لسهامهم فقد أحصي الذين أصيبوا فيها منذ بداية الانتفاضة إلى تاريخ ٢١ شوال الموافق ليوم الجمعة من هذه السنة أي في ظرف ثمانية عشر شهرًا وتسعة أيام فكانوا كما يأتي: سبعمائة واثنين وثلاثين قتيلًا، واثنين وثلاثين ألف جريح، واثني عشر ألف سجين، ولكن أطفال الحجارة والمنتفضين كانوا لا يزالون يوالون نشاطاتهم في تفجير العبوات وعرقلة أعمال اليهود ويشعلون الإطارات في طرقهم ويقذفون الزجاج المحماة بالنيران على السيارات والمارة مما أقلقوا راحة اليهود.
أما عن لبنان الذي تضمنه مؤتمر القمة الأخير فها قد قام أعضاء المؤتمر يطرقون الأبواب لوقف إطلاق النار وأن تضع الحرب أوزارها وبعثوا رجاء إلى الأهالي أن يضعوا حدًا لهذه الحرب التي أتت على الرطب واليابس واستنزفت الأموال والدماء وقد يكون سعيهم ذلك له مفعول كبير.
إن لبنان التي تضرب الأمثال في حضارتها ونضارتها فيما مر من السنين بحيث كانت جنة الدنيا ينتابها جميع العالم للمصيف وإراحة النفس وإجمام الجسم لما خصها الله به من النِّعم والفواكه والهواء الطلق والمستشفيات وكثرة المطابع لنشر الكتب الدينية والأدبية والتاريخية وكان فيها أنواع اللهو والأفراح لمن أراد ذلك ممن له هواية ورغبة فيما يعطي نفسه سؤلها من الملذات والمشتهيات وما يجده فيها أهل الخلاعة من أسواق البغايا والعاهرات التي كانت وبلا شك هي سبب دمارها وعقوبات الله التي حلت بها كانت بعدما ذكرنا قد أصبحت آية من آيات الله في الخراب والدمار وسلط الله بعضهم على بعض بحيث أصبحوا يتناحرون ويتقاتلون فيما بينهم.
قال عكرمة أبو عبد الله مولى ابن عباس: جئت يومًا إلى ابن عباس فوجدته يبكي فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداك، فقال: هؤلاء الورقات وإذا هو في سورة الأعراف ينظر في حال أهل القرية الذين ذكرهم الله بقوله:
стр. 2487
﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ (١) إلى آخر ست آيات من القصة وما أحله الله بهم من العقوبة.
ولما فتحت قبرص وفرق بين أهلها وبكى بعضهم إلى بعض كان أبو الدرداء جالسًا وحده يبكي فقال له بعض الصحابة: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك والغلبة تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى.
فتأمل أيها المسلم في كلام هذا الصحابي وإنه لموعظة لمن اعتبر، ولقد بدأت لجنة القمة الثلاثية الخاصة بتسوية أزمة لبنان تعقد أول اجتماعات عملها في يوم الأحد غرة شهر ذي القعدة من هذه السنة في القصر الملكي في الرباط.
امتحانات النقل
في يوم السبت ٢٩/ ١٠ من هذه السنة تقدم أكثر من مليونين ما بين طالب وطالبة لاختبار النقل في سائر المملكة السعودية وأنحائها في جميع المراحل الدراسية وهذا مما يدل على إقبال الأمة على التعليم وتسابقهم على ذلك وما كثر العلم في أمة إلا وسادت وشادت وأفلحت وما ظهر الجهل في أمة إلا ذهب مجدها وتفرق أمرها.
وفيها في شهر شوال ظهر في الصين كتاب يسيء سمعة الإسلام والمسلمين فقامت مظاهرة ضخمة من الطلاب والطالبات المسلمين هناك يقدمون احتجاجهم ضد هذا الكتاب وطالبوا بعدم توزيعه وكان أكثر من أربعة عشر مليونًا من
стр. 2488
المسلمين يعيش معظمهم في أقصى الشمال الغربي وقدم أولئك المتظاهرون مذكرة للحكومة الصينية طالبوها فيها بمنع نشره وحمل المتظاهرون لافتات كتبت باللغتين العربية والصينية ودعت اللافتات إلى إطلاق حرية الأديان والذود عن القرآن الكريم وأن هذا الكتاب مثل كتاب الآيات الشيطانية.
وفاة الخميني
لما كان في يوم الأحد غرة شهر ذي القعدة صباحًا أعلن راديو طهران وفاة آية الله الخميني عن عمر يناهز ٨٩ سنة وقاموا في إيران ينظمون أمور الثورة الإسلامية المزعومة التي أسسها لهم الخميني وقام بها وينفذون وصاياه التي أوصاهم بها وفتحوا أبواب إيران للوافدين الذي سيقدمون للصلاة عليه وتشييع جثمانه إلى مقره الأخير.
أما صكوك الجنة التي منحها أتباعه وبوأهم فيها القصور والغرف فإن رعاعهم يحتفظون بها، وأما النشء المتنور فإنهم يأخذونها من يده ويلقونها على خفية في المزابل بعدما يمزقونها، ولما أن كان من الغد أقيمت عليه صلاة الجنازة بعد الظهر بعدما قدمت الشيعة من أقطار الأرض ومن كل حدب ووقعت ضجة وارتباك وزحمة شديدة هناك ممن كانوا يتمسحون بكفنه ويتبركون به ويصبون عليه مياه الورد، وقد سقط الكفن مرات ممن يعظمونه وكادت أن تمزق الثياب من شدة الزحام.
وجرى على بعضهم من البعض خدوش لكثرة المصلين الذين بلغوا مئات ألوف وكانت وفاته عقب أسبوعين من إجراء عملية لإيقاف نزيف داخلي وكانوا قبل وفاته بليلة قد ناشدوا المواطنين الإيرانيين الدعاء له بالشفاء، ولكنها نقلت الإذاعة عن بيان أصدره المكتب الشخصي للخميني قوله لقد طرأت بعض المصاعب خلال معالجة الإمام.
стр. 2489
ولكنها بثت إذاعة طهران ليلة الأحد أن الأطباء يبذلون قصارى جهدهم لإنقاذ الخميني وفي صباح يوم الأحد بثت إذاعة طهران بيانًا منسوبًا لابن الخميني أحمد الخميني أن الزعيم الإيراني توفي ثم أنه تم تلاوة نص وصية الخميني في جلسة خاصة عقدها مجلس الشورى بحضور مجلس الوزراء مير حسين موسوي وأعضاء لجنة الخبراء ومجلس الوصاية ومجلس القضاء العالي ونواب المجلس والوزراء، وقالت وكالة الأنباء الإيرانية أن مشكيني قد ترأس هذا الاجتماع الذي استغرق ساعتين وخمسًا وأربعين دقيقة، ونقلوا الوصية التي كتبت عام (١٩٨٢ م)، وتم إعادة صياغتها عام (١٩٨٧ م) أحد الحضور وتشتمل على ٢٩ صفحة تحتوي على خمس صفحات كمقدمة وصفحة أخرى كملحق وسيعلن أحمد الخميني وصية والده على أفراد الشعب في وقت قريب.
وفيها في أوائل شهر ذي القعدة وقعت ثورات في الصين استعمل لها السلاح وهلكت أعداد نتيجة هذه الثورة أيامًا بحيث هلك تحت السلاح خلائق كثيرون، وكانت تلك المظاهرات والثورة نتيجة العسف والتضييق على الشعب الذي بلغ عدده (٩٠) مليونًا من الأنفس البشرية ولكنها تحسنت الأمور شيئًا ما بعد الثورة بسبعة أيام، ولقد كانت الصين في الأيام الأخيرة تعرف لها الدول الكبرى حقها في القوة والشراسة وما أعدته من الصواريخ الصينية النووية التي لها مكانتها من الفتك والتدمير وتعتبر أكبر دول العالم سكانًا وعاصمتها (بكين) بلغ سكانها زيادة على عشرة ملايين، وكان نظام الحكم فيها شيوعيًا، هذه هي جمهورية الصين، وكان قد انفصلت عنها فرموزا والجزر القريبة منها وألفت دوله الصين الوطنية، وللصين مكانة عظيمة لأنها غنية بالسهول الواسعة والأنهار الكثيرة التي ترويها، ولقد بلغت الفتوحات الإسلامية في زمن الدولة الأموية إليها أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان، ولقد كانت الأمم تنمو نموًا باهرًا بحيث بلغ إحصاء الحكومة الأميريكة في هذه السنة (٢٤٠) مليونًا، كما أن الروس بلغوا (٢٦٠) مليونًا هذا بالرغم مما يحصل من القتل والدمار والاغتيال.
стр. 2490
ذكر من توفي فيها من الأعيان
فمنهم محمد بن عبد العزيز، ففي صباح يوم الجمعة ١٦ ربيع الآخر عام (١٤٠٩ هـ) أعلن الديوان الملكي البيان وهذا نصه: (انتقل إلى رحمة الله تعالى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبد العزيز آل سعود، حيث وافاه الأجل المحتوم صباح اليوم الجمعة الموافق ١٦/ ٤/ ١٤٠٩ هـ بمدينة الرياض عن عمر يناهز الثمانين سنة ساهم خلالها مع والده مؤسس هذه المملكة بالكثير من الأعمال الجليلة التي كان يقوم بها والده ﵀ للتوحيد وتوحيد استقرار المملكة وسيصلى على سموه ظهر يوم السبت ١٧/ ٤/ ١٤٠٩ هـ في جامع الملك عبد العزيز بالمربع في مدينة الرياض نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته ويسكنه فسيح جناته، إنا لله وإنا إليه راجعون). وهذه ترجمته: هو الأمير الشجاع الباسل الشهير والعلم الظهير والسميدع الخطير الذي رجفت هيبته القلوب ومزق الأعادي في الغرب والشرق والشمال والجنوب صاحب السمو الملكي محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن مقرن القائد المحنك أمير المدينة المنورة سمي بذلك لأنه هو الذي تولى فتحها، كان شعلة نارية مهيبًا متقدمًا وله نفوذ وقدر عظيم ولما أن توفي والده كان سامعًا مطيعًا لأخيه الملك سعود بأرائه خاضعًا لتدابيره وكتب له التاريخ صفحة في الوفاء والذكر الحسن، ولما جاءه دوره لولاية العهد بعد الملك فيصل تركها لأخيه خالد بن عبد العزيز لأنه كان شقيقه.
ولد المترجم عام (١٣٣٠ هـ) في مدينة الرياض وأدخل والده إحدى المدارس الأهلية حتى شب ونشأ في تربيته كأنجال عبد العزيز، وكان صارمًا فتاكًا ولينًا وثوبًا شوهد منه في ملاحقة الدويش وجاسر بن لامي وابن حثلين لما فروا إلى الكويت والعراق والتجأوا إلى الكابتن كلوب المفتش الإداري هناك، وكان والده ينهاه عن أن يخاطر بنفسه وعمره إذ ذاك ثماني عشرة سنة غير أنه ما كان له أن يخلد إلى السكينة حتى يقبض على العدو، فزحف برتل من السيارات على مضض من
стр. 2491
والده جلالة الملك فنازل قبيلة الصفهان التابعة للعجمان فما كان إلا دقائق حتى قضى عليها.
