← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وفيها في ٢٣ ربيع الأول قامت الحكومة بمشروع ضخم لتطوير التعليم الصناعي وذلك باعتماد تسعة ملايين ريال لميزانية العهد الملكي المهني وتكملة ورش المدارس الصناعية وتزويدها بأحدث المعدات واهتمت وزارة المعارف لذلك بتكوين القوى البشرية التي ستسخر العدات والآلات لمباشرتها فثمانية وعشرون حرفة من بينها صناعة السجاد وصيانة المعدات وصياغة الذهب وسمكرة السيارات وغير ذلك مما يوفر للأمة مصلحتها وقامت الوزارة بابتعاث المدرسين القدراء حتى بلغ عدد المدرسين الصناعيين المبتعثين ثمانين مدرسًا. وفيها عقدت اتفاقية تقسم المنطقة المحايدة السعودية الكويتية وقد وقعها نيابة عن الملكة الكويتية جابر الأحمد وعن المملكة السعودية أحمد زكي يماني ثم نص المرسوم الملكي رقم ٣ تاريخ ١٢/ ٣ / ١٣٨٥ هـ بتوقيعها الإمضاء -فيصل- كما أنه تم توقيع اتفاقية الحدود بين المملكة السعودية وقطر وذلك لتعيين الحدود البرية والبحرية بين المملكة السعودية وقطر وقد وقع الاتفاقية نيابة عن حكومة قطر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني نائب الحاكم وولي العهد كما وقعها عن حكومة المملكة العربية السعودية أحمد زكي يماني وزير البترول والثروة العدنية. وفيها ارتفع مستوى المياه في مدينة بريدة في القصيم فسقطت بيوت في منخفض المدينة الغربي وانهارت فكانت نتيجة هذا الفيضان أن عادت بعض المنخفضات أطلالًا محزنة وقد بحثت الحكومة عن الموضوع لما تكررت استغاثات الأهالي وأقامت لجنة للنظر في الخسائر التي نجمت من جراء هذا الفيضان وجعلت تفكر في حل أزمة تلك الفيضانات التي سببت تلك الأضرار وعمل لذلك خزانات أرضية بصفة جبارة هندسية تأخذه من بطن الأرض وتلقيه إلى الفضاء بعيدا عن البلد تقدر قيمة أربعة من الخزانات بعشرين مليونًا من الريالات، هذا وقد امتدت عمارة مدينة بريدة شمالًا وغربًا وجنوبًا وشرقًا إلى مدى بعيد. وفيها وقع حريق في مدينة الرياض في حلة القصمان وارتفعت ألسنة اللهب إلى حوالي عشرين مترًا والتهمت النيران ثلاثة متاجر وسقط أحد المنازل بينما انفجرت

стр. 1787

أحدى المكائن الملوءة بالبنزين فهب الجيران من نومهم لهذا الانفجار وكان ذلك في الساعة السادسة ليلًا بالتوقيت الغروبي من ليلة الثلاثاء ٦/ ٤ حتى الساعة الثانية عشرة صباحًا وقد قامت المطافي وبعثت ثلاث فرق فقامت بجهد عظيم في إخماد النيران الملتهبة ولم تقع خسائر في الأرواح. وفيها في ٧/ ٣ وفاة الأخ في الإسلام رجل الدين والفضل عبد الله بن سعد بن راشد بن حمد الشبرمي ﵀ وعفا عنه وكان من الشبارمة أهل سميراء وآباؤه يسكنون في بلدة القصيعة من قرى بريدة في القصيم وينتسبون إلى محمد بن محمد بن علوي بن وهيب ولد في (١٣٠٩ هـ) فنشأ في طلب القراءة وأخذ عن مدرس في بلده ثم أنه أخذ في الدراسة على الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وعلى الشيخ عمر بن محمد بن سليم وعلى العالم محمد بن صالح المطبوع وأخذ عن مؤلف هذا التاريخ وكان صاحب دين ومعرفة محبًا لأولياء الله ومن رجال الفضل والدين والإنصاف والشهامة وكثيرًا ما ينتدب لحل المشاكل والإصلاح بين المتنازعين وقلمه سائر في كتابة الوثائق والعقود ويرجع إليه فيها في وطنه ولما أن أنشئت المدرسة الحكومية في قرية القصيعة كان من ضمن الدرسين فيها في العلوم الدينية ويؤم في أحد مساجدها وله مكانة حسنة بين أمته مرموقة وكانت وفاته عن سكتة قلبية بينما كان قد تأهب للسفر إلى الرياض للزيارة، فتوفي وهو جالس في انتظار السيارة للركوب ﵀ وعفا عنه عن عمر يناهز السادسة والسبعين. وفيها وفاة الرجل النزيه العاقل الرزين حجيلان بن عمير بن حجيلان بن عمير الشايع من أهالي بريدة وكانت أسرته من وادي الدواسر وقد ارتحل جده الثالث من الوادي إلى الزلفي وكان قد طمع في إمارة العتبان هناك فاشتروا الإمارة منه بصاع نقود من المشاخص وهي العملة المتعامل بها إذ ذاك ثم إنه ارتحل إلى النبقية الواقعة شرقًا عن مدينة بريدة على مسافة خمسين كيلو، وبعدما استوطنها بمدة طويلة هربت له ناقتان واتجهتا إلى مدينة بريدة فأدركها في الموضع المعروف بغربي المدينة البوطة قد رتعتا حواليه وكانت ملكًا لمال الربدي الأسرة الكبرى في

стр. 1788

بريدة فقال للربدي لعلك تهبني قطعة أرض زراعية فأكون لك جارًا، فقال له الربدي: لك من هذا الحد وجنوبًا، فأعطاه إحدى الناقتين وارتحل من النبقية بأسرته إلى بريدة فأحيا ذلك الموضع وسكنه وكان هنا فاصل بين تلك النخيل وبين المدينة غير أنه باتساع المدينة قد أصبحت ملتصقة بها وكان المترجم حجيلان له أخوة من العقيلات الأثرياء يذهبون للبيع والشراء إلى الشام والعراق ومصر ويضربون في الأرض لطلب الرزق من أبرزهم صالح بن عمير بن حجيلان كان شجاعًا وذا شخصية بارزة وفيهم عبد الرحمن وسليمان وكانوا أناسًا صالحين ولد المترجم (١٣٠٩ هـ) وتوفي في صباح يوم الجمعة الموافق ١٩/ ٧ من هذه السنة. وفي هذه السنة وقع حريق في فرنسا واندلعت النيران تدمر ٢٥ ألف فدان فاجتاحت أربع قرى وقد وجد البوليس اثنين من الضحايا شيخًا وزوجته محترقين قرب منزلهما، وقد اشترك في الإنقاذ حوالي ألف شخص من رجال الإطفاء ولم يتمكنوا من السيطرة على النيران إلا بعد يوم وليلة وكان ذلك يوم الاثنين ٥/ ٤ وكان سبب ذلك نارًا شبت في الغابات. إعادة السلام بين الهند وباكستان في أواخر رمضان أي في اليوم ٢٠ منه توقفت الحرب بين الرئيسين أيوب خان وشاستري الزعيمين العظيمين للهند وباكستان واتفقت الحكومتان على أن تسحب كل دولة قواتها من أراضي الدولة الأخرى في موعد لا يتجاوز الخامس والعشرين من شهر فبراير الموافق يوم الجمعة ٥ ذي القعدة من هذه السنة ووافق الزعيمان الباكستاني والهندي على عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين بلديهما ووقع البيان المشترك الرئيسان. إذاعة جديدة بقوة ١٠٠ كيلو للمنطقة الشرقية في أواخر ربيع الأول من هذه السنة قام مجلس الوزراء باعتماد ٣.٢٥٠.٠٠٠ ثلاثة ملايين ومائتي ألف وخمسين ألف ريال لتنفيذ هذا المشروع في أقرب وقت ممكن وقامت شركة ألمانية عالمية ببناء المرسلة

стр. 1789

الجديدة، كما أن العمل في الإذاعة الكبيرة في مدينة الرياض ذات ١٢٠٠ كيلو تتقدم بسرعة وأملنا عظيم في حكومتنا الرشيدة أيدها الله في أن تغمر أوقات الإذاعة بقراءة القرآن وتدبر آياته وتفسيرها للأمة بالبيان الأوفى ليفهموه على الحقيقة وذلك يكون عن علماء مضطلعين بالنصوص والإكثار من ذكر الخلفاء الراشدين في فتوحاتهم وجهادهم وتقدمهم وبذل نفوسهم في إعلاء كلمة الله تعالى ولمن جاء بعدهم من الملوك المجاهدين كهارون الرشيد وقبله الوليد بن عبد الملك وكذا بعدهم صلاح الدين الأيوبي ونحو ذلك من مواعظ وإرشادات تعود على الأمة بالإصلاح والنفع الديني والدنيوي إذ لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. وفي هذه السنة ألغيت "الوزنة" المستعملة في نجد وهي تساوي نصف الصاع النبوي وجعلت الحكومة محلها الكيلو غرام فاعتمدت الأمة الوزن بذلك. وفيها وفاة رشيد عالي الكيلاني الذي قام بثورته في العراق خلال الحرب العالمية الثانية عام (١٩٤١ م) ففشلت وفر إلى ألمانيا مستجيرًا بها عن الحكومة البريطانية ولما أوشكت الحرب على الانتهاء وسقوط دولة ألمانيا دعي به هتلر وقال له يا رشيد إن ألمانيا على وشك السقوط والانهيار والتسليم وقد أخبرني قائد القوات بأنها لا تلبث زيادة على أربعين يومًا لعدم الوقود لدينا فانجُ بنفسك فقال إلى أين أذهب فقال له لا أعلم أحدًا بعد الله تلجأ إليه غير ابن سعود وإني أستطيع أن ألقيك في باريس فلما وصلها سار بجواز مزور إلى بيروت فدمشق حتى قدم الرياض فألقى نفسه بين يدي الملك عبد العزيز يستجير به فقبله وبقي إلى أن توفي عن عمر بلغ ٧٦ (١).

стр. 1790

ثم دخلت سنة (١٣٨٦ ه ـ) استهلت هذه السنة والحرب في اليمن طاحنة بين الأهالي والجيش الغازي المصري وقد قامت السلطات المصرية ضد الأهالي الأحرار بأساليب التعذيب وقد غصت السجون باليمانيين لمعارضتهم الاستعمار المصري وقامت الصحف العربية السعودية بنشراتها تطالب هيئة الصليب الأحمر الدولية باسم حكومتها باتخاذ إجراءات تجاه هذه الأعمال التي لا تقرها الشرائع السماوية ولا القوانين الدولية والتي ذهب ضحيتها أكثر من مائة شخص في غارتين من بين رجل وامرأة وطفل من السكان الآمنين عدا مئات الأشخاص الذين أصيبوا بأعراض تسمم بالغاز السام ولا يزالون قيد المعالجة وبالرغم من هذه الشكايات والضجة إلى مجلس الأمن فإن الطائرات المصرية لا تزال تواصل غاراتها وتلقي قنابلها المتفجرة بالغازات السامة التي لولا هذه الهجمات بالطائرات لاستولى الإماميون على جميع تلك القوات المصرية كما استولوا ودمروا غالب تلك المصفحات والدبابات والسيارات والمدافع الثقيلة ولقد بعث الوزير اليماني إلى سكرتير الأمم المتحدة شكواه لوضع حد لهذه الغارات التي مر عليها اثنان وخمسون شهرًا وإيقاف هذه الإبادة الوحشية التي يمارسها أهل اليمن ويكابدونها ويزاولونها وقد تقدم أن أمريكا انخدعت لطلب الرئيس المصري اعترافها بحكومة عبد الله السلال ليسحب قواته من اليمن ثم كان بخلاف ذلك ولما أن طالبته بسحب قواته بعد اعترافها بحكومة السلال أجابها لا يمكن انسحاب القوات المصرية قبل أن نضمن للحكومة الجديدة البقاء وتقوية مركزها الدولي ولا غرابة أن تعمل أمريكا ضد هذه الخدعة كما جرى على مصر فيما بعد ذلك ولقد حاولت أمريكا في هذه الآونة وجوب سحب قواته من اليمن وألحت عليه لما فهمت أنه جعلها تبقي وفقًا للخطة المرسومة. وفيها أصدر صاحب الفضيلة سماحة المفتي للبلاد السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ فتوى عظيمة ورسالة طويلة بشأن غلاء المهور وساق الأدلة من

