← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

جعل دورات مياه في الشاعر وأنوار كهربائية، وتوفير أرزاق وفواكه وثلوج، وغير ذلك بما يعود بالمصلحة على الحجاج والمسلمين. إن بطش ربك لشديد زلزال شديد يصيب إيران عام ١٤١٠ هـ، ففي صباح اليوم ٢٨ من ذي القعدة الموافق ليوم الخميس أصيب شمال غربي إيران بزلزال كانت ضحاياه ثلاثين ألف قتيل ومائة ألف جريح، لذلك قام رجال الإنقاذ هناك بانتشال جثث القتلى، وحدث لذلك انزعاج في إيران وبعثوا يطلبون الإغاثة من جميع المسلمين، وكانت الضربة قاسية جدًا بحيث شرد مئات الآلاف، أذاعت بذلك الحكومة الإيرانية وذكرت أن ٢٥٢٤١ قتيلًا من إقليم جيلان، و ٣٧٠٩ من إقليم زانجان وكلهم لقوا حتفهم من جراء تلك الحادثة التي تعد أعظم زلزال يكون، مدوا أيديهم يطلبون التبرعات ما عدا إسرائيل، وسبب ذلك الزلزال فوادح من تهديم المنازل والإرجاف بالسكان وإلقاء الرعب في قلوبهم، وكان ذلك الزلزال لم ينته بصورة نهائية، وأصيبت به إيران، وقد يكون مثل هذا من آثار الذنوب والمعاصي التي تجري، ولم يغفل الله عنها. زلزال وهزات أخرى تصيب إيران لما كان في اليوم ١/ ١٢ أصيبت إيران أيضًا بزلزال عنيف في أذربيجان وغيرها، تكسرت منها الجبال وتهدمت الأرض من شدته وقوته، وألقيت البيوت مساوية للأرض، وتعطلت حركة الطرق، وهز الزلزال عاصمة غيلان، وما زالت جثث القتلى تنتشل حتى عجز المنقذون، وكلما وقفوا في جهة تقطعت الأرض من أسفلهم حتى عجزوا عن دفنهم فرادى ودفنوا جماعيًا، ومن جهة أخرى فقد راحت جيف القتلى وخشوا من تسرب الأمراض بينهم، وقد كان يتزايد عدد القتلى في الدقيقة والثانية، فأصبحت إيران المنكوبة بحالة يرثى لها، بحيث أنه لم يمر في سالف الأيام وفيما مضى زلزال إيران أعظم من هذا الزلزال حتى بلغ في أخر يوم الاثنين

стр. 2557

الموافق ٣ ذي الحجة عدد القتلى ثمانين ألف قتيل وثلاثمائة وخمسين ألف جريح، ومسحت البيوت على ظهر الأرض، وخرت الجبال وتكسرت من عظمة الزلزال، وشرد ثمانمائة ألف من السكان غير مواقع الهلكة، وتنجرف المياه أنهارًا على ظهر الأرض، وانقطعت المواصلات وتيارات الكهرباء، وكان حجم الخسائر البشرية والمادية من مائة وعشرين قرية انمحت عن أخرها ضخمًا جدًا إلى درجة أن الحكومة بقواتها تبذل قصارى جهودها ولا تستطيع أن تفعل الشيء الذي يكفل إنقاذ المصابين ومساعدة الناجين، ودعا المسؤول الإيراني جميع المواطنين في البلاد إلى التطوع لإنقاذ الجرحى، وكان من بين تلك القرى من عمهم الدمار، ولم ينج واحد منهم، وكانت الضربات تهز الإقليم وتدمر على التوالي شيئًا فشيئًا، وتداركت الزلازل وعم الخطر والهول، حتى كانت الأرض كالجحيم ولا يستطيع الدنو من مواضع الدمار أحد من الذين هبوا عن بكرة أبيهم للعلاج من الورطة. وفيها وفاة الأمير محمد بن تركي، كان من الأسرة السعودية ﵀ وعفا عنه فرفعت التعازي إلى الملك فهد وولي العهد ووزير الدفاع، وإلى أبنائه وعائلته. وفيها وفاة علي بن إبراهيم بن علي الرشودي مدير عام المجاهدين، كان من جملة الذين درسوا علينا وأسرته آل علي، كما أن الفخذ الثاني ينتسبون إلى صالح، كان أبوه من زعماء مدينة بريدة، وعمه رئيس علماء القصيم فهد بن علي الرشودي، ويمتاز المتوفى بالعقل والكرم، وقد تولى سابقًا وكالة إمارة بريدة، ثم كان رئيسًا في البلديات ﵀ وعفا عنه، وكان أديبًا مأمون الشر متزنًا، فرفعت التعازي إلى ذويه وأقربائه، وكانت في أوائل شهر ذي الحجة من هذه السنة. وفيها في موسم الحج يوم عرفة أصيبت بعض خيام الحجاج في منى والحجاج في الوقوف بحريقة، واستطاعت الحكومة أن تقضي عليها قبل سريان النار، وعرضت الحكومة في الحال خيامًا سواها. وفيها في موسم الحج أيضًا يوم عيد النحر وقع ارتباك شديد بين المارة في النفق المعروف بنفق المعيصم بمنى، وحارت الآراء حول أسباب ذلك، ولم تتكشف الأمور

стр. 2558

إلى بعد ذلك، وقد عاقب الله من دبر هذه المكيدة بعقاب أليم، كما أنه قتل بعض مدبريه، وصدق الله حيث يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] , وقامت سيارات الإسعاف تنقل المصابين إلى المستشفيات والمستوصفات، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد تأثرت الجهات المسؤولة عن ترتيب الحجاج وعلى رأسهم الملك فهد وولي عهده ووزير الداخلية، وكان هذا في منتصف النهار من يوم العيد. تنبيه: قد ذكرنا فيما تقدم ما أصيبت به إيران من الزلازل العظيمة، وقد استمرت تلك الزلازل بحيث بلغت إلى يوم عيد الأضحى خمسمائة هزة، والله على كل شيء قدير، وارتفع عدد القتلى إلى مائة ألف قتيل وخمسين ألفًا، ولما عجز الأخصائيون عن ضبط العدد لضرورة الدفن الجماعي لم يتمكنوا من التوصل إلى الغرض المقصود الذي استهدفت له إيران، وكنت أظن أن الله قد غار لحرمه الشريف وللأماكن المقدسة التي قال تعالى عنها: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] , لما وقع من جهال إيران عليها، وقد قام المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يبعثون المساعدات التقليدية إلى إيران، وممن بعث إليهم المساعدات الحكومة السعودية، فقد بلغت اثنتين وأربعين طائرة تحمل الأدوية والمساعدات، كما أن حكومة العراق لم يمنعها معاملة الإيرانيين لهم عن أن يبعثوا إليهم المساعدات، وبالرغم من المساعدات التي بعثتها الحكومة السعودية التي بذلت من غير عدد ولا حسبان فإنها لا تزال في غيها وشرها، وما تقوم به المسبة والمهاجمات التي ملأت الفضاء بها انتقاصًا وازدراءً للحكومة السعودية، وفي كلام الحكمة الذي ينبغي إثباته قول المتنبي: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى تنبيه: قد أشرنا إلى الكارثة التي أصيبت بها قسم من حجاج بيت الله الحرام، وهي حادثة عيد الأضحى في هذه السنة، وذلك في نفق المعيصم الواقع حوالي

стр. 2559

الحرم، فلقد أصيب حجاج بيت الله الحرام، وذلك في الساعة الرابعة غروبي من ضحى اليوم المذكور، وكانت الأزمة شديدة لم يعلم المشرفون ما سببها، فقد قيل أنه أصاب مراوح الشفط في ذلك النفق شوط كهربائي تأثرت له المراوح وفرت الخلائق هاربين من دون نظام، واصطدم الواردون بالصادرين مما سبب تلك الورطة التي شوشت على المارة فسقط أناس كانوا السبب في تضخم الواقعة فولى الناس هاربين لا يلوي أحد على أحد، ووطأ بعضهم بعضًا مما أسفر عن مأساة شنيعة، وأصبح جزء كبير قد سقطوا هلكى، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان قد عم الهلاك من وجد فيه من أجانب وأهالي، وجاءت التعازي من كل صوب ومن كل جهة من رؤساء الدول وملوكها إلى الملك وولي العهد وإلى الشعب السعودي يواسونهم في هذا المصاب الذي لم يعهد وقوعه منذ زمن بعيد، وقد أصيب الحجاج بضربة من الشمس في أحد أيام مني عامة ١٣٧٠ هـ ولكنها بسيطة إلى هذه، وكان أكثر من فقد عدد كثير من حجاج تركيا وإندونيسيا، وقد بقيت جثث القتلى في الثلاجات إذا أحب أهلوهم أن يتولوا دفنهم، وفي هذه الآونة أي بعد موسم الحج أذاعت الإذاعات عما ارتكبته حكومة إيران من قتل تسعين ألفًا من شعبها بعد مقاسات أنواع العذاب، والأشياء التي لا يمكن تصويرها، وسجن مائة ألف وأربعين ألفًا لوقاحة وسوء تصرف من تلك الحكومة. وفيها في ٢٢/ ١٢ قام الرئيس السوري حافظ الأسد بزيارة رسمية لمصر وكانت هذه الزيارة لأول مرة في نشر الصلات والمودة بين الحكومتين، واستبشرت الأهالي وجميع العرب بذلك مما كان له صدى المحبة والوئام، وقد استقبل في شعب مصر استقبالًا لا يليق إلا برئيس عربي، وقامت الألوف بالتصفيق والترحيب له، ويعتبر الأسد من أكبر رؤساء العرب، نسأل الله له الهداية، هذا ولا تزال الأمة الإِسلامية والعربية والعجم في نزاع واختلاف، كما أن روسيا لا تزال تكابد مشاكل وتعاني أمورًا تتعلق بالمنشقين هناك.

стр. 2560

كوارث في الفلبين لما كان في فجر اليوم ٢١ من ذي الحجة أصيبت الفلبين بستة انفجارات اهتزت لها العاصمة مانيلا، وهزت الأبواب الأمامية لوزارة التعليم، وألحقت أضرارًا بعدة سيارات متوقفة، وبمكاتب شركة الخطوط الجوية الصينية ووكالة أفيس لتأجير السيارات في وسط مانيلا، ثم أعقب ذلك زلازل أسفرت عن إصابات في النفوس والمنازل، وعدة كوارث في الثلاثة الأيام التي بعدها، وفي يوم الثلاثاء ٢٥ من ذي الحجة أصيبت الفلبين أيضًا بزلزال شديد اهتزت له العاصمة مانيلا، وهلك بسببه ألف قتيل، وعجزت فرق الإنقاذ عن انتشال الجثث، ووقعت خسائر في الأموال، وتهدمت البيوت وأصيبت الفلبيين بأنفسهم وبيوتهم وأموالهم فسبحان الله المتصرف في خلقه على وفق مراده. وفي هذه السنة اشتدت وطأة النزاع بين العرب واليهود الصهاينة بحيث أن العرب كانوا ينتظرون بفارغ الصبر جلاء اليهود عن فلسطين لأن فلسطين بلاد عربية لأهلها العرب، إذا قد سمح ليهود روسيا السوفيتية بالهجرة إلى فلسطين، وتدفقت أعداد الألوف مهاجرين من روسيا إلى فلسطين والضفة الغربية، وقد طردوا أهالي فلسطين العرب عن أماكنهم وأجلسوا فيها اليهود المهاجرين، مما كان لذلك أسوأ وقع وأجلّ مصيبة، ولم تثمر المفاوضات، ولم تفد الشكايا التي تبعث من رئيس المنظمة الفلسطينية ومن الأهالي شيئًا، بل كانت صرخة في وادي خلى من البشر، وإذا كانت أمريكا مؤيدة لهذه الهجرة ولم يحدث منها أي ممانعة، لذلك فقد حصل اليهود على ما يريدون، واتسع الخرق على الراقع وخابت الآمال، ولم يحصل العرب على نتيجة تضمن لهم السلام، وأصبحت مسألة الشرق الأوسط ومشكلته تتطور، وبما أن العرب يعلقون آمالهم بأمريكا لأن زمام اليهود بأيديهم، وطريقة الحل عن طريق السلام يملكونها فقد خاب فيهم الظن, لأن كل رئيس من رؤسائها يمثل الذي قبله في الحفاظ على اليهود والدفاع عنهم، وبذل ما يستطاع من