وكان من قواد الجيش السعودي في جهاد اليمن عام (١٣٥٢ هـ) وأحرز نصرًا وتقدمًا، ولما أن كان في فتح المدينة المنورة طلب أهلها من الملك عبد العزيز أن يبعث إليهم للمفاهمة أحد أفراد العائلة لما لقوا من محاصرة فيصل الدويش من قساوة وعناء وشراسة ولا سيما ما تفوه به الأعداء من أن الدويش أطلق الرصاص على قبة الرسول ﷺ والسهام فاقتضى إلى الملك أن يجعل المترجم يحاصر المدينة لما له من الشدة ولكنه أمره أن يضيف إلى الشدة الرفق وعدم القتال لعلهم يسلمون ويستسلمون ففعلًا جرى ذلك واستسلموا للأمير محمد بن عبد العزيز وفتحها الله على يديه، وكان منصور اللواء لا تنهزم رايته أضف إلى ذلك جودًا وكرمًا، وكانت والدته الجوهرة ابنة مساعد بن جلوي بن تركي فأخواله آل جلوي وشقيقه الملك خالد بن عبد العزيز، ولما أن توفي صلى عليه المسلمون في المسجد النبوي بعد صلاة الجمعة صلاة الغائب وعلى رأسهم الملك فهد وأمير المدينة عبد المجيد بن عبد العزيز وأصحاب الفضيلة العلماء وأصحاب المعالي الوزراء وجموع كثيرة غفيرة من المصلين، أما إقامة الصلاة عليه فكما قدمنا.
وممن توفي فيها من الأعيان في مدينة بريدة الشيخ حمود المشيقح ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته هو أبو سليمان حمود بن عبد العزيز بن حمود بن مشيقح بن عبد الله، ولد في عام (١٣١٦ هـ) في مدينة بريدة عاصمة القصيم فنشأ في بيت والده فأدخله والده إحدى المدارس الأهلية في مدينة بريدة ورباه والده تربية حسنة وكان محبوبًا لديه ثم أنه بعدما نجح من المدرسة وحفظ القرآن، وأخذ نصيبًا من تعلم الخط والحساب أخذ في الدراسة على الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وعلى الشيخ عمر بن محمد بن سليم ولازمها وأكثر الأخذ عنهما ومن جملة ما درس على الشيخ عمر فتح الباري شرح صحيح البخاري إذا أخذ في القراءة فإنها خفيفة على
стр. 2492
لسانه لأن له سليقة قوية كأنما تخرج الكلمات من أكبر نحوي، وإن كان قليل الأخذ من علم النحو ولكنها بديهة فقليل لحنه وأخذ عن الشيخ عبد العزيز العبادي لما أن جلس للتدريس في مسجدهم عام (١٣٥٥ هـ) في كتب الفقه والحديث إضافة إلى مجالسة الأولى في بكرات الأيام لأن الشيخ عبد العزيز جعل يدرس ضحى وظهرًا في ذلك المسجد الذي ضم جموعًا كثيرة من الطلاب وأصبح إذ ذاك كزهرة البلاد، وذلك قبل وفاة الشيخ ينتابه طلاب العلم ويترددون إليه.
وكان والد الأسرة عبد العزيز بن حمود بن مشيقح يبذل مساعدات للأجانب الذين في ذلك المسجد وكان من جملة الذين يدرسون على الشيخ عمر بن سليم بعد صلاة العشاء الآخرة في بيتهم وجد واجتهد حتى نال الثقة من والده وإخوانه بحيث كان هو صاحب الدفاتر والصندوق المالي وقبيل وفاة والده فقد بصره وأسف والده لذلك أسفًا شديدًا ولكنه موضع التقدير من أهله ومن أمته وأهل بلده، ولما أقعد كانت الملوك من آل سعود كالملك فيصل والملك خالد والملك فهد ينتابون في بيته للسلام وزيارته إذا ما قدموا إلى القصيم وكان بالرغم من كونه محمولًا في محمل ويسعى بين المروة والصفا راكبًا عربة ولم يمنعه أن أسن وكبر وثقل عن حضور الجمع والجماعات فكانوا يذهبون به إلى المساجد على عربة وكان صابرًا ومحتسبًا.
ولما أن علم الله حسن نيته رزقه من إخوانه وأبنائه وأبناء إخوانه حسن عناية فكانوا ينتابون زيارته كل ليلة بعد العشاء الآخرة ويجتمعون به ويتبادلون الحديث معه وكان راوية للقصص وذا خبرة بالتاريخ عن وعي ومعرفة أضف إلى ذلك أنه كان بصيرًا في أمور دينه ومواليًا لأولياء الله ومعاديًا أعداءه في حسن معتقد ولين معركه مع الكبير والصغير وما زال على الاستقامة حتى وافاه أجله المحتوم في يوم الجمعة ١٣/ ٦/ ١٤٠٩ هـ فصلى عليه المسلمون بعد صلاة العصر وحضر للصلاة عليه خلق كثير وجم غفير في الجامع الكبير ببريدة وشيعه إلى قبره ومثواه الأخير
стр. 2493
جمع كثير من المسلمين بحيث دفن في مقابر الموطا عن عمر يناهز الثالثة والتسعين.
وممن توفي فيها المقرئ المصري عبد الباسط عبد الصمد، والذي طالما ألقيت قراءاته بالإذاعات في مشارق الأرض ومغاربها وقد سجلت أشرطة كثيرة وذلك لحسن ترتيله وجودة صوته، وكان في حال شبيبته له المثلى القيم في تلاوة القرآن وطول النفس والترتيل لما له من سعة الحنجرة، فقلما كان يباريه في حال شبيبته أحد في حسن الترتيل وملأت الأشرطة التي كانت تباع في كل مكان من المجامع والدكاكين والمكاتب وكان قد أصيب قبل وفاته بسنة في حادث سيارة فأثرت عليه، وكانت وفاته في ٢١/ ٤/ ١٤٠٩ هـ.
وفاة معمّر
ففيها في يوم الثلاثاء محرم توفي شيخ قبيلة ثقيف عبد المعين عطية الثقفي عن عمر بلغ مائة سنة وخمسًا وأربعين سنة فيعتبر أكبر معمر في المملكة العربية السعودية، كانت ولادته في عام (١٢٦٢ هـ) وذكروا عنه أنه واحد من الجنود الأوفياء للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود وخدمه بإخلاص ووفاء.
وممن توفى فيها من الأعيان أيضًا الأمير محمد بن سليمان بن عبد الله بن جبرين على إثر مرض ألزمه الفراش فأدخل في مستشفى القوات المسلحة في الرياض ومستشفى الملك فيصل التخصصي، وبعد علاج وعناية وافاه أجله المحتوم، ولم يغنِ حذر عن قدر وهو أخو حمد بن سليمان بن جبرين أمير منطقة حفر الباطن، وكانت وفاته في شهر محرم من هذه السنة.
وممن توفي فيها أمير الهياثم سابقًا محمد بن خالد بن فيصل آل جش وهو أحد مشائخ قحطان الذين خدموا وطنهم بكل تفان وإخلاص هكذا ذكروا، وقد رثاه كثير من شعراء النبط بمراث كبيرة كانت وفاته في غرة شعبان من هذه السنة.
وفيها في ٢٩/ ٥ وفاة إمبراطور اليابان عن عمر تجاوز ٨٢.
стр. 2494
وفيها توفي غازي بن ظافر مدير إدارة أملاك الدولة في مكة المكرمة ورئيس لجنة التقرير والعقار وقد ترحموا عليه ودعوا له بالمغفرة والرحمة لما يعلمونه عنه من المؤهلات والإخلاص.
وممن توفي فيها زميلنا وتلميذنا فهد بن عبد العزيز السعيد كانت وفاته في ١٧/ ٨ من هذه السنة، ولد عام (١٣٣٧ هـ) في مدينة بريدة وأخواله من آل العقيلي فنشأ في الدراسة على المقرئ صالح بن محمد بن عبد العزيز الصقعبي حيث كانت مدرسته آهلة بالتدريس، ولما أن أخذ نصيبًا من تعلم القرآن وأكمله وأخذ نصيبًا من تعلم الخط والحسبات كغيره بحيث كانت المدارس آنذاك أهلية ولم تكن حكومية أخذ في الدراسة على الشيخ عمر بن محمد بن سليم والشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي والشيخ محمد بن صالح المطوع.
كما أنه درس علينا من جملة الدين أخذوا عنا وكان يسكن حجرة في مسجد عودة المشهور بمدينة بريدة والمعروف بمسجد الحميدي المطبوع، وقد أكثر الأخذ عن محمد بن صالح المطبوع ولازمه واحتمى بقربه وكان له فضل عليه كما أن للمؤرخ فضل عليه بحيث كان يساعده في أزمات الأمور ويشد أزره ويدافع عنه.
وبعدما بلغ العشرين من عمره تزوج وكان بيده صناعة الخرازة للأحذية ثم أنه بعدما كان يكابد شيئًا من قلة ذات اليد سعى في أن يكون مديرًا لمدرسة رياض الخبراء من مدن بريدة الغربي فحصل عليها ولبث في إدارتها خمس عشرة سنة ثم رأى أن يكون متقلبًا في الأعمال الحرة فتركها إلى وظيفة محامي يزامله عبد العزيز المزيني من أهالي البكيرية واتخذ لذلك بيتًا في الرياض في شارع الخزان فكان يقضي بعض زمانه في رياض الخبراء وبعضه في العاصمة وله حظ في معرفة العلماء ومجالستهم كما أنه يتصل بالأمراء ويجالسهم ولصبغته في أخذه عن العلماء المتقدمين الذين قد ذكرت كان متأثرًا بالعلم والأدب والدين وفي سلك أهل الفضل.
стр. 2495
كما أنه قوي النفس شجاع كريم الأخلاق وبعد وفاة زميله عدل إلى طبع الكتب الفقهية في بيروت ودمشق وحصل على قدر كبير منها فمن مطبوعاته "الإفصاح" لابن مغيرة و"الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية" و"كشف المخدرات شرح أخصر المختصرات" و"المذهب الأحمد" و"التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع" و"زوائد الكافي والمحرر على المقنع" و"المقنع لابن قدامة" و"جامع العلوم والحِكم" جعله في ثلاثة أجزاء و"تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي" و"الحسبة في الإسلام" و"وظائف الشيخ عبد الرحمن العمري" و"التبيان في أقسام القرآن" و"غاية المنتهى" لمرعي بن يوسف وغيرها وقد أبرزها بالحرف الكبير وخدمها بالتجليد الإفرنجي.
وكان يقول لي إني حرصت على طباعتها بالحرف الكبير أريد أن يقرأها الناس لأن الأبصار قد تضاعفت في هذا الزمان، وحقيقة أنه يشكر على خدمته لكتب الحنابلة، ثم أنه أصيب بمرض يعاوده كهيئة الجلطة حتى توفاه الله في هذه السنة وخلف عقبًا من الذكور والإناث أحد عشر ذكرًا وعشر إناث، وهم يسكنون رياض الخبراء الموطن الذي اختاره والدهم فغفر الله له وعفا عنه.
