Полный текст (2 873 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
١٣٢٣ هـ، كان نائب هيئة كبار العلماء سابقًا، وقد درس العلم من الأزهر وتدرج في سلك التدريس بدار التوحيد بالطائف عام ١٣٦٤ هـ، ثم في كليتي الشريعة واللغة بالرياض هذا قبل أن يعين مديرًا للمعهد العالي للقضاء، وقد قال الشيخ محمد السبيل: إن الراحل خسارة كبيرة على المحكمة، وخسارة للأمة، ولقد فقدت الأمة شيخًا فاضلًا خدم الدين بكل صدق وإخلاص، في سنوات طويلة قام بنشر تعاليم الدين الحنيف الإسلامي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تعلم على يديه العديد من طلبة العلم، وكان حليمًا وقورًا، ولا يخلو مجلسه من طلبة العلم، وقال عنه بعض العلماء: بأن الشيخ عبد الرزاق عفيفي قد عمل بعد قدومه معلمًا في دار التوحيد، ثم انتقل للمعاهد العلمية عضوًا في اللجنة الدائمة للبحوث، ثم عضوًا في هيئة كبار العلماء، وكان ﵀ عاقلًا وما زال يعطي العلم للذين يتلقونه على يديه، يعرفون له جده واجتهاده، وقال عنه بعض العلماء: أن وفاته خسارة كبيرة للأمة الإسلامية التي هي أحوج ما تكون إلى أمثاله.
وفيها في ٢٣ ربيع الثاني تفشى في بلاد الهند وباء أصيب به مئات من السكان وربما إذا كافحوه بشيء من المضادات سلم المصاب بدون ألم إن وقع فيهم الوباء تقطع جميع المواصلات بالطائرات والسيارات والمراكب البحرية، وعدم السماح لهم أن يقدموا إلى الجهات الأخرى وحقيقة تفشي الوباء فيها، ولا بأس بذلك لحديث إذا وقع الطاعون ببلد وأنتم فيها فلا تخرجوا، ولما أن وقع ذلك قامت حكومة الهند بمكافحته فزال بإذن الله في ظرف أيام، وقد أحصيت الوفيات فلم تزد عن ستين، وفيه سمح بالذهاب إلى الهند والإتيان منها.
وفيها في ٢٨ ربيع الثاني أصيبت اليابان بزلزال بلغت درجته سبع درجات، ثم بعد ثلاثة أيام أصيبت بأقل من الزلزال الأول.
زحف العراق إلى الحدود الكويتية
لما أن كان في ٢/ ٥ حشد صدام مائتي ألفًا من ثلته يضم ثلاثة وخمسين دبابة
стр. 2767
إلى حدود الكويت، وأخذ يتهدد ويتوعد يريد احتلال الكويت، وكان قد حيل صبره من ضغط أمريكا عليه في الاقتصاد في معيشة العراق، فأقدم على ذلك العمل الانتحاري، ولما أن جرى ذلك أجلبت الأمة بإذاعاتها ضد صدام وقامت أمريكا تتهدد العراق وتتوعده، وطلبت من المملكة العربية السعودية السماح لها باستخدام بوارجها الحربية وحاملات الطائرات، والسماح لها بهبوط الطائرات في الأراضي السعودية، وذكرت الحكومة السعودية أن الاعتداء على الكويت اعتداء عليها، ولما أن أصرت العراق على حشد قواتها على الكويت قامت أمريكا وجهزت مائة ألف جندي وخمسة وستين ألفًا، وبعثت ستمائة طائرة، كما قامت فرنسا والإنكليز ينذرون ببعث القوات ضد صدام، وكما قامت حكومات أخرى ضد صدام، وجعلت الأمة تترقب ماذا يحصل من ضرب العراق، وجعلت العراق تستعد لضربات أمريكا بالمطافئ على قدر استطاعتها.
في بقية ثلاث أيام من نوء، وأربعة أيام من أوائل الوسمي هبت رياح شديدة بأمطار جعلت في أواخر هذه الأيام ورواحاتها من بعد الظهر يتعكر الطقس تنشأ سحب كثيرة من دون برد، وقد هطلت أمطار على مدينة حائل وعسير وما يلي تلك المناطق، واشتعلت البروق ورنت الرعود، ولقد هطلت أمطار كثيرة، تبارك الله في أمطاره، أما عن البحارة فهم يزعمون أن كل نقطة من القطر تقع في البحر في الوسمي فإنها بإذن الله تعالى تكون لؤلؤة.
