Полный текст (2 873 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
ويا حسرتا كيف اطمأنت نفوسنا ... إلى الميل في الدنيا وكسب الرذائل
فذا الغبن كل الغبن يا قوم فاعلموا ... ألا تعجبوا من ذا الردى والتكاسل
فيا معشر الإخوان يا زينة الورى ... ويا أنجم السارين من كل فاضل
ويا عصبة الإسلام هبوا توكلوا ... على الملك الأعلى لسرد الدلائل
ولا تدنسوا العلم الشريف بريبةٍ ... ولا تسئموا بث الهدى في القبائل
إلى أن قال:
أما آن أن نصغي إلى طلب العلى ... ونعمر أطلال العلا والمسائل
نسرح أفكارًا لنا وفهومنا ... ونبحث في علم الهدى بالمحافل
ولا سيما التوحيد أزكى علومنا ... وننهض في كسب العلى والفضائل
ونعمر أطلالًا لقول مليكنا ... كذا شرعة المختار بين القبائل
.. الخ وهي حسنة ولولا خشية الإطالة لأتينا بها، ومنها قصيدة تائية نظمها تسليةً لبعض إخوانه في الله لما أصيب بموت أقربائه، وقد قدمنا جملة من قصائده في رثاء العلماء، ومنها قصيدة في ماء القويطير، وله تعليقات على بعض المسائل، ولقد أهمل أهل القصيم ذكر عظمائهم وعلمائهم وشعرائهم فلم يدونوا شيئًا من ذلك، ويعتبر هذا من التفريط.
الباب الخامس: فى مرضه ووفاته
كان أول مرضه رحمة الله عليه في محرم من هذه السنة، وهو قلة هضم وهزال، فما زال جسمه ينهدم وتنحل قواه فصام شهر رمضان، غير أنه كان يصلي جالسًا، ولما كان في منتصفه أصابه فهاق شديد أعقبه نفث دم كثير، وكان يذهب ويجيء فلم يلزم الفراش، وصلى صلاة عيد الفطر في المصلى، هذا وقد نقص بدنه وانحلت قواه فاتخذ عصًا يتوكأ عليها ويستعين بها على المشي، فلما كان في غرة ذي القعدة ضعفت بنيته وشق عليه السعي إلى المسجد، وفي خامس ذي القعدة لزم البيت ويستطيع الصعود والنزول، ثم إنه جعل يستعد للموت ويوصي بماله وما عليه، أما
стр. 1262
وصيته وحفر قبره واستعداده للآخرة فكان من قديم، ثم انه جلس للزوار من أحبائه في الديوان، وفي عاشر ذي القعدة اشتد به الألم وعجز عن النزول والصعود فلزم الفرش في غرفة، وكان في خلال ذلك مديمًا على تلاوة القرآن وعبادة ربه، حريصًا على الطهارة والنظافة، ولازمه بعض إخواني فكان يدعو له من يتفقد أضلاعه خشية أن يكون مرضه بذات الجنب فكواه بعض أهل المعرفة على جنبه فلم يفد شيئًا، ثم دعي إليه آخر فكواه في بطنه ولم يفد شيئًا، وكان يتجلد ويظهر القوة، غير أن كية الأخير أحدث له ألمًا شديدًا فاشتد أنينه لذلك، وكان لا يعرف بعده عواده، لكنه مع ما يقاسيه يلهج بحمد ربه ويثني عليه ويكثر الاستغفار والتوبة، فلما كان في ليلة سابع عشر ذي القعدة حصل له ضجر شديد وانكسف باله، وفي صباحها وجه إلى القبلة وبدت به علامات الموت وسكراته، نسأل الله تعالى أن يثبتنا على قوله الثابت في الحياة وفي الآخرة، ولقد شدد عليه في النزع، وما كان ليتخلى من التسبيح والذكر حتى في أضيق الحالات، وكان ينطق خفوتًا بصوت ضعيف:
يريد لأخذ الزاد في وقت مهلةٍ ... دقائق تحصى وهنَّ قلائل
على ذكر رب الخلق قد مات محركًا ... شفاها له كيما تجاب المسائل
وما الدهر إلا هكذا فانتبه له ... منايا تجيء كالطارقات تنازل
فلما كان في الساعة الرابعة انتقل إلى رحمة مولاه وخرج من الدنيا مقلًا متقللًا مخفًا منها، فرحمة الله تعالى عليه، ونسأل الله له الغفران، ثم إنه جهز وصلى عليه في المسجد الجامع في بريدة بعد صلاة الظهر، وحزن عليه المسلمون وبكوا لذلك وانتحبوا، وحمل إلى ضريحه في المقبرة الجنوبية ووضع في قبره الذي اختار أن يكون إلى جانب قبر والده، وكان لم يخلف عقبًا لأنه كان عقيمًا.
ولقد أصيب به المسلمون وحزن لفراقه المؤمنون ورثاه بعض الأدباء، وهذه قلتها لما فدحنا كصيبته ورزئنا بفقده قدس الله روحه وأسكنه الجنة بفضله ورحمته:
تبارك مولانا فيقضي ويحكم ... له الخلق والتدبير والله أرحم
стр. 1263
تفرد في تصريف كل مكون ... فمن ذا له عما قضى الله مهزم
رضينا به ربًا مليكًا مدبرًا ... لأملاكه والرب بالخلق أعلم
فما قدم الرحمن ليس مؤخرًا ... وما أخر الرحمن ليس يقدم
فيا نفس صبرًا فاستريحي من الهوى ... فإن إله الخلق ليس هو يظلم
لقد كتب الله الفناء على الورى ... ألا كل حي حبله متصرم
فهذا مضى قدمًا وذا فهو لاحق ... وكلٌ لكأس الموت لا بد يطعم
ويبقى إله الحق ﷻ ... جليل تعالى وجهه ومكرم
فلو كان حي في الحياة مخلدًا ... لكان رسول الله حيًا ينعم
لكنها الآجال تأتي ببغتةٍ ... وما ليست الأسباب منها تسلم
ولو كان مِن ريب المنية مدفع ... لكان محب عن حبيب يكلم
ويفديه بالغالي بما قد حوى له ... بمالٍ وجاهٍ إذ لديه يسلم
فما طرقتنا دهرنا من مصيبةٍ ... عليها دموع العين في الخد تسجم
ترانا بحزن باهتين بلوعةٍ ... ونار الأسى في حرها تتضرم
لسبعٍ من الأيام من بعد عشرها ... بذي قعدةٍ من أشهر قد تحرم
لأربع ساعات مضت من نهارها ... بيوم الثلاثا بعد ألفٍ محكم
وفي رابع الستين من ضبط هجرةٍ ... ثلاث مئين قد تعد وترقم
بأعظم منها نكبة ومصيبة ... فأسبل كلٌ دمعه يتسجم
ومذ سار نعشه إلى نحو جامع ... فإن قلوب الناس يذبها التألم
ومنه إلى نحو القبور مشيعًا ... تريق دموع العين سحًا منظم
على ابن عبيد واسمه عبد محسنٍ ... فتى من كرام فضله ليس يبهم
لقد كان ذا قلب قنوعٍ برزقه ... صبورًا على الشدات اذ حل مؤلم
يكابد آلامًا ويئني لربه ... بخير وللشكوى عن الخلق يكتم
تدرع جلباب الخمول بمرةٍ ... فما نفسه يومًا عراها التقدم
له في كمال العقل حظ ومسمت ... وليس بطياش يصول ويشتم
стр. 1264
بل إنه مذ شب في العلم مولعٌ ... بفهمٍ منيرٍ حاضر ليس يسأم
ينافس في جمع العلوم ونسخها ... فهمته تسمو وتسعى وتغنم
يلاقي لمن لاقى ببشرٍ وعشرةٍ ... ويغضي حياء عن جفاء ويحلم
لأن كان في الدنيا على الحالة التي ... تسر لذي ود من الناس يفهم
مكبًا على درس الكتاب مرتلًا ... نهارًا وليلًا في الدجى يترنم
ومن زهرة الدنيا مقل مقلل ... على حذرٍ منها بأخراه مغرم
فنرجوا له الزلفى من الله والرضا ... بدار الجزاء والأمن يعلى ويكرم
ولما فرغنا حين وقت رحيله لإنجاز تجهيزٍ ونسعى نقدم
سكبنا دموعًا من جفان عيوننا ... ونرفع طرفًا للإله متيم
فيا ربنا أبدله خيرًا من أهله ... ودارًا بدار الخلد فيها ينعم
فها هو ذا عبدٌ نزل بفنائكم ... ومن شأنكم إكرام ضيفٍ يقدم
وأحسن عزانا ربنا بمصابنا ... وجبرٍ لمكسورٍ تغيث وترحم
فأنت الذي ترجى لكشف ملمةٍ ... وأنت الذي في بابك ترحم
وصل إلهي كل ما ذر شارقٌ ... على أفق دهرًا وما غاب أنجم
وما سبح الأطيار واهتزت الربا ... بويل وما قد طاف بالبيت محرم
على أحمد خير الأنام شفاعة ... وآلٍ وأصحاب مضوا وتقدموا
وفيها في شهر شعبان وكانت الشمس في برج السرطان هطلت سيول على القصيم في شدة القيظ وصلاح الثمرة، فأحدث ذلك للناس عجبًا لأنه نادر الوقوع في تلك المقاطعة، فلم يعهد مثله منذ زمن طويل، وتذكر الناس قول الرسول ﷺ : "إذا كان المطر قيظًا والولد غيظًا والمال فيضًا فانتظروا الساعة".
وفيها وفاة الشيخ عبد العزيز بن مقرن رحمة الله عليه، وهذه ترجمته:
هو الحبر الذكي العارف الموفق الصابر المحتسب مصائبه جنب ثواب الله ، الشيخ الزاهد عبد العزيز بن مقرن من بلدة حريملا المشهورة، ولد في سنة ألف وثلاثمائة وسبع وعشرين هجرية، فنشأ في طلب العلم وحبب إليه قراءة
стр. 1265
الذكر الحكيم ودراسة أحاديث الرسول ﷺ من الأمهات، وجعل يتنقل في طلب
العلم ويسعى في نيله لدى العلماء، حتى كان من خيرة تلامذة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، فجعل من ضمن الأعضاء الذين ضموا إلى الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع يرشدون في مساجد الحجاز ويعظون فيها، مضافًا إلى ذلك أنهم أعضاء في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إنه جعل إمامًا في مسجد الأبطح الذي يقع أمام قصر جلالة الملك في مكة المشرفة، وكان ذلك المسجد يمتاز إذ ذاك في حسن العمارة وقوة البناء بالإسمنت المسلح.
وكان المترجم نابغة في العلم والمعرفة وله ذوق عظيم، يحب البحث في مسائل العلم، وله حظ في الديانة والصلاح، أضف إلى ذلك أنه صبور على أنواع البلايا في بدنه حتى مات في هذه السنة وانتقل إلى رحمة الله، وكان يفوق على زملائه بالعلم، بل كان من خيرهم وأفضلهم.
وفي آخر هذه السنة توفى العابد الزاهد محمد النجيدي رحمه الله تعالى وعفا عنه، وهذه ترجمته:
هو العارف الفاضل التقي الذكي محمد بن إبراهيم بن سليمان بن سعود النجيدي، من عنزة المصاليخ والأصل بقرية القرعاء من قرى بريدة، ولد ﵀ في سنة ألف وثلاثمائة وأربع عشرة، أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، ونشأ يتيمًا في حضانة أخيه سليمان، وكان مقبلًا على الله والدار الآخرة، حليمًا سكينًا يألف المسجد، وقد جعل له حجرة فيه يأوي إليها، ولا يمل دراسة الكتب والنظر في مسائل العلم وفنونه، وقد سلم من الكبر والإعجاب، بل كان غنيًا شكورًا، وكان دائم الخوف والخشوع، فلا يتأثر في الأفراح ولا في الهموم والغموم، وقد ملك لسانه عن القيل والقال وأعرض عن الممدوح والمذموم، وأقبل على خدمة الواحد الحي القيوم، واعتزل الخلائق وقطع من الناس العلائق، فإذا دخل العشر الأواخر من رمضان اعتكف ولم يتكلم إلا في تلاوة القرآن والذكر، ويؤم في مسجد أهل حارته وأسرته، فإذا أقبل موسم الحج ركب ناقته وذهب يؤم الكعبة البيت الحرام، فكان على هذه الحالة حجًا واعتكافًا وعبادة وذكرًا وصلاة.