стр. 1791

الكتاب والسُّنة في النهي عن ذلك وأطنب وأطال وذكر كلام العلماء في ذلك؛ ثم قال الذي نرى حمل الرعية على العمل به في هذا الصدد يتلخص فيما يلي: أولًا: المدن الكبرى يكون الحد الأعلى للصداق فيها أربعة آلاف ريال إلخ .. ثانيًا: بالنسبة لغير من ذكر يرى أن يكتب لكل قاضي بلدة وأميرها أن يلزمهم بتخفيض المهور ويتفقون على ما يتناسب مع حالتهم وذكر أنه يلزم الجميع بمنع استعمال آلات اللهو والطرب والأغاني ما عدا الدف فيكون استعماله بصفة لا تخالف الشرع، إلى أن قال المادة الخامسة: يلاحظ القضاء على ما من شأنه الإسراف والبذخ والتطاول من تلك التكاليف التي كان لها السبب الأعظم في المغالات في المهور كالإسراف في الولائم والأثاث كغرف النوم والألبسة والعقود الثمينة ويكتفى بوليمة واحدة لا إسراف فيها سواء كانت عند الزوج أو عند أهل الزوجة إلخ المادة السابعة يجعل رقابة في كل بلد لعقوبة من يخالف ذلك بتغريمه غرامة مالية ومصادرة الزيادة، المادة الثامنة: إذا امتنع ولي المرأة من تزويجها بالكفء الذي رضيته بدافع الطمع والرغبة منه في الزيادة فلولي الأمر التدخل في الموضوع بالموجه الشرعي والرسالة طويلة ولكنه مع الأسف لم يجر إلزام بذلك لأن الحكومة أيدها الله اكتفت بالوعظ والإرشاد ولم تحمل الشعب على التخفيض بالقوة كما تقدمت الإشارة إليه. وفيها أصدرت المعارف السعودية أمرًا بصرف ثلاثين ألف دولار لكلية التربية بالرياض المقرر افتتاحها في العام الدراسي. شباب سعوديون يتخرجون من الجامعات الأمريكية في هذه السنة عاد إلى المملكة العربية السعودية مائة وستة وثلاثون خريجًا من أبناء هذه الملكة تخرجوا من أكبر الجامعات في أمريكا ونالوا أعلى درجات علمية من عام (١٩٥٥ م) إلى عام (١٩٦٥ م) فاشتغل ستة عشر منهم بوزارة الخارجية

стр. 1792

واثنا عشر أعضاء في كليات جامعة الرياض وستة عشر في وزارة البترول والثروة المعدنية وهكذا سدت بهم جهات في الوظائف الحكومية. وفيها في أوائل ذي القعدة قدم الملك حسين عاهل الأردن زائرًا المملكة العربية السعودية فقوبل جلالته بكل ترحاب وهب الشعب السعودي لاستقبال الضيف الكبير في مدن المملكة التي زارها كالرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة وفائدة هذه الزيارة التشديد في الدعوة إلى عقد مؤتمرات القمة العربية وتوثيقًا لوحدة النضال دفاعًا عن القضايا العربية ومقدسات الإسلام وإيمانًا بضرورة اللقاءات العربية على مستوى الذروة وجدواها في مجابهة الأخطار التي تهدد كيان الأمة العربية، ولما أن كان في يوم الأربعاء ٦ ذي القعدة قام رجال القبائل اليمنية بهجوم على مقر القيادة المصرية في اليمن والسفارة الروسية هناك في صنعاء وقاموا بأسلحتهم الخفيفة ومدافع البازوكا فهدّموا البنايتين اللتين تحتلهما القيادة المصرية والسفارة السوفياتية وأصيب ستة لاقوا حتفهم نتيجة هذا الهجوم وهذا مقابل ما في أواخر شهر شوال من هذه السنة شنت القوات المصرية غارات جوية على مدينتي نجران وجيزان السعوديتين وبلغ الممثل للملكة العربية السعودية هيئة الأمم المتحدة مذكرة تشير إلى الحق الدولي الذي تتمتع به المملكة في اتخاذ التدابير التي تراها ضرورية لحماية مصالحها ثم إنها أصدرت المملكة السعودية قرارًا بإلغاء تراخيص العمل الممنوحة للمصريين العاملين في المملكة بنك مصر وبنك القاهرة. وقد تقدم قبل ذلك إغارة شنيعة على اليمن ففي يوم الخميس الواقع في ٢٤ رمضان أغارت عشر طائرات مصرية على منطقة كتاف في شمال اليمن وألقت بقنابلها المحرقة والمتفجرة المحتوية على الغازات السامة المحرمة دوليًّا على تلك المنطقة فأودت بحياة مائة وعشرين شخصًا من بينهم نساء وأطفال وأصيب آخرون مما أدى إلى مقتل مائتين وخمسين شخصًا فأبادت قرية يسكنها الملكيون فصارت تلك القرية التي يسيطر عليها الملكيون بلدة الموت وقد أرسل الملكيون عددًا من مشوهي الغارات السامة إلى مستشفيات المملكة السعودية وبعث اليمنيون صراخًا إلى العالم

стр. 1793

الإسلامي لإيقاف هذه الأعمال الآثمة الوحشية التي تريد بها مصر القضاء والإبادة دونما رحمة أو شفقة وبعثت المملكة المتوكلية رجاءها للصليب الأحمر الدولي والمنظمات الإنسانية في العالم إرسال مندوبين عنها لمشاهدة تلك الأعمال الوحشية وقرر الملكيون إرسال عدد من المشوهين إلى العواصم العالية ليشاهدوا ما ارتكبته السلطات المصرية من أنواع البطش والإبادة. إن الحكومة المصرية قد اعتدت على أهل اليمن الآمنين وحولت تلك المناظر الآمنة إلى مجازر تقشعر منها الجلود وتشمئز منها القلوب وتدخلت فيما ليس يعنيها ولكن الله تعالى وهو أحكم الحاكمين عاقبها بإسرائيل وهم اليهود بحيث غزوها في السنة القادمة وسيمر بك أيها المعتبر تصديق قول الشاعر وأن من الشعر لحكمة. وما من يد إلا يد الله فوقها ... وما ظالم إلا سيجزى بظالم حادثة غريبة لما كان قبل مغيب الشمس يوم الجمعة ١٥ ذي القعدة انقض طائر على سيارة تسير في مدينة يقودها سعودي يدعى إبراهيم الدبيخي وكان هذا الطائر ضخمًا جدًّا بحيث كان أكبر من السيارة وذلك في موضع قريب من مطار الرياض فلما رآه السائق طائرًا رهيبًا كاسرًا يقترب من سيارته ورآه أكبر منها لامتداد جناحيه الكبيرين وقد حام هذا الطائر فوق المنطقة بسرعة عجيبة غريبة ثم أنه انقض على السيارة فعند ذلك نزل قائد السيارة إلى الأرض وبيده سلاحه وبينما كان الطائر يحوم بسرعة عظيمة اصطدم بالحواجز الحديدية التي تفصل منطقة المطار عن الشارع العام فأصيب بجروح وكسور ولم تمكنه من متابعة الطيران وهبط على الأرض يزمجز ويعربد وهنا قام صاحب السيارة واستغاث بالركاب المرافقين له فقيدوه بالحبال ونقوله إلى الرياض وكان يقدر طوله لما مد جناحيه بسبعة أذرع ونصف ذراع وقد نشرته الصحف للناظرين. وقريب من هذا أنه خرج جماعة للصيد في إحدى رياض البطين التي تبعد حوالي ٧٥ كيلو شمالًا عن مدينة بريدة فرفع لأحدهم طيور كبار

стр. 1794

كهيئة الغنم فلحق بأحدها يريد صيده لكنه بعدما أطلق البندقية الشوزن لم تحسبه فاستخدم لذلك أم خمس القصيرة فأصاب الطائر وإذا هو الطائر المسمى البجع وكان عظيم الجسم يقدر طول منقاره باثنين وخمسين سنتمترًا ودائرة حوصلته باثنين وسبعين سنتمترًا وكان آية من آيات الله في ضخامته. ذكر من توفي فيها من الأعيان في هذه السنة فجعت الأمة لوفاة رجال من ذوي المقدرة والشخصيات البارزة ونحن نذكرهم فنقول: صحيفة طويت من صفحات العالم. ففي الرابع من شهر شوال من هذه السنة وفاة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى وعفى عنه وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفاضل التقي المتواضع المحسن إلى خلق الله بعلمه وقلمه وجاهه الذي بكته أمة الإسلام وأبناء الشعب لقضائه الحاجات عبد اللطيف بن إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ المدير العام للمعاهد والكليات، ولد رحمة الله عليه في سنة (١٣١٥ هـ) فنشأ في طلب العلم وتعليم مبادئ علم الشريعة الطهرة والدين الحنيف على علماء نجد ثم تلقى العلم عن الشيخ عمه عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ محمد بن فارس والشيخ سعد بن عتيق كما أخذ علم الفرائض عن الشيخ عبد الله بن راشد بن جنعود العنزي وبرع في علم الفرائض وزامل الشيخ أخاه محمد بن إبراهيم وكان يحضر له الدروس وله معرفة بالعروض وله قصائد مشهورة وهو إلى ذلك كان ذكيًّا سمح الأخلاق رضي النفس وقد تولى في عهد المغفور له الملك عبد العزيز إدارة معهد إمام الدعوة فكان مرجعًا لأهل الرياض في الإصلاح بينهم لثقة الناس بإخلاصه وأمانته ثم أسندت إليه إدارة المعاهد والكليات فأدارها بحكمته نعم طويت تلك الصفحة الناصعة وانطمست تلك الحروف البارزة وانطفأت تلك الشمعة المنيرة فإنا لله وإنا إليه راجعون، هذا الشيخ الذي عرفه طلاب العلم ورواد المعرفة يوم كان طلب العلم حَلقات في المساجد ثم امتدت هذه الحلقة الصغيرة

стр. 1795

التي كانت تضم عشرات طلاب العلم بامتداد همة الشيخ عبد اللطيف حتى شملت أنحاء المملكة وظهرت آثارها في هذه النهضة العلمية التي تمثلت فيما أنتجته هذه المعاهد من شباب كان لهم أحسن الأثر في إدارة دفة الشؤون العامة عليمًا وإداريًّا وقضائيًّا سيذكرك الناس يا عبد اللطيف كذكرهم آباءهم لأنك الأب والموجه لهؤلاء فكم كربة لله كشفتها وكم مشكلة أزلتها وكم محنة فرجتها ولا غرابة فأنت سليل محمد بن عبد الوهاب الذي هز الدنيا في عصره ودعوته إلى توحيد رب العزة وما زالت صيحته تدوي في كل قُطر وستظل تدوي لأنها دعوة الحق، لقد كان الشيخ عبد اللطيف واحدًا من أحفاد إمام الدعوة الذين ضحوا بكل شيء في سبيل نشر العلم وكل الناس يعرفون مجالسه العلمية بعد صلاة الفجر وبعد صلاة الظهر وبعد صلاة المغرب كل يوم ما عدا أيام الجمع وليس هذا فحسب بل إنه يعقد في بيته المجالس العلمية للإفتاء والتعليم وتوثيق العقود لا يقصد من وراءه سوى المثوبة من الله تعالى ولم تشغله أعماله الرسمية عن قضاء حاجات الناس كل هذا مع تواضع وحلم وصبر وتحمل فهو لا يثأر لنفسه ولا ينتقم من أحد، هذا شيء ملموس لكل أحد وإنه ليشكر على أعماله تلك التي سيلقاها موفورة له عند الله تعالى فنسأل الله أن يجبر المصاب بفقده ويحسن العزاء ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وكانت وفاته عن عمر تجاوز السبعين رحمة الله عليك يا عبد اللطيف فُجعت بك الأمة ليلة رابع شوال ففقدت عالمًا وأي عالم كان يحنو على الضعفاء والمحتاجين وبيته بمثابة النادي العام لسائر الأمة من قادة الجميع ولا يتعالى ولا يتعاظم على أحد يؤمونه في كل وقت من ساعات الليل والنهار لقضاء حاجاتهم في كتابة عقود أنكحتهم ومبايعاتهم العقارية وفي استفتائه عن كيفية وتقسيم المواريث المعقدة فهو من أعظم البارعين في علم الفرائض وقسمة المواريث في هذا العصر ومهما كانت الأحوال والظروف فإن الأمة أصيبت به وبكاه رجال العلم وخلق حفه منابر الفضل ولا نطيل بذكره فشهرته أعظم من ذكره ولما خرجت روحه في تمام الساعة الثالثة والربع من ليلة السبت الموافق ٤/ ١٠