стр. 2561

تمكينهم في فلسطين، ولا ريب أنها خائنة في معاملتهم للعرب تلك المعاملة، وما أصيب العرب والمسلمون هناك، بل في كل مكان، وأعظم من هذه المصيبة قيام الصهاينة باعتقال أبناء العرب وسجنهم وتعذيبهم بضرب رؤوسهم بالحجارة وتهشيم جماجمهم وهم أحياء، وتهديم منازلهم وتشريدهم عنها وتقاعسهم عن علاج جراحهم في المستشفيات، وقد أوتي ببقية اليهود فجعلوا في مساكنهم وأجلسوا فيها, ولم يقم مجلس الأمن بما يسند إليه بل كان لا يعرف إلا اسمه، ومما يؤسف له إذاعة الملك حسين بن طلال ملك عمان والأردن أنه يتوقع وصول مليون مهاجر من يهود السوفيات خلال ثمانية عشر شهرًا، ويقول: الحرب قد تندلع بسبب تزايد الهجرة إلى فلسطين، كما أن مما يؤسف له إصابة ٣٢ فلسطينيًا بجروح وكسور، وتهدم قوات اليهود سبعة منازل في مدينة طولكرم وحلحول في ظرف يومين، واعتقلت ٣٧ فلسطينيًا، ولا ريب أنه لا يفل الحديد إلا الحديد، والعدول إلى القوة تستدعي ثلاثة أمور: إحداها: الاستعداد بالقوة كما أمر الله ﵎ بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] , وهي اليوم الطائرات والدبابات والذخيرة، وهي القنابل الصاروخية وسائر القنابل على اختلاف أنواعها، والعبوات الناسفة والمدافع الثقيلة على دعائه لا أمل ولا أكثر بل حثنا على اتخاذ الحيطة بقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ثم ثنى مرةً أخرى بقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ حتى قال بعض العلماء: لو قيل لوجوبه لكان وجيهًا، ثم قال تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. الأمر الثاني: التوكل على الله وطلب النصر منه، ومحاسبة النفوس عن العوائق التي تحول بين المسلمين وبين النصر, لأن النصر ينزل من عند الله تعالى. الأمر الثالث: ما ذكره الله بقوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا

стр. 2562

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] , وقد حث ﵎ على الثبات وذكره تعالى في الاجتماع وتوحيد الصفوف، والتكاتف والتعاضد يحصل للمقصود وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤] , وما حصل من الانهزام والفشل إلا بتفرق الكلمة والتنازع والتخاذل وإحداث نيات لا يرضاها الله ولا رسوله، ولو أن العرب صدقوا الجملة ووقفوا صفًا واحدًا متماسكين متكاتفين لهزموا من أمامهم، وسيجمع الله كلمتهم إن شاء، وتتحسن نيتهم ويزول الشقاق فيما بينهم، وليعلم أن الذي أخرَّ العرب وحصد شوكتهم وأوقع الوهن في قلوبهم والرعب، ونزع هيبتهم من صدور أعدائهم هو ما ذكرنا، فلا قلةً غلبوا وذلك ما أخبر به الرسول ﷺ ، فكيف ينتصروا وأوقع الله العداوة فيما بينهم، وتشتت شملهم، وأصبح غالبهم يتناحرون فيما بينهم، وشغلهم الله بأنفسهم، وأصبحت الأمم الأخرى يشمتون بهم، فهذه إيران والعراق يتقاتلون، وهذه لبنان انشقت انشقاقًا، وثارت المواضع فيها أحزابًا يتقاتلون، يكون بحيث لم يجر فيها ذلك النزاع من قديم الدهر ولا حديثه، فسمير جعجع يقاتل عونًا وحزب أمل يقاتل حزب الله الذي سمى نفسه بذلك، وهو التابع لإيران، كما أن الأول تابع لحكومة سوريا، وأصبحت لبنان مسرحًا للقيل والقال والزعازع، وعجزت الأمة عن تسكين تلك الثوائر، كما أن اليهود استولوا على جنوب لبنان وأصبحوا يتقاتلون مع الأهالي والفلسطينيين، وفي ذلك عبرةً لمن يخشى، ولم تجر تلك المذابح في قديم الدهر ولا حديثه، ويمكن أنه لو سكنت تلك الفتن والمحن لما عاد لبنان على وضعه إلى بعد مضي عشرين سنة، أما عن فلسطين وما أصيبت به من الهلاك والدمار فقد التهبت أراضيها ثأرًا وعذابًا بين اليهود وشباب فلسطين، وكانت اليهود تستخدم عليهم الأسلحة النارية، ولم تتورع عن قتل النساء والأطفال الذين لا ذنب لهم، وقامت بهدم المنازل وتشريد السكان، وتطردهم عن مساكنهم كما قدمنا, ولم ترع كبير ولا صغير، وآخر شيء أن

стр. 2563

أجلوهم عن الشام جملةً إلا من شاء الله كما جرى في إخراجهم من لبنان إلى المغرب، وإن كان بالإمكان أن يربوا بأنفسهم عن تلك الأعمال الوحشية التي استهدفت لها الأطفال والنساء والعجزة، كما أن هدم بيوت الفلسطينيين وطردهم منها أمر تشمئز منه القلوب، وتنكره الفطر السليمة والعقول المستقيمة، ويقابلهم شباب فلسطين البؤساء الذين لا يملكون من السلاح سوى الحجارة والزجاجات الحارقة، وإشعال إطارات السيارات في طرق اليهود، ثم يقابلهم اليهود مما لديهم من الأسلحة النارية مما بين قتيل وبين جريح وهم وإن كانوا بهذا الوضع ويخسرون يوميًا قتلى وجرحى، فهم يواصلون أعمالهم بنشاط وقوة عزيمة، وكانوا يعذبون شباب هذه الانتفاضة بأنواع التعذيب تارةً بضرب رؤوسهم وتكسير جماجمهم، وتارةً بقطع أيديهم، كل ذلك لأجل أن ينتهوا ويخضعوا للاستعمار اليهودي وتعسفاتهم، ويكفوا عن انتفاضتهم، وبما أن العرب وغير العرب اعترفوا بالدولة الفلسطينية وأنشئوا لها سفارات في ممالكهم فقد بلغ الأمر حده بالفلسطينيين إلى غاية هذه السنة العاشرة من القرن الخامس عشر وهم يكابدون مرارة الحياة، وكانت العرب تمدهم بالمجال وتشجعهم في تحرير بلادهم وتخليصها من براثن أولئك الغزاة الذين فقدوا دينهم وإنسانيتهم، هذا الذي تستطيعه العرب وسائر المسلمين بعد جهاد مرير وحروب مع اليهود لم يستطيعوا إحراز النصر فيها، ومما ينبغي أن يعلم أن العدو بهذا الوضع يستطيع أن يسحق أهالي فلسطين ويمحقهم بيوم أو بعض يوم، ولكن الأمور مرهونة لأوقاتها, ولكن مراعاة للمسؤولية وما تتلقاه اليهود من تعليمات من أسيادهم الأمريكيين يعاملون أهالي فلسطين بتلك المعاملة، يريدون بها أن يكونوا دائمًا خاضعين لسيطرتهم، فقد بلغت مشكلة فلسطين أربعًا وخمسين سنة وهي بهذا الوضع لا تزداد إلا توترًا، وأصبح المسجد الأقصى أولى القبلتين مهددًا من أخطار اليهود، وبما أن الداعمين لليهود حكومات لا يستهان بها فأمريكا وفرنسا وبريطانيا والروس تطالع عن كثب، قد أنزلوهم بفلسطين بين العرب وفي وسط

стр. 2564

بلاد العرب بموضع خصب طيب التربة عذب الماء وتأتيهم الإمدادات من هذه الدول، ولا سيما أمريكا التي تدفق إمداداتها بالمليارات وتزودهم بالأسلحة الحديثة ليقووا معنوياتهم، ويثبتوا مراكزهم، فقد أصبحت دولة إسرائيل لا يستهان بها عاصمتها تل أبيب، ويفكرون بأن يجعلوا العاصمة القدس، وجعلوا يتوسعون ويخضعون كل من تحرش بهم، ويتهددون ويتوعدون بنشر سلطانهم على نيلها وفراتها، واستطاعوا أن ينشئوا معامل ومصانع للأسلحة والذخيرة، وقد شاع بين الأمة أنهم يملكون قدرًا لا يستهان به من القنابل الذرية، وكان العرب ينتظرون بفارغ الصبر الفرج من الله حيث عدموا صلاح الدين الأيوبي، والمعتصم بن هارون الرشيد، ولعل الله أن يحقق النصر كما ورد في الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتى يتقاتل المسلمون واليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود، ولن يخلف الله وعده، وما زال المسلمون بعد ما مستهم البأساء والضراء وزلزلوا ينادون متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب. ذكر عجائب وغرائب من العالم لما أن كان من الأول اليوم من شهر محرم افتتاح عام ١٤٠٠ هـ شاهد الحجر الأسود والكعبة، البيت الحرام المعظمة منكرًا من القول، واستبيحت حرمة مكة التي حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض ولم يحرمها الخلق بل حرمها الخالق جل وعلى, فلا يحل سفك الدماء فيها ولا يعضد شجرها وإنما أباحها الله لنبيه ساعة من النهار ثم عادت حرمتها سائر الدهر كحرمتها قبل ذلك، فقد دخل المجرم جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي وأتباعه المسجد الحرام بسلاحهم واستحلوا حرمة الله في وقت صلاة الفجر واستولوا على المكرفون ومكبر الصوت، وأخذوا يذيعون شرهم وبلائهم، وأغلقوا الأبواب، وحصروا المسلمين في المسجد الحرام، وألقوا الرعب في

стр. 2565

قلوبهم وأخافوهم، ولم يرعوا لله حرمة ولا لرسوله ولا للكعبة المعظمة، واستهدف جميع من في المسجد الحرام للقتل لولا أن الله سلم, لأنهم كانوا يريدون رجال الحكومة، وكان أولئك الخوارج قد اتخذوا المسجد الحرام قلعة لهم يقاتلون فيه ويطلقون النار يمنةً ويسرةً، فأصيب جميع المحاصرين من رجال الحكومة، وتعطلت صلاة الجماعة في المسجد الحرام سبعة عشر يومًا، وبعد إطفاء هذه الفتنة والقضاء عليها بعد ما أصيبت المصاحف التي لم يقل عددها عن أعداد الملايين، واتخذ أولئك الأشقياء فرش المسجد الحرام وسجاجيده متاريس لهم ينصبوها ويعاملون من خلفها، كان سوء الحظ أن خلع شاه إيران الذي كان ممسكًا بزمام أمته استولى الخميني عام ١٣٩٩ هـ، وبولايته قام أهالي إيران بمفاسد كثيرة ضد السعودية في مواسم الحج يشيعون حرائق، ويكدرون صفاء جو الأمن خفيةً، وكانت الحكومة تطالع عن كثب وترصد حركاتهم وسكناتهم، وفي عام ١٤٠٦ هـ تكشفت نواياهم السيئة وما كانوا يبيتونه من الأذى للمسلمين في مجتمعاتهم في الأماكن المقدسة، وكانت هذه هي الطريقة التي يعاملون بها الإسلام وأهله من إلقاهم النجاسات في صحن المطاف وفي الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض بخفية، وحينما تولى آية الله الخميني كان يرسل شياطينه متذرعين بالحج وهم بخلاف ذلك، ففي السنة المذكورة ألقي القبض على حقائب يحملها حجاجهم ولا يعلمون ما فيها، يحمل في طياتها أنواع العبوات والمتفجرات بحيث إذا قدم بها أولئك كملبوسات يستلمها بعد قدومهم مكة المكرمة رجال قد كلفوا بتركيبها وتفجيرها من قبل شيطان إيران، غير أن الحكومة استطاعت القبض عليها في تلك السنة، ولو أنها استُعمِلتْ لنسفت الجسور ودمرت جزءًا كبيرًا من الحجاج الذين قدموا بظل الحكومة السعودية، ولكن ما بصنع هؤلاء المخربين وقد قدمنا ذلك في سنين هذا التاريخ, عبث في الأمن, وأذى لحجاج بيت الله الحرام، وانتهاك لحرمة الإسلام. لما كان في موسم الحج عام ١٤٠٧ هـ جرت فعلة لم تجرِ في قديم الدهر ولا في حديثه، ولم يفعلها اليهود ولا النصارى ولا المجوس، ولا عبدة الشمس ولا