стр. 1266
وكان له أخوة ولديهم ثروة عظيمة، فكان يجمع زكاتها ويقسمها على فقراء طلاب العلم، وموضعه في حارة السادة من بريدة لأن لهم هناك البيوت والنخيل، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويرحم الضعيف والفقير، ويزوره المحبون للخير فيبش لهم ويذهب بهم إلى بيته لتناول القهوة والرطب وما يستطيعه.
ويحب الوحدة والعزلة فإذا جئته تجده إما راكعًا أو ساجدًا أو متوضئًا أو تاليًا للقرآن أو مطالعًا أو مفتشًا في كتب أهل السنة، وقد حج سبعًا وعشرين حجة، وله سمت وحياء، وهذه صفته:
كان قصير القامة، نحيف البدن، أسمر اللون، عاقلًا وقورًا يظهر البشر، ويعلوه بهاء الطاعة ونور العبادة، كث اللحية أشمط، وكان يكثر صيام النفل، وكان مرضه بالسل، ولبث مريضًا أربعة أشهر، وأصيب ببلغم شديد ثم مات على حالة حسنة، وحزن لفراقه أهل الدين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وبالجملة فإنه يعد من زهاد أهل هذا الزمان وخيرة خلق الرحمن، وقد يبحث إخوانه في أمور الدنيا والأخذ والأعطاء فلا يشاطرهم بكلمة تتعلق في أمور الدنيا.
فنسأل من بيده الضر والنفع والرفع والوصل والقطع أن يتغمده بفضله ورحمته ويسكنه بحبوح جنته.
ومما قلت في مناسبة وفيات جرت في هذه السنين قصيدة أنشدتها في هذه السنة، وذلك لما توفى أناس من إخواننا وخاصة أحبابنا، فعظمت لذلك الأشجان وهاجت لفراقهم الأحزان، وتتابعت المصائب آخذًا بعضها ببعض، فإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرًا منها، وهذا مصداق ما أخبر به النبي ﷺ من تقارب الزمان وظهور الفتن وانتزاع العلم وذهاب الصالحين وكثرة الأشرار والجاهلين، فلما رأيت هذه المصائب العظام وذهاب الصالحين كسلك النظام أبديت ما ترى من هذا القريض الذي باح به اللسان وعجز عن كظمه الجنان، نسأل الله أن يجبر كسر المنكسرين ويجمعنا وأحبابنا في دار المقربين:
стр. 1267
على الفقد للأحباب أهل المكارم ... بكيت طويلًا بالدموع السواجم
بكيت على الأصحاب جهدًا بعبرةٍ ... وبحت بما عندي فلست بكاتم
يحق لعيني أن تهيل دموعها ... بهم وغم من حلول العظائم
ففي كل يوم قد رزئنا بفادحٍ ... فراق حبيبٍ من قريبٍ وعالم
كذاك صروف الدهر إن كنت صابرًا ... وإلا ستسلون سلو البهائم
إلى الله نشكوها مصائب جمة ... وحزنًا طويلًا للقلوب ملازم
وما المرء في الحياة إلا معذبٌ ... يكابد أنكادًا ويرمي بالدواهم
لقد نالنا في ذا الزمان مصائبٌ ... ورزء كبير من دواه قواصم
على فقد أحبابٍ لنا طاب ذكرهم ... بفعلٍ جميلٍ مع صفات كرائم
بهم طاب أوقات الزمان وأهله ... تعزى بهم أهل النهى والمكارم
فلو كان آخذًا بالأيادي وبالقوى ... لكنا نحامي دونهم كالضياغم
وقمنا سراعًا كي ندافع دونهم ... بضربٍ وحربٍ شاهر للصوارم
وقلنا لمن بالسوء قد كان قاصدًا ... لكي يرعوي أهل الشقا والجرائم
تأخر فدون القوم إن كنت رائمًا ... دفاعٌ شديدٌ من عظيم الملاحم
ودونك عنهم أنفسًا يفتدوا بها ... ونفديهمو في جاهنا والدراهم
ووالله إن كنا نجود بنصرهم ... ونهرع في إبقائهم في العوالم
جديرٌ بنا إذ كان حقًا ودادهم ... خلاصة أحباب سموا في المكارم
فلما رأينا الأمر قد جاء من السما ... بأمر إلهٍ قاهرٍ بل وحاكم
وليس لأمرٍ قد قضاه مليكنا ... دفاعٌ بأسبابٍ وكتب تمائم
صبرنا بتسليمٍ لأمر الهنا ... رضينا به والله أرحم راحم
فقمنا بإنجازٍ وجمع لفائق ... نحث لغسالٍ بتجهيزٍ قادم
فاعجل في تغسيل من كان راحلًا ... وسرنا بهم نحو العرى والهشائم
فيا فرقةً هل يرتجي منك أوبةً ... ويجمعنا ربٌ بدار الأكارم
فيا من هو القهار لا رب غيره ... تباركت مولانا جزيل المكارم
стр. 1268
ويا من هو الجبار ﷻ ... له الأخذ والإعطاء وكشف العظائم
تفضل علينا بالرضاء تفضلًا ... مع الجبر للمكسور يا ذا المراحم
إليك إلهي نشتكي لمصابنا ... فأنت الذي ترجى لكشف الدواهم
إلى الله نشكو ما دهانا وغمنا ... بدمعٍ غزيرٍ ساكب بل وساجم
لموت خيار الخلق من كل جهبذٍ ... هداةٍ تقاةٍ من خيار العوالم
كذاك بقاء الشر ينمو وأهله ... فأظلمت الأقطار من كل ظالم
وهذا أوأن غربة الدين قد فشت ... فعادت خرابًا طامسات المعالم
وكيف وقد جاءت ثقات بنقلهم ... عن السيد المعصوم صفوة آدم
برفع علوم الشرع في موت أهلها ... ونقصٍ لأهل العلم من كل حازم
وذي سنة الله الحكيم بخلقه ... قضاء قضاه الله في نسل آدم
فكل ابن أنثى لا محالة راحلٌ ... ولو عاش في الدنيا فليس بدائم
وكلٌ وإن طال الثواء مصيره ... إلى مصرع الهلكى وطحن الرمائم
على الخلق طرا قد قضى الله وحده ... بموتٍ وضيع القدر مع كل حازم
فكن عابرًا بل لا تكن عامرًا لها ... فما هي إلا مثل أحلام نائم
فمن ذاقها يومًا من الدهر صفوةً ... سقته سريعًا من كؤوس العلاقم
فما هي إلا كالسراب بقيعةً ... يغر بها الجهال شبه البهائم
فلا تغترر بالمال لو زاد كثرة ... ولا تحش بطنًا من كثير المطاعم
ولا تثقن فيها بكل جميلةٍ ... وأكب على علم الثقاة الأكارم
ولو كان شخصٌ في الحياة مخلدًا ... لكان رسول الله صفوة آدم
ولكنها الآجال تأتي ببغتةً ... وليس يردها كثير العزائم
سيمضي على هذا الخلائق كلهم ... كما قد مضى الأخيار من كل عالم
عليهم سلام الله ما هبت الصبا ... وما أطرب الأسماع صوت الحمائم
فيا قاهرًا فوق العباد بقهره ... على عرشه استوى معيد العوالم
ويا غامرًا كل العباد بفضله ... ويا حاكمًا قهرًا على كل حاكم
стр. 1269
ويا ناصرًا من كيدهم لخليله ... وقد شد مكتوفًا إلى حر جاحم
يريدون في النار الخليل بكيدهم ... فريدًا وحيدًا هاضه كل ظالم
وقد ضجت الأملاك لله بالدعا ... وليس له وجةٌ يميل لناقم
فقلت لها كوني فعادت بلحظةٍ ... سلامًا وبردًا لا تفيد لطاعم
ويا عائدًا على سليمان ملكه ... وقد كان مسلوبًا على فقد وخاتم
وسخرت ريحًا منك تجري بأمره ... رخاءً ولطفًا من جزيل المكارم
ويا كاشفًا ضرًا لأيوب موجعًا ... وعاد فقيرًا بعد طول السقائم
ومن بعد ذا عافيته من بلائه ... وعدت بمفقودٍ وخير مكارم
ويا منجيًا ذا النون من كرب غمه ... وفي بطن حوتٍ تحت يم ملاطم
عليه طباق البحر في وسط لجةٍ ... فجدت بإخراج له فعل راحم
ويا مظهرًا من كان للكون سيدًا ... سلالة عبد الله صفوة آدم
وأيدته بالمعجزات التي بها ... أقرت جميع الخلق عرب وعاجم
بأسمائك الحسنى وأوصافك العلى ... بلطفك يا ذخرًا لكشف الدواهم
إلى بابك الأعلى رفعت لحاجتي ... وكل إلى المولى فقير المظالم
تعطف بجمعٍ للحبائب رحمةً ... بدار نعيمٍ مع خيار النواعم
إلهي وأحسن في الجنان لحظنا ... ننعم فيها باجتناء المطاعم
ولا تخزنا يوم القيام لحشرنا ... بيومٍ به يشقى إذًا كل ظالم
وذلك يوم ليس يجدي عشائر ... به يذهل الأولاد هول العظائم
فيا ويح من كانت عذابًا حياته ... بداريها يجزي العتاة الأجارم
ويا رب متعنا بكل موفقٍ ... حكيمٍ عليمٍ من هداة العوالم
أولئك أهل العلم من كل جهبذٍ ... هداة الورى أهل النهى والمكارم
فإنهموا للساكنين أئمةً ... بهم يهتدي بل تقتدي ذو العوالم
فكم جاهلٍ قد حار في طرق الردى ... فجدوا بإنقاذٍ له عن مأثم
وكم سننٍ أحيوا وكم بدعٍ نفوا ... وكم سارعوا جهدًا لنفع العوالم
стр. 1270
لقد خصهم ربي بكل مزيةٍ ... وأعلاهمو فوق السها والنعائم
وصلِّ إلهي ما تألق بارقٌ ... وما سحت الأمطار من جون الغمائم
على المصطفي المبعوث للناس رحمةً ... في الهدى والأبطحي ابن هاشم
محمد الهادي إلى خير نحلةٍ ... وما حي الردى المعصوم من كل ظالم
وآلٍ وأصحابٍ هداةٍ أجلةٍ ... ومتبع يقفوا هموا في العزائم
وسلم تسليمًا كثيرًا مضاعفًا ... يفوق لعد الرمل مع قطر ساجم
وكان لنا أخٌ في الله يدعى صالح بن إبراهيم الرسيني من تلامذة الشيخ عمر بن محمد بن سليم، ومن تلامذة الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، أصيب بوفاة والدته ثم والده ثم بأخيه، وبعد ذلك أصيب بوفاة زوجته وأولاده، فعزيته بهذه القصيدة في هذه السنة، وتوفى بعدها بخمس سنين:
رسالةُ ذي ودٍ شفيقٍ مناصح ... لمن كان ذا رزءِ عظيم البلابل
يسليه عما قد دهى من مصائب ... يحث على التقوى وترك الرذائل
وكم من مصيبةٍ تمر على الفتى ... يكاد لها قلب الفتى من زلازل
يطير لهول البين ناس ثوابها ... لما قد دهى من مزعجات القلاقل
فيكشفها ربي ويأني بضدها ... تعالى إلهٌ ليس عنا بغافل
فكن صابرًا مهما دهتك مصيبةٌ ... صبورًا على الشدات عند النوازل
إذا كنت مفجوعًا بفقد أحبةٍ ... من الأقربا أهل الوفا والتعامل
فحمدًا لمولانا وشكرًا على القضاء ... ونسأل مولانا جزيل الفضائل
يمن علينا بالرضاء بحكمةٍ ... وبالصبر للمقدور من كل نازل
وكلٌ سيمضي ذاهبًا خلف ذاهب ... وكل إلى الأجداث لا شك راحل
وهذا بآجالٍ تتم جميعها ... قضاها حكيمٌ ملكه غير زائل
إذاجاءت الآجال ليس تأخر ... كما هو في التنزيل تبًا لجاهل
فلا يأمن الدنيا من الناس عاقل ... ولابد يومًا للنعيم بزائل
وكل اجتماعٍ عن قريبٍ مفرقٌ ... وكل جديدٍ عن قريبٍ بسامل
стр. 1271
كذا هذه الدنيا تقلب بأهلها ... تسر قليلًا صفوها كالحبائل
تغر أخا جهلٍ بصفو نعيمها ... وعما قليل بالهموم القواتل
وذي سنة الله الحكيم بخلقه ... قضاءٌ من الرحمن أحكم عادل
وكم قد رأينا من جهولٍ وغاشمٍ بطورٍ لحق الله لاهٍ وغافل
فصادته أشراك المنيات بغتةً ... وخر صريعًا من مشيد المنازل
وفارق أهلًا من قريبٍ ومعشرٍ ... إلى جدث يبليه تحت الجنادل
فإن كنت ترجو أن تعيش محبرًا ... بعيدًا من الردى رفيع المنازل
فكن راضيًا فيما قضى الله وحده ... بلقبٍ سليم من قبيح الدغائل
صبورًا على كرب الزمان ومره ... وذا جلدٍ فيما دهى من مهاول
وحبَّ وأبغض وآل من كان مؤمنًا ... وعاد لأهل الزيغ من كل خاتل
ولازم على التقوى لتحمد غبها ... بيومٍ به يجزي إذًا كل عامل
به يسعد الأخيار من كل متقٍ ... وكم ظالمٍ يدمي بعض الأنامل
وخذ أهبة للموت قبل نزوله ... فعما قليلٍ راحلٌ بعد راحل
وصلِّ إلهي مع سلامٍ مضاعفٍ ... على خير مبعوث بحسن الدلائل
محمد المختار من آل هاشم ... وآلٍ وأصحابٍ كرامٍ أفاضل
بعد نزول القطر من وابل السما ... وما ماضَ برق من خلال الزواجل
وفيها كسفت الشمس والقمر في شهر واحد، وهذا نادر الوقوع، وحج بالناس في هذه السنة جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود، وأيضًا حج فيها أناس من الأعيان.
