فإنهم مستمرون سرًا في العناد، ويدعون إلى الخيانة حتى شاركهم البولنديون والفرنسيون من العمال بعدما عملوا في خلال سنتين كاملتين بكل طاعة ونظام قبل انضمام الأسرى من الروس، وهذه نكبة في حق ألمانيا. ولما أن تقهقر الألمان في الجبهة الغربية أغرقوا أثناء تقهقرهم الأراضي حتى

стр. 1254

غدت كالبحار وتراكمت على الأرض طبقات من الوحل، حتى كادت دبابات الحلفاء ومصفحاتهم تغوص فيها، ودمروا السدود. أما ما كان هتلر يمني به نفسه ويشجع ألمانيا حال كون طائرات الحلفاء تصب على برلين القنابل آناء الليل والنهار وهي تتهدم وتحترق وتأتيها القنابل الذرية، فهو السلاح السري الجديد الذي سيبدل وجه الدنيا ويغير مجرى التاريخ، غير أنها سلمت قبل انتهائه. وكان يقول أن الجو لا يمكن حفظه أمام التطورات الفنية، ولكن وسائل الدفاع التي ستتخذها على ضوء العلم الحديث ستكفينا مؤونة هذه الغارات الجوية التافهة، وقد أبرم أمره على ضرب الحلفاء بها غير أن الظروف لم تساعد على إكمالها. ولما سلمت ألمانيا وسكنت الحرب اهتزت أسلاك البرق في العشر الأواخر من جمادى الأولى من هذه السنة وخفقت الأفئدة، وطربت النفوس فرحة بانتهاء الحرب في أوربا. ولقد كانت الأمم واجمة خلال هذه الست سنوات لما قاست من ويلات الحرب ومصائبها، وفي هذا اليوم تقف مستبشرة بمستقبل زاهر، فقد آن للعالم أن يعود إلى حياة السلم والطمأنينة بعد أن قضى فترة هذه الحرب الضروس وهو يئن تحت وطأة كابوسها وأهوالها المريعة. ذكر ما جرى بعد سكون الحرب لما انتهت الحرب حاولت فرنسا ربط سوريا بلبنان بمعاهدة تنال بها امتيازات عسكرية فرفضتها الحكومتان السورية واللبنانية، وأضربت المدن في الدولتين فضربتها القوات الفرنسية بالمدافع حتى تدخلت بريطانيا وأرغمت القوات الفرنسية إلى العودة إلى ثكناتها، ثم رفعت لبنان شكوى إلى مجلس الأمن كما فعلت سوريا، فاضطرت فرنسا إلى الجلاء واحتفلت دمشق

стр. 1255

باستقلالها، ثم نالت لبنان استقلالها، وذلك بعد جهاد شريف في جمادى من هذه السنة رغم المدافع التي صوبها المجرمون إلى قلب العمران والآمنين من السكان في دمشق وحماة وحمص. ولما أن عقد مؤتمر الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو في ١٣ جمادى الأولى ١٣٦٤ هـ ودعي له مندوبو الحكومات للاشتراك في السلام والطمأنينة، لم تمضِ سنة حتى بدأ الخصام بين أقطابها، هذا يبغي مغنمًا يروي به غلة دولته وإشباع نهمها، وذاك يحاول إحباط مساعي غيره في احتكار النفوذ في الجامعة، وغير ذلك من الأغراض. ومن أعظم المشكلات مهمة فلسطين التي هي من أهم ما يشغل أفكار المسلمين والعرب، ولقد تكلم عنها صاحب الجلالة المعظم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن سعود على رؤوس الأشهاد في نحو من خمسمائة من أعيان حجاج بيت الله الحرام بدعوة عقدت لذلك، وباح بما عنده وقوبل من الحاضرين بالانتباه والتقدير وحسن الإصغاء، ومن كلامه أنه قال: إن مسألة فلسطين هي أهم ما يشغل أفكار المسلمين والعرب في هذه الأيام، وهي المسألة التي يجب أن تكون موضع عناية الجميع ومدار اهتمامهم، ومع أنني لا أحب كثرة الكلام وأفضل على الدعاية للعمل الصامت المثمر فإنني أقول بصراحة أن السكوت عن قضية فلسطين لا يوافق المصلحة، وقد سبق لي أن تكلمت مع أركان الحكومة البريطانية، كما تحدثت مطولًا مع الرئيس روزفلت، وذكرت بكل صراحة الحيف الذي أصاب به إخواننا عرب فلسطين والإعنات والقهر الذين أخضعوا لهما، وطلبت وطالبت من الرئيس الراحل إنصاف عرب فلسطين إن لم يكن بالمساعدات الفعلية فعلى الأقل بالوقوف على الحياد وعدم مساعدة اليهود عليهم إلى آخر كلامه الطويل البليغ الذي يدل على عظمته، كيف وقد وقع ما كان يتوقعه. وفيها كثر الجراد في نجد وكثر الدباء، فقام لذلك أهالي القصيم يكافحونه بالقتل والزبي، وجعل أهل بريدة يخرجون كل يوم لضواحي القصيم ألفًا وخمسمائة من الرجال لذلك.