стр. 2566

الكواكب، ولا دهرية الشيوعيين، بحيث سطا حجاج إيران بمظاهرات عنيفة يحملون صور الخميني على رؤوسهم وصدورهم، يحملون ما استطاعوا حمله من السكاكين والمقاريض والفؤوس التي اشتروها بدعوى تكسير وتقطيع لحوم الهدي والأضاحي وهم بخلاف ذلك، وأوقعوا بالمسلمين وقيعة كانت من أسوأ الوقعات، وهجموا على المسلمين والحجاج في حال ازدحامهم أمام الحجر الأسود وأمام جدر الكعبة المشرفة، وقيل أنه عثر على أناس إيرانيين يريدون هدم الكعبة، واقتحم أناس منهم يريدون فتح الكعبة بالقوة، ولكن الحكومة ردتهم خاسئين، وكان وقوع ذلك في ١٦/ ١٢ كما قدمنا، واقتحامهم لفتح الكعبة في ١٣/ ١٢، وكانت الحكومة تؤثر عدم تكشف أحوالهم، ولكن إشعال النيران أمام الحجاج، وحيلولتهم لحجاج بيت الله أثار غضب السعودية، فأبرزوا شيئًا من أعمالهم ونشروها لأعين البشر، وأمام العالم الإسلامي ولا سيما العبوات التي أرادوا تفجيرها لولا أن الله سلم، وفي المدينة المنورة فعلوا مثل ذلك وأخافوا حرم المصطفى، وروعوا أهالي المدينة المنورة وسكانها، وقد قال النبي ﷺ : "لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء" رواه البخاري، وفي رواية لمسلم: "لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء"، وقال ﷺ : "اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه صرف ولا عدل". وفي عام ١٤٠٩ هـ في موسم الحج مساء يوم الاثنين ٧/ ١٢ ليلة التروية انفجرت قنبلتان في الجسر أمام باب السلام من جنوب وأبواب المسجد الحرام هدتا الجسر وقتلت أفراد مما كان له أثر سيئ، وأثار العالم الإِسلامي، وقد أعلم القائمون بتلك المتفجرات، وكل هذه الإفسادات التي جرت لم يعهد مثلها في قديم الدهر ولا في حديثه، ولقد كان لأثار الأنبياء والأماكن المقدسة حرمتها بين الأمة في الجاهلية والإِسلام، ومما يؤسف له قتل السفير السعودي في إيران، وهو الرجل البريء الذي لم يظلم أحدًا ولم يتطرق لشيء من السياسة، وقد

стр. 2567

قدمنا ذلك كما أغنى عن إعادته هنا، وبالرغم من ذلك ونشر الفوضى والإفساد في الأماكن المقدسة تشيع إيران بعد بعثها المفسدين والمخربين، وإجراء تلك الفوضى، وتدق أبواقها وتنشر إذاعاتها بأن السعودية عجزت عن أن تؤمن الأماكن المقدسة فأصبحت هذه الأفاعيل تسعى بحيلة شيطانية، بل تعجز الشياطين عن تلك الحيل السخيفة التي يموهون بها ظلمهم كما قيل. وكنت أمرؤٍ من جند إبليس فارتقى ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي، والمقصود من ذلك وقوع تلك الأفعال الشنيعة في أطهر البقاع على وجه الأرض بمشيئة الله الكونية القدرية إلا الشرعية وحصولها في أوائل القرن الخامس عشر، وبما أن الله رمى أولئك الذين تمردوا على ربهم وسعوا في هتك حرماته في أفضل أيام الله أمام بيت الله، وفي وسط حرمه بعقوبة قد أحاطت بهم في ديارهم وفي عقر دارهم فإنهم لم يتفطنوا، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون، فنعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن. وفيها في اليوم ٢٩/ ١٢ وفاة الأمير عبد الرحمن بن أحمد السديري في جدة ﵀ وتجاوز عنه عن عمر يناهز الخامسة والسبعين، وكان قد لبث في تلك الإمارة مدة طويلة، وقام بواجبه، ولما أن توفاه الله تعالى حزنت الحكومة. وفيها قامت فئة من الأفيال المتوحشة في بنجلادش - المنفصلة عن باكستان - أصابها هياج أدى إلى مصرع ثمانية وعشرين شخصًا وتدمير أربع قرى، وهذه الفيلة قطعان نزلت في الفلاة وهدمت الأكواخ واقتلعت المحاصيل، وقد لقي عدد من المزارعين مصرعهم تحت أقدام الفيلة المتوحشة أثناء محاولتهم الفرار، وقد قتلت ما يزيد عن خمسة وستين شخصًا في اقليم ذل شينياجو جونج خلال العام الحالي. وفيها في ٢٦/ ١٢ وفاة الشاعر الأديب الذكي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عثيمين بمكة المكرمة عن عمر يناهز التسعين، ولد في مدينة بريدة وأخذ عن الشيخ الفاضل عمر بن محمد بن سليم، ثم إنه ذهب إلى العراق والشام وأخذ عن علمائها، ثم رجع إلى مدينة بريدة فاستقر فيها، وكان يأكل من عمل يده، وفي عام

стр. 2568

١٣٥٥ هـ ذهب إلى مكة المكرمة وكانت الحكومة رأت أن تجري له مساعدة من بيت المال والأفعال في وزارة الحج والأوقاف وظيفة، وقد خلف مكتبة كبرى. وختمت هذه السنة بزعازع وقلاقل من الفوضى في لبنان وفلسطين، كما أن روسيا حصل فيها انشقاق وقامت بعض الأقاليم تطالب الاستقلال فيها, ولما سحبت روسيا جنودها من أوربا الشرقية، كانوا حوالي ٧٥ ألفًا من أفراد وحدات الجيش السوفياتية التي انسحبت من أوربا الشرقية، ومن بينهم خمسة وعشرون ألف ضابط، وضابط صف هم الآن دون مسكن، وقالت صحيفة روسية إن جيشنا لا يواجه مشاكل أخطر من التي يطرحها الانسحاب من أوربا الشرقية وإسكان ١٢٣ ألف رجل وأكثر من مائة ألف من أفراد عائلات الضباط وضباط الصف، كما أن سائر الخلائق في السودان والهند وسواها في بلاء وشر مستطير، أضف إلى ذلك أفغانستان في جهادها ضد الروس، وقد كثرت الانقلابات والله المستعان وعليه التكلان. ثم دخلت سنة ١٤١١ ه ـ استهلت هذه السنة والعمال يداومون في أعمالهم المتواصلة في توسعة الحرمين الشريفين المكي والمدني، والإصلاحات في سائر المملكة، وعمال مصلحة المياه وتحليتها من مرارة البحور إلى تحلية فنية لنشرها في سائر المملكة ليتمتعوا في هذا المشروع، وقد أسست الخزانات الواسعة لهذه المهمة. وفيها أقرَّ الملك فهد ببناية خمسين مسجدًا في باكستان تقوية للجانب الإسلامي، ووزعت عشرات الملايين من المصحف الشريف في أقطار الأرض.

стр. 2569

هجوم على الكويت ففيها في ليلة الخميس حادي عشر محرم زحفت العراق وهجمت بدباباتها ومدافعها على الكويت، فاستولت عليها بالقوة من دون سابق إنذار وأعلنوا أنهم جاءوا لنصرة الأمير جابر الأحمد الذي عزم شعبه على خلعه متظاهرين بهذا الكذب، وذلك وقت طلوع الفجر، وكانوا يريدون القبض على الأمير، غير أنه سبقهم النذير إليه فالتجأ الصباح إلى السعودية ثم أغلقت الكويت وعاثت الجنود فيها فسادًا، وانقطعت المواصلات بينها وبين الأمة فلم يبقَ إلا إذاعة في سيارة جعلت تستغيث حتى خمدت، ولما أقبلت المدافع ذوات الجنزير جعلت تضرب مصوبةً إلى الكويت ثم استولت تلك الجنود الراجفة على القصر الملكي والدوائر الحكومية، وتمركزت فيها بعد ما دافع أخو الأمير فهد بن أحمد ثم قتل وفرَّ من استطاع الفرار، ولما أن جرت هذه القارعة جاءت حاملات الطائرات الأمريكية متحركة لصد هذا الاعتداء، ولكنها ذكرت أنها لا تتدخل عسكريًا في الموضوع، وهذه حالة يؤسف لها، وقد طلب بعض ذوي الآراء أن لا يجري قتال أو أي حركة حتى تعالج الموقف بطريقة سلمية ما دام أن في القوس منزعًا، ولا ريب أن هذه الكارثة شنيعة جدًا، وقامت الإذاعات تنشر هذه الواقعة، وطلب الرئيس السوري حافظ الأسد عقد مجلس قمة لهذه المهمة، وكانت الأخبار منصرفة طوال اليوم في هذا الحدث الذي غير وجه التاريخ, وقامت الجامعة العربية توالي اهتمامها في الموضوع، وأكدت الكويت محتجة على العرب أنها لا تزال في القيام مع العرب ضد كل ثائر عليها، وأنه لا يمكن تصور هذا العمل الإجرامي دون صدى هذه الحادثة الغريبة والكارثة العجيبة في جميع أقطار العالم مستنكرين لذلك، وقد عقد مجلس في القاهرة حضره مندوبون من جهة الحكومات العربية، وحصلت مقاومة في الكويت، وقتل أخو أمير الكويت لما قام لصد الهجوم على قصر دسمان في الكويت وارتفعت أسعار النفط إلى ثلاثة وعشرين دولارًا، وقد

стр. 2570

قامت العراق بتحصين مواقعها استعدادًا للحرب، وجعلت الطائرات على استعداد للحرب، وكان قصد العراق انتهاب أراضي واسعة من الكويت، هذا وقد ضجت الأمة من فعل العراق مستنكرةً لذلك ولا سيما الرئيس جورج بوش، وأكدت انسحاب العراق فورًا ودون قيد أو شرط، فالذين قضوا نحبهم من قصف المدافع والطائرات فيقدرون بمائتي شخص وعشرة أشخاص من بينهم أخو الأمير فهد الأحمد، وقد جعلت حكومة العراق حكومة في الكويت مؤقتة بعدما أطيح بالحكم السابق، وسنعود عن قريب. وفي عاشر محرم وردت واردات مشروع توسعة الحرمين الشريفين من الرخام الإيطالية والمرمر وكان قيمتها سبعمائة مليون ريال، وقد اشتدت الوطأة على جنوب لبنان وانفجر لغم شديد الانفجار بحيث سقط من جراء ذلك سبعون ما بين قتيل وجريح، أما عن أهالي فلسطين فإنها تلاحقهم قوات الاحتلال يطلقون عليهم النار بجميع العيارات النارية فما بين قتيل وما بين جريح، وكل يوم يخسرون عشرات من القتلى والجرحى، وربما حالت جنود الاحتلال بين المصلين وبين المسجد الأقصى، ولقد استهدفت المسجد الأقصى لأذى اليهود وأصبح مهددًا من قوارعه وأذاهم، وفي كل يوم تحدث زعازع وتخويفات منذرة بالشر والويلات، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم إن كانت قوى أهل الإِسلام أصبحت عاجزة عن ردع من منعوا رفعته وأن نذكر فيه اسمك، فأنت القوي وهم الضعفاء, أنزل نصرًا من نصرك وتأييدًا من تأييدك على أربابه، يا قوي السلطان، ويا عالي المكان، وكانت الواقعة في إقليم التفاح تجلت عن ٨٧ جثة انتشلها الصليب الأحمر. عودة على بدا لما أن هجم العراق على الكويت بثلاثمائة وأربعين طائرة تأزم الموقف وفرَّ من استطاع الفرار من الأهالي إلى الحفر في السعودية، وبلغ عدد القتلى في اليوم الثاني من الواقعة ٥٠٠ قتيل و ٦٠٠ جريح، وقد قام المتبقون من الأهالي يدافعون بحسب قدرتهم، وجرت فوضى في الكويت وأغلقت أبواب