وفي ١٤ من شوال فاجأ الملك فاروق الأول صاحب مصر بزيارة ملكية للمملكة العربية السعودية عن طريق البحر الأحمر، فاستقبل في جدة ثم إنه أدى صلاة الجمعة في المسجد الحنفي بجدة وذلك في ١٥ من شوال، ثم عاد بعد ذلك راجعًا إلى مصر.
وفيها في ١٧ من جمادى الأولى أعني ١٣٦٤ هـ وفاة الزعيم في بريدة إبراهيم
стр. 1272
بن علي الرشودي، وسيأتي ذكر نسبه وقبيلته في وفاة أخيه عن عمر بلغ الحادية والسبعين، وكان إبراهيم رجلًا سخيًا جوادًا كريمًا، وله قوة نفس وصراحة بحيث لا يراعي أحدًا، وله إلمام بمسائل العلم لأنه أخذ عن الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، وأخذ عن عبد الله بن عمرو آل رشيد، ودرس بالأزهر في مصر وفي الجامع الأموي بدمشق، وكان شجاعًا، وحضر بعض الوقعات مجاهدًا في سنة السباخ، وفي واقعة جراب وغير ذلك، ولديه ثروة لأنه من ذوي اليسار، وكان يمل إلى عدد الزوجات، ويلبس فاخر الكسوة ويستصحب دائمًا العصا لا ليتوكأ عليها لكنه ليستعين بها في الكلام، وركا جعلها على عاتقيه ممسكًا بيديه على طرفيها، وقد مات عن عدة أولاد ذكور بحيث بلغوا سبعة عشر ذكرًا، وله إناث تزوجن برجال أشراف، ومن أشهر أنجاله يوسف بن إبراهيم الذي لا يزال في مهمة الجمارك في شمالي المملكة.
وبالجملة فإن المترجم رجل قوي شجاع لا يوقف في طريقه، وكان مناصرًا لابن سعود يقاتل تحت رايته، وكان في صفته ربع القامة، أبيض مشربًا بحمرة، ولا يصبغ لحيته بل لا تزال مشرقًا بياضها.
ثم دخلت سنة ١٣٦٥ ه ـ
ففيها في الساعة العاشرة والدقيقة ٤٥ من يوم الخميس الموافق ٧ صفر ١٠ يناير ١٩٤٦ م قدم جلالة الملك عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية إلى مصر في ضيافة الملك فاروق فرسى اليخت الملكي المحروسة مقلًا عاهل العرب الأكبر عبد العزيز بن سعود في ميناء بور توفيق، فاستقبله على ظهر اليخت عاهل مصر الملك فاروق ومعه أصحاب المقام الرفيع والدولة ورئيس الديوان الملكي أحمد حسنين، ورئيس الوزارة محمود فهمي النقراشي باشا، والوزير المفوض للمملكة العربية السعودية بالقاهرة، وكبار موظفي المفوضية، وحيوا جلالة الملك ابن سعود تحية حارة وتعانق الملكان ثم قصدا سرادق الاحتفال يحف بهما الوزراء والعظماء
стр. 1273
ورجال الحاشيتين، وفي الساعة الحادية عشرة تزيد خمس دقائق أطلقت طابية السويس واحدًا وعشرين مدفعًا إيذانًا بتحرك القطار الملكي الذي أخذ يتهادى في سيره بين صفوف من الجماعات لأعداد لها تحي الملكين وهما يردان التحية بخير منها، والهتافات تدوي في كل مكان، وكانت هذه الزيارة ردًا لزيارة فاروق في آخر السنة المتقدمة.
ذكر الاستقبال العظيم لابن سعود
لما أوفد الملك فاروق بدعوة رسمية يخته الملكي المحروسة يحرس اليخت المذكور الطوافة الأميرة فوزية والطوافة فاروق سار ابن سعود في عصر يوم الاثنين ٤ صفر الموافق ٧ يناير، فرسى في اليوم المذكور واستقبل في مصر استقبالًا عظيمًا، إن الأقلام لا تستطيع مهما كانت بالبلاغة أن تعبر عن زينة مصر وابتهاجها واستعدادها لاستقبال ضيفها ابن سعود، ولقد بالغ الكتاب ووصفوا هذه الزينة فما وصلوا إلى حدها لأنها لم تشهد مصر منذ نشأت إلى عصر التاريخ مثل هذا الاستقبال، وقد استوى الكبير والصغير في الاستعداد العظيم لابن سعود قبيل دخوله، فلقد كان هناك آلاف الأعلام السعودية تخفق وكذا الزينات تسعى إلى الشوارع والبيوت والمحال التجارية سعيًا استعداديًا، وبدت القاهرة كأنها في عرس لم يشهد التاريخ مثله، ولقد كانت شرفات البيوت ملأى بالرجال والنساء والأطفال، وازدحمت الشوارع بالناس وكان الهتاف الجهبذ يتصاعد إلى السماء، ومشى الموكب الملكي من المحطة إلى قصر عابدين العامر، وكانت مصر كلها تهتف أهلوها وضيوفها حتى بحت الأصوات ودميت الأكف من التصفيق، ولبث ابن سعود في مصر أكثر من أسبوع في ضيافة الملك فاروق مسرورًا غاية السرور، وزار المؤسسات العلمية والصناعية والمستشفيات، فزار جامعة فؤاد الأول والبرلمان والجامع الأزهر، والجامعة العربية، وسلاح المدفعية الملكي، وحديقة الحيوانات والقناطر الخيرية،
стр. 1274
والمحلة الكبرى، وإصلاحية الأحداث، وزار الاسكندرية، كما أن جلالته استعرض الجيش المصري الباسل وأبدى اعجابه بكل ما رأى وسمع، ولقد أحصي ما أنفق فاروق لمأدبة جلالة الملك ابن سعود فبلغ مليونين بالنقود السعودية، وقد قام الملك ابن سعود وفرق أموالًا طائلة في مصر، وتبرع بما بلغ مجموعه أربعة ملايين، ثم إنه خطب الخطيب في مصر خطبة الجمعة كجد الملكين فيها بجامع الأزهر، وألقيت في الإذاعة، ولما كان يوم الثلاثاء الموافق ١٩ صفر غادر ابن سعود القاهرة راجعًا إلى بلاده المتعطشة إليه، وقد استعدت لاستقباله خير استعداد، وعلى أثر مغادرة ابن سعود البلاد المصرية أذاع الملك فاروق المعظم الكلمة الآتية إلى الشعب المصري:
شعبي الكريم في الوقت الذي يغادر فيه أخي صاحب الجلالة الملك المعظم عبد العزيز آل سعود مملكتكم عائدًا في رعاية الله إلى مملكته، يطيب لي أن أوجه شكري لكم فقد أكرمتموني في ضيفي، بل ضيفكم استقبلتموه بقلوبكم وأحطتموه بحبكم، ثم أطال في أن زيارته للمملكة العربية السعودية ما كان بها غريبًا، فكأنه لم يفارق وطنه ولم يفارق شعبة، وإن جلالة الملك ابن سعود في حال زيارته لمصر كان بين وطنه وأهله، وإن أيام المجد تتشابه به إلى أن قال:
شعبي المحبوب ليس أطيب عندي من أكرر شكري لكم فقد أكرمتم في شخص الملك عبد العزيز شخصي، أكرمتم مصر والعروبة والإسلام.
ولما وصل ابن سعود إلى ميناء جدة في صبيحة يوم الجمعة ٢٢ صفر وأشرقت النفوس برؤيا محياه أقيمت الزينات ثم أذاع نداء أعرب فيه عما قام به أهل مصر من الإكرام والإحتفاء، وقال: ليس البيان بمسعف في وصف ما لاقيت في مملكة أخي الفاروق، ولكن اعتزازي أني كنت أشعر أن جيش مصر العربي هو جيشكم وجيشكم هو جيش مصر، وحضارة مصر هي حضارتكم وحضارتكم هي حضارة مصر، والجيشان والحضارتان جند العرب وركن من أركان حضارتهما، ولقد أكثر الشعر من القصيد لهذه المناسبات.
стр. 1275
وفي هذه السنة ولدة امرأة ببيروت خمسة أطفال، ثلاثة ذكور وبنتين، وتسمى هذه المرأة زكية زهران، وعاش المواليد يتمتعون بصحة جيدة.
وفيها توفى عالم في مكة يسمى عيسى رواس، كان مدرسًا في مدرسة الفلاح بمكة، ثم رأى أن يكسب رزقه بعمل يده، فكان يعمل أول النهار ثم يدرس بالمسجد الحرام آخر النهار وأوائل الليل رحمة الله على أموات المسلمين.
وفيها في شهر صفر في آخر الأربعانية وأول نوء النعائم اشتد البرد جدًا ونزل في غرة جمادى الأولى برد عظيم الحجم فأصيب به ركاب ونيت في الموضع المعروف بالمستوي فقتلهم كلهم وخمدوا جميعًا، ولم يسلم إلا راعي لغنم هناك على البعد منهم، وفي ١٥ من الشهر المذكور نزل من السماء مطر عظيم على الحناكية وما يليها فغرق فيه أموال كثيرة وأدباش، حتى بلغ ارتفاع الماء على الأرض إلى رؤوس النخل.
وفيها في ١٥ رجب خسف القمر خسوفًا عظيمًا وانطمس قدرًا من أربع ساعات وذلك في أول الليل.