стр. 1256

وفيها في غرة جمادى الثانية انتخبت الحكومة السعودية نشأ من أبناء نجد وبعثتهم إلى دار التوحيد في الطائف ليتعلموا العلم ويدرسوا هناك، وجلب إلى تلك المدرسة أساتذة من مصر وسوريا، وشروط هؤلاء النشئ أن تكون سنوهم بين الثالثة عشرة والثامنة عشرة، وأن يكونوا متأهلين للدراسة، فبادرت الأمة لتلبية الطلب خاضعين لأوامر الحكومة. وفيها عينت الحكومة فضيلة الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع مديرًا للمعارف في الحكومة السعودية، وأسندت إليه إدارتها في ٢٧ ذي الحجة، وكان الشيخ محمد من تلامذة الشيخ العالم محمد بن عبد الله بن سليم، ويمتاز مدير المعارف على غالب أقرانه بالعقل والمدارة، فعدل المنهج الابتدائي والثانوي بزيادة المواد الدينية وزيادة شعب للتخصص في العلوم الدينية والعربية والاجتماعية، وطلب مدرسين من مصر ونهض بالمعارف. ذكر من توفي فيها من الأعيان ففيها في ١٧ ذي القعدة توفى الشيخ عبد المحسين بن عبيد أخونا وشقيقنا قدس الله روحه ونور ضريحه، وهذه ترجمته: هو الحبر الذكي العالم الموفق الصابر على حلو الزمان ومره، الزاهد التقي المتقشف صاحب الورع، والخمول والزاهد في الدنيا، والمقبل على الآخرة، العاقل السليم الصدر عبد المحسن بن عبيد بن عبد المحسن بن عبيد، ولد ﵀ عام ١٣١٩ هـ، فنشأ بين والديه في عيش طيب رخي، وعافية في دينه ودنياه، نتعلم القراءة على معلم يدعى علي بن عبد العزيز الحوطي، ودرس على المعلم المؤدب عبد الله بن إبراهيم بن معارك، وكان هذا المؤدب إمامًا في أحد مساجد بريدة، ثم أخذ المترجم يطلب العلم من الشيخين الإمامين عبد الله بن محمد بن سليم، وعمر بن محمد بن سليم، وقد أحببت ذكر ترجمته في خمسة أبواب:

стр. 1257

الباب الأول: في نشأته وطلبه للعلم نشأ ﵀ على طهارة وعفاف، وتقى وصلاح، فكان في معية أخيه وشقيقه الشيخ عبد الرحمن، لأن أخاه أسن منه، فكان يدرس عليه ويتعلم منه ويستخلفه على مكتبته إذا سافر، وقد أوقف عليه كتبًا نفيسة، وكان يألف المسجد ويتخلى في حجرة فيه يطالع كتبه ويكتب، وقد حببت إليه الخلوة والتردد إلى المسجد، وبعدما حفظ القرآن لزم الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، وأخذ عن الشيخ عمر بن سليم، وأكثر الأخذ عنه، ثم أخذ أيضًا عن الشيخ عبد الله بن محمد بن فداء، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد، ومما درس به على الشيخ عمر بن سليم كتاب بلوغ المرام، فكان يقرأ حديثين ثم يطبق الكتاب، وقد يستزيده الشيخ فلا يتجاوزهما، ثم إنه حج فرضة في أواخر ولاية الشريف الحسين بن علي، فلما تم له من العمر خمس وعشرون سنة تزوج بامرأة فأقامت عنده مدة غير طويلة فطلقها، ثم تزوج بعدها بثيب وذلك في ٤ شوال ١٣٤٩ هـ، وكل هذه الأعمال بسعي والدنا وأسبابه فإنه قد كفاه مؤونة الدنيا وفرغ باله لطلب العلم جزاه الله خيرًا، فلتهنه هذه الخطة التي سيجازيه الله عليها الإثابة، ثم إنه حج في ١٣٥١ هـ وكان مكبًا على طلب العلم منافسًا في نيله بحب العزلة، وأولع في جمع الكتب فرحمة الله عليه رحمةً واسعة. الباب الثاني: فى عبادته وورعه وصبره كان يكثر تلاوة القرآن وله حظ من قيام الليل فكان يقوم من آخر الليل عند طلوع الفجر الأول ويتطهر ويصلي ما كتب له على الدوام، ويلازم الجمع والجماعة، وغالب صلواته يكون يلي الإمام في مقدمة الصفوف ولا سيما صلاة الفجر والمغرب والعشاء، فإنه لا يكاد يتخلى عن محاذاة الإمام في الصف، وكان يعجبه أن يكون مأمومًا، ويحب الخمول والتقشف. وقد عرض عليه الشيخ وظيفة الإمامة فرفض أيضًا، وجرى له مع الشيخ محاورة

стр. 1258

في مسألة جعله قاضيًا في شقراء حتى جعل يبكي أمام الشيخ ويسأله العافية، فبكى الشيخ لبكائه وعذره، ثم إنه عرض عليه آخر وظيفة هي أن يكون إمامًا في مسجد كبير من مساجد بريدة ويتولى أعمال مدرسة علمية كانت حواليه فأبى ورفض. وكان يتواضع للإخوان وطلاب العلم ويخفض جناحه لهم، ويصبر على ما يناله من الأذى فيجلس معهم ويحدثهم ويؤنسهم بما تتم به العشرة، ولا يمل مع ذلك حديثه وإن طال، ويكلم الناس على قدر عقولهم ومراتبهم، فيتحدث مع اللئيم وأهل البطش بما يلائمهم ويوافق لهم ليدفع شرهم، ويتحدث مع خاصته من طلاب العلم والدين والأحباب والأصدقاء، ويميل إليهم ويألفهم ويألفونه، ويكلم الأعيان والكبراء بكلام يليق بهم، ويحرص على المداراة مهما أمكنه، فلأجل ذلك لا يرى له كبير أمر بالمعروف ولا نهى عن منكر إلا عند الضرورة. وكثيرًا ما يشكو إلى سرًا ما يقاسيه من بعض من يوافقهم للسلامة من شرهم ويحثني على المداراة كثيرًا. الباب الثالث في طريقة تعليمه ومحبة الناس له وصفته كان أسمر اللون طوالًا، شثن اليدين والرجلين، يحب التقشف ويعيب حب الجاه والرياسة والملابس الحسنة، قوي البنية، قليل اللحم، له لحية حسنة بعارضين، تعلوه السكينة وبهاء العلم والحياء، كبير الجبهة، ولم يكن له اشتغال في الدنيا، غير أنه ينسكب بيده فيصل إليه من ذلك نزرٌ يسير من طريق الكتابة والنسخ بيده وإصلاح الكتب والجلدات بالتجليد، ويباشر الأعمال الشاقة بنفسه ولا يرى لنفسه قدرًا، وكان حليمًا في غالب أموره، وذا سمت حسن وعقل رزين. وقد خط كتبًا كثيرة بيده، فمنها كتاب الهداية لأبي الخطاب، والرعاية الصغرى، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب، وكتاب التنقيح، وكتاب المحرر في الفقه، وشرح الطحاوية، وقواعد ابن رجب وغيرها. وكان شكورًا لنعم الله تعالى وذلك لما منَّ الله عليه من القناعة فإنه يرى نفسه

