← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وإذا ضاعت الكرامة فينا ... ما الذي تنفع العبيد النقود فابعثي العزم كي يكون صلاحًا ... يرفع المجد شامخًا ويشيد وأعدي إلى العدو جيوشًا ... لا يفل الحديد إلا الحديد إن هذا الشاعر موتور من أعمال طاغية العراق، وهو وإن كان قد بالغ في مسبته فلم يصل إلى بعض سيئاته، كيف لا وقد كان الجرم مؤذيًا لجيرانه ومتنكرًا للإحسان، وماكرًا لئيمًا، بينما هو سلاح في يدك لم تشعر إلا به فقد كان سلاحًا في نحرك، ولما أن رأى حروجة الموقف طلب من الأمة أنه يكفي العراق بعض الكويت كالرميلة وكذا وكذا، غير أن الكويتيين لا يسمحون بشير من أراضيهم. وفيها في ٣/ ٤ قتل الرئيس شمعون المسيحي وعائلته وكان في السابق رئيسًا في بيروت، وأحدث قتله رنة أسف عند أصحابه وذويه، هذا ولا تزال المجازر في الضفة الغربية والقدس نتيجة إصابة إسرائيليين، فقد جرح من أبناء فلسطين ثلاثة عشر شابًا رغم تأكيد مجلس الأمن لمحاكمة إسرائيل عن مجزرة تاسع عشر ربيع الأول وما فيها من الفظائع، وقد اشتد عداء اليهود وقتلوا المسلمين من صلاة الجمعة الموافقة غرة ربيع الثاني من هذه السنة في المسجد الأقصى. وفيها قام الرئيس المصري حسني مبارك في يوم الاثنين ٤/ ٤ بزيارة لرئيس الإمارات في الخليج زايد بن سلطان بن نهيان لأخذ رأي رؤساء الإمارات هناك خليفة بن حمد، وعيسى بن سلمان، وحاكم أبو ظبي، فاستقبل استقبالًا يليق به، وقامت من الغد جرائد الحكومة السعودية تذكر ما بذلته من الإحسان والمعونات إلى اليمن، وكيف أن نصيبهم من الشكر جحود المعروف ومقابلة الإحسان بالإساءة والكذب، ولكنه ليس متعجب أن تأخذ الحكومة اليمنية على أبنائها لما رجعوا إليها حسب طلبها رسومات قد تزيد على قيمة ما معهم من الأثاث، وعلاوةً على ذلك أن تنتهب ما جاءوا به يحملونه، وتزعم الحكومة السعودية هي التي قامت بانتهابها، وغير ذلك مما جاءت به الحكومة اليمنية من الإفك والبهتان والكذب على السعودية التي طالما منحتهم المستشفيات والمستوصفات وبنت مدارسهم، وبذلت

стр. 2592

المدرسين إليها، وفي الحديث: "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه" فآهٍ على إحسان ينكر وعلى معروف لا يشكر وعلى أيادي جزيلة لا تذكر، وكانت السعودية تقابل تلك المسبة برحابة الصدر، وحسن الخلق، وكلام الأدب الذي هي أهله، والخليقة به، ولله در القائل حيث يقول: يخاطبني السفيه بكل قبحٍ ... وأكره أن كون له مجيبًا يزيد سفاهةً وأزيد حلمًا ... كعودٍ زاده الإحراق طيبًا ويقول الحكيم الثاني متصفًا بالأخلاق العالية: إذا جاريت في خلق دنيئًا ... فأنت ومن تجاريه سواء رأيت الحر يجتنب المخازي ... ويحميه من الغدر الوفاء وكن رجلًا على الأهوال جلدًا ... وشيمتك السماحة والحياء ولا تجزع لحادثة الليالي ... فما لحوادث الدنيا بقاء زلازل تصيب الهند في ٧/ ٤ أصيبت باكستان بزلزال شديد في مدينة بيشاور تصدعت منه الحيطان، وأصيب ٧٥ قتلوا، وأصيبت الهند من هذا الزلزال، كما أن أفغانستان عمه ذلك الزلزال ولم يتوصل الجميع إلى إحصاء ما دمره ذلك الزلزال، وكان ذلك في وقت انتخاب رئيس وزراء باكستان، وكانت الرئيسة بوتو مهددة بانتخاب غيرها وإبعادها, ولما أن كان في ثامن ربيع الثاني أبلغت موسكو مجلس الأمن بأن صدام حسين رئيس العراق لا يهمه وصول الأزمة في الخليج عن طريق السلم، وهذا بعد ما صدر القرار العاشر من مجلس الأمن ضد العراق وتصرفات صدام السيئة، فقام بقية الأهالي في الكويت بعد صلاة الجمعة من ذلك اليوم بمظاهرات في الكويت يهتفون بأميرهم جابر وبولي عهده سعد بن عبد الله، ولم تنفك المظاهرات العنيفة إلا في إطلاق النار في الهواء ضد المتظاهرين، وبعد تلك المظاهرات قامت النساء

стр. 2593

بمظاهرات ضد صدام ويهتفن بالشيخ جابر الأحمد وولي عهده، وشهد مسجد كيفان أكبر مظاهرة، وفجرت سيارة بالبصرة وسط جمع كبير من العراقيين هناك، وكانت أمريكا مهتمة بإيجاد معدات الحرب بحيث أبدلت أربعمائة دبابة وجلبتها لتكون من السلاح الحديث وجلبت طائرات لا يهتدي الرادار إليها، واشتد الحصار على العراق وقامت الأمور هناك. كفاح أهالي فلسطين لما أن كان في يوم الأحد ١٠/ ٤ فتحت اليهود الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين والقدس بعد إغلاقها أربعة أيام عقوبةً لأهالي فلسطين، وإغلاقهم المسجد الأقصى ومنع المسلمين من صلاة الجمعة الموافقة ٨/ ٤ وذلك لما قاموا ضد هذا العدو الغاشم بالسكاكين، وقد أصيب من المسلمين ١٣ بجروح في الاشتباك الأخير، وقد رفعت الشكاوي إلى مجلس الأمن وقضى فيها بمحاكمة إسرائيل، ولكنها لم تخضع للمحاكمة بعد التأكيد عليها، وكان الملك عبد العزيز غفر الله له قد قال كلمته الخالدة: إنه لا يحرر فلسطين إلى أهل فلسطين، ولكنه بسبب شدة المقاومة نشأ أن أغلق المسجد الأقصى ومنع المسلمون من الصلاة فيها، وأصبح مهددًا من اليهود، وكان الشباب في فلسطين إلا أهل فلسطين، ولكنه بسبب شدة المقاومة نشأ أن أغلق المسجد الأقصى ومنع المسلمون من الصلاة فيها، وأصبح مهددًا من اليهود، وكان الشباب في فلسطين لما قاموا بانتفاضتهم لم يكن ليصدهم عن قصدهم شيء رغم إطلاق النار عليهم وتخويفهم وتهديدهم، واستطاعوا بأن يلفتوا أنظار اليهود إليهم بعد ما كانوا عنهم معرضين ومتصلبين، ومن أراد أن يطاع فليطلب ما يستطاع، وكنت أظن أن الفلسطينيين لو كانوا مقتنعين لحصل لهم بعض ما كانوا يطلبون، وفي كلام الحكمة: "مالا يدرك كله لا يترك كله"، وتكون هذه خطوة أولى، وإذا نظرنا بعين الإنصاف إلى حالة الظروف وأنهم أمام عدو قوي فإن معاملة اليهود لهم بالنسبة إلى معاملة العرب بعضهم لبعض أخف قساوة، وأقرب إلى عدم الإبادة لهم, لأن العدو متغلب، ولو ركنوا إلى السلم وعدم المقاومة وصبروا على

стр. 2594

شيء من الضيم مراعات للظروف لحصلت بعض الراحة حتى تسنح الفرصة، وإنهم يريدون إخراج اليهود من فلسطين حاليًا وهذا شيء شبه مستحيل، هذا والله المسؤول بأن يأتي بالساعة التي فيها الفرج والتخلص من هذه الورطة ليسترد العرب والمسلمون حقوقهم كاملةً من أعدائهم، وبما أن المسلمين قد وقعوا في أربع مشكلات فقد أشرنا إلى إحداها، ونأتي ببقيتها. هدوء يسود لبنان لما أن سقط العماد عون وسلم أتباعه وجد أهالي لبنان بعض الراحة لوطنهم وبلادهم، وقامت الأمة التي تسعى إلى إيقاف الحرب بسعي حثيث وجهود جبارة لوضع حل بين حركة أمل وما يسمى حزب الله، وقد باتت طلائع تبشر بحل تلك الأزمة ولا سيما إن كان الرئيس حافظ الأسد قد التفت إلى ما حل بلبنان فإنه بسعي منه لوضع العراقيل المتعلقة بذلك قد يحصل المقصود، ولعل الجهود التي بذلت في هذا السبيل بمؤتمر الطائف يكون لها الأثر الفعال ولا سيما وقد قام الرئيس إلياس الهراوي بتنظيم حكومته وأصبح سعي اللجنة الثلاثية مثمرًا ثمرته المطلوبة، وهذا بعد حروب استمرت في لبنان خمسة عشر عامًا، وقد قدمنا السنة التي قبل هذه ما قامت به اللجنة وإعادة الكرة بعد فشلها، وبالرغم من كثر الموانع والصعوبات إنه عم التزام شامل بوقف إطلاق النار في لبنان وإعادة فتح المطار فيه، وفتح ميناء بيروت، وعمت فرحة شعبية غامرة وتدفق العائدون إلى العاصمة، وإن اللجنة الثلاثية قد نالت مقصودها ولم يتطرق السأم ولا الملل إلى السعي نحو الغاية المطلوبة، ولكن أنى وهيهات، وكيف وأن البلاء قد تفتحت أبوابه وتفتقت الأرض بشرٍ وويلات، فما كادت العرب أن تسعى إلى ترميم الشرخ حتى وقعوا في محنة ثالثة وهي هجوم العراق على الكويت، ذلك الهجوم الهمجي الذي أنساهم جميع ما تقدم من المشكلات وأصبحت نيران البلاء تأجج من جديد وتنذر بشرها وويلاتها، وأصبحت الأمة في حيرة مما جره الرئيس صدام حسين على العرب والمسلمين وما سببه من الكوارث التي تفوق العدَّ والحسبان، فبعد قتاله لإيران واستنزافه لأموال

стр. 2595

السعودية والكويت التين قامتا بمساعدته، وأقامته من كبوته إذا هو يلتفت عليها فيهجم على الكويت ويستبيحه، ويصبح يتهدد السعودية بأن يفعل بها فعله بالكويت وهو ما نحن بصدده، فقد أقبلت الأمم من مشارق الأرض ومغاربها، واجتمعت الدول الكبرى والمتوسطة والصفراء للوقوف أمام هذا التيار الجارف الذي سيكون وقوده الجثث ان لم تداركها عناية الله ﵎، وقد اختبأ ذلك الشجاع بزعمه الباطل في القبو الأرضي، واتقى بالصبية والنساء من عوائل الأجانب الذين يحتوي عليها العراق، وقد تأزمت الأمور جدًا وأقبل الجو والبر والبحر بالهمات الحديثة التي تهدر أعاصيرها وتضرب أمواجها بالفتن والقلائل والزعازع وأصبحت الأساطيل الأمريكية والبريطانية والقوات الفرنسية والسورية والمصرية، وما يحتوي عليه الخليج مطوقة العراق برًا وبحرًا وجوًا، وبما أن الرئيس العراقي يتربص الدوائر بالعرب والمسلمين، فقد اتخذ من ذلك وهو مجيء الحلفاء والأصدقاء والمدافعين عن السعودية والكويت، وعن أهل الحقوق عرضًا ومسبة لمن أتى بها، وإنهم إنما جاء يهدمون الإِسلام ويبيدون أهله، ويغيرون أخلاقهم ونحو ذلك مما تقتضيه إرادته الضالة وإذاعاته الساقطة، وجعل يستنهض الإِسلام والمسلمين والعرب لقتالهم وإنهم إنما جاءوا ليحتلوا مكة والمدينة لا غير، ولكنه بالرغم من إذاعاته المتواصلة أربعًا وعشرين ساعة تسب وتقذف وترمي بالبهتان لم يستجب له أحد سوى من استغواهم وهي اليمن وعمَّان، وقد قام بتزويرات وخزعبلات، وما هو متصف به من النفاق والبهرجة والكذب، والكيد للإسلام وأهله بحيث أنه هو السبب إلى حضور الأجانب والمكر والأذى، وإخافة الآمنين، وقتل الأبرياء، وهدم المساكن واستباحة الدماء والأموال والأعراض، ولكن الذين انخدعوا له لا يعلمون ولا بعواقب الأمور يفكرون، وجروا على أنفسهم وعلى أمتهم شرًا وبلاءً وجوعًا، وسيعلم الذي ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون، ولم تقتصر البلية على هؤلاء بل عمت شعب العراق بالفقر والجوع والإملاق وتقتيله أبناء العراق وضباط جيشه لما هو مفطور عليه من الإرهاب والقتل والإفساد، حتى