وفيها أصيبت ثمرة النخل بنقص وفساد حتى لم يتحصل منها إلا على نصف ثمن ثمرة العادة، نستغفر الله ونتوب إليه من الذنوب والمعاصي، وغلت الأسعار واشتدت المؤونة جدًا، وقد رأت امرأة من الصالحات في شهر شوال في منامها ملكين جلس أحدهما عند رأسها والآخر عند رجليها فأسمعاها هذا الكلام "تاب تاب نزعت البركة من التراب، تاب تاب نزع الحيا من الشباب، تاب تاب نزعت الرحمة من بين الأقراب، تاب تاب هجر الكتاب".
ذكر عجائب من الحوادث غير ما تقدم
ففيها في ليلة ٢٤ من ذي الحجة جرى على أهل قصر في روضة مهنا أنه خرج امرأتان إلى نحو الجابية للوضوء فسمعتا خشخشة في الماء فذعرتا لذلك، وبينما المرأتان تنظران تلك الخشخشة إذ رجمتا بالحجارة والعظام ففرتا إلى القصر، واستمر
стр. 1276
الرمي حتى تأذى سكان القصر من وقع الحجارة والعظام، وبعدما فتشوا وجد الرمي الذي أصابهم من طريق الجن، ولما كان في الليلة المقبلة اشتد الرمي والقذف حتى امتلأ القصر من العظام والحجارة، وكادت أن تقع قرون البئر، فخرج الرجال وصاحوا بمن حواليهم من أهل القصور الأخرى وفزعوا بالسلاح والحديد، فكانوا يرجمون ولا يرون أيد عاملة بل تأتيهم القذف من حيث لا يعلمون، فلما كان في الليلة ٢٦ قام غالب أهل القرية فزعين بسلاحهم فشرع الرمي على العادة، غير أنه قليل ثم إنه زال بعد ذلك.
وفيها في شعبان ورمضان خرج كلب في هجرته -قبة- وآذى كل من مرَّ عليه بالعض، وكان من الناس من يسلم من العضة إذا عالج نفسه، ومنهم من يتلف، وممن تلف رجل ذهب إلى موضع ذلك الكلب يحمل البندقية ليقتله، فجلس أمام جحره وجعل ينادي الكلب، كأنه يخاطبه، ولما أقبل إليه الكلب بادره بطلقة من البندتية فحبسها الله تعالى، ثم وثب عليه الكلب فعضه على يده فكلب، وجعل الناس يشيرون عليه أن يعالج العضة فأبى وصمم على ترك العلاج مسلمًا أمره إلى الله تعالى، فلبث أربعين يومًا لم ينكر نفسه شيئًا، فلما كان من الغد جعل يشكو ألمًا في يده ويصرخ ويشكو الظمأ، فلما شرب من الماء مات في الحال.
وفي قرية في الأناضول عشر اثنان من سكانها في شهر شوال على مغارة للذئاب وقتلا ثلاثة من الذئاب المولودة حديثًا، ولكن الأم هاجمتهما بعد قليل فتمكنا من صدها ودخلت الذئبة القرية بعد بضعة أيام فهاجمت صبيًا في الثالثة عشرة من عمره فمزقته تمزيقًا، وأعادت الكرة مرة ثانية وثالثة ورابعة، وكانت في كل مرة تفترس واحدًا من صبيان القرية، وقد طلب السكان مساعدة البوليس على إنقاذ قريتهم من هذا العدو المنتقم.
وفيها أنشئ في عنيزة محطة لاسلكي، ومحطة أخرى في شقراء، ومحطة أخرى في الأفلاج، ورابعة في السليل.
وفيها ظهر إعلان من هتلر بأنه سيظهر استعمال الطاقة الذرية في طور بينات
стр. 1277
الغاز، ثم قال: ويلوح أننا على وشك النهوض بالبحرية نهوضًا كاملًا سيكون أتم وأعظم مما قمنا به في نصف القرن الأخير، وهذا إنما هو في استخدام الطاقة الذرية في دفع السفن القوية التي تبلغ طول كل منها حوالي ألف قدم، وقد أصبح هذا يلوح لنا في الأفق أ. هـ. وهذا غريب.
وفيها توفى الأمير البطل عبد العزيز بن إبراهيم بن معمر أمير المدينة سابقًا رحمة الله عليه، وكان في حال إمارته على المدينة مهابًا مسددًا فلذلك كانت المدينة المنورة حال إمارته عليها في غاية ما يرام من تأديب الجناة وتأمين السبل وحسن القيام بالأعمال، ثم إنه نقل منها وجعل عضوًا في مجلس الشورى بمكة المكرمة، فاستمر في عمله إلى أن مات.
وفيها بعث ابن سعود رسالة ملكية إلى أميركا مقدمة إلى الرئيس ترومان رئيس الولايات المتحدة، وكانت عن طريق وزير الملك ابن سعود المفوض في واشنطن، وهي بشأن قضية فلسطين قال:
يا صاحب الفخامة إن الصداقة التي تربط بلادي ببلاد الولايات التحدة والصداقة التي تأسست بيني وبين الرئيس روزفلت، والصداقة التي تجددت بيني وبين فخامتكم تجعلني شديد الحرص في المحافظة على هذه الصداقة وتغذيتها، والعمل على تقويتها بكل الوسائل الممكنة، ولذلك تجددوني فخامتكم، الخ، وأكرر في كل مناسبة أشعر فيها بما يخل بصداقة الولايات المتحدة مع بلادي ومع سائر البلاد العربية، لكي أزيل ما يمكن أن يعرقل الصفاء، ولقد كتبت للراحل العظيم ولفخامتكم عن حقيقة الموقف في فلسطين والحق الطبيعي للعرب فيها، وإن ذلك يرجع إلى آلاف السنين، وإن اليهود ليسوا إلا فرقة ظالمة باغية معتدية اعتدت في أول الأمر باسم الإنسانية، ثم أخذت تظهر عنوانها الصريح بالقوة والجبروت والطغيان، مما ليس يخفى على فخامتكم وعلى شعب الولايات المتحدة، أضف إلى ذلك أطماعهم التي بيتوها ليس لفلسطين وحدها بل لسائر البلاد العربية المجاورة، ومنها أماكن في البلاد القدسة.
стр. 1278
لقد دهشت للإذاعات الأخيرة التي نسبت تصريحًا لفخامتكم بدعوى تأييد اليهود في فلسطين وتأييد هجرتهم إليها بما يؤثر على الوضعية الحاضرة خلافًا للتعهدات السابقة، ولقد زاد في دهشتي أن التصريح الذي نسب أخيرًا لفخامتكم يتناقض مع البيان الذي طلبت مفوضية الولايات المتحدة الأمريكية في جدة، ثم إنه أطال ابن سعود بالموضوع وشجع اترومان لحل هذه المشكلة، وناشده بحق العدل الذي جاهدت الولايات المتحدة لأجله كل عدوان غاشم، ولقد أوفدت أمريكا وبريطانيا إلى ابن سعود لجنة لحل هذا الموضوع، وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وفيها وفاة الشيخ القاضي في الحجاز المرزوقي، وذلك في شهر صفر، وكان فيما ينسب عن فضيلته أنه قام بالقضاء زهاء نصف قرن فكان مثالًا في العدل والإنصاف، وامتاز بعلو كعبه في الفقه الإسلامي، وطول باعه في المسائل الفقهية واشتغاله بهذه الشؤون، ووافق له جو صالح لنمو مواهبه، ويعد من خيرة العلماء الحجازيين، وأن موته خسارة وفراغ كبير، فرحمة الله على علماء الإسلام، ونشكو إلى الله ما نلاقيه من موت العلماء واندثار الشمل، وقلة الرغبة في العلوم الدينية، أليس من الخسران إن نزع العلماء من القبائل وفشو الجهل وقلة الاعتناء بهذه البضاعة.
وفيها اغتيل ملك سيام وقد ألقى البوليس القبض على عدد من المدنيين السياميين للتحقيق معهم في تهمة الاغتيال.
وفيها وصل فجأة إلى مصر وحل في قصر عابدين مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، وكان وصوله في ٢٠/ ٤ من هذه السنة، فتشرف بالسلام على ملك مصر فاروق.
وفيها عين الرجل المثقف عبد الله البراهيم الفضل قنصلًا عامًا للمملكة العربية السعودية في مصر، وصدرت الموافقة الملوكية بتعيينه في رابع شعبان من هذه السنة.
وحج بالناس ابن سعود ملك العرب العظيم، وكان عن طريق الجو، وحج
стр. 1279
غالب البيوت السعودية بالطائرات، وكثرت الطائرات في هذه السنة وبلغ عدد الحجاج ربع مليون، وقد جرى تنظيم وتيسير وإدارة حسنة للحج، وأكثر الشعراء من المديح لصاحب الجلالة، ونورد هنا قصيدة ألقاها الشاعر عبد الهادي الطويل هذا نصها تحية لعاهل الجزيرة:
سنا مستمد من سنا الله باهر ... يرف كما رفت نجوم زواهر
أفاض الهدى في الخافقين رفيفه ... فلم يبقَ في صقعٍ من الأرض حائر
وضوء أرجاء الجزيرة مثلما ... يضوي صبحٌ مشرق الوجه سائر
إذا ما طويل العمر لاح تألقت ... على الأفق أنوار وولت دياجر
وهلل نجديٌ وكبر منهم ... وسارت بأنحاء الحجاز البشائر
مليكٌ له نصر اللواء على السها ... وفى كفه سيفٌ من الحق باتر
قلوب بني الإسلام طرًا سريرةٌ ... وأفواهمم أعواده والمنابر
ولم تقف العليا إلا ببابه ... ولم تجتمع إلا لديه المآثر
وما تجلت قط العروبة مثله ... ولا انعقدت إلا عليه الخناصر
يحف به الإخلاص من كل جانبٍ ... وتغشاه بالحب العميق الخواطر
ويبدو فتسري في النفوس مهابةً ... فتخشع من فرط الجلال النواظر
ويهتز للمعروف والخير والندا ... كما اهتز غصن في الحمائل ناظر
وبين شعوب الضاد ينفح ذكره ... كما نفحت بالطيبات الأزاهر
به نيطت الآمال في الشرق والمنى ... وعادت به أمجاده والمفاخر
يذكرني عصر الرشيد زمانه ... وقد عز فيه المسلمون الأواخر
حسام بني عدنان والأمر حارب ... ودرع الأماني والمنايا دوائر
وإن جد جِدًا أو ألمت ملمةٌ ... فعبد العزيز الحصن ممن نحذر
أخو الحرب إِما كشرت عن نيوبها ... ورئبًا لبها والنقع للنجم ثائر
غدته صغيرًا ناشئًا بلبانها ... وربته في ميدانها وهو كابر
تتيه به البيض الصوارم في الوغى ... وتزهى به الجرد المذاكي الضوامر
стр. 1280
ويأتي إليه النصر من عند ربه ... فيرجع من ساح الوغى وهو ضافر
أمولاي جاد الدهر وافترت المنى ... وجاءك يسعى من بني مصر شاعر
لقد سنحت لي فرصةٌ ذهبيةً ... فها أنا للقصر المشيد أبادر
وقد ملكتني من جلالك روعةٌ ... فهل أنت لي يا ذا الجلالة عاذر
أسائل نفسي أين أنت وعند من ... نزلت ومن هذا الكريم الموازر
أفي زمن المأمون أم أنا حالم ... وفي أي قصرٍ يا ترى أنا حاضر
وما هذه الدنيا قد بلغتها ... وتلك الأماني الباسمات النواظر
بلى نحن في صحو لدى خير عاهل ... بجانبه الطائي في الجود مادر
أياديه قد فاضت على كل مسلمٍ ... وآلاؤه غرٌ جسامٌ غوامر
هو البحر إلا أن للبحر ساحلًا ... وما لعطايا ذلك البحر آخر
سأثني عليه بالعشيات والضحى ... إذا ما أقلتني لمصر البواخر
بنفسي وأهلي من هداني جبينه ... إلى حيث قامت للإله الشعائر
فطرت وفي صدري من الشوق علةٌ ... يضيق بها القلب الجريء المغامر
وأقبلت للبيت الحرام ملبيًا ... وطفت به والقلب جذلان شاكر
حنانينك ربي إنني جئت تائبًا ... وما لي سواك اليوم للذنب غافر
فجد لي بغفرانٍ كريمٍ ورحمةٍ ... تقر بها عيني ويهدأ خاطر
تباركت هادي العَالمين للكعبة ... ثراها ثريًا بل حصاها جواهر
بها طاف إبراهيم من قبل وابنه ... كما طاف من بعد النبي المهاجر
عليهم سلام الله ما ذر شارق ... وغنى على أفنائه اللدن طائر
أمولاي حياك الإله تحيةً ... كما حيت الروض الغيوث البواكر
دعا باسمك الداعي إلى المجد والعلا ... وسار على ضوء الهدى منك سائر
وأنت الذي أحيا تعاليم دينه ... وقام بشرع الله فينا يجاهر
أقمت حدودًا طالما قد تعطلت ... وتعطيلها ما فيه إلا الفواقر
ودستورك الذكر الحكيم وإنه ... لطبٍ به تشفى النفوس الجوائر
стр. 1281
فليت بلاد الشرق سارت بهديه ... لينجاب ديجور وينهض عاثر
وما دهي الإسلام إلا بتركه ... ولا غزيت أمصاره والحواضر
خطوب كبارٍ في فلسطين والحمى ... ولم تنجو منها تونس والجزائر
وما نبه الآمال بعد هجوعها ... كجامعةٍ فيها تجلى التظافر
بها الأمم اللاتي امتلأن حماسةً ... وفيها من العرب الليوث الكواسر
وأنا لأبناء الغطارفة الأولى ... نباهي بهم طول المدى ونفاخر
همو ملكوا الدنيا وساسوا أمورها ... فلا الأمن مفقودٌ ولا الحكم جائر
رخاءٌ وأمنٌ مستتب مؤطد ... وعدل كما تهوى الرعية وافر
فمن شاطئ الأطلنطي للصين دولةً ... لها في ربوع الأرض تسري الأوامر
أكاسرة الفرس أنضووا تحت حكمها ... وألقت إليها بالزمام القياصر
أمولاي جدد ما عفى من رسومها ... فليس لها إلاك للغرب قاهر
أمولاي ما للشرق غيرك يرتجي ... إذا ما دعى داعيه أين التناصر
أمولاي إن الأمر جاوز حده ... وطول احتمال الذل والأسر ضاثر
أمولاي حطم للأسود قيودها ... وذد عن حياض الدين فالله ناصر
دعى الله أن يرعاك حجاج بيته ... وزوار روض المصطفى والعشائر
وقالت بلاد الشرق أمين كلها ... فدم أنت والعرب الكرام الأكابر
وعش حرمًا للمكرمات يؤمه ... عضات الندى والملهمون العباقر
ولا زال للبيت السعودي آله ... فهم للعدالي والمعالي ذخائر
وللملك الفاروق منا تحيةً ... على البعد تزجيها إليه الخواطر
ثم دخلت سنة ١٣٦٦ ه ـ
استهلت هذه السنة وقد استمر صدور جريدة البلاد السعودية، ومجلة المنهل وجريدة المدينة المنورة بعدما اختفت السنين المتقدمة.