ذكر ثورة يونيو في السودان
لما أن كان في فجر يوم الجمعة ٢٧ ذي القعدة عام (١٤٠٩ هـ) الموافق ٣٠ يونيو قام عمر حسن البشير بثورة ضد المهدي في السودان واستيقظت الخرطوم على أنباء نجاح وحدات من سلاحي المظلات والمدرعات بقيادة العميد عمر حسن البشير الذي رقى نفسه إلى رتبة فريق أول في السيطرة على العاصمة السودانية وإعلان ثورة (يونيو) للإنقاذ الوطني بقيادة مجلس لقيادة الثورة بقسم عدد من كبار الضباط بينهم العمداء أحمد فضل الله، وعلي يوسف، وعثمان أحمد حسن، ومحمد عثمان سعيد، والعقيد موسى عبد الرحمن.
وأذيع البيان رقم واحد الذي أذاعه راديو أم درمان فجر يوم الجمعة بقيام ثورة
стр. 2496
(يونيو) وألقي القبض على الرئيس الأول الصادق المهدي بعدما حاول الفرار وغير هيئته ثم نزل من القصر بحبل ولكن إلقي القبض عليه لمحاكمته وسيق هو وعدد من وزرائه وسط قافلة عسكرية متجهة إلى أحد سجون الخرطوم.
وقد استولت مدرعات العقيد موسى عبد الرحمن التي قادها على كل المناطق الحيوية في العاصمة وكان أحمد فضل الله وعلي يوسف من جملة الذين اعتقلهم المهدي في ثورة فشلت قبل ذلك فأفرج عنهم وثاروا ضده في هذه الثورة التي نجحت، ثم إن الخرطوم هدأت بعد سيطرة الجيش على القصر الجمهوري وأصدر قائد الثورة عمر حسن البشير مرسومين نصا على تعطيل الدستور وإلغاء رخص الصحف وحل المؤسسات الحكومية والبرلمان وحل الأحزاب والنقابات العمالية، وحذر المرسومان من أي معارضة وأعلن منع التجول في الخرطوم بين الساعة السادسة مساءً حتى الساعة السابعة صباحًا وقال أنه سيتولى مناصب رئيس الدولة ورئيس الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة وكان قواد ثورة يونيو هذه وطنيين متدينين.
ولما أن اعتقل الرئيس الأول الصادق المهدي وصاحبه أحمد الميرغني قامت قواد الثورة الجديدة يبثون سيئاته واحتكاره الأطعمة والأغذية عن المواطنين الذين يعيشون في حالة بؤس من الجوع والفقر ويلاقون من أتعاب الحياة والمساعدات المجلوبة إلى السودان مكدسة لديه، هكذا ذكروا.
وفيها في ليلة التروية مساء يوم الاثنين ليلة الثلاثاء وقع انفجاران حوالي الحرم المكي الشريف عن قنبلتين خارج المسجد إلى جهة الجنوب معبأتين كان ضحيتهما هلاك شخص واحد باكستاني وجرح ستة عشر شخصًا آخرين، فتأثرت الحكومة السعودية لذلك وأقامت لجنة للتحقيق والكشف عن فاعلي ذلك.
وجاءت الأنباء واردة من جميع حكومات الإسلام والعرب مستنكرين لذلك العمل الإجرامي في أقدس بقعة على وجه الأرض وأعلنوا شجبهم لذلك
стр. 2497
وتأييدهم لخادم الحرمين الشريفين وسخطهم البليغ لوقوع ذلك وأنهم يؤيدون الحكومة السعودية ويستنزلون اللعنة على من فعل ذلك في أعظم أيام الله أمام بيت الله.
ولا ريب في أنه لم يفعل ذلك إلا من فقد إنسانيته وخان الله ورسوله والمسلمين وسعى في الأرض فسادًا واستهدف لعقوبة الله تعالى في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ (١).
حادثة قصر أفراح جيزان
لما أن كان في ليلة الأحد ٢٩ ذي القعدة من هذه السنة أقبلت النساء والفتيات والأطفال إلى قصر أفراح جيزان لفرح العرس والاحتفال، وفي آخر الليل عند الانصراف من الاحتفال حصل ضجيج وصراخ وتغاريد من أولئك المجتمعين فنظر عامل القصل وحارسه أن هناك حريقًا بالتماس كهربائي فأقفل عداد الكهرباء فانطلقت النسوة والحاضرون للهرب إلى الخارج وتسببت ضيق بوابة القصر وضيق المسافة إلى أن يخرج الحاضرون من النوافذ ووطأ بعضهم بعضًا وداس بعضهم بعضًا بالأرجل مما أسفر عن مأساة عظيمة من جراء هذا الحادث الأليم فأصبحوا ما بين قتيل وجريح وهبّ رجال الدوريات والنجدة لعمليات الإنقاذ بكسر الأبواب والنوافذ لإخراج المصابين، ولقد تم استدعاء (١٧) طبيبًا من منازلهم على وجه السرعة فجر الواقعة كما تم استدعاء (٢٥) ممرضة مختصة فهلك من هلك وحمل الجرحى إلى المستشفيات هناك.
قال بعض الرواة بينما كنت أمشي بالصدفة بجوار الموقع وإذا بي أشاهد أعدادًا من سيارات الدوريات والنجدة تسير بسرعة مذهلة في الحي فانتابني الذعر
стр. 2498
وانطلقت في غير وعي إلى بوابة القصر لأشاهد أرتالًا من الأجسام البشرية مكومة على بعضها ومن غير إحساس بدأت بالبحث عن الوالدة فسكت قليلًا والتزمنا الصمت ثم جعل يروي ما وقف عليه من المأساة الشنيعة كيف ذهبت ضحايا ذلك الحادث الشنيع من أم وفتاة وصغيرة وكبيرة بحيث انتهى ذلك الحفل على حالة سيئة نسأل الله العافية.
وفي موسم الحج من هذه السنة اشتدت وطأة الحر في مكة المكرمة بحيث بلغت الدرجة ارتفاعًا إلى خمسين درجة ولم تحج إيران في هذه السنة لسوء علاقاتها مع السعودية، كما أنه حصل تفجيرات أخرى في الموسم في بعض الجبال وحريقة في مِنى التهمت خيامًا للحجاج لا يقل عددها عن مائة وعشرين خيمة، ولا ريب أن ذلك من المخاوف والتنكيدات التي يسعى أهل الشقاق والضلال وابتلى الله بها المسلمين، هذا وقد رأى حجاج بيت الله عناية ووجدوا خدمة في توفير المياه والثلوج وجلب الألبان والخبز والخضراوات وغيرها مما وفر لهم أنواع الراحة.
وفيها وفاة العالم العابد الزاهد الناسك والفاضل المجتهد صاحب العلم بالعقيدة السلفية والمتصف بالاستقامة والأعمال والأخلاق المرضية أمام ضاحية السباخ في الموضع الجنوبي من المدينة الشيخ عبد العزيز بن عثمان بن حمد بن مضيان ﵀ وعاف عنه -، ولد في عام (١٣١٦ هـ) في قرية وهطان الواقعة في الجنوبي الشرقي عن مدينة بريدة فنشأ في أحضان والده الشيخ عثمان بن مضيان فأدخله في إحدى المدارس هناك وهي المدرسة الأهلية التي معلمها جده لأمة عبد الله بن معارك، وبعدما تعلم القراءة والكتابة أخذ في الدراسة على الشيخ عبد الله بن إبراهيم الباحوث في موضع العكيرشة، ثم أنه ترقى في التعلم حتى أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ولازمه وتردد إلى حلقاته في المسجد الجامع الكبير في مدينة بريدة وانتهل من ذلك المنهل العذب، ومن زملائه عبد الله العلي العجلاني الذي تقدمت ترجمته وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن فدا وأخذ عن الشيخ
стр. 2499
عمر بن محمد بن سليم وكان يظهر دينه ويلهج بذكر العلماء المتمسكين بالسنة كآل الشيخ محمد والشيخ سليمان بن سحمان والشيخ صالح بن سالم آل بنيان وآل سليم ويظهر موالاتهم ومحبتهم ويميل إليهم وهو في طبقة الشيخ محمد الصالح المطوع في علم العقيدة.
وكان محبوبًا لدى الناس لما هو عليه من الإخلاص لله ومحبته للخير لهم وذا أصل عظيم في العقيدة ومحتفظًا بآثار الصالحين ولديه مكتبة علمية وله فهم وإدراك ومن أهل الولاء والبراء الذين يحبون لله ويبغضون له صابرًا ومحتسبًا وقانعًا بما قسم الله له من الرزق.
ولحسن نيته عاش في كفاف من العيش وفي سرور وغبطة في تفويض أموره لربه، فكان في الاتكال والرضا بمنزلة الملوك وإن كان لا يملك إلا بيتًا يسكنه ولباسًا يلائمه وكفافًا من العيش ولو شئت لقلت أنه من أفذاذ الرجال في حُسن خلقه وطيب مأكله وسلامة صدره وسلامة الناس من شره وقناعته بما آتاه الله، ولقد أكثر الأخذ عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم وسار موجهًا إلى جهة الرياض للأخذ عن علمائها فأخذ عن الشيخ الألمعي عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن شيخ المشائخ، وأخذ عن الشيخ سليمان بن سحيمان وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد اللطيف ثم أنه رجع إلى وهطان يتردد إلى حلق الذكر ببريدة فكان مقيمًا في وهطان.
ولما أن فتحت المدينة المنورة بعثه مشائخه في سنة فتحها بأمر من جلالة الملك عبد العزيز ليكون واعظًا ومرشدًا وموجهًا في الحرم النبوي، وقد يتولى إمامة المسجد النبوي، وبما أن الشيخ سليمان بن عبد الرحمن العمري سار إلى المدينة لتولي القضاء فيها فإن الشيخ عبد العزيز أخذ عنه كما أخذ عن الشيخ سعيد الغلاني، وكان المترجم يلهج بذكر الشيخ سعيد ويمتدحه بعلم العقيدة ويثني عليه.
فقد روى لنا عن هذا الشيخ أن حاجًا من الذين قدموا للصلاة في مسجد
стр. 2500
رسول الله ﵊ شكى واعظًا على الشيخ سعيد وقال أنه يزعم أن الله يتحرك وينزل ويصعد كما ينزل ويصعد الرجل في الدرج فسأل الشيخ ذلك الواعظ عن كلامه ومستفهمًا فقال لم أذكر إلا ما جاء في الحديث "إن الله ينزل في آخر كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" ولم أذكر كيفية النزول بل ذكرت الحديث كما جاء.
فقال الشيخ للسائل اسمع يا بني حدثني أبي عن جدي عن فلان وساق بالإسناد إلى أبي هريرة عن صاحب هذه الحجرة وأشار إليها أنه قال ذلك، فبكى السائل واقتنع وزال عنه الشك، وكان المترجم يلهج بذكر الشيخ سعيد ويثني عليه ثم أن المترجم رجع إلى بلدته وهطان.
ولما أن توفي الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ﵀ وتولى أخوه مقامه رأى تأسيس جامع لضاحية السباخ فرأى في طلاب العلم البارزين في الدين والعقيدة من يكون إمامًا له فوقع الاختيار على المترجم وصدرت الأوامر عليه ليتولى إمامة الجامع والخطابة فيه عام (١٣٥١ هـ) فنقل من هطان إلى فيحان أو السباخ المذكور فكان إمامهم وخطيبهم ويرجعون إليه في الفتيا وعقود الأنكحة والنظر في شئونهم والإصلاح فيما بينهم وتولى إدارة المدرسة الأهلية هناك والتدريس في المسجد الجامع ودرس عليه وأخذ عنه جمع كثير من بين أولئك عبد الله بن عبد العزيز الصعب وأمير الضاحية صالح بن عبد الله التويجري وعبد الله المحمد بن مبارك وغانم إسماعيل وعبد العزيز بن إسماعيل وأبناؤهم وغيرهم، وتخرج عليه عدد كثير.