стр. 2596

أصبحت العراق كجزيرة صغيرة يحيط بها البلاء من كل جهة، محصورًا ومضيقًا عليه من كل جانب، وقد قدمنا أنهم خططوا مرات عديدة لاغتياله والاستراحة منه، ولكن الأمور مرهونة لأوقاتها بحيث أمهله الله ليلقى المسلمون من بقية شره شرورًا كثيرة. وفيها في ظهر اليوم ٢٥ من ربيع الثانية أقيم إمبراطور لليابان بدل إمبراطوريتها الأولى فهللت الأمة هناك لطلوع شمس الإمبراطور الجديد، وقد استهل منصبه بأنه ضد العراق باعتدائه على الكويت. وفيها في صباح اليوم ٢٦ من ٤ أصيب الفلبين بإعصار شديد أعظم ما مرَّ عليهم، وقد اجتاح أشجارًا وبعض المساكن، وكل ما استهدف له حتى قيل أنه هلك بسببه خمسة آلاف من الأنفس البشرية، وقد مر في هذا التاريخ إعصارات شديدة تصيب الأمة وتهلك وتدمر، ولا سيما إذا كان مصحوبًا بنار فإنه يحرق ما مرَّ عليه من الزرع والثمار، وقد نبه الله على ذلك في كتابه. وفيها في ١٩ ربيع الثاني أصيبت إيران بزلزال شديد على بعد أربعمائة كيلومتر من العاصمة هلك بسببه مائة وأصيبت تسع قرى، وحصل أضرارٌ جسيمة. وفيها في اليوم المذكور من الشهر الرابع المذكور قامت فتيات في شرقي مدينة الرياض بمظاهرات يطالبن فيها بقيادة السيارات ومشاركة الرجال في أعمالهم احتجاجًا بأن المرأة تسوق السيارة بنفسها لسلامة من الأجانب الذين يسوقون بهن السيارات ويدخلون البيوت لذلك، وقد أظهرن الضرورة وتغيب المصلحة لذلك، وأبين أن يخضعن لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا للعلماء فلا يقتنعن إلا بعرض مسألتهن على أمير الرياض سلمان بن عبد العزيز، وكانت المسألة لا تخلوا من دسيسة شر لقيامهن بتلك المظاهرة في حالة سيئة، وجراءة في القول، ومنهن من أسفرن عن وجوههن، فلقيام المعارضين لذلك وأهل الغيرة الدينية ورفع المسألة إلى الحكومة برجاء منهم لها بعد استنكار عملهن صدرت الأوامر بالمنع لما يترتب على ذلك في الشر وتعرض الفئات لفتنة أكبر، ونشرت وزارة الداخلية

стр. 2597

للعموم في الإذاعة والجرائد لمنع البنات تغليبًا لجانب المصلحة، وبما أن أناسًا من كبار العلماء أفتوا بالمنع فإن الحكومة أيدها الله حريصة على صيانة الفتيات المسلمة عن السفور والاجتماع بالرجال الأجانب تهددت بالمنع من ذلك، وسوف تلقى من لم تلتزم أعظم الجزاء، فلله الحمد والشكر على ذلك، وإنها لوقفة حسنة في سبيل هذا الاستحسان السيئ، والسيل الجارف للأخلاق. وفيها قام الرئيس الجديد في الهند سيندرا سيكر ينظم شؤون دولة الهند إن حكومة الهند لضخامتها وكثرة سكانها الذين تجاوز عددهم ثمانمائة مليون يشق على الرئيس سيادتها وهي وإن كانت مملوءة بالخيرات فلكثرة سكانها يتطرق عليهم الجوع والحاجة الماسة في أمر معيشتهم، وإصلاح دنياهم لضخامة العدد فقد حدثني من رآها وتردد فيها أنهم كانوا يجلسون بين الأشجار في الطرقات وقد تلقى العائلة بين أغصان الأشجار فيجلسون تحته ويقول بعض المسافرين إليها من السواح ومن العمال فيها: كنا بعد تناول طعام الأفطار نلقي ما تبقى مع النوافذ إلى الشارع فرأت عيناي أنهم يتسابقون إلى ذلك من كسرة الخبز وغيرها، قال: وقد يجلس مائة نسمة لانتظار ما يسقط من النوافذ، ولما أن اغتيلت الرئيسة "أنديرا غاندي" وأقيم ابنها "راجيف غاندي" رئيسًا بعدها تولى منصبها, ولكنه لتطور الأحوال لم يستطع السيطرة على الهند، ولضعفه وكثرة المتمردين والمنشقين من المتطرفين والسيخ وغيرهم، ظهر عجزه فأطيح به وتولى الرئاسة بعده الرئيس الجديد، فقام في آخر ربيع الثانية من هذه السنة ينظم شؤون بلاده ويسعى لما يصلحها، وقد كان لما أن فتح الله الرزق وبسطه على السعودية تستقدم أناسًا من الهند إلى المملكة لسياقة السيارات، والقيام بأعمال البناء والتصليح، يسترزقون الله تعالى وينفعون الأمة بالخدمة كغيرهم في البيوت والدكاكين، وقد استجلب إلى المملكة من نسائهم لما غليت المهور فجيء بهن وعشن زوجات فيها تاركين سيحون وجيحون وجبل الجودي الذي ذكره الله تعالى في كتابه، وقد أثرت فيهم أعمال العالم الجليل زوج "سُمُو بيكم" وهو صديق بن حسن القنوجي ملك مدينة بهوبال

стр. 2598

بالنيابة، والذي قامت دولة إنكلترا بالتأثير على الملكة سموبيكم إذا لم يضعف حركته الدينية لأنه يعتبر أكبر عالم مؤلف للكتب الدينية، ومفسر للقرآن الكريم، لما انطفأت تلك الشعلة بقوة تأثير الإنكليز عليها، هذا هو العالم الشيخ صديق بن حسن الذي توفاه الله تعالى عام ١٣٠٧ هـ بعدما ملأ الدنيا بمؤلفاته الدينية التي غالبها باللغة العربية، ولولا أننا كفينا ترجمته لأتينا بها في سنة وفاته، فرحمه الله من عالم جليل، وحبرٍ نبيل، وقد سمعت أنه لقوة التأثير عليه وقطع خدماته للدولة الإسلامية عملوا على قطع النسل له من زوجته سموبيكم لوقف دعوة الحق، وأن لا يظهر من نسله من يكون ناشرًا لدين الله ورسوله، وقد كان من أهالي الهند أمم مختلفين في اعتقاداتهم ودياناتهم ونحلهم التي كانوا ينتحلونها، وكان منهم من يعبد البقر ومنهم من يعبد فروج النساء إلى غير ذلك من التفرق والاختلاف الذي سببه بذور الشر وقوة الداعي، وكثرة الفساد، ولكنه في حال وضع هذه الكلمات أعني في هذه السنة والتي قبلها نشأت دعوة دينية قام بها نذرٌ يسير فأسست جامعة إسلامية ومدارس تدعوا إلى الحق وإلى طريق مستقيم، بعثوا يصرحون للعالم الإسلامي بجمع التبرعات لها، نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]. مذابح في سيريلانكا لما كان الإسلام يطارد مطاردة في أقطار الأرض فقد حدثت مذابح جماعية للمسلمين هناك من ذبح الأطفال والنساء وحرق البيوت، واستمرت والعالم يتفرج عليها، وقد دمرت قرى بالتحريق وعذب المسلمون هناك عذابًا شديدًا، وكانت هذه الظاهرة من هدم البيوت والمساجد وغير ذلك دون أن يفعل المسلمون شيئًا يذكر فقد كان المسلمون هناك يعانون في أوائل شهر جمادى الأولى من هذه السنة من البطش والتعذيب والتقتيل، وانتهز التاميليون في سيريلانكا الفرصة ومارسوا هوايتهم، ولم يتورع أولئك المتطرفون في شمال وشرق البلاد عن مذابح جماعية

стр. 2599

وتدنيس المساجد وإطلاق الرصاص على المصلين، والتمثيل بجثثهم، وقد فاجأ الأشقياء النساء، أوان صلاة العشاء الأخيرة وقتلوا الأبرياء، وفعلوا جريمة لا يقرها الشرع ولا العرف ولا الذوق، نتائج العلمانية أو إن نتائج العلمانية ومفاسدها هي إقصاء الدين وقتله والخروج عن الدين وتحجيم دوره، واقصاء العلماء عن مواقع المسؤولية هذه هي العلمانية التي يتعشقها أهل الانحلال والضلال من هذه الأمة، ونحن نذكر ما جرى على مسلمي سيريلانكا لأن أسباب كراهية دين الإسلام هو انتشار هذه البلية، فبينما الدولة العثمانية يعتبرون أنفسهم أنهم أكبر دولة إسلامية تحولت من الخلافة إلى جمهورية يحكمها الغازي مصطفى، كما أنها علمانية لا دينية فصلت الدين عن الدنيا واستبدلته بأنظمة جديدة مقتبسة من القوانين الأوربية الحديثة، وكانت هذه طريقة ضل بها أكثر الناس، أما ما جرى على مسلمي أهالي سريلانكا فمن أهم الحوادث التي سجلها التاريخ هي: في ١٢ يونيو ١٩٩٠ م قامت جبهة النمور فاختطفت عددًا من التجار المسافرين الذين كانوا متجهين من مدينة إلى مدينة فنهبوا أموالهم وقتلوهم جميعًا، ولم يعثر على أجسادهم، وكان عددهم يتجاوز ٢٤٠ مسلمًا من بينهم العلماء وطلبة العلم والنساء والأطفال. وفي ٣ أغسطس ١٩٩٠ م دخل النمور مسجدي مدينة "دكانا نكدي" عند صلاة العشاء فشنوا هجومًا وحشيًا لا إنسانيًا بإطلاق الرصاص والقنابل على المصلين الأبرياء، فقتلوا مائة وستة أنفار في هذين المسجدين وجرحوا ثمانين مصليًا، ولم يكتفوا بهذه الأعمال الإجرامية بل ذبحوا كثيرًا من الفلاحين في مزارعهم وعددًا أكثر من الصيادين في قواربهم، ورموا بالقنابل على العابرين فأثاروا الذعر، وكان إذا وقع مسلم في قبضتهم لا يستطيع الفكاك منهم، وفي الرحلة الأخيرة تتجاوز النمور التاميل ذبح إلى هدم إلى إحراق المساجد والمنازل والمحلات التجارية، وإحراق المصاحف والكتب الدينية، وكل ما يتعلق بالمسلمين إلى غير ذلك مما لا يصدق بمثله.

стр. 2600

زيارة الرئيس الأمريكي لما أن كان في اليوم المذكور الموافق ليوم الأربعاء وفي الغد يوم الخميس قدم الظهران ليشرف على القوات التي تكامل عددها هناك ليقف على الفيالق والمعدات الحربية، ثم سار إلى جنيف ليجتمع بالرئيس حافظ الأسد، وكان هذا الاجتماع أو اجتماع بين الرئيس الأمريكي وبين حافظ الأسد منذ بضع عشرة سنة، وكان في استقباله بالسعودية إقامة تكريم واحتفاء من الملك فهد وولي العهد وسائر الأسرة السعودية مرحبين بقدومه، كما أنه اجتمع بالرئيس حسني مبارك رئيس الجمهورية المصرية، وكان لجولته هذه أهمية عظيمة، وتأثر لها العراق خوفًا وذعرًا، واهتزت الجزيرة العربية لهذه الزيارة، ولا سيما أن الدول المرابطة في مياه الخليج تنتظر النتيجة المنتظرة في استخدام القوة على العراق، وقد أمر بجلب مائة ألف أمريكي إلى الجبهة التي كان فيها مائتا ألف من الجنود الأمريكية قبل ذلك، ولديهم الأهوال والقنابل والصواريخ والعذاب الذي لا تطيقه القوى البشرية، وكان بوش قد استعد بما لديه من السلاح المهيأ لخوض المعركة. وفيها في ٥/ ٥ من هذه السنة قامت رئيسة وزراء بريطانيا "تاتشر" بتقديم استقالتها من منصبها لقيام من يزاحمها، فأحدث ذلك هزة في وسط حكومتها ولا سيما لما أصرت على طلبها، وكان قد تقدم لها في الخدمة أحد عشر عامًا ونصفًا فاغتنم هذه الفرصة الرئيس صدام معربًا بأن ذلك لقيامها ضد العراق، وتقدمها في صد هجومه على الكويت، وكان قد أقذع في مسبتها والنيل منه كعادته في السباب والقذف والشتم، ولا يعلم حقيقة ما الذي حملها على ذلك في هذا الوقت، غير المناسب لتنازلها. مغريات الأردن لما أظهر ملك هذه الدويلة الصغيرة الضعيفة في عداوته للسعودية التي غمرته بنعيمها وأمدته بمئات الملايين قديمًا وحديثًا، وأنقذته من كبواته مرات عديدات، كما في النكسة التي جرت عليه وعلى جمال عبد الناصر عام ١٣٨٧ هـ، وغير ذلك من عطفها عليه كما قدمنا من غزو الرئيس صدام له وإيقاعه