هذا وقد كانت القضاة والأمراء في وظائفهم، فكان في رئاسة القضاء بالحجاز
стр. 1282
فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، وعلى قضاء حائل الشيخ حمود بن حسين الشغدلي، وعلى قضاء بريدة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، وعلى قضاء عنيزة الشيخ عبد الرحمن بن عودان، وعلى قضاء مدينة الرياض الشيخ بن سليمان، وعلى قضاء المجمعة الشيخ ابن السوداء، وعلى قضاء الدوادير الشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل، وعلى قضاء الإحساء الشيخ سليمان بن عبد الرحمن العمري، وعلى قضاء الخرج الشيخ الزاهد عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وعلى قضاء البكيرية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن سبيل، وعلى قضاء جيزان الشيخ عبد الله بن عودة السعوي، وعلى قضاء البرك الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد، وعلى قضاء الزلفي الشيخ سليمان بن عبيد، ثم نقل إلى قضاء المجمعة، وهكذا قضاة عسير، وكذا قضاة الهجر.
أما الأمراء فكان على الإحساء وما يليها الأمير سعود بن عبد الله بن جلوي، وقد جعل مقر عمله في مقاطعة الظهران الشرقية، واختير لذلك لما له من الصرامة والقوة، وكان على إمارة جبل طيء ما بليه الأمير عبد العزيز بن مساعد، وناهيك به، وكان على بريدة عاصمة القصيم الأمير عبد الله بن فيصل بن فرحان، وعلى عنيزة عبد الله بن خالد بن سليم، وعلى إمارة مكة ونيابتها الأمير فيصل بن عبد العزيز نجل جلالة الملك، وعلى المدينة المنورة السديري، وهكذا.
وفيها أمر ابن سعود بتأسيس مطار في مدينة بريدة في القصيم، وبعث لهذا العمل ضابط الحرس الخاص محمد الذيب، فشرع العمال في تعبيد صحن المطار ومسحه، وجعل لذلك وكيل وعمال وعلى رأسهم أمير المقاطعة والضابط يرشدانهم ويبينان الخطة المرسومة، وكان ذلك في غرة ربيع الأول، ولما كان بعد شهر أعني في غرة ربيع الثاني شحنت السيارات النقلية بالأرزاق والأطعمة وقامت من الحجاز والرياض متماسكة إلى بريدة عاصمة القصيم، واستمرت في النقل من غرة الشهر إلى ١٥ منه حتى بلغ عدة ما ورد من الأرز والدقيق والسكر واللبن والشاي والهيل قريبًا من ستين ألف كيس، ولا يعلم أحد حقيقة الأمر، غير
стр. 1283
أن تلك الأرزاق وما يتبعها من المعدات الحربية التي قدمت بعد ذلك مع الجنود تنبيء بأمر مهم شخصت الأبصار لها وقامت العاصمة تستعد باحتفالاتها لقدوم الملك، ولما أن كان في ١٢ من الشهر قدمت الدبابات والمصفحات ونصب على كثب الرمل الحمراء في الموضع المسمى التغيرة ما يقرب من ألفي خيمة، وامتد بناء الخيام حتى بلغت مساحة الأرض التي نصبت فيها مع الخيام الأخرى التي نصبت بعد ذلك ما يزيد عن تسعمائة ألف متر مربع، ثم تدمت السيارات النقلية وسيارات الركوب بعد ذلك، ولما أن كان في صباح ١٧ ربيع الثاني خرج أهالي القصيم إلى المطار للاستقبال، ففي تمام الساعة الثانية عربية صباحًا أقلت الطائرات عاهل الجزيرة من الرياض وعدتها ثمان طائرات من بينها الطائرة الخاصة الملكية يصحبه أنجاله والحرس الخاص، ثم إنها هبطت في الثالثة تزيد خمس عشرة دقيقة، ولما هبطت الطائرات في القصيم كانت ساعة مشهودة استعد فيها أهالي القصيم باحتفالهم البديع فملئوا الصحاري، وجلس صاحب الجلالة في موضع الاستقبال حتى قرت العيون بالسلام عليه ورؤيته، ثم إنه سار إلى موضعه في المخيم المنصور.
ذكر الاستعراض وما جرى من استبسال أهل القصيم وشجاعتهم
إن أهل القصيم والحق يقال كانوا رجالًا أهل دين وسمت، وفيهم نخوة عربية دينية، فلذلك كان صاحب الجلالة عبد العزيز بن سعود يختصهم بالثقة والحشمة والشيمة، أضف إلى ذلك أن لهم سوابق في الشجاعة والتقدم، وطالما صفوا تحت راية ابن سعود وجاهدوا عدوه كما في وقعات مرت بنا بهذا التاريخ، فهم يتمسكون بشرفهم ويخدمون مليكهم، ويبتعدون من الشقاق ولو أدى ذلك إلى اجتثاث أصلهم، فما أقواهم في الدين، وما أشجعهم في اللقاء، وكلا الخصلتين محمودتان عند الله وأطائب خلقه، فلقد قاموا بقيادة أمير بريدة باستعراض أمام جلالة الملك يهزجون بالأناشيد ويضربون الدفوف ليلة ١٨ ربيع الأول، ثم لما كان
стр. 1284
من الصباح تأهبوا مستبسلين وكل شخص قد استعد بسيفه أو بندقيته، فكانوا صفين أمام قصر الحكم في بريدة، وبعدما استكمل عددهم مشوا من ذلك الموضع ووقفوا صفين في بطن الخبيب بطول أربع كيلو، فقامت الدفوف لها لجبة عظيمة يسمع قرعها من مسافة بعيدة، وقامت فرقة السلاح الأبيض تتمايل خلف العلم السعودي، وقامت كعاب البنادق يسمع لها قعقعة، واستمر الاستعراض ست ساعات من الزمن، ثم أطلقت البنادق في الفضا، وهذا وصاحب الجلالة الملك المعظم يشاهد ذلك، ثم إنه كمل الاستعراض، ولما أن كان من الغد أعيد الاستعراض للمرة الثانية، وقامت فرق المتطوعين تعرض على صاحب الجلالة وقد استبسل أهالي القصيم وفدوا إمامهم الملك العظيم والقائد المحنك بما عز عليهم من الأنفس والأموال، وإنهم يسيرون تحت رايته الخفاقة، ولو خاص بهم البحر الخضم، ولو أمامهم النار لوقعوا فيها.
أولئك رجال القصيم الذين فضلهم لا ينكر، يشهد لهم بالتقدم في المعارك والفتوحات الإسلامية التاريخ والوقعات التي دوخت كل مكايد تقف أمام جلالة الملك ابن سعود، أو يريد الإسلام بسوء، ثم انها أطلقت البنادق في الفضا، وانتهى الاستعراض في الساعة السادسة نهارًا تزيد ثلاثين دقيقة.
وكان عدد الذين شهدوا الاستعراض واشتركوا فيه من أهل القصيم ستين ألف مقاتل من الرجال الشجعان.
ولقد أعجب الملك بهذه الشجاعة وسره ما أبداه الأهالي من التحمس والتقدم، فيا له من استعراض يذيب القلوب ويشحذ الهمم، ويثير السواكن، ثم إنه نقل المطار إلى موضع العودة الذي لا يزيد مسافته عن البلد بكيلوين.
وكان الموكب عظيمًا طنبت فيه خيام ابن سعود، وصفت السيارات والمدرعات والمصفحات والمدافع والرشاشات والمكائن النارية، ومدت أسلاك الكهرباء المنيرة موزعًا على ذلك الموضع، ونظمت العساكر والجنود ونصبت القدور، وجلبت الأدباش.
стр. 1285
وكان خيام النساء والجواري والوصائف على اتحاد في موضعها وما يتبع كل نجل من الخدم والأولاد والأثاث على اتحاد، وسيارات البترول واللاسلكي على اتحاد، وسيارات الركوب كذلك، وسيارات النقل كذلك، ويحف بالموضع من أقاصي أرجائه الجيش النظامي، وبالرغم من وجود صاحب الجلالة الملك المعظم فإن الفواكه قد بلغت غاية في الغلاء، حتى بلغت وزنة الطماطا أربعة عشر ريالًا، وانتهت قيمة الحطب إلى قدر عظيم في الغلاء حتى بيع الحطب الذي يقدر بحمل بعير بثلاثين ريالًا بعد أن كانت القيمة أربعة ريالات، ولولا ما اتخذته مديرية مالية بريدة من جلب الأسباب قبل ذلك في شحن السيارات والسعي في نيله لكان الأمر أعجب وكان يأتي إلى ذلك المخيم يوميًا أربعمائة حمل من الحطب، وقد بلغت قيمة الحطب الذي استهلكه المخيم العظيم مائتي ألف وثلاثين ألف ريال في شهر واحد، وبما أن الفواكه ترد من مصر والشام وغيرها عن طريق الطائرات يوميًا فإنها لا تزال في الغلاء، أما بقية الأسعار فإنها تحسنت قيمتها.
