← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... ولت عجوزًا غير ذات حليل شمطاء ينكر لونها وتغيرت ... مكروهة للشم والتقبيل ومما يؤسَف له أن رافع راية التضامن الإسلامي وقائد العروبة وابن بجدتها وجديلها المحكك وغديقها الموجب قد حان وقت غروب شمسه، فما هي إلا أشهر قليلة فتصاب الأمة الإسلامية والعربية والعالية بفقده، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومما قيل في الأمثال: يا لك من قنبرة بمعمر ... خلى لك الجو فبيضي واصفري قد رفع الفخ فماذا تحذري ... ونقري ما شئت أن تنقري قد ذهب الصياد عنك فأبشري ... لا بد من أخذك يومًا فاحذري وفيها جرى تنفيذ المرسوم الملكي رقم م / ١٣ بتاريخ ٢٣/ ٤ / ٩١ هـ بإجراء إحصاء لسكان المملكة خلال ٤ سنوات من تاريخه وتقرير تنفيذه في أواخر شعبان فأعدت مصلحة الإحصاءات العامة العدة لتجنيد عدد كبير من الباحثين من مدرسين وطلبة جامعيين يبلغ عددهم في حدود عشرة آلاف ينتشرون في جميع أنحاء المملكة، يوكل إليهم ذلك ابتداءً من ٢٣/ ٨ من هذه السنة أي خلال ثمانية أيام وبذلت أسباب للتوصل إلى هذا الغرض حتى أعلن لجميع الموظفين في الدولة بأن ينتظروا المندوب إلى بيوتهم في ٢٨ و ٢٩ شعبان، وقد جاء هذا المشروع في سبع مواد جاء في الرابعة منها أنه يحظر على كل شخص تعويق المسؤولين عن التعداد عن أداء مهمتهم أو منعهم من وضع أية علامات أو أرقام على أبواب وجدران المساكن .. الخ. ولكنه فيما يظهر قد فشل الإحصاء لترامي أطراف المملكة وانتشار السكان ولا سيما البادية، وكان ذلك عملًا شاقًّا. وفيها في آخر يوم الجمعة في الساعة الحادية عشرة غروبي من ٦/ ٣ نشأت سحب سوداء كثيفة من الغرب، فلما أن انتشرت إلى الشرق هبت رياح شمالية

стр. 2067

شرقية فأصيبت نفس مدينة بريدة ببرد عظيم بقدر بيض الدجاج، واستمر نزوله عشرين دقيقة وقد أثر البرَد على بعض السيارات بحيث تهشمت وكسر البرَد ما مرّ عليه من الزجاج، غير أن الله دافع عن الأنفس البشرية وكانت الجهة الجنوبية على بُعد مسافة ثلاث كيلوات لم يعلموا بذلك. حادثة غريبة وجد في إحدى مزارع قرية القصيعة حبة طماطم مكتوبًا عليها بقلم القدرة بخط كوفي واضح (حمدًا لله) والكتاب بماء الذهب داخل القشرة، وقال صاحب الكزرعة صالح البريدي أنه وجد هذه الحبة عندما كان يقتطف من الأشجار فتناولها وقد نشرت ذلك جريدة الجزيرة في عددها ١٠٣٧ تاريخ ٨/ ١٠ / ١٣٩٤ هـ) وتشبه هذه الحادثة ما وجد في خب رواق من ضواحي مدينة بريدة في الجهة الجنوبية ورقة حنطة خضراء مكتوبًا فيها هذه العبارة (الرب لكم كالوالدة) ناولنيها الزاهد محمد بن صالح الرشودي صاحب الزرعة وكانت بقلم النسخ وقد احتفظت بهذه الورقة إلى كتابة هذه الأحرف، ولبثت عندي محتفظًا بها عشر سنين وكان وجودها في عام (١٣٨٨ هـ)، أما عن الأولى فقد سألت البريدي فأخبرني أنه وجدها بنفسه وأنه قرأها هو وأولاده ونشروها وفي هذا تذكرة من الله بنعمه التي يجب شكره عليها، وإذا تظهر الآيات والخوارق فهي مذكرة بعظمة هذا الرب العظيم، ومما أنشده بعضهم مذكرًا بقدرة الله تعالى: قل للطبيب تخطفته يد الردى ... يا شافي الأمراض من أرداكا قل للمريض نجا وعوفي بعدما ... عجزت فنون الطب من عافاكا قل للصحيح يموت لا من علة ... من بالمنايا يا صحيح دهاكا قل للبصير وكان يحذر حفرة ... فهوى بها من ذا الذي أهواكا بل سائل الأعمى خطا بين الزحا ... م بلا اصطدام من يقود خطاكا قل للجنين يعيش معزولًا بلا ... راع ومرعى ما الذي أبكاكا

стр. 2068

وإذا ترى الثعبان ينفث سمه ... فاسأله من ذا بالسموم حشاكا واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو ... تحيا وهذا السم يملأ فاكا واسأل بطون النحل كيف تقاطرت ... شهدًا وقل للشهد من حلاكا بل سائل اللبن المصفى كان بين ... دم وفرث ما الذي صفاكا وفيها أمر الملك فيصل بزيادة رواتب ومكافآت لأئمة المساجد ومؤذنيها والخدم بنسبة ٥٠% وقد كثرت المساجد في المملكة السعودية وامتلأت، كما أن السكان كثر عددهم فكان من حدود اليمن إلى حدود الشام ومن البحر الأحمر غربًا إلى الخليج العربي شرقًا يتمتعون برغد في العيش وسعة في الرزق ولديهم ثروة في المال عظيمة وأنه يجب شكر الله على نعمه بحيث كانت الأمم الأخرى يتناحرون ويتقاتلون ويتمتعون بضنك المعيشة وما هم فيه من المخاوف والفيضانات، فهذه بلاد بنجلادش المنفصلة عن حكومة باكستان وحاكمها مجيب الرحمن ابتلاها الله بفيضانات عظيمة أهلكت النفوس والأموال وكانت نتائج تلك الفيضانات خسائر أسفرت عن حوالي ٤٥٥ مليون دولار و ٣٤٠٠٠٠٠ هكتار من الحقول قد اجتاحت مياه الفيضانات كما دمرت ١٥٠٠٠٠ مسكن و ١٤٠٠ مركز تعليم ودمرت أيضًا ٥٤٠٠ كيلو متر من الطرق البرية فاضطرت الحكومات لإسعافها وإنقاذها وقامت الحكومة السعودية بمساعدتها بعشرة ملايين وكان وقوع الكارثة في أواخر شهر رجب من هذه السنة، كما أنه في أوائل شهر شعبان ابتلى الله برما بفيضانات عظيمة كان ضحيتها مليون ونصف من الخسائر المادية. وفيها خلع رئيس الحبشة هيلا سيلاسي وكان قد كبر بحيث يناهز الثمانين من العمر، وكان مشهورًا بشدة العسف والتعذيب ولا سيما للمسلمين هناك، فقد سنّ تشريعات لإذلال المسلمين لما استلم السلطة وأصبح إمبراطور الحبشة فيها أن على المسلمين أن يركعوا لموظفي الدولة وألا يقتلوا وأمر أن تستباح دماؤهم لأقل سبب ومن لم يخضع لأوامره من المسلمين فإنه يأمر زبانيته بالقبض على أطفالهم ونسائهم وشيوخهم فيجمعون في أكواخ من الحشيش والقصب ويصب عليهم البنزين

стр. 2069

ويحرقون، وكان يعذب المسلمين عذابًا رهيبًا قبل قتلهم من التعذيب إطفاء السجاير في أعينهم وآذانهم وهتك أعراض بناتهم وزوجاتهم وأخواتهم أمام أعينهم ودق خصيتي الرجل بأعقاب البنادق وجرّه على الأسلاك الشائكة حتى يتمزق وإلقاء المعذَّب جريحًا لتأكله الحيوانات الجارحة بعد أن يربط بالسلاسل حتى لا يقاوم، وأمر بإغلاق مدارس المسلمين وأمر بفتح مدارس مسيحية وأجبر المسلمين على إدخال أبنائهم فيها ليصبحوا مسيحيين وعين حكامًا فجرَة تصادر ٩٠% من أراضي المسلمين ونهب جميع ممتلكات الفلاحين المسلمين وأصدر أمرًا أن لا يقطف الفلاحون ثمار أراضيهم إلا بعد موافقته، وكان لا يسمح بقطافها إلا بعد أن تتلف إلى غير ذلك من أذيته للمسلمين، وفي هذه السنة يخلع ويطرد وقد جزع لخلعه جزعًا شديدًا وأمسك عن الطعام والشراب وأودع المستشفى لذلك. وفيها في ربيع الثاني قامت الحكومة السعودية بأعمال شاقة في إصلاحات شتى في مكة المكرمة وذلك بأن أحضرت المعدات الضخمة لهد جبال في مِنى لتوسعتها للحجاج من دركتورات وجرافات كهربائية للجبال وغير ذلك من شتى القطع الحديثة وقام العمال يباشرون تسليطها على الجبال فصدعتها بالديناميت وأحضرت لذلك السيارات الضخمة لحمل الصخور بعد تكسيرها وإخراجها من مِنى كما أن الحكومة هدت الجهة الشرقية من مسجد الخيف في مِنى وهدّ موضع خيمة الرسول الذي أقامته الدولة العثمانية هناك كتذكار وشرعت الحكومة في بنايته على الطراز الحديث بعدما قومت تكاليفه بسبعة ملايين ريال، كما أن مسجد المشعر الحرام هدت بنايته الأولى، وفي ٥/ ٥ من هذه السنة أخذ العمال في عمارته عمارة ممتازة بقواعد مربعة الشكل، وقد رأيت العمال في ١٥ شوال قد فرغوا من الطابق الأسفل منه ورصد له سبعة ملايين ولا تزال العمارة جادة للمكتبة غربي الحرم المكي التي أقيمت من ست طوابق وهي مكتبة الحرم الشريف عوضًا عن المكتبة الأولى التي شملها الهد لتوسعة المسجد وقد نقلت مؤقتًا إلى بيت الوزير سابقًا في جرول كما أن جلالة الملك فيصل أمر بتوسعة الكوبري المرادف للمسجد الحرام في

стр. 2070

جهة الجنوب من ستة أمتار إلى اثني عشر مترًا، وقد قومت التكاليف لهذه التوسعة باثني عشر مليونًا، وشقت طرق في جبال مِنى وأقيمت جسور فيه أيضًا، وأقيمت شوارع في عرفات لتتصل بمزدلفة كما اتصلت مزدلفة بمنى بالإسفلت وأقيمت أعلام بحدود عرفات فاصلة لها عن بطن عرنة، وذلك بجعل لجنة من العلماء وأهل الخبرة وقد ازدحم العمل لمضايقة الموسم فكان العمال يعملون بمواصلة الليل بالنهار. التعويضات قد قومت التعويضات بقدر ٢٢٢ مليونًا، وأعلنت عنها وزارة المواصلات كما أن من تلك المشاريع طريق دائري حول الحرم الشريف بمكة المكرمة، يبدأ من طريق أجياد ومحبس الجن حتى شارع العزيزية تبلغ تكاليف ٣٢٠ مليونًا، وقد اخترقت الطرق جبالًا بين مكة ومِنى وعرفات بلغت تكاليفها ٤٧ مليونًا، وأنشأت مواقف للسيارات حوالي الحرم الشريف وحوالي مِنى، ومنها طريق الجحفة وطريق الجعرانة وغيرها. سحب المياه لمدينة الطائف صدر مشروع سحب المياه من تربة إلى الطائف، وكانت المسافة بعيدة واستخدمت لذلك الحفارات الحديثة تواصل الليل بالنهار، وكان المشقوق مباريًا لخط الإسفلت إلى الجهة الجنوبية، كما أن خط التلفون إلى الجهة الأخرى بمشقوق من الأرض وقد انفصل خط من طريق الطائف إلى قرن المنازل الميقات المشهور بالسيل ليكون أوسع وأيسر من طريق كراء وما يعانيه الحجاج من وادي المحرم لأنه يضيق بالحجاج. عجائب الشفاء من عجائب قدرة الله تعالى برد الطايف وما حواليه من المرتفعات، فقد كان مصيَفًا لأهل مكة المشرفة وبكثرة السيارات ودخانها وما استعملت الأمة من