стр. 1796

وفقدت مدينة الرياض علمًا من أعلامها هرعت الأمة للصلاة عليه وتشييع جثمانه إلى مقره الأخير وحملوه على الأكتاف من الجامع الكبير إلى المقبرة وقد قيل أنه لم تحصل هذه الضجة خلف جنازة أحد في الرياض منذ ثلاث عشرة سنة إلا ما كان في تشييع جنازة الملك عبد العزيز ولما أن أقام صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز صلاة الجنازة على الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم كان لهذا النبأ سمع في ملايين الخلق من هذه المملكة وما أحسن ما قيل: لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا فرس يموت ولا بعير بلى إن الرزية فقد حر ... يموت بموته بشر كثير وفيها في يوم الأحد ١٧ ذي القعدة وفاة الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن عبد اللطيف أخي المفتي العام وأخي الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم المتقدم ﵀ وعفى عنه كان أسن أخوته وذا دين وعلم ومعرفة وله يد طولى في علم التاريخ وبين وفاته ووفاة أخيه عبد اللطيف شهر وثلاثة عشر يومًا فالله المستعان. قتل عالم من العلماء قال الله تعالى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ إن الإخوان المسلمين في مصر جماعة من المسلمين تآخوا في الله حول شريعة الله ممثلة في كتابه العزيز والذكر الحكيم والقرآن المجيد وسنة رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ يعملون لأقامة حدود الله في الأرض والحكم بشريعة الله فيها تمهيدًا لإعادة مجد الإسلام وتحرير أوطان المسلمين من كل مستبدٍ غاصب وكان "حسن البنا" أحد أولئك الذين لا يدرك الوصف ذكراهم وقد قتله كبار رجال وزارة الداخلية وسعت ممثلة في رئيس وزرائها إلى قبره وقد سعى الشهيد وحده إلى قبره منذ أربع سنوات وليس في جنازته إلا فئة من الجنود يمنعون الناس عن جنازته التي لم يمشِ فيها إلا والده وولده والآن يقتل عالم عظيم مفسر للقرآن وهو "سيد قطب"، بعد تعذيبه في السجن بأنواع التعذيبات التي تقشعرّ منها الأبدان وتنكرها

стр. 1797

الأديان ويضج لها الثقلان ويتأثر لها الإنس والجان تلك الجريمة الشنيعة التي لا يقرها أبيّ له إنسانية وخوف من الله ففي شهر جمادي الأولى ٢٩/ ٨ أغسطس أصدر عبد الناصر من موسكو حيث كان في زيارة لأسياده الروس أمرًا إلى زبانيته بمصر بتنفيذ حكم الإعدام شنقًا بالكاتب الإسلامي الكبير الشهيد سيد قطب الرجل العابد المجاهد الصابر فقدم العالم الشهيد السيد قطب وزينب الغزالي قد أحاط بهما الحراس من كل جانب يستمعان إلى الحكم الصادر عليهما بإعدام قطب وبالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة بالنسبة لزينب الغزالي وقد ضجت الأمة لذلك. الأوساط الإسلامية تناشد الرئيس جمال عبد الناصر وجه عدد من الشخصيات السياسية والجامعية في المغرب وغيره نداء إلى عبد الناصر رئيس الجمهورية المصرية لإلغاء أحكام الإعدام التي صدرت في مطلع الأسبوع الأول من جمادى الأولى بحق سيِّد قطب وستة أعضاء آخرين من جماعة الإخوان المسلمين ومن بين هذه الشخصيات التي قامت بالوجاهة علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال المغربي والدكتور عبد الكريم الخطيب أحد زعماء الحركة الشعبية وزعماء في باكستان يطلبون تخفيف حكم الإعدام الذي صدر بحق سيد قطب وزملائه وتلقى الحبيب بورقيبة الرئيس التونسي برقية من اتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة وكندا ناشده فيها الاتحاد التوسط لإنقاذ الإخوان المسلمين السبعة ويضم الاتحاد خمسة وعشرين طالبًا ولقد تعالت صيحات المسلمين في كل مكان طالبين من السلطات المصرية الحاكمة العفو عنه أو التخفيف على الأقل فلم تجد تلك الصيحات آذانًا صاغية فضلًا عن أن تكون واعية، قال الأستاذ علال من أهل فاس لقد مضى القضاء وحق الأمر فحكم بالإعدام على الداعية الإسلامي الكبير المجاهد الشهيد سيد قطب وعلى ثلة من رفاقه إن ذلك مصير الدعاة إلى الخير ذلك ما يترقبه المجاهدون الذين يقولون الحق ولو كان مرًا لقد اتهم سيد قطب وصحبه بالتآمر على الدولة وعلى قتل رئيسها ونحن لا نعلم من سيد

стр. 1798

قطب إلا الدعوة بالحسنى والصدق في القول ثم قال لقد مات سيد قطب شهيدًا وليس شأننا أن نبكي الشهداء ولا أن نتألم لما يصيب المناضلين فمن عرف ما قصد وإن عليه ما وجد وأن ما نعلمه عن سيد قطب هو الدين المتين والعلم الواسع والنضال المستميت لا لشيء لا لدنيا يصيبها أو جاه يتبوأه أو عدو ينتقم منه ولكن لينجح القرآن ويسمو بنو الإنسان، ثم قال: كان سيد قطب مجاهدًا نزيهًا حريصًا على الخير عامر القلب بالله طاهر النفس زكي الضمير يحب الخير للناس كما يحبه لنفسه وكان إلى جانب ذلك عالمًا كبيرًا وناقدًا مقتدرًا ومفسرًا، لكتاب الله، أصدر كتابًا في النقد الأدبي وأخذ يتطور فاتصل بالقرآن وأصدر كتابيه العظيمين التصوير الفني في القرآن ومشاهد يوم القيامة في القرآن وأخذ يعدد ما له من المكارم والفضائل إلى أن قال: كما لقطب كتب كثيرة منها معالم في الطريق وقد حللت المجلة القوات المسلحة في مصر في عددها ٤٤٦ الصادرة في أول شهر تشرين الثاني سنة (١٩٦٥ م) هذا الكتاب وذلك أثناء المحاكمة لسيد قطب وكان تحليلًا موضوعيًّا للكتاب واعتبرته قيادة جديدة للبشرية، ثم قال لقد وفى آل قطب بما يجب عليهم نحو ربهم ونحو وطنهم الإسلامي والعربي. إعدام الشهيد قالت بعض الصحف الإسلامية. . في فجر يوم الاثنين ١٣ جمادى الأولى من سنة ألف وثلاثمائة وست وثمانين هجرية نفذ حكم الإعدام بالسيد قطب في إحدى الثكنات العسكرية المصرية شنقًا ثم إنها أخذت في ذكرى استشهاده ذلك بأن قتله أدمى قلوب أهل الإسلام وأنكرته صلحاء الأنام ثم بعد شدة الأسف بما وقع من تلك الخسارة نقول وهي تحشرج هذه نفحة وجدان وعبق إيمان وتحملهما ومضة إخلاص يرسلها قلب مؤمن ويعبر عن معانيها البليلة تكلم الأستاذ الكبير أحمد عبيد "رحمة الله تغشاك وسلامه عليك يوم يلقاك وفي الشهداء والخالدين زمرتك في يوم الخلود كيف لمثلي أن ينعاك وأنت أكبر من النعي وأنى لي أن أرثيك وأنت أعظم من الرثا أفي الكلمات ما يفي بحقك أفي التفجع ما ينهض لك في كلمة

стр. 1799

وداع أم أنَّها خفقات قلب تتلمذ على قلبك الطَّاهر وفجيعة نفس التقت بنفسك الزكية في ظلال القرآن بأرجل والرجال قليل أنت أكبر من أن تكون أرضًا تطأك الرجال إنما أنت سماء في دنياهم، فاشرأبت عنقك في السماء وهكذا أنت علو في الحياة وعلو في الممات، إليه سيد قطب أيها الأستاذ الكبير أيها العالم والمعلم العظيم من أرضك المسلمة العربيَّة من أرض آبائك وأجدادك ومن وطن نبيك وبيت ربك من أرض الإسلام من أرض القداسات والنور من الأرض الذي سقط عليها أول شهيد في الإسلام من الأرض التي هي سماء في دنيا العالمين تتهادى إلى روحك بأجنحة نورانية ملائكة ربك تتلقاك تبلغك تحية الشهداء وترفعك عند ربك في ظلال عرشه يا من كتبت ظلال القرآن؛ أيها الشهيد لقد كتبت بدمك كلمة الحق في حياتك وستخلد كلمة الحق شعلة تضيء بدمك بعد مماتك فالعدالة الاجتماعية في ندائك نبراس يضيء وصيحة الإصلاح في كتابك معالم في الطَّريق، كنت رائدًا لا تكذب أهلك ولكن أهلك قتلوك، وكنت هاتفًا لا تخدع وطنك ولكن أبناء وطنك سلموك، وكنت تريد لهم الحياة فأرسلوك للموت، وكنت تريد لهم الخلود فلم يستطيعوا أن يحولوا بينك وبين الخلود، إن يدك التي حملت القلم والكتاب لا تحمل الغدر ولا تطعن في الظلام، وإن قلبك الذي امتلأ بحب الله والوطن لا يخون عهد الله ولا يغدر بيعة الوطن الحبيب هذه هي عقيدتنا فيمن آمن بالقدر والوطن، وقال: كلمة الحق تحت سماء استقبلت منه أول صرخة من صرخاته في الحياة إلى أن قال: كنت في الدُّنيا شهيدًا تمشي على قدمين وأنت الآن شهيدًا تحلق بجناحين وعقيدة للمؤمنين في قلبك وكتاب العدالة في بدنك وستستمع الدُّنيا لك فيعطيك النَّاس يومًا ما. إلى أن قال: أيها الشهيد لقد تعلمت وعلمت واهتديت وهديت وأعطيت القدوة من نفسك معلمًا كبيرًا وارتفعت لم تبخل على شعبك في حياتك وكنت كريمًا عليهم في مماتك تعلمهم ما هي العقيدة وما هو الدين وما هي المبادئ وأين المنهج القويم" وأطال وأطنب بما يبكي ويبعث الأشجان.

стр. 1800

مولده وحياته ولد سيد قطب في قرية صغيرة في صعيد مصر تابعة لمديرية أسيوط وذلك في سنة (١٣٢٤ هـ) و (١٩٠٦ م) ودرس العلوم الأولية بها وحفظ القرآن صغيرًا وانتقل إلى القاهرة والتحق بدار العلوم سنة (١٩٢٩ م) وتخرج منها سنة (١٩٣٣ م) وعين مدرسًا ثم ابتعث من قبل وزارة المعارف المصرية إلى أمريكا للدراسة وذلك عام (١٩٤٧ م) وأصدر بها مجلة الفجر الجديد وفي عام (١٩٥٢ م) عاد من أمريكا وكان ذهابه إليها نقطة تحول في حياته إذ ترك العمل الوظيفي واستبسل في الدعوة وجرد قلمه في الكتابة عن الإسلام وذلك لما رأى من انهيار الغربية وإخفاقها في تربية الوجدان تربية حية وفي عام (١٩٥٣ م) انتدب إلى دمشق ليمثل مصر في مؤتمر الدراسات الاجتماعية والقرنية محاضرة بعنوان (التربية الخلقية كوسيلة لتحقيق التكافل الاجتماعي) ونشر في كتابه دراسات إسلامية. وفي ١/ ٣ / ١٩٥٥ م انتخب عضوًا في مكتب الإرشاد لجماعة المسلمين وعين بعده رئيسًا لقسم نشر الدعوة وفي ١٣/ ٧ / ١٩٥٥ م صدر الحكم عليه بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة خمس عشرة سنة وفي أوائل عام (١٩٦٤ م) فرج عنه وفي عام (١٩٦٤ م) خصصت مدارس الأقصى بعمان ميدالية للفكر الإسلامي باسم سيد قطب وفي عام (١٩٦٥ م) أعيد إلى السجن وفي أغسطس آب سنة (١٩٦٥ م) أصدر الحكم عليه بالإعدام ثم أعلم فارتفعت إلى السماء روح الشهيد مفكر القرن العشرين وعالم الدين والأدب والسياسة والاجتماع فأقيمت صلاة الغائب عليه في أكثر البلاد الإسلامية وفي المساجد الثلاثة يوم الجمعة ١٧ جمادى الأولى سنة (١٣٨٦ هـ). أما عن نسبه فهو سيد بن الحاج قطب إبراهيم، هاجر جده السادس عبيد الله إلى مصر من الهند وإذا كان الخصوم قد استطاعوا أن يقدموا وأن يصلوا إلى جسد الشهيد فيصلبونه وإلى دمه فيريقونه فإنهم لم يصلوا ولن يصلوا ولم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن ينالوا من صدى دعوته في النفوس وأثرها في القلوب وشهرته في العلم والغيب على أعداء الحق وما زالت السلطات المصرية تواصل آثاره حتَّى