стр. 2601

بريبة الغرور ومنع منتوجات الأردن وتوريدها على السعودية من جميع الخضروات، فإنه لم يزهد أن يطلق خطباء مساجده ألسنتهم بالسب والافتراء، وآخر شيء أن قام خطيب جامعهم المسمى العالم الفقير بأن الأردن لا تقوم بفريضة الحج في هذا العام لوجود أمريكا والحلفاء في مهابط الوحي، ويشيرون إلى الظهران من مهابط الوحي، وأن وجودهم في البلاد السعودية سواءً كانوا في شرقيها أو غربيها يمنع الحج حتى ولو كان ما بينهم وبين مكة المكرمة ألفا كيلو متر، وكان المدعو الشيخ على الفقير يتكلم بما يوافق هوى حكومته، فنشرت الحكومة السعودية نشرة معناها: "الحج فريضة لا تلغيها دعاوي السياسيين والمغرضين"، وأقول أن مما يثير الأسى ويبعث الأحزان أن تكون شعائر الإسلام في مطالع الأهلة وأداء الحج والعمرة تبعًا للسياسة، أو أن تكون مكة المكرمة هدفًا لسهام الراشقين وتفجير عبوات المفسدين، وملتقى نقمة المتذرعين أن مكة والمدينة يجب احترامهما وتقديسهما كما قدسهما تعالى، فلا سبيل إلى النيل منهما وإدراك الأغراض الشخصية بدوس كرامتهما، ولقد كانت كرامتهمًا واحترامها وتقديسهما كما قدستهما الحكومة السعودية وطهرتهما وأبعدت كل الأخطار عنهما، ولكن أين من يتكلم بالحقيقة وينطق بالحق يا أولي الألباب؟ ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤١] , ولو أن العدو إذا أراد أن ينال من عدوه لا يتذرع بالدين هدانا الله جميعًا إلى سواء السبيل. وفيها حصل انقلاب في تشاد وأطيح الرئيس حسن حبري، وقام المتمردون يفعلون ما يشاءون ويحكمون بما يريدون، وفرَّ جميع القواد المتقدمين إلى موضع غير معلوم، وقد يكون ذلك بسعي من العقيد معمر القذافي. وفي يوم السبت الموافق ٢١ جمادى الأولى دخلت الانتفاضة عامها الرابع من هذه السنة، وقد تأزمت الأمور في فلسطين بغزة والخليل والقدس، بل في الضفة الغربية، وكان يخشى من شباب المقاومة والانتفاضة العدول عن القتال بالحجارة والزجاجات الحارقة إلى السلاح، ولقد أحصى الذين قتلوا وجرحوا وأصبحوا

стр. 2602

معوقين، وهدمت منازلهم ومساكنهم في فلسطين المحتلة ونابلس وغيرها، فكانوا كما يأتي من قيام الانتفاضة إلى يوم السبت ٢١/ ٥ من هذه السنة سبعة آلاف معوق، وخمسة وسبعون ألف سجين، وأحد عشر ألف جريح، وتسعة آلاف قتيل، وهدمت المساكن التي تعد بالألوف. وفيها في ٢٩ جمادى الأولى وقعت هزة في جنوب إيران تأثرت الأهالي لذلك، ووقعت في الهند معارك ضد الإسلام من أناس متطرفين من الهندوس، كثر التقلب والتفكك في روسيا، وكثرت الثورات فيها، وذلك في مبتدى ٢ صفر، وكان ذلك من حسن حظ أفغانستان المسلمة ضد حكومة كابول الموالية للروس، فأخذت الثوار ثأرها منهم، وأنزلت بهم خسائر فادحة. وفيها في أوائل شهر جمادى الثانية قامت أمريكا تعمل مناورات وتجارب لأسلحتها التي رست في الدمام وما يلي الحدود السعودية من جهة الشمال جهة العراق، ورئيسها صدام حسين، فأحدثت أفزاعًا عظيمة تأثر لها السكان، وأزعجت الأمة هناك مما كان له أعظم التأثير على العدو، وبما أنه مضى على المهلة للعراق ٢٥ يومًا، إما أن ينسحبوا أو تشن عليهم حرب لا قبل لهم بها، ولم يبقَ من هذه المهلة سوى واحد وعشرين يومًا، لأن مبتدى هذه المهلة في ١ ديسمبر ومنتهاها منتصف يناير آخر جمادى الثانية من هذه السنة، وكانت العراق لم يتغير عن موقفها، فلم يبقَ إلا مقابلة الشر بمثله، كما أنها قامت مناورات وتجربة بالسلاح في حفر الباطن، وكانت زجاجات النوافذ في الدمام قد تأثرت من أصوات الصواريخ والأهوال، مما سيضطر الأهالي إلى عدم السكينة والطمأنينة أو البعد عنها. وفيها في يوم الجمعة الموافق ٤/ ٦ وفاة معتمد المعارف السابق الشيخ صالح بن سليمان العمري من أهالي مدينة بريدة، تولى إدارة مدرسة الملك فيصل بعد مديرها عام ١٣٦٦ هـ، ثم رأت المعارف أن يكون معتمدها في القصيم، فقام بجد ونشاط في هذه الوظيفة أربع سنوات، ثم نقل إلى الرياض في عام ١٣٧٥ هـ ليكون مساعدًا لمدير دور الأيتام والرعاية، ثم نقل إلى وظيفة في الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، ثم

стр. 2603

إلى الإحالة على التقاعد، وقد قام قبل ذلك في إصدار جريدة القصيم استمرت ثلاث سنين لكنها فشلت عام ١٣٧٦ هـ، وبعد الإحالة فكر أناس في إنشاء مصنع إسمنت في القصيم فقامت شركة قوية لذلك، وكان موضع المصنع يقع شرق موضع القويطير، وتوفى في هذه السنة عن عمر يناهز الرابعة والسبعين لأن ولادته عام ١٣٣٧ هـ، ﵀ وعفا عنه. وفيها في يوم الاثنين ٧/ ٦ أصيبت أمريكا بموجة برد شديدة، ونزلت الدرجة إلى ٤٠ تحت الصفر، فأصيب من شدة الصقيع خمسون قتيلًا، وهذا شيء يعتبر من أعظم ما كان في أمريكا. وفيها في يوم السبت ١٢/ ٦ وقع اشتباك عنيف بين الفلسطينيين وجنود الاحتلال الصهاينة، فسقط من أهالي فلسطين ستة قتلى وجرح منهم مائتان، وقد تأثر العرب لذلك فأصبحت أبناء فلسطين ألعوية في يدِ الصهاينة، وبما أن اليهود لم ترَ من يقف أمامها من المدافعين العرب، فقد عزمت على إقامة ستة آلاف مسكن في أحياء سكنية في القدس للمهاجرين اليهود، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وتزداد الفتن في فلسطين وتوالي تلك المجازر ولم تتوفق إلى حل مجلس الأمن الدولي رغم كثرة الشكايات، بل لا تزال في تعقيد منذ ثلاثة وأربعين عامًا. وفيها في ١٣/ ٦ يجند الملك إعانات ومساعدات للمجاهدين في أفغانستان ثلاثين مليون روبيه رغم نفقات الدولة، وما هي فيه من أزمة الحرب وملاقات الأهوال التي كانت تكابدها، كما بعثت أثني عشر مليونًا لإكمال مستشفى صعدة في اليمن، مع ما كان بينها وبين اليمن من الخلافات وسوء التفاهم، وفي هذه الأثناء يقوم الشعب السعودي بجلب ما يتطلبه الموقف وما تدعوا إليه الحاجة من سرج وفتائل ووقود لها من الغاز، وتأمين البيوت بالأرزاق استعدادًا لكارثة تتوقع من نتائج هذه الحرب التي كانت أمريكا وبريطانيا وفرنسا تستعد لها منذ خمسة شهور وثمانية أيام، ودخل في جبهتها الرئيس حسني مبارك والرئيس حافظ الأسد، وذلك بعدما فشلت جميع المحاولات للصلح، وأن يقف الرئيس العراقي عند حده ويرجع

стр. 2604

عن غيه، ولم تزده هذه المهلة الطويلة إلا غطرسة وتمسكًا فيما هو عليه، وقد لاقى بقية أهل الكويت المتبقون فيه أنواعًا من العذاب والمعاملة اللا إنسانية من جنود صدام وزبانيته، وقد ارتفعت أسعار الحاجيات فبلغت قيمة السراج العادي مائة ريال بعد ستة ريالات وهذا في يوم الجمعة ١٨/ ٦ من هذه السنة، وارتفعت قيمة الأرزاق والمأكولات في العراق لشدة الحصار عليها درجة لا يكاد يصدق بها، وكان الرئيس المغرور قد ضيق على سائر مدن العراق في النفقات، وجلب ما يضمه له ولجنوده المحيطين به، فأصبحت العراق بحالة يرثى لها، وقد فرَّ من السكان تخلصًا من ظلم صدام من استطاع الفرار، وهددت جملة السكان بأنهم غير خاضعين لسياسته التي سلكها رغم بطشه والتنكيل بمن لا يخضع لأوامره، ولقد أشار عليه جميع العرب والناصحين له أن يسلك غير ما هو ثابت فيه وتظاهره بالعناد والأذى، ولكنه أبى أن يقبل نصيحة أحد كائنًا من كان، وقاوم الموقف جدًا، وأضافت أمريكا أهوالًا أخرى إلى ما جاءت به من القوات، وكان لغروره وما يريده الله به يتظاهر بأن لديه قوات لا تغلب وجنودًا لا تقهر، ويستهزئ بالسعودية وأمريكا وبريطانيا، أما الجنود التي أعدتها الحلفاء لمقابلته فبلغت على الصحيح ستمائة ألف لديهم من الأسلحة من الأساطيل والدبابات والطائرات والمدافع والقنابل والصواريخ شيء لا تبلغه العبارة، ويقول الرئيس جورج بوش أن ذكاء صدام حسين لا يحتاج إلى زمن طويل، وكان لخيانته لشعبه وخذلانه له قد أعد طائرات للهرب وتركهم فريسة لعدوهم إذا ما أحس في أدنى انهزام وخلل في جبهة حربه هذه خطته التي كان يسلكها بعابرة يريد أن يلقيهم في المهالك ويتبرأ منهم، وما أشبه هذه الحالة، نسأل الله الهداية بما قصه الله في كتابه علينا بحيث يقول: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فسبحان الله من ابتلى به من غره الناس. وفي الساعة التاسعة وعشر دقائق بتوقيت غرينتش توافق الثانية وثمان وثلاثين دقيقة زوالي من ليلة اليوم الثاني من شهر رجب ١٤١١ هـ قامت الحرب على

стр. 2605

العراق وبدأت الطائرات تضربها، وركزت قذف القنابل على مطارات العراق والمراكز العسكرية فيها، وسمعت الانفجارات ودوي ضرب القابل، وذلك بعد المعذرة وإمهال العراق وقتًا طويلًا لتتراجع عن غيها، فلما لم تعد المفاوضات في كل تلك المدة عدلت أمريكا وحلفائها بريطانيا العظمى وفرنسا إلى اللجوء إلى القوة، وقد أحضرت في ضمن تلك الأسلحة أسلحة نووية كيماوية لاستعمالها ضد العراق إن دعت الضرورة إليها، وكان ذلك في منتصف الليل من يوم ١٧ يناير كانون الثاني ١٩٩١ م، وقد رجعت الطائرات التي باشرت الضرب سالمة، وقد ظهر في أول وهلة عجز العراق وضعف غطرستها، ولما أن وقعت الواقعة كان من المعلوم أن العراق بغرورها لا تستطيع الصمود أمام تلك الأهوال، وكان فجر يوم الخميس وقتًا لمطالع الحرب الضروس التي تنفست في ذلك اليوم، وأعدت الأحوال لها من أمريكا ولندن وباريس والسعودية ومصر وسوريا، وما يحتوي عليه ذلك الجيش من الإمارات الخليجية قطر ودبي وعمان وأبو ظبي والبحرين وغيرها، وكان أول شيء إطلاق أربعين صاروخًا من السفن الأمريكية على المواضع الحساسة، واستطاعت مع قاذفات القنابل التي ركزت على القضاء على المواقع النووية والكيماوية في العراق، وكانت الطائرات التي اشتركت في ضرب العراق قد بلغت الفين وخمسمائة طائرة، وأصيبت العراق بأربعمائة غارة أسقطت عليها أربعة آلاف طن من الحديد وأصيب نصف جيش صدام المحيط به، وضرب موضعه وأصيبت المواضع الكيماوية والمواضع النووية والهاتف والمطار العراقي والمواضع العراقية العسكرية في الكويت، وأصيبت مدينة الخفجي من ضرب مدافع العراق فاستهدفت بعض خزانات الزيت، وقد سهل الله إطفائها، واستمرت هجمات أمريكا وحلفائها طيلة ذلك اليوم حتى بلغت غاراتها ألف غارة، وتم إنزال ثماني عشر ألف طن من الحديد على العراق، ودمر قصر الرئاسة تدميرًا كاملًا، كما أن الصواريخ التي وجهها العراق إلى إسرائيل في تل أبيب قد دمرت هذا في أول يوم من غزو الحلفاء للعراق، وما زالت القوات الإسلامية ومساعدوها تشن غاراتها