عواصف رعدية وصواعق
نزلت على مصر ففي اليوم ٢٨ من جمادى الأولى من هذه السنة أصيبت مصر بإعصار شديد وصواعق أصابت مصر على العاصمة، وسقطت صاعقة على خزان البترول فيها فالتهبت الحرائق وحدث فيضان لم يعهد مثل ذلك في هذه السنين الأخيرة، منذ خمسين سنة، فأصيب خمسمائة من جراء ذلك بالهلاك، وانتهت ثلاثمائة جثة هامدة، وبالعواصف والصواعق والأمطار الشديدة حدث فيضان في
стр. 2768
القاهرة بحيث تعطلت الحركة ساعات، وارتفع منسوب المياه إلى ارتفاع ٣٧٤ سنتمتر، وتحطمت الجسور، وقد عم البلاء في فلسطين وعمّان بما في ذلك تل أبيب، وشرد أناس عن بيوتهم لما دهاهم من أمر الله شيء لا يعرفونه فيما قيل، وقد بقيت الطائرات من السعودية تحمل الأرزاق إليهم، كما أن ليبيا بعثت بمساعدات لمصر وقدرها مليون دولار، وكان الحادث قد وافق ٢ نوفمبر يوم الأربعاء، ومما زاد الطين بلة أن الصاعقة ضربت خزان البترول فالتهب وساح على الأرض التي تجري عليها المياه، فالتهبت الماء وجعلت الشوارع تجري نارًا، ودخلت البيوت فاحترق كل بيت دخلته، وذلك ليلًا، وهلك بسببه خمسة آلاف نسمة، ونادى الرئيس حسني مبارك بجمع التبرعات من فرش وثياب وطعام وأرزاق، وإنقاذ المصابين من الحوادث، لما كان في المساعدة التخفيف من الشر.
وفي ليلة الثلاثاء ٥/ ٦ هبت عاصفة على الخبراء من بلدان القصيم فحطمت بعض الأشجار ومواسير الكهرباء، ثم سارت العاصفة بإذن الله قرية وثال وسببت أضرارًا عظيمة بحيث أتت على بعض النخيل والأشجار فخربتها، ولم يسلم الجهد الذي بذل، وهذا شيء نادر الوقوع لأن الرياح والعواصف إنما تهب أواخر الشتاء، والله على كل شيء قدير، وقد جاءت الأنباء بأن فرنسا أصيبت بفيضان وأضرار في هذه الآونة.
وفيها في يوم السبت ثالث وعشرين من جمادى الآخر في آخر الوسمي أصيبت إيران بلاد العجم من فارس بأمطار غزيرة وفيضانات، فدمرت سبعمائة قرية من بلاد إيران، وهذا شيء نادر الحصول، نسأل الله اللطف بالمسلمين الموحدين.
وفيها قامت فرقة حماس الفلسطينية تهاجم إسرائيل فتدخل الرئيس ياسر عرفات لوقف الفلسطينيين على أن يعتذر لإسرائيل حسب الاتفاقية، فوقع على الفلسطينيين أن قتل أحد عشر وجرح ما يزيد عن خمسين، وقد أحتج أعداء ياسر عرفات أن هذا من عثراته.
توافق في ٢٦ جمادى الآخرة وافق ٢٩ نوفمبر وهو اليوم العالمي الذي وقع فيه
стр. 2769
تقسيم فلسطين، وهذا الذين يبعث الأحزان لأجل احتلال فلسطين فينا، فيتخذه أهالي فلسطين، فإنما لهم ذكرى حزن في هذا اليوم الذي طردوا فيه عن بلادهم، ولقد احتج العالم العربي والإسلامي، وجاهدوا ودافعوا عن فلسطين، ولكنهم لم يحصلوا على طائل، وإن دولة تساندها أمريكا تجدها قوية، كما أن بريطانية وفرنسا تمدها وتناصرها، لذلك لا يستطيعون، ولكن الحق فوق القوة، ومجلس الأمن ينبغي أن يسير بالعدالة والأمن.
وفيها في أوائل الأربعانية اشتدت وطأة البرد جيدًا وتجمدت المياه حتى أن ومواسير المياه في حفر الباطن توقفت عن الدفع في أول النهار.