стр. 1801

حذرت الأمة من كتابه معالم في الطَّريق وقامت أجهزة الإعلام في القاهرة تتوعد من يتهم بقراءة هذا الكتاب بإنزال العقوبة به وأقل عقوبة زجه في السجن مع الأشغال الشاقة لمدة سبع سنوات كما هو منشور في الأهرام في تلك المناسبات ويصف العلماء كتابه المسمى معالم في الطَّريق بأنه الكتاب الذي تتجلى فيه عظمة مؤلفه ونال الإعجاب من العلماء والأدباء بل فاخرت به مصر في معرض الكتاب العربي ولا يزال نبراسًا لمناشد للخير وطالب عزة الأمة الإسلامية فالله المستعان. تعذيب الإخوان المسلمين لقد امتلأت السجون بالإخوان المسلمين وأمر الرئيس بإعدام ستة من أكبر وأعظم مفكري وعلماء مصر قبل ذلك بعشر سنين بعد ما لاقوا أسوأ أنواع التعذيب وأمر ببقية السجناء أن تلفق التهم عليهم وأمر بإفنائهم بإطلاق الرصاص عليهم أثناء خروجهم لقطع الأحجار التي كلفوا بقطعها بدعوى أنهم كانوا يحاولون الهرب من معتقلهم، وقد انكشفت الخطة ورفض المعتقلون الخروج في اليوم الذي حدد فيه فناؤهم فما كان من الزبانية إلَّا أن صوبوا رصاص مدافعهم الرشاشة إلى صدور الشهداء حتَّى أفنوهم جميعًا في نفس الوقت الذي كان أهل المسجونين خارجًا للسماح لهم بالزيارة ووقعت المجزرة، أما البقية الباقية من الإخوان المسلمين الذين امتلأت بهم السجون الأخرى فقد عذبوا بأنواع التعذيبات التي تمارس يوميًا ما يسمى بطابور الصباح ومدته ثماني ساعات فبعض السجناء يعلقون بأرجلهم ويقوم الزبانية بملاكمتهم في رؤوسهم ويستخدمون الأسياخ المحماة بالنار لحرق أجزاء مختلفة من أجسامهم وخلع الأظافر ولسع الأماكن الحساسة جدًّا بسجائر الإرهابيين ثم هناك من آلات يستخدمونها لضغط الرأس وآلامها لا تطاق وممارسة الأعمال اللأخلاقية مع السجناء فعياذًا بالله من هذا التسفل. أما في الليل فزج بالمسجونين في زنزانات صغيرة جدًّا مملوءة بالبق ومفروشة بالمياه القذرة ويحشر عدد كبير منهم حتَّى لا يستطيع أحدهم حتَّى مجرد الجلوس ويجبرون المسجونين على

стр. 1802

شرب بولهم وإعطائهم الطَّعام العفن وعدم السماح لهم بارتياد دور المياه إلا مرَّة واحدة في الأسبوع حتَّى تضعف قواهم البدنية، ومما قال الأمير محمَّد بن إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة (١١٨٢ هـ) في التحذير من الظلم وكيف طاب لهم التنزه في الحدائق والمنتزهات وإخوانهم في السجون: فيا عصبة ضلت عن الحق والهدى ... ومالت إلى أفعال طاغٍ وفاجر بأي ملوك الأرض كان اقتداؤكم ... فما لكم في فعلكم من مناظر أنافستم الحجاج في قبح فعله ... ففعلكم في الجور فعل مفاخر ويا وزراء السوء يا شر فرقة ... وأخبث أعوان لناه وآمر إلى أي حين في الضلالة أنتم ... جهلتم بأن الله أقدر قادرٍ فما يفعل الدجال مثل صنيعكم ... فلا تتشمتوا من بعد هذا بكافر إذا كان هذا حال قاضٍ وعالم ... وحال وزير أو أمير مظاهر ولم تنتهوا عن غيكم فترقبوا ... صواعق قهار وسطوة قادر فما الله عما تعملون بغافل ... ولكنه يملي لطاغٍ وفاجر وقد أرسل الآيات منه مخوفًا ... ولكن غفلتم عن سماع الزواجر رماكم بقحط ما سمعنا مثله ... وحبس سحاب الإغاثة ماطر نوع آخر من التعذيب كان يؤتى بالبعض منهم في أثناء طابور الصباح ويصفونهم في ساحة أمام زملائهم السجناء ويطلقون عليهم الكلاب المتوحشة التي سبق تجويعها لأيام عديدة لكي تنهش من لحوم المسجونين بينما يشاهد هذا المنظر المزعج الفجرة من حكام القاهرة وزبانيتهم، أما الأقوياء الذين صمدوا لكل أنواع هذا التعذيب فكان يؤتى لهم بالمومسات القذرات العاريات ليقمن بأعمال تتنافى والأخلاق وينهالون عليهم بالشتائم والإهانات والتهكم على الله وعلى الرسول الكريم ﷺ والصحابة الكرام بنكات وعبارات يقشعر لها البدن فعياذًا بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، أما الذين فشلت كل أنواع التعذيب فيهم فيرسلونهم إلى

стр. 1803

أماكن بعيدة جدًّا في الصحراء الغربية حيث لا ماء ولا طعام لكي يموتوا جوعًا وعطشًا (١) قالت الناشرة لهذه الأوضاع ولقد شاء الله لي أن أقابل بعض هؤلاء والذين أفرج عنهم في عام (١٩٦٣ م) فرأيت آثار التعذيب الوحشي على أجسامهم فأحدهم وهو مدرس لغة عربية بإحدى المدارس الثانوية رأيت أثر الكسر في أذنه من جراء وضع السيخ المحمي من الحديد فيها وآثار أخرى على ظهره من أثر الكي بالحديد المحمي وآخر رأيته وقد تشوه ظهره من آثار نهش الكلاب وآخرون كثيرون عذبوهم وأصيبوا بعاهات مستديمة هذا بعض مما روته الرواة الذين شاهدوا تلك المخازي ونحن نذكر قصَّة عن رئيس زبانية عبد الناصر وهو حمزة البسيوني أنَّه لما دفع إليه أحد الأخوان المسلمين للتعذيب فأمر برفعه بقدر متر عن الأرض وأوقد النَّار لشيِّه، قال المعذب: يا الله يا رب، يستغيث بالله، فقال المجرم استهتارًا بالله وتحديًا له: أقسم بحياته لو أن الرب نزل من فوق سبع سماوات لسجنته في زنزانة ١٤. وفي رواية أنَّه قال: أقسم بشرفي وحياتي لو أن الله نزل من فوق سبع سماوات لسجنته سجنًا اضطراريًّا فقدِّر أنَّه انقلبت به سيارته فدخل الحديد في رقبته وذهبوا به إلى مستشفيات مصر لكنها رفضت علاجه فهلك ثم غسلوه وكفنوه وذهبوا به إلى أحد المساجد للصلاة عليه فلما حمل نعشه وأرادوا أن يدخلوه في المسجد امتنع المسجد من قبوله وعجزوا عن الدخول به في المسجد فوضعوه في الشارع للصلاة عليه هذه قصَّة أقسم رواتها بالله العظيم أنَّها معلومة مشهودة. أما خارج السجون فكان يرسل باستمرار بعملاء مدربين من النساء والرجال لأهالي المسجونين لإقناعهم وإرغامهم بالتخلي عن ذويهم وتوجيه الإهانات لهم وللزوجات بطلب الطلاق من أزواجهن، وللأسف قد نجحوا إلى حد ما ولكن بعضًا من الأسر عرفت مكرهم ورفضت ألاعيبهم مما حدى بعبد الناصر إلى أن يأمر بالاستيلاء على كل ما لدى هذه الأسر وطردهم من مساكنهم وتركهم بدون مأوى وطعام وعدم مد يد

стр. 1804

المساعدة لهم وفرض عقوبات إرهابية على كل من تسول له نفسه بمدهم بأي معونة، هذا بعض من كل وسنعود إلى المقصود (١). وممن توفي فيها من أعيان أهالي بريدة إبراهيم السليمان الجربوع رحمه الله تعالى وعفا عنه وهذه ترجمته هو الشَّيخ البارع في الرجولة والدهاء والمعرفة والكرم والنبل والفضل رئيس العقيلات وأحد أعضاء أهل الضبط والربط في عاصمة القصيم إبراهيم بن سليمان بن عبد الله بن عبد الكريم بن سليمان بن محمَّد بن علي بن جربوع من قبيلة شمر من سنجارة من فخذ المختار رئيس الفخذ الحايق ولد في سنة (١٣١٠ هـ) بمدينة بريدة فنشأ في رعاية والده وكان والده محبًا للعلم وأهله فأدخله والده مدرسة الشَّيخ ناصر السليمان بن سيف وكانت المدارس إذ ذاك آهلة بالطلاب وكلها أهلية في تعليم حروف الهجاء بالألواح الخشبية ثم يتنقلون بالتدريج إلى السور القصار من القرآن الحكيم حتَّى تتصلب معلوماتهم فيعلمون الاستفتاح والتشهد والسير في تعلم القولين وهناك يجدون بعض المبادئ في الخط والحساب ثم تعلم من كتاب في بريدة عراقي كان يعلم إذ ذاك الصبيان وبعدما حفظ القرآن وتعلم الخط والحساب وبلغ الخامسة عشرة من العمر اشتغل بالتجارة في المواشي وجلبها من أنحاء المملكة إلى سوريا وفلسطين ومصر والعراق ودام على ذلك مشتغلًا بالمواشي ويجوب أقطار المملكة لهذا الغرض مما أورثه معرفة الطَّريق والهداية في ظلمات البر والبحر فكان خريتًا ماهرًا في الدلالة يتساوى عنده السير بالليل أو النهار ولقد كان الترجم مشهورًا من بين العقيلات في أسفارهم يختارونه ليسير في مقدمة القوافل لمعرفته بالطرق ومتاهات الصحاري ولما كان ذات مرَّة يسيرون في الحماد قادمين من الشَّام إلى القصيم ثار الجدل بين الذي كان أميرًا

стр. 1805

للقافلة وبين بعض الرفقة الدعو عبد العزيز بن حماد الذي كان من كبراء العقيلات هذا يقول الطَّريق يمينًا وإبراهيم يقول يسارًا حتَّى حصل النزاع بينهما فعند ذلك أمر الترجم بنزول القافلة إلى الأرض للراحة ولا أن نزلوا جعل يقلب القربة ثم وجه كلامه إلى المعارض يقول الطَّريق يسار فوافق عبد العزيز لكنَّه بغير اقتناع، ولما أن سارت القاقلة ليلًا طويلًا مسافة غير قصيرة وطلع الفجر قال: إن أمامكم قوز وهي جبال مجتمعة وستكون موضع راحتنا بعد هذا السري نزولنا يمنة منها ولما أن نزلوا بالقرب منها وظهرت أشعة الشَّمس نادى بأعلى صوته أحد الرفقة قائلًا يا إبراهيم النودلي اذهب إلى ذلك الموضع لجبل من تلك الجبال فستجد فيه شدادًا أي رحلًا وزمزمية سقطت فيه العام الماضي بسب جفول حصل على الإبل فذهب وجاء بها فتأكد الرفقة واطمأنوا إلى كلامه وكان إلى ذلك مقدامًا شجاعًا له مواقف مشهورة فيما يضطره إليه الزمان ومقدمًا في أصحابه فإذا سافرت قوافل تجارية للبلدان المجاورة في المواشي وهو فيهم فهو الأمير لأنَّه مهيب ومحبوب وأديب ولما أن تلاشت تجارة المواشي في البلدان المذكورة ترك الأسفار وجلس في مدينة بريدة موقرًا معززًا لدى الملوك والعلماء والوجهاء محترمًا ووجيهًا لدى ولاة الأمور مقبول الشفاعة مقدمًا ومعظمًا أضف إلى ذلك أنَّه في عداد أهل الدين محافظًا على الصلوات مع الجماعة وما زال في حالاته التقدمية حتَّى وافاه الأجل في ١٧ ربيع الأوَّل من هذه السنة. ولقد حضرت إحدى دعواته لوليمة العشاء حينما وجه إلي دعوة فلما أن قال تفضلوا على الميسور قام يعتذر بقوله لقد كان من العلوم بأن كل واحد منكم أحسن منا طعامًا وإنما أجبتم جبرًا لخاطرنا فاسأل الله أن يثيبكم ويكتب خطواتكم فعجبت لهذا الأدب وحسن التواضع وكان له أخوة من بينهم عبد الله بن سليمان عليه آثار الصلاح وكان مرض المترجم بالضغط وخلف سبعة أبناء فالله المستعان. وممن توفي فيها الزَّاهد العابد والعالم الفاضل أبو حماد عبد الله بن حماد الرسي من القبلان في بلدة الرس ولد في عام (١٣٠٨ هـ) فنشأ في عبادة الله