стр. 2606

على العراق حتى قضى يوم وليلة وهي مصرة على غيها، وقد انقطعت المواصلات بين العراق والعالم بحيث أن الهاتف السلكي واللاسلكي قد دمرت ودمرت الشبكة الكهربائية، وقد ألقت أمريكا مناشير تنصح الأهالي بالعراق بالفرار إلى خارجها، وفعلًا قد فرَّ بعضهم إلى إيران والتحق إليها وإلى غيرها فقد التجأ إلى الأردن سبعمائة وخمسون عراقيًا وبعثت الأول المساعدات لأولئك اللاجئين من بطانيات وملابس ومواد غذائية وتوقع أن يبلغ العدد من اللاجئين في الأردن إلى ثلاثة آلاف لاجئ، وكانت أمريكا قد أمهلت العراق تسع عشرة ساعة من صدور قرار مجلس الأمن رقم ٦٧٨ في ضربها لعلها تفيء، ولكنها ما دامت في عنادها وغيها، وفي هذه الأثناء قامت قوات العراق ترسل صواريخًا إلى مدن السعودية على الرياض والظهران، ولكن القوات الأمريكية كانت تضادها جوًا، فكانت تلك الصواريخ العراقية تنفجر في الجو، كما أن الصواريخ الموجهة إلى تل أبيب "سكود" تصاب بمضادات أمريكا، ولما أن أرادت إسرائيل الدفاع عن كيانها وما تحت يدها وأن ترد على العراق سيحدث منها غضب من بعض ملوك العرب ورؤسائها تعلقًا بخيط من العنكبوت لمساعدة العراق، وزودت أمريكا لإسرائيل بصواريخ طراز باتريوت قوية التأثير على صواريخ العراق، وتكفلت لإسرائيل بحمايتها. ولما أن كان في يوم الاثنين سادس رجب قامت الطائرات الأمريكية بضرب مدينة البصرة واشتد القصف عليها حتى اهتزت مدينة الأهواز الإيرانية من ضرب القنابل التي فاقت بضخامتها واستهدفت البصرة، فقام كافر الخليج زنديق القرن الخامس بتفجير آبار الزيت في الكويت وأضرمها نارًا، كما كان يطلق صواريخ سكود السوفيتية على الرياض والظهران، ولكن الله أبطل كيده فكان يقابلها الصواريخ الأمريكية فتفجرها في الجو، وتبطل مفعولها، ولقد أصيبت إحدى عمائر مدينة الرياض بشظية صاروخ من صواريخ الشقي فأحدثت أضرارًا بسيطة ولكن غالب سكان الرياض لما رأوا الرياض تصاب كذلك امتطوا السيارات على اختلاف أنواعها بعوائلهم وفروا هاربين إلى القصيم، ولا ريب أن هذا الشقي

стр. 2607

أصبح كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٥, ٢٠٦]، ولقد اشتد الحرب والضرب في منطقة الخليج، وشاركت القوات الفرنسية في ضرب العراق، كما أنها استطاعت أن تأسر عشرات الجنود العراقيين في الكويت، وأصيبت القوات البحرية العراقية بتدمير لبعضها، كما أنها قطعت المواد الغذائية عن العراقيين المرابطين في الكويت حتى جعلوا يطوفون في الشوارع ليحصلوا على كسرة من الخبز، وما زالت الإمداد المحاربة من بريطانيا وغيرها تتواصل لنجدة القوات المشتركة، وكان من أعظم ما لدى العدو اللئيم صواريخ سكود، فكان يطلقها إطلاقًا عشوائيًا لعدم معرفة شياطينه لها، لأن الرجال المدربين لمعرفة هذه الصواريخ قد أعدمهم غضبًا لما لم ينتصروا ولم يحرزوا تقدمًا، ومما يؤسف له أن جعل هذه الصواريخ متفرقة وفي أمكنة غير معلومة لئلا يحصل تدميرها القبض عليها، كما كنت أظن أنه تصرفه هو وكلابه برؤوسها جهلًا بمعرفتها أضعف قوتها، وإلا فلو كانت على وضعها الأول لكان لها تأثير عظيم لقوتها وعظم ضررها، ومع ذلك فإنها شديدة الانفجار وقوية التدمير، ولا أدري كيف غفلت الأمة عن شرائها والحصول عليها، كما أن حصل تسخط المجتمع الدولي على روسيا بحيث لم تبذلها لغير هذا المجنون الشقي، ولقد تقدمت قوات العراق إلى مدينة الخفجي وهجمت عليها هجومًا انتحاريًا، ولكن القوات السعودية بمساندة الجيش القطري استطاعت إخراجها وطردها ناكصةً على أعقابها وكبدتها خسائر جسيمة، وحطمت آليتها تحطيمًا فكانت قوات صدام ما بين أسير وقتيل، واستمرت الطائرات المشتركة في ضرب البصرة حتى اهتزت قصور مدينة الأهواز الإيرانية. وقد فرَّ من العراق طيارون بطائراتهم إلى إيران فاحتجزتهم إيران متظاهرة أنها لا تطلق سراحهم حتى تضع الحرب أوزارها، غير أن إيران بالرغم من أنها كانت على الحياد في هذه الحرب لا تدخر وسعًا بالعطف على صدام الذي كان مبارزًا لها

стр. 2608

بالعداوة والكيد والحروب الدائرة رحاها ثمان سنوات، والدليل على ذلك سعيها بالصلح بين العراق والحلفاء لما رأوا انتصاراته عليه، وهذا شيء يعجب له. ولما أن كان في دخول شهر شعبان ١٤ فبراير اشتد الضرب على العراق واهتزت حيطان مدينة عبادان والأهواز من قوة الانفجارات، ودمرت الطائرات الأمريكية جميع ما مرت عليه في العراق من الصواريخ، وأصيبت محطات الكهرباء وخزانات المياه والمواصلات، وكانت الجنود الذين جعلهم الرئيس العراقي من أهالي العراق دونه وحرسه الجمهوري مقصورين على وجبة واحد، كانت خمس ملاعق من الأرز في اليوم والليلة بينما يتنعم في مخابئه التي أعدها في جرف الأرض وأهالي العراق بحالة يرثى لها قد استهدفت بعض مساكن الأهالي المدنيين للقصف لما كان ذلك الطاغية العراقي يطلق صواريخه على الرياض والحفر والمدن السعودية إطلاقًا عشوائيًا فتصيب النساء والأطفال في فرشهم، وأصبح ذلك المؤذي بطبعه عقوبةً على شعبه خاصة وعلى المسلمين عامة وكان إطلاقه صواريخه الشديدة الانفجار على اليهود في فلسطين وعلى العاصمة السعودية الرياض، فقد أصيبت جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض، ولم يكن فيها ليلًا سوى الخدم الضعفاء الذين أصيبوا، وقد تصيب بعض الأهالي المدنيين العزل، ونذكر إصابة من شظية صاروخ من صواريخه لما أطلق آخر الليل إنه هدم بعض المساكن فما أخرج المصابون في تحت الأنقاض إلا وقت العصر من ذلك اليوم لما انتشلت جثثهم فوجدوا ما بين قتيل وجريح تكسرت الأبواب والنوافذ التي تقع عليها تلك الأهوال، وأصبحت مدينة الرياض التي كانت زهرة الدنيا مهددة بالأخطار ولا تزال صفارات الأنذار عالية أصواتها وتارةً تنادي الإذاعة بالاستعداد وأخذ الحيطة لما سيجري، وتارةً تنادي بأنه زال الخطر والحمد لله فاذهبوا إلى أعمالكم، ولما أن رأى الأهالي ما دهى ركبوا الصعب والذلول وفروا هاربين على ما حصلوا عليه من قلابيات وغيرها مكشوفةً إلى القصيم فاستأجروا مساكن فيها، ومنهم من لم يحصل إلا على خيام نصبوها في البراري، وقد كانت

стр. 2609

فرصة لما أجلت الدراسة في المدارس لهذا العارض، فكانوا يذهبون لأخذ العمرة والجلوس في مكة والمدينة، ولما أن توسطت روسيا بالصلح تظاهر عدو الله بقبوله الانسحاب من الكويت، كما تفرضه جميع الدول عليه وتباشر الجنود العراقية الذين ثبتهم في الكويت لأذية أهلها وتفتشهم وتشريدهم والتمثيل بهم، ولكنها قليلة وخدعة من خدعه، فعاد إلى ضباطهم ورؤسائهم يطلقون النار عليهم ويلعنونهم، وكانت النتيجة من طلبه للصلح ورضوخه للانسحاب أن فجر مأتي بئر في الكويت من آبار النفط والبترول، وأشعل الحرائق فيها، حتى ارتفعت النيران والدخان الأسود في أجواء الكويت وما يليها، حتى حالت دون ضياء الشمس، وأصبحت الدنيا هناك جحيمًا أسودًا لا يستطاع السير في سادسة النهار، وهذا انتقامًا من قوات الحلفاء التي قيل أنه في معدل اليوم الواحد تصاب مائة دبابة من قوات العراق. وأحصى ما قامت به طائرات الحلفاء في قصف العراق من آخر ليلة خامس ٨ إلى تمام أربع وعشرين ساعة فبلغ الفين وثمانمائة طلعة، أي ليلة سادس من ٨. ولما أن كان من آخر ليلة الأحد عاشر شعبان في الساعة الرابعة زوال قبل طلوع الفجر بدأت الحرب البرية، وهذا بالرغم مما بذلته جهود روسيا من سعيها بالصلح وإقناع المجرم صدام حسين، فقد قتل شباب الكويت وألقى بجثثهم في شوارع الكويت، وفجر الآبار، كما ذكرنا وتقدمت قوات الحلفاء بمدافعها وصواريخها ودباباتها متجهةً نحو الكبريت لطرد العدو عنه وإخراجه ذليلًا، وكان الرئيس قد طوقه بحواجز من الرمل، وبعدها أسلاك شائكة ثم حفر خنادق لئلا تخترقها القوات الآلية، ولكنه بالرغم من ذلك دخلت القوات المتحالفة ولم تعبأ بها وأسرت خمسة آلاف من الجنود العراقية، واستسلم آخرون حتى بلغ الأسراء خمسة وعشرين ألف عراقي، وجاءت التدابير من القائد الأعلى بالإحسان إليهم ونقلهم من الجبهة إلى مواضع الأسر حتى تضع الحرب أوزارها، ولم تجد القوات المتحالفة أمامها قوة تذكر كما يتصوره الطاغية، واستطاعت القوات المتحالفة تحطيم خمسين

стр. 2610

دبابة روسية، ولقد صفقت الكويت لما رأت قوات التحالف تنتشر في أرض الكويت تأسر وتدمر القوات العراقية، وكانت دبابات أمريكا تفوق في القوة والاستعداد، كما أن الدبابات البريطانية لها مفعول عظيم، هذا وقد كانت الطائرات المتحالفة تضرب العراق وتطالع عن كثب سير الدبابات والمحافظة عليها، وقد دمر الحلفاء وقتلوا أعدادًا كثيرة، وتقدمت ولم يفقد من جيشها سوى ثمانية قتلى وعشرين جريحًا، وما زالت قوات التحالف تحطم والجنود العراقيون يستسلمون، وذلك لما أنهكهم الجوع لأن خمس ملاعق من الأرز للجندي العراقي في اليوم والليلة غير كافية لأن تقيم صلبه، ولا سيما لما رأوا بمعاملة المملكة السعودية للأسراء العراقية من الرأفة والرحمة، لكن غالبهم مسخرون ومغلوبون على أمرهم عندما رأوا من تقتيل إخوانهم المسلمين. وفي يوم الجمعة الموافق ٨/ ٨ صدرت أوامر الرئيس صدام على جنوده في الكويت بأن يترصدوا للمسلمين بعد صلاة الجمعة بأبواب المساجد فيلقون القبض عليهم ويجعلون عيونهم مغطاة ويحملوهم أسراء لا يعلمون إلى أي جهة ذهبوا فيلقونهم في العراق ويفجر بقية آبار البترول في الكويت حتى تم تفجير خمسمائة بئر في الكويت وأصبحت الأمور لا تبشر بخير بعد اندلاع النيران وإشعال الحرائق في أحياء الكويت، وقتل النساء والأطفال وهتك المحارم، وكانت الأمور لا تبشر بخير وتنذر بشرها وويلاتها، وفي تلك الأثناء تطلق العراق بتوجيه من رئيسها صواريخ سكود السوفيتية على المدن السعودية، وكانت آية من آيات الله في قوة القصف وشدة التدمير، لولا أن الله جعل لها صواريخ مضادة في الجو وهي صواريخ باتريوت الأمريكية، فقد أطلق الشقي صاروخًا على مدينة الخبر في الشرقية فسقط على عمارة فيها ذات طابقين، فقتل أربعين وجرح مائة وخمسين، وفقد أربعون تحت الأنقاض، كما كان يطلق الصواريخ على مدينة الرياض فأصيبت بعض المدارس وبعض البيوت فيها، ولولا أن الله دافع بفضله عن المسلمين لكان الأمر أدهى وأعظم، ولما أن توغلت جيوش الأمم المتحالفة ضد العراق في مدينة الكويت