стр. 1259

بنعمة لم تحصل لأحد ولا للملوك، وقد يكون في بعض الأيام بأعلى كرامة، وفي بعضها بأدنى مهونة فلا يتأثر لذلك بل يصبر على حلو الزمان ومره، ولست أقول أنه كامل الصفات، بل كل بني آدم خطاء، غير أننا إذا سبرنا حالة أبناء الزمان فإنه من خيارهم، قد عافاه الله من أكل أموال الناس ظلمًا ومن أذية المسلمين، بل كان محسنًا إلى الفقراء ومكرمًا لرفقته، فقلَّ أن يصاحب أحدًا فتنقلب صحبته عداوة، وكان في طريقته للتعليم والإفادة أنه لا يجلس للتعليم فيتحلق عليه الطلاب، إنما كان يأتيه المتعلم فيجلس إلى جانبه ويمر عليه القطعة التي يريد أخذها من التوحيد، أو الفقه، أو الحديث وغيرهما فيفيده عن إعرابها ويوضحها ويبين له الغوامض من ألفاظها، وقلَّ أن يوجد أحد من أقرانه أو أقل منه سنًا إلا ويستفيد منه برفق ولين، ويتواضع لمن يتعلم منه. وكان ينتابه الأصحاب والطلاب من كل قادم ومقيم فيجتمعون به ويظهر لهم الود والمحبة، وقد جعل الله له قبولًا ومحبة في قلوب الناس وذلك لما وقر في نفسه من التواضع وسعة الرأي بعد النظر، ولولا ما قام به من كراهته للرئاسة لكان له شأن غير هذا، بل كان ورعًا همه إصلاح دينه ونفسه وتهذيبها، وكان ذا أصل عظيم وبصيرة في دينه، وله يد طولى في علم الرجال والعروض. الباب الرابع: في علمه ومؤلفاته أما علمه ومعرفته فكان عالمًا بالتوحيد والفقه والحديث والرجال والنحو، ومن أشهر مؤلفاته رسالته المطبوعة بمصر المسماة الهداية والإرشاد إلى طريق الهدى والرشاد في هذا الزمان الذي عم فيه الفساد وضل فيه أكثر العباد وحرموا فيه السداد، وهي مفيدة تقع في ٤٠ صفحة. ومنها تهذيب مناقب الإمام أحمد بن حنبل تأليف ابن الجوزي، وقد شطر ميمية الشيخ سليمان بن سحمان، وخمس أبيات ابن رجب في وداع رمضان، ومنها قصيدة في غربة الدين دالية تورد من أبياتها البعض وهي قوله:

стр. 1260

إلى الله نشكو الحال لا رب غيره ... ونفزع في رفع الأكف ونعتمد ونسأله التوفيق للرشد والهدى ... وتبصرة نحذوا عليها ونستند عسى وعسى أن ينصر الله دينه ... كذا المصطفى الهادي إلى الحق والرشد وبعد فقد عم البلى وتوفرت ... أمور الردى بين الملا بلا فند فهذا زمان الصبر طوبى لعاملٍ ... على السنة الغراء مقيمًا قد اعتمد زمانٌ به الأحوال حالت بكلها ... فلست ترى إلا الخيانة والنكد فلا آمر بالعرف يومًا وناهيًا ... عن المنكر المشؤوم في أغلب البدد ترى الأمر بالمعروف أقفر رسمه ... كذا المنكر استعلا جهارًا وقد وجد خلت من شفيق قام لله داعيًا ... إلى السنة المثلى مُجدًا قد اجتهد يقرر آيات الكتاب بعزمه ... ويشرح للغراء سليمًا من اللدد فقد طالما ربع الشريعة مقفرًا ... فسوق الهدى والخير والله قد كسد تبدلت الأحوال من بعد حسنها ... فلست ترى إلا النميمة والحقد مع الفحش في الأقوال والسوء والبغاء ... شمائلهم بث الفساد مع الحسد وكلّ قد استغنى بعادات أصله ... يرى أنها أحرى الطرائق والرشد وظن الذي يهوى صوابًا وسنةً ... تراه لما يهوى مكبًا على عمد إذا قيل قال الله قال رسوله ... تغيظ من سوء الطوية والحقد وما همه أمر المعاد وهوله ... فيا ويل عبدٌ للهداية قد فقد ينافس في الدنيا لأبناء جنسه ... يعوم بتيار البطالة قد مرد وأعرض عن يوم التغابن عامدًا ... وضيع أمر الله يا بئسما قصد .. الخ وهي حسنة، وله قصيدة من هذا النمط لامية تحث على الجد والاجتهاد والتشمير وترك التكاسل في طلب العلم نذكر بعضًا منها: تقضت ليالينا وضاعت حياتنا ... بلا عمل يجدي على غير طائل فوا أسفًا للعمر يمضي سبهللًا ... فيا ضيعة الأعمار في غير حاصل فآهًا على التفريط في زمن الصبا ... وآهًا على فوت العلى والفضائل