стр. 2571

الكويت وانقطعت المواصلات بينها وبين ما سواها، وأصبحت الأمور هائجة مائجة تنذر بشرها وويلاتها، وترمي بشرورها، وأحاط الجيش العراقي بالكويت على بعد ألف متر وخمسمائة أمتار من الحدود السعودية، وأصبح أهل العراق يعيثون فسادًا في مملكة مستقلة هجموا عليها واستولوا عليها بظرف ثمان ساعات من الزمن بحيث لم يجدوا ناهيًا ولا مجلس أمن, ينتهبون أموال الكويت، ويهدمون ويفسدون، ويهدد الرئيس صدام بأنه إذا ما قام تدخل من أمراء الخليج أو غيرهم فإنه سيفجر آبار البترول بنار تحرق الأخضر واليابس، وهدد السعودية بأن إذا ما تدخلت فإنه سيضرب آبار البترول ويجعل الكويت مقبرة لأهل الخليج، ولما بادرت الرؤساء والملوك إلى عقد مؤتمر في مدينة جدة لم يحضر وفشل ذلك المؤتمر قبل انعقاده لأن الرئيس العراقي كان على أتم استعداد للحضور ولكنه رفض، وقد فرضت جميع الدول عقوبات على العراق كعدم تصدير بترول العراق والكويت وعدم التعامل معها مقابل ذلك العمل الإجرامي، وفكرت بريطانيا والولايات المتحدة بتوجيه ضربة قاسية على العراق لكنها تريد البواخر الأجنبية أن تتحرك إلى مياه الخليج، ولكن أمراء العرب وحكامها طلبوا عدم التدخل الأجنبى ولعل أن تنحل المشكلة من دون تدخل أجنبي، وكان الرئيس المصري حسني مبارك أعظم قائم بالاستنكار لهذا الموضوع، وأكدت بريطانيا بانسحاب العراق ووضع عقوبات عليه، كما أن حكومة السوفييت قامت باستنكار ذلك وأوقفت الأسلحة عن العراق، وأصبح غالب أهل الكويت لاجئين إلى السعودية في الرياض وبريدة وجدة، وأقامت حكومة جديدة أجنبية على وفق مرادها, ولكن جميع الدول لا يزالون يعتبرون إمارة جابر بن أحمد هي الحكومة الشرعية ولا يعترفون بالحكومة الجديدة، أما عن الأمير القديم فإنه لا يزال يتقلب في أمريكا وغيرها ويطالب مجلس الأمن بطرد القوات العراقية التي غزت بلاده وانتهكت حرمتها بهذا الوضع، ويلقي لأئمته على حكومة عربية شقيقة مجاورة تفعل تلك الأفاعيل الشنيعة وتغزو جارتها، وقد استمرت الأحوال هائجة مائجة، وقد قدم الرئيس اليمني علي عبد الله

стр. 2572

صالح إلى القاهرة للبحث في الموضوع، وآخر ذلك أن انقطعت الأخبار جملةً عن الكويت وصارت في عالم الخفاء، وذكر الرئيس الأمريكي جورج بوش بأن العراق إن اعتدت على السعودية أو الأردن فإنها ستتدخل عسكريًا، وكان صدام ينفي نفيًا تامًا أن يكون اقترب من السعودية أو حدودها. وفيها في ١٣ محرم وقع زلزال في حوالي روسيا انهد له منازل، كما أنه في ذلك اليوم تنازل ميخائيل غوربتشوف عن رئاسة الشيوعية هناك، ولما أن كان في اليوم الخامس عشر من محرم امتلأت البلاد السعودية بسكان الكويت الذي أخرجوا من ديارهم وأموالهم وأوذوا، وانتهبت أموالهم، وحرقت سياراتهم، وأصبحوا عالة فقراء لا يملكون شيئًا مشردين مشتتًا شملهم نساءًا وأطفالًا يلتجئون على الورش وأكواخ خيام أشبه بها زرايب الحيوانات، يستظلون بها بعد المراوح والمكيفات بحالة يرثى لها، وإن المدعو صدام حسين المغرور قد ارتكب أكبر الجرائم في معاملته لأهل الكويت البؤساء الذين لم يظلموا، وكانت تلك الفعلة الشنعاء لم يفعلها اليهود ولا النصارى ولا الذين أشركوا, لأن لا ذنب لهم يستحقون ما فعله بهم، وكانت الأسرة إذا رأوا كراج أو صاحب بيت يريد الخروج أو الذهاب لزيارة أو سياحة في حفر الباطن والدمام وغيرها يسقطون أمامه يسترحمونه لعله أن يسمح بسكنى إلى أن يأذن الله له بفرج أو مخرج، وقد امتلأت المساجد والمدارس بهم، وقد حدثني بعض من أثق به أن الأمة المقيمين في الكويت لما وجدوا سبيلًا للفرار حفاظًا على أعراضهم سحبوا أطفالهم من فرشهم نائمين وهربوا ولم يكن في جيوبهم ما يؤمن قيمة المحروقات للسيارات التي تحملهم إلى السعودية، وإن أسرة تعطلت سيارتهم بالدمام فبعثوا إلى أقربائهم في مدينة بريدة ليوافوهم بسيارة تؤمنهم في مسيرهم إلى مدينة بريدة، وأعلن البقية الذين تخلفوا بالكويت أنهم لا يستطيعون البقاء على قيد الحياة سوى أسبوع واحد لأن المحلات التجارية والبقالات قد انتهبت، ولم يبقَ لديهم من القوت سوى ما يؤمنهم أسبوعًا لا غير. ولما كان في صباح السابع عشر من شهر محرم الموافق أغسطس ١٩٩٠ م الموافق

стр. 2573

ليوم الأربعاء جاءت قوات أمريكية أبحرت البواخر والأساطيل البحرية في مياه الخليج تحمل الأسلحة والإمدادات لنصرة العرب في الخليج وحفاظًا على بقية الأمة هناك، وجعلت تلك الأساطيل الأجنبية تفرغ حمولتها استعدادًا لنصرة العرب وإنقاذهم من تلك الورطة التي قام بها الرئيس العراقي، وكان من أفعال تلك الأيدي الجائرة إخراج المرضى من المستشفى وهدمه وإحراق جميع السيارات وتدميرها من المعارض، وما وقعت أيديهم عليه، ووقفت الدبابات والمدافع الضخمة في شوارع الكويت ولا تخشى أحدًا، وبلغت الأمور ذروتها حتى آخر اليوم السابع من تلك الجريمة، ولم ينبض العرب شفة سوى الكلام لا غير، ومن العجائب ذل أنزله الله في قلوب العرب، وخوف فلم يتقدم أحد لمقاومة تلك الفتنة العمياء، ولم تعمل الجامعة العربية نحو تلك الواقعة شيئًا، بل ولم يقم مجلس التعاون الخليجي بشيء من الكفاح أو صد هذا الغزو المرير، حتى غاية الساعة الثانية من غروب الشمس ليلة الخميس ١٨ محرم، ولقد ازدحمت الطرق في المملكة العربية السعودية لما لجأوا إليها، وسمح جلالة الملك فهد بن عبد العزيز ملك المملكة السعودية لهم بذلك جزاه الله خيرًا لأنه لو لم يفعل ذلك لكان مئالهم إلى الهلاك والخمود، وذلك في إطار العطف والرحمة لمملكة استلبت واستولى عليها العدو بقوته وسلبه، وقد انتهب الطاغية أموال أهل الكويت، وقام يذيع بأنه فعل ذلك رحمةً بالكويت وإخراجًا لهم من قيود العبودية التي كانوا منذ زمن يعيشونها في حكم آل صباح، وذكر أن آل صباح كانوا فجرة فساقًا خونة، وأن الله بعثه في احتلال الكويت ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ولو كان صادقًا فيما ادعاه بإذاعاته وأبواقه أنه يريد الخير لهم وأن يسيروا أحرارًا بزعمه متخلصين من حكومة الصباح لما فعل بهم تلك الأفعال من التقتيل والنهب والسلب وإباحة الكويت للجنود العراقيين يفعلون بهم ما يشاءون، ويحكمون فيهم بما يريدون، فلقد كانت وما زال آل صباح الذين عاشوا في حكمهم وقتًا طويلًا مستريحين، وفي ظلهم الوارف خيرًا من جنته التي أشرنا إليها, ولقد كان أهل الكويت ينادون لما تخلصوا من

стр. 2574

جراء فعلته المشؤومة وتنفسوا الصعداء فارين مما وجدوا إلى الفلوات والبراري ينادون بأنهم صافون تحت راية أميرهم جابر الأحمد، ويقدرونه بأنفسهم وأموالهم، ولما أن أبحرت البواخر ونزلت الأسطولات البحرية أشار بأنه علم أن العراق استهدفت للسحق والدمار، فأوعز إلى الرئيس المصري حسني مبارك يطلب عقد مجلس قمة بعد ما كان لم يخضع للعرب ولا إلى مؤتمراتهم، فأجابت العرب بأن الباب لا يزال مفتوحًا بشرط أن ينزل على أوامر مجلس الأمن وقيوده، وهي انسحابه جملةً من الكويت، وأن يرجع إلى صباح إمارتهم، وتلغى إمارته التعسفية المختلقة، وأن لا يعود إلى مثل أفعاله العجيبة المتقدمة، وأن تكون أمريكا هي الكفيلة بأمن الخليج عن مثل اعتداءاته على جيرانه وهتكه الأمن وأذيته للعرب والمسلمين، ولما أن خرج أهالي الكويت من بلدهم بحالة يرثى لهم، انتهبت سياراتهم الثمينة، وخرج الذين تخلصوا من جراء تلك المحن العمياء على سيارات هزيلة، وأغلقت في وجوههم الطرق الرئيسية ليسيروا عبر الصحراء، وطرق غير معبدة علهم يهلكون، ولم تكتف أفراد القوات العراقية بما حصل بل رصدوا لهم في الطرق يلاحقونهم ويسلبون ما على النساء من الحلي، وأخذ ما بأيديهم من نفقة، فانتهبوها وهتكوا أعراض النساء، ومما يؤسف له قصة سأرويها عن كويتي فرَّ هاربًا بعائلته المكونة من زوجته وأربع بنات، فاعترض له عراقي وأوقفه واختار إحدى البنيات ليعتدي عليها أمام والدها بالقوة، وصوب إليهم الرشاش فخوفه بالله وعقوباته، وقال له: خذ ما بأيدينا، وإن شئت فخذ السيارة ودعنا نهلك فالنار ولا العار، فصمم على ما يريد، فاستسلم المسكين وقال: خذ الفتاة واقض شهوتك منها بمكان بعيد وأت بها بعد ما تنتهي منها، فأخذها ولم يرجع بها, ولما لحقه يطلبه أن يرجع بالفتاة أبى وقال: سأعدمكم جميعًا إن لم تتركوها لي، وكان إذا جلس يرى عليه آثار البؤس ثم يغشى عليه، فإذا أفاق بعد ما استراح في السعودية سألوه عن نكبته التي تركته على هذه الحالة، يروي لهم القصة فنعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 2575

فصل فلنرجع إلى ما نحن في صدده من الأمور التي تشمئز منها قلوب المؤمنين وتنكرها فطر العالمين من هتك الحكومة الكويتية، والعبث بأموالهم وأعراضهم، وهدم مساكنهم، وطردهم من ديارهم، وإخراجهم منها، بل هدموا جزءًا من المساجد التي هي بيوت الله، ولما أن جرى ذلك من رئيس العراق زاد الطين بلة أن قام المنافقون الذين في قلوبهم مرض ويتربصون الدوائر بالحكومة السعودية، وهم حسين ملك الأردن، ورئيس اليمن الشمالية علي عبد الله صالح، وانضم إلى العراق وذلك لما كان يسول لهم ويملي لهم الرئيس العراقي بأنها حانت الفرصة لما كانوا يريدون، وينتظرون هذا يريد الحجاز وذاك يريد ضم عسير إليه، وجعل رئيس الفتنة ينادي جميع العرب للانضمام إليه، وأنه قام لحماية الحرمين الكعبة المشرفة وقبر رسول الله ﷺ من الصليبيين الذين استقدمتهم السعودية بزعمه، ولكنه خاب فلم يستجب له أحد لعلمهم بأنه كذاب، بل أنه لما قام باحتلال الكويت تظاهر بأنه لا يريد الكويت بل يريد المملكة العربية السعودية ودول الخليج كعمان وأبو ظبي والبحرين وقطر والإمارات هناك، ومن العجائب انخداع الأردن له وهي التي كانت السعودية ترضعها بلبانها وتمد مليكها بمئات الملايين، كما أن اليمن الشمالي تتمتع بالنعيم والترف من مساعدات السعودية، فقد بنت لهم المدارس، وجلبت إليها المدرسين السعوديين وغير السعوديين، ومهدت طرقهم وجعلت لديهم المستشفيات والمستوصفات، ولكن من كلام الحكمة "أتق شر من تحسن إليه" وكانوا لا يفهمون من ذلك حكومةً وشعبًا، إلا أن السعودية خائفة منهم ببذلها لهم الأموال من دون حسبان، أمور مضحكة، ونتائج مؤسفة تبكي العاقل ويضحك السفيه لها، أما ما كان من مجلس التعاون الخليجي فإنه مفكك وفرَّ كلُ ناجيًا بنفسه لما دهاهم من شدة الهول والذهول، ولم يسفر ذلك المجلس عن شيء، بل فشل وأصبحت وحدة العرب كما أعرب عنها الرئيس المصري حسني مبارك ووصفها بأنها كالطقس لا