стр. 1806

متعفِّفًا صالحًا صبورًا على حلو الزمان ومره، وكان قليل ذات اليد لكنَّه متكل على الله ومفوض أمره إليه ويتمتع بحسن الخلق ورحابة النَّفس حتَّى لكأنه غني. ومما جرى من خوارقه أن زوجته جاءت إليه من آخر النهار وهو يقرأ في مدارج السالكين للحافظ ابن القيِّم فشكت إليه أنهم لا يجدون قوتًا للأولاد تلك الليلة وكان مكبًا على المطالعة لابسًا نظارتيه فقال لها يأتيك رزقك واستمر في المطالعة ولم يلتفت إليها فلما أن أوشكت الشَّمس من الغروب رجعت إليه تقول يا أبا حماد التفت يمنة أو يسرة للصبية أمَّا أنا وأنت فنصبر على الجوع فرد عليها برفق ولين يقول: يأتيك رزقك. يكرر هذه اللفظة ولا يزيد عليها ثم إنَّه قام للصلاة مع الجماعة ولما أن رجع من صلاة المغرب وجد صينية مملوءة من الأرز والجريش وعليها اللحم وأنواع الخضار وقد أهديت إليهم ذلك بأن رجلًا لديه ضيوف وقد أعد لهم طعامًا كثيرًا فلم يأتِ إلَّا بعضهم وكان قد كفاهم صينية ففكر في الثَّاني وقال لزوجته اذهبي به إلى بيت الرسي فعسى أن يكونوا بحاجة إليه فذهبت به إليهم ولما رآه زاهدنا قال لزوجته قلت لك يأتيك رزقك فأكلوه هنيئًا مريئًا وحقق الله ظنه فيه وهذا من صدق اليقين وقوة التوكل. وركب ذات يوم في سيارة لزيارة أقرباء له في الرياض فكان سائق السيارة ممن ابتلاهم الله بتناول التتن ولديه وقاحة لأنَّ بعض المبتلين به كالجعل الذي يدهده الخرء بأنفه لا يأنف من ذلك ويظن النَّاس مثله فنصحه بأن لا يجاهر به قائلًا يا أخي إنَّه مضر ولا تعجبنا رائحته فلم ينته ثم أنَّه امتص سيجارته ونفخ بالدخان في وجهه علاوة على رده للنصيحة فبكى لهذه الإهانة ورفع طرفه إلى السماء ودعا عليه بأنه يخصه الله بعقوبة من بين الركاب فقدر أنَّها توقفت السيارة عن السير فنزل ورفع الكبوت لتفقد المكينة فثارت النَّار في وجهه وصار مشوهًا بحرق حاجبيه وشعر عينيه وأهدابها، وما حصل على وجهه فذهب إلى المترجم يريه كيف صنع الله به ويسأله أن يسمح عنه ويعاهده أن لا يعود.

стр. 1807

وهذه صفته: كان قصير القامة أبيض اللون ممتلئ الجسم شنن اليدين والرجلين قد تأثرت عيناه من كثرة المطالعة والبكاء من خشية الله باحمرار عليه آثار الصَّالحين وشعار المتقين وبما أنَّه هادى الطبع وفقير فإنَّه لا يؤبه له ويصدق عليه وصف النَّبيّ ﷺ في وصف الدنيا بقوله: "الدُّنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له"، رواه أحمد والبيهقيّ وقوله: "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفَّع" رواه البُخاريّ. أما مشائخه الذين أخذ العلم منهم فقد لازم الشَّيخ عبد الله بن حسين أبا الخيل وأخذ عنه وأخذ عن الشَّيخ عبد الله بن محمَّد بن دخيّل وأخذ عن الشَّيخ محمَّد بن مقبل وأخذ عن الشَّيخ عبد الله بن محمَّد بن سليم وأخذ عن الشَّيخ عمر بن محمَّد بن سليم وأخذ عن الشَّيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي وكان من جملة أحبابنا وزملائنا مع أنَّه يكبرني بستة وعشرين سنة وبيني وبينه صداقة فكنا فخرج إلى قرية المريدسية وخبّ البريدي وغيرها لزيارة الأخوان هناك كآل سعوي وآل خضيري وآل سويد وغيرهم ممن يحبنا في ذات الله ونحبه وتحصل قراءة وتذكير ونجد هناك قبولًا وأخوانًا لنا في الله ويحمل دائمًا كتبه للوعظ والإرشاد والإفادة وقد تولى وظائف في الإمامة والخطابة في بعض الهجر وآخر وظيفة نالها إن كان في هجرة وثيلان من أعمال السر إمامًا ومرشدًا وفقيهًا ومدرسًا في المساجد وكان رجب الصدر حليمًا فلا يغضب ولا يحقد ويتعلم منه صغار طلاب العلم ويتحمل ما يناله من الأذى وقد أخذ عن الشَّيخ عبد الله بن محمَّد بن غدًا العالم الزَّاهد حينما كان الشَّيخ في المريدسية وقد أوذي في الله وصبر ثم أنَّه أسن ولزم بيته ويتردد إلى مجالس الذكر حتَّى توفي في هذه السنة عن عمر يناهز التاسعة والسبعين ﵀ وعفا عنه. وممن توفي فيها من الأعيان الشَّيخ محمَّد بن الشَّيخ عبد الله بن الشَّيخ عبد

стр. 1808

اللطيف بن الشَّيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشَّيخ وهو نجل رئيس القضاة في المملكة ولد ﵀ عام (١٢٩٧ هـ) وتوفي في هذه السنة عن عمر يناهز التسعين كان المترجم من مشاهير العلماء من آل الشَّيخ وله مكارم أخلاق ورجولة وسخاء وكرم حاتمي فكان بيته مأوى للضيوف من الأعيان والعلماء فقد فتح بابه لكل زائر من أعيان أهل الدين وفقرائهم بتواضع وحسن خلق وقد اشتهر بالكرم والجود وهو خال الملك فيصل بن عبد العزيز وكان ذا جاه ومعظمًا ومحترمًا وله مقامات مع الملك عبد العزيز وشارك في الغزوات معه لا سيما في غزوة البكيرية وقد يجعله الملك مستشارًا لديه ويأخذ من رأيه ويرسله في جباية الزكوات لأنَّ أمرها لدى الملك عبد العزيز مهم بحيث يخشى على المزارعين من الظلم فينتدبه لذلك وكان وجيهًا لدى الملوك أخذ العلم عن والده الشَّيخ عبد الله وعن عمه محمَّد بن عبد اللطيف وعن عمه عمر بن عبد اللطيف وعن الشَّيخ سعد بن حمد بن عتيق وكان أديبًا بارعًا في التَّاريخ. ومن كرمه أنَّه يبذل معونة عظيمة لمن سأله فقد أتى إليه محتاج فذهب وطرق على جاره وقال: هل من أرز ونقود؟ فقال: نعم فيه مائتا ريال وكيس أرز أخذنا منه شيئًا قليلًا فأخذه وناوله ويبذل معونة لحجاج بيت الله الحرام وله شوق عظيم في الحج والعمرة وقد يجاور في مكة المكرمة ويبذل نفقات على الفقراء والمحتاجين قل أن يباريه فيها أحد ثم أنَّه فقد بصره وضعف بدنه وأرهقته الشيخوخة حتَّى توفي في هذه السنة ﵀ وعفا عنه ولم يتول شيئًا من الوظائف لعزة نفسه وكانت وفاته في ٢٣ من شهر شعبان وخلف أبناء ثلاثة عبد العزيز وتوفي بعده وعبد الله من خريجي كلية الشريعة وعبد الرحمن. ركن ينهد في شرقي المملكة ففيها في صباح يوم السبت الموافق ٧/ ١٢ وفاة أمير المنطقة الشرقية سعود بن جلوي وهذه ترجمته: هو الأمير الخطير والعلم الشَّهير أبو عبد العزيز سعود بن عبد الله بن جلوي بن تركي بن عبد الله بن محمَّد بن سعود بن مقرن البطل الشجاع الذي رجفت لهيبته أهالي المنطقة وما جاورها فكان شديد البطش ومضرب الأمثال

стр. 1809

في القوة والمقدرة والهيبة ولد في (١٣١٩ هـ) وتولى إمارة الأحساء بعد وفاة والده عبد الله بن جلوي فقام بأعباء هذا المنصب خير قيام وخلف أباه في الحزم والشجاعة وكان جبارًا قويًّا وقاسيًا لا يلين أضف إلى ذلك أنَّه رجل في الدين محافظ على تقاليد آبائه وأجداده ومتمسك بتعاليم الإسلام فلا يترك الصَّلاة جماعة ويكرم لحيته ويأخذ من شاربه هذا هو سعود بن جلوي الذي تضرب الأمثال بسطوته وتأمينه للسبل ولما أن نزلت شركة التنقيب في الظهران وكثر العمال هناك وتقدمت الحركة في المعادن انتدبه صاحب الجلالة الملك عبد العزيز لتلك الجهة ذلك بأنه لما اختلطت أنواع البشر من أحمر وأسود وكثر النهب والخيانة هناك استجاشه وحرك سواكنه وجرده فيها صارمًا فقدم إليها ولما أن قدم تلك الجهة أعطى سكانها مهلة ثلاثة أيَّام لرد المنهوبات إلى أربابها فمن وجد عنده شيء من مال الغير بعد ذلك فلا يلومن إلَّا نفسه ونادى المنادي بأن من سرق منه شيء فالمسؤول عنه سعود بن جلوي فألقيت السرقات والمنهوبات في الشوارع ليلًا تحت الظلام لا يعلم من ألقاها وما زال يبطش بالمجرمين والمفسدين حتَّى أصبحت تلك المقاطعة مضرب الأمثال في الأمن والطمأنينة وكان قاسيًا على المعتدين ولا يقبل فيهم شفاعة بل يأخذهم أخذًا صارمًا ويبطش بهم بطشًا عظيمًا. ولقد دهس سائق من الأمريكيين عربيًّا ولم يعبأ به قائلًا عربي بدله عربي وهذا وإن كان ليس متعمدًا ولكنه ينبغي له غير هذا الجواب فنقل إلى صاحب السمو سعود بن جلوي كلامه وأنَّه يقول ندفع الدية فأمر بالسائق وأحضر بين يديه وأحضر أناسًا من الأمريكيين هناك فبسط عرضًا أمام الدكتور ثم أنَّه أمر أن يجعل طولًا وأمر بالدركتور يمشي عليه بالجنزير. حتَّى تمزق قطعًا بين أضلاع الجنزير وأمر بأناس ضربوا خادمًا له ذهب للنظر في شأنهم من قبله فجيء بهم مصفدين بالحديد قد انتفخت أيديهم من ضيق الأغلال فأمر بهم إلى السجن فهمس بأذنه أحد رجاله قائلًا لو أمرت بحلِّ الأغلال في هذه الليلة عن أبيديهم فقال دعهم وشأنهم يسلمون أو يهلكون وما زال يزاول مشكلة الحوادث حتَّى هابه أهل شرقي المملكة وإذا

стр. 1810

تحقق جناية الجاني فإنَّه لا يرحمه فبذلك كان ذكره يفزع من يسمعه ولا يزال نصب أعين أهل تلك المقاطعة. رفع إليه في قد ذر به قهرًا ثلاثة من الأشقياء إلى الفلاة وفعلوا به الفاحشة فدعي بأهل القافة من مرَّة وأعطاهم مهلة ساعات معلومة ليأتوا بهم فما كان إلَّا أن لجأ أولئك إلى معرض من معارض السيارات وكان أولئك الأشقياء لما دخلوه بسيارتهم خلعوا كفراتها ولفوا عليها ورقًا وجعلوها في موضع غير معلوم وركبوا في السيارة كفرات أخرى وأخذ أهل القافة يفتشون بحيث لم تخرج السيارة بكفراتها الأولى حتَّى وقعوا على تلك الملفوفة وأحضروا صاحب العرض وأحرجوا موقفه بأن يخبرهم بأهل تلك السيارة فأقر بأنهم جاءوا بالسيارة في الساعة السابعة ليلًا عربيًّا وخلعوا وركبوا من غير ذلك النوع فاتبعوا أثارهم حتَّى قبضوا عليهم فأتي بهم إلى الأمير سعود بن جلوي وبعد ثبوت إجرامهم أمر بهم من الغد فكان يحمل الرجل اثنان من العبيد أحدهما من عند رأسه والآخر من رجليه فيرفعانه جوًا ثم يهوى إلى الأرض، مرات حتَّى تفككت أوصالهم وتمزقت أجسادهم وكان العبد (خسارة) هو الجلاد بمساعدة بعض العبيد وما زال يبطش ويقطع ويقتل ويسجن ويعذب حتَّى استطاع من شدة بطشه أن يكون كل فرد في القاطعة الشرقية لا يهمه إلَّا عمله ولا يلتفت ولا يقوم ولا يجلس إلَّا فيما يعنيه. وجاء إليه متظلم بأنه اشتكى إلى رئيس دائرة هناك يريد منه إخراج حقه من صاحبه وأن ذلك المسؤول طلب منه رشوة قدرها كذا وكذا فغضب الأمير سعود وأمر بطرده فقال يا سعود بن جلوي إن وجهك لنور وبهاء فليس بوجه غضب والله لو كنت مؤسرًا بدفع ما طلب لما أخبرتك ولأصلحت شأني بدفع ذلك استجلابًا لمالي ثم بكى أمامه فقال له تعالى إلي وخلع الأمير ساعته الثمينة وقال له اذهب إليه وقل له إنِّي لا أملك سواها وهي لك هدية وأخبرني هل يأخذها؟ فذهب ورجع يقول أخذها فلما كان بعد صلاة المغرب بعث بأناس إلى بيت الرجل المشكو يفتشون فوجدوا الساعة في يد إحدى بناته وأخبروا الأمير فقال ائتوني بها