стр. 2071

المكائن والديتموات والمواطير وطرق الأسفلت فقد أثرت على برد الطائف، أما عن الشفاء فبرده في فصل الصيف واشتداد الحر من العجائب، فلقد خرج بنا أحد الأحبة للنزهة من مكة إلى الشفاء في نوء تموز حيث تقول العامة عنه إذا طلع تموز سخن الماء في كل كوز، فلما تجاوزنا مدينة الطائف حيث مر بنا على مسكنهم وأخذ ما يصلحنا استصحب نصف كيس من الفحم وحمله في السيارة فعجبت من وقود في ذلك الحر فقد كانت حمله فيما يبدو كالعبث، ولما أن وصلنا إلى ذلك الموضع وغابت الشمس أصابنا برد شديد لولا ذلك الفحم الذي جعلنا نصطلي على ناره لما تمكنا من الجلوس والراحة والطمأنينة لشدة البرد الذي كانت ترعد من الرفقة فرائصهم. وأذكر أنه دعانا فضيلة الشيخ سليمان بن عبيد بن سلمي حال كونه رئيس المحاكم الشرعية في مكة المكرمة إلى مأدبة الغداء في بيته الكائن بالشفاء في الطائف، وكنا إذ ذاك في أوائل شهر آب الذي تقول عنه العامة إذا طلع آب اطرق المسمار بالباب، خرجنا في صحبته لما فرغ الدوام، فلما أن وصلنا إلى بيته الكائن بالشفا أجلسنا في العريش المكشوف على العمد، فلم نتمكن من شدة البرد ولم نطمئن إلى ذلك المجلس الذي كانت فرائص الحاضرين ترعد من شدة برده، حتى إذا دخلنا إلى المجلس وأغلقنا الباب لذلك وكانت تلك الدعوة على أثر ليلة ذلك اليوم التي دعانا فيها لمأدبة العشاء فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد المشرف إذ ذاك على الأعمال الدينية في الحرمين، فلم نتأثر لبرد ذلك الموضع الذي يبعد عن الطائف شرقًا بسبعين كيلو مترًا. زيارة الملك لمصر والاحتفال هناك لما كان في ١١ رجب من هذه السنة قام الملك فيصل بن عبد العزيز بزيارة رسمية لمصر حسب رغبة الرئيس محمد أنور السادات فأصدر إلى ولي العهد هذا القرار: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الرقم ٩/ ١١٩ التاريخ ١٠/ ١١ / ١٣٩٤ هـ

стр. 2072

حضرة صاحب السمو الملكي الأخ الأمير خالد بن عبد العزيز ولي العهد حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، فنظرًا لعزمنا على السفر إلى القاهرة يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر رجب عام (١٣٩٤ هـ) الموافق لليوم الثلاثين من شهر تموز عام (١٩٧٤ م)، وذلك للقيام بزيارة رسمية لجمهورية مصر العربية تلبية للدعوة التي تلقيناها من فخامة الأخ أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربية، لذا فإننا نعهد إلى سموكم رعاية مصالح الشعب وتصريف أمور الدولة خلال فترة غيابنا عن المملكة سائلين الله أن يمدكم بعونه وتوفيقه والسلام)، التوقيع- فيصل، ولما أن قدم إلى مصر استقبل استقبالًا حافلًا هناك ونقلت وكالة الأنباء مظاهر الاهتمام الذي أبدته الدوائر الصحفية العربية حول زيارة العاهل السعودي وقالت صحيفة الأخبار أن المحادثات بين فيصل والسادات ستكون ذات أهمية وميزة خاصة بالنظر لأنها تأتي في وقت تشدد فيه الكثير من الأطراف في العالم العربي .. الخ وأذاعت الصحيفة أن المحادثات بين جلالة الملك فيصل والرئيس السادات التي ستعزز العلاقات بين مصر والمملكة العربية السعودية وأشادت صحيفة الأهرام في عناوينها الرئيسية إلى المحادثات الهامة التي سيجريها الزعيمان الكبيران وفي مقدمتها الموقف العربي الراهن والتعاون الاقتصادي بين البلدين، وقالت صحيفة الجمهورية أن زيارة جلالة الملك فيصل تلقى من الشعب المصري المسلم كل الاهتمام لمواقف جلالته المشرفة وأكدت صحيفة لبنان وأشادت بالدور الفعال، ووصفت صحيفة النهار زيارة جلالة الملك فيصل لمصر بأنها تتويج مشترك للفيصل والسادات، وقالت صحيفة الأنوار أن مصر تستقبل اليوم جلالة الملك فيصل بأفضل ما يمكن أن تستقبل به قائدًا عربيًّا من محبة واعتزاز وتقدير، وتكلمت صحيفة صوت العروبة وصحيفة الشعب عن فائدة هذه الزيارة وثمرتها. وفيها في يوم السبت ١٤/ ١٢ أصيبت الباكستان بزلزال عظيم هلك سببه خمسة آلاف شخص وجرح خمسة عشر ألف شخص، ولا تزال الضحايا والرزايا من جراء تلك الزلازل تتضخم، وجرت مضرة على أكثر من مائة ألف ساكن.

стр. 2073

تنبيه: قد أشرنا فيما تقدم عن الحرب والثورات في قبرص وذهب ضحيتها مئات الأسر المسلمة في جزيرة قبرص، ونشير إلى هنا إلى أنها مؤامرة تحاك ضد المسلمين في قبرص ويدل على ذلك المذابح التي ارتكبتها العناصر الحاقدة ضد المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ، وقد أسرت تركيا من اليونان الكائنين في قبرص ٧٨٣ أسيرًا ونقلتهم إلى تركيا واستمرت الأحوال هائجة مائجة وكان بعد أن أطاح العسكريون بالأسقف مكاريوس في قبرص تخلص الاستعماريون من آخر زعيم في منطقة الشرق الأوسط قد ناضل ضد النفوذ الأجنبي، ووصل ببلاده بعد كفاح طويل إلى شاطئ الحرية، والسيادة والاستقلال فيما ذكرت عنه إحدى الجرائد اللبنانية، وكان قد نفي إلى جزيرة سيشل من قبل المستعمرين البريطانيين، كما نفى قبله سعد زغلول إلى الجزيرة نفسها، ولاقى من الاضطهاد والمطاردة والمكايدة ما لقيه رجال التحرير في مصر والكتليون في سوريا والسنوسيون في طرابلس الغرب وناله أخيرًا من العسكريين ما نال جميع قادة العرب الذين جلبوا إلى بلادهم الاستقلال والازدهار وتصدوا للصهيونية والاستعمار. وفيها قامت الحكومة السعودية بنشر العلم والثقافة في اليمن ورأت مساعدة الحكومة اليمنية بجلب ثلاثمائة مدرس مصري وخمسين مدرسًا سعوديًّا بالإضافة إلى ثلاثة وعشرين مدرسًا قبل هذه السنة، وقامت بجميع مرتباتهم وميانتهم وكان لهذه اللفتة عظيم مشجع للتعليم في الشعب اليمنى الذي طالما كان أبناؤه يعيشون في الجهل والجفاء ويضجون مما هم فيه من عدم التعليم، ولقد كان أبناء اليمن حال إقامتهم في السعودية يزاولون أعمالهم في النهار لطلب الرزق وفي الليل وأوقات الفراغ كانوا يدرسون بالمدارس الليلية ويغتنمون الفرص لأخذ نصيبهم من الدراسة. وفيها صدرت الإرادة الملكية بتحويط المقابر صيانة لرمم الموتى فأقيمت الحيطان بالقواعد المسلحة والطوب، فعم ذلك المقبرتين الشرقيتين في مدينة بريدة والمقبرتين الجنوبيتين والمقبرة القديمة التي في وسط البلد كما أحيطت المقابر كذلك

стр. 2074

في الموطأ وقد رصد للمقابر في مدينة بريدة خمسمائة ألف ريال، وكانت الأخيرة منها قد حامت حول وضعها الآراء لاندراسها ومضي حقبة من الزمن عليها وذلك لجعل موضعها حديقة، لأنه لا يعرف فيها قبور، ولكونها أصبحت مزبلة يوضع فيها القمام غير أن بعض المنازعين رأى بقاءها على وضعها لتضمن ما فيها. أبشع مجزرة بشرية في القرن الرابع عشر رجال يقومون في الصومال ينهون عن تغيير الشريعة فيحرقون بالنار في ميدان عام وتستأصل بقيتهم بالشنق على الأشجار وينادى لا إسلام بعد اليوم، بعث رئيس الجامعة الإسلامية فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ببرقية إلى رئيس حكومة الصومال لما علق أولياء الله بأعناقهم في جذوع الشجر ليلفظوا أواخر أنفاسهم، في هذه الحالة الشنيعة يقول فيها مخاطبًا للرئيس: اتق الله ولا تعذب المسلمين وخوّفه بقدرة الله الذي لا يفوته هارب ولا يعاجزه مغالب وأن الله من فوق الجميع. ونحن نسوق ما جرى في الصومال فنقول هتف الماركسيون في الصومال أثناء زيارة بود غوتي للصومال لا إسلام بعد اليوم وهو هتاف رددوه من قبل في السودان واليمن الديمقراطية بل في اليمن الشمالي إبان الفتنة الأخيرة، وأقدم النظام الانقلابي في الصومال على إلغاء الشريعة الطهرة الإسلامية بأن جعلوا للمرأة مثل حظ الذكر في الإرث وألغوا آية الطلاق فقرر النظام ألا طلاق أبدًا وألغى تعدد الزوجات وعارضوا قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ (٣)﴾ وبما أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وأي معصية وأي ردة أعظم من إلغاء آيات من القرآن، فقد وقف السلمون يرفضون هذه الردة ويطالبون بالإبقاء على شريعة الإسلام، وخطب أحد أئمة المساجد ينكر هذه الردة ويذكر المسلمين بضرورة التمسك بشريعة الله ويتلو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ

стр. 2075

مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ وهبّ أكثر من داعية يعبر عن عقيدته ويصور مشاعر المسلمين الصوماليين تجاه محاولات إلغاء الشريعة الإسلامية، فألقى النظام الانقلابي القبض على هؤلاء الدعاة، ثم حُرِّقوا بالنار وعشرات حكم عليهم بالسجن مددًا تجاوزت كل خيال، وفي وجه هذه الردة وقف المسلمون في الصومال فكان مصيرهم القتل بأشنع القتلات وهو التحريق بالنار وتعليقهم بأعناقهم وقتلهم بالشنق، فيا لهذه الحالة النكرى وكيف توصلت الأمور إلى هذه الأفعال الشنيعة التي لا يقرها الإسلام ولا العرف ولا الطبيعة، رجال يدافعون عن شريعة الإسلام فيحرقون بالنار، رجالًا قالوا ربنا الله وشريعتنا الإسلام واستقاموا فيعاملون تلك المعاملة ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ ومحى الانقلاب اللغة العربية واستبدلها في النطق والكتابة باللغة اللاتنيية، وأطالت جريدة المجتمع واستنهضت الأمة الإسلامية بأن لا مبرر للمجاملات وأنه يجب على المسلمين في كل أرض بأن يقفوا وقفة رجل واحد من أجل إنقاذ الإسلام والمسلمين من هذه الورطة، ثم كلفت الأمة رابطة العالم الإسلامي أن تتصل بكافة المنظمات المشتركة الإسلامية فورًا وتدعوها لعمل جاد مؤثر وفعّال لهذه الأوضاع في الصومال. اضطهاد المسلمين في زنجبار قام تيريري يلعب دورًا خطيرًا في أفريقيا ولاقى الدعاة إلى الله منه أشد الأذى وأنواع العذاب والتنكيل والتشريد، ومن الذين طردوا خارج البلاد قاضي القضاة هناك، وصدر الحكم على الشيخ حسن بن أمير وهو زعيم إسلام وذكروه بالتقى والصلاح، فمنع من العمل في الدعوة إلى الله وتوج تيريري انتصاره على المسلمين ببناء ثمان كنائس في زنجبار إضافة إلى الأربع الوجودة سابقًا، وقد قام تيريري بفصل المئات من المواطنين المسلمين من وظائفهم وترحيله وقتل بعضهم واعتقال البعض، وذلك في محرم ١٥ من السنة القادمة وقام بقتل الناس الأبرياء في المساجد