ثم إنه قسم الملك ابن سعود على أهل بريدة ألف كيس من البر والدقيق، ومائة ألف وخمسين ألف من النقود، وعلى بقية قرى القصيم مائة ألف من النقود، هذا الذي كان في الظاهر، وأما ما كان سرًا فإنه لا يحصى، ولما كان في ٢٩/ ٤ سار على سبعين من السيارات لزيارة عنيزة يصحبه بعض أنجاله، فأقام فيها يومًا واحدًا ورجع آخر النهار، وفي يوم الاثنين الموافق ٢ جمادى الأولى سافر إلى بلاد حائل على ظهر ثلاث طائرات، وقد سار أمامه بعض التقليات والمصفحات إليها فقدمها وأقام فيها يومين، ثم إنه رجع مسرورًا وقد خرج الأهالي من بريدة لاستقباله في المطار لما رجع إليها، ولما نزل من الطائرة الملكية وقف للناس وهم يزدحمون للسلام عليه ويبتسم عجبًا من محبتهم له، ثم إنه أقام في بريدة إلى ١٧ جمادى الأولى الموافق ليوم الثلاثاء، ولقد سر سرورًا بشجاعة أهل القصيم، وما يكنون في أنفسهم من النصح له والمحبة، وزاد إعجابه بهم.
стр. 1286
ذكر عودة جلالته إلى الرياض
لما كان في ١٧/ ٥ تحرك الموكب من بريدة للسفر إلى الرياض فقوضت الخيام، وجمعت السيارات، وتأهبت الجنود للسير، وقد كان في ليلة ١٦ من الشهر أن سار بعض النساء من البيت المالك على بعض الطائرات، ولما أن كان في يومها طار أربع طائرات تقل بقية الأميرات وخدمهن، ثم سارت النقليات في ذلك اليوم، وبات الموكب على أهبة الرحيل، وفي صباح اليوم ١٧ الموافق الثلاثاء طارت طائرتان بما بقي من الأسرة وخرجت الأمة تتقدمها الأعيان والرؤساء لوداع جلالته، فجلسوا أمامه على تلك الكراسي الجميلة في ذلك السرادق العظيم، وجعل يلقي على الأرض عليهم من كلامه ما هو أحلى من الشهد، بحيث سر ضمائرهم وأطلق ألسنتهم بالثناء والشكر له، ومن كلامه حفظه الله قوله:
إن الأمر في الحقيقة يرجع إلى النية والقلب، فإن كان قلبك ينكر النكر ويكرهه ويقشعر عندما يسخط الله فذلك عنوان الخير، وإن كان قلبك يميل مع كل شيء فلست بشيء، إني قلت لرئيس من رؤساء الكفر نحن أيها المسلمون خير منكم فأجاب يستفهم عن ذلك، فقلت له: لو أننا سمعنا أحدًا يسب نبينا قتلناه وإنكم تسمعون اليهود تشتم عيسى وتقذف مريم ولا تغارون لذلك، إني لما قدمت مصر أذنت وصليت بمن معي، فتعجبت أهل مصر من ذلك يقولون هذا الملك ابن سعود يؤذن، فقلت نعم إني أؤذن وأشهد أن لا إله إلا الله، وكانت عمتي كفر الله لها تقول: الله يا عبد العزيز، إنك أذنت فقلت لها نعم والحمد لله، فأجابه أحد العلماء الحاضرين على الفور بقوله: هذه عمرية يا طويل العمر، ثم إنه أخذ يذم طريقة الكفر ونحل الكفار وما هم عليه من سفالة الأخلاق ورذالة الأمور، مستهجنًا لهم ومحذرًا من سلوك طرائفهم، لأنهم كانوا على غير هدى، وحقًا فإنهم كانوا عن سبيل الله معرضين، وللشيطان متبعين، وعن الفضائح متجردين، وذكر الملوك ثم
стр. 1287
ذكر أن الرئيس روزفلت قد كان حسن المعاملة معه، وقال: إنه وعدني مكائن وقوات، غير أن الله لم يتم ذلك بل هلك الرئيس قبل أن ينفذ إرادته.
ثم تكلم عن الطائرات وصيانتها، وأن فيها توفيرًا وراحة، وأنه يريد أن يجعل شركة فيها، وقال: لو شئنا لأتينا بمائة طائرة، وإنما نأتي بما تدعو الحاجة إليه.
ثم تكلم في أمر عبد الله بن علي القصيمي الذي سكن مصر وأظهر زيفه فيها بكتابة الأغلال، وكان قد قطع مرتبه الذي جعله له وتبرأ منه ومن عمله، فتكلم بعض العلماء بشأن هذا الرجل وأنه قليل العقل بحيث أنه يمتدح نفسه ويطريها، فأشار الملك بأن عقله صحيح غير أن دينه فاسد خبيث.
وبعد ذلك قام واقفًا وودع الحاضرين وهم يبكون لفراقه، وأعرب عما في ضميره وبما يكنه لهم من المحبة يقبلون يده وجبينه، ثم سار بعد ذلك بالسيارات إلى المطار وقد هيئ له أربع طائرات أقلته إلى الرياض.
ذكر ما جرى فيها من الحوادث
ففيها جعل على إمارة الرياض الأمير سلطان بن عبد العزيز نجل جلالة الملك بدلًا عن النجل الثاني ناصر بن جلالة الملك.
وفيها في شهر شعبان عزل أمير بريدة عبد الله بن فيصل وجعل مكانه الأمير عبد الله بن عبد العزيز بن مساعد، فرحل الأول بأهله إلى الرياض، وقدم الأمير الشاب عبد الله بن عبد العزيز، وكان قد قدم الأمير العظيم عبد العزيز بن مساعد بن جلوي في ٢٥ شعبان ليؤطد إمارة نجله في القصيم، فكان مبتدأ إمارة عبد الله في غرة شهر رمضان مباشرة وعمره إذ ذاك لا يتجاوز ١٨ سنة، ولما أن قدم بطائرة من الرياض مزودًا من قبل جلالة الملك بما يلزم من العلوم والآداب التي تعود مصلحتها على الجميع، فرح به الأهالي ورجوا خيرًا لا يأملون به من الذكاء والحزم والنشاط والشهامة، وكان عند حسن ظنهم به، والشبل ولد الأسد، ومن أشبه أباه فما ظلم.
стр. 1288
وفيها عزل ابن سعود قاضي البكيرية الشيخ عبد العزيز بن سبيل وجعل مكانه الشيخ سليمان بن عبد الله المشعلي، وكان شيخًا رزينًا ومن خيرة تلامذة آل سليم، فباشر عمله هناك.
وكذلك أيضًا نقل قاضي دخنة وهو الشيخ محمد بن صالح بن سليم.
وفيها أيضًا نقل الشيخ سليمان بن عبيد من قضاء الزلفي إلى قضاء بلدة المجمعة، وذلك لطلب من الأهالي له.
ذكر ردة عبد الله بن علي القصيمي الصعيدي نسأل الله العافية والسلامة
كان هذا الرجل من أهالي خب من خبوب القصيم، ثم إنه نشأ في مصر واكتسب من العلوم حتى كان ينافح عن دين الله، وله ردود على أهل الضلال الذين نابذوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وضادوها، حتى هتك أستارهم، وله فصاحة في الأقوال وقوة في الإنشاء، يعرف ذلك من كتبه، غير أنه كان معجبًا بنفسه، فعنَّ له بعد ذلك أن يتوسع في العقيدة ويأتي بأمور يظهر منها علامات النفاق والخبث، ولو ثبت على ما كان عليه في أول أمره في كتبه التي ألفها في نصرة الدين -كالفصل الحاسم، والبروق النجدية، والصراع بين الإسلام والوثنية- لكان خيرًا له، وقد يستنشق من مؤلفاته الأخير رائحة النفاق، فلما كان في هذه السنة أظهر كتابه الأغلال الذي تعرى به من دين الإسلام، وخلع ريقته من عنقه، وسمى شرائع الإسلام أغلالًا غلت المسلمين عن التقدم وحسن طريقة الكفر، وزاغ عن الهدى، ورمى الإسلام بالقصور والتأخر، وشن عليهم الغارة، وفضل طريقة الكفر والشرك على طريقة المسلمين، فقام لذلك أهل التوحيد والدين وصاحوا به من أقطار الأرض وكفروه وضللوه وبدعوه وفسقوه، وأجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم وهتكوا ستره، وصاحوا بناديه.
فيا عجبًا له أيظن أنه ليس في الحياض من يذود عنها، وإن حمى الإسلام خال
стр. 1289
من المدافعين والمرابطين كلا والله إن أسد العرين مفترشة براثنها لمحق كل ثعلب سوء من المبطلين، فلله الحمد على ذلك، ولكن ويا للأسف عن هذا الفارس بينما هو في صف المسلمين يدافع عنهم وإذا به يصول عليهم ويكون في نحورهم فإنها لخسارة ونقص فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفيها كثرت الحصبة في الأطفال ومات بسببها خلق كثير وجم غفير.
وفيها حدث في مصر وباء يدعى الكوليرا، وكان بصيب الأمعاء، ووافق ذلك في موسم الحج فمنع بقية الحاج المصري خشية انتشار الوباء، وحج بالناس ولي العهد إذ ذاك سعود بن عبد العزيز، ولما أن كان في ١٣ ذي الحجة شرع في تركيب باب جديد للكعبة المشرفة، وتم عمل التركيب في ١٦ منه، وكان ذكرًا خالدًا لجلالة الملك عبد العزيز وقد باشر وضعه سعود بن عبد العزيز بالنيابة عن والده الملك، ذلك لأن بابها الأول بسبب تقادم عهده أخذ في التضعضع والاختلال لأنه قد ركب عليها سنة ١٠٤٥ هـ في يوم الخميس الموافق ٢٠ رمضان، وكان الذي ركبه السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان والي مصر، وقد عين لذلك الأمير رضوان بك المعماري، وأضاف إليه يوسف المعماري مهندس العمارة سابقًا، فوصلا إلى مكة في موسم السنة التي قبلها، ثم لما كان في ١٧ ربيع الأول من سنة ١٠٤٥ هـ وصل إلى الكعبة المشرفة وفتح آل الشيبي بابها، فعلقوه وركبوا غيره عوضًا عنه بابًا من خشب، لم يكن عليه شيء من الحلية، وإنما عليه ثوب قطني أبيض، وبعدما ركب الباب المذكور في اليوم المذكور من السنة المذكورة أرسل الباب القديم إلى السلطان مراد، وقد حصل احتفال لذلك، فلما تضعضع هذا الباب وبلغ مسامع جلالة الملك أصدر أمره العالي بأن يصنع على حسابه الخاص باب جديد للكعبة المشرفة بدل القديم على أحسن ما يكون، فصنع هذا الباب الجديد فعلًا بصورة بديعة جدًا لم يسبق لها مثيل في تاريخ الكعبة المشرفة.
وقد صنع هذا الباب بصفائح من خالص الفضة محلاة بكتابات آيات من القرآن بأحرف ونقوش من خالص الذهب، كما أن حلقتي الباب العظيمتين صنعتا
стр. 1290
من خالص الذهب صنعة بديعة لم يسبق لها مثيل، وقد كسيت بتلك الصفائح الفضية والأحرف والنقوش الذهبية ألواح من طيب العود الذي هو أزكى أنواع الطيب، وأقيم لذلك احتفال رسمي عظيم حضره صاحب السمو الملكي ولي العهد إذ ذاك سعود، بل وضعه بيده تيمنًا وحضره وزير الدفاع منصور بن جلالة الملك عبد العزيز ووكيل نائب جلالة الملك على مكة عبد الله بن فيصل حفيد الملك، وحضره العلماء على رأسهم رئيس القضاة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، وحضره الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ، والشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع مدير المعارف العام، وأمراء المقاطعات، وسدنة الكعبة، ووزير المالية، ووزير الخارجية، ومدير الأمن العام، ومدير الأوقاف، وموظفوا المسجد الحرام وخدمه وأعوانه، وكبار الموظفين والرؤساء وغيرهم، والحفل عظيم باهر، وقد خطب ولي العهد سعود خطبة حينما قدم لتركيبه في ذلك المساء، وبعدما فرغ القارئ من تلاوة آيات من القرآن الحكيم، وخطب الخطباء البلغاء خطبًا جميلة في مآثر صاحب الجلالة ومناقبه ومقاماته في الإسلام التي قامها جزاه الله الجنة، تقدم بالنيابة عنه نجله سعود فركب حلقة باب الكعبة الذهبية في الباب بعد أن رفع عنه الستار، وفتح باب الكعبة بيده.