стр. 1811

فلما جاءوا بها أحضره بعد صلاة العشاء الآخرة أمام النَّاس ثم قام يتهدده ويتوعده بما جرى منه من هذه اللآمة والدناءة وكيف توصلت به نفسه إلى هذا التسفل ثم أنَّه عاقبه بين المسلمين عقابًا شديدًا وطرده عن العمل. ولما كان في بعض الأيَّام قدم ملك من الملوك إلى تلك المنطقة فأقيم له احتفال عظيم رائع غير أن بعض الشباب المندفعين من خلف المستقبلين جعلوا يتكلمون بألفاظ نابية وكلمات ساخرة في حق ذلك الملك بما يجرح العواطف ويسيء الوضع وكان الأمير غائبًا عن المنطقة فقدر أنَّه حضر في اللحظات التي كان أولئك الأشقياء يستهترون كعادة من فقد إنسانيته وقل حياؤه فطلب من الملك سعود بن عبد العزيز أن يسمح له بتأدبيهم فأمر بأن يلقي القبض عليهم وكان عددهم يتجاوز التسعين وعاقبهم بعقوبة تستحيل عندها العادة بحيث كانوا نكالًا للأمة وجيء بهم أفرادًا من غيابات السجون فكان في حر الظهيرة ينقل اثنان بقي كل واحد منهم ويسحب على ملتهب الإسفلت على فيه حتَّى سقطت أسنانهم وتآكلت أفواههم جزاء لهم على صنيعهم ذلك وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، وهكذا يرتدع من فقد إنسانيته وسولت له نفسه السوء. كل هذا وأمثاله يعامل به المعتدين. ولما كان ذات مرَّة جاء إليه أقوام من الرافضة يطلبون بقعة ليتخدوها مسجدًا فنزل الأمر من قبله على رئيس البلديات بمنحهم خمسة عشر مترًا بطول ثلاثين فقاموا وضموا إليها أضعافها وأخذوا بعمارتها بصفة تقدمية بحيث واصلوا الليل مع النهار بما أحدث بهم سوء الظن وكانت أنوار اللوكس تضيء طوال الليل في تلك البناية فرأى رجل من الصَّالحين الأمير عبد الله بن جلوي في القيام متأسفًا على هذه البناية وحمله رسالة إلى ابنه سعود قائلًا قل له أن هؤلاء يبنون كنيسة لا مسجدًا فليدمرها إن استطاع رأى ذلك الرجل هذه الرؤيا بالليل وبعد صلاة الفجر وفي القيلولة فعلم أنَّه لا بد من تبليغ هذه الرسالة وطلب الاتصال بصاحب السمو الأمير سعود، فلما أن بلغه ذلك النبأ بعث بالحال للكشف عليها فلما وجدها بهذا الوصف وقد تجاوزوا ما منحوا فتح البرق على الملك وأخبره بالواقع ثم أنَّه في عدي

стр. 1812

من فوره بخمسة دركتورات وساق خلقها اثني عشر رشاشًا وأن تهد وتساوى بالأرض وأعطى قواد الرشاشات النارية تعليمات بأن إذا حصل معارضة ولم تخضع العمال والمتأمرون فيها بأن تطلق فوهات الرشاشات وقذائفها عليهم فما كان إلَّا لحظة حتَّى أزالوها عن الوجود وركب أربابها إلى صاحب الجلالة يشتكون فغرزت سيارتهم وطردوا من الرياض خائبين. ولما أن كان ذات يوم جاءت إليه أعرابية تشكو أن رجلًا قهرها وغلبها على نفسها وفعل بها الفاحشة وقالت يا سعود بن جلوي كأني بك تقول ائتني بشهود فهذه علامة فارقة بأن عضضت على ثديه يا ولد عبد الله فقال كان عندي من المعلوم أنَّه لم يفعل ذلك إلَّا لما عزم على مغادرة الظهران وسيمر بمركز التفتيش فاذهبوا بها وأجلسوها بعد العصر في المركز واعرضوا عليها كل مسافر ففعلوا وبينما هم في طلبه إذ قالت هذا وأشارت إليه وأخبرتهم بالعلامة الفارقة فجيئ به مصفدًا مغلولًا فلما مثل بين يدي الأمير كان بعد سؤال وجواب أن أقر بفعله الشنيع وكان سموه قد طلب من الملك عبد العزيز لما أن كلفه بهذه المهمة أن لا يتعرض أحد لأحكامه فأمر سموه بجذع نخلة أن يقام بين أربعة شوارع فصلب فيه وجعل في كل يد ورجل مسمار غليظ يثبت بها في الجذع وجعل مسمارًا خامسًا في حلقه ولبث ثلاثة أيَّام في هذا الوضع فكان الأعراب إذا مروا به يقولون لا أعادك الله من شهوة وفي رواية أنَّه أمر بقطع ذكره وأن يجعل في فمه هذا ولا ننسى معاملة سيد الكون محمَّد بن عبد الله ﷺ للعرنيين الذين استوبؤا المدينة فأمر لهم بإبل من إبل الصدقة أن يشربوا من أبوالها وألبانها خارج المدينة فلما صحُّوا قتلوا راعي النَّبيِّ ﷺ واستاقوا النعم التي أمر لهم بها فجاء الخبر في أول النهار فبعث ﷺ رجالًا في أثرهم فلما ارتفع النهار جيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون. وإنَّها لذكرى خالدة للأمير سعود بن عبد الله بن جلوي في الثبات وقوة الإرادة والصرامة وقد خلدت له صحيفة في الحزم والشجاعة لا تنسى إلى آخر

стр. 1813

الدهر. ولقد اشتهر الأمير الراحل بحبه الشديد للإصلاح ورفع مستوى المنطقة بإرشادات توحيها إليه مؤهلاته وتجاربه كما كان ﵀ مثلًا يحتذى في إقامة العدل وإحقاق الحق والوقوف في وجه الباطل ونصرة المظلوم فحيا الله رجال العمل والإخلاص نسأل الله تعالى أن يجبر الأمة بفقد رجالها المخلصين الذين يدأبون في سير الأعمال وتقدم الشعوب وبكل حال فإنا خسرنا رجلًا عظيمًا جاهد المعاصي والشرك والضلال وأطر السفهاء على الحق أطرًا وأخاف المعتدين وقمع المفسدين وأخباره في الحزم والمقدرة وكف الفساد كثيرة جدًّا لا تتسع لها هذه الأوراق فنسأل الله تعالى أن يتغمده برحمته وأن يتجاوز عن زلته وأن المجتهد إذا أصاب له أجران وإن أخطأ فله أجر واحد وما يرتدع الذين فطروا على النهب والسلب والعبث بالأمن وإخافة المواطنين إلَّا بأن يقبض عليهم بأيد من حديد ويوطئوا بأرجل شثنة المناسم ويؤخذوا بالعذاب وما أحسن ما قاله أبو الطَّيِّب المتنبي في الشجاعة والمقدرة والرجولة: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصَّغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم يكلف سيف الدولة الجيش همه ... وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم ويطلب عند النَّاس ما عند نفسه ... وذلك ما لا تدعيه الضراغم يفدي أتم الطير عمر سلاحه ... تسود الملأ أحداثها والقشاعم وما ضرها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم هل الحدث الحمراء تعرف لونها ... وتعلم أي الساقيين الغمائم سقتها الغمام الغمر قبل نزوله ... فلما دنا منها سقتها الجماجم بناها فأعلى والقنا تقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمام طريدة دهر ساقها فرددتها ... على الدين بالخطى والدهور راغم تعبت الليالي كل شيء أخذته ... وهن لما يأخذن منك غوارم

стр. 1814

إذا كان ما تنويه فعلًا مضارعا ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم وكيف ترخى الروم والروس هدمها ... وذا الطعن أساس لها ودعائم وقد حاكموها والمنايا حواكم ... فما مات مظلوم ولا عاش ظالم أتوك يجرون الحديد كأنهم ... سروا بجياد ما لهن قوادم إذا برقوا لم تعرف البيض منهم ... ثيابهم من مثلها والعمائم خميس بشرق الأرض والغرب زحفه ... وفي أذن الجوزاء منه زمازم تجمع فيه كل لسن وأمة ... فيما تفهم الحداث إلَّا التراجم فلله وقت ذرَّب الغش ناده ... فلم يبق إلَّا صارم أو ضيارم تُقطع ما لا يقطع الدرع والقنا ... وفر من الأبطال من لا يصادم وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنَّك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم تجاوزت مقدار الشجاعة والنهي ... إلى قول قوم أنت بالغيب عالم ضممت جناحيهم على القلب ضمة ... تموت الخوافي تحتها والقوادم بضرب إلى الهامات والنصر غائب ... وصار إلى اللبات والنصر قادم حقرت الردينيات حتَّى طرحتها ... وحتى كان السيف للرمح شاتم ومن طلب الفتح الجليل فإنما ... مفاتيحه البيض الخفاف والصوارم نشرنهم فوق الأحيدب نشرة ... كما نثرت فوق العروس الدراهم تدوس بك الخيل الوكور على الذرا ... وقد كثرت حول الوكور الطاعم تشييع جنازته لما خرجت روحه في الساعة الأولى من صباح اليوم المذكور نعته جرائد المملكة وصحفها وكان لوفاته صدى بعث الحزن والأسى لأنَّه كان ﵀ في مقدمة الرجال العاملين الذين كرسوا جهودهم ووقتهم لبناء هذا البلد فيه عُرف عنه من إخلاص وصدق وتفان لخدمة دينه وبلده وأناب صاحب الجلالة الملك فيصل أخاه وولي عهده خالد بن عبد العزيز بالمشاركة في تشييع جثمانه كما شارك عدد كبير

стр. 1815

من أصحاب السمو الأمراء وكبار المسؤولين من مدنيين وعسكريين ومواطنين من أبناء المنطقة الشرقية وتوافد إلى المنطقة الشرقية عدد كبير من حكام إمارات الخليج العربي وأعيانها من هؤلاء خليفة بن حمد نائب حاكم قطر والشَّيخ خليفة بن سلمان مندوبًا عن سمو حاكم البحرين كما وصل إلى الدمام الشَّيخ راشد بن سلمان مندوبًا عن سمو حاكم البحرين كما وصل إلى الدمام الشَّيخ راشد بن مكتوم حاكم دبي ومن أعيان المواطنين الأمير محمَّد بن عبد العزيز والأمير فهد بن عبد العزيز والأمير متعب بن عبد العزيز والأمير فيصل بن سعد والأمير عبد المحسن بن جلوي والأمير محمَّد بن فهد وجماهير كثيرة من سكان المنطقة الشرقية وكان تشييع جنازته عصر يوم السبت عن عمر يناهز السابعة والستين عامًا ﵀ وأسكنه فسيح جنته. وممن توفي فيها من الأعيان في بريدة إبراهيم بن علي الضبيعي كان من أهل الهيئات البارزة وعضوًا في هيئة النظر في الأراضي ومعروفًا بالعدل والإنصاف يرجع النَّاس إلى رأيه وله تقدم في حل المشكلات لسعة رأيه ورزانة عقله وحرصه على الإصلاح وكان وقورًا محبوبًا عند النَّاس تحبه الأمة وتقدره وهو صهرنا إذ كان زوج إحدى الأخوات ومن أسرة كبيرة في مدينة بريدة ويعتبر رجلًا من الرجال ويتمتع بأدب ويتكسب ويأكل من عمل يده بحيث كان من أهل البيع والشراء ويتعاطى بالتجارة وكانت وفاته في ليلة ٢٥ شوال في الساعة العاشرة والربع بالتوقيت الغروبي ﵀ وعفا عنه عن عمر يناهز الخامسة والسبعين فالله المستعان. وهذه صفته كان ربعة من الرجال مملوء عقلًا من إبهام رجله إلى مفرق رأسه حسن الخلق لا يجد الغضب إليه سبيلًا ولما أن عقد له على الأخت وكان حوالي الدخول عليها أتى إلى الوالد وقال له يا عم كم أتى من أعداد الجنب والرفقة فقال له إن فنا جيلي سبعة فإن جئت بثامن فسيرجع وهذا مبالغة في ترك البذخ والإسراف ﵀ عليهما وفعلًا جاء بأولئك ولما أن طرقوا الباب وفتح لهم