стр. 2076

أثناء تأديتهم للصلاة وذلك دون أدنى سبب، وقام بزج قادة المسلمين والوعاظ والمرشدين والزعماء في السجون وطردهم ومنع التجهيزات الدينية عن الساجد، وإدخال المناهج الهدامة في المدارس ومنع تدريس الدين الإسلامي في المدارس والمعاهد، وقد رفع أبناء بلدة كفر شنوبا المقيمون بدولة الكويت شكواهم إلى المسلمين مادّين أيديهم للعون والمساعدة لبلدتهم المنكوبة والتي دمرها العدو الإسرائيلي تدميرًا تامًّا، وذلك بالقصف المتواصل خلال ثمانية أيام ليلًا ونهارًا دمرتها اليهود بالمدفعية والدبابات والطيارات مما شرد أهلها وجعلهم بلا مأوى ولا مأكل ولا لباس فاعتصموا في المساجد والمدارس والمستشفيات، وجرى على المجاهدين أيضًا من المسلمين في الفلبين وبين الحكومة الكاثوليكية حروب جديدة في جنوب الفلبين، ودارت رحى معارك شديدة البأس كثيرة الضحايا فلقد استخدمت حكومة ماركوس ضد المسلمين قنابل النابالم، وضربت بيوت المسلمين هناك وقراهم ومساجدهم وشيوخهم ونساءهم وأطفالهم وقامت الدبابات والطائرات والصواريخ وقنابل النابالم بضرب المسلمين وعلى الرغم من عدم التكافؤ فإن المجاهدين المسلمين نالوا من العدو نيلًا عظيمًا وكسروا شوكة الظالمين، وكذلك ما جرى على مدينة أحمد أباد من أذية المسلمين بحيث كانوا يشدون المسلمين بالحبال ثم يرمونهم في النيران الملتهبة وهم أحياء حتى يتحولوا إلى رماد حيث تحولت عدة مناطقها إلى ركام من الحراب، هذا بعد نهب أموالهم وحرق متاجرهم ومنازلهم وانتهاك محارمهم مما تقشعر منه الجلود وتشمئز منه القلوب وتنكره الفِطر السليمة والأخلاق المستقيمة استهتارًا بالشريعة المحمدية. في هذه السنة نشرت صحيفة الشهاب اللبنانية في عددها الصادر بتاريخ ٢٣ ربيع الأول الموافق نيسان فقرات خطيرة من خطاب الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الذي ألقاه في مؤتمر المدرسين والمربين لمناسبة الملتقى الدولي حول الثقافة الذاتية والوعي القومي يتضمن الطعن في القرآن الكريم بأنه متناقض ومشتمل على بعض الخرافات، وقد نشرت نص الخطاب جريدة الصباح التونسية على جزأين في

стр. 2077

عددين صدرا بتاريخ ٢٠ و ٢١ من شهر آذار مارس الماضي وهي ثلاث نقاط ذكر أبو رقيبة في خطابه أن في القرآن تناقضًا لم يعد يقبله العقل بين ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وذكر أن الرسول محمدًا كان إنسانًا بسيطًا يسافر كثيرًا عبر الصحراء العربية ويستمع إلى الخرافات البسيطة السائدة في ذلك الوقت وقد نقل تلك الخرافات إلى القرآن، مثال ذلك عصا موسى، وهذا شيء لا يقبله العقل بعد اكتشاف باستور وقصة أهل الكهف وذكر أن المسلمين وصلوا إلى تأليه الرسول محمد فهم دائمًا يكررون محمدًا ﷺ يصلي على محمد، وهذا تاليه لمحمد، وقد دعى في ختام خطابه المربين وأهل العلم إلى تلقين ما قاله حول الإسلام إلى تلاميذهم، النقطة الخامسة معارضته إعطاء المرأة نصف ما يُعطي الذكر، النقطة السادسة أفكاره تعدد الزوجات ولا ريب أن هذا كفر صريح وقد أفزع هذا المقال كل مسلم قرأه أو سمعه، فصاح به العلماء وهم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وحسين محمد مخلوف وأبو الحسن علي الحسني الندوي وأبو بكر محمود جومي والدكتور محمد أمين المصري وأرسلوا إليه بتاريخ ١٦/ ٤ / ١٣٩٤ هـ برقيات استنكار لتلك التصريحات المكفرة التي فيها الطعن في القرآن والنبي المصطفى وطلبوا منه أن يكذب ما نسب إليه، وقام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية ومفتي الديار المصرية سابقًا وقاضي ولايات شمال نيجيريا وأمين عام ندوة العلماء لكنوا الهند وقد تجاوب معهم الرئيس ووعد وتبرأ وتقدم السفير التونسي في المملكة برسالة من الوزير مدير الديوان الرئاسي برقم ٤٠٦ تاريخ ١١ ماي (١٩٧٤ م) للشيخ ابن باز ذكر فيها أن فخامة الرئيس قد اطلع على برقيته شاكرًا له حسن عنايته وقيامه بالنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وذكر أن الحبيب بورقيبة إنما جاهد فرنسا لإعلاء كلمة الله والوطن وإرجاع تونس دولة مستقلة دينها الإسلام ولغتها العربية وأنه ما كان ليدور بخلد فخامته الطعن في كتاب الله ولا في مقام الرسول الأكرم عليه أفضل الصلاة والسلام وهو الذي نصر الحق بالحق وهدى إلى الصراط

стр. 2078

المستقيم إلى آخر كلامه، وكان الشيخ عبد العزيز قد أرسل إليه برقية في ٧/ ٤ / ١٣٩٤ هـ وتلطف ورجا من الرئيس أن يعلن البراءة من جميع ما نسب إليه والحقيقة أنه لا ينبغي من رئيس يتظاهر بالإسلام أن يعتقد هذا الاعتقاد لأنه يخرجه من الملة ثم نشر الشيخ ابن باز رسالة سماها حكم الإسلام فيمن زعم أن القرآن متناقض أو مشتمل على بعض الخرافات أو وصف الرسول ﷺ بما يتضمن بنقصه أو الطعن في رسالته والرد على الرئيس أبي رقيبة، فيما نسب إليه من ذلك، وقد وزعت الرسالة في المدينة المنورة بعد ذلك. وفي هذه السنة أحصيت وظائف البلديات في المملكة السعودية كما جاء في جريدة الرياض ١٠/ ٧ فبلغت مع وظائف مصالح المياه تسعة آلاف وسبعمائة وثمانين وظيفة. وفي ١٨ ذي القعدة من هذه السنة يقف الملك المعظم فيصل بن عبد العزيز يقص الشريط للافتتاح الرسمي للحرم الجامعي الجديد لكلية البترول والمعادن بالظهران. وفيها أنشئ في المملكة السعودية صندوق التنمية العقاري وذلك في ١١/ ٦ / ١٣٩٤ هـ أول يوليو (١٩٧٤ م) ويهدف إلى تشجيع القطاع الخاص على البناء والتعمير لعرض السكن الشخصي والاستثمار ويقوم بمنح قروض بنسبة ٧٠% من تكاليف البناء بحد أقصى ٣٠٠ ألف ريال. ثم دخلت سنة (١٣٩٥ ه ـ) استهلت هذه السنة وقد انبعثت روح الحياة الإسلامية تدب في ساكني قارة أفريقيا والباكستان واليمن وغيرها من إمارات الخليج وذلك لبعث المدرسين والمرشدين والموجهين من المملكة السعودية وبذل المساعدات المادية لبناية المساجد والرباطات والإعانة لبناء المدارس والمعاهد هناك، وقد بث الملك فيصل دعاية قوية فكان بذلك أعظم داعية إسلامية في زمانه، وقد ترجمت كتب إسلامية عربية بسائر

стр. 2079

اللغات المنتشرة هناك، وكثر الإسلام في تلك الجهات وانتشر فكانوا يعتنقونه بالعشرات والمئات وبعثت الحكومة السعودية بعض أئمة المسجد الحرام لإقامة صلاة العيد وشعائر الإسلام هناك، وقد واجهت تلك الدعاية قبولًا من الرؤساء والمعظمين والمتبعين الذين يسودون تلك الجهات، وقام المبتعثون وما يتخرج من الجامعة الإسلامية ينشرون الدعوة إلى الإسلام ويشرحون لرؤساء البلدان مرامي السياسة الإسلامية الرشيدة وما تهدف إليه من جمع كلمة المسلمين وإزالة العوائق التي تحول بين اتصال المسلمين بعضهم ببعض. وفيها أسست المدينة الصناعية ببريدة خلف قرية رواق في الجهة الجنوبية على بعد سبع كيلو من مدينة بريدة، وكانت تبلغ مساحتها زيادة على مليون متر مربع وكانت تضم حاليًا ستة مصانع وهي مصنع الطوب الفخاري ومصنع الإسفنج الصناعي ومصنع الألمنيوم ومصنع الغازات ومصنع للأثاث، ومصنع للبلاستيك وتقوم هذه المدينة بخدمة المصانع والمشاريع الصناعية وتقدم المواد الأولية اللازمة للمشروع، ويوجد فيها خمس محولات كهربائية محطية وغير ذلك وتعمل أوتوماتيكيًا للرفع. وقد شرعت الوزارة في تأسيس عدد من المدن الصناعية في المملكة، لأن هذه المدن توفر للمصانع الخدمات ومصالح أخرى، وقد تأسست المدينة الصناعية ببريدة على أن يكون فيها خمسون مصنعًا ولا ريب أنها خطوة تقدمية تخطوها المملكة. وفيها في مستهل ربيع الأول عام (١٣٩٥ هـ) الموافق ٢٢ من برج الحوت فشا بين الناس أن رجلًا من ضواحي بلدة حائل رأى ملكًا فاتبعه في أثره حتى صعد الملك على جبل هناك فأثرت قدماه في الجبل آثارًا بيضاء ومن الناس من يقول كان لها أثر نور في ظلمة الليل، ويبالغ بعض الرواة في هذا الموضع، فركبت إلى بلدة حائل واتصلت بالإمارة وهناك سألته فأجاب بأن ذلك له ذكر عند العامة ولكنه أقل من مخبره فزودتنا الإمارة بسيارتين لرؤية الجبل وتتبع الآثار المذكورة هناك

стр. 2080

والوقوف عليها فقيل إن الذي وقعت له هذه القصة أعرابي في تلك الضاحية، ولما أن سرنا إلى تلك الجهة سألنا عنه حتى اتصلت به ليروي لنا القصة، ووجدته أشمط مربوع القامة يدعى عبد الله بن زايد الحميدي فقال أنه كان لدي ماشية من الغنم وكانت السنة ممحلة ومجدبة فكنت أعلفها وأجمع لها حتى لم أجد ما أعلفها به فكنت أرثي لغنمي كلما رأيتها، وكان يأتي إلى بئرنا رجل يدعى زبن الطيري ليستقي من مائها ويستعذب لأهله وهو شيخ كبير يقود سيارته وقد يساعده أبناؤنا لموقفها لأنه لا يهتدي إلى مصب الماء تمامًا فقدر أنه جاء ولم يجد من يساعده فاختل توازن السيارة وحصل ضجة شديدة من الأولاد خوفًا من أن تسقط في البئر ففزع لذلك وخاف ونزل إلى الأرض يتفقد السيارة، ثم دعا بماء فصب على رأسه ويديه ورجليه ثم سأل الأولاد هل أحدث عدم اتجاه السيارة حادثًا فأخبروه بالسلامة ولطف الله تعالى غير أنهم خشوا أن تسقط السيارة في البئر فصاحوا لذلك فحمد الله وشكره على لطفه ثم قال لا حول ولا قوة إلا بالله، إن هذه السنة لمشؤمة رأيت السحاب يلتحم ولا يمطر ورأيت الغبرة والقترة فأسأل الله أن يجعل المصيبة في العشب أو الحلال ولا يجعلها في الراعي ووالي الأمر ثم ذهب وأحدث كلامه انزعاجًا وكانت الأعراب يتشاءمون، ومن جهة أخرى فقد كان في مصر فلكي يدعي علم النجوم في حساباته فكان يتنبأ في لياليه وعلم النجوم أنه يموت عظيم في هذه السنة، ويفشل مؤتمر كذلك بنبوءة علمه ثم ذكر الأخ عبد الله بن زايد أنه ذهب كعادته هو وصبيته لرعي الغنم ومن بينها شاة يحلبونها ويزيدون في علفها لذلك قال فلحقتني ولها ثغاء كأنها تشتكي من الجوع فقال مخاطبًا لها أشكو إلى الله هذه الحالة قال ثم توسدت حجرًا ونمت فتبدى لي إنسان طوال أبيض اللون وعليه لباس أبيض فقال بشر الناس بخير ولا يحزنوا ثم ذهب وصعد إلى جبل يبعد مسافة كيلوين عن موضعه يدعى بجبل ذوف فلما استيقضت ذهبت أتتبع آثاره فوجدت مواضع أقدامه بيضًا نعم وجدناها بيضًا حينما وقفنا عليها وتقدر بأربعين قدمًا، وهي أقدام رجل معتدل القامة فليس القدم بالطويل ولا القصير وانتهت على جبر