هذا والمدعوون والحاضرون يهللون ويكبرون قد احتشدوا أمام الكعبة، فدخل سعود الكعبة المشرفة خلفه الجماهير من الكبراء، ومكث في جوف الكعبة مدة يدعو الله بدعوات مباركات خص بالكثير منها المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ونحن نسوق خطبة ولي العهد بنصها قال:
شعبي العزيز ووفود بيت الله الحرام: أحييكم بتحية الإسلام والحمد لله الذي شرفنا بخدمة بيته، وشرفني بوضع هذا الباب لهذا البيت العتيق، فهذا فضلٌ من الله من به علينا، وتلك مأثرة من مآثر جلالة الملك والدي العظيم حفظه الله وأبقاه، وإني أسأل الله في هذا الموقف العظيم أن يجعل عملنا كله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبل منا ومنكم، وأن يرفع الكرب عن شقيقتنا
стр. 1291
مصر وعن سائر بلاد المسلمين، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكانت جميع الخطب تذاع بمكبر الصوت "المكرفون" في ساعة كانت السماء تمطر رذاذًا، وذلك من حينما دخل ولي العهد سعود في المسجد الحرام إلى أن رجع إلى قصره العام، فسر الحاضرون بذلك رجاء أن يكون الله قد اطلع عليهم.
وقد قال الشاعر الفصيح شاعر جلالة الملك أحمد بن إبراهيم الغزاوي هذه الأبيات بمناسبة هذا الباب للكعبة، وبعثها برقية لجلالة الملك عبد العزيز في الرياض:
عبد العزيز حباك الله مأثرةً ... تجديدك الباب بعد الركن تنشيه
شدا بحبك بيت الله وانطلقت ... وفوده لك بالإخلاص تزجيه
سبكته يبهر الأبصار رونقه ... برهان صدقٍ بفضل الله تسديه
وناب عنك السعود اليوم يرفعه ... مع الخشوع وأدى فرضه فيه
وحوله حنفاء الأرض قاطبةً ... قد أكبروا لك ما تبني وتعليه
وقد دعوا لك بالتوفيق وابتهلوا ... ورتلوا الشكر حقًا في مثانيه
قد خصك الله بالبر الذي احتجزت ... عنه الملوك وفيك الله يفضيه
فاسمع لتاريخه قد جاء منسجمًا ... أسعد بها قربةً نادت بمهديه
وقد أكثر الخطباء والشعراء من الخطب والقصائد في ذكر مآثر الملك ابن السعود وولي عهده المعظم وآل بيته نظمًا ونثرًا، وحصل الشعراء على قدر عظيم من ذلك بحيث أنه ما قد قيل في ملك من ملوك الدنيا من أولها إلى وقتنا هذا ما قيل في مديح الملك عبد العزيز، ولو ذكرنا البعض لضاق الموسع.
ذكر فرقة الإطفاء واستعراضها
لما كانت الحرائق وقودها الأموال والأنفس البشرية فإن جلالة الملك
стр. 1292
عبد العزيز طلب شيئًا من المخترعات الحديثة ضد الحرائق، فتنفيذًا لرغبات جلالته الذي ما زال حريصًا على سلامة شعبة ووقايته من كل سوء ومكروه، استقدم وزير المالية عبد الله بن سليمان من أميركا قطعًا متعددة من سيارات الأطفاء الحديثة بكامل أدواتها الحديثة لتستخدمها الأمة في سرعة إخماد الحرائق والإنقاذ منها.
وهذه القطع هي من أحدث ما اخترعته أمريكا، ولا توجد حتى ذلك الوقت في الشرق الأوسط كله، لأنها لعزتها لم تسمح بها أمريكا لغير حكومتنا، ولهذا قام لها استعراض لما قدمت في هذه السنة في ذي الحجة إلى مكة المشرفة، فاخترقت شارع مكة العام من جرول إلى المعابدة مارة بجميع المحلات بشكلها البديع ونظامها الدقيق المتقن فكان لها أحسن وقع في نفوس الجماهير المحتشدة على جاني الطريق من الأهالي والحجاج، ودهشوا لهذا المنظر الرائع الذي لم يشهدوا مثله، فكانوا يصفقون لهذا المنظر.
الاستعراض العسكري
لما كان في ١٥/ ١٢ أقبلت كتائب الجيش العربي السعودي وقوات الشرطة، فقوات أهل الجهاد، وكان ذلك في الساعة الرابعة من يوم الأربعاء المذكور يتقدمها وزير الدفاع صاحب السمو الملكي منصور بن عبد العزيز طيب الله ثراه وأحسن في الجنة منقلبه ومثواه.
وكان ترتيبها في الاستعراض بهذه الصفة، المشاة فالمدرعات فالمصفحات فالمدفعية فالرشاشات فسيارات الإطفاء، وقد كان النظارة يصفقون ويهتفون حماسًا وإعجابًا برجال الجيش العربي السعودي، وقد اطلع سعود المعظم من شرفة القصر، ثم تقدمت أفواج الشرطة فالخيالة، وكانت تتكون من المشاة فالخيالة فسيارات الجيب تحمل رجال التفتيش والمرور، وبعد انتهاء العرض العسكري بدأت العرضة العربية يتقدمها أصحاب السمو الملكي أحفاد جلالة الملك: عبد الله الفيصل، وفيصل بن تركي، والأمير مساعد بن سعود، والأمير محمد بن سعود، والأمير عبد الله بن سعود، وكانت أهازيجهم
стр. 1293
الحماسية تشق عنان الفضاء، ورقصاتهم الحربية تدهش المشاهدين وتثير شعور العزة والعظمة في النفوس، وكان في طليعة المشرفين صاحبا السمو الملكي وزير الدفاع منصور بن عبد العزيز، وعبد الله الفيصل، وانطلقت الصيحات من الحناجر تخالط أزيز طلقات البنادق وهتافات الجماهير وتصفيقهم، وقد ازداد الحماس عندما وصلت الراية المظفرة أمام صاحب السمو الملكي سعود المعظم، وقد أذيعت الحفلة الرائعة بتمامها بواسطة مكبرات الصوت.
وقد كان العرض مسوقًا حمل الشباب على التفكير في طلب الانخراط في سلك العسكرية، وقد قيل في هذه المناسبة خطب وقصائد نورد منها قصيدة الشاعر حسان جلالة الملك أحمد بن إبراهيم الغزاوي، وكان له قصائد جمة تدل على فضله وأدبه، والمذكور عضو في مجلس الشورى، وهذه القصيدة ألقاها في الحفلة الكبرى بمنى بين يدي ولي العهد العظم سعود بن الملك عبد العزيز:
العيد أنت وفيك العيد يأتلف ... والوفد يهتف والنعماء تكتنف
والخيف تبدو به في كل مطلع ... مواكب لك بالتبريك تختلف
بفيضها الحب والإخلاص لا ملق ... فيه ولا رهبة تخشى ولاجنف
من كل أبلج وضاح خلائقه ... كهالة البدر لم يعلق به كلف
كأنهم وضحى الإسلام يغمرهم ... على جوانبك الأملاك إذ وقفوا
قلوبهم بجلال الله خافقةٌ ... وما لهم غير ما يرضى به هدف
تجمعوا من أقاصي الأرض واقتحموا ... عرض البحار ومن الجو واعتسفوا
وأخلصوا في سبيل الله والتمسوا ... منه النجاة وعاذوا فيه وانصرفوا
يا حبذا الحج من أفياء وارفةٍ ... ومن مناسكٍ فيها العز والشرف
وحبذا الأمن مضروبًا سرادقه ... به استقر الهدى واستعصم السلف
وحبذا موكبٌ يحدوا السعود به ... ويستضيء به التاريخ والصحف
* * *
стр. 1294
يا ابن المفدى لعمر الله ما انطلقوا ... إليك إلا وهم في شخصك الدنف
بذلت من أجلهم ما ليس يجحده ... إلا الذي هو سوء الكيل والحشف
وذدت عنهم ذئابًا طالما افترست ... أحشائهم واحتوتهم أيما ثقفوا
ولم تزل في الدجى ترعى مضاجعهم ... وفي بطون الصحاري حين تتقف
* * *
وهبت منك قلبًا رق وازدحمت ... من خشية الله في أعماقه الغرف
بكل محنيةٍ فيها لهم سكن ... وكل مرقبةٍ منه لهم ترف
* * *
سلوا المشاعر كم من محرمٍ هتكت ... أستاره وملب بات يختطب
وكم منيبٍ شهيدٍ قد قضى ظمأ ... وحوله الماء إلا أنه اللعف
ورحله لا تساوي درهمًا سفكت ... دمًا حرامًا له الأركان ترتجف
* * *
همو الوحوش وهل للوحش من سبب ... إلا البراثن في أشداقها الجيف
قامت عليهم حدود الله فانقرضوا ... وما همو غير ما يطوي به الصلف
وأصبحت رحبات الوحي طاهرةً ... من الجناة وما اغتالوا وما اقترفوا
* * *
فلا غرابةَ والأمثال يضربها ... بك الثقاة ومن بالفضل يعترف
بذلت فيها من الأموال أكرمها ... من دون منٍّ وأغرت غيرك الطرف
والخير عندك أغلى ما ظفرت به ... والبر بالناس فيه يحسن السرف
* * *
مواهب الله في كفيك هاميةً ... ومن حياض أبيك الشعب يغترف
وأنت في المجد دنيا نستظل بها ... وبين برديك دين الله يعتكف
* * *
стр. 1295
هذا لوائك تمشي تحته فرق ... من الأسود تراءى وهي تزدلف
فيه الصوارم كالغابات مطبقةً ... على الذي بضمير السوء ينخسف
خاضوا وراءك نيران الوغى زمرًا ... ومزقوا الظلم أشلاء وما ضعفوا
يستعذبون مناياهم كانهموا ... لا يخرجون من الدنيا إذا تلفوا
* * *
يا عصبة الخير في الإسلام قاطبةً ... ويا ضيوفًا لهم أحشاؤنا كنف
مرحى لكم يوم عيد النحر نشهده ... كأنه رفرف للخلد أو طنف
وقد لجأنا إلى الرحمن نسأله ... تضرعًا ودموع العين تنذرف
أن يحفظ النيل في مهوى كنانته ... من الوباء ومما فيه قد رسفوا
وأن يبدِّلهم منه برحمته ... خيرًا ويكلاهمو طرًا بما هتفوا
هذا الدعاء لهم من كل ذي شفةٍ ... ورحمة الله عمت كل من وقفوا
* * *
فاهن بحجك يا مولاي مغتبطًا ... وللمكاشح منك السيف والأسف
وليحيى عاهلنا المحبوب ما خفقت ... راياته الخضر أو كرت بنا الزلف
وانعم فما أنت إلى الغال متسقا ... والنصر مؤتلقًا والعدل ينتصف
وقال الشاعر حسين عرب في قصيدة له تتعلق في مشكلات الأمة:
يا فالق الصبح المنير وخالق الكون الكبير
ومجمع الأشتات من أقصى العوالم في شفير
رحماك بالدنيا يروعها بلاءٌ مستطير
لبيك قد عبث فيها ولم يرع الضمير
* * *
في مصر مغتصبٌ يبث الشر فيها والبلاء
في القدس محتقبٌ من الصهيون يصليها الفناء
في الهند أو في المغرب الأقصى بحورٌ من دماء
стр. 1296
لبيك واحفظ دينك السامي واخزِ الأشقياء
* * *
سبحانك اللهم يا حامي البيت الأمين
يا مسبل الرحمات تغسل من خطايا المذنبين
إياك نعبد مخلصين ولا بغيرك نستعين
لبيك سبحنا بحمدك فاهدنا نهج اليقين
ذكر من توفى فيها من الأعيان
ففيها وفاة الشيخ عثمان بن مضيان، وهذه ترجمته:
هو العاقل البصير العالم المقبل على ربه، المعرض عمن سواه، رجل الخير والدين والصلاح، الموسوم في وسم أهل الحق والنجاح عثمان بن حمد آل مضيان، وله ذوق في العلوم الدينية، وبصيرة نافذة في تمييز الطيب من الخبيث، سكينًا عاقلًا متقشفًا، ضعيف البنية، وقد تعلم وتخرج على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وابن عمه محمد بن عمر بن سليم، وكان إمامًا في القرية الواقعة شرقي بريدة المعروفة بوهطان، ولبث على تلك الصفة دهرًا طويلًا، ثم إنه سكن بريدة وبضاعته العلم.