стр. 1816

الوالد إذا معهم زيادة رجل واحد فقال يا عم إن الزائد على العدد فلان فإن شئت فأدخله أو يرجع فضحك الوالد وقال إن فلانًا كقطط مكة لا تأكل الحمام بل يدخل وكنت أثبت بذلك لقياس ما بين ذلك وهذا الزمن الذي حدثت فيه تلك التكاليف. وممن توفي فيها الأخ في الله والمحب فيه الشاب صالح بن سليمان آل سعوي ﵀ وعفا عنه كان مولعًا بطلب العلم وله ميل إلى محبة أهل الدين وتظهر عليه آثار البشاشة والرفق واللين وكان من جملة الذين درسوا علينا وقد افتتح مدرسة للصبيان في جنوبي مدينة بريدة لتعليم القرآن الحكيم وإذا أكمل التلميذ القرآن فإنَّه يزف وهذه الزفة يعملها غالب أولياء الطالب بحيث أنَّه إذا ختم القرآن يقوم والده بوليمة للطلاب فيحضرون كالعادة بملابسهم الجميلة ويكون المزفوف مهيئًا له حصان يركبه أو صندوق يحمله أربعة من الطلاب على رؤوسهم فيتقدمهم يتلو دعاء الختم والطلاب يؤمنون بضجة فإذا ما طافوا به في جميع أسواق المدينة أو غالبها ذكرهوا به إلى بيت أهله الذي أعدت فيه المائدة التي أقيمت من أرز وتمر وقد يكون فيها لحم على حسب القدرة ولا يتأخر أحد من طلاب المدرسة وعلى رأسهم العلم وقد ينذر أولياء التي بذلك فتكون واجبة كما أنَّه يقدم للطلاب الشاي والحلويات إن تيسرت ثم يقدم ولي الصبي مبلغًا من المال للمؤدب وهذه من التقاليد العربيَّة وقد انتهت بانتهاء المدارس الأهلية وكان محبوبًا عند النَّاس وحسن الصوت عند تلاوة القرآن وقراءته بسبل السَّلام للأمير الصنعاني ولد في بلدة المريدسية وانتقل إلى مدينة بريدة بعد ما بلغ رشده وكانت وفاته في آخر نهار ٢٨/ ١١ من هذه السنة عن عمر يناهز الخامسة والأربعين فالله الستعان. وفيها في يوم السبت الموافق ثاني جماد الثَّانية تم توقيع اتفاقية توريد الآلات وتركيبها وتشييد الأعمال المدنية لمشروع مياه الرياض بين وزارة الزراعة والمياه ويمثلها حسن الشادي وشركة يلينين ويمثلها مديرها العام المستر توتو ماكينن وكان عقدها في مدينة جدة وتنص هذه الاتفاقية على استيراد تركيب المعدات الخاصة

стр. 1817

بالمرشحات ووحدات الترسيب ومحطات الضخ والمعدات الكهربائية ومعدات قياس كميات المراد الكيماوية اللازمة لتنفيذ المياه والمتعلقة بمشروع تنقية مياه الرياض كما تنص على القيام بالأعمال المدنية المتعلقة بإنشاء معامل تنقية المياه ومحطات الضخ وتقدر تكاليفه بحوالي خمسة وعشرين مليونًا من الريالات. وفيها أسس المصنع السعودي الحديث للمفروشات وكان يحتوي على مائتي عامل ودوام العمل فيه ثماني ساعات على فترتين ومنتوجاته الكراسي بأنواعها والدواليب وغرف النوم والماصات وغير ذلك ومنتوجاته تستهلك داخل المملكة ولدى أهله فكرة لتصدير المنتوجات للخليج وسير العمل فيه ماشٍ وكان ما يتطلبه إذ ذاك من الخارج ٩٠ % و ١٠ من الداخل وهو لصاحبه محمَّد عبد الرحمن عويمر وشركائه هذا ولا يزال معمل البلاستيك يخرج منتوجاته الجميلة ثم سائر أنواع الأواني وكان سيره يقدم وكل المعملين فيهما نشاط ولدى أصحابهما خبرة ومعرفة. وفيها فتح المعهد العالي للقضاء بمدينة الرياض وذلك في يوم السبت ٩/ ٦ من هذه السنة الموافق ٢٧ سبتمبر (١٩٦٦ هـ). وفيها يوم الأربعاء ٨ جمادى الأولى عقد معاهدة صداقة وتعاون بين المملكة العربيَّة السعودية وتونس. وفيها قتل في أندونيسيا مائة ألف شيوعي وخمسون ألفًا وأربعمائة في أعقاب محاولة الانقلاب الشيوعية الفاشلة. وفيها قامت الحكومة السعودية بإعادة تنظيم شبكة مياه المدينة المنورة وجعل سمو الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز يوالي اهتمامه بمتابعة تنفيذ المشروع وقد اعتمد لهذه المرحلة مبلغ ٢.٤٣٧.٦١٥ وأنشئ خزان كبير فيها وبهذا تتمتع مدينة الرسول بالرفاهية.

стр. 1818

وفي هذه السنة قام مؤلف إنكليزي يدعى في كتابه انتقاص الإسلام ورسوله، سمي كتابه (البطل الشَّاعر) نشره في الهند يتهجم على الإسلام والقرآن وخاتم النبيين وأصبح هذا الكتاب يدرس في إحدى الجامعات الهندية للطلاب المسلمين وغير المسلمين مما كان له موجة استياء عنيفة لدى المسلمين في الهند مما دفعهم إلى رفع مذكرة احتجاج موجهة لرئيسة الوزراء فعياذًا بالله من قلة الدين وعدم المبالاة. وفيها انتهى عمل الخط الذي بين أبها وجيزان بسفلت وبما أنه ربط بين أبها وجيزان والمدن والقرى الواقعة فيما بينهما فإن الأهالي هناك رفعوا إلى صاحب الجلالة فيصل بن عبد العزيز وولي عهده خالد بن عبد العزيز برقيات الشكر والدعاء كما أنَّه تم سفلتة الطَّريق بين الحجاز والرياض ويقترن بهذا خط القصيم فهذا الطَّريق من الطائف إلى نجد غير أنَّه قام بعض المواطنين بعد الشكر والدعاء بأن يكون هذا الطَّريق يتشعب منه شعبة إلى الميقات السيل بصفة وادي المحرم ضيقًا عن حجاج نجد والكويت والعراق وما إلى ذلك وحقًّا إن وادي الحرم لضيق جدًّا وبما أن الله تعالى سهل الحج وأسبابه بما دفع الخليقة إلى أداء هذه الفريضة فإنَّه لا يسع الأمة سوى طريق السيل الكبير فيما أن هذه الحكومة أيدها الله تعالى قامت بأعمال جبارة لراحة حجاج بيت الله الحرام عامة ولراحة الشعب السعودي الذي كان جزء منه يمر مع هذا الطَّريق الضيق الذي كاد أن يفوته الحج بسبب ضيقه فإنَّه ينبغي لفت النظر إلى ذلك. هذا وقد وقعت التباشير بأن حكومة جلالة الملك ستولي هذا الموضوع اهتمامًا. وفيها كثرت الزيارات بين عاهل المملكة السعودية وبين ملوك الدول ورؤسائها فقد قام الملك فيصل بزيارة لأمريكا والحبيب بورقيبة وإيران وغيرها كما قدم لزيارة المملكة وتبادل المحبة ملوك ورؤساء من هؤلاء الرئيس ديوري هاماني ورئيس جمهورية النيجر وغيره ولقد لقي الملك فيصل بن عبد العزيز في زيارته تركيا كل ترحيب وتكريم لا سيما في احتفال مدينة إستانبول حيث التقى برئيس الوزارة والرئيس التركي جودت بينوناي فلقي كل حفاوة وتعظيم.

стр. 1819

وفي هذه السنة والتي قبلها كثرت الإصلاحات في مدينتي بريدة وعنيزة من أعمال القصيم فأضيئت الشوارع الرئيسية بالكهرباء ووسعت فيهما الشوارع وقام قلم المرور في كلتيهما بالتنظيمات كما أن البلديات في بريدة وعنيزة والرس قامت بدورها بأعمالها الموسودة إليها وقامت المدن الأخرى في القصيم كالبكيرية والبدائع ورياض الخبراء بالإضاءة ليلًا وبالتحسينات العامة فمن المشاريع التي قامت في مدينة بريدة هدم شارع الخبيب فيها وأنارته في السنتين المتقدمتين وكذلك توسعة شارع الملك فيصل في بريدة وإنارته وإنشاء أربع حدائق في بريدة وتسويرها وإنارة شارع الصالحية وشارع المستشفى وشوارع أخرى. وفي هذه السنة نزع ملكية شارع الصناعة في بريدة ودراسة تصريف المياه الفيضانية إلى غير ذلك. عواصف شديدة ورياح مزعجة تهب على الشرق الأوسط في آخر هذه السنة في ١٥ ذي الحجة هبت رياح عاصفة شديدة فأغلق مطار عَمان والقدس لشدة الضربة لمدة ثلاث ساعات بعد ظهر يوم الأحد ١٥/ ١٢ وانقطع الاتصال التلفوني بين الأردن وسوريا والعراق بسببها واجتاحت المناطق الشمالية من مصر عاصفة قوية وقد أغلق ميناء الأسكندرية بعد أن بلغ ارتفاع الأمواج ستة أمتار ووصلت مياه البحر إلى الشوارع الرئيسية في المدينة وقالت مصادر دائرة الطيران الأردنية أن عددًا من الطائرات التي كان من المقرر هبوطها في المطار قد جرى تحويلها إلى بيروت، بينما تأخرت عدة طائرات عن موعد إقلاعها المقرر لها لهذا السبب.

стр. 1820

عقوبات للمفسدين وتنكيل بالمخربين والمعتدين قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾. في آخر هذه السنة قامت عصابة من المفسدين في الأرض يفجرون القنابل في مدينة الرياض بعثهم لهذا التخريب رئيس الجمهورية المصرية يدفنون القنابل بالبيوت والمساجد ويفجرونها مما أحدث الخوف والقلق في نفوس الأهالي الآمنين ولما أن جرى هذا الإفساد قامت الحكومة بالبحث والنقاش عن هؤلاء المجرمين حتَّى ألقت القبض عليهم ثم إنَّها قدمتهم أمام المحكمة الشرعيّة في الرياض لترى رأيها فيهم وهذه العصبة هم الذين قاموا بتفجير القنابل في مدينة الرياض هذا بعدما أصدرت وزارة الداخلية بيانًا بتاريخ ٢٨/ ٩ / ١٣٨٦ هـ) عن إلقاء القبض على هؤلاء اليمنيين الذين دربهم حكام مصر في القاهرة وتعز ودفعوا بهم إلى داخل المملكة العربيَّة السعودية لأعمال التخريب ثم أصدرت بيان آخر بتاريخ ٢٤/ ١١ / ١٣٨٦ هـ أوضحت فيه حقيقة هؤلاء المفسدين ومن الذي بعثهم ليعيثوا في المملكة فسادًا ودفعهم لهذه الأعمال التخريبية واستمع المواطنون إلى اعترافاتهم الخطيرة وما فعلوه ولما أن قدموا إلى المحكمة الشرعيّة الكبرى أمام أصحاب الفضيلة القضاة الشَّيخ صالح بن محمَّد لحيران رئيس المحكمة الكبرى والشَّيخ محمَّد البدر مساعد رئيس المحكمة والشَّيخ عبد الرحمن بن عتبو القاضي بالمحكمة الكبرى بالرِّياض اعترفوا جميعًا بما قاموا به من تخريب اعترافات كاملة واضحة صريحة فصدر الحكم الشرعي بموجب الصك الصادر من المحمكة الكبرى بالرِّياض برقم