стр. 2611

استطاعت أن تطرد الجيوش العراقية وتأخذهم أسرًا وقتلًا وتحطم دباباتهم حتى خرجوا أذلة وهم صاغرون، وأسر منهم خمسون ألفًا ودمرت دباباتهم ولم تكتفِ أمريكا بذلك حتى سدوا الطريق بينهم وبين العراق يقتلون ويأسرون ولا يزال الضرب في مدن العراق مما حمل على الرئيس أن يعلن سحبه من الكويت، ويعترف بأن الكويت ليست جزءًا من العراق، ويخضع لقرارات مجلس الأمن صاغرًا مرغمًا، وأخذ يفكر في الفرار من العراق بجعل طائرتين على استعداد، ولكن أمريكا جعلت له أقمارًا صناعية تمنعه من الهرب حتى تخضع لجميع الخسائر التي أنزلها بالكويت، وقد شوهد من مصر التي بلغت جيوشها تسعة وثلاثين ألفًا، تقدمًا عظيمًا في طرد الجيوش العراقية أيضًا عن الكويت، ورفع العلم الكويتي في الكويت وفتحت السفارة الأمريكية بعد إغلاقها، كما فتحت بقية السفارات فيها، وقام الأهالي في الكويت يهزجون بالدعاء والثناء والشكر لصاحب الفضل عليهم الملك فهد بن عبد العزيز، وأصبح الذين ناصروا الشقي المعتدي رئيس العراق وزجوه في غيه وضلاله يعضون على أيديهم أسفًا على ما بدر منهم، بحيث جحدوا المعروف وأنكروا الفضل وجاهروا بعداوتهم كيف لا وهم يتربصون الدوائر ويظهرون في وقت العافية مالا يبطنون قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٧ - ١٠٩]. كان الحكماء قد قرروا على أن يجعل صدام في قفص المحاكمة بعدما أطيح في حكمه وخذله الله، وكان رفع العلم الكويتي فيها يوم الأربعاء في ١٣ شعبان من هذه السنة. وفي صباح يوم الرابع عشر الموافق ٢٨ من فبراير شباط ١٩٩١ م تلقى السفير السعودي في واشنطن بلاغًا من الرئيس جورج بوش بالأمر بوقف إطلاق النار،

стр. 2612

وذلك في الساعة الثامنة صباحًا بتوقيت الرياض، ولما أن أعلن القرار كان فيما قبله وبعده سوء تصرف من العراق بحيث أنه لم يتوقف إطلاق النار منهم بصورة قطعية مما اضطر المشاركة إلى رد الفعل بالفعل بحيث سقط من أهالي العراق بالبصرة جملة قتلوا وحطمت من دباباتهم ثمانون دبابة، إضافةً إلى أربعة آلاف دبابة حطمتها أمريكا والقوات المشاركة، وخلفوا ورائهم حينما انهزموا مائة ألف قتيل وخمسين ألفًا وأسر منهم مائة ألف وخمسة وسبعون ألف أسير، ثم وقعت فوضى في اليوم الثاني عشر في مدينة البصرة وكسرت صور الرئيس صدام، ونودي بالإطاحة في حكمه وجرح الثوار في البصرة ابن صدام حسين وهو عدي بعد محاولة اغتياله، وقتل حاكم البصرة ورئيس البلديات فيها وخسر العراق مدينة الزبير والسماوة والبصر والناصرية، وقام الجيش ضد الرئيس الأول بقصف للحرس الجمهوري، ومظاهرات عنيفة بحيث سمع في إيران أصوات الانفجارات من ضرب المعارضين لصدام، وقام الرئيس المخلوع يفكر في جهة يلجأ إليها فمانعت روسيا من إيوائه، وقد يكون فرض بنفسه على أعوانه الذين زجوه في ورطة وعرض نفسه على الجزائر ملحًا فأجابت بأنه لا مانع من ذلك إذا وافقت أمريكا. ولما أن كان في يوم الاثنين ١٨/ ٨ قدم ولي عهد الكويت رئيس الوزراء فيها سعد بن عبد الله بن صباح الكويت على متن طائرة سعودية بعد غيابه عنها سبعة أشهر وسبعة أيام، وقد أجمعت ظنون الأعداء ومن على نحوهم بأنها غابت شمس الصباح فلا يعودون إليها، وهذا يدل على تمام قدرة الله تعالى، وأن الإنسان لا ييأس من روح الله، فأول شيء بداية ركعتان ركعهما على مدرج الطائرة شكرًا لله تعالى وخضوعًا لعظمته، هذا وقد كانت سماء الكويت غمامة سوداء من دخان آبار الزيت التي فجرها طاغية العراق وبلغ عددها تسعمائة بئر، ومثل بمن وقعت يده عليه من أهالي الكويت المفقودين فيها بأن قلع أعينهم وأحرق بعضه فلم تعرف أجسامهم، وقتل الشباب والأطفال وألقاهم في الشوارع جثثًا هامدة، وأصبحت الكويت بمرأى حزينٍ تقشعر له الجلود وتحزن له القلوب وتنكره العقول البشرية،

стр. 2613

وقد كانت بقايا من الفلسطينيين في الكويت لم يزهدوا في الأذى والانضمام إلى الطاغية ولكن أحيط بهم لما جاء النصر من الله. ولما أن أصبح الرئيس صدام قد خسر الحرب ونودي بالإطاحة بحكمه، وكان كأسير في مخبأه قام الأهالي ضده بثورات عنيفة من الشيعة والأكراد، واستعملت الطائرات والمدافع بين أهالي العراق والجيش الجمهوري المحيط بالرئيس السابق، وحصلت فوضى في العراق وأصبح الذي يريد السيطرة على الدنيا كلها عاجزًا عن تخليص نفسه من شعبه الحانقين عليه، ولما أراد أن يستعمل على الثائرين عليه زيت الخردل والمواد الكيماوية وهددته أمريكا، وأصبح بحالة لا يحسد عليها، وهناك قام الفريقان بتبادل الأسرى، غير أن الأسرى العراقيين رفضوا العودة إلى العراق لما يتوقعونه من سوء الحالة فيها كيف وقد فرَّ من تمكن من الفرار إلى إيران وتركيا والأردن وغيرها. وفي بقية أيام شعبان عادت الأمور إلى ما كانت عليه، أولًا في الدمام والخبر وحفر الباطن من الأمن والطمأنينة والهدوء، وقام أهالي الكويت ينظمون شؤون بلادهم بعد رجوعهم إليها، وقد التزمت العراق حسب قرار مجلس الأمن بإرجاع جميع ما سلبته وانتهبته من الكويت سواء من الذهب والفضة والحلي والنقود كذا أعمدة الكهرباء والإشارات التي في شوارعها، أو كان غير ذلك من السيارات والمكيفات وما يلتحق بها، وطلبت حضور من يستلمها، ولكن أهل المعرفة يقدرون ما انتهب من الكويت وخرب ودمر فيها بمائة ألف مليون على أقل تقدير، كما أن آبار البترول التي فجرت فيها لا يمكن القضاء على لهبها إلا بعد سنتين، وقد أثر الدخان على الطبقة الجوية بدخان أسود تراكم منه تطع سحب انتشر دخانها في شمالي المملكة السعودية بما في ذلك القصيم. وفيها في ليلة الثلاثاء تاسع عشر شعبان هبت رياح شديدة السرعة على القصيم فأثرت على غربي القصيم الشمالي بأن سقطت أعمدة الكهرباء وخزانات الكهرباء بأن تحطمت وسقط لذلك الأشجار في الشوارع ونخيل ولا سيما في عقلة

стр. 2614

الصقور، وكانت تلك الرياح مصحوبة ببرد شديد وغبرة وقترة، وكان من آثار تلك الرياح سقوط خيام في البراري استهدفت لتلك العاصفة. وفيها في ١٧ شعبان وفاة الشيخ إبراهيم بن عبد العزيز الجبيلي ﵀ وعفا عنه، كان من حملة المشايخ الذين أخذوا العلم عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وعن الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، وتولى قضاء مدينة الخبراء في القصيم، ثم كان مدرسًا في مدينة تحفيظ القرآن في مدينة بريدة، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد حال كونه في مدينة بريدة، وكان ضرير البصر وله صوت جهوري في تلاوة القرآن. وفيها في اليوم ٢٨/ ٨ قدم أمير الكويت جابر بن أحمد إلى بلد الكويت بعد مغادرته إياها سبعة أشهر وثمانية عشر يومًا، ولما أن ظفر الرئيس الأمريكي جورج بوش ذلك الظفر وتقدمت جيوشه محتلة من العراق وأراضيه مائة وخمسين كيلوا صفقت له الأمة معلنةً المديح له والثناء عليه، وقد كان باستطاعته أن يمحق العراق بأسرها ويزيلها من الكرة الأرضية، لكنه قال إني لم أت مخربًا ولا مدمرًا، بل جئنا لتحرير الكويت وطرد المغتصب عنها، فلذلك لم يفجر آبار النفط ولم يسع بالإفساد فيها، وهتك الأعراض، ونهب الأموال كما فعله رجل يدعي الإسلام ويبهرج بأنه عربي وغيور، فأصبح بضد ذلك، نسأل الله العافية وأذله الله وأخزاه وجعله أحدوثة للأمة إلى يوم القيامة وهكذا فعل الله كن سعى فسادًا، ولقد ألقى الله عليه الخوف والذعر فبعث إلى الموالين له وهم السودان وتونس وحسين الأردن وعلي عبد الله صالح اليمني يطلب منهم أن يبعثوا المنهوبات التي وزعها عليهم في الكويت يردها إلى أهلها الذين أنتهبها منهم حسب قرار مجلس الأمن. فيا عجبًا ويا سبحان الله كيف توصلت الأحوال به إلى هذه الدرجة، وقد ثار العراق بأجمعه عليه وأصبح في قتال مع الأهالي، وكان قد لجأ إلى استعمال الغازات السامة والكيماوية على الأكراد، ولكن أمريكا التي استولت على سدس مدينة العراق حدت من ذلك وإلا فإنها لا تزهد في ضربه في قبوه، والبقاء عليه.

стр. 2615

وفي رابع شهر رمضان قام الرئيس المخلوع يفجر آبار بترول العراق ويسعى بتخريب بلاده. وفيها في آخر اليوم السادس من ٩ أصيب القصيم بصفرة وظلمة شديدة، واستمرت قبل وقت العصر إلى الغروب، وفي هذه الأيام التي توافق آخر برج الحوت وأوائل الحمل، كانت أراضي القصيم مزدهرة بالأعشاب وأنواع الربيع، فكانت الأمة يخرجون إلى رياض السكة وما يليها التي كانت قد أنبتت من كل زوج بهيج، وقد كانت السماء مدرارة بالأمطار الوابلة عليها بحيث كانت الشوارع المسفلتة داخل المدن قد اخضرت من طول بقاء الماء فيها في غير كثرة المستنقعات، ولكن لتدارك الأمطار، ولما أن كان في ١٠/ ٩ قامت قوات صدام حسين بضرب الثائرين عليه من جهة الشمال والجنوب، وامتلأت الشوارع في البصرة في جثث القتلى، وكان معظمهم من الأكراد، وبما أن الحكومة القديمة في العراق تملك بقية قواتها التي دمر معظمها فإن الثائرين من الأكراد والشيعة واجهوا قوات من عدوهم ولم يتلقوا مساعدات من المجاورين، فقد استهدفوا للقتل والدمار. وفي ١٨/ ٩ أصيبت مدنهم بالدمار بحيث قضت قوات صدام بما فيها الطائرات العمودية وطائرات الهلوكبتر على المدينة، وجعلتها أكوامًا من الحجارة، وفرَّ المتبقون من الملايين عنه ميسرةً عن العراق، ولقد ضجت الأمة ولا سيما فرنسا من أعمال صدام الإجرامية الذي لا يعرف عن الحياة إلا القتل والأذى التدمير، نسأل الله العافية، وكانت المعارك ضارية جدًا في العراق بين الأهالي بما انتحله الطاغية، وكأنه لما فشل في حرب إيران وفي هجومه على الكويت وتعذيب أهلها، وأخرج منهد طريدًا قد قتل رجاله وأبيدت قواته، ورد الله كيده في نحره لم يجد مندوحة عن أن يعدل إلى قتل قومه وشعبه لما كان يسعى به من التخريب والإفساد، فقد قام هذا اللئيم على شعب العراق بقتل الأطفال فيها والنساء، إضافةً إلى ما أصيبوا بأسبابه من الجوع والأمراض الفتاكة، وإلى ما حل بهم. وكان موقف أمريكا ومن حالفها أن تنظر إليه بعين المتفرج وتقف وقفة المتفرج، وذلك لثلاثة أمور:

стр. 2616

أولًا: إن ذلك كحرب داخلية وثورات داخلية نصيبها عدم التدخل في شؤون العراق. ثانيًا: أن أمريكا لا تزهد في تشتيت شمل العراق وضعفه لما سولت لرئيسه نفسه أن تسفر حالته عن أن يكون بارزًا على إسرائيل حليفة أمريكا لأن مما حفظ عنه في حالة طغيانه بأنه يستطيع القضاء على نصف اسرائيل، وفعلًا حصل على ما تمليه عليه نفسه من جمعه الطائرات والدبابات والصواريخ بعيدة المدى التي أبيدت. ثالثًا: لعله يسترد شيئًا من حياته حتى يطالب بقرارات مجلس الأمن التي أدانته بجميع تعويضات ما قام به من الإفساد في الكويت وغيرها، والسرقة والتخريب ثم ترجع عليه بعد ذلك بالإطاحة بحكمه وقتله أو طرده، وكان في تلك المدة التي بلغت ثمانية أشهر وعشرة أيام لا يزال الجبن والضعف، ولو كان شجاعًا لظهر يقاوم الأبطال ويدير المعارك بنفسه لكنه كان يرسل شياطينه وأذنابه الحرس الجمهوري الذين باعوا إخوتهم برضاه واتكل عليهم فخاب وفشل وخسر الحروب كلها، وجرَّ على نفسه وقومه وشعبه واقعة بلاء ودمارًا، قد لا يتلاقى في عشرات السنين بحيث كان غير مفكر ولا عاقل ولا محنكًا إنما كان همجيًا لم يجد في شعبه رجالًا يوقفونه عند حده، ولقد حاولوا عدة مرات لاغتياله فلم يفلحوا بحيث بلغت العشرات، ولكن لما يريد الله بهم من بقايا شره لم يصب، وإذا قارنا بين حالته في إرغام قومه على أن يسكتوا عنه ويقبلوه رغمًا على أنوفهم وبين حالة أبي بكر الصديق وعمر بن عبد العزيز وعقلاء الرؤساء الذين كانوا يفرضون على شعوبهم إقالتهم من البيعة إن كانوا لا يرتضونهم، بل كان دكتاتوريًا مجنونًا أنزل على أمة لا تريده لا ترتضيه رئيسًا فجاء بإطاحة الرئيس حسن البكر واغتصبه عرشه، وآذى المسلمين عامة وأهل العراق خاصة، وفي الحقيقة إنه لم يروي التاريخ من نزول دم على الأرض عن ملك أخرق فعل مثل أفعال هذا الرجل، وليس العجب من مجنون يلعب بالنار ويقتل الأبرياء ويسفك الدماء إنما العجب من شعبه كيف لا يهجموا عليه هجوم رجل واحد ويستريحوا منه، ولكن الله له حكمة من وراء ذلك كله.

стр. 2617

أما النازحون والذين تمكنوا من الفرار إلى تركيا فقد بعثت بريطانيا إليهم الخيام والبطانيات بطائرات مسلحة، وشيئًا من الأغذية والأطعمة ينقذونهم من الهلاك والجوع، أنزلتها بالبرشوت من الجو على المنكوبين والفارين إلى أراضي تركيا، ومعظمهم من الأكراد الذين عذبهم زمانهم وابتلاهم بصدام، وكانت هذه القوارع والزعازع إلى ثالث العشر الأواخر من شهر رمضان المعظم. ذكر الطمأنينة والأمن في السعودية لما أن كان في منتصف شهر شعبان من هذه السنة صدر الأمر بفتح قصور الأفراح التي كانت مهيأة للفرح وولائم الزواج بعدما أمر بتغليقها لحادث الطوارئ وإخماد أنوارها ليلًا، وعادت الأمور في جميع أنحاء المملكة إلى طبيعتها، وبما أن الحكومة الكويتية قد قامت بعد عودة الكويت بعد احتلالها إلى حالتها الأولى فاستعملت جزية التطهير والتنظيف لها من جميع الألغام التي ودعت فيها، فإن الحكومة السعودية رأت الإبقاء على الكويتيين وأن يلبثوا في السعودية حتى تتاح الفرصة بالإذن لهم من حكومتهم بالعودة سالمين غانمين، وكانت تلك العاطفة من الحكومة السعودية عليهم تعتبر من أعظم الحسنات والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. ذكر الفوضى في العراق قدمنا ما جرى على الأكراد من الرئيس صدام بحيث أباد معظمهم بقتل جماعي كالسلاح الكيماوي المحظور استعماله وقنابل النابالم والقنابل العنقودية، وذلك لما انهزم في حرب الكويت وأعطته أمريكا درسًا لا ينسى، وذلك باستخدام ذخائر حديدية لم تكن بحسبانه كالقنابل الإقحوانية والزرقاء الكبيرة، وقنابل الوقود الحارقة، وكانت قوية التأثير إلى حد أن البعض يعتبرها البديل الرخيص للقنابل الذرية، أضيف إليها تحديدًا قنابل "بي" إلى "بو" ٨٢ ولكن ماذا كان تدميرها عندما أطلقت على مسرح العمليات، وكانت الدلائل تتزايد حول قرب قيام القوات

стр. 2618

المشتركة باجتياح الدفاعات العراقية في الكويت المحتلة بواسطة هجوم بري بحري جوي كاسح، ويوم إذاعة العراق ببيانه كانت ٥٠ ساعة قد مرت على بدء استخدام الحلفاء لقنابل الوقود الحارقة، إنها قنابل ثقيلة استخدمها الحلفاء في الخليج لتفجير حقول الألغام وفتح ممرات وثغرات فيها، ويتم استخدام هذه القنابل وإسقاطها بمظلات وتحديد لها المساحة المطلوب غمرها بكتلة لهب هائلة، وكانت قنابل الإقحوان تعد أكبر قنبلة استخدمتها قوات الحلفاء، وهي أكبر قنبلة تقليدية في العالم، ولا تفوقها غير القنابل الذرية، وتنفجر هذه القنابل فوق سطح الأرض بقوة تخريبية، وفي نفس اليوم الذي تم فيه تدمير ما مرت عليه شظاياها التي دمرت استحكامات الحرس الجمهوري العراقي، والتلال والمتاريس والألغام أيضًا، وفي نفس اليوم الذي تم فيه تدمير ملجأ العامرية كانت القوات المتحالفة تلقي طائراتها صواريخ مستحدثة على مواقع مدفعية في الكويت المحتلة، وهذه الصواريخ المستحدثة تعمل ضمن نظام صاروخي اسمه "إم" إلى "أو أس" وهو نظام متعدد الإطلاق يتولد عنه رشقات متتالية كل منها يضم ١٢ صاروخًا، ويزيد قدر الصاروخ عن ٢٠ ميلًا، وكل صاروخ من هذه الصواريخ يحمل داخل جوفه ٦٠٠ قنبلة طراز "إم" ٧٧ يخرج من جوف الصاروخ البالغ طوله أربعة أمتار وتفجر ما تحتها بمساحة ٦٠ قدمًا، ولم ينكر المتحدثون العسكريون هذه الذخائر جميعها وغيرها مما استحدثته القوات المشتركة عند هذه العمليات: كانت توجه إلى قائمة جديدة من هذه الأهداف عطلت فيها خطوط السكك الحديدية والجسور والطرق وجميع وسائل الإمداد والتموين في العراق، مما جعلها أثرًا بعد عين، وقال مسؤول أمريكي أن مثل هذه الأهداف توجد داخل المدن، ويمكن أن تسفر الغارات عن إصابة بعض المدنيين بطريق الخطأ، وقال توم كيسنج وزير الدفاع البريطاني ضمن حديثه لمحطة "بي بي سي" البريطانية أن الهجوم على القوات العراقية في الكويت لا بد له أن يتم بواسطة معارك برية حاسمة قريبة، ولا بد للمعركة البرية أن تنتهي أيضًا قبل الصيف وفعلًا فقد انتهت في أيام قلائل

стр. 2619

قضت على قوات صدام وجنوده وسحقتهم سحقًا، ورجعوا ما بين قتيل وأسير وجريح يجرون ثياب الخزي والهزيمة، وقد قتل صدام وزير دفاعه حنقًا وغيظًا على ذلك، ولما أن أوقع بالأكراد المساكين الذين لا تملك سوى أذية شعبه لما خذله الله فرَّ بقيتهم إلى الجبال في شمال العراق، ولجأ بعضهم إلى إيران والبعض الآخر لجأ إلى تركيا مستجيرين من عذابه، وأبى الأسراء الذين وقعوا في يد القوات السعودية الرجوع إلى العراق لعلمهم أنهم لو وقعوا في قبضة رئيسهم لأعدمهم وانشق شعبه عليه يريدون الإطاحة به، ولقد نصبت أمريكا للمشردين من الأكراد مخيمًا في شمال العراق وبنوا ذلك المخيم بقوة واستحكام، وشاركت به ذلك بريطانيا حفاظًا على حياة أولئك الضعفاء المشردين، ولم يزهد المغلوب صدام عن التربص بهم ومراقبتهم ليوقع بهم، ولكن القوات المتحالفة أمدتهم بالأرزاق والأدوية والأطعمة، وطردوا عنهم قوات صدام التي تريد إهلاكهم وتدميرهم على أية حالة كانوا عليها وكان في تقلباته يتحرك حركة المذبوح، فقد أقام عيدًا سنويًا في منتصف شهر شوال في هذه السنة، مما كان به ضحكة وسخرية لك ساخر، ولا تزال عين أمريكا تراقب حركاته حتى أنها وقفت أمام رش الزروع في بغداد حتى تشرف على المادة المستعملة في الرش خوفًا أن تكون ضد الأهالي لأنه لا يؤمن من أذيتهم. إعصار يصيب بنغلادش لما كان في اليوم الخامس عشر من شهر شوال أثبتت الأرصاد الجوية عندهم أنه سيقع إعصار في منتصف ليلة سادس عشر شوال الموافق عاشر برج الثور ثاني نجم، فجعلت الأمة تتوقع حدوث هذه الحادثة وتفكر فيما ينجى من هولها، فهب الإعصار نصف الليل بقوة مائتين وثلاثين، واجتاح ما مر عليه فقد هلك ألف نسمة ودمر عشرات الألوف من المنازل، ودمر ميناء هناك، وأغرق عدة سفن ولله كمال التصرف في خلقه. حادثة غريبة في هذه السنة، في ١٢ شوال عض حمار رجلًا في مدينة بريدة في الماقفة فلم تستطع الأمة تخليص الرجل، فقطعوا رأس الحمار وحملوه مع الرجل إلى المستشفى للكشف وتحليله خوفًا أن يكون مسعورًا.

стр. 2620

لما كان في ٧/ ١٠ هب إعصار على تلك الجهات في ضواحي مدينة بريدة يوافق يوم الأحد أول يوم من برج الثور، جاء من الجهة الغربية الشمالية ثم عطف على الجهة الجنوبية بقوة هائلة عظيمة فكسر ما مرَّ عليه من الزروع هناك، وجعلها كعصفٍ مأكول، وقد وافق ذلك نزول البرد فما لم يهلكه الإعصار مما مرَّ عليه أهلكه البرد بفتح الراء وقلب الإعصار محاور للرش، واقتلع بعض الصوامع الأهلية هناك، ولكنها قليلة بالنسبة إلى كبر المنطقة. هذا وقد هبت عواصف من الرياح في أواخر برج الحمل على منطقة القصيم مما سبب تكسير بعض أشجار الطرق وبعض النخيل الطوال، وقد اقتلعت ما مرت عليه، ويبست الأعشاب فأصبحت هشيمًا تذروه الرياح بعدما كانت منظرًا رائعًا، ولا يستنكر وقوع تلك الإصابات في برج الثور إذا لم يدافع الله ، نسأل الله اللطف والعافية. ذكر ما جرى في أفغانستان لما اتخذت روسيا مدينة كابول مثار للفتن وأمدت حكومة كابول بقواتها وأهوالها تطلق منها الصواريخ وترسل الطائرات على المسلمين هناك كان المجاهدون من مسلمي أفغانستان يقابلون ذلك الشر بمثله، وهم وإن كانوا يواجهون أهوالًا من التقتيل والتدمير وأنواع البلاء، فإنهم صامدون ومنتصرون وواثقون بنصر الله، وكانت الأمم الإسلامية تمدهم بالأغذية والأكسية وجمع النقود والنفقات وبعثها إليهم، فقد كان من انتصاراتهم أن استولوا في سادس شوال من هذه السنة على ثلاثين قرية من أفغانستان، وقد قتل منهم في هذا الإقدام والبسالة ثلاثون قتيلًا وجرح سبعمائة، وبهذا تعلم عظم الجهاد الذي يقاتلون فيه أعظم دولة كافرة قوية، ولكن هذا النصر لم يدم حلاوته فقد قامت روسيا وأطلقت على المجاهدين المسلمين صواريخ نارية مزقت جثثًا من المجاهدين وتركتهم لحومًا ممزقة طارت بين السماء والأرض، وكان الذين مزقتهم هذه الصواريخ لا يقل عددهم عن ثلاثة آلاف