стр. 2576

يثبت على حالة، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وما زالت الطائرات الأمريكية متماسكة أسرابها في الجو، والأساطيل البحرية تفرغ حمولتها في مياه الخليج، حتى سكنت المتحركات، ولمصر فضل كبير في مساعدة السعودية، فقد جاءت قواتها زاحفة، وأصبحت جيوشها إلى جانب الجبهة السعودية باذلةً أقصى جهودها في هذا السبيل منذرةً ومحذرةً رئيس العراق بأن يتراجع عما هو عليه من الغي قبل أن لا يمكن الوقت، وأنزلت بريطانيا قواتها إلى جانب الجبهة السعودية وكان من أكبر ما يهم الدولتين الكبيرتين، وطرد رجال من رعايا هم جلبهم الخائن من الكويت وجعلهم في المواضع الحساسة من العراق لتلقي بهم بالضربة المنتظرة، وليكونوا وقاية دونه وطلب من جميع سفراء الدول أن يحضروا في العراق، أي الذين في حكومة الكويت، فمانعت من ذلك حكوماتهم وأن لا يخرجوا من الكويت، وكان قصده بذلك أمرين أحدهما أنه ضم بزعمه الكويت فتكون الكويت على ما يتصوره قرية من قرى العراق، والثاني بأن يحترم العراق إذا ما كانوا فيه عن ضربة ساحقة ماحقة، وقررت الحكومة الأمريكية على أنها يقع على رجالها وسفاراتها في الكويت والعراق مسؤولًا عنه، وفي أوائل شهر صفر جعل يستغيث بالأمم من جراء ما حصل عليه من الحصار والعقوبات الاقتصادية بأن الأطفال بالعرق مهددون بالهلاك من الجوع، ولكنهم لم يلتفتوا إليه، وأصبح كالدب المحجور عليه، أو كالفار مأواه بطن الأرض، فسبحان المتصرف في خلقه على وفق مراده، وما زالت الطائرات الأمريكية متماسكة أسرابها في جو المملكة العربية السعودية تحمل حمولاتها إلى الحدود السعودية الشمالية ليلًا ونهارًا إلى يوم الأحد ١٣/ ٢ من هذه السنة، ولما أن ذهب الحسين ملك عمان إلى أمريكا ليرى خليج العقبة وهو فيها، كما أنهم كشفوا له عن موضع صدام حسين الكائن في بطن الأرض، وأنهم على علم من تقلباته وحركاته، وافتتحت مكاتب التجنيد في السعودية لينخرط فيها من أراد الالتحاق بالجيش، وقام شيوخ القبائل يقدمون أنفسهم أمام مليكهم وشعبهم وأمتهم ليحموها بالنفس والنفيس، كما قامت فرق المتطوعين من سائر مدن المملكة

стр. 2577

وقراها يتسابقون إلى الجبهة السعودية، وفي يوم الأربعاء ثاني صفر زار ولي العهد والنائب الأول رئيس الحرس الوطني الأمير عبد الله بن عبد العزيز يصحبه أصحاب السمو الأمراء السعوديون، ووقف بنفسه يشرف على الألوية والفيالق هناك، ويحثهم على الصبر والمصابرة، وأن الله معهم، ولما كان في ١٥/ ٤ تكامل عدد الطائرات الحربية الزاحفة إلى الخليج، والتريلات الحاملة للدبابات والمدافع الثقيلة بعد ما استمرت ثلاثة أشهر وخمسة أيام من أمريكا وبريطانيا ومصر وسورية، كما أن الأساطيل البحرية رست في مياه الخليج، وحاملات الطائرات وغيرها، وكانت في صف القوات السعودية، وقد اشترك في ذلك الباكستان، وزحف المتطوعون للقتال، وجاءت القوات التي قد اشتركت في الدفاع عن أفغانستان وساعدت اليابان بالحال، ولبت القبائل مجيبةً لدعوة ملك السعودية، كما أن قبائل اليمن كانت مستعدة للاشتراك في هذه الحملة على العراق، ولم يتخلف سوى حسين في عمان وحكومة اليمن اللتين كانتا مغمورتين بنعم السعودية، وفي كلام الحكمة: "اتق شر من تحسن إليه"، وقال سفيان الثوري العالم الكبير في أمة محمد ﷺ : أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام، كما أن تونس التي يرأسها زين العابدين بن علي وموريتانيا لم تشتركا في الموضوع بل كانتا في صف العراق المعتدي الخائن، ثم دعت الجيوش الإِسلامية ومن انضم إليها الرئيس العراقي صدام حسين أن يفيء إلى أمر الله ويترك الأذى، ويقبل حسن التفاهم، ويميل إلى السلم، ويرجع عن غيه وضلاله، ولكنه صمم على ما هو عليه من الأذى والشقاق، ولم يقبل من أحد كائنًا من كان، ولقد دعته مصر إلى أن ينزل على حكم الله ويذر ما هو عليه من الشر والأذى، فلم يقبل وأبى إلا القتال وإثارة الفتن معتمدًا على ما لديه من القوة، وكان قد اختبأ في قبر من الأرض واتقى البأس بالأطفال الذين احتجزهم كرهائن لديه، ونسائهم لنعمهم معه، وهذا يدل على سخافة عقله، ولو كان شجاعًا كما يزعم لبرز في الميدان كما قيل: تسمى فتى البطحاء حياءً وخجلةً ... وما القرن يخفى في قراع الكتائب

стр. 2578

وكان لما رأى نفسه ومن أضلهم محصورين من الجنوب بجنود الله ومن ساعدهم من الأوفياء، ومن الشمال بإيران الدولة التي طالما أذاها وحاربها وهلك بشؤومه مليون من الأنفس البشرية، بعث إليها يقول في يد الصلح وتبادل الأسرى، ورد إليها جميع الأراضي التي اغتصبها فعبارة أنه خسر الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثمان سنوات، فأجابت الأخرى بأنه لا مانع من ذلك ويدها على قلبها بحيث لا تنخدع له ولا لأكاذيبه، ورجعت بذلك واستردت أراضيها، وتبادلوا الأسرى ولكنها اشترطت عليه شرطين: بأن احتلاله الكويت لا توافقه عليه، وتسخط من فعاله تلك وأن يبذل لها نفقات الحرب وخسائرها التي سببها ذلك المشؤوم، ثم بعث إليها يواسيها بالزلازل والهزات التي جرت عليها أي بعد وقوعها شهرين، ثم إنه دعا بجنوده المرابطين على حدود إيران ووجهها إلى السعودية، وكانوا ثلاثمائة ألف وخمسين ألفًا فمن عذاب إلى أكبر منه، ومن هؤلاء بعض الأسر الذين استخرجهم من سجون إيران، فما أن وصلوا إلى أهاليهم في العراق وتمتعوا برؤيتهم يومًا واحدًا حتى ألزمهم بأن يحاربوا إخوانهم السعوديين ويصرفهم من حرب إخوانهم الإيرانيين إلى حرب السعوديين، وقد جرت فيه سوابق في إبادة الأكراد الضعفاء المساكين، بحيث سلّط عليهم السلاح الكيميائي وأبادهم عن أخرهم، وله بوادر شرّ أن لم يؤخذ على يديه لأنه أصبح خطرًا على الأمن, وقد فرَّ من العراق وظلم صدام ألوف إلى السعودية واستجاروا إليها، وقد حدثني من حضر هجومه على الكويت من دون سابق إنذار أن المسلمين يصلّون صلاة الفجر فلم يشعروا إلى بضرب المدافع وجر الأطواب والدبابات عليها، فمنهم من فرَّ وكتبت له النجاة، وكان من الذين هجموا على الكويت يغررون ولم يعلموا الحقيقة أنهم شاب يقولون قيل لنا تعلمون مغاوره فكانوا لم يحملوا ولا ماء للشراب، بل جعلوا يطرقون بيوت المتبقين في الكويت يسألون شربة من الماء، فعبارة أعاد فعل الإفرنج والحروب الصليبية وما فعلوه

стр. 2579

بالمسلمين في الأندلس حينما قتلوا الرجال والنساء والأطفال واستباحوا فروج النساء علنًا قبّحه الله ولعنه، واني لأعجب من الشعب العراقي وهم الرجال كيف لم يقضوا عليه، ولقد قتل ضباطًا يزيد عددهم على عشرين، ولم يتورع عن قتل زوجته التي هي فراشه بل عمتها طلقات رشاشه، وما زال كل يوم يقتل من الضباط، ومن الذين يناصحونه عن أعماله الإجرامية، وقد حاولت الأمة العراقية اغتياله مرات عديدة ليتخلصوا من شره وما جرّه عليهم وتسببه من حصار العراق والتضييق عليها. عقد مؤتمر في القاهرة لما كان في يوم الأحد الموافق ٢٠/ ٢ عقد مؤتمر كبير في القاهرة حضره ممثلو ثمانين دولة للبت في شأن العراق، واشترك في هذا اليوم الرئيسان للدولتين العظيمين ميخائيل غوربتشوف وجورج بوش، وكانت أول جلسة استغرقت خمس ساعات درسوا الموضوع وقرروا مصير العراق، ومع كل من هذه الإجراءات وحصار العراق فإن طاغية العراق لا يزال في غيّه وضلاله ويهاجم الملك السعودي بأنواع القذف والشتائم، وقد عجّت الخطباء في الجمع ضد صدام وأظهروا عيوبه وما فعله وما ينطوي عليه، وقنت أئمة الحرمين في صلاة الفجر لهذه النازلة، وبما أنه لجأ إلى إيران لتناصره وهي العدو لعله يستجلب رضاها والميل إليه، فإنها لم تنخدع له بمعرفتها لخبثه وخيانته، وإذا كانت معاملته للسعودية التي شدت عضده وأنقذته في ورطته تلك المعاملة البشعة التي لا تصدر من رجل شريف يؤمن بالله واليوم الآخر، فحري بأن لا يركن إليه ولا يوثق به ولا بدينه ولا أمانته. مؤتمر في مكة المكرمة لما أسس الطاغية إذاعة لديه سماها إذاعة مكة المكرمة، وجعل ينشر في تلك الإذاعة استغاثة مكة والمدينة من جو السعودية، وكان ولا بد من تبرئة الحرمين الشريفين مما نسبه إليهما من الكذب، ففي يوم الاثنين الموافق ٢١

стр. 2580

صفر عقد مؤتمر عظيم في الرابطة الإِسلامية بمكة المكرمة حضره الأعيان والرؤساء، وكان هذا المؤتمر عاليًا فافتتحت الجلسة الأولى بآيات من الذكر الحكيم، ثم ألقى مندوب المجاهدين الأفغان، ثم كلمة الشيخ عبد العزيز بن باز، ثم ألقى الشيخ أبو الحسن الندوي عند الهند، ثم شيخ الأزهر بالنيابة عن مصر، ثم خطب أمين الرابطة الإِسلامية الدكتور عبد الله بن عمر نصيف، فألقى كلمة أوضحت تكذيب ما يدعيه رئيس العراق، ثم قام الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، فألقى كلمة خادم الحرمين الملك فهد، ثم ألقى المندوب بن جاسم كلمة بالنيابة عن حاكم الكويت جابر الأحمد الذي طرد وهتكت بلاده، ثم خطب أحمد القطان خطبة باح فيها عما جرى على الكويت من صدام حسين، وكيف توصلت به الأحوال إلى هذه الدرجة، وهكذا تتابع الخطباء ينشرون تلك الجرائم التي فعلها رجل يدعي العروبة والإسلام، وكان هذا المؤتمر العظيم الذي عقد في ٢١ صفر عام ١٤١١ هـ يوافق ١٠ سبتمبر ١٩٩٠ م يوافق يوم الاثنين، وقد حضر ذلك المؤتمر ثلاثمائة وخمسون من العلماء والأعيان والرؤساء، وانتهى كما إذا لم ينسحب العدو عن الكويت فإن على الأمة الإِسلامية دفع العدوان العراقي بالقوة، وكانت القوة قد حضرت قوة لا يستهان بها، هذا وقد كانت إذاعة العراق تهاجم الملك بالرغم من التضييق على العراق بالحصار، ويذيع عن لسان مكة المكرمة بأنها تشكوا الظلم ويستنهض بإذاعته الحكومة السعودية ضد مليكها، وفي اليوم الثامن من ربيع الأول أكدت العواصم حظرًا جويًا، كما فعل ذلك بريًا وبحريًا وأنها ستستعمل القوة وتستخدمها لإرغام العراق على الانسحاب من الكويت، وفي هذه الأثناء كانت حكومة صدام تعمل أيديها أنواع البطش بالكويتيين من دون رحمة، واتسعت الهجرة إلى السعودية، كما أن حكومة اليمن دعت جميع رعاياها من السعودية فقاموا يبيع جميع ما بين أيديهم بثمن بخس وتهيأوا للرحيل. وفيها في ٢٩/ ٢ أصيبت فيتنام بإعصار شديد سقط منه اثنان وأربعون ما بين قتيل وجريح، ويصفونه بأنه لم يعهد في السنين الأخيرة مثله.