ولبث في إمامة المسجد الجامع ثلاثة وأربعين سنة ولما أن أسن ورقّ عظمه وأقعدته الشيخوخة انتقل إلى السادة وهي الموضع الكائن في جنوبي بريدة الشرقي وتفرغ للعبادة وقد يجلس للتدريس في المسجد ويؤم فيه في ذلك الموضع، ثم أنه ثقل سمعه وضعف بصره وفقد البصر لكنه لا يزال يقرأ عليه بعض أحفاده
стр. 2501
ويسمعه القراءة ثم مرض وجعلت الأسقام تتردد على جسمه حتى توفاه الله تعالى في وقت أذان العصر من اليوم ١٥ من شهر ذي الحجة وصلى عليه المسلمون في المسجد الجامع الكبير في بريدة ودُفن في مقبرة السباخ بعد صلاة العشاء الأخير من ذلك اليوم لوصيته بذلك.
ومن الغرائب ما سأذكره في رؤيا رأيتها في إحدى ليالي سنة (١٣٨٧ هـ) من أنني رأيت في المنام قائلًا يقول أن النبي محمد بن عبد الله في المسجد الغربي من مدينة بريدة فقمت مسارعًا لرؤيته والسلام عليه وذهبت إلى مسجد الشيخ محمد بن عمر بن سليم المعروف بمسجد أبو علطا وبينما كنت أمشي مبادرًا في شارع آل عطيشان إذا بقائل يقول هنا فأخذت باليسار إلى حيث أشار فدخلت مسجدًا هناك من طين فصعدت إلى سطحه بشوق عظيم وكان ذلك المسجد جدرانه مكللة بطين سبخ وفيه صف واحد ونصف صف فجعلت أسأل عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه فأخذ إنسان بحصاة قدر الحمصة ورماها إلى نحوه مشيرًا إلى موضعه في يسار الصف الأول، فلما رآني استقبلني ووجهه نحوي إلى الجهة الشمالية الشرقية فقبلته ثم صافحته وكان في هندامه على هيئة المترجم بثوبي خام قد بدى طرف الكمين الأسفلين من الأعليين وكان في صفته باسم الوجه أشمط الشعر أطول من المترجم بقليل بصفة رجل أعرفه يدعى إبراهيم السديري، وبعدما تبادلنا التحية والتقبيل بشوق مني عظيم قلت: يا رسول الله إن الناس قد أضاعوا سنتك، فأجابني بقوله: وماذا على سنتي إذا أُضيعت فهل يستوي الأعمى والمهتدي بضدهما وجعل يحثني على اتباع السنة حثًا عظيمًا ويشجعني في الثبات عليها على قدر ما يتكلم به ويستطيع التعبير عنه ثم جعل يتمثل بأبيات من الشعر كنت أظنها أبياتًا ذكرها ابن القيم في عدة الصابرين وهي قوله:
سأترك وصلكم شرفًا وعزًا ... لخسة سائر الشركاء فيه
إذا كثر الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه
стр. 2502
وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب يلغن فيه
فاستيقظتُ ويدي في يده وقد حالت بين وبينه اليقظة ويعلم الله أن رائحة المسك لتفوح من فمي طوال ذلك اليوم وكنت في رؤيتي له وما عليه بشت إنما عليه قيمصان.
ولما أن فجعنا بوفاة محبنا عبد العزيز بن عثمان قلت فيه هذه الأبيات التي كانت مرثية فيه وأشادة بذكره:
الله أكبر هذا الدين قد رجفت ... به رحى من منون الموت منعثرا
إذا مضى زمر تتلوها زمر ... وأصبحت باليات العقد منتثرا
عبد العزيز رعاك الله من رجل ... كنت الأريب وكنت السمع والبصرا
حفظت لله عهدًا من أمانته ... وقمت فيما رعاك الله مصطبرا
بك الأمانة فيك الخير أجمعه ... خصال خير تعالى الله مقتدرا
ليهنك العلم والقرآن في سحر ... ترتل الآي في الأسحار والسورا
وكنت في الأصل مقدامًا تعلمهم ... تقرر الدين والتوحيد مشتهرا
على سنا من هدي الرحمن تبشر به ... عن حسن قصد وقلب بالتقى عمرا
نبكيك يا من إلى الرحمن في وجل ... قد سرت متجهًا نحو العلى فخرا
فقل لمن جاء ينعى موته أسفًا ... ومخبرًا بالردى أخبرت بالخبرا
نعيت من العلى والخير أجمعه ... وجئت فيما يسيء السمع والبصرا
نعى إلينا صديقًا ليس ننكره ... محافظًا دهره في الود ليس منعثرا
أتيت في نبأ أخباره كمد ... يكاد منها جميل الصبر ينشمرا
نعيت حبرًا همامًا فائقًا أممًا ... وللمساجد بالأذكار قد عمرا
برًا وصولًا لبيبًا بل أخًا ثقة ... فيا له من مرزء قد شوش الفكرا
يا لهف نفسي ووا حزني ووا أسفا ... على الزكي الذي قد أسبل العبرا
стр. 2503
عبد العزيز الذي طابت شمائله ... أكرم به من صديق فائق السيرا
أهكذا تذهب الأخيار ليس لهم ... عين ولا أثر يبقي لهم خبرا
عليك من عفو مولانا العظيم أجمعه ... وما منح إله العرش منحصرا
سقى ثرى حله نجم الهدى سحب ... من واسع العفو والغفران منهمرا
وصل ربِّ على المختار من بشر ... شفيعًا من سمى علوًا ومفتخرا
محمد من أتى بالشرع ميسرة ... وإله مع صحاب كابدوا السهرا
وفي النهار ففرسان لهم جلب ... قد أعلنوا الحق في علو ومنحدرا
ورثاه أيضًا تلميذه عبد العزيز بن عبد الرحمن بن يحيى بهذه القصيدة منوهًا بفضله ومعربًا عن أعماله التي قام بها:
بكيت والدمع من عيني تنهمر ... وقد رضيت بما يأتي به القدر
مضى الأفاضل والأيام باقية ... وكل مجد سوى التقوى سيندثر
وهذه حالة الدنيا وسنتها ... كم من عزيز لنا قد ضمه المدر
ودعت شيخ الهدى والقلب في كمد ... والحزن في مهجتي ما زال يستعر
عبد العزيز بن عثمان كفى شرفًا ... بالمضيان حقًا كان يشتهر
نشأ بروضة علم زانها أدب ... تنبيك عن حالها الأخبار والسير
آل سليم بحور العلم في سلف ... هم الأماجد والأقطاب والغرر
كم أرشدوا الخلق نحو الشرع مع سنن ... أم القصيم بذكر القوم تفتخر
من ثم سافر كي يزداد معرفة ... نحو الرياض التي بالعلم تزدهر
على ابن عبد اللطيف الجد قدوتنا ... شيخ المشايخ ما في نهجه وضر
كم خرجوا من إمام فاضل فطن ... بالبر والخير والإصلاح يتزر
بمسجد المصطفى أم الوفود به ... وكان للشيخ في أرجائه أثر
سل عنه وهطان والأطلال شاهدة ... فذاك فيحان سلّه عنده الخبر
عم المصاب بموت الشيخ وا أسفًا ... فالعلم يبكي على أهل له قبروا
стр. 2504
فموت أهل التقى نقص يهددنا ... ماذا عسى بعد أهل الخير ينتظر
أحباب قلبي مضوا لله في عجل ... ومن بقي منهمو للنحب ينتظر
بالأمس كنت فخورًا في مجالسهم ... بروضة أنف قد زانها الزهر
علم وبحث وتوجيه وتبصرة ... يسودها الخير لا الإعجاب والشجر
واليوم هم في بطون الأرض قد سكنوا ... لله فيها البقاء والأمر والخير
فالمجد مهما علا فالموت ينزله ... والعمر لو طال فيها طوله قصر
لا تغترر بحياة أنت تاركها ... انظر لمن ملكوا فيها ومن أمروا
إلى آخرها وهي حسنة.
وقد ختمت هذه السنة والقتال مستعر في لبنان والزعازع تهدد أهله وأهالي فلسطين بالضفة الغربية بحالة يرثى لها فلا هم استطاعوا بانتفاضتهم أن يحققوا نصرًا مؤزرًا ينهي ما كانوا فيه من الضيم والقهر ولا كانت اليهود تحسن موقفها نحوهم الذين كانوا في دفاعهم لاسترجاع حقوقهم المسلوبة من قِبل اليهود ومناصريهم وأصبحت تلك الأعداء يتربصون بهم إحدى الحسنيين، ولكن نصر الله قريب.
أما أهالي أفغانستان وجهادهم مع حكومة كابل التي تمدها الروس بقواها فلا تزال نيران الحرب مستعرة وقد انتصر المجاهدون هناك انتصارًا مؤزرًا وجعلت قاذفات القنابل الصاروخية تهدد حكومة كابل بمدافعها القوية التي تزجي الوحوش وتبعث الموت والهلع والخوف على من في أمامها.
وهكذا ثورة السودان الأخيرة فإنها لم تستطع السيطرة على الجنوب بصورة نهائية، وأما الدول المتنازعة وقد حصل بينها النزاع ولا سيما الدولتين العظموين فإن النزاع لم ينته بينها بصورة قطعية تضمن لكل واحدة الأمن والسلامة من الأخرى، وإلى الله تصير الأمور.
стр. 2505
ثم دخلت سنة (١٤١٠ ه ـ)
في أوائل محرم من هذه السنة أقامت إيران في الرئاسة لجمهوريتها بدلًا عن الخميني الرئيس الجديد (علي أكبر هاشمي رفسنجاني) فأصبح رئيسًا لجمهوريتها وزعيمًا هناك، وكانوا لم يحجوا في السنة الماضية منشغلين بوفاة الخميني وتنفيذ وصاياه، وعكف جهالهم على قبره يعظمونه ويبنون عليه كعبة، ولما قدمنا من سوء صلاتهم بالسعودية.
وفي هذه السنة في أوائل محرم فشلت المساعي لوقف إطلاق النار في لبنان وعجز الساعون في الوساطة والإصلاح وانسحبوا آسفين لذلك، وقد استعرت نيران الحروب فيها ولم تزل الأمور في تعقيد واضطراب وهدم وتقتيل من راجمات الصواريخ والقنابل الصاروخية والمدافع والنسف.
ومن نية الرئيس السوري حافظ الأسد أن يقضي على لبنان ويجعلها أثرًا بعد عين، وقد طالب الأهالي بسحب قوات سوريا لأنه لا يمكن للبنان استقامة ما دامت القوات السورية فيها واستمرت الأحوال هناك هائجة مائجة تنذر بشرها وويلاتها.
وكانت اللجنة التي تضم المملكة السعودية والجزائر والمغرب قد قالت يوم ٣١ يوليو تموز الموافق ليوم الثلاثاء ٢٩ ذي الحجة من العام الماضي أن جهودنا لإنهاء الحرب الأهلية المستمرة في لبنان منذ أربعة عشر عامًا وصلت إلى طريق مسدود ثم أنه جاء البيان استجابة لدعوة من الأمين العام للأمم المتحدة (خافيير بيريز دي كويلار) إلى عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن لمحاولة وقف إراقة الدماء في لبنان، وقال البيان الذي قرأه رئيس المجلس (حسين جودي) مندوب الجزائر المجلس يدعو جميع الأطراف بإلحاح إلى وضع نهاية فورية لجميع العمليات ولجميع أعمال إطلاق النيران والقصف في البر والبحر ويناشد جميع الأطراف بقوة الالتزام بوقف شامل وفوري لإطلاق النار.