стр. 2081

ماء في ذلك الجبل الذي يدعى جبل ذرف في شعيب يسمى شعيب الحفن وهناك خيمة فيها رجال محافظون على آثار تلك الأقدام وهي لا تزال باقية منذ شهرين ونصف شهر لم تمح، ولكنها لم تحتفر بالصخر ولم تكن مضيئة كما زعموا ولكنه موجود في الجبل على مسطحة أثر قدم منطبع في الصفا بأصابع واضحة ورؤية واضحة كبير الحجم هدانا إليه أحد الحارسين هناك. حادث أليم في هذه السنة لما كان في اليوم الثالث عشر من ربيع الأول استشهد فيصل بن عبد العزيز فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. صفة الحادث لما كان في هذا اليوم المذكور ١٣/ ٣ / ١٣٩٥ هـ الموافق ليوم الثلاثاء ٢٦ مارس - آذار - (١٩٧٥ م) تقدم فيصل بن مساعد بن عبد العزيز فدخل على عمه فيصل بن عبد العزيز متذرعًا بتهنئته بعيد الميلاد، وكان متجندًا المسدس خفية وبما أنه من الأسرة فإنه سمح له بالدخول فأفرغ رصاص المسدس في رأس الملك وصدره وكان هناك قرائن تدل على أنه يخشى على الملك منه وكان أمر الله قدرًا مقدرًا. ولما أن وقع هذا الحادث الأليم المشؤوم سقط الملك عن الكرسي ورفع طرفه إلى السماء، وقال إرادتك يا رب، ثم تكلم بصوت خافت يقول: حققوا مع الجاني، ولما نقل إلى المستشفى ما كان إلى حياته من سبيل وسلمت روحه إلى خالقها وقد قبض على الجاني وضربوه بأعقاب البنادق حتى انكسرت إحدى قوائمه وأودع السجن وقد حدث لذلك رنة أسف في مشارق الأرض ومغاربها وفي الجزيرة العربية ونكست الأعلام لموته وأعلن الحداد في سائر ممالك الدنيا عليه لأنه أكبر داعية إلى الإسلام وأكبر مقاوم للشرك في زمانه، وهكذا أعرب الجاني بأنه قتله لذلك وهذا لما جرى التحقيق معه وتكلم بكلام خرج فيه من الإسلام.

стр. 2082

استشهاد الفيصل العظيم ﵀ - لما قتل في الساعة الثالثة صباحًا بالغروبي أعلن الديوان الملكي بالرياض بعد صلاة الظهر من اليوم المذكور نبأ استشهاد الفيصل ﵀ وهو يصرف شؤون الدولة ويواصل نهجه في البناء والتطوير وما أن أذيع النبأ حتى ذهل الناس جميعًا وأصابهم الوجوم والحزن وأغلقوا متاجرهم وتركوا بيوتهم متوجهين إلى قصر الحكم في الرياض بين مصدق ومكذب وغير مصدق وإلى دور الإمارات في داخل المملكة والسفارات في خارجها فوجدوا الأعلام منكسة وإذا الخبر حقيقة والفيصل الغالي ينتقل إلى الرفيق الأعلى، فعمّ الحزن وانهمرت الدموع لوعةً وحسرة على الفقيد الراحل طيب الله ثراه، كما حضرت الألوف المؤلفة من داخل المملكة وخارجها لتشييع جثمان الشهيد إلى قبره ولتعزية الأسرة المالكة وهم يتلون قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولما نودي بالصلاة عليه بعد العصر من اليوم الرابع عشر وحمله ودفنه وسار نعشه فوق الرؤوس كنت لا تسمع إلا البكاء والابتهال والنداء بذكر الله جهرًا وحصلت ضجة عظيمة شديدة وزحام عظيم واشتد الخطب وعظم المصاب وشقت الجيوب من بعض الأنام وانطلقت بالرثاء الأقلام، وكنت ممن وفد للصلاة عليه وتشييع جثمانه فرأيت حالة يرثى لها وحاملي النعش من الأسرة السعودية من بين الأمة قد رفعوا أصواتهم بالبكاء وسباباتهم بذكر الله جهرًا فكان مشهدًا أليمًا ولبست بعض الجهات السواد لموته، وذلك لأنه سقط في ساحة الشرف في سبيل القضايا العربية التي وقف حياته لها ولفظ آخر أنفاسه في خدمتها قالت الرياض في أحد أعدادها (قلوب الناس لم يخف حزنها وعيون لم تجف دمعها) إن قلوبنا لن يخف حزنها وعيوننا لم تجف دمعها بفقيد بطل العروبة والإسلام فيصل بن عبد العزيز ﵀ الذي ترك فينا ألمًا وحزنًا مصيبة برحيله عنا فقد كان يعيش في قلوبنا في أفكارنا في كل حياتنا إن الفيصل العظيم زرع حياتنا أمنًا ورخاءً وسرورًا ورفاهية

стр. 2083

وجعلنا قمة في هذا الوجود قمة في حياتنا فقد جعل الشعب السعودي المثل الذي يحتذى به ولم يكن الشعب الذي قاده الفيصل الباني إلى القوة والجد وأسس نهضته العارمة وحده ولكن الشعوب العربية والإسلامية قادها بطل الأبطال إلى بناء مجدها وعزها وتوحيد صفوفها ووقف في كل المنابر يدعو إلى الخير والفضيلة يدعو إلى السلام والعدل إلى آخر كلامه. ونشرت هذه الجريدة لإحدى نساء الأسرة كلمة عنوانها: القائد الملهم. ماذا بعد فيصل، وماذا بعد الذي حقق الخير والسلام في أرجاء العالم، أبعد فيصل أبعده قائد داع إلى السلام في العالم الإسلامي والعربي إن هذه لخسارة عظمى وفادحة كبرى بعد فقد هذا الرجل الذي ضحى بكل حياته وراحته وسعادته في سبيل الرفاهية لهذا الشعب المخلص الذي تمنى أنه فقد أعز ما يملك من المال والبنين في سبيل حياة الفيصل ولكن هذا قضاء الله وقدره أن هذا الشعب الذي ذرف الدمع الغزير على فقيد هذه الأمة ألا وهو الفيصل الشهيد لا يفي حقًّا من حقوقه العظيمة ولا نقطة من دمه التي خرجت من جسمه الطاهر على يدٍ أثيمة وهو على مكتبه يجاهد من أجل المقدسات الإسلامية ومن أجل إسعاد هذه الأمة وفي سبيل إعلاء كلمة التوحيد لا إله الله محمد رسول الله التي لا تفارق ذلك الفم، إلى أن قالت: فيا لهول هذه الخسارة على الأمة الإسلامية والأمم التي تنشد السلام فإن القلوب ذابت والعيون عمت من شدة البكاء وإنني أكتب هذه الأسطر التي لا تفي الفيصل حقه وأنا لا أكاد أرى سطرًا من سطورها من شدة الدموع وكل هذا لا يجزي فيصل الشهيد الأب الحنون المرحوم والابن البار لشعبه وأمته والرجل المتواضع في جميع أعماله وفعاله فيا رب وفق خليفته خير خلف لخير سلف وبارك في مساعيهم وخذ بأيديهم ليسلكوا الطريق الذي سلكه الفيصل وبارك في مساعيهم وخذ بأيديهم ليسلكوا الطريق الذي سلكه الفيصل وبارك في مساعيهم وخذ بأيديهم واجعل خالدًا وفهدًا محروسين تحت حراستك وتحت حمايتك واجعل فيصلًا في جنة الخلد مع الشهداء الأبرار والصالحين من عبادك وأظله تحت ظلك

стр. 2084

يوم لا ظل إلا ظلك واجبر مصيبتنا وأحسن عزاءنا وثبت أقدامنا على طاعتك واقهر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين، واجعل هذا البلد تحت ظل الليك وولى عهده آمنًا وسائر بلاد المسلمين يا الله. قالت أيضًا هذه الجريدة تحت عنوان (رحم الله الراحل العظيم) رحمك الله يا فيصل العرب والمسلمين رحمك الله يا شهيد الأمة العربية والإسلامية رحمك الله قائدًا فذًا وحكيمًا نافذ البصيرة ثاقب الرأي ملكت عرش القلوب في وقت اضطربت فيه الموازين وتفرقت فيه الأمة العربية شيعًا وتألبت فيه قوى الشر وتحيرت فيه وسائل الأعلام ضد مواقفك التاريخية في دعوة التضامن العربي ودعوة التضامن الإسلامي فاستطعت بما منحك الله من الصبر والحلم والحكمة والجلد والحزم والتسامح من ترأب الصدع وتجمع الكلمة وتوحد البلاد العربية وتشد من أزر دول المواجهة وأن تساهم في معركة رمضان المبارك العسكرية وما تبعها من معارك سياسية واقتصادية لا تزال آثارها قائمة وكنت المرجي بعد الله في إصلاح الأمور بما عرف عنك من سداد الرأي والجزم وحسن الإدارة والجلد والثابرة والصبر والحلم والتواضع، وبعد النظر وبدأت جهادك بل واصلت جهادك الشاق ورسالتك العظيمة مستلهمًا من الله العون والرشاد وملتمسًا من إخوانك ورجالك المخلصين العون ومسترشدًا في سياستك وقيادتك مبادئ المغفور له مؤسس الدولة السعودية وموحد الجزيرة العربية تلك المبادئ التي أهمها الحلم والحزم والتسامح والتواضع فكنت أخًا وخادمًا وقائدًا فتحققت على يديك العجزات بفضل الله ثم بفضل قيادتك الرشيدة وأطالت الجريدة في تعداد مواهبه وفضله وتسامحه مع خصومه كل ذلك لأجل جمع كلمة العرب سعيًا وراء وحدة الصف وأثنت على نهضته بالملكة حضاريًا واقتصاديًا بحيث جردت كثيرًا من دول أفريقيا من علاقاتها السياسية والاقتصادية من القوى الصهيونية إلى آخر الثناء على الفقيد، قال غازي القصيبي يرثي الملك فيصل بن عبد العزيز: فارس القدس اقفر الميدان ... وهوى البند واستراح الحصان

стр. 2085

سقط السيف من يد رفعته ... نصف قرن واستسلم العنفوان وانحنت أمة عليك بقلب ... ملأ التوحيد نبضه والحنان الرياض الحسناء وجه كئيب ... أوغلت في شحوبه الأحزان والجماهير موجة من ذهول ... ونشيج ماذا يقول البيان نبأ طاف بالصحارى فريعت ... واقشعرت لهوله الكثبان أجهشت بعده الخيام وفاض الـ ... ـرمل دمعًا وأنت الوديان فارس القدس لو يجوز فداء ... لافتدتك الأضلاع والأجفان لو يرد القضاء لانتصب السحب ... سياجًا فما استطاع الجبان لو يصد الردى الثبات لصد الـ ... ـموت حزم ملكته وجنان لو ونحتي الرؤوس هذا قضا ... ء الله هذا ما شاءه الرحمن كلما ضلل المصاب نهانا ... ردنا من ضلالنا الإيمان فارس القدس أغمض العين واهدا ... فلقد أرهق الكمي الطعان قد بلوت الجهاد والعمر غض ... والصبا في أحصلاله ريان وخبرت النضال شيخًا فلم يصدأ ... فرند ولم يكل سنان خطوات القصون فوق محياك ... حروب وقودها الشجعان خضتها بالسلاح والهول نار ... تتلظى وللردى جيشان خضتها باليقين والأفق بحر ... مدلهم يعي به الربان خضتها بالصمود ينتحر ... اليأس عليه يخافه الإذعان خضتها بالسديد من ثابت الرا ... ي وللرأي في الحروب مكان فارس القدس كيف عبت وما حيـ ... ـاك في قدسك الحبيب أذان مت والقدس في عيونك حلم ... وخيال منظر فتان مت والقدس في دمائك شوق ... ليس يهدأ أيهدأ الطوفان مت والقدس في الشفاه صلاة ... يا إلهي متى يحين الأوان فارس القدس لا يزال على القد ... س ظلام مخيم وهوان