стр. 2581

وفيها في ١٨ صفر جرت مجازر في لبنان في عين الحلوة سقط فيها خمسة وثلاثون قتيلًا، وجرح مائة وثلاثون، ولما أن كان في ١٩/ ٢ ثار متمردون في نيجيريا فأطلقوا النار على الرئيس، وأصيب بجروح خطيرة، ولكنه هلك وأقيم فيها رئيس مؤقت حتى ينظر في حالة الرئيس الأول. وفيها في غرة ربيع الأول حصل زلزال شديد في بلاد الصين، غير أنه لم يهلك فيه أنفس كثيرة. وفيها في الساعة العاشرة ضحى في يوم الأربعاء ١٤/ ٣ في العاشر من أكتوبر هبت رياح الصفرة شديدة محرقة أثارت عبرة شديدة، واستمرت أربع ساعات من الزمن، وهذا في المنطقة الوسطى. وفي ٧/ ٣ صدرت الأوامر بترحيل اليمنيين جملةً من المملكة السعودية، فقام أولئك اليمنيين ببيع ما لديهم من الأثاث والأفران وما يملكونه بقيمة زهيدة مغادرين إلى الجلاء عن المملكة، وكانت ساعة كانوا متولين في تلك الأونة للبيع والشراء وخدمة البلاد بالورش ومحطات البنزين والخبز وغير ذلك، وهذا لما تقتضيه الحال من سوء العلاقات بين السعودية واليمن الشمالية لتصرفات رئيسها علي عبد الله صالح، كما أن هناك منعت الواردات من الأردن إلى المملكة لأن الظروف السياسية تقتضي ذلك. أما عن مشكلة الكويت وما نتج عنها فإن الأمم جاءت من مشارق الأرض ومغاربها، ورابطت في مياه الخليج تأييدًا للسعودية برًا وبحرًا وجوًا، وحاصروا العراق من الجهات الثلاث، ومنعوا دخول الأطعمة والأرزاق عليها فأصبحت بحالة سيئة واستمرت الحالة بحيث دخل الشهر الثالث في هذا الوضع ولا تزال الطائرات الأمريكية شاحنة أسرابها إلى الخليج تقلق رعودها جوًا بحيث تفرغ حمولتها، وعادت الأمور تنذر بشرها وويلاتها، فإن الرئيس العراقي لا يزال في غيه وتحديه، وإنه مصمم على استيلائه على الكويت، ورغم أنه جزء من العراق لا يتجزأ، وقد أذاق من تبقى من الكويتيين أنواع

стр. 2582

العذاب، واقتلع جميع ما تحتوي عليه الشوارع من الإشارات والأبواب وحملت إلى العراق، وكان الموجودون في الكويت يقاومون على حسب مقدرتهم، ومن لا يرفع رسوم صدام حسين مرغمًا فما له إلا القتل، ولا سيما إذا كان يرفع رسوم الأخير جابر الأحمد، واستمرت الحالة شهرين وسبعة عشر يومًا لا سلم ولا حرب، ولا تزال القوات الدولية محاصرة العراق وتضيق الخناق عليه، وصدام لا يزال في غيه وغروره ويسب ويشتم أمريكا وبريطانيا ومن شعوبها. وفيها في ٧/ ١ وإقالة أمين مدينة الرياض عبد الله النعيم من أهالي عنيزة لكبر سنه، وجعل مكانه مساعد بن عبد الرحمن العنقري فرفعت التهاني إلى الرئيس الجديد لثقة الحكومة فيه، وأحيل الأول إلى المعاش شاكرين له خدمته الطويلة، وكان عبد الله بن علي النعيم من أسر أهالي عنيزة، وحظي لدى الحكومة السعودية، كما حظي لديها عبد العزيز بن عبد الله بن خويطر، وعبد العزيز بن زامل وقبلهم وزير المالية عبد الله بن سليمان بن حمدان، كما حظي لدى الحكومة رئيس الديوان إبراهيم بن عبد الله بن عيدان، وعبد الرحمن الطبيشي، ومحمد صالح شلهوب، ويوسف يستين، وأناس آخرون. ذكر شيء عن صدام حسين كان منذ صغره يعمل كإرهابي مؤذي، وكا أنه كان يستلم أسلحة من السعودية تمويهًا بأنه يقاتل إيران، فقد كان يكتنزها وهي أسلحة لا يستهان لها، فقد قام بهذه الأسلحة التي يموه بأنها ضد إيران، فقد أمر بها أن توجه على السعودية ليضربها بأسلحتها التي ساعدته بها، وقد بدا إجرامه منذ بلوغه الرابعة عشر من عمره منذ عام ١٩٥٩ م، أي منذ إحدى وثلاثين سنة، وهو مفسد في العراق يزرع بذور الشر فيه، وربما أنه كان يسمع عن هتلر وشجاعته فيقلده في أعماله، وإن كان هتلر ألمانيا لم يعمل كما عمل هذا الشرير ودسائسه وإيذائه ومكره، فقد أعدم في عام ٨٥ م حوالي ٢٩ طفلًا من أبناء السياسيين المعارضين لحكمه، وأعدم ٦٠٠ عضو منظمة

стр. 2583

دينية، واستخدم الغازات السامة ضد القوات الإيرانية، وبعث بوفد ديني كعمل جهاز تسجيل للتباحث مع البرازاني، وانفجر الجهاز الملغوم بأعضاء الوفد أثناء المحادثات، واستخدم عام ٨٨ م الغازات السامة ضد مواطنين عراقيين من الأكراد، وأباد ثمانية آلاف منهم، وطلب الإعانات من الكويت لحرب إيران، ولما استنزف ما لديهم انقلب عليهم وغزاهم في بلادهم، وقتل رجالهم وهتك محارمهم، وانتهب أموالهم، وطردهم عن بلادهم، وفعل بهم أعمال لا أخلاقية لم يفعلها فرعون ولا غيره. ولم توجد في تاريخ الأمم المتقدمة إلا ما دونه التاريخ عن أعمال الصليبيين بالأندلس وقد طلب الشيخ عبد العزيز بن باز إلى سائر الأمة، ودعى إلى تشكيل محكمة شرعية لمحاكمة صدام، ولكنه لم يلتفت إلى ذلك، وكان مآلها إلى الفشل وعدم استجابته، وقد وقعت انفجارات كيماوية في مجمع عراقي قرب الحدود السورية سمع لها رجة عظيمة وذلك في ٢١ صفر ١٤١١ هـ، وتعتبر نكبة في العراق، ولقد أصيبت العراق بسبب التضييق عليها والحصار الشديد، وإن بوسع الرئيس صدام حسين لما رأى تضخم الموقف وإدانته بفعل ذلك أن يقلع عن أطماعه بالكويت، ويقوم بما يجب عليه من سحبه عنه وإصلاح ما أفسده، ويقلع عن هواه، وقد استعمل شراسة في معاملة شعبه الذي أخذه بالقوة واغتصب حسن البكر رئاسته، وأرهق مئات الألوف في هذا السبيل، كما أنتشر سفكه لدماء أهالي الكويت الأمنيين مع أنه لا يحصل على مقصوده الذي أقدم عليه, وإن في الحياض من يذود عنها، وقديمًا قيل: كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمةً ما دام للسيف قائم متى تجمع القلب الذكي وصارمًا ... وأنفًا حميًا تجتنيك المظالم وذلك لأمرين: أولًا أن الحكومة السعودية تجمعها مع الكويت أواصر المحبة وحسن الجوار منذ قيام الملك الراحل عبد العزيز بالملك ومحامات السعودية ودفاعها عن الكويت مرات عديدة. ثانيًا: إن تهديدات صدام حسين قد أيقظت الحكومة السعودية لما يبيته من

стр. 2584

الغدر والخيانة وسوء طويته، وأنه لو كان محنكًا بصيرًا لكان له ما يردعه عما عزم عليه، ولكنه كما قيل: يقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن وإن دونه ودون الكويت وضمها إلى العراق بحور من الدماء وعاقبته إلى الفشل، وإن معانقة الثريا أيسر من معانقة الكويت، والتمسح بذراع الأسد دون التمسح بملكها، وأخذها, ولكن الجنون فنون، ولقد بدا الندم والأسى من حسين الأردن ورئيس اليمن، وأظهرا استيائهما وانخداعهما لما دلاهما فيه من غرور وإيحاء زخرف القول وغروره رئيس العراق، وقاما يطلبان الوساطة بينهم وبين خادم الحرمين وقَبول الأعذار بعد كيده وتسويله شهرين وثمانية أيام، وتحققا أن مواعيده كمواعيد عرقوب التي تقدم ضرب الأمثال بها، فنسأل الله تعالى أن يعيذنا من الخزي والفضيحة في الدنيا والآخرة، فقد كفاهما ما وقعا فيهما، وما أحسن الاستخارة والمشورة قبل الدخول في الأمر، فما ندم من استخار الخالق وشاور المخلوقين، وبما أن اليمن وقع في حيرة وارتباك ونزاع شديد فيما بينهم من تصرفات علي عبد الله صالح، فما كان الأردن يأمل منهم خزيًا وارتباكًا وحيرةً من تصرفات ملكهم السيئة. ذكر ما وقع في لبنان وقع في لبنان فوضى، فقد قام عون بقواته في نشر في لبنان، وتبادلت قواته وقوات لبنان القذائف النارية والقنابل المدمرة والمحرقة من مدافع الهاون والصواريخ، واستهدفت الأمة في النصف الأخير من ربيع الأول في هذه السنة للضرب والتخريب والحرائق، وأصبحت بلاد العرب في فتن هائجة مائجة، فهذه الضفة الغربية وقطاع غزة وما حواليها من هدم وتخريب من جراء الحروب بين اليهود والفلسطينيين، واستمرت الأحوال في شرها وويلاتها ولا تزداد الأمور في فلسطين إلى دمارًا وشرًا، وهذا جنوب لبنان استولت عليه

стр. 2585

اليهود وأصبحوا هم والفلسطينيين في شر حالة، وهذا حزب أمل والمسمى حزب الله بقتال عنيف، وهذا جعجع يقاتل حزب عون ويتناحرون، وأصبحت لبنان مسرحًا للفتن والزلازل والقلاقل، وعجزت الأمة عن تسكينهم والسعي بالصلح فيما بينهم. وبينما الأمة تسعى لإيجاد حلول لما وقع في فلسطين ولبنان إذ بداهية تنزل بهم وهي فتنة صدام حسين وما نشأ عنها من المحنة في الخليج، وأمسى العرب كلما حاولوا إطفاء فتنة وقعت فتنة أكبر منها، وذلك باختلاف الآراء وعدم الاتفاق على شيء، ولا ينقاد أحد منهم لغيره، فعمالهم مختلفون وتجارهم بالمشاكل مشتغلون، ومن يرتجي منهم العلاج لا يحسنون، وتجتمع الأمة للنظر في المشاكل وعلى غير جدوى يتفرقون، وعظمت الحوادث ونازحت الكوارث واشتدت المحن وكثرت الفتن، وقل المصلحون، وكثر المفسدون، وأصبحت البلابل تكشر عن أنيابها، وتلوح، وأنواع البلايا تغدو على الناس وتروح، وقل المصلحون، وكانت الأمة بحالة لا يحسدون عليها، غنيهم لا يرحم الفقير وكبيرهم لا يرحم الصغير, والصغير لا يوقر الكبير، آرائهم مختلفة وكل صوت يريد ارتفاعه، فما شئت من تفكك وتخاذل وعدم ثقة من بعضهم لبعض لأن القلوب منطوية منهم على الخيانة، والعدو إلا من يشاء الله منهم، وكيف يرتجى الفلاح ممن كانت هذه بضاعتهم، وهذه معاملتهم فيما بينهم، ولقد أدبنا الله وبين لنا في موجباته بكتابه العزيز في قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] , وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]. اشتباك بين العرب وإسرائيل لما كان في ١٩/ ٣ من هذه السنة قامت اليهود بوضع حجر الأساس حوالي المسجد الأقصى كعادتهم في التحرش مع عرب