стр. 2506
ولما دعا مجلس الأمن الدولي إلى ذلك قبل عون رئيس الحكومة العسكرية دون شروط نداء مجلس الأمن الحازم بوقف فوري وشامل لإطلاق النار، وحصل هدوء نسبي وكانت دعوة مجلس الأمن الدولي في ساعة متأخرة فجر يوم الثلاثاء ١٤/ ١/ ١٤١٠ هـ وقد انتهى ذلك الهدوء بمعارك شرسة صباحًا أوقعت ٣ قتلى و ١٢ جريحًا وهرب سكان البقاع بواسطة ٥ آلاف سيارة باتجاه الحدود السورية، وتدفق آلاف آخرين إلى بعلبك وكان المجلس قد أعرب عن تأييده الكامل للجنة الثلاثية التابعة للجامعة العربية في جهودها لإنهاء الأزمة مع الحفاظ على وحدة لبنان واستقلاله وكان ذلك عن جهود بذلها ملك المملكة السعودية في هذا الموضوع.
ذكر حادثة غريبة (ميت يخرج من قبره بعد دفنه بـ ٢٧ ساعة)
لما أن كان في ١٤/ ١ من هذه السنة أصيب رجل يدعى معتق ظافر الشهراني بسكتة قلبية قضت على أهله وذويه به والمستشفى أنه قضى نحبه من هذه الحياة فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه وحمل إلى قبره.
ولما أن نصبت عليه لبناته وهدوا عليه التراب سمعوا بعد مضي سبع وعشرين ساعة من دفنه سمعوا صراخه في قبره فكشفوا عنه قبره فوجدوه حيًا فقام من لحده بأكفانه وذهب إلى أهله والدته وأخته مرتديًا أكفانه، فلما دخل البيت صعق أهل البيت لرؤيته وهلكوا بعد رجوعه إلى الدنيا، زهد في الدنيا وجعل يتجول في القرى ينام في المساجد ويأكل في المطاعم وترك الدنيا وزينتها بكاملها فلا أهل ولا مال ولا أملاك، وهذا مما يدل على كمال قدرة الله تعالى، وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
فبعد تجهيزه والصلاة على جثمانه وإيداعه في لحده وحمله على نعشه سمع صراخه بعد مضي ٢٧ ساعة.
وكان الذين سمعوا صراخه كما يروي قصته بنفسه أنه مر رعاة الغنم من فوق
стр. 2507
أرضية المقبرة فسمعوا صوته وصراخه فعادوا إلى القرية وأبلغوا الناس فحضروا وقاموا بحفر القبر فخرج عليهم وهربوا خوفًا من منظره لما خرج بأكفانه، وذهب إلى أهله كما مرّ وكان يقول عندما أفقت وأنا في القبر رفعت رأسي فضرب في الحجارة التي كان لها أثر في رأسه، أما عن حالته في القبر فقال شاهدت وكأني في الحلم شخصين حضرا وأخذ أحدهما يسأل الآخر عن عملي فقال له لا يزال له حياة في الدنيا، عندها أفقت على صوت الأغنام ولكنه ساءت حالته متمنيًا دوام الموت لصعقة والدته وأخته لما دخل عليهما، ولما قيل له ما هي النصيحة التي توجهها للناس بعد تجربتك التي عشتها فقال: نصيحتي لهم أن لا تنسيهم الدنيا الآخرة وأن يعملوا لآخرتهم، وكان يرى على منظره كهيئة البهق وكانت قصته بهذا الوضع تذكر بتمام قدرة الله جلت عظمته وأن لكل أجل كتاب.
وتذكرنا هذه القصة بما ذكره الحافظ ابن كثير في تاريخه أنها جرت هذه الواقعة لرجل دفن على إثر سكتة فقدر أنه جاء نباش لأخذ كفنه فوافق أنه أفاق فقام مستويًا وفرّ النباش منهزمًا فجاء إلى أهله بأكفانه قد اتزر ببعضها وحل الآخر مرابطه فوجدهم يبكون وينتحبون لموته فلم يشعروا إلا وقد عاد من قبره يحمل كفنه، والله على كل شيء قدير فسُمي حامل كفنه وعاش بعد ذلك خمسة عشر عامًا.
وقد ذكر علماء الطب المتقدمون أنه قد يموت الإنسان ويوارى في قبره على إثر السكتة فربما أفاق ولم يجد من يخرجه من القبر ويعالج الخروج فلا يتمكن حتى يخمد.
ولكننا نأخذ من ذلك درسًا وهو عدم العجلة في تجهيزه حتى يتبين موته، وذكروا أنه كثيرًا ما يحصل ذلك، وكان صاحب هذه الحادثة عمره يبلغ التاسعة والأربعين من العمر ويذكر أن حرارة القبر أعظم من حرارة نار الدنيا (١).
стр. 2508
وفي هذه السَّنة بلغ عدد مساجد منطقة القصيم ألفين وخمسمائة وخمسة وأربعين مسجدًا منها مائتان وخمسة وأربعون جامعًا.
وكانت طباعة المصحف الأخير الذي سعت الحكومة في طبعه وإيجاده باسم مصحف المدينة المنورة مجمع الملك فهد قد انتشرت إلى حد بعيد فقد امتلأت به مساجد المملكة وانقطعت أنواع الطباعة المصرية والهندية بحيث لا يقع الطرف في الغالب إلا على هذه الطباعة الجديدة وتقدم ذكر توزيعه على غالب الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها وذلك بإعداد الملايين.
وكانت طباعته بالقطع الكبير والمتوسط على حسب التوجيه والتنظيم للصفحات بحيث كان الجزء من القرآن الحكيم يقع في عشرين صفحة وعشر ورقات مجلدًا تجليدًا فاخرًا.
وإنها لخطوة تقدمية رائعة لخدمة كتاب الله العزيز وقد رأيت منه قسمًا ممتازًا في تجليده في مساجد المدينة المنورة كما أنها حظيت المدينة المنورة بعناية فائقة من الملك فهد بن عبد العزيز وفقه الله لما يحبه ويرضاه، وأصبحت التوسعة الأخيرة للمسجد النبوي ولمسجد قباء ومسجد القبلتين لها شأن عظيم وتطورت المكيفات فيها بالحسن والوضع وكان لها دور عظيم.
وأمرت الحكومة السعودية بترميم خمسين مسجدًا في أنحاء فلسطين المحتلة وصيانتها بدعم مالي، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (١) ولكن كيف يصنع بالذين قال الله في حقهم: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ
стр. 2509
فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ (١) نعم قامت اليهود بهدم المساجد وتحريق المسجد الأقصى الذي قال الله في حقه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (٢) قال بعض العلماء: أخيفوهم بأبي أنتم وأمي، وقال بعض المفسرين: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلًا أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها.
وقد جلس العدو في ديارنا آمنًا غير خائف ومدد حبال أطنابه ولم يرعَ جانبًا ولم يرتقب محاميًا على الأوطان يصول عليه وينقضّ عليه بل أصبح متغلبًا متهكمًا آمنًا مطمئنًا ولم تراع آية البقرة ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ (٣) وانشغل المسلمون خاصة والعرب عامة بترفهم ولعبهم وصدق عليهم خبر الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه في قوله: "إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم أبناء الملوك أبناء فارس والروم سلّط الله شرارها على خيارها" رواه الترمذي وقال ﷺ : "إذا ضنّ الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتركوا الجهاد في سبيل الله وأخذوا أذناب البقر أنزل الله عليهم من السماء بلاءً فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم" ذكره ابن أبي الدنيا، وقد تبايع الناس بالعينة وتعاطوا بالربا وانهمكوا في الزراعة وصرفوا لها جُلّ أوقاتهم وتركوا الجهاد في سبيل الله وتخاذلوا.
стр. 2510
وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا فما شئت تراه في تفكك في المجتمع وتباين في الأهواء، وكل له صوت يريد ارتفاعه مما ذهب بمجدهم وجعلهم في ديارهم أذلاء وفي أوطانهم غرباء فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد قدمنا تقتيل المسلمين في المساجد وهم يصلون في بلاد السودان وتشتيت اليهود للمصلين صلاة التراويح وطردهم عن المساجد وازداد الطين بلة بما جرى على أهالي فلسطين في آخر السنة الماضية وأوائل هذه السنة من تهشيم رؤوس الأطفال وتنقيب أعينهم وتعذيبهم بالرمضاء واقفين على قدم واحد وتغليق مدارسهم وحرمانهم من الدراسة وهتك محارمهم وشرفهم.
وكأن الأمة لا يسمعون ولا بما دهاهم يتوجعون فإخوانهم يسامون سوء العذاب تقتل أبناؤهم وتستباح محارمهم وهم عن ذلك منشغلون وفي ترفهم يلعبون لاهية قلوبهم وفي غفلة معرضون فلو رأيت ذلك الفتى الفلسطيني يقتل أمام أمه بعد تهشيم أسنانه وقلع إحدى عينيه وإحراقه بالسجائر في اليوم ١٩ من شهر محرم من هذه السنة يوم الأحد لا نخلع قلبك أيها المواطن الكريم إن كان لك قلب وإلا فاسأل الله أن يهبك قلبًا.
فكرة عاطفية
لما أن كانت لحوم الهدي والأضاحي تراق دماؤها في مِنى ولا ينتفع بها إنما كانت آخرتها أن تلقى جيفًا تؤذي برائحتها من مرّ بها اقتضت المصلحة أن تبعث محفوظة بالثلاجات إلى من بحاجتها من المنكوبين والجياع في فلسطين والمجاهدين في أفغانستان، فحملت على متون الطائرات عشرات الآلاف في هذه السنة منها إلى أولئك البؤساء والفقراء، ومن كان بحاجة إليها ليأكلوها وينتفعوا بها وإنها لفكرة جيدة من الحكومة السعودية، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ
стр. 2511
الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ (١) فلقد كان في الهند جياع يئنون من الجوع والمساغب وتوصلت الأحوال إلى أن أكل بعضهم أطفالهم لما لم يجدوا ما يسدوا جوعتهم عياذًا بالله من الجوع وقد استعاذ منه نبينا في قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البضاعة وأعوذ بك من الحاجة إلا إليك".
وقد وجب نشر الفضائل لتقرظ بها الآذان ويثبتها التاريخ لأهلها، فلقد قام الشعب بقيادة الحكومة السعودية وتبرعوا تبرعات لا تبلغها العبارة ومنهم من تبرع بجهد من مقل وأكثروا على أنفسهم وامتلأت باحات المساجد في المملكة السعودية من الأكوات والثياب والبطانيات وغيرها من الملبوسات لبعثها إلى المتضررين في السودان وأفغانستان وفلسطين وقامت لجان يقبضون النقود والنفقات ويسلمونها من يبعثها إلى المتضررين هناك، وإنها لبادرة عطف وإحسان يشكرون عليها وتوضع لهذا الشعب أسطرًا من نور تروى ويدوي ذكرها في المشارق والمغارب وبيضوا وجه تاريخهم بتلك الأفعال الخيرية، وكنت أرى إذا نادى المنادي في الجوامع ومصليات الأعياد والمساجد بالتبرع تسابقًا وتنافسًا في هذه الصدقات وهان عليهم كل ما يبذلونه وألقت النساء حليها وأقراطها بين يدي أولئك الأطفال الذين أمروا أن يجمعوا الصدقات، وقد تكرر ذلك مرات عديدة وما سئموا.