стр. 2621

قتيل، وقد تأثرت أمريكا لهذه الفادحة وانهالت بها الأخبار مستنكرين تلك الفعلة الشنعاء والقتل الجماعي الذي تجلت عند شدة عداوة الروس للمسلمين. وفيها في صباح اليوم ١٨ من شوال هبت رياح أثارت صفرةً في الجو واستمرت إلى وقت العصر ثم تحولت إلى غبرة وقترة من غير رياح، ولكنها كادت أن تعطل حركة السير وذلك على منطقة القصيم. وفيها قام الرئيس الإيراني علي أكبر هاشمي رفسنجاني بزيارة لسوريا حسب طلب الرئيس السوري حافظ الأسد، وذلك في ١٣ شوال، فلبث ثلاثة أيام استغرقتها فيها زيارته، وكانت هذه الزيارة تتعلق في مستقبل الخليج ونشر السلام فيه، وكأنما رؤساء الإسلام رأوا أن من المصلحة العامة التزاور فيما بينهم وتبادل الزيارات والتوادد والتحابب، وكأنهم لما رأوا نتائح الاجتماع من النصر والغلبة وثمرة الاعتصام بحبل الله جميعًا، وأنها لخطوة طيبة، نسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلوب المسلمين وأن يجعلهم يدًا واحدة على أعدائهم. وفي هذه السنة فتحت الحكومة السعودية أبواب القبول لحجاج إيران بالغًا عددهم ما بلغ تلبية. ذكرنا فيما سبق بلغ عدد ضحايا الإعصار ببنغلادش المتقدم ذكره سبعة وثلاثين ألف قتيل، وقد تجاوز العدد بعد الحادثة وهلاك الجرحى حتى بلغو ثلاثمائة ألف قتيل، ويعتبر هذا الإعصار من أعظم ما مرَّ على بنغلادش وإنما تبين العدد بعدما طفت جثث الهلكى على متن ماء البحر وساقتها الرياح إلى السواحل هناك، لأن غرق السفن التي تحطمت ولم يعثر عليها إلا بعد ذلك، وقد بعثت الحكومات الإسلامية إليهم مساعدة لهذه الكارثة، إن شعب بنغلادش البالغ عدده تسعين مليونًا وتسعون بالمائة إسلام يعيشون بفقر ومجاعة وإملاق. وفيها في ١٥/ ١٠ أصيبت إحدى مدن روسيا بهزة أرضية هلك بسببها خمسون نسمة وفقد سبعون، وشرد سبعون ألفًا فأصبحوا بلا مأوى، وكانت ببنغلادش كثيرًا ما تتعرض للفيضانات لكثرة مياهها، وقد انفصلت عن باكستان بعد الحرب

стр. 2622

العالمية الثانية، ولما أن أصيبت في هذه السنة بتلك الكارثة كان على رأس المتبرعين لها الحكومة السعودية، فقد تبرع الملك فهد بن عبد العزيز بمبلغ عظيم بلغ أربعمائة مليون من الريالات. وفيها في ٢٩/ ١٠ قام وزير خارجية روسيا بزيارة للمملكة العربية السعودية، وعندما قدم لذلك كان في استقباله وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل، ولما أن قدم الوزير السوفيتي استقبل في المملكة استقبالًا يعبر عما بين الحكومتين من حسن التفاهم وقوة الصِّلات وأعجب كثيرًا بما وجده من قبول نشر السلام والسير إلى الأمام في توطيد الأمن ووضع التخطيط لما يعود على العرب في الشرق الأوسط. ذكر ما نتج عن إعصار بنغلادش لما أن حصلت تلك الضربة الإلهية وجعل البحر يقذف بأمواجه الجثث وغرقت المساكن وتعطلت المصالح، وغرقت السفن وغرق معها خلائق كثيرة، وقد وردني في بعض الآثار أن ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم فتمنعه القدرة الإلهية والرأفة السماوية، وإذا كان الله قد أهلك عادًا بالريح فأصبحوا لا يرى مساكنهم فليس بمستبعد أن يهلك الله من شاء بالريح، ولما جرت تلك الكارثة هبت الأمة من مشارق الأرض ومغاربها يبعثون المساعدات والمؤن والكسوة والفرش لأولئك الموتورين، وقامت الطائرات العمودية لإنقاذ الغرقى، واستنقاذ ما توصلوا إليه، ولا ريب أن تلك الضربة قاسية جدًا أغرقت الأنفس ودمرت المساكن وابتلعت الأموال وجعلتهم حديثًا للأمة، فعياذًا بالله من عقوباته، ونسأله العافية، ولا ريب أن جميع ما استهدف لتلك الكارثة من شجر وبيوت وأعمدة كهربائية وطائرات وسفن أصيبت بضربة ساحقة ماحقة، وقد أنكرت إحدى الدول هلاك ذلك العدد الكثير من الأنفس البشرية، ولكننا لا ننكر عظمة بعض الإعصارات وقد تقدم في هذا التاريخ ما فيه كفاية أنه في صباح اليوم ٢٦ من ربيع الثاني من هذه السنة أصيبت الفلبين بإعصار شديد من أعظم ما مرَّ عليهم، وقد حمل ذلك

стр. 2623

الإعصار ما مرَّ عليه من الرجال والبهائم والأشجار فاجتاحها واجتاح المساكن التي مرَّ بها فدمرها تدميرًا، فقد قيل أنه قتل خمسة آلاف نسمة هلكوا بسببه. وفيها في يوم الثلاثاء ٩ الموافق ٣٠ شوال قامت الرابطة الإسلامية فبعثت مواساة إلى جيلوتريان، بعثت إليها مئات من المصاحف ومئات من الكتب وأعادت إعمار مسجدها على نفقة الرابطة الإسلامية في مكة المكرمة، كما أن الحكومة بعثت مساعدات مالية للمنكوبين في بنغلادش قدرها أربعمائة مليون من الريالات السعودية. وفي هذا اليوم أعلنت أمريكا بأنه لا بد من اتخاذ إجراءات ضد أعمال الرئيس المغلوب العراقي صدام حسين لحمله على الخضوع لتسليم الأسلحة الكيمائية لإتلافها، والأمن مما يتوقع من شره، وبما أنه أقيم مخيمًا للاجئين من الأكراد في شمال العراق الذين أخرجهم الطاغية من بيوتهم واستحل دمائهم وأموالهم، فإنه لا يؤمن من الهجوم عليهم هو وزمرته ولا سيما ما لوحظ من زمرته الفاسدة من عدم الطمأنينة إلى مواعيدهم، وكذبهم بحيث توصلت الأحداث بهم إلى أن كانوا يطلقون النار على رجال الإنكليز الذين كانوا يراقبون حركاتهم وسكناتهم، فبذلك يصبح الأمن غير متوفر من بقية الطغمة الفاسدة، وقديمًا قالت أمريكا: إنه لا يتوفر الأمن، ولا يستقيم أمر العراق ما دام صدام فيه، فلا بد من الإطاحة به واغتياله والاستراحة من بقيَّة شره، وقد استمرت الفتن فيما بين زمرته وبين المناوئين له من أهالي العراق الذين ملوا من ظلمه وأذاه، فلا يزال إطلاق النار بين القبيلين مستمرًا والانشقاق في العراق متواليًا وقويًا لأنه يحكم أمة تريد التخلص منه والقضاء على بقية شره، لأنهم رأوا أن لا خير لهم في الحياة ما زال في الوجود، فقاموا ضده. إن سياسة الدول الكبرى نحوه ظاهرة لمن تأملها، ولا ريب أن حياته تلك مهددة بالذل والخوف لأنه لم يجد ملجأ بذهب إليه ويكفل له البقاء والسلامة. ذكر زيارة وزير خارجية أمريكا جمس بيكر لما أن كان في ٢٩ شوال من هذه السنة قدم الوزير المذكور وكان يريد وضع

стр. 2624

صلح واستقرار في الشرق الأوسط ونشر السلام، وقد سعى في هذا الموضوع بجد واجتهاد غير أنه لم يتلقَ جوابًا، ومما يؤسف له حالة لبنان وما هم فيه من التناحر فيما بينهم، والقتال الذي استمر بين حزب أمل الذي من جهة حاكم سوريا، وبين حزب الله المدعوم من جهة إيران، ومن جهة إسرائيل والأهالي استعملت لذلك الصواريخ والطائرات والمدافع والرشاشات واستمرت الحالة بما أضر بلبنان وجعلهم أحزابًا وفرقًا مختلفين، وكذلك ما بين الفلسطينيين وإسرائيل من القتل والتدمير لمنازل الأهالي في فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة والخليل وغيرها، وبما أن أهالي فلسطين يقاتلون بالحجارة والزجاجات الحارقة فإنها تقابلهم إسرائيل بالنار والأعيرة النارية والمسدسات والرشاشات، وإذا رمى الفلسطينيون زجاجة حارقة فتكسر زجاجة سيارة ويصيبوا إسرائيليًا بجروح فإنها تقابلهم إسرائيل بالقبض على الأعداد منهم وتقتلهم وتلقي العشرات في غيابات السجون، بحيث امتلأت السجون بالأهالي ويعاملهم بالتشريد ونسف المنازل، فثلاث وأربعون سنة والحالة بهذا الوضع الشنيع، ولم تعد الانتفاضة الفلسطينية أهالي فلسطين إلا بما عاد عليهم من القتل والدمار والتعذيب والتشريد، وأرادت أمريكا أن تضع حد لهذه الفوضى بصلح بين العرب واليهود لتهدأ الأمور، وبما أن الرئيس ياسر عرفات كان عقوبة على أهل فلسطين ورئيسًا استغلاليًا يقبض المساعدات التي تجري لهم من ملوك العرب ورؤسائهم لنفسه ويبعثها إلى شراء مساكن وقصور لنفسه في الممالك الأخرى، ولا يبعد أن تكون هذه الانتفاضة الذي سوغها لقومه وأشار بها خيانةً منه لإضعاف أهل فلسطين، فإن عقلاء الدول قرروا أن لا صلاح لهم ما دامت له الرئاسة، ومما ظهر من تصرفاته في مناصرة صدام العراق والتفافه إلى زمرته أنه عدو للعرب أو سيء التصرف، أوقع قومه في المهالك ولم ينفعهم، وقد رجع جمس بيكر خالي الوفاض بخفي حنين، ولكن فيما يظهر سيعيد الكرة لوضع السلام ونشر الأمن في الشرق الأوسط إن ساعدت الظروف وعرف العرب ما

стр. 2625

يصلحهم، وإن في صلح الحديبية والحالة التي سلكها الرسول ﷺ قدوةً حسنة عند الحاجة. وفيها في ٥/ ١١ قدم سلطان عمان قابوس بن سعيد زائرًا زيارة رسمية للمملكة السعودية، فأقيم له استقبالًا واحتفالًا وترحيب لكونه رئيسًا عربيًا، وقد حامت الآراء على أنه جاء ليضع حسن الصلات بين اليمن والأردن وبين السعودية بعدما ارتكبته الأوليان من الأخطاء والضلال وسلوك طريق الغي. وفيها أقيم وزير خارجية مصر عصمت عبد المجيد أمينًا عامًا للجامعة العربية في مصر بدلًا عن الأول الذي كان مقره في تونس، هذا ونسأل الله تعالى حسن العافية للمسلمين والعرب. وفيها في ٧/ ١١/ ١٤١١ هـ الموافق ٢١ مايو أيار وفاة راجيف غاندي الرئيس لوزراء الهند سابقًا في حادث اغتيال بقنبلة قضت عليه، كان قد تولى رئاسة الوزراء بعد أنديرا غاندي فلبث في الرئاسة زمنًا غير طويل، وكثرت في أيامه التقلبات في الهند وعم القتل فأطاحوا به لضعفه، وتوفى في هذه السنة اغتيالًا، ونشير إلى حكومة الهند بأنها واسعة الأرجاء، كثيرة السكان، ولديهم مجاعة لسعة رقعتها كما قدمنا، وقد أظهرت الأمة هناك استيائها لاغتياله ولا سيما رئيس وزراء باكستان غلام إسحاق خان، ووصفوه بأنه صاحب سياسية. وفيها في ٧/ ١١ قدم رئيس أثيوبيا استقالته وغادر البلاد، وقام المتمردون لمهاجمة العاصمة أديس أبابا. أما عن رئيس باكستان غلام إسحاق فقد وصفوه بالخير، وأثنوا عليه، عندما اجتمع بنا مدراء مدارس لتعليم القرآن الذين فتحوا مدارس لتحفيظ القرآن في باكستان ذكروا عن الرجل خيرًا، وكان هو الذي تولى الرئاسة بعد خلع بنازير بوتو ابنة الرئيس علي بوتو، وكانوا يتألفون في عدم نصرة الدين وقتل المنتسبين إلى الله، فقد قيل أنها قتلت سبعة عشر عالمًا دينيًا وسموها بلقب "خنازير" بعد خلعها، ويستفاد من ذلك أن من تولى شيئًا من الأعمال فإنه ينبغي له أن يكون محسنًا