стр. 2086

في ربوع الإسراء يستأسد البغـ ... ـي علينا ويشمخ الطغيان غرهم أناهد أنا وهل يد ... رون ماذا يدبر البركان فارس القدس مت ويبقى الحـ ... ـب يبقى الوفاء يبقى الكيان كلما خر فارس في ثرانا ... دفع البند بعده فرسان منجم للرجال أرض بلاد ... في رباها تنزل القرآن شع منها الهدى فأومضت الد ... نيا حبورًا ومادت الأوثان وأطل الصباح يزهق كفر ... في سنياه ومولد الإيمان يا بلادي والجرح دام عميق ... والليالي من حولنا أشجان كفكفي الدمع فهو فينا وإن ... شق ضريح ولفت الأكفان هو فينا حسب البساطة لم ... يطغِ عليها عز ولا سلطان هو فينا الصمت الدوب والصمـ ... ـت بيان وللسكوت لسان هو فينا فكر ورأي سديد ... واعتدال محبب واتزان وهو فينا التصميم أن تدخل القد ... س كرامًا أن ترجع الجولان وهو فينا بشائر الغد نبنيـ ... ـه رخاء ليسعد الإنسان قدمنا هذه القصيدة لما فيها من الأسف الشديد من أن يتوفى المترجم ولم يحرر القدس، وهذه ترجمته: هو القائد المحنّك والعبقري المقدام والباقعة الذي يوقف كل معتد عند حده فيصل بن الإمام الأعظم والرئيس الفخم عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن الأوحد الهمام والرئيس المقدام ولد في مدينة الرياض في ١٤/ ٢ عام (١٣٢٤ هـ) ووالدته ابنة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ طرفة ابنة عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الله بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، نشأ نشأة أدبية ورباه والده تربية إسلامية عبقرية، وكان يسمى ذا النورين فأبوه بطل الصحراء، وأبوه من أمه من الأخيار الذين يتسلسلون إلى إمام الدعوة السلفية وزوجه والده لما بلغ من العمر خمس عشرة سنة بأم ابنه عبد الله سلطانة السديري، فولدت منه عبد الله بن فيصل

стр. 2087

وسِنُّه ست عشرة سنة وبعثه والده الملك عبد العزيز، وهو في السادسة عشرة من العمر إلى لندن للتعرف بلندن بصحبة أحمد بن ثنيان، وذلك لما كان يرمقه والده فيه من المؤهلات وحُسن الجواب مع حداثة سِنّه وكان يقول عنه إني أستحي من فيصل من بين أبنائي ومن كان أبوه عبد العزيز وجده عبد الله بن عبد اللطيف حق له أن يكون نجيبًا، فهو البطل الجسور والليث الهصور، قاد الجيوش بحياة والده قيادة بصير محنك وهزم الأقران، وكان عظيمًا لا تلين قناته ولا يقعقع له بالشنان كانما قلبه قطعة من الصوان وكان ماهرًا في القيادة بسياسة حيرت العالم كله وأحرز انتصارات عظيمة تدمر بعضها في هذا التاريخ وجعله والده نائبًا في الحجاز جميعًا ثم أضيف إليه وزارة الخارجية فقام بأعماله خير قيام جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وكان هو العضد الأشد لأخيه سعود لما تولى الملك بعد أبيه، وكان مع ذلك صبورًا وذا معرفة وبصيرة بالرجال، يقدر من يستحق التقدير، وله ميل إلى الأدب والأخلاق الكريمة والشرف وله حسن تدابير وأعده والده لمهام الأمور وصعوباتها فكان ينجلي بسعيه وإدراكه ما لا يدور في الخيال، ولما أن زحف لقتال أهل اليمن المتمردين ووحدت القيادة له نازل مدينة ميدي وأصدر أوامره على القوات للهجوم عليها وجعل يطالع عن كثب من المرتفعات للكشف على المدينة، ولكنه جعل يفكر في العجزة من النساء والشيوخ والذراري ومن لا ذنب له إذا وقعت الواقعة وعمهم الدمار والتهمتهم النيران وبينما هو ينتظر الساعة التي قرر فيها الهجوم إذ قد رفعت الأعلام فيها للتسليم والاستسلام وجاءه مندوبها لذلك فاحتلها من دون سفك دماء، وفرّت قوات الإمام يحيى هاربة هي وقائدها عبد الله العرشي فبعث القوات في آثارها وفتكت بهم فتكًا هائلًا فوقعوا في شر حالة ما بين قتيل وجريح وأسير، وقد أوصى أن يؤتى بالعرشي أسيرًا فجيء به مكبلًا بالحديد، وألقي أمامه ولكنه لأدبه وحسن مجاوبته لم يقتله، وكان في حرب الغفران الذي أدار إليه الدائرة فيه على اليهود هو الدينامو الفعال بحيث قطع البترول عن أمريكا فتوقفت السيارات في الطرق، ولما علمت اليهود بتلك التدابير أوعزت إلى أسيادها

стр. 2088

في أمريكا أن تطلب منه إيقاف الحرب والسعي في ذلك، وبما أن العرب موتورون من أعمال اليهود وتعسفاتها فإنه لم يخضع لذلك، وأصيب حليفة أمريكا بقوارع من أمر الله ما لا يطاق وهدت القوات المصرية خط بارليف الذي يعتقد العدوان لو اجتمعت الإنس والجن عليه لم يهدوه وكان قاب قوسين على أن تستسلم اليهود غير أن الأمور مرهونة لأوقاتها ولله تمام الحكمة وله الحجة البالغة، فلو شاء لهدى الخلق أجمعين وفي عام (١٣٧٣ هـ) نودي به وليًّا للعهد وفي عام أربع وثمانين نوديَ به ملك الملكة العربية السعودية عن اختيار من الأمة واتفاق على ذلك فسار بالمملكة إلى الأمام ولا نطيل فحدِّث ولا حرج ولكن ويا للأسف أنها اختطفته أيدي المنية وخسرته المملكة وقد قلت هذه المرثية في عاهل الجزيرة الراحل الذي شاهدته من أعظم المحترمين لي والمقدرين للعلماء فيا لها خسارة لا تشبهها خسارة، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فقلت هذه مرثية في إمام المسلمين وأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز لما توفاه الله تعالى بسبب الاعتداء فأصبحت المملكة العربية السعودية بحالة حزينة لفراقه: لكارثة هدت جميع الجوانب ... نريق دموعًا حزنها غير ذاهب على فيصل بدر الزمان وشمسه ... ومن حاز جل الكرامات الأطائب فلله من عين تحلب دمعها ... وتبكي طويلًا بالدموع السواكب على مثله تبكي الأنام بحسرة ... وتندب شهمًا ماهرًا في التجارب فما شئت من حزن وندب ولوعة ... وحسرة أشجان وصرخة نادب أصيبت به أقطار أمة يعرب ... بكى الشرق ثم الدهر حتى المغارب فيا لك من رزء ويا لك من أسى ... ويا لك من حزن مرير المصائب فيا أمة الإسلام هذا مصابكم ... دهانا به فدم جهول العواقب عليه من الرحمن ما يستحقه ... وباء من المولى بخزي العواقب وقد قيل في الأمثال بيت وإنه ... لا صدق قيل في اللئام الأجانب فلا تحقر الخصم الضعيف بضعفه ... فكم خرب الجرذي في سد مأرب

стр. 2089

دهانا بها عظمى بكف أثيمة ... وكم من ضعيف نافذ في المضارب فجعت به شعبًا وأيتمت أمة ... وأذويت روضًا زاهيًا بالغرائب ففي خامس التسعين من بعد ألفها ... ثلاث مئين قد تلاها لحاسب بيوم الثلاثاء من ربيع الأول ... ثلاث وعشر يومها ذو مصائب فيا لك من يومٍ مشومٍ على الورى ... به ضلت الأفكار حقًّا لنادب به فقدوا حبرًا شفيقًا على الورى ... سجيته نشر الهدى في الأجانب به فقدوا شهمًا نبيلًا مؤدبًا ... شمائله التقوى وقمع المشاغب لقد كان سدًا محكمًا دون شعبه ... وغوثًا عظيمًا يرتجى في النوائب فما فيصل إن قيل من هو فيصل ... سوى أمن أوطان وغوث لطالب ملاذ عيايل ثمال أرامل ... غياث ذوي عدم جزيل المواهب ملاذ لقصَّادٍ إذا ما لجوا له ... وقد نالهم أمر عظيم المصاعب يقضي لياليه قيامًا بواجب ... لإنصاف مظلوم وقمع المشاغب صبورًا على الشدات محتمل الأذى ... إذا أظلمت أرجاؤها بالغياهب لقد ملأ الدنيا سرورًا وغبطة ... وأضحى بنو الإنسان في خير عاقب فيا ويح للشورى إذا قيل من لها ... ويا ويح للآراء في فقد صائب مضى ملتجأ المفهوم من كان ساهرًا ... لنصرة مظلوم وكشف المعاطب مضى كاشف الأوهام في عقله الذي ... يفوق به أهل النهي والتجارب لقد كان كهفًا يلتجي فيه خائف ... يلاذ به عند اشتداد النوائب وسرنا نشق البيد من كل وجهة ... لتشييع جثمان ودفن لذاهب نوالي إلى نحو الرياض مسيرنا ... بيوم به لفح الهجير النواكب فلله من ألف وألف تجمعت ... وضاقت بهم أقطارها في المناكب هناك ترى فوق البيوت خلائقًا ... نساء وأطفال كحال الجنادب شوارعها من غصة قد توقفت ... ينادون بالويلات من حر لاهب فهذا لذكر الله يرفع صوته ... وذاك بتكبير وذا بتناحب

стр. 2090

وكم ثاكل حرى تمزق شعرها ... وأخرى تنادي في عويل مصاخب شعارهم لبس السواد لفقده ... وتمزيق أثواب وصرخة نادب وأعلنت الأرض الحداد تفجعًا ... واقفلت الأعمال عن كل طالب ونكست الأعلام فوق عراصها ... ونودي بالأحزان في كل جانب بكته جهات الأرض في كل وجهة ... ورن صداها في عراض السباسب وشقت جيوب من يتامى ورملة ... ينادون ربًا ليس عنا بغائب إلهي فجعت الشعب كن مخلفًا لهم ... ببر قدير حافظ للجوانب يلم لهم شعثًا ويجمع شملهم ... فأنت إله الخلق مسدي المواهب وقفت على أنصابه أبدى للأسى ... واستنزل الغفران من خير واهب على ذلك المدفون نرجو له الرضا ... أنادي بجبران وبرد اللهائب إلى الله نشكو لا إلى الخلق ما بنا ... فما زال معروفًا لجبر المصائب إِذا فيصل فينا قضى اليوم نحبه ... فخالقه حي مجيب لطالب وهذا ولي العهد أمسى مبايعًا ... وما خالد إلا سليل الأطايب فما خالد إن قيل من هو خالد ... سوى الأمل المحبوب ليث الكتائب نبايعه حقًّا على السمع أمره ... وطاعته فرض علينا كواجب وذا فهد أمسى وليًّا لعهده ... فأكرم به شهمًا رفيع المراتب وأختم قولي بالصلاة مسلمًا ... على من به ختم الكرام الأطايب محمد المبعوث للخلق رحمة ... نبي أتانا من سلالة غالب وآل وأصحاب هداة أجلّة ... وأتباعهم من كل حبر وتائب وقال عبد الفتاح خياط هذه المرثية في الملك الراحل: سمعت الطفل يصرخ واأبانا ... من الهول العظيم لقد عمانا وجن البعض من خطب أليم ... تردد في الإذاعة ما دهانا وصار الكل يمشي دون عقل ... يمزق للثياب وما كفانا وزلزلت الجبال لهول يوم ... وحتى الشمس غابت من سمانا