стр. 1261

ويا حسرتا كيف اطمأنت نفوسنا ... إلى الميل في الدنيا وكسب الرذائل فذا الغبن كل الغبن يا قوم فاعلموا ... ألا تعجبوا من ذا الردى والتكاسل فيا معشر الإخوان يا زينة الورى ... ويا أنجم السارين من كل فاضل ويا عصبة الإسلام هبوا توكلوا ... على الملك الأعلى لسرد الدلائل ولا تدنسوا العلم الشريف بريبةٍ ... ولا تسئموا بث الهدى في القبائل إلى أن قال: أما آن أن نصغي إلى طلب العلى ... ونعمر أطلال العلا والمسائل نسرح أفكارًا لنا وفهومنا ... ونبحث في علم الهدى بالمحافل ولا سيما التوحيد أزكى علومنا ... وننهض في كسب العلى والفضائل ونعمر أطلالًا لقول مليكنا ... كذا شرعة المختار بين القبائل .. الخ وهي حسنة ولولا خشية الإطالة لأتينا بها، ومنها قصيدة تائية نظمها تسليةً لبعض إخوانه في الله لما أصيب بموت أقربائه، وقد قدمنا جملة من قصائده في رثاء العلماء، ومنها قصيدة في ماء القويطير، وله تعليقات على بعض المسائل، ولقد أهمل أهل القصيم ذكر عظمائهم وعلمائهم وشعرائهم فلم يدونوا شيئًا من ذلك، ويعتبر هذا من التفريط. الباب الخامس: فى مرضه ووفاته كان أول مرضه رحمة الله عليه في محرم من هذه السنة، وهو قلة هضم وهزال، فما زال جسمه ينهدم وتنحل قواه فصام شهر رمضان، غير أنه كان يصلي جالسًا، ولما كان في منتصفه أصابه فهاق شديد أعقبه نفث دم كثير، وكان يذهب ويجيء فلم يلزم الفراش، وصلى صلاة عيد الفطر في المصلى، هذا وقد نقص بدنه وانحلت قواه فاتخذ عصًا يتوكأ عليها ويستعين بها على المشي، فلما كان في غرة ذي القعدة ضعفت بنيته وشق عليه السعي إلى المسجد، وفي خامس ذي القعدة لزم البيت ويستطيع الصعود والنزول، ثم إنه جعل يستعد للموت ويوصي بماله وما عليه، أما

стр. 1262

وصيته وحفر قبره واستعداده للآخرة فكان من قديم، ثم انه جلس للزوار من أحبائه في الديوان، وفي عاشر ذي القعدة اشتد به الألم وعجز عن النزول والصعود فلزم الفرش في غرفة، وكان في خلال ذلك مديمًا على تلاوة القرآن وعبادة ربه، حريصًا على الطهارة والنظافة، ولازمه بعض إخواني فكان يدعو له من يتفقد أضلاعه خشية أن يكون مرضه بذات الجنب فكواه بعض أهل المعرفة على جنبه فلم يفد شيئًا، ثم دعي إليه آخر فكواه في بطنه ولم يفد شيئًا، وكان يتجلد ويظهر القوة، غير أن كية الأخير أحدث له ألمًا شديدًا فاشتد أنينه لذلك، وكان لا يعرف بعده عواده، لكنه مع ما يقاسيه يلهج بحمد ربه ويثني عليه ويكثر الاستغفار والتوبة، فلما كان في ليلة سابع عشر ذي القعدة حصل له ضجر شديد وانكسف باله، وفي صباحها وجه إلى القبلة وبدت به علامات الموت وسكراته، نسأل الله تعالى أن يثبتنا على قوله الثابت في الحياة وفي الآخرة، ولقد شدد عليه في النزع، وما كان ليتخلى من التسبيح والذكر حتى في أضيق الحالات، وكان ينطق خفوتًا بصوت ضعيف: يريد لأخذ الزاد في وقت مهلةٍ ... دقائق تحصى وهنَّ قلائل على ذكر رب الخلق قد مات محركًا ... شفاها له كيما تجاب المسائل وما الدهر إلا هكذا فانتبه له ... منايا تجيء كالطارقات تنازل فلما كان في الساعة الرابعة انتقل إلى رحمة مولاه وخرج من الدنيا مقلًا متقللًا مخفًا منها، فرحمة الله تعالى عليه، ونسأل الله له الغفران، ثم إنه جهز وصلى عليه في المسجد الجامع في بريدة بعد صلاة الظهر، وحزن عليه المسلمون وبكوا لذلك وانتحبوا، وحمل إلى ضريحه في المقبرة الجنوبية ووضع في قبره الذي اختار أن يكون إلى جانب قبر والده، وكان لم يخلف عقبًا لأنه كان عقيمًا. ولقد أصيب به المسلمون وحزن لفراقه المؤمنون ورثاه بعض الأدباء، وهذه قلتها لما فدحنا كصيبته ورزئنا بفقده قدس الله روحه وأسكنه الجنة بفضله ورحمته: تبارك مولانا فيقضي ويحكم ... له الخلق والتدبير والله أرحم