стр. 1821

٩٥/ ١ تاريخ ١/ ١٢ / ١٣٨٦ هـ بقتلهم والتشهير بجميع وسائل التشهير بقتلهم وهؤلاء هم عبده ناجي البدع ومحمد صالح البيضاني وناجي عبد الرحمن الغزالي وصالح أحمد حسن الجعفري ومحمد مصلح أتم البدوي الملقب دنيش وحزام أحمد الشجاع ومحمد علي حسن القماري ومحمد خالد البارع وعبد الله بن أحمد علي الحضوري وعبد الكريم بن محمَّد الربيعي ومحمد ناجي صالح البارع وحسين صالح أبو غوالة رئيس عصابة التخريب بنجران وحسين حسن قدري ومحمد عبد الله عريض وعلي جار الله اليماني وأحمد محمَّد الحريسي وأحمد صالح الخيامي الملقب أبي حسن وبعد أن استمع القضاة إلى اعترافاتهم الصريحة بقدومهم من أجل نسف المنشآت وقتل الأنفس وأنَّه لولا القبض عليهم لنفذوا ما قصدوا أنهم عازمون على التنفيذ والعودة إلى بلادهم وقد أيدت أحكام التنفيذ لعقوبتهم من صاحب السماحة مفتي المملكة العربية السعودية الشَّيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشَّيخ بموجب خطاب سماحته رقم ٧٧٧١/ ٨٧ / ١ وتاريخ ٣/ ١٢ / ١٣٨٦ هـ وجرى تنفيذها بإعدام من صدر الحكم بإعدامه هذا اليوم الوافق ٦/ ١٢ / ١٣٨٦ هـ في ساحة العدل وأمام قصر الحكم بمدينة الرياض فأعدموا بالسيف أمام عشرات الألوف من المسلمين وحصل التشهير بقتلهم ففي ذلك اليوم لمع سيف الأمن لمعات سبع عشرة مرَّة أطاحت سبعة عشر رأسًا أما البقية من المخربين والمفسدين فقضي عليهم بالسجن ست سنوات ومنهم من سيقدمون للمحكمة الشرعيّة لتقرير ما تراه بشأنهم. ومن العجائب أن رئيس عصابة التخريب المدعو عبده ناجي البدع كان آخر كلمة قالها أنتم ما قتلتمونا الذي قتلنا عبد الناصر إثمنا في رقبته وجعل يشتمه وكانت الحكومة السعودية لا تزال تذكّر أياديها على جمال وإحسانها إليه وذلك لما ضرب المعتدون إذاعته وآخر سوها عن البث فقام يستجدي منها المعونة والمساعدة وكذلك لما أوت طائراته في مطاراتها وتحملت المخاطرة والنتائج المترتبة على هذا الإيواء إلى غير ذلك من كمال إحسانها إليه فكانت المكافئة منه على هذا الإيواء إلى غير ذلك من كمال إحسانها إليه فكانت المكافئة منه على هذا المعروف والإحسان بعثه عصابة للتخريب والإفساد في عواصمها وبلدانها.

стр. 1822

ثم دخلت سنة (١٣٨٧ ه ـ) استهلت هذه السنة والعاهل السعودي فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية الذي كان سرطان العدو وريحانة الصديق يكابد تدابير المملكة ويحميها من شامها إلى يمنها ومن البحر الأحمر إلى خليج العرب برأي سديد وحنكة ذي تجارب ولقد أحسن الشَّاعر حيث يقول في الرأي والسياسة: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثَّاني فإذا هما اجتمعا لنفس مرَّة ... بلغت من العلياء كل مكاني ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان وكانت حيله في مخاتلة الأعداء والقضاء عليهم مضرب الأمثال ربما أن مراجل الفتن في هذه السنة تغلي وأمواجها تلتطم فإنَّه لم يصده ذلك من أن يسير بالمملكة قدمًا وتتمشى المشاريع بنشاط كما قدمنا ولقد قام بكلِّ ما لديه من الاستطاعة في تأمين الشعب وفتح معاهد النور للعميان وإيجاد الضَّمان الاجتماعي والإصلاحات العظيمة والدفاع عن المملكة والشعب سالكًا طريقة آبائه وأجداده الغر الميامين في تحكيم الشريعة والتحاكم إليها وكان باقعة في الدهاء والمقدرة والسياسة ويكفيك أنَّه أديب ناقد عبقري واستعمل ضروبًا من الحزم والسياسة في مصادمة اعتداءات المعتدين على نجران ما حير به العقول وذهب المعتدون ما بين قتيل وأسير وشريد يجرون ذيل الهزيمة والفشل وهكذا يكون الرجال الأبطال الذين جمعوا صفات الولاية ومؤهلاتها من سياسة وذكاء وفطنة وحزم ومقدرة. ذكر ما جرى فيها من الحوادث ففي يوم الاثنين ٨ محرم سقطت ثلوج في حوالي الموضع المعروف بالنقرة بطريقة المدينة المنورة بينها وبين القصيم وكان سقوطه أمرًا عجيبًا بحيث نزل وجعل ينبغي بناية متراكمة حتَّى بلغ ارتفاعه قريبًا من خمسة أمتار وقتل نساء ثلاثًا وأولادها

стр. 1823

وثلاثة رجال وثماني رعايا من القتم وامتد على مساحة أرض لا تقل عن خمس كيلوات ولبث خمسة أيَّام لم يذب والله على كل شيء قدير ولا قوة إلَّا بالله. حرب بن العرب وإسرائيل لما كان في يوم الاثنين ٢٧/ ٢ الموافق ٥ يونيو حزيران (١٩٦٧ هـ) ثارت الحرب بين العرب وإسرائيل وسبب ذلك أنَّه لما هزم العرب منذ عشرين سنة في الحرب المتقدمة بينهم وبين اليهود إسرائيل كانوا منذ انهزامهم في سنة (١٣٦٨ هـ) يعدون العدة والكيد لليهود ولما أن حقق جمال عبد الناصر جلاء اليهود من غزة وأغلق خليج العقبة علمت العرب بحقيقة الأمر وما سينجم عن ذلك من البلاء والحروب فرابطوا في الجبهة وهذه الدول هي السعودية والعراق والأردن ومصر وسوريا، ولما أن كان في اليوم المذكور أطارت اليهود أربعمائة طائرة فضربت مصر والجباه المرابطة حوالي تل أبيب فنشبت الحرب واشتبكت العرب مع إسرائيل بحرب دامية وكانت الحالة حرجة جدًّا وأصيبت مصر بأن شنت عليها اليهود غاراتها الجوية وضربت في مصر سبعة عشر مطارًا ودمرتها تدميرًا واستولت على سبعمائة وخمسين دبابة مصرية منها مائة دبابة صالحة للعمل وقتلت خمسة عشر ألفًا وجرح سبعة آلاف وأسر ثلاثة آلاف من الجنود المصرية وأسباب ذلك سوء التدابير من مصر لعدم التخطيط لخوض هذه الحرب فإن مثل هذا القتال يحتاج إلى تخطيط وهنا أمور سياسية تعمل في الخفاء من وراء الستار هذه هي حرب يونيو خامس حزيران التي عادت على العرب بالفشل والنكسة التي خسروا من أجلها صحراء سيناء والضفة الغربية والمسجد الأقصى، وقد أصيب الأردن بقصف الطائرات الإسرائيلية لأنَّه أصيب بغارتين إسرائيلية يوم الاثنين ٢٧/ ٢ / ١٣٨٧ هـ، فاستولت على جزء كبير منه وهو القدس وضربت الصخرة وجعلت تهدد وتوعد. ولما كان في يوم الجمعة ثاني ربيع الأوَّل ضربت إسرائيل قناة السويس وأصيبت مصر بضربة ساحقة ماحقة من غارات اليهود عليها وتعطلت الملاحة في

стр. 1824

القناة وأصبحت العرب بحالة يرثى لها وقد يحسن الاستشهاد في حق الرئيس جمال عبد الناصر وضربه لليمن وتقتيل أهاليه بأبيات قيلت في أبي مسلم الخراساني والأمثال تضرب للنَّاس: زعمت أن الدين لا يقتضي ... فاستوفِ بالكيل أبا مجرم سقيت كأسًا كنت تشربها ... أمر في الحلق من العلقم ذنوب تحيط بأهلها وعقوبات عاجلة لما قتل العالم "سيد قطب" في العام الماضي وهو يفسر القرآن وقتل إخوانه المسلمون بعد ما عذبوا بأنواع التعذيب ولم ترع تلك الأيادي التي عذبتهم سطوة خالق ولا مخلوق فقتل الأبرياء في اليمن بعد ما أوذوا في عقر دارهم وهتكت محارمهم فقد قتل من أهل اليمن مائتان وخمسون ألفًا وهلك ثلاثون ألفًا من الجيش المصري على حساب الحرب التي شنها الرئيس المصري بلا ناقة له فيها ولا جمل لم يمر بعد قتل العالم قطب تسعة أشهر ونصف شهر حتَّى أنزل الله على مصر بأسه ولما نزل بمصر من أمر الله ما لا يطاق أرغم الرئيس جمال على التنازل عن العرش فقرر تنازله عن الرئاسة وذلك في الساعة السابعة مساء بالزوال الموافق للساعة الواحدة ليلًا يوافق مساء يوم الجمعة ٢/ ٣ ويذكر أنَّه قد تنازل صباحًا وسجل ذلك فلم يذع إلَّا في هذا الوقت وقد قيل أنَّه أراد الفرار إلى مكان غير معلوم هذا وقد تخاذل بعض العرب مثل الأردن والعراق وسوريا لهذا النبأ وضعف شأن هذا الجهاد لأنَّه هو الذي قام بأعباء هذه الحرب وهو سببها ومن أسباب تنازله فشله بأن خسر هذه الحرب واستقالة عبد الحكيم عامر أكبر مسؤول بعد الرئيس وقائد القوات المصرية غير أن الله تعالى لم يقدر ذلك فقد تعلقت به العراق وبعض الموالين له فراجع الرئاسة تحت الضغط ذلك بأنهم قالوا لا تتخلى وأنت السبب فيما أصيبت به مصر فإما نجاحًا أو تهلك في هذا السبيل وكان ذلك يوم السبت الموافق ثالث ربيع الأوَّل (١٣٨٧ هـ) ولما تقدمت إسرائيل لم تجد أمامها أحدًا واستهدفت سوريا لأنها توحدت في الجبهة أمام اليهود وأصيب العرب بضربات شديدة لا

стр. 1825

يصلحها إلَّا وقت طويل وكان السبب في ضعف بقية العرب وفشلهم لما رأوا بأنهم يقاتلون أمريكا وفرنسا لتوفر إمداداتها لليهود بالطائرات التي بلغ عدتها حوالي ألف طائرة وقد تمكن العرب من أن يسقطوا منها مائة وخمسًا وسبعين طائرة في هذه الحرب ولما أن انتصرت اليهود جعلت تهدد العرب بتهديدات عنيفة واتخذت من إذاعات القاهرة وأنبائها سخرية بمصر ورئيسها فاضطر مجلس الأمن إلى التدخل في وقف القتال فتوقف إطلاق النَّار بعدما أصيب العرب وقد طلب مجلس الأمن العرب وإسرائيل إيقاف إطلاق النَّار ستة أيَّام ريثما يسعى لحل الوضع في هذه الظروف فتوقف إطلاق النَّار من بين الفريقين في يوم السبت المذكور ولما أن نكبت الأردن هذه النكبة وخسرت جزءًا من ممتلكاتها ولجأ مائة ألف شريد تحت الحضائر والخيام بعد الأسرّة والمبارك قامت الأمة العربيَّة لما أزعجها ذلك العدوان الصهيوني بجمع التبرعات فتبرع كل موظف في السعودية بربع راتبه الشهري للأردن واللاجئين هناك؟ تراجع العرب إلى جبهة القتال لما انهزم العرب في حرب يونيو من هذه السنة بعدما أبدوا بسالة وشجاعة بحيث أن مدفعًا من مدافع الهاون في جيش السعودية لما أطلق شال عمارة إسرائيلية أمامه وزحفت ستة أمتار ثم سقطت وشوهد من العرب إقدام وحماسة وبسالة غير أن الله تعالى قضى في آخر الأمر بالانهزام فإنَّه ما كاد أن تضع الأمة السلاح حتَّى تراجع العرب إلى الجبهة وتبرعت السعودية للأردن بمائة وعشرين مليونًا وذلك إجابة لنداء عاهل السعودية حينما وجه النداء لشعبه بذلك، ذلك بأنه لما هاجمت إسرائيل بمساندة أذنابها وشنتها حربًا على الدول العربيَّة في عقر دارها وحطمت المطارات والسلاح الجوي بحيث شلت الحركة الإيجابية لذلك السلاح وأمطرت عليه وابلًا من قنابلها المحرقة بحيث دمرتها تدميرًا فلا ينسى العرب خيانة روسيا بحيث كانوا ينتظرون نصرتها فإذا هي تقف وقفة التفرج على هذه الحرب وقد أشارت بعض الصحف إلى التعاون الخفي بين الاتحاد السوفيتي وبين الولايات
следующие страницы →