стр. 2586

فلسطين، فقام شباب الانتفاضة ضد ذلك وكانت اليهود إنما تريد قصدها في قتل وجرح ما تشاء منهم لما يحصل من تلك الاشتباكات من قضاء وطرهم منهم، وكان حرب الانتفاضة قد ألقوا الحجارة على اليهود وهم يصعدون فالتفتت عليهم اليهود بالأسلحة النارية، وأطلقوا عليهم الرصاص فسقط من جراء ذلك ثلاثون قتيلًا فلسطينيًا وجرح سبعمائة، وقد بالغ بعض الرواة بأن الجرحى تجاوز عددهم إلى ٨٥٠ جريحًا وهو الصحيح، وقامت الأمة متأثرة من أعمال اليهود ضد العرب ورفعوا شكايات إلى مجلس الأمن وإلى الجهات المختصة في أمريكا، وأبدوا استيائهم من تصرفات اليهود لأنهم يريدون بذلك هتك المسجد الأقصى وحرقه، وألقى الملك حسين احتجاجه ضد عمل اليهود، ومما يبعث الأسى ويجرح الصدور كون أولئك الضعفاء يقومون برمي الحجارة على اليهود فيجرحون نفرًا أو أكثر فيقوم اليهود برميهم بالرصاص والنار فيصاب منهم العشرات والمئات، وكنت أظن أن اقتراح هذا الرأي ليس برشيد ممن أتى به، أو لكون ذلك دسيسة ممن أشار به ليقضي على الفلسطينيين ويستأصلهم. وفيها في ١٨/ ٣ وفاة حاكم دبي راشد بن مكتوم البالغ من العمر ٨٤ عامًا، وقد أقيم الحداد لوفاته، وقد كان مشهورًا بالسباق على الإبل، ومحبوبًا لديهم، ثم أقيم بدلًا عنه ابنه مكتوم. وفيها في ٢٠/ ٣ أصيبت بنغلادش بإعصار شديد نشأ عنه أضرار. وفيها قامت مدينة البصرة في العراق بمظاهرات عنيفة ضد الحكومة احتجاجًا لنقص المواد الغذائية لديهم، ولكنهم قوبلوا بإطلاق النار عليهم، وتشتيت المتظاهرين بالقوة، وقد بدأت على عامة أهل العراق أشباح الجوع والهلاك في أهالي العراق، ولما أن رأى الرئيس العراقي ما أحاط به من البلاء والملاحقة التي لا قبل له بها جعل يفكر في الانسحاب من الكويت ويتظاهر أمام روسيا بأنه مستعد للانسحاب بشرط أن لا تضرب أمريكا العراق، وكان ذلك في يوم السبت الموافق

стр. 2587

٢٤ ربيع الأول، وكان بالرغم من ذلك لم يترك وسيلة من وسائل الأذى فقد قلّع أشجار الكويت وقطع الأزاهير وأفسد فيه إفسادًا، وفعل أفعالًا تدل على جهله وحمقه وإلا فلو علم أنه سيضمن ما أفسده ما فعل ذلك، ولكنه ينطوي خبث وأذى وسوء تصرف، والدليل على ذلك أنه قتل في اليوم المذكور أعظم شخصية بارزة في العراق وهو النائب الأول، واستمر على سفكه للدماء في العراق، وقد فضلت أمريكا مطاولته في الوقت لعله أن يقتل ويكون العراق سالمًا من ضربة، تعمُّ البلاد بسبيه لِعِلمها أن من فعل فعاله فإنه لا يسلم، وحقًا إن الأمة العراقية تسعى لإعدامه ولكنه غره دروعه الحديدية والحراس الذين جلبهم من خارج العراق إلى العراق لعدم نقته بشعبه. ذكر ما جرى بعد مذبحة القدس لما أن قامت اليهود متغنمة انشغال العرب بحادثة الخليج على ضعفاء فلسطين فقتلوا ثلاثين وجرحوا سبعمائة لما أن صوبوا عليهم الرصاص، رفع رؤساء العرب شكايات إلى مجلس الأمن, وتأثرت الولايات المتحدة لذلك وأدانت اليهود بهذا العمل السيئ، وبعثت مندوبها للكشف عن هذه المهمة والتحقيق مع مرتكبيها، ولكن اليهود عارضوا الدخول إلى موضع المجزرة لأن ذلك يفضحهم ويظهر الجرائم التي ارتكبوها وسوء نواياهم نحو العرب، وإبادتهم بما شاءوا من الجرائم. ذكر استسلام صاحب الأذى في لبنان لما أن كان في ٢٣/ ٣ وقعت سوريا بقيادة الرئيس حافظ الأسد، وكان من أفذاذ الرجال في سعة المقدرة وتنفيذ الإرادة فجر على المنشق العماد ميشيل عون قوة من الصواريخ والمدافع، فما كان إلا ربع ساعة بعد هذا الهجوم الصاعق حتى استسلم وقرر اللجوء بعائلته إلى فرنسا، وطلب السماح له بالفرار على ظهر طائرة إلى الجهة التي اختارها, ولكن الحكومة اللبنانية قررت إعداد ملف لمحاكمة قائد التمرد المخلوع الذي قد طالما قام في شرق لبنان يثير الفتن والتمرد طوال سنتين.

стр. 2588

وفيها في ٢٤/ ٣ قتل اغتيالًا رفعت محجوب بمصر بحيث قام خمسة في المتآمرين على قتله واستأجروا سكنًا إلى جانبه، فلما تمكنوا من قتله قتلوه وقد ألقي القبض على الجناة، والمقتول رئيس المجلس الشعبي، وقد بذلت الحكومة أسبابًا للقبض على الجناة لما فروا، أما عن العماد عون المتمرد فإنه لما استسلم أمر أتباعه أن يستسلموا، ولجأ إلى السفارة الفرنسية في لبنان، ولكن الجيش اللبناني حاصر السفارة ليقبضوا عليه ويرغموه على المحاكمة بدعوا أموال استولى عليها وأبوا أن يسمحوا له بمغادرة لبنان إلا بعد المحاكمة، وقد قامت فرنسا تطلب إطلاق سراحه، ولكنهم أصروا إلا أنهم كانوا موتورين منه طوال هذه المدة التي كان معاندًا فيها ومحاربًا، وقد يستجيبون لكرامة فرنسا وتقديرها. ففي غرة يوم الجمعة ١/ ٤ امتطى أربع سيارات إلى مطار بيروت لمغادرة لبنان، وكان يؤمل بعد استسلامه واستسلام أتباعه أن تتحسن الأحوال. ذكر حالة الكويتيين في المملكة وذلك أنهم لما لجئوا إلى الحكومة السعودية في وقت ابتداء الدراسة لم يفل ذلك من عزم الحكومة السعودية عن سير الدراسة في أوقاتها، فقد فتحت لأبناء أهل الكويت وبناتهم أبواب مدارسها وواستهم بأنفسهم بالرغم من كثرة الأعداد التي ازدحمت بها الفصول في سائر المدارس الابتدائية والمتوسطة والجامعات، ونقل أهل الكويت من المدارس إلى مواضع سكنية، كما أن حكومة الكويت بذلت لأبناء شعبها مساعدات للإيجار حينما امتلأت مواضع الإسكان، وكانت المملكة السعودية حكومةً وشعبًا قد قامت بواجب حق ضيوفهم فما كانوا إلا كأنهم في بلادهم وسلطانهم، وهكذا تكون الأخوة الإِسلامية، كما أرشد الرسول ﷺ إلى ذلك في ضربه الأمثال للمسلمين بأنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وهم ينتظرون كل يوم الفرج من الله وأن ينصرهم على عدوهم ويردهم إلى وطنهم، وإن كانوا مطمئنين كما يظهر من حالتهم، هذا

стр. 2589

وقد كان الأمير جابر وولي عهده سعد بن عبد الله يسعون بكل جد ونشاط في طرد العدو عن بلادهم، ويطالبون مجلس الأمن في تنفيذ قراراه في مصير الكويت، وانسحاب المغتصب عنها، وكان العدو قد قام كما تسول له نفسه أن تتخلى الكويت عن بعض أراضيها للعراق، ولكن الكويتيين لن يسمحوا بالتخلي عن شبرٍ واحدٍ من أراضيها، وفي كل يوم يشدد الضغط على حكومة العراق والتضييق عليها، وبما أنهم أصبحوا في حصار مستمر فإنها ستضطرهم الأحوال إلى الانسحاب، وكنت أظن أن أحكي الحقائق على وضعها أن الحكومة الأمريكية لا تكتفي بالانسحاب فحسب بل تريد الإطاحة بحكم صدام حسين الذي أعد عدته للفرار واللجوء إلى إحدى الدول إن حصل على ذلك، فلقد جرت محاولات لاغتياله، ولقد ضر نفسه وشعبه، وكان لما أن أقدم على ما أقدم عليه من أعماله المتقدمة ساءت سمعته ولقب بالدكتاتوري، ونظمت قصائد كثيرة في مسبته وانشق عليه شعب العراق وذلك لما كابدوه من الجوع لما اشتد الحصار، وقتل الأبرياء وأصبحت الأمة من جراء فعله بحالة يرثى لها، ونحن نسوق قصيدة من تلك القصائد التي يندى لها الجبين وتبعث الأحزان، وهي لمحمد نادر فرج: رجف الكون غاضبًا والوجود ... مِن لظى الرزء فالمصاب شديد أنه اليوم يوم خطبٍ جليل ... شاب من هوله الغلام الوليد أهو الحشر أم تراه شبيهًا ... فيه ما ذاقه الكويت الشريد أذهل الناس لا يقر قرار ... فلقد حار في المصاب الرشيد ليس من راعها يفقد بنيها ... أجنبيًا به رماها الوجود ليس من شرد الآلوف وأفتى ... في الكويت الشقيق ليس اليهود إنه القدر قد تحدانا ... إنه الحقد حين ساد الحسود إنه ابن الخليج تعسًا وسحقًا ... لأخ فاجر وعنه القرود أين أين الإخاء هل من وفاء ... لأخ كان في الفؤاد يجود أين ابن الإخاء وصمة عار ... حين تعدو على الإخاء الجنود

стр. 2590

إن من روعة المصاب بأنا ... بأيدينا نبني علينا اللحود أمة العرب ابتدى بعزاء ... وعزائي إليك هل سيفيد وعزائي بمن يكون عزائي ... بفقيدٍ وهل يعود الفقيد أم بمن ترز بعد حسين ... وهو الآن في العناد يزيد أحسن الله في بنيك عزاء ... فيهم راعك الزمان الجديد وهمُ بين هالكٍ وسقيم ... وضليلٍ قد حار فيما يريد يتساقون من كؤوس المنايا ... بمدام هو الفناء الأكيد وعلى الموت يصدرون حشودًا ... وإلى قبرها تساق الوفود يا عراقًا به الجراح تنذى ... ألهب الغدر نارها والجحود كيف تنسى طعم الجراح وتأسى ... بدماء الأبطال كيف تجود فلقد أهرقت دماء أسود ... دون ذاك الشراب كانت تذود وترويه في النجيع فيسمو ... سامعًا للعلا دعاه الخلود كيف تهديه للعدو وتنسي ... إنها بالدماء عنه الأسود قل لصدام يا لسوء زمان ... أنت فيه على العراق تسود فلقد سقت للعراق مصابًا ... كالذي قد جفت عليها تمود ولقد رعت فيه كل كريم .... مزق الظلم جسمه والقيود وجعلت الحياة فيه جحيمًا ... وبه الحرب مبتلي والمسود فعلى الهالكين يبكي الحيارى ... وعلى الفاقدين يأسى الفقيد كيف يدعوا إلى الجهاد سفيه ... بدماء الأسود كان يجود كيف يحمي حمى الشعائر نذل ... مجرم فاجرٌ دعيٌ طريد ليس يرعى محارمًا لتقي ... وهو في الكفر بادي ومعيد إنه العهر أن يقوم وضيع ... يدعي أنه الحكيم الرشيد إيه يا أمتي لعل زمانًا ... نحن كنا أسياده سيعود والعلى ليس يشترى بنقود ... ومع الغدر لا تفيد العهود