стр. 1263

تفرد في تصريف كل مكون ... فمن ذا له عما قضى الله مهزم رضينا به ربًا مليكًا مدبرًا ... لأملاكه والرب بالخلق أعلم فما قدم الرحمن ليس مؤخرًا ... وما أخر الرحمن ليس يقدم فيا نفس صبرًا فاستريحي من الهوى ... فإن إله الخلق ليس هو يظلم لقد كتب الله الفناء على الورى ... ألا كل حي حبله متصرم فهذا مضى قدمًا وذا فهو لاحق ... وكلٌ لكأس الموت لا بد يطعم ويبقى إله الحق ﷻ ... جليل تعالى وجهه ومكرم فلو كان حي في الحياة مخلدًا ... لكان رسول الله حيًا ينعم لكنها الآجال تأتي ببغتةٍ ... وما ليست الأسباب منها تسلم ولو كان مِن ريب المنية مدفع ... لكان محب عن حبيب يكلم ويفديه بالغالي بما قد حوى له ... بمالٍ وجاهٍ إذ لديه يسلم فما طرقتنا دهرنا من مصيبةٍ ... عليها دموع العين في الخد تسجم ترانا بحزن باهتين بلوعةٍ ... ونار الأسى في حرها تتضرم لسبعٍ من الأيام من بعد عشرها ... بذي قعدةٍ من أشهر قد تحرم لأربع ساعات مضت من نهارها ... بيوم الثلاثا بعد ألفٍ محكم وفي رابع الستين من ضبط هجرةٍ ... ثلاث مئين قد تعد وترقم بأعظم منها نكبة ومصيبة ... فأسبل كلٌ دمعه يتسجم ومذ سار نعشه إلى نحو جامع ... فإن قلوب الناس يذبها التألم ومنه إلى نحو القبور مشيعًا ... تريق دموع العين سحًا منظم على ابن عبيد واسمه عبد محسنٍ ... فتى من كرام فضله ليس يبهم لقد كان ذا قلب قنوعٍ برزقه ... صبورًا على الشدات اذ حل مؤلم يكابد آلامًا ويئني لربه ... بخير وللشكوى عن الخلق يكتم تدرع جلباب الخمول بمرةٍ ... فما نفسه يومًا عراها التقدم له في كمال العقل حظ ومسمت ... وليس بطياش يصول ويشتم