стр. 2626

ويكون ذكرى خير لا ذكرى شر، لأنها تَفْنى الذوات، وتبقي الأذكار، وكما قيل إذا كنت في أمر فكن فيه محسنًا فعما قليل أنت ماضٍ وتاركه، المسامع لقد تشفت الأسماع بمديح العالم الملك صديق بن حسن القنوجي النجاري وغيره من العلماء المستقيمين مثله. وفيها في ٨/ ١١ قدمت رئيسة وزراء بنغلادش خالدة ابنة ضياء الرحمن على المملكة العربية السعودية للزيارة فاستقبلت بالترحيب بعدما أدت مناسك العمرة، وزارت مسجد المدينة المنورة ثم سلمت على المصطفى ﵊ فلبثت أيامًا ورجعت إلى بلادها في ١٤ الشهر المذكور، وكانت بلادها قد أصيبت بحادثة الإعصار المدمر كما مرَّ وذكرناه مفصلًا. وفي ١٤ المذكور أصيبت طائرة باحتراق في الجو أجنبية وكانت تحمل مائتي راكب هلكوا بأجمعهم، وفي تلك الأيام كانت الحكومة السعودية باستقبال حجاج بيت الله الحرام وضيوف الرحمن فاتحةً أبوابها للحجاج والعمار على الترحيب والدعة والسكون، نسأل الله تعالى حسن القبول، ونشر وزير الداخلية نايف بن عبد العزيز التعليمات المرادة من كل حاج. وفيها عقدت اتفاقية بين لبنان وسوريا تقتضي هذه الاتفاقية سحب سوريا قواتها الكائنة في لبنان، وقد استبشر العرب لذلك لعلها نهاية الأمور في لبنان، وفعلًا بدأت سوريا تسحب قواتها في ١٥/ ١١ من هذه السنة. ولما أن قام الرئيس اليمني علي عبد الله صالح ضد السعودية وانضم إلى رئيس العراق المخذول صدام حسين ساءت العلاقات بين البلدين وقام شعب اليمن ضد الرئيس علي الذي استهوته الشياطين وجحد المعروف وأنكر الإحسان إليه، وعاقبه الله بتشتيت اليمن وقام الشعب ضد الحكومة وأصبحت الأمور في اليمن تنذر بشرها وويلاتها، وكانت سعادة الرئيس يجاهر بلؤمه وجهله، وأنه لما يثير الاستهجان ويبعث الحزن أن تقابل أيادي السعودية وبذلها الأموال الطائلة وبناية المستشفيات في اليمن، وشق الطرق

стр. 2627

فيها وبناء المدارس، وجلب المدرسين إليها من السعودية على نفقتها، وتنكر تلك النعم وتكفر ولا تشكر، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وما أحسن ما قاله زهير بن أبي سلمى: ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يكن حمده ذَمًّا عليه ويندم وفيها في صباح اليوم ١٩ من شهر ذي القعدة الموافق ليوم الأحد من هذه السنة أصيبت بنغلادش بإعصار عظيم وارتفع موج البحر أربعة أمتار، وأصيبت تلك البلاد بكارثة إضافة إلى ما أصابها قبل ذلك، وهذا يعتبر من الكوارث التي تصيب تلك المملكة وغيرها، فمن يريد الله بها سوءًا. فيها ثار الشعب الجزائري فأطيح برئيس الوزراء ومن معه، وشكلت وزارة جديدة فقامت الحكومة التي يرأسها بن جديد في ٢٦/ ١١ في تنظيم الوزارة الجديدة. وفيها في هذا اليوم ثار بركان عظيم في الفلبين وارتفعت حممه الساخنة في الجو فأحرقت ما مرت عليه من قريب وبعيد واتخذت إجراءات الأمن هناك لإنقاذ ما سببه من قتيل وجريح، وكانت تدمير عجيب بإذن الله تعالى، وهم وإن كانوا رأوا أمرًا بديعًا فقد كانوا يتوقعون ماذا ينتهي أمر هذا البركان فقد انفجر مرةً أخرى في اليوم الثامن والعشرين من ذي القعدة أي بعد انفجاره بثلاثة أيام، وسبب أضرارًا عظيمة من رمي الحجارة وغير ذلك. وفي ٢٦/ ١١ قام الملك فهد بن عبد العزيز بزيارة لبلاد الكويت فاستقبل استقبالًا حارًا مظهرين له كمال الشكر كمنقذٍ لهم من ورطتهم التي وقعوا فيها، ثم تجلت بإذن الله، ثم سعوا بحيث حرروا البلاد من الرئيس الغاشم لها. أما عن انفجار البركان المتقدم ذكره الذي كان في حينه لم ينفجر منذ ست سنوات فقد بالغوا في قوة انفجاره، ولحقت أضراره بالسيارات وطائرات حواليه، وأصيبت المساكن وأخليت من أهلها، وقد هلك من الأنفس البشرية أربعون، وجرح خمسون. نكتة غريبة: في فصل الصيف من هذه السنة امتد وقت البرودة في الليل بحيث

стр. 2628

كانت الأمة في السطوح يلتحفون بالبطانيات وغيرها من الأغطية الثقيلة، وذلك طوال برج الثور وعامة برج الجوزاء، وذكر أهل الأرصاد أن سبب ذلك الغبار الناشئ من الرياح، فقد أثر على أشعة الشمس وأنه لم يمر ذلك منذ سنين عديدة، وقد ملء الحيطان والثياب وستائر النوافذ والفرش مما كان له أثر سيء في باب الصحة، بحيث امتلأت المستشفيات بالمراجعين من ألم الربو وتلقوا عشرات الألوف، كما أن الكراسي والنمارق وغيرها استهدفت لذلك، وهذا شيء نادر الوقوع، فعياذًا بالله من سوء القضاء وحلول المصائب والنواكب. ومن العجائب أعشاب من أنواع الكلأ في برج الحوت والحمل كان لها منظر عجيب في بعض الأماكن، فما هي إلا عشية أو ضحاها حتى أصبحت هشيمًا كأن لم تغن بالأمس بسرعة فائقة بالسحق والمحق. وفيها في ٢٠ ذي الحجة حصل انقلاب في يوغسلافيا وتمردت عاصمتان كلٍ منها يريد الاستقلال بنفسها، وحصل انشقاق وأحضرت كل جهة قوتها من دبابات ومدافع واشتد الخطب، وكانت السيادة أولًا فيها لتوتو، وبعد وفاته بمدة طويلة تعددت الأطراف على الحكومة، ولقد حاولت الحكومة الأخرى إقناع الحكومة بالرضوخ لتلك الجهتين ومنحهما حق الاستقلال بدون الرجوع إلى السلاح، ولكنه لابد من اللجوء إليه. أما عن الجزائر فقد استمرت الزعازع فيها وعدم الاستقرار، ولما أن كانت الحالة في العراق بعد ضربه وإعطاء حاكم العراق درسًا لا ينسى، ولعدم سكونه وخضوعه ظاهرًا أو باطنًا لقرارات مجلس الأمن، وأصبح الأكراد غير آمنين وذلك لما يتوقع من صدام حسين فإن الرئيس الأمريكي هدد بضرب العراق مرةً أخرى، فرفع صدام قبوله رسميًا لوقف إطلاق النار وتمكين هيئة المنتدبين من قبل الأمم المتحدة من التفتيش عن الأسلحة الكيماوية وإتلافها وإعدام السلاح الذري فيه، وفعلًا جرى القبض على قواعد من تلك الأسلحة المدمرة، وقام بدوره لجمع التعويضات التي التزم بها عن إفساده في الكويت وتدمير ما دمرت

стр. 2629

أيدي العراقيين عليه، أما عن إضرامه آبار الزيت في الكويت فقد قامت حكومة الكويت بما استطاعت في إطفائها، وكان لعدم توفيقه وضعف عقله لا يزال يتهدد ويتوعد في إعادة الكرة على الكويت والسعودية ما دام يتحرك كحركة المذبوح وإنما آثرت الحكومة الأمريكية الإبقاء عليه ليقوم بما ألزم به، ثم بعد ذلك ترى رأيها فيه. وقد ذكرنا صفة انشقاق حكومة يوغسلافيا وللعالم نذكر السبب لذلك فنقول أن حكومة يوغسلافيا قامت أخيرًا ضد المسلمين وعذبتهم واضطهدتهم إلى درجة الاضطرار للتخلص منها. ذكر ما جرى على اليابان لما أن كان في أوائل يونية حزيران أصيبت اليابان بأمطار عظيمة وسيول أودت بأناس إلى الهلاك بعدما دمرت المساكن وشردت أناس، ومن جراء تلك السيول أن تهدمت جسور وطرق وأصبحت الأمة هناك بحالة لا يحسدون عليها، ويوافق ذلك ١٩/ ١١/ ١٤١١ هـ. تنبيه: قد ذكرنا انفجار بركان جبل ماليزيا المنتظر لما أن كان في ٢٥ ذي الحجة الموافق ١٦ السرطان يوم الأحد ٧ يولية تموز انفجر جبل الفلبين المذكور وكانوا يتوقعون انفجاره لأنه لم ينته بصورة قطعية، ويتخوفون ما ينجم من هذا البركان فانفجر في هذا اليوم وارتفع دخانه خمسة عشر كيلو متر في الجو، وجعل يرمي بحمم وأحجار سوداء لم يسبق لها نظير، مما أدى إلى أن يهجر المكان الذي حواليه البالغ نحوًا من ثلاثين كيلو، لأنه قد دمر انفجاره بتلك الحمم السيارات والناقلات والأثاث والمعدات إلى درجة مخيفة، والله على كل شيء قدير، وبها تتبين عظمة قدرة الخالق جل وعلا، وأن المخلوقيين لا يملكون شيئًا من هذه الأحوال حتى يوقفها الله بتمام قدرته، وأنها لعبرةً لمن يخشى. ولما كان في ٢٧/ ١٢ شوهد أعمدة من الدخان تثور من ذلك البركان. صفة حج هذا العالم لما كان في وقت تدافق الحجاج والزوار إلى مكة المكرمة،

стр. 2630

أذنت الحكومة لحجاج إيران بالحج كسائر الحجاج بعدما صدر البيان بأن من عثر عليه قائمًا بالتخريب في الأماكن المقدسة فإنه يقضى عليه بالفعل، وذلك تعظيمًا لمكة والمدينة، وتقدم من إيران مائة ألف وعشرون ألفًا لأداء فريضة الحج ولكنه بحسن تدبير المملكة وتيسير من الله لم تجر أي حادثة لا حريق ولا تخريب ولا فوضى، بل كان حج هذه السنة آية من آيات الله في الطمأنينة والهدوء والسكينة، فلا نزاع ولا خصومة، وذلك برغم من قدوم مليونين ومائتي ألف جاءوا من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيامٍ معلومات، ولقد بذلت الحكومة السعودية جهودًا جبارة في تنظيم الحج في هذا العام وراحة حجاج بيت الله الحرام وضيوف الرحمن، وعلى رأس القائمين بالعمل خادم الحرمين وولي عهده ووزير الداخلية، ومدير الأمن وسائر الجهات المسؤولة، فكان سير العمل في مكة والطرق ومنى ومزدلفة وعرفات على ما ينبغي، ولقد قامت الحكومة بتوزيع أكياس الثلج تبرعًا بحيث تبرعت حكومة جلالة الملك لحجاج بيت الله سبعة ملايين كيسًا من الثلج، وكان الأجواد يوزعون اللبن وعصير الليمون وغير ذلك، وينادى عليها سبيل سبيل، فجزى الله المحسنين خيرًا، ولقد كان الحجاج يسعون بين الصفا والمروة في الطابق الأسفل والثاني والثالث وأقيم بمنى حمامات لدورة المياه ومدت الأنابيب، وركبت البازات، في كل موضع من المسجد الحرام، وفي كل طابق ماء زمزم متوفر، وبما أن الحج وقع في برج الجوزاء وأوائل السرطان فقد أعلن وزير الصحة قلة الوفيات إلى حد غريب، ويتمتع حجاج بيت الله في أكمل الصحة والعافية، وسلموا من ضربات الشمس وسائر الأمراض الوراثية، وكنا والحمد لله ممن منَّ الله عليهم بالحج في هذا العام، فما رأيت حجة من حجاتي التي حضرت الموسم فيها بأحسن من هذه الحجة. وفي ٧/ ١٢ ركب الميكرفون في منائر مسجد الخيف التي صلى فيه تسعون نبيًا لأداء الآذان والإقامة والخطب والمواعظ، فإذا كبر المؤذن لصلاة الصبح أطلقت للحكومة مدفعين إيذانًا بدخول الوقت، كما أنه إذا زالت الشمس أطلق مدفعان إيذانًا بالصلاة والرمي، وكذلك العصر والمغرب إيذانًا بدخول الوقت وغروب
следующие страницы →