стр. 2591

وإذا ضاعت الكرامة فينا ... ما الذي تنفع العبيد النقود فابعثي العزم كي يكون صلاحًا ... يرفع المجد شامخًا ويشيد وأعدي إلى العدو جيوشًا ... لا يفل الحديد إلا الحديد إن هذا الشاعر موتور من أعمال طاغية العراق، وهو وإن كان قد بالغ في مسبته فلم يصل إلى بعض سيئاته، كيف لا وقد كان الجرم مؤذيًا لجيرانه ومتنكرًا للإحسان، وماكرًا لئيمًا، بينما هو سلاح في يدك لم تشعر إلا به فقد كان سلاحًا في نحرك، ولما أن رأى حروجة الموقف طلب من الأمة أنه يكفي العراق بعض الكويت كالرميلة وكذا وكذا، غير أن الكويتيين لا يسمحون بشير من أراضيهم. وفيها في ٣/ ٤ قتل الرئيس شمعون المسيحي وعائلته وكان في السابق رئيسًا في بيروت، وأحدث قتله رنة أسف عند أصحابه وذويه، هذا ولا تزال المجازر في الضفة الغربية والقدس نتيجة إصابة إسرائيليين، فقد جرح من أبناء فلسطين ثلاثة عشر شابًا رغم تأكيد مجلس الأمن لمحاكمة إسرائيل عن مجزرة تاسع عشر ربيع الأول وما فيها من الفظائع، وقد اشتد عداء اليهود وقتلوا المسلمين من صلاة الجمعة الموافقة غرة ربيع الثاني من هذه السنة في المسجد الأقصى. وفيها قام الرئيس المصري حسني مبارك في يوم الاثنين ٤/ ٤ بزيارة لرئيس الإمارات في الخليج زايد بن سلطان بن نهيان لأخذ رأي رؤساء الإمارات هناك خليفة بن حمد، وعيسى بن سلمان، وحاكم أبو ظبي، فاستقبل استقبالًا يليق به، وقامت من الغد جرائد الحكومة السعودية تذكر ما بذلته من الإحسان والمعونات إلى اليمن، وكيف أن نصيبهم من الشكر جحود المعروف ومقابلة الإحسان بالإساءة والكذب، ولكنه ليس متعجب أن تأخذ الحكومة اليمنية على أبنائها لما رجعوا إليها حسب طلبها رسومات قد تزيد على قيمة ما معهم من الأثاث، وعلاوةً على ذلك أن تنتهب ما جاءوا به يحملونه، وتزعم الحكومة السعودية هي التي قامت بانتهابها، وغير ذلك مما جاءت به الحكومة اليمنية من الإفك والبهتان والكذب على السعودية التي طالما منحتهم المستشفيات والمستوصفات وبنت مدارسهم، وبذلت

стр. 2592

المدرسين إليها، وفي الحديث: "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه" فآهٍ على إحسان ينكر وعلى معروف لا يشكر وعلى أيادي جزيلة لا تذكر، وكانت السعودية تقابل تلك المسبة برحابة الصدر، وحسن الخلق، وكلام الأدب الذي هي أهله، والخليقة به، ولله در القائل حيث يقول: يخاطبني السفيه بكل قبحٍ ... وأكره أن كون له مجيبًا يزيد سفاهةً وأزيد حلمًا ... كعودٍ زاده الإحراق طيبًا ويقول الحكيم الثاني متصفًا بالأخلاق العالية: إذا جاريت في خلق دنيئًا ... فأنت ومن تجاريه سواء رأيت الحر يجتنب المخازي ... ويحميه من الغدر الوفاء وكن رجلًا على الأهوال جلدًا ... وشيمتك السماحة والحياء ولا تجزع لحادثة الليالي ... فما لحوادث الدنيا بقاء زلازل تصيب الهند في ٧/ ٤ أصيبت باكستان بزلزال شديد في مدينة بيشاور تصدعت منه الحيطان، وأصيب ٧٥ قتلوا، وأصيبت الهند من هذا الزلزال، كما أن أفغانستان عمه ذلك الزلزال ولم يتوصل الجميع إلى إحصاء ما دمره ذلك الزلزال، وكان ذلك في وقت انتخاب رئيس وزراء باكستان، وكانت الرئيسة بوتو مهددة بانتخاب غيرها وإبعادها, ولما أن كان في ثامن ربيع الثاني أبلغت موسكو مجلس الأمن بأن صدام حسين رئيس العراق لا يهمه وصول الأزمة في الخليج عن طريق السلم، وهذا بعد ما صدر القرار العاشر من مجلس الأمن ضد العراق وتصرفات صدام السيئة، فقام بقية الأهالي في الكويت بعد صلاة الجمعة من ذلك اليوم بمظاهرات في الكويت يهتفون بأميرهم جابر وبولي عهده سعد بن عبد الله، ولم تنفك المظاهرات العنيفة إلا في إطلاق النار في الهواء ضد المتظاهرين، وبعد تلك المظاهرات قامت النساء

стр. 2593

بمظاهرات ضد صدام ويهتفن بالشيخ جابر الأحمد وولي عهده، وشهد مسجد كيفان أكبر مظاهرة، وفجرت سيارة بالبصرة وسط جمع كبير من العراقيين هناك، وكانت أمريكا مهتمة بإيجاد معدات الحرب بحيث أبدلت أربعمائة دبابة وجلبتها لتكون من السلاح الحديث وجلبت طائرات لا يهتدي الرادار إليها، واشتد الحصار على العراق وقامت الأمور هناك. كفاح أهالي فلسطين لما أن كان في يوم الأحد ١٠/ ٤ فتحت اليهود الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين والقدس بعد إغلاقها أربعة أيام عقوبةً لأهالي فلسطين، وإغلاقهم المسجد الأقصى ومنع المسلمين من صلاة الجمعة الموافقة ٨/ ٤ وذلك لما قاموا ضد هذا العدو الغاشم بالسكاكين، وقد أصيب من المسلمين ١٣ بجروح في الاشتباك الأخير، وقد رفعت الشكاوي إلى مجلس الأمن وقضى فيها بمحاكمة إسرائيل، ولكنها لم تخضع للمحاكمة بعد التأكيد عليها، وكان الملك عبد العزيز غفر الله له قد قال كلمته الخالدة: إنه لا يحرر فلسطين إلى أهل فلسطين، ولكنه بسبب شدة المقاومة نشأ أن أغلق المسجد الأقصى ومنع المسلمون من الصلاة فيها، وأصبح مهددًا من اليهود، وكان الشباب في فلسطين إلا أهل فلسطين، ولكنه بسبب شدة المقاومة نشأ أن أغلق المسجد الأقصى ومنع المسلمون من الصلاة فيها، وأصبح مهددًا من اليهود، وكان الشباب في فلسطين لما قاموا بانتفاضتهم لم يكن ليصدهم عن قصدهم شيء رغم إطلاق النار عليهم وتخويفهم وتهديدهم، واستطاعوا بأن يلفتوا أنظار اليهود إليهم بعد ما كانوا عنهم معرضين ومتصلبين، ومن أراد أن يطاع فليطلب ما يستطاع، وكنت أظن أن الفلسطينيين لو كانوا مقتنعين لحصل لهم بعض ما كانوا يطلبون، وفي كلام الحكمة: "مالا يدرك كله لا يترك كله"، وتكون هذه خطوة أولى، وإذا نظرنا بعين الإنصاف إلى حالة الظروف وأنهم أمام عدو قوي فإن معاملة اليهود لهم بالنسبة إلى معاملة العرب بعضهم لبعض أخف قساوة، وأقرب إلى عدم الإبادة لهم, لأن العدو متغلب، ولو ركنوا إلى السلم وعدم المقاومة وصبروا على

стр. 2594

شيء من الضيم مراعات للظروف لحصلت بعض الراحة حتى تسنح الفرصة، وإنهم يريدون إخراج اليهود من فلسطين حاليًا وهذا شيء شبه مستحيل، هذا والله المسؤول بأن يأتي بالساعة التي فيها الفرج والتخلص من هذه الورطة ليسترد العرب والمسلمون حقوقهم كاملةً من أعدائهم، وبما أن المسلمين قد وقعوا في أربع مشكلات فقد أشرنا إلى إحداها، ونأتي ببقيتها. هدوء يسود لبنان لما أن سقط العماد عون وسلم أتباعه وجد أهالي لبنان بعض الراحة لوطنهم وبلادهم، وقامت الأمة التي تسعى إلى إيقاف الحرب بسعي حثيث وجهود جبارة لوضع حل بين حركة أمل وما يسمى حزب الله، وقد باتت طلائع تبشر بحل تلك الأزمة ولا سيما إن كان الرئيس حافظ الأسد قد التفت إلى ما حل بلبنان فإنه بسعي منه لوضع العراقيل المتعلقة بذلك قد يحصل المقصود، ولعل الجهود التي بذلت في هذا السبيل بمؤتمر الطائف يكون لها الأثر الفعال ولا سيما وقد قام الرئيس إلياس الهراوي بتنظيم حكومته وأصبح سعي اللجنة الثلاثية مثمرًا ثمرته المطلوبة، وهذا بعد حروب استمرت في لبنان خمسة عشر عامًا، وقد قدمنا السنة التي قبل هذه ما قامت به اللجنة وإعادة الكرة بعد فشلها، وبالرغم من كثر الموانع والصعوبات إنه عم التزام شامل بوقف إطلاق النار في لبنان وإعادة فتح المطار فيه، وفتح ميناء بيروت، وعمت فرحة شعبية غامرة وتدفق العائدون إلى العاصمة، وإن اللجنة الثلاثية قد نالت مقصودها ولم يتطرق السأم ولا الملل إلى السعي نحو الغاية المطلوبة، ولكن أنى وهيهات، وكيف وأن البلاء قد تفتحت أبوابه وتفتقت الأرض بشرٍ وويلات، فما كادت العرب أن تسعى إلى ترميم الشرخ حتى وقعوا في محنة ثالثة وهي هجوم العراق على الكويت، ذلك الهجوم الهمجي الذي أنساهم جميع ما تقدم من المشكلات وأصبحت نيران البلاء تأجج من جديد وتنذر بشرها وويلاتها، وأصبحت الأمة في حيرة مما جره الرئيس صدام حسين على العرب والمسلمين وما سببه من الكوارث التي تفوق العدَّ والحسبان، فبعد قتاله لإيران واستنزافه لأموال

стр. 2595

السعودية والكويت التين قامتا بمساعدته، وأقامته من كبوته إذا هو يلتفت عليها فيهجم على الكويت ويستبيحه، ويصبح يتهدد السعودية بأن يفعل بها فعله بالكويت وهو ما نحن بصدده، فقد أقبلت الأمم من مشارق الأرض ومغاربها، واجتمعت الدول الكبرى والمتوسطة والصفراء للوقوف أمام هذا التيار الجارف الذي سيكون وقوده الجثث ان لم تداركها عناية الله ﵎، وقد اختبأ ذلك الشجاع بزعمه الباطل في القبو الأرضي، واتقى بالصبية والنساء من عوائل الأجانب الذين يحتوي عليها العراق، وقد تأزمت الأمور جدًا وأقبل الجو والبر والبحر بالهمات الحديثة التي تهدر أعاصيرها وتضرب أمواجها بالفتن والقلائل والزعازع وأصبحت الأساطيل الأمريكية والبريطانية والقوات الفرنسية والسورية والمصرية، وما يحتوي عليه الخليج مطوقة العراق برًا وبحرًا وجوًا، وبما أن الرئيس العراقي يتربص الدوائر بالعرب والمسلمين، فقد اتخذ من ذلك وهو مجيء الحلفاء والأصدقاء والمدافعين عن السعودية والكويت، وعن أهل الحقوق عرضًا ومسبة لمن أتى بها، وإنهم إنما جاء يهدمون الإِسلام ويبيدون أهله، ويغيرون أخلاقهم ونحو ذلك مما تقتضيه إرادته الضالة وإذاعاته الساقطة، وجعل يستنهض الإِسلام والمسلمين والعرب لقتالهم وإنهم إنما جاءوا ليحتلوا مكة والمدينة لا غير، ولكنه بالرغم من إذاعاته المتواصلة أربعًا وعشرين ساعة تسب وتقذف وترمي بالبهتان لم يستجب له أحد سوى من استغواهم وهي اليمن وعمَّان، وقد قام بتزويرات وخزعبلات، وما هو متصف به من النفاق والبهرجة والكذب، والكيد للإسلام وأهله بحيث أنه هو السبب إلى حضور الأجانب والمكر والأذى، وإخافة الآمنين، وقتل الأبرياء، وهدم المساكن واستباحة الدماء والأموال والأعراض، ولكن الذين انخدعوا له لا يعلمون ولا بعواقب الأمور يفكرون، وجروا على أنفسهم وعلى أمتهم شرًا وبلاءً وجوعًا، وسيعلم الذي ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون، ولم تقتصر البلية على هؤلاء بل عمت شعب العراق بالفقر والجوع والإملاق وتقتيله أبناء العراق وضباط جيشه لما هو مفطور عليه من الإرهاب والقتل والإفساد، حتى
следующие страницы →