стр. 1264

بل إنه مذ شب في العلم مولعٌ ... بفهمٍ منيرٍ حاضر ليس يسأم ينافس في جمع العلوم ونسخها ... فهمته تسمو وتسعى وتغنم يلاقي لمن لاقى ببشرٍ وعشرةٍ ... ويغضي حياء عن جفاء ويحلم لأن كان في الدنيا على الحالة التي ... تسر لذي ود من الناس يفهم مكبًا على درس الكتاب مرتلًا ... نهارًا وليلًا في الدجى يترنم ومن زهرة الدنيا مقل مقلل ... على حذرٍ منها بأخراه مغرم فنرجوا له الزلفى من الله والرضا ... بدار الجزاء والأمن يعلى ويكرم ولما فرغنا حين وقت رحيله لإنجاز تجهيزٍ ونسعى نقدم سكبنا دموعًا من جفان عيوننا ... ونرفع طرفًا للإله متيم فيا ربنا أبدله خيرًا من أهله ... ودارًا بدار الخلد فيها ينعم فها هو ذا عبدٌ نزل بفنائكم ... ومن شأنكم إكرام ضيفٍ يقدم وأحسن عزانا ربنا بمصابنا ... وجبرٍ لمكسورٍ تغيث وترحم فأنت الذي ترجى لكشف ملمةٍ ... وأنت الذي في بابك ترحم وصل إلهي كل ما ذر شارقٌ ... على أفق دهرًا وما غاب أنجم وما سبح الأطيار واهتزت الربا ... بويل وما قد طاف بالبيت محرم على أحمد خير الأنام شفاعة ... وآلٍ وأصحاب مضوا وتقدموا وفيها في شهر شعبان وكانت الشمس في برج السرطان هطلت سيول على القصيم في شدة القيظ وصلاح الثمرة، فأحدث ذلك للناس عجبًا لأنه نادر الوقوع في تلك المقاطعة، فلم يعهد مثله منذ زمن طويل، وتذكر الناس قول الرسول ﷺ : "إذا كان المطر قيظًا والولد غيظًا والمال فيضًا فانتظروا الساعة". وفيها وفاة الشيخ عبد العزيز بن مقرن رحمة الله عليه، وهذه ترجمته: هو الحبر الذكي العارف الموفق الصابر المحتسب مصائبه جنب ثواب الله ، الشيخ الزاهد عبد العزيز بن مقرن من بلدة حريملا المشهورة، ولد في سنة ألف وثلاثمائة وسبع وعشرين هجرية، فنشأ في طلب العلم وحبب إليه قراءة

стр. 1265

الذكر الحكيم ودراسة أحاديث الرسول ﷺ من الأمهات، وجعل يتنقل في طلب العلم ويسعى في نيله لدى العلماء، حتى كان من خيرة تلامذة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، فجعل من ضمن الأعضاء الذين ضموا إلى الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع يرشدون في مساجد الحجاز ويعظون فيها، مضافًا إلى ذلك أنهم أعضاء في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إنه جعل إمامًا في مسجد الأبطح الذي يقع أمام قصر جلالة الملك في مكة المشرفة، وكان ذلك المسجد يمتاز إذ ذاك في حسن العمارة وقوة البناء بالإسمنت المسلح. وكان المترجم نابغة في العلم والمعرفة وله ذوق عظيم، يحب البحث في مسائل العلم، وله حظ في الديانة والصلاح، أضف إلى ذلك أنه صبور على أنواع البلايا في بدنه حتى مات في هذه السنة وانتقل إلى رحمة الله، وكان يفوق على زملائه بالعلم، بل كان من خيرهم وأفضلهم. وفي آخر هذه السنة توفى العابد الزاهد محمد النجيدي رحمه الله تعالى وعفا عنه، وهذه ترجمته: هو العارف الفاضل التقي الذكي محمد بن إبراهيم بن سليمان بن سعود النجيدي، من عنزة المصاليخ والأصل بقرية القرعاء من قرى بريدة، ولد ﵀ في سنة ألف وثلاثمائة وأربع عشرة، أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، ونشأ يتيمًا في حضانة أخيه سليمان، وكان مقبلًا على الله والدار الآخرة، حليمًا سكينًا يألف المسجد، وقد جعل له حجرة فيه يأوي إليها، ولا يمل دراسة الكتب والنظر في مسائل العلم وفنونه، وقد سلم من الكبر والإعجاب، بل كان غنيًا شكورًا، وكان دائم الخوف والخشوع، فلا يتأثر في الأفراح ولا في الهموم والغموم، وقد ملك لسانه عن القيل والقال وأعرض عن الممدوح والمذموم، وأقبل على خدمة الواحد الحي القيوم، واعتزل الخلائق وقطع من الناس العلائق، فإذا دخل العشر الأواخر من رمضان اعتكف ولم يتكلم إلا في تلاوة القرآن والذكر، ويؤم في مسجد أهل حارته وأسرته، فإذا أقبل موسم الحج ركب ناقته وذهب يؤم الكعبة البيت الحرام، فكان على هذه الحالة حجًا واعتكافًا وعبادة وذكرًا وصلاة.
следующие страницы →