في ١٢ رجب خرج رفقة إلى الموضع الكائن قريب من "قبه"، ولما أن كان أحدهم قد ذهب لطلب الحطب ضل الطريق في مجيئه، ووقفت السيارة لعدم وجود الوقود، فانتظره أصحابه إلى نصف الليل، فلم يرجع فبحثوا عنه إلى آخر الليل، ولما أن لم يجدوه ذهبوا بسياراتهم للبحث عنه، وطفقوا يبحثون عنه في المساجد والمجمعات والمستنقعان، فلما لم يهتدوا إليه طلبوا طائرة عمودية لتكشف البر وتشرف على سهوله، وفلم يجدوه، ثم إن بعد أيام تبين أنه وصل إلى بيت أعراب على مسافة خمسين كيلو متر من موضعهم، وقد طلب بنزين فلم يسعفوه، غير أنهم سمحوا له أن يجلس لديهم بشرط أن يكتفي بالماء والتمر فلا يوجد لديهم غيره، فقدر أن مرت سيارة على بعد فأشار إليها وأوقفها، وطلب الركوب معهم، فذكر لهم أنه يريد أم الجماجم، فاستأجر منهم ركوبًا إليها، وبعد وصوله كلم أصحابه في مدينة بريدة بالهاتف، فاستبشروا وذهبوا إليه، ففرح أهله وجيرانه واستبشروا بعد اليأس.
وفيها في يوم الاثنين ٨ شعبان وفاة الشيخ عبد الله خياط إمام وخطيب المسجد الحرام غفر الله له وأسكنه فسيح جنانه.
وفيها في صباح يوم الثلاثاء المبكر الموافق ١٦/ ٨ أصيبت مدينة كوني اليابانية بزلزال شديد بلغ سبع درجات، فارتجت المدينة وما يليها من البحر، فهلك بسبب
стр. 2770
ذلك سبعة آلاف قتيل وجُرِحَ وخمسون ألف وفروا عن المساكن مائة ثلاثين تهدمت من مساكنهم، ويعد هذا من أعظم ما جرى على اليابان في السبعين السنة الأخيرة، وقد بعثت الحكومات إليها المساعدات المادية والفرش، كما أن السعودية بعثت إليها خمسة ملايين دولار.
كما أصيبت تركيا بهزة.
وفيها في يوم الاثنين ٢٨ رمضان وفاة الشيخ ابن عبد الله صالح بن أحمد الخريصي ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته:
هو الشيخ صالح بن أحمد الخريصي قاضي بريدة ونواحيها، أصيب بمرض السكر فأقعده، وسبب له التقاعد، ثم قدّر أن يسقط في الحمام مما أثر عليه بالفالج وورم في إحدى ساقيه، فلبث في هذا المرض حتى توفى عن عمر يناهز السادسة والثمانين، لأن ولادته كانت عام ١٣٢٨ هـ، فشب ونشأ ودرس في إحدى مدارس بريدة، وبعدما حفظ القرآن ودرس مبادئ الحساب، وأخذ الدراسة على الشيخ عمر بن محمد بن سليم، والشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي رحمهما الله، ثم إنه أخذ عن الشيخ سليمان بن عبد الله المشعلي العالم المشهور، وجد ونافس، ثم إنه كان في رئاسة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولديه عبادة لذلك، كان شديدًا في لزوم العادات، ولا يميل إلى المستحدثات الأخيرة، حتى أنه كان لا يستعين بمكبر الصوت، وقد كان في إمامة مسجدهم الكائن في شمالي بريدة، وما زال في الإمامة حتى أدركته الشيخوخة، وأقعده المرض عن الإمامة فكان إمامًا وخطيبًا في ذلك المسجد، وترمقه العيون بالتعظيم، ثم إنه عين قاضيًا بالخرج في سنة ١٣٧٢ هـ، ثم نقل إلى قضاء الأسياح وبعد ثلاث سنوات نقل إلى قضاء المستجلة في بريدة، فكان مساعدًا للشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، ثم إنه جعل رئيسًا لمحاكم القصيم عام ١٣٧٧ هـ، واستمر في هذه الوظيفة بعدما تخلى عنها الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، ولبث رئيسها حتى أحيل إلى المعاش عام ١٤٠٧ هـ، وكان إضافةً إلى المحكمة مدرسًا في مسجد بالعلوم الدينية، وقد لبث في الخدمة أربعين عامًا، وبعدما
стр. 2771
تقدم في العمر استمر في التدريس، وكان له خط ضعيف، وكان في كل أعماله موضع التقدير من قومه، وله رسائل ونصائح قليلة، وملازمًا لمذهب الإمام أحمد، وكان من الذين لا يؤيدون مخترعات الوقت بل ثابتًا على مبادئه، حتى أنه لا يرى تعليم الفتاة العلوم المدرسية، وجد وجاهد في إزالة تعليم الفتاة، ولم يحصل على مقصوده، وقد نال حظًا من القيادة والتلاوة والحج والعمرة، ولديه ورع وعبادة وخشوع، وكان مرجعًا في زمنه لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب استطاعته، وله تلامذة يقدرونه ويقفون عند توجيهاته، ولما أن توفى يوم ٢٨ رمضان ١٤١٥ هـ حزن عليه المسلمون، وصلي عليه في مصلى العيد ببريدة، وصلى عليه ابنه سليمان، وقد رُثيَّ بمراثي حسان، كما أنه كريم في بذله للمحتاج، ويقدره الملوك والرؤساء، وما زال كذلك حتى وافاه أجله المحتوم.