وقد كان في نشأته كابد محنًا من ولاية آل رشيد وأمرائهم، لأنه كان مواليًا لأهل الدين والعدل، فصبر وما استكان، ثم إن الحكومة جعلته قاضيًا في أبي عريش سنة ١٣٥٣ هـ، فاستمر في قضاء تلك الجهة بسياسة وتسديد مبيضًا وجه صحيفته، وموضع التقدير هناك، ثم إنه طلب من الحكومة إعفاءه من قضاء تلك الجهة بصفة جوها لم يلائم صحته، فعاد إلى وطنه القصيم سنة ١٣٥٨ هـ واستقر في الموضع المسمى السباخ مؤثرًا للراحة، ثم إنه حج سنة ١٣٥٩ هـ، وبعد الحج جعل في وظيفة القضاء في موضع يدعى محائل في عسير، فاستمر في القضاء حتى مات في حال غربته.
стр. 1297
ومما جرى في حال قضاءه في أبي عريش أن بعض الأئمة الذين كانوا في معيته في أبي عريش أنكر على بعض المجامع التي تكون في أوقات الزواج هناك من اختلاط الرجال والنساء، وأزال المنكر بيده، فوافق أن ضرب امرأة بالعصا فقام أقرباؤها وبعثوا بشكاية إلى الحكومة بشأن ذلك الرجل، فبعثت الحكومة هيئة للنظر في هذه المشكلة، وقد أعظم الخصماء الأمر بأن المرأة ألقت جنينها الذي في بطنها، وبعدما وضعت الهيئة سؤالًا وجوابًا وقدمته للمحاكمة أمام القاضي عثمان المذكور أخذ المعاملة فضيلته ومزقها وأجاب الهيئة بأنه إذا كانت الحكومة قد ارتضيت هذا الإمام ووثقت به يسد هذا المقام، فما فائدة الاعتراض عليه، فانحل النزاع وقنعت الهيئة.
وقد أخذ المترجم عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، وأخذ عن الشيخ الزاهد عبد الله بن محمد بن فدا ولازمه، وكنت أظن أنه تولى وظيفة في بلد نفي، وذلك في الفترة التي بين ٣٧ و ٤٥ من الهجرة النبوية.
أما ولادته فإنها حوالي سنة ١٢٩١ هـ فيكون له من العمر خمس وسبعون سنة ﵀ وعفا عنه، ويعد من خيرة أهل زمانه، ورعًا وزهدًا وعفة ودينًا وعلمًا، وكان له أخلاق وحسن معاشرة، وليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب، ولا يمل جليسه مجادلته، أضف إلى ذلك تواضعًا وليس عريكة، فالله المستعان.
وممن توفى فيها الشاب الناسك رشيد بن عبد الله الحميضي، كان شابًا نشأ في طاعة الله وقلبه معلق بالمساجد، وما زال يدأب في طلب العلم، وله إكباب على المطالعة في الكتب الدينية ويعتكف العشر الأواخر من رمضان، وله صلاح وعبادة وحظ من قيام الليل وصيام النهار وزهد وزكاة وعفة، وقد سلم المسلمون من شره، وقد قال ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقد مات ولم يتزوج، وكان عمره اذ ذاك إحدى وثلاثون سنة، نسأل الله تعالى أن يزوجه الحور الحسان وأن يجعله من جيرانه في أعالي الجنان، وقد كان فقيرًا محتسبًا متعففًا صابرًا خاشعًا.
стр. 1298
وفيها توفى الأمير شكيب أرسلان المؤرخ صاحب التعليق والحفاوة بتاريخ حاضر العالم الإسلامي، قالت إحدى الألسن:
شاء الله ولا راد لمشيئته أن يخبو نور طالما شع في ميادين الأدب والعلم والتاريخ، فأضاء سبل السالكين، وإن يخفت صوت دوى في منابر الدفاع عن العروبة فأصاخ له العالمان الشرقي والغربي، وأن يكبو سيف طالما نزل كالصاعقة في الذود عن حمى الأمة العربية الإسلامية، وذلك بانتقال صاحب العطوفة أمير البيان شكيب أرسلان إلى الدار الآخرة بعد جهاد ٨٠ عامًا قضى الكثير منها في الكتابة والتأليف والذود عن حمى العروبة، وخدمة قضيتها، فرحمة الله على أموات المسلمين.
وفيها أي سنة ١٣٦٦ هـ وفاة الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن عبد اللطيف رحمة الله تعالى عليه، وهذه ترجمته:
هو الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الرحمن بن عبد اللطيف عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولد في مدينة الرياض ١٢٨٨ هـ، وتربى في بيت والده الشيخ عبد اللطيف، وبعد وفاة والده تولاه أخوه عبد العزيز بن عبد اللطيف، وفي أول سن التميز أدخله مدرسة تحفيظ القرآن المعروفة باسم مدرسة ابن مفيريج، ودرس القرآن الكريم وحفظه عن ظهر قلب، ودرس مبادئ العلوم الدينية على أخيه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، ثم إنه أخذ في الدراسة على أخيه الشيخ عبد الله في الكتب المطولة كأعلام الموقعين عن رب العالمين، وإغاثة اللهفان، وأقسام القرآن لابن القيم ﵀، ودرس عليه في الأصل، والفقه وأمر الكتب، ودرس في عمدة الفقه، وتفقه ودرس في الفقه على الشيخ محمد بن محمود، والشيخ عبد الله الخرجي، والشيخ حمد بن فارس، أخذ عن الأخير علم النحو والفقه، وجدّ واجتهد ثم إنه عين قاضيًا في الهجرة المعروفة في السر، وهي بلدة ساجر عند الروقة، ولبث فيها أربع سنوات قاضيًا ومدرسًا وخطيبًا، ويشهد معهم عدة غزوات بأمر من ولي الأمر، بحيث لا يمكن أن يغيروا
стр. 1299
على أحد حتى يتحققوا خروجه عن طاعة ولي الأمر فيما يجب عليهم، كمنع زكاة أو نقض، أو اعتداء بغير حق.
ثم إنه وفد على الإمام في الرياض وصادف ذلك مرض أخيه الشيخ عبد الله سنة ١٣٣٩ هـ، فتولى الخطابة عنه، ثم إنه توفى الشيخ عبد الله رحمه الله تعالى، وصدر الأمر بأن يكون خلفًا للشيخ عبد الله في التدريس في بيت الشيخ والخطابة في الجامع مستمر مدة نصف سنة، فألح أهل ساجر على الملك عبد العزيز بإعادته إليهم، فأعاده إليهم واستمر بعد عودته إليهم ثلاث سنوات، وطلب الإقالة من القضاء عندهم، ثم إنه رجع إلى الرياض عام ١٣٤٢ هـ، وعين في أخر السنة المذكورة في عروى لدى سلطان بن حميد.
ولما زحف ابن سعود إلى مكة المكرمة ليثبت جيشه الزاحف إليها، كان الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف من جملة رفقته، ثم إنه أقام بعد ذلك في عروى خمس سنوات قاضيًا ومدرسًا وخطيبًا، حتى جرت واقعة السبلة بحيث لم يشهد أهل عروة واقعة السبلة من أجل أنه قام القيام اللائق به من بيان حقوق ولي أمر المسلمين، فكفهم عن الخروج وكانوا على بصيرة في أمر دينهم، وبعد وفاة سلطان بن حميد بن محمد بن هندي كان الأمير بعده جهجاه بن بجاد أخو سلطان بن بجاد أمير الغطغط، فاقتضت الأمور أن طلب الإقالة من عروى، وكانت السنون الماضية حافلة بأعماله ونصحه لإمام المسلمين وللمسلمين، والجهاد في سبيل الله، وقد شهد عدة مشاهد منها حصار حائل، ومنها حصار جدة، ومنها فتح البلد المعروف بالحجاز باسم بالجرشي، وسبق أن شهد واقعة البكيرية المشهورة، وشهد عدة غزوات.
وأصيب بجراح، وبعد إعفاءه من عروى عين قاضيًا في الخرج وجميع قراه، ومقره في الدلم، وذلك عام ١٣٥٠ هـ، وتخلل بين إعفاءه من عروى وتولية قضاء الخرج فترة استقر فيها في الرياض، وعين إمامًا لمسجد الحلة المعروف في الرياض، ومدرسًا، ثم إنه استمر في قضاء الدلم حتى عام ١٣٥٧ هـ فطلب الإقالة واستقر في الرياض مدرسًا في مسجد الوسيط، وخطيبًا للجامع الكبير، حتى توفاه الله تعالى عن عمر يناهز الثامنة والسبعين.
стр. 1300
وكان ﵀ كريمًا عفيفًا شجاعًا سخيًا، يرق للفقير ولا يصل أحدًا منه أذى، وكل من عرفه يثني عليه ويدعو له ويذكره بخير، فالله المستعان.
وفيها صدرت الإرادة الملكية الكريمة بتعيين الأمير لاي علي بك جميل مديرًا للأمن العام خلفًا للسابق مهدي بك الذي يدعونه بالمصلح، وكان مهدي قد عهد إليه صاحب الجلالة بإدارة الأمن العام، فسهر على صيانته حتى صار مضرب الأمثال وملأ رعبه قلوب المجرمين في المدن والبوادي، وحتى لم تكد تراود المجرمين نفوسهم بالإقدام على أي أمر يخالف الشرع أو يسيء الدولة، ولقد قام بوظيفته تلك بخير قيام، ولما أن كان في ذلك الوقت انحرفت صحته وطلب من صاحب الجلالة الاعتزال عن العمل حسب إرشادات الأطباء، فأمر جلالة الملك باستمرار رواتبه ومخصصاته كما هي، ولقب بوزير دولة إنعامًا عليه بهذه الرتبة، وتقديرًا لأعماله السابقة، وخلفه في هذه السنة علي بك جميل.
وفي هذه الآونة عين جلالة الملك عبد الرؤوف الصبان مديرًا للأوقاف العامة، وأمينًا للعاصمة بدلًا عن الأمين السابق عباس قطان.
ذكر الإصلاحات التى عملتها الحكومة السعودية في تلك الآونة
فمنها تجديد باب الكعبة لما تضعضع، ومنها جعل مضلات للمسجد الحرام تقي عن حر الشمس، ومنها جعل سقف للمسعى جاء على أحسن الطرق الفنية، بحيث أنه يقي عن الشمس ولا يستر ضياء النهار، فما وضع على شكل قط أحسن منه، وقد أنفق لذلك قدر عظيم من النفقة.
ومنها ترصيف درجات باب السلام بدرج حسن مذلل، ومنها ما قامت به من سحب الماء لمدينة جدة، وكل ذلك يعد من حسنات الملك.
وفيها أسست الإذاعة السعودية وركب المكرفون، وكل هذه الأشياء وقعت في هذه السنة.
وفيها عقدت اتفاقية خط الأنابيب عبر البلاد العربية بين الوزير عبد الله بن
следующие страницы →