ولا سيما ما كان في المسجد الجامع في مدينة بريدة فقد شهد ذلك الجامع الكبير فيها أعمالًا خيرية وأثبتت أرباعه واسطواناته وجدرانه أخبارًا ستحدث بها يوم هول المطلع لأربابها والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
ولقد سمعت وأنا في أحد الأندية من تبرع بخمسين ألف ريال من أولئك الأجواد.
стр. 2512
وما أحسن ما قاله بعض الأدباء في معرض كلامه الذي أثبته في مؤلفه: مررتُ بدار فقير جائع وهو يشكو الجوع والإملاق، فلما سرتُ أريد صاحبًا لي وجدته يشكو بطنه من الشبع والبطنة فقلتُ يا عجبًا لو أنصف الناس وعاد ذلك الغني القوي على ذلك الفقير المعدم لما تضرر أحدهما.
لقد كثرت التبرعات في هذه السنين الأخيرة من الشعب السعودي تارة للجزائر وتارة لليمن وتارة للمجاهدين في أفغانستان وتارة لضعفاء فلسطين الذين أوذوا في ديارهم وأوطانهم وعذبوا وقتلوا وسجنوا، أما ما كان عن التبرعات نحو الطوارئ الداخلية فقد قام الشعب بالتبرعات المالية لجمعيات البر الخيرية ودراسات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد والحِلق وتوالت سيول التبرعات لهذه المهمة وبذلها للمعلمين والمتعلمين مما أحدث نشاطًا وسيرًا قويًا وقد امتلأت المجلات في ذكر المتبرعين التي تصدر من جماعة تحفيظ القرآن وتسابقت الأمة إلى هذا العمل الخيري حكومة وشعبًا وكان لها أثرها التقدمي في هذا، وقد قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: "خيركم من تعلم القرآن وعلّمه" كما أن تأسيس جمعيات البر استفادت الأمة منها إن كان فضلات الموائد الكبار وأسارها بعدما كانت تطرح في المزابل والأسواق أسفل الحيطان وطريق المارة كانت أعضاء هذه الجمعيات يحملونها ويوزعونها على الفقراء والمحتاجين.
هذا ولا يفوتنا ما قام به أمير منطقة الجوف عبد الرحمن بن أحمد السديري من عناية قام بها نحو المعوقين من الأطفال هناك الذين بلغ عددهم مائتي معوق كانوا بأمسّ الحاجة لوجود جهة ترعاهم وتقوم بخدمتهم، وكانوا يثنون ببالغ الثناء على الأمير عبد الرحمن السديري وسمعت الأمير سليمان التركي في منطقة تبوك يثني على المذكور ويذكره بالرجولة والأخلاق الفاضلة وكنتُ أظنه فوق ما قيل عنه ولا سيما ما بذله نحو جمعية البر الخيرية هناك، وقد طلب مني عاشق اللحاوي شيخ الشرارات حينما وجدته في ضيافة الأمير سليمان التركي بتبوك أن أقوم بزيارة
стр. 2513
الجوف ورؤية دومة الجندل والالتقاء بالأمير عبد الرحمن السديري، لكنني أجّلت الزيارة لوقت واسع حقق الله الآمال وإلى وضع هذه الكلمات في ٢٦/ ١ من هذه السنة لم تسنح الفرصة بذلك.
ثم إننا نعود إلى مصلحة مشروع الإفادة من لحوم الهدي والأضاحي فقد أعلنت جريدة الرياض أنه تم شحن خمسمائة ألف ذبيحة من الغنم إلى إحدى وعشرين دولة في العالم في آخر السنة الماضية وأوائل هذه السنة توزع إلى مستحقيها هناك، ومن أهم ذلك إنقاذ اليتامى في أفغانستان الذين قتل آباؤهم وأمهاتهم وأصبحوا يهيمون في الفلوات والبراري بغير طعام ولا شراب فكانوا يأكلون أوراق الشجر من الجوع، وإليك هذه القصة التي يرويها مجاهد خرج سائحًا ليدفن الشهداء هناك وينقذ الأيتام بما لديه من الاستطاعة، وعلى قدر وسعه ومقدرته في أراضي أفغانستان وهي سياحة معجزة وسفرة غريبة مريرة يرويها التاريخ.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ (١).
ذكرت جريدة "المسلمون" الدولية في عددها (٢٣٧) الجمعة ١٧ محرم ١٤١٠ هـ أن رجلًا يدعى جمال اليماني ابتدأ رحلة من مدينة جدة قام بها ليرى بلاد أفغانستان ويتتبع الأيتام في صحاري أفغانستان وجبالها لإنقاذهم من الهلاك والجوع فسار بسيارته الهزيلة محملة بالغذاء، ولكنها تسير تارة وتنطفئ أخرى وتارة يحملها على ظهر شاحنة فمائة وثمانين يومًا كان يسير بهذه الحالة وعلى هذه الصفة، وكان يتحدث عن سائق الشاحنة الذي عبر معه إلى قندهار وما واجهه من المصاعب التي تطارده فيها الذئاب فلا يسمع إلا أصوات عواء الذئاب ترتطم بشدة بأذنيه وآذان من صحبهم هناك من المجاهدين.
ثم ذكر أنه قام يبحث عن يتامى المجاهدين فوجدهم يأكلون أوراق الشجر من
стр. 2514
الجوع وأنهم يعيشون بحالة بؤس من الحياة التي رماهم بها الزمان فلا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا.
وحاول قطاع الطريق قتله حينما كان يسير في بلاد تخلو من الجن والإنس وواصل رحلته فوصل إلى مدينة موحشة عندما يأتيها الليل يختفي منها أشكال الحياة تمامًا والصمت يطبق عليها فتشعر أنك في مدينة هجرها السكان، فسأل عن السر بحيث جاء إلى المدينة نهارًا ورأى فيها حركة لا تهدأ فأين ذهب كل هؤلاء الناس، فقيل إنها ملأى بالمخاطر جواسيس ومنافقون يعدون أنفاس الهوى ليطيروها إلى الشيوعيين ومجرمون وقطّاع طرق يحاولون أن يروعوا أمن المدينة بالسرقة والنهب والقتل مما جعلني أخشى على ما أحمله من مساعدات لليتامى.
وبعد أن وصلنا إلى الضفة الأخرى انطلقت بالسيارة التي تارة تسير سير السلحفاة وتارة تسحب بالحبال وسط مسالك جبلية صعبة حتى لا تصل إليهم أنظار الشيوعيين، وأخذنا يومين كاملين دون أن نبصر أمامنا أو خلفنا شيئًا كأننا نسبح في فضاء واسع يتعذر على العين أن ترى نهاية لأفقه الواسع.
ويحكي جمال بأن الشيوعيين شعروا به فأطلقوا عليه صاروخين لكنه انبطح على بطنه في الأرض فلم تصبه وكتبت له النجاة وأنه عانى ورفيقه جوعًا وعطشًا بلغ بهما إلى درجة أن أيقنوا بالهلاك وبينما هما كذلك إذ رأيا عين ماء تنبع من باطن الجبل فأسرعا إليها ورأيا أنها عناية من الله هي أغلى من كل كنوز الدنيا، قال فأخذنا نرتشف الماء ونفرقه بأيدينا، ويواصل مقالته بأنه في أثناء تجولاته بين قندهار وكوتيا وجد اثنين من المجاهدين يحملان زميلًا ثالثًا أصابته طلقات الشيوعيين في الجبهة، وعندما عرّفهما بنفسه وطلبا منه أن يحمله للعلاج بمستشفى المدينة المنورة على الحدود الباكستانية ويعيدهما لاستكمال الجهاد لفظ المريض آخر أنفاسه.
قال فطلبت أباه بعد جهد شديد وإذا هو طاعن في السن ليس له مصدر رزق فأخبره أن ابنه الآخر استشهد منذ عشرة شهور وأن الاثنين متزوجان ولكل منهما
стр. 2515
طفلان صغيران فأعطاه عشرة آلاف روبية أفغانية كمساعدة عاجلة وقام الرحالة بعمل كفالات لأبناء المجاهدين وصحبه الأب العجوز إلى أسرة مجاهد ثالث استشهد وترك أطفالًا بلا مأوى قال فذهبت معه لمساعدتهم ثم ذهب يمشي في طرق ذات منحنيات وصخور ومرتفعات (١٥) يومًا على قدميه لم يركب سيارة.
وذكر أنه أعطى كفالات لمائة يتيم وخمسة أيتام وجدهم داخل ثماني عشرة قرية.
قال ووجدت سبع قرى ليس بها سكان على الإطلاق قد حولها الشيوعيون إلى خرابات وواصل رحلته إلى وادي قاصدًا قرية نزل عليها الشيوعيون أطلق عليها المجاهدون اسم قرية الشهداء وذكر أيتامًا عاينهم يأكلون أوراق الشجر من الجوع وقد ذكر ما جرى عليه من الطرق الجبلية والصخور الضخمة التي تصطدم بها سيارته الضعيفة وتكاد تهوي به إلى أسفل المرتفعات ووافق لذلك أمطار مستمرة تجعل شلالات الماء تتدفق عليه وعلى سيارته وربما غرزت حتى بلغت المياه إلى محركها.
قال ولما حملت السيارة بالشاحنة كان معي بالطبع سائق الشاحنة وكان يردد الشهادتين طوال الطريق إلى قندهار وكنت أسمعه يتمتم بدعوات تبينت منها أنه يدعو ربه أن يتولى أبناءه القُصَّر الذين سيصبحوا يتاما بفقده وقلت له ربك لا ينسى أحدًا، إنني أجتاز هذه المصاعب لأبحث عن اليتامى إلى آخر ما رواه من الأهوال التي صدرت من الشيوعيين مما تستك له الأسماع وتنفر منه الطباع وتبعث أوجاع القلوب وتهيج الأحزان والكروب فلا حول ولا قوة إلا بعلام الغيوب.
ذكر فاجعة عظيمة
لما كان في ١٦ مايو الموافق ١١/ ١٠ من السنة الماضية انفجرت سيارة ملغومة هز لها بيروت وتحطمت زجاج منزل الحص كان ضحيتها واحد وعشرون شهيدًا من بينهم مفتي لبنان وسقوط مائة جريح.
стр. 2516
وكانت الخسارة باغتيال مفتي بيروت عظيمة، وكانت هذه الأيادي الآثمة أودت بحياة صاحب الفضيلة في بيروت سماحة مفتي بيروت الشيخ حسن خالد بعد أن عجزت كل حراب الحرب وكل المقريات والتهديدات عن أن تثنيه عن موقفه الإنساني، ولما أن جرت هذه الحادثة تأثر لها زعماء العرب وغيرت وجه التاريخ، وقال عنها نائب رئيس مجلس الوزراء الكويتي صباح الأحمد أن الجناة هم الذين عاثوا بلبنان طوال أعوام الأزمة، وقال عنها الحسين بن طلال أنها أيدٍ أثيمة لا تتقي الله دبرت الجريمة، وقال عنها حافظ الأسد أرادوا باغتياله اغتيال السعي المخلص للحل.