وفي هذه السنة هطلت أمطار غزيرة على القصيم، ولما أن كان في عاشر شوال هطلت أمطار على مدينة بريدة مما أدى إلى غرق بعض المستشفيات ولا سيما التخصصي الواقع شمالًا من المدينة، فقد غرق ودخل الماء على المرضى وخرب الأوراق والمعاملات، واستوت الشوارع والأرصفة بعد ما علاها الماء، وكانت الدنيا كالبحر، ولهطول الأمطار في الرسمي توفر وجود الأقط والكمأة بأنواعها، وعم الكلأ والعشب نواحي الأرض، ولا يزال الخلائق في النعيم والرفاهية لآثار وجود الربيع، ولكن الأغنام وأنواع اللحوم في أثمان باهظة، وقد قلت الزراعة وضعفت في هذه السنة لعدم العناية بها.
ولما أن كان في يوم الاثنين ١٩ شوال الموافق ٢٩ الحوت هطلت أمطار على مدينة بريدة ثلاث عشرة ساعة، وكادت أن تتعطل السير لمدية أيام، وقد نزلت المياه في أسفل المستشفى التخصصي مما أدى إلى عمل لشفط الماء بالوايتات، وفي كلها بين الجانبين توقف السير في مدينة بريدة، وقد هطلت في هذه الأيام الأمطار على مدينة الرياض، وما حولها بعد قحط فيها وجدب، كما أنها سقطت بيوت في بعض النواحي لكثرة المياه، وهلكت أمة غرقًا في بعض المستشفيات خاصةً في الطابق
стр. 2772
السفلي، وقد ذكروا توفر العشب والكلأ الكثير في بعض الأماكن في حفر الباطن وهجرة، والزلفي، وعلى كل حال فإن الربيع فيه أمطار، وفي الحديث ليس القحط إن لا تمطر، إنما القحط إن أمطرت ولا تنبت الأرض، ومع ذلك فإن مواشي وادي الدواسر الذي امتلأ، وقد أقبلت بلاد قطر مدينة آل ثاني لطلب الرعي في منطقة القصم حيث الكلأ.
حريق في منى
وكان شديد جدًا، وقد وقع في ١٤١٥ هـ لما كان في يوم سابع ذي الحجة في وقت طلوع الفجر شب حريق في منى، وقد كان الحجاج منشغلين يدعون الله ويستغفرونه ويتهيؤون للحج، وقد امتلأت منى بالخيام والزحام وكلٍ قد انشغل بنفسه فلم يشعروا إلا وقد أصيبوا بقارعة من أيادي أعداء الإسلام والملَّة، وقد اضطرمت النيران في الخيام وزاد الطين بلة أن هبت رياح شرقية جنوبية مؤذية فازدادت الأمور تعقيدًا، وغطى الدخان الأسود نور الشمس، وأسفرت النيران وأحرقت على جميع الخيام التي مرت عليها حتى جاءت فرق الإطفاء والدفاع المدين، ولكن زالت الشمس، وقد قامت الحكومة بنصب خيام بدلها، ولم يهلك سوى رجلين، واختنق ٦٩، وجرح ١٩، ويمكن أن تكون هذه الحريق من يد عاملة ضمن منى.