стр. 2091

وفي كل الجزيرة صار حزن ... وحتى مصر والأردن معانا وفي لبنان والصومال وسوريا ... وفي آسيا وأفريقيا وغانا وكل الشرق والغرب ناحوا ... وهزتهم فجيعة ما أتانا هو القدر المقدور لست أدري ... لماذا قد تعجل وابتلانا بفقد حبيبنا والحب غالٍ ... وأمر الله ينفذ كيف أين كانا وقال أحمد بن عبد الله العامر: عزاءكم أن الفقيد شهيد ... وإن أمير المؤمنين فريد تفرد بالمجد الذي جاوز العلا ... وكان لأهل الخافقين يقود من لم يكن للمال جامع تبره ... ولكنه بالمال كان يشيد بنى النهضة الكبرى بعشر وإنما ... له المعجزات الغر وهي تزيد فتى الصدق في وسم السياسة مثله ... مثال أبي الخطاب وهو عميد فتى العزم لم تعرفه عنه مقالة ... ولم تثنه في المعضلات حشود فتى العدل والإنصاف نهج وغاية ... ونبل سيفنى الدهر وهو جديد فتى الحلم والمعروف والطهر والندا ... وإن قصرت أيدي الكرام يجود أناة إذا خطب ألم وحكمة ... جسور على الأقدام وهو سديد وفيّ وشهم والرجولة معدن ... خلال له في العالمين شهود إلى جنة الرضوان يا خير راحل ... وفيها لأخيار الوجوه خلود رحلت فلم تترك ثقوبًا خلية ... وفي خفقات القلب منك وجود يقصر عن تعداد فضلك شاعر ... ويعجز عنه في المقال قصيد عزاؤكم يا آل مقرن أنه ... شهيد بأخبار الرجال وحيد عزاؤكم فيه وأنتم عزاؤنا ... وأنتم بأعشار القلوب شهود ويبقى طويل العمر خالد خالدًا ... يحقق آمالًا لنا ويزيد ويبقى ولي العهد فهد معينه ... وتبقى بحبات القلوب عقود

стр. 2092

وقال أسعد أمين سعيد: على كل أرض تحت كل سماء ... قوموا نحني موكب الشهداء قوموا نصلي ركعة من أجله ... في القدس أرض الطهر والأسراء في المسجد الأقصى أذانٌ نائحًا ... وكنيسة المهد ارتوت ببكاء يا فيصل من للعروبة فيصل ... إلاك في الضراء والسراء يا جهبذًا عرف الزمان جهاده ... في الحرب أو للدعو السمحاء لك جولة ضد الطغاة وكيدهم ... في القدس في الجولان في سيناء في الحرب أو في السلم كنت نصيرنا ... راقت لك الدنيا بكل ولاء وَمَدَدتُّ كفك للأنام محبة ... في همة عربية قعساء وملكت ناصية البيان بحكمه ... بدوية لا تنطلي بطلاء فانعم قرير العين في دار البقا ... مع موكب الأبرار والسعداء ولا نطيل فقد رثي بالنظم والنثر والشعر النبطي ولو تتبعنا ما قيل في مديحه لضاق الموسع ولكننا نقتصر على بعض المقصود لأجل الاختصار فالله المستعان. ذ كر ما جرى بعد ذلك لما رجعت الأسرة السعودية الكريمة من دفن الفقيد اجتمعت الأمة وأعلنوا بيعتهم لسمو ولي العهد خالد بن عبد العزيز أخي الملك وتقدم العلماء والأعيان وسائر الأسرة السعودية وجميع الأمة من المواطنين وبايعوا حضرة صاحب الجلالة الملك خالد بن عبد العزيز على السمع والطاعة وعلى طاعة الله ورسوله ونودي به ملكًا على المملكة السعودية وتلقى جميع المعزين والمهنئين فكان جلالته يتلقاهم لذلك كما بايعوا سمو الأمير فهد بن عبد العزيز بولاية العهد وبعد البيعة عاهد صاحب الجلالة الملك خالد وولي عهده عاهد الله والمسلمين أجمعين على السير في خطأ الراحل العظيم مؤكدين ذلك بالبيان الشامل الذي تضمنت بنوده أهدافًا وخطأ كثيرة، منها: السير على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وإكمال سيرة

стр. 2093

الفيصل ﵀ في البناء والتعمير والتطوير والاستقرار وتحقيق أمنيته الغالية وهي الصلاة في المسجد الأقصى المبارك بالقدس الشريف وتطهيره من دنس الصهاينة، والعمل على توحيد كلمة العرب والمسلمين، ودعم كفاح الشعب الفلسطيني واسترداد حقوقه، والعمل على تحرير جميع الأراضي المغتصبة والاستمرار على السياسة الخارجية التي أرسى قواعدها المغفور له الملك عبد العزيز وشاد صرحها الفيصل طيب الله ثراه والاستمرار في دعم التضامن الإسلامي بكل ما لديها من قوة وإمكانات وسيرًا على خطأ الفيصل ﵀ في التنظيم القيادي للوزارة وبما أنه عين سمو الأمير فهد بن عبد العزيز وليًّا للعهد أضاف إليه وزارة الداخلية كما عين له نائبًا أولًا لرئيس مجلس الوزراء وعين سمو الأمير عبد الله بن عبد العزيز رئيس الحرس الوطني نائبًا ثانيًا لرئيس مجلس الوزراء بالإضافة إلى رئاسة للحرس الوطني وأصبحت الأمة تشاهد كل يوم الإنجازات والمخططات في مجالات التقدم والاستقرار ورفع المستوى المعيشي التي يقوم بها جلالة وسمو ولي عهده وحكومتهما الرشيدة وقام صاحب الجلالة الملك المحبوب بتدابير أمور الدولة نسأل الله لهم التوفيق. كما أنه وجه الملك خالد بن عبد العزيز كلمة إلى أبناء شعبه أذاعها معالي الشيخ إبراهيم العنقري وزير الإعلام وهي هذه (بقلب حزين مليء بالحزن والأسى ومع تسليم كامل لإرادة الله وقضاءه أنعي إلى العالمين العربي والإسلامي وإلى شعبنا المخلص الوفي صاحب الجلالة المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز والذي شاء الله أن ينقله إلى جواره في صباح يوم الثلاثاء ١٣/ ٣ / ١٣٩٥ هـ على إثر حادث أليم في وقت نحن أشد ما نكون فيه حاجة إلى قيادته وحكمته وسداد رأيه وبعد أن عمل بكل جهوده وطاقاته في سبيل الدعوة إلى الله والدفاع عن دينه وبعد أن أرسى قواعد نهضتنا المعاصرة على دعائم ثابتة بذلك في سبيل إرسائها ما لا يحصى من الجهود والطاقات وبعد أن انتقل بالمملكة العربية السعودية إلى مصاف الدول المتطورة في كل المجالات مع الحفاظ بإصرار على ديننا ومثلنا

стр. 2094

وتقاليدنا نسأل الله أن يرحمه رحمة شاملة واسعة وأن يجعله مع الصديقين والشهداء والصالحين بمنه وكرمه وأن يعيننا على إكمال رسالته والسير على منواله ولا نقول إلا كما يقول الصابرون إنا لله وإنا له راجعون). ثم أنه أصدر أمرًا ملكيًّا في ١٦/ ٣ / ٩٥ هـ باستمرار جميع أعضاء مجلس الوزراء في مناصبهم وهذه صورته (قد أمرنا بما هو آت أولًا: يستمر جميع أعضاء مجلس الوزراء الحاليين في مناصبهم. ثانيًا: على رئيس مجلس الوزراء تنفيذ أمرنا هذا وهو برقم ١/ ٥٢) وصدر عفو ملكي شامل عن جميع المحكومين والمتهمين في قضايا سياسية في الداخل والخارج ونفذ هذا العفو الكريم في اليوم التالي لصدوره وصدرت الأوامر الملكية بتعيين سمو الأمير فهد بن عبد العزيز وليًّا للعهد ونائبًا أول لرئيس مجلس الوزراء وتعيين سمو الأمير عبد الله بن عبد العزيز نائبًا ثانيًا إضافة إلى رئاسة الحرس الوطني، ويعين سمو الأمير نايف بن عبد العزرو وزير دولة للشؤون الداخلية وعضوًا في مجلس الوزراء بأرقام وتواريخ. وعلى رئيس مجلس الوزراء. تنفيذها كما صدر الأمر من جلالته بتعيين صاحب السمو سعود الفيصل وزير دولة للشؤون الخارجية وصدر أمر ملكي بتعيين الفقرة (ب) من المادة ١١ من نظام مجلس الوزراء الصادر بالمرسوم الملكي رقم ٣٨ تاريخ ٢٢/ ١٠ / ١٣٧٧ هـ أما عن الجاني فيصل بن مساعد فقد أحيلت مسألته إلى المحكمة الشرعية في مدينة الرياض لترى موقف الشريعة نحوه بعدما استكملت الإجراء اللازمة في دفعه إلى هذه الجريمة بحيث أنه ظن أنه مختل العقل، ولكن بعد الفحوص الطبية تبين أنه يتمتع بقواه العقلية أثناء ارتكابه الجريمة وبعدها ولا يزال كذلك وبعد التحقيق معه وأنه لم يدفعه يد من الداخل ولا من الخارج ثبتت إدانته وأن الباعث له على ذلك لما رأى عمه جلالة الملك فيصل أكبر داعية إلى الإسلام ونشره في المعمورة أراد القضاء عليه لأنه لا يرى دين الإسلام حقًّا ولا يرى شعائره شيئًا وأن تردد المسلمين إلى المساجد للصلوات الخمس ليس بشيء ولا يرى الصيام شيئًا ولا الحج شيئًا مما ثبت به كفره وأنه خلع ربقة الإسلام من عنقه ثم أنه بعد أيام من فعلته

стр. 2095

لتلك الجريمة الشنعاء أعدم بمشهد عظيم من الأمة بالسيف قصاصًا جزاء وفاقًا وإن كان ذلك لا يشفي ولكن القاتل يقتل. تنبيه لما سبق قد أشرنا إلى ما جرى من الفزع والبكاء لهذه الفادحة التي ارتجت لها مشارق الأرض ومغاربها واقتصرنا على بعض من كل، وقد رثاه الشاعر الغزاوي بقصيدة عظيمة مطلعها قوله: جرت الدموع كأنها انهار ... ووجدتني بنزيفها أنهار ماذا سمعت أفيصل أودى به ... في طرفه ذو جنة غدار وقد بلغت أبياتها خمسة وثلاثين كما رثاه الشيخ محمد صالح قزاز بقصيدة كان من أبياتها قوله: أي خطب جرى وأي مصاب ... جل بالشعب ملهبًا أشجانه أي دهماء فاجأت كل قلب ... روعته وهيجت أحزانه ما الذي روع الجزيرة بالأمس ... فأضحت مرزوءة ولهانه وقد بلغت أبياتها اثنين وثلاثين ورثاه حسين سراج بقصيدة بلغت أبياتها خمسة وعشرين قال في مطلعها: رزئ الدين في أعز نصير ... فابكه يا دنيا بدمع غزير ذهل المسلمون واعتراهم وجوم ... وقلوب تفجرت بالزفير ونعته الرابطة للعالم الإسلامي بقولها: (ببالغ الأسى والحسرة والألم والحزن العميق تنعى رابطة العالم الإسلامي إلى الأمة الإسلامية قاطبة علمًا من أعلام الإسلام وقائدًا من قواده البررة المتقين ورائدًا من رواده الذين نذروا حياتهم لخدمة دين الله الحنيف ونشر دعوته في كل الأنحاء والأصقاع ومجاهدًا من مجاهديه الذين ثبتوا في الميدان حتى آخر رمق في حياته) في كلام طويل.