أما الرياض فهي تشجب وتستنكر وتطالب بكشف الجناة الذين اغتالوا الشيخ حسن خالد، وكانت سيارة المفتي لما جرى هذا الحادث طارت في الهواء من قوة الانفجار فارتطمت بحائط مسلح، وبعث الملك حسين برسالة تعزية إلى رئيس الحكومة اللبنانية بالنيابة سليم الحص وجاءت التعازي لتقديمها في مسجد عائشة بكار، وذكر عن الفقيد أنه مفتي الجمهورية اللبنانية ومرجع المسلمين في لبنان في كافة أمورهم وشئونهم الدينية والاجتماعية وممثلهم بهذه الصفة لدى السلطات الرسمية في لبنان وخارج لبنان، فهو رئيس مجلس القضاء الشرعي الأعلى ومرجع جميع الموظفين.
وهذه ترجمته: هو العالم السياسي في الجمهورية اللبنانية، ولد في بيروت وتابع دراسته الأولى في مدارس المقاصد الإسلامية في بيروت ودراسته الثانوية في الكلية الشرعية في بيروت، وفي عام (١٩٤٦ م) تخرج من كلية أصول الدين بالأزهر في القاهرة وكان جامع الأزهر إذ ذاك وما حوالي تلك السنة مدرسة شريفة ينتابها طلاب العلم، وعُيّن على إثر ذلك أستاذًا في الكلية الشرعية في بيروت، لمادتي المنطق والتوحيد، ثم نقل إلى المحكمة الشرعية الإسلامية، وفي عام (١٩٥٤ م) عين نائب قاضي بيروت الشرعي، ثم في عام (١٩٥٧ م) عُين قاضيًا شرعيًا لقضاء
стр. 2517
عكار، ثم انتقل إلى محكمة محافظة جبل لبنان الشرعية، وفي عام (١٩٦٠ م) اختير لمنصب الإفتاء في الجمهورية اللبنانية في ٢١ كانون الأول من عام (١٩٦٦ م) وهو منصب يشغله صاحبه مدى الحياة، وفي عام (١٩٦٧ م) منحته جامعة الأزهر بالقاهرة شهادة الدكتوراه الفخرية.
وكان له مؤلفات دينية واجتماعية وسياسية منها الإسلام والتكامل المادي في المجتمع، ومنها أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، ومنها المواريث في الشريعة الإسلامية - الشهيد في الإسلامية - ومنها آراء ومواقف وغيرها من المؤلفات.
وفي اليوم الذي ذكرنا من الشهر المذكور اغتيل بأسباب الأيدي الأثيمة وقضوا على تلك الشعلة المنيرة فقبّح الله أهل الفساد وأراح منهم العباد والبلاد.
وهذه سادس شخصية بارزة يتم اغتيالها منذ (١٩٧٥ م) فقد كانت وفاة معروف سعد في صيدا في مارس عام (١٩٧٥ م) متأثرًا بجروح أصيب بها خلال تظاهرة من الأحداث التي أدت إلى اندلاع الحرب في إبريل عام (١٩٧٥ م) وتم اغتيال كمال جنبلاط زعيم اليسار اللبناني في ٦ مارس (١٩٧٨ م)، وقتل طوني فرنجيه ابن الرئيس الأسبق سليمان فرنجيه في ١٢ يونيو من تلك السنة وثلاثون من أنصاره بأيدي مجموعة مسلحة، وقتل الرئيس المنتخب بشير الجمَّيل في ١٤ سبتمبر عام (١٩٨٢ م) بعد انتخابه بانفجار أدى إلى تدمير مقر حزب الكتائب وقتل رئيس الوزراء رشيد كرامي في أول يونيو (١٩٨٧ م) من جراء انفجار قنبلة وضعت خلف مقعده في طائرة الهليوكبتر كما أن موسى الصدر الزعيم للشيعة في لبنان فقد فُقد منذ ٢٠ أغسطس (١٩٧٨ م) عقب زيارة قام بها لليبيا وقد سبق للمترجم أن نجا من محاولة لاغتياله عام (١٩٨٥ م) عندما انفجرت سيارة ملغومة بالقرب من موكبه في بيروت الغربية.
وفيها في ٤ محرم أصيبت بنغلاديش المنفصلة عن الباكستان بفيضانات سببت أضرارًا كثيرة تلف بسببها أموال وأصيب آخرون وسقط بسببها بيوت.
стр. 2518
كما أنه أصيب في اليوم نفسه بعض من مدن الهند بفيضانات هلك بسببها أعداد من البشر هناك، وحصلت فيها أضرار.
وفيها في يوم الجمعة ٢٢/ ٢ بعد صلاة الجمعة أُتي بأناس من الكويت وغيره عثر عليهم بتفجير العبوات الناسفة في مكة المكرمة أيام موسم الحج غالبهم شباب في العشرين والخامسة والعشرين بعدما جرى التحقيق معهم وإدانتهم بهذه الجرائم القبيحة، فقتل منهم ستة عشر مجرمًا بالسيف بضرب أعناقهم والتشهير بهم وسجن بعض الأشقياء لمدة تتراوح من خمسة عشر سنة إلى عشرين، وجلدهم كل واحد منهم ألف جلدة وخمسمائة جلدة مفرقة، نسأل الله العافية.
ومن العجائب أن بعضهم متنورون وعارفون بأحكام الشريعة وما يعامل به المفسدون في الأرض من التعذيب والتقتيل والتشريد، ولكن من سبقت له من الله سابقة لا بد من أن يكون عليها.
ولقد اعتمرنا في السابع من هذا الشهر نفسه ومررنا بالمدينة المنورة والطائف فرأينا من أسباب الأمن والطمأنينة ما تقرّ به العيون وتنشرح به الصدور، جزى الله حكومتنا خير الجزاء، ولا تزال من أنجال الملك عبد العزيز من يرفع راية الحق ويعود الأمة الإسلامية إلى سعادتها وصلاحها ولا سيما الملك الحالي خادم الحرمين الشريفين فهد بن عبد العزيز.
أما عن حالة المخربين الذين تقدم ذكرهم فإنهم يحملون الجنسية الكويتية والأصل من إيران يدينون بالإسلام وهم من الشيعة، وقد اعترفوا في التحقيق معهم بأنهم مخطئون وآسفون على ما جرى منهم ونادمون ولكن في وقت لا ينفع فيه الندم، وقد أبرزت صورهم في جريدة الشرق الأوسط بحالة طمأنينة وملابس عربية حسنة ذكروا أنهم استلموا العبوات الناسفة من السفارة الإيرانية بالكويت واستطاعوا أن يدخلوا بها في المملكة السعودية، ولهذا يتبين ما يبيته الفرس من الغدر والخيانة وتربص الدوائر بالمسلمين والمكر بهم.
стр. 2519
ذكر إعادة الكرة للسعي في وضع الحرب ببيروت ولبنان
قد قدمنا ما توصلت به الأحوال في الحرب اللبنانية وكيف عمهم الله بحرب طاحنة لا تبقي ولا تذر، وتأزمت الأمور وعمّ القلق في النزاع بين المسلمين والنصارى واليهود ورفع كل خائن في الشام رأسه في إثارة الفِتن، ولم يقتصروا على المذابح فيما بينهم حتى تدخلت إيران في هذا الشر وغيرها، ولما أن فشلت جهود المصلحين أولًا لم ييأسوا من السعي ثانيًا لعل وعسى.
وقام الإبراهيمي يسعى بالموضوع ولكنه بالرغم من ذلك اغتيل النائب في بيروت الغربية ناظم القادري وكان قتله وهو يهم بالدخول بالسيارة حين أطلق الرصاص عليه، وكان عضوًا في مجلس النواب من بيروت الغربية وجرى قتله يوم الخميس ٢١ صفر يوافق ٢١ سبتمبر أيلول (١٩٨٩ م)، وكان قتله قد هز الأوساط القيادية في لبنان لأنها جاءت في وقت يستعد فيه اللبنانيون لملمة جروحهم وطي صفحة الحرب، وفي وقت تنشط فيه الجهود ولتطبيق مقررات اللجنة الثلاثية العربية التي تهدف إلى إعادة السلام، ولقد حذر الموفد الخاص للجنة الثلاثية الأخضر الإبراهيمي من مغبة تلك الأفعال ويصفون القتيل بأنه كان معروفًا بحماسته لقضايا العالم العربي، ولد في قرية البيرة، ونال إجازة الحقوق من جامعة دمشق وورث عن والده مفتي راسيا والحرص على الاهتمام بقضايا الناس وشئونهم، وفي عام (١٩٥١ م) انتخب نائبًا عن منطقة البقاع الغربي وتولى مناصب وزارية، ولقد قامت واشنطن وموسكو تدعوان لإنهاء معاناة الشعب اللبناني.
ولما أن كان في يوم الأحد ٢٤ صفر من هذه عم التزام شامل بوقف إطلاق النار في لبنان وإعادة فتح مطار وميناء بيروت وهبطت أول طائرة قبل ظهر يوم الأحد في مطار بيروت، كما رست سفينة في ميناء بيروت في صباح ذلك اليوم وعمت فرحة شعبية غامرة وتدفق العائدون إلى العاصمة وافتتحت سفارة فلسطينية بمصر.
стр. 2520
ولا تزال الانتفاضة الفلسطينية تتقدم، وأشعل الفلسطينيون حرائق عظيمة وألقوا الرعب في قلوب اليهود، ولقد استطاعت اللجنة الثلاثية في مواصلة جهودها الجبارة أن تنال مقصودها رغم ارتباك المتحاربين واختلاف آرائهم وعدم التعاون مع المصلحين، ولكنه لم يتطرق السأم ولا الكلل إلى السير نحو الغاية المطلوبة منهم وأكثر الله الرجال المصلحين الذين يضحون بأوقاتهم ويسهرون في طلب الغاية المنشودة والضالة المفقودة.
وفيها في يوم الجمعة الموافق ٢٩ صفر بعد صلاة الجمعة تم تنفيذ أحكام الشريعة على قطاع طرق في الرياض وسكاكا والباحة اختطفوا صبيانًا وفتيات وفعلوا الفاحشة بهم وانتهبوا الأموال وقتلوا الأنفس وأفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.
وكانت هذه العصابات لم تتورع عن فعل فاحشة الزنا واللواط ونهب الأموال وعن قتل الأنفس بحيث يقفون في الطرق ويخيفون الآمنين بتلك الأفعال الشنيعة.
مثال ذلك أن اعترض ثلاثة من هؤلاء المفسدين في الأرض لصاحب سيارة معه زوجته وابنته وأشهروا المسدس وقالوا لا بد أن تخلي بيننا وبين محارمك فخوفهم بالله وعقوبته فقالوا له لا بد من ذلك، فقال: هذه سبعون ألف ريال في الدرج أفتدي بيها فرضخ اثنان منهم وصمم واحد على جريمته غير أن صاحبيه ما زالا به حتى عدل إلى المال فسلمهم سبعين ألفًا وسلِم وعائلته من شرهم، وهكذا فعل هذه الفئات الضالة، لكن الله يسر القبض عليهم فأعدم عشرة منهم بالسيف وسجن بعضهم لمدة تتراوح من عشر سنين إلى عشرين سنة، وحكمت المحاكم الشرعية بقطع أيديهم وجلدهم ثمانين جلدة، وبعضهم ألف جلدة، ولقد جردت الحكومة رجالًا من رجال الأمن وجندتهم لهذه وللقبض على أولئك المجرمين، وقد يطلقون النار من رشاشاتهم ومسدساتهم على رجال الأمن، فمن سالم ومن هالك، وأعلنت وزارة الداخلية بأرقامها وتحذيراتها بأنها قد سلت السيف على كل مفسد
стр. 2521
ومجرم حتى لا تكون فتنة وأنها ستقبض بأيدٍ من حديد على مثل هؤلاء اللصوص المفسدين من غير كلل ولا ملل وأن من صدرت منه مثل تلك الأفعال فهو مستهدف للعقوبة، ولقد تلاعب قوم بالأمن وجرى في السنين الأربع المتقدمة سرقات، وكسرت أقفال الدكاكين، ونهبت الأموال من وسط الحروز وجرى من عدم الاهتمام شر كبير، ولله درّ العالم أحمد بن مشرف حيث يقول في قصيدته البائية تنهيظًا للإمام فيصل بن تركي لقتال قطاع الطرق:
فكم قعدوا للمسلمين بمرصد ... وكم أفسدوا في سبلها بالنهائب
فيا ليت شعري هل سراة حماتها ... قيام فهم ما بين لاه ولاعب
أم الحدّ منهم كلّ أم زندهم كبا ... أم القوم غروا بالأماني الكواذب
فقد كان تخشى بأسهم أسد الشرا ... فصارت بهم تغدو صغار الثعالب
فقل لإمام المسلمين وسر له ... بنفسك أو بلغه مع كل راكب
وأنشده إن أحسست منه تثاقلا ... إذا لم يسالمك الزمان فحارب
وبما أن السيف لا يزال مسلولًا على أهل هذه الجرائم وفي كل يوم بعد يوم الجمعة تنشر الجرائد قتل عدد من المجرمين فإن هذا الإقدام على الجرائم الشنيعة لا يزال مستمرًا نسأل الله العافية.
ولقد كانت إقراراتهم بعد التحقيق معهم تحزن بحيث يعترفون بأخطائهم ويقعون باللائمة على أنفسهم وعلى الشياطين التي أغوتهم وأضلتهم عن سواء السبيل، وحتى وضع هذه الأحرف فإن المخاوف والزعازع لا تزال مستمرة في كل يوم بل في كل ساعة تقع هذه الجرائم ليلًا ونهارًا ولم يتوفر الأمن والراحة.
ولقد كانت هذه العصابات تحتفر خنادق في الأرض حتى تخرج من مسافة سبعين مترًا إلى مائة وخمسين مترًا على أسفل معارض الذهب والمجوهرات فتنتهبها بالرغم من وجود الحراس ورجال الأمن حتى أخافوا الآمنين، ويصبح الناس يتحدثون أُخذ من معرض فلان خمسة وثلاثون كيلو غرام من الذهب، وأخذ من
стр. 2522
معرض فلان كذا وأخذ من معرض فلان كذا، وهجم على البيت الفلاني فانتهب جميع ما يحتوي عليه حتى الفرش والمكيفات اقتلعت.
ووجدت عصابة يبلغ عددها ثلاثين أعرابيًا يأوون إلى جبل من منازل عتيبة في عالية نجد الغربية اتخذوه مأوى لهم وينهبون ويقطعون الطريق ويذهبون إلى محطات البنزين فيهددون العمال بمسدساتهم ويفتحون الصناديق فيأخذون جميع ما تحتوي عليه من النقود، وهذا في غرة شهر صفر من هذه السنة ولا تزال رجال الأمن تلاحقهم.
وفيها وفاة الشيخ علي بن فراج الهلالي في أواخر شهر محرم من هذه السنة ﵀ وعفا عنه كان هو المساعد في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ وفيه غيرة دينية وقسوة على العصاة فلا تأخذه في الله لومة لائم، وذلك في عام (١٣٦١ هـ) جلست معهم في إدارتهم بمكة المكرمة لزيارتهم والسلام عليهم، فكان المساعد على رأسهم ثم جعل مفتشًا في الهيئات بمكة المكرمة.
وفيها وفاة الشيخ عبد الله بن محمد بن خربوش أحد أئمة المسجد النبوي سابقًا ﵀، كان يصلي فريضة العصر بالمسلمين في المسجد النبوي، كانت وفاته في يوم الأحد ١٠/ ٢ من هذه السنة فصلى عليه المسلمون بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم وشيعه إلى المقابر خلق كثير ودعوا له وترحموا عليه.
ولقد وقفت على توسعة المسجد النبوي في يوم السبت ٩/ ٢ من هذه السنة فرأيت العمال يشتغلون، وقد أقيمت أعمدة تلك التوسعة الضخمة الواسعة، فرأيت عملًا جبارًا بقوة في الحديد والإسمنت ورأيت المهندسين بلباسهم ومصباتهم العظيمة وأعمالهم الشاقة في الرافعات والونشات وما إلى ذلك من معدات ودركتورات والعمل بغاية الهندسة، وقد شرعوا في المنائر التي زيدت في هذه التوسعة وهي وإن كانت حسنة جميلة فإنها تستدعي وقتًا طويلًا.
стр. 2523
كما أنني حينما قدمت مكة المكرمة في يوم الاثنين ١١ صفر وقفت على التوسعة التي ستضاف إلى المسجد الحرام من الجهة الغربية فرأيت المعدات من دركتورات وحفارات في قعر الأرض لعمل ذلك القبو وسيارات نقل التراب وحمله شيئًا عظيمًا، والعمل ضخم جدًا ولا تزال الخدمة في الحرمين الشريفين بالغة جدًا تشكر عليها الحكومة السعودية كما أن المفروشات ترفع ويغسل المسجد بالصابون وتعمل فيه تنظيفات وتوضع ترامس المياه المبردة من ماء زمزم بشكل كبير وأكواب الشرب موضوعة عن يمين الجالس، وبعد فراغه من الكأس يجعله إلى اليسار بشكل فني ونظافة فائقة لم يسبق لها نظير.
وكانت العناية بالمسجد الحرام أيام الحسين الشريف ضعيفة جدًا لأنه لم يكن في تلك الأزمان استعدادات كافية فكان شارع المسعى ترابًا ثائر الغبرة وعلى جانبتيه الدكاكين حتى رصفه الملك المغفور له عبد العزيز بالحجارة، كما أن الحجاج والعُمار يسعون فيه تحت وطأة الشمس ونزول مياه الأمطار حتى سقفه الملك عبد العزيز بسقف صالح في زمنه وما زالت الأحوال تتحسن حتى أصبح بهذا المنظر البديع في الصيف والشتاء لا يرى الساعي ما يسوؤه، وفي أمن وطمأنينة من الأمطار والشمس.
ولقد أدركت في أوائل عمري في الأركان صورًا من الأشجار في داخل المسجد تسمى شجر القناديل معلقة فيها سرج، وفي عتبة باب الكعبة شمعتان طويلتان تحمل لإنارة الكعبة ويتولى وضعها بنو شيبة كما أن البناية التي أحاطت ببئر زمزم قد جعل فيها أبواب على قدر قامة الرجل الربعة فيها مياه يغترف منها بكؤوس مربوطة بسلاسل، وقد أزيلت البناية وسحب من أسفل الأرض مواسير تنقل من البئر، وأزيل باب بني شيبة وأزيل المنبر لهذه التوسعة الأخيرة وكان المسلمون من أهالي مكة المكرمة وغيرها يجعلون حجالًا فيها ماء للشراب ويتسابقون إلى ذلك.
وقد يكتب عليها هذا سبيل فلان أو فلانة حتى أتى الله بهذا العمل الأخير
стр. 2524
وضرب الناس بعطن وأزيل التراب والحصباء عن المسجد الحرام لأنه لم يكن قبل ذلك إلا مماشي مبنية من الأبواب حتى صحن المطاف وقد يعثر بها الحجاج في وقت الزحمة، وهناك حفرة قعرها بقدر حجزة الرجل أمام باب الكعبة يزعمون أنها معجن الطين حينما كان يبني الخليل الكعبة وابنه إسماعيل ﵉ يناوله منها الطين ومن الناس من يسمي تلك الحفرة بحفرة التوبة ينزل فيها الرجل أو المرأة يصليان وهي تسع ثلاثة من المصلين ببناية حسنة بنتها تركيا، وإذا وجدوا إنسانًا يسأل عنها ليصلي فيها فإنهم يترحمون عليه ويأسون لحالته لأنهم يرون أن توبة الجاني من الذنب الكبير تقبل إذا صلى في تلك الحفرة، وهي ملاصقة للشاذروان عن يمين الداخل للكعبة، وقد أزيلت وردمت ترجيحًا للمصلحة وتوسعة للطائفين.
نعم وإن الله يقبل توبة التائب ولو كان في أي مكان، وقد يقوم جهال الحجاج يتمسحون بثياب بني شيبة كما كانوا يتمسحون بكسوة الكعبة اليوم.
ولقد طلبنا من رجال الأمن وخدم الكعبة وسدنتها منعهم من ذلك، ولكنهم أبدوا سئمًا ومللًا وتعبًا ومشقة بحيث لا يجدي منعهم شيئًا.
ولكنه مما يثير الأشجان ويبعث الأحزان ويذيب الأبدان ويمرض نوع الإنسان أن يقوم أناس يزعمون أنهم مسلمون فيغزون الكعبة المشرفة والأماكن المقدسة مستصحبين متفجرات وقنابل لهدم شعائر الإسلام ونسف الجسور في مكة المكرمة ويهجمون على حجاج بيت الله الحرام في أيام الله المحترمة بالسكاكين والسواطير متذرعين بالحج فيقتلون المسلمين أمام الكعبة المشرفة وتحت جدرانها ويفعلون تلك الجرائم ويخيفوا المسلمين كما ذكرنا (١).
стр. 2525
ولقد كان الحرم الشريف والأماكن المقدسة محترمة في وقت الجاهلية فضلًا عن نشوء الإسلام وما قررته الشريعة المطهرة والآيات القرآنية فيه بحيث لو دخل الحرم جان جناية توجب القطع أو القتل لم يتعرض له حتى يخرج وكذلك الصيد من الظباء والطيور لا بأس بملاحقتها وصيدها ما لم تدخل الحرم، فإذا دخلت الحرم المحدود بأميال معلومة من كل جهة حرم التعرض لها بحيث يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١).
وحرمة البيت معلومة حتى عند المشركين الأولين وعند أهل الجاهلية في جاهليتهم كما قال القائل:
إن الفضول تعاقدوا وتعاهدوا ... أن لا يقر ببطن مكة ظالم
وفي حديث أبي شريح خويلد بن عمرو أنه ﷺ قال: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها - يعني مكة - دمًا ولا يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب".
وفيها فتحت الحكومة باب البقيع للزائرين بعدما أغلق وجعل شباك حوالي البيت ليسلم الزائرون دون دخول حمايةً للموتى لئلا يحصل المشي على القبور وبالأقدام والنعال، ولكنه فتح ترجيحًا للمصلحة لأن من الأتراك والشيعة من لا تطمئن أنفسهم إلا بالسير بين القبور والوقوف أمامها للسلام وأن يكون ذلك على الأفراد.
وكان يوجد أناس يعلمون الزائرين ويدلونهم على القبور ومعرفتها ومن داخل الباب برادات للشاربين.