стр. 2096

ونعته الأمانة العامة الإسلامية بقولها: (بقلوب خاشعة مفعمة إيمانًا بقضاء الله خاضعة لمشيئته تنعى الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي إلى الأمة الإسلامية في جميع أنحاء العالم قائدًا من أعظم قوادها وصرحًا من أقوى صروحها طوال تاريخها المجيد المغفور له حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل .. إلى أن قالت أن الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي وقد فجعت بفقد زعيم الأمة الإسلامية وبطلها الذي جعل رايتها مرفوعة في أحرج أوقاتها تتقدم بأصدق التعازي إلى حضرة صاحب الجلالة الملك خالد بن عبد العزيز المعظم ملك المملكة العربية السعودية وشعبه الكريم سائلة المولى أن يتغمد الراحل العظيم بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته وأن ينزله منازل الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا وإنا لله وإنا إليه راجعون). وكثرت الويلات والأسى وانبعثت التعازي من كل جهة وقدم الوفود لتعازي الأمة والتهاني بالخلف الجديد. ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نجد والمنطقة الشرقية ﵀ وعفا عنه. وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم والبحر الزاخر مقيم العوجاء وناصر الملة السمحاء بقية السلف الصالح ومن لا تأخذه في الله لومة لائم أبو حسن عمر بن حسن بن حسين بن علي بن حسين بن إمام الدعوة ناصر السنة قامع البدعة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وقد سبق سياق النسب في ذكر جدهم الشيخ في أول الكتاب، ولد المترجم في عام (١٣١٩ هـ) فنشأ في بيت علم وتعلم القرآن كعادة أهل زمانه ثم أخذ مبادىأئ الكتب الصغار ثلاثة الأصول والتوحيد وكشف الشبهات وآداب المشي إلى الصلاة والرحبية والأجرومية ثم أنه أخذ عن أبيه الشيخ حسن وكان له قوة ذاكرة وفهم منير فتلقى عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف سائر العلوم وأخذ عن الشيخ

стр. 2097

سليمان بن سحمان وأخذ عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، وأخذ عن الشيخ حمد بن فارس ودرس على هؤلاء في الكتب الكبار والأمهات وجعل يتردد على حلقات الذكر بهمة عالية وقوة عزيمة حتى ظهر في العلوم مظهرًا رائعًا، وكان خطيبًا مصقعًا ينتظم الكلام ويخرج منه بحسن تعبير ولا يمل وإن أطال كما أنها لا تمل فوائده، ومن قوته أنه كان مخيفًا للمجرمين فلا يذكر اسمه أمامهم إلا وجموا ولما أن كان في سنة (١٣٤٥ هـ) أقامهُ الملكة عبد العزيز رئيسًا لهيئات الأمر بالمعروف فقام بهذه المهمة خير قيام بقوة ونشاط وصدق لا تأخذه في الله لومة لائم وهابه المبطلون، وكان قد شدت الحكومة أزره بأعوان وأعضاء وجنود، وإذا رأى أمرًا شديدًا من المناكر فإنه يراجع فيه ويشجعه للانتقام بالعصا كما وجد أربعة قد أفطروا في شهر رمضان خارج البلد فأتى بهم إلى السلطان فأمر بهم جلالته أن يحملوا أباريقهم وأوانيهم بأيديهم ويطاف بهم في الأسواق في الحالة التي وجدوا فيها ثم ضربوا بالخشب حتى هلكوا تحت الضرب، وكان ثلاثة من الأشقياء ألقوا القبض على صبي فحملوه يريدون الفرار به غير أنه كتب له السلامة بحيث فزع المسلمون على ساقة السيارة فلما أخذوا ذات الشمال إذ بسيارة قلابي تلاقيهم فوقفوا وشردوا تاركين سيارتهم والصبي فيها مشدودًا فاه لئلا يتكلم وكان الشد قد أطبق أسنانه على لسانه فذهبت الأمة لإشعار الرئيس فجيء بالسيارة إليه وجاءه المالك يسأل عنها لأن السيارة والحالة هذه يسأل عنها رجال الأمن كما أنه يسأل الشيخ الرئيس كذلك لخشية وقوع مثل ذلك، وذكر المالك أن سائق السيارة قد نام في حديقة من الحدائق فلما انتبه إذا قد سرقت، هذا ما ادعاه المجرم فقال له ائتني به وبعث معه بجنود فجيء به فأمر أن يشد على عقبيه في عمود من العمد ويجعل منكوسًا ويضرب بالخيزران حتى خبر بأصحابه فذهب الشيخ إلى الملك سعود يسأله أن يحكم بقتلهم وقال انهار أي والدكم إذا ما فعل أحد مثل فعلهم وقصة العبد مرسال وكيف خاطر الشح بنفسه حتى كاد أن يقتله العبد مشهورة وقد يناله أذى في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنه يقابل ذلك بالصبر، وكان ينشر الدعوة

стр. 2098

إلى الله ويعظ ويرشد ويوجه، وله جاه ومنزلة عالية تهابه الملوك وتقبل توجيهاته. وهذه صفته: كان مربوع القامة حسن الوجه صلبًا قويًّا مع لين وحسن معاشرة لمن قصده ولونه حنطي قد وخطه الشيب لما أسن وفي آخر عمره أصيب بربو قد يزداد عليه وقد يخف حتى أنهكه ذلك لأنه يتعب نفسه ويباشر مهام الأمور ويوالي بين الحج والعمرة حتى توفاه الله تعالى في ليلة الأحد ٢ من رمضان في هذه السنة بمدينة الطائف فصلى عليه هناك جم غفير وخلق كثير على رأسهم الملك خالد وولي العهد وجمع حاشد من العلماء والأعيان ثم نقل جثمانه بطائرة إلى مدينة الرياض حيث صلي عليه بالجامع الكبير حضر الصلاة عليه خلائق كثيرون ودفن في مقبرة العود بين أسلافه وأجداده وقد نعته الصحف وبكته الأمة ﵀ وعفا عنه. الشيخ عبد العزيز بن سليمان بن فريح من أهالي وشيقر، ولد ﵀ في بلدته عام (١٣١٣ هـ) ثم سافر إلى مكة المكرمة بعدما أخذ مبادئ من العلوم في بلدته حيث تعلم القرآن الكريم وعلم الخط والحساب لأن الظروف قضت بذلك لسفر والده إلى أم القرى فأخذ عن علماء الحرم الشريف فلبث هناك ثم رجع بعد ثلاث وعشرين سنة إلى بلده، وقد راودوه على القضاء لكنه رفض وهو مدرس في المدارس الحكومية واستمر في وظيفة الإمام والخطابة والتدريس، فهو خطيب جامع وشيقر، ولما أرهقته الشيخوخة ترك التدريس وجعل يتابع الوعظ والإرشاد وتجرد للعبادة والاجتهاد حتى توفاه الله تعالى في هذه السنة وكان من العناقر قبيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري. الشيخ محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز بن رشيد، ولد هذا العالم في إحدى ضواحي مدينة الرس عام (١٣١١ هـ). فنشأ كغيره من الطلاب يدرس على معلم في الرس تدعي محمد بن صالح بن خليفة كان هذا المعلم من أهالي الرس ثم استوطن مدينة بريدة بعدما ذهب إلى الرياض وأمضى حقبة من الزمن وبعد رجوعه إلى بريدة تتلمذ الشيخ عمر بن محمد بن سليم ولبث فيها عشرين عامًا حتى توفاه الله على إثر حادث انقلاب سيارة عام (١٣٦٨ هـ) رجعنا إلى

стр. 2099

المترجم فيقول أخذ عن الشيخ إبراهيم بن ضويان العالِم المشهور في مدينة الرس، وأخذ عن الشيخ الفاضل عبد الله بن سليمان بن بليهد وأخذ عن علماء الرس ثم سمت به همته فقدم مدينة بريدة فأخذ في الدراسة على الشيخين العالمين عبد الله بن محمد بن سليم وعمر بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن بن بشر ثم أنه ذهب إلى الرياض وواصل دراسته فأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ سعد بن عتيق والشيخ سليمان بن سحمان والشيخ عبد الله بن راشد بن جلعود واستمر في دراسته ثم رجع إلى القصيم وانتدبته الحكومة إلى البادية لوعظهم وإرشادهم وكان لدعوته قبول حينما كان في هجرة سنام ثم عاد إلى الرسّ فأخذ في التعليم وفي عام (١٣٤٨ هـ) عين قاضيًا للأمر ملكي في بلدة الرس لسوء تفاهم بينهم وبين قاضيهم السابق سالم الحناكي فاختاروا المترجم بعدما أمرهم الملك عبد العزيز أن يختاروا قاضيًا فوقع الاختيار عليه وألزمه الملك بذلك وقال له يا ابني إنهم اتفقوا على اختيارك فتوكل على الله فقام فهذه الوظيفة خير قيام وأحبه الأهالي ثم أن أمير الخرمة طلب من الملك نقله إليهم فنقل في آخر عام (١٣٦٥ هـ) وكان في جلوسه لقضاء بلدة الرس لا يأنف من مراجعة العلماء ومشاورتهم كمحمد بن مقبل وعمر بن محمد بن سليم وصالح بن عثمان القاضي وهذه خصلة حميدة تدل على توفيقه فاستمر في قضاء الخدمة ثلاث سنين ولكنه طلب الإعفاء من القضاء لنزاع حصل بين الأمير وبين بعض الأهالي وبما أن الأمير نجل خالد بن منصور بن لوي مكانة فقد ثبتت الحكومة مقدمه في بلده وسار المترجم إلى رنيه وجعل يدرس ويرشد ويعظ وأبي عن الانضمام إلى سلك القضاء وفي عام (١٣٧٢ هـ) سافر إلى الطائف بعدما أصر على عدم مراجعة القضاء فكان مرجعًا للأحباب والأصحاب وأسن وأرهقته الشيخوخة حتى وافاه أجله المحتوم في ٢٨/ ٩ / ١٣٩٥ هـ ﵀ وعفا عنه. وفيها في يوم الثلاثاء ٩/ ٥ وفاة الزاهد محمد بن صالح بن عبد الله الرشودي من أهالي ضاحية رواق الكائن جنوبًا عن مدينة بريدة عن عمر يناهز ٨٤ لأن

стр. 2100

ولادته كانت في آخر سنة المليداء عام (١٣٠٨ هـ) نشأ في عبادة الله وفي العفة والزهد فتعلم القرآن وكان في كفاف من العيش ومع ذلك فكان سخيًّا كريمًا لا يمسك على شيء متصدقًا مواسيًا للفقراء والمساكين وإن كان ذلك جهد مقل فكان لا يتمالك إذا رأى الفقير عن أن يناوله ما تيسر من قنو تمر أو حزمه سنيل أو ما في يده من النقود ويخفي الصدقة ويلتذ ببذل ما يقدر عليه وكان تاليًا لكتاب الله ومكبًا على التلاوة من المصحف ولا يفتر عن الذكر، أما عن صلاة النافلة فحدث ولا حرج وتعجب لحالته كيف يطيق ابن آدم ذلك القيام والركوع والسجود وقد اصطحبنا نحن وإياهم في سفر الحج عام (١٣٥٩ هـ) فرأيته لا يفتر بالليل عن الصلاة والتهجد طوال الليل ويبذل الطعام ولا يمسك شيئًا ولو كان شهيًا وحج ما يفوق عن ستين حجة وغالبها على ظهور الإبل حتى ظهرت السيارات وله خوارق عادات منها أنهم لما أحضروا طعام العشاء له ولأولاده وعاملين عندهم إذا بضيوف لا يقل عددهم عن سبعة فكانوا خمسة عشر بأجمعهم فقام وقعد وأحضر مع الطعام المعتاد تمرًا ثم جعل يسمي ويدير يده على الصحن الصغير ويستنزل البركة فأكلوا وشبعوا جميعًا والصحن على حالته وقد وجد في مزرعته ورقة سنبلة فيها الكتابة التي قدمنا ذكرها في السنة التي قبلها. وكان متقشفًا ششن اليدين والرجلين لا يعبأ كما يصيبه من الصدمات وما يكابده من المشاق في هذه الحياة وكان من رفقه الزاهد محمد بن إبراهيم النجيدي يحجون جميعًا ويعتمرون جميعًا كافًا أذاه عن الناس غامض الذكر غير أن شهرة عبادته وزهده مذكورة وله أخوة منهم عبد الله بن صالح الرشودي يعد من زهاد أهل زمانه وبما أنه لا يقرأ القرآن فهو مولع بسماعه واستماعه فتجده لا يمل من استماع القرآن من كل قارئ لكتاب الله كبيرًا أو صغيرًا فيجلس متواضعًا عن يمين القارئ ويأتم به إذا سجد للتلاوة ولو كان ابن خمس سنين وإذا سمع بجنازة قام مهرولًا لتشييع الميت من البيت أو من حيث وجد الجنازة إلى قبره ويطعم الطعام على حبه مما وجده عند أهله فهو فلاح في سباخ بريدة ويكابد الفقر ويستدين لحبه للصدقة عن جهد مقل ويتابع مجالس الذكر فلا

стр. 2101

يفوته منها شيء، وإذا وجد الغريب أخذ بيده وذهب به إلى بيته فيطعمه مما يجده وربما اغترف من القدر وهي على النار فلا إله إلا الله ما أعجب حالته ولهما أخ يدعى إبراهيم بن صالح يتعبر من الزهاد مات من دور العام المقبل من وفاة محمد. وفيها وقعت اشتباكات عنيفة في ربيع الثاني بين المواطنين العرب داخل المسجد الأقصى وبين عصابة يهودية حاولت تدنيس جدران المسجد، وذلك أن العصابة اقتحمت أبواب المسجد الأقصى وقت صلاة الفجر وتوجهت إلى الجدران تلطخها بالدهان الأسود تقديرًا وتحقيرًا للإسلام ولم ترع للمسجد حرمة بينما توجهت عصابة أخرى إلى مسجد عمر بالقيام بالعملية نفسها وأكدت الأنباء من القادمين من الضفة الغربية المحتلة أن هذه العصابة كانت تستهدف هدم أحد أسوار المسجد الأقصى وقامت جموع المصلين في المسجد وسكان البيوت المجاورة ضد هذه العصابة وتصدوا لهذه الفئات التي كانت تحمل المعاول فدارت اشتباكات عنيفة سقط فيها عدد من الجرحى وقد قامت العرب بمحاولات ضد اليهود فوضعت السعودية قوات مرابطة على الجبهة السورية وقوات مرابطة على الجبهة الأردنية وقام سمو الأمير تركي بن عبد العزيز نائب وزير الدفاع في هذا الشهر بزيادة هذه القوات المرابطة هناك وتفقدها كما قام الرئيس المصري أنور السادات بجولة تشمل الكويت والعراق وسوريا والأردن تهدف لصالح العرب بعد فشل جهود هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية المتقدمة في شهر مارس الماضي، وهذا في شهر ربيع الثاني من هذه السنة. وفيها في ٢٢/ ١ بعد العصر توفيت أم كلثوم المغنية في مصر وقد تأخر تجهيزها ليوم ٢٤/ ١ وقدم إلى مصر لتشييعها إلى قبرها وفود كثرة من بعض الحكومات التي فتنت بالأغاني والأخلاق الساقطة من ذوي العقول السخيفة. وسنورد مقالا من مجلة المجتمع متهكمة إلى آخر السخرية قالت المجلة: (العالم العربي يعيش مرحلة حرجة لا بسبب الاعتداءات على جنوب لبنان وإبادة الأبرياء من السكان الأمنين ولا بسبب تهديدات أمريكا التي تخدش كرامة كل عربي ولا حتى بوقوع حرب

стр. 2102

خامسة ما بين العرب وإسرائيل ليس بسبب كل هذا يعيش العالم العربي مرحلة معلقة إنما بسبب تدهور صحة ملكة الغناء وكوكب الشرق (أم كلثوم) وإليكم ما جاء في الصحف العربية أصدقاء العائلة عائلة أم كلثوم قالوا إن حالة معبودة العالم العربي منذ ٥٠ سنة قد تحسنت أمس فلماذا تحمر أنوف بعض الناس عندما نقول أن ناسًا في بلادنا يعبدون غير الله ويعيشون في جاهلية أشد من جاهلية أبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف ولما أن فرغ صاحب المقالة من السخرية بأولئك المهووسين وكال لهم ككيال السخرية والشماتة ما يقابل خسائرهم في ذهابهم وإيابهم قال اللهم إن المرض والحياة والموت قدر لك حسب أجل معلوم لا يتأخر ولا يتقدم وقدر الله ليس فيه شماتة بل يسرنا أن تتوب (أم كلثوم) قبل موتها عن جريمة تخدير العالم العربي خلال نصف قرن، وإن كان أثرها السيء سيستمر بعد وفاتها ولكن أليس انشغال العالم العربي بمثل هذا دليلًا على ما يعيشه من تخلف وانحراف عن منهج الله. وقال صاحب مقالة أخرى ما هي أم كلثوم إنما هي عجوز شمطاء بلغت من الكِبر عتيًا ويكفيها من الإثم ما ملئت به الأشرطة التي هي وصمة في وجهها إلى يوم القيامة فما اهتز العالم من أقصاه إلى أقصاه لنزول اليهود بلاد العرب وتحكماتهم الانحرافية ولا لما جرى من استلاب فلسطين من أهلها المقيمين الآمنين بأيدي اليهود المغضوب عليهم الذين لم يجدوا رادعًا ولا وازعًا دينيًّا ولا خلقًا عقليًا يمنعهم من الظلم الوجيع لسلام وأهله ولا لما نزل بالقدس والمسجد الأقصى، تارة تأتي العصابات اليهودية بمعاولها لهدمه جهارًا كشهد من الله ومن خلقه ولا لما وقع بلبنان من المجازر الوحشية التي تشيب لها النواصي حتى أصبح الأهالي صيد القناصة من الشيوعيين والنصيرين ولا ما أمسى به أهل فلسطين من أخذ أبريائهم وضعفائهم وزجهم في غيابات السجون حتى امتلأت بمئات الألوف منهم من لقي مصيره بالقتل ومنهم من شردوا عن أوطانهم وانتهبت أموالهم، ومنهم من لا يزال تحت التعذيب ورحمة اليهود الذين نزعت الرحمة من قلوبهم ولا لتوسعات اليهود

стр. 2103

وتحكماتهم في بلاد العرب لم يهتز العالم لذلك كله بل اهتز لموت أم كلثوم العجوز الشمطاء المغنية، فوالله لو عقل أولئك المجانين لعلموا أن قلوبهم قد ماتت قبل موت أم كلثوم ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾. وفيها ٨/ ٨ ثار شعب بنغلادش من الباكستان الشرقية التي سكانها ٧٥ مليونًا وأطاحوا بحكومة مجيب الرحمن، فقتل في بيته وهو رئيس الجمهورية وكانت ولادته عام (١٩٢٠ م) عن عمر يناهز الخامسة والخمسين وتولى بعده الرئيس أحمد وكان يتظاهر بالإسلام ويحارب الشيوعية وكان عضد الرئيس مجيب الرحمن غير أنه كثير الخلاف في الشيوعية. وفيها في يوم عيد الأضحى نشب حريق هائل في منى وحجاج بيت الله مكتظين هناك، وبما أن خيام الحجاج متماسكة فقد أتى الحريق على جملة منها وهلك بأسبابه أنفس كثيرة بشرية، وأصيب آخرون وترك ذلك الحريق ميدانًا كبيرًا وكان أسبابه أسطوانة غاز انفجرت فسببت تلك الأضرار وعم الحريق ما يليه من الأسطوانات. وفيها في اليوم ١٩/ ١٢ قام خمسة إرهابيون فدائيون فاختطفوا طائرة تحمل وزراء البترول أحمد زكي يماني السعودي ووزير الكويت ووزير إيران ووزير العراق وغيرهم وكانوا قد امتطوا تلك الطائرة لحضور المؤتمر في النمسا فأصبحوا مهددين تحت الأخطار وقام أولئك الأشقياء بتسخير الكابتن على ما تقتضيه إرادتهم بعدما قتلوا اثنين من رفقة الوزراء، ثم أنهم ذهبوا بالطائرة يريدون مطار الجزائر وطلبوا تزويدها بالوقود، ثم ذهبوا بالطائرة يريدون مطار تونس غير أن الحكومة هناك مانعت من نزولهم فيها ثم أفرجوا عن بعض الوزراء وأصبح البقية مهددين تحت رحمة الإرهابيين ولما أن رجعوا إلى الجزائر ورجع بقية الوزراء سالمين على متن طائرات بعثت بها إليهم حكوماتهم.

стр. 2104

وقد نشرت جريدة الرياض في ٢٤/ ٣ ما يلي عن ياسر عرفات .. إسرائيل تملك ثلاثة أنواع من الأسلحة النووية وتخطط لحرب جديدة وقد كان ألقي في الليلة الماضية هذا الخطاب في الدوحة وناشد العرب أن يصغوا إلى تحذيراته من نوايا إسرائيل، وقال إنه لا يوجد أدنى شك في أنها تستعد لحرب أخرى، ومضى ياسر عرفات قائلًا أن إسرائيل قد زادت قوتها النظامية من ٨٠٠٠٠ جندي إلى ١٢٠٠٠٠ وضاعفت قوتها من الدروع من ألف وأربعمائة دبابة إلى ٢٦٠٠ دبابة إلى جانب حصولها على مزيد من الطائرات والصواريخ التي تستطيع حمل رؤوس نووية. وقال وعلي أن أؤكد لكم ولدى مصادرنا الخاصة للمعلومات داخل فلسطين المحتلة أن لدى إسرائيل ما بين ثلاث وخمس قنابل ذرية وأن الصواريخ التي أعطيت لإسرائيل قد أعدت لأمر ضخم وعاجلًا أو آجلًا ستلجأ إسرائيل إلى الحرب. وفيها وفاة الأستاذ رضوان إبراهيم في القاهرة وذلك في أواخر شهر ذي الحجة ويعد في مصر أحد كبار موظفي وزارة التعليم وله مقالات عديدة في مجلة الرابطة من سنوات طويلة، وكان فيما يذكر عنه على جانب كبير من دماثة الأخلاق محبوبًا لدى محبيه وعارفيه فرحمة الله على أموات المسلمين. وفي أوائل هذه السنة نشبت خلافات في لبنان وذلك بمناسبة ثورة عزيز الأحدب وخلع المسيحي سليمان فرنجيه ذلك بأنه كان للأول أحزاب يؤيدونه ولم تنجح ثورة عزيز بل كانت أساسًا لفوضى وقعت في لبنان. نشوب الحرب في لبنان لما خلع فرنجية تحزبت أحزاب وتوترت الأحوال جدًّا، وقد أحصي القتلى والجرحى من اليوم السابع من محرم إلى عشرين من الشهر أي بظرف ثلاثة عشر يومًا فبلغت ٧٠٠ قتيل وألفًا ومائتي جريح وقام المسلمون هناك ينادون بالأسواق

стр. 2105

بمكبرات الصوت إلى الجهاد المقدس وكم من عاجز وطفل وعجوز قد أصيبوا من جراء القصف العشوائي وهم لم يشتركوا في القتال، وليس لهم ذنب في جعلهم أهدافًا فالقنابل المدافع وفوهات البنادق والرشاشات وقنابل الطائرات المدمرة ولقد اشتدت الحرب الأهلية في لبنان وبلغت أوج الهمجية وقامت القناصة في أماكن فسددوا ضربات البنادق والرشاشات على كل من مر من الشوارع يضربونهم بالعيارات النارية وحصر الفدائيون في مخيماتهم وقطع عنهم الماء فأصبحوا مهددين بالهلاك من العطش وتوالي الضرب على نسائهم وأطفالهم وتحرجت الحال جدًّا حتى استقال رئيس الوزارة اللبنانية رشيد كرامي لما وضع اتفاقيات عديدة لوقف القتال ووقف إطلاق النار وكلها ترفض، ولقد قام جلالة الملك خالد بن عبد العزيز في ٢/ ١٢ بزيارة رسمية لكل من الأردن وسوريا وأقام ستة أيام هناك وترأس هو والملك حسين بن طلال المأساة اللبنانية وأبديا قلقهما الشديد من استمرار هذه الحالة على النحو الأليم المحزن، حيث انتشر القتل والتدمير على صورة من الوحشية لم يسبق لها مثيل وقد صدر في كل من جدة ودمشق البيان الصحفي التالي عن زيارة جلالة الملك خالد للجمهورية العربية السورية: قام جلالة الملك خالد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية بزيارة رسمية للجمهورية العربية السورية تلبية لدعوة من أخيه سيادة الرئيس حافظ الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية في الفترة ما بين الثالث والعشرين والخامس والعشرين من (١٣٩٥ هـ) الموافق ما بين الخامس والعشرين والسابع والعشرين من كانون الأول عام (١٩٧٥) ميلادي وقد استقبل هناك بكل حفاوة ولقد بذلت ملوك العرب ورؤساؤها جهودًا جبارة لإيقاف هذه الحرب الأهلية في بيروت ولبنان والتي كانت سببًا لشر مستطير اشترك فيه جميع المناوئين للعرب وكانت سببًا لتدخل اليهود الصهاينة فيما لا يعنيها فلم تفلح الجهود المبذولة في ذلك بل استمرت هائجة مائجة وأصبح كل حارة تقاتل الأخرى وكل شارع يقاتل الشارع الآخر وكانت فتنة عمياء يعجب لها وعجز المصلحون وفشل المتوسطون.
следующие страницы →