ثم جاءت سنة ١٤١٦ هـ
وفيها في أحد أيام ربيع الأول فرَّ عن العراق ابنتا صدام حسين والتجأتا إلى عمّان تحت ولاية الملك حسين بن طلال، ومعهما أحد زوجيهما، وكان هذا على ثقة من صدام، ولكنهم كغيرهم كرهوا أعماله، وبعث نجله عدي يحتج على الملك حسين، وطلب منه رجوعهم إلى العراق فمانع الملك حسين وتظاهر بأن البنتين كلاجئ سياسي كما يقره القانون، فتأزمت الأمور بين العراق والأردن، وكان ملك الأردن رأى أن القانون الدولي يمنع طردهم، وقام الرئيس صدام يرغي ويزبد،
стр. 2773
وجند الجنود وجيّش الجيوش لحرب عمّان، وقرر ضربه بالقنابل، وذلك كان بعدما رجع الابن عدي صفر اليدين، ومن العجائب سرعة تقلبات صدام كأنه ريشة في مهب الريح، فبينما هو يستحوذ على الملك حسين ويمنيه ويعده باسترجاع الحجاز، ويمده بالسلاح والذخيرة لحرب السعودية اذا به يتقلب عليه ويجر المدافع، ويرسل الطائرات لحربه، فلما أن علمت أمريكا بما يضمره وما يريده ضد الأردن أعلنت بأنها ستضرب العراق وتنكل به، وهكذا كان أمر هذا الطاغية المجنون، وقد ظهرت إشاعات عنه بأنه يريد اللجوء إلى إحدى الدول لأنه خاف على نفسه وأصبح غير آمن في العراق، ويخاف اغتياله، بعد المحاولات العديدة، غير أنه يفوز بالنجاة من تلك المكائد التي رصدت له، وسبب على العراق الجوع والأمراض والفقر بسوء سياسته وقبح تصرفاته.
حادثة من الحوادث
لما أن كان في يوم الثلاثاء الموافق ٢٩ محرم ١٤١٦ هـ الموافق ٢٧ يونيو ١٩٩٥ م ثار الأمير ولي العهد القطري رئيس الوزراء وقائد القوات في قطر على والده وهو في جنيف ليقضي أيام الصيف هناك، وهو حمد بن خليفة بن حمد آل ثاني، فخلع والده خليفة بن حمد وساعده بعض الشعب وخلعوه وولوا الأمير حمد فأصبح الابن حاكمًا في قطر، وذهب الأمير المخلوع إلى فرنسا يتوعد ويتهدد، وأنه سيقوم على ابنه وأتباعه ويمشي على جنائزهم، ولكنه لم يحصل على شيء، ثم إنه قام الأمير الجديد ينظم الأمور، وأقام الجيش والقوات يحافظون على الحدود خشيةً من القوات التي تؤيد والده، ولكنه لم ينتطح لذلك عنزان وكيل للأمير السابق بمكياله الذي اكتال به لخلع ابن أخيه أحمد بن علي بن عبد الله بن ثاني، وهو غافل بمصيفه في لبنان، ثم إن الأمير الجديد بعث إلى رؤساء العرب وملوكهم ينبئهم بما حصل، وبما أن هذه تعتبر ثورة داخلية فإنه لم يتدخل أحد فيها، وأوفد إلى السعودية يخبرها بما جرى فاعترفوا به أميرًا في دولة قطر، ثم إنه بعث إلى والده يرحب به ضيفًا في
стр. 2774
قطر بحيث أن يكون كأفراد الشعب، وبهذا تعرف قدر الدنيا كما قال أبو الطيب المتنبي:
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... متعنا بها من جيئةٍ وذهاب
تملكها الباقي تملك سالب ... وفارقها الماضي فراق تسليب
حشدت الحكومة المصرية قواتها على الحدود مع السودان، وذلك بدعوى أن الذين أرادوا اغتيال حسني مبارك من السودان قبل ذلك بأيام، ولكن السودان ضعيفة بالنسبة إلى مصر بحيث أن مصر تقاوم بالمدافع والرشاشات والطائرات، وأولئك ليس لديهم سوى العصي وأسياخ الحديد، ولكن السودان توعدوا بقطع النيل عن مصر، لأنه يأتي إلى مصر من قبلهم، فتجلت تلك المشكلة من لا شيء، وسكنت التحركات.
وفيها في شهر ربيع الثاني قامت أمريكا لما أن عيل صبرها من الصرب الذي أذوا المسلمين في البوسنة والهرسك، وذبحوهم ذبح النعاج، حتى كان أحد قواد الصرب يتظاهر بأنه لم يصب بجرح واحد في قتاله للمسلمين هناك، إلا أن الشفرة التي بيده خطرة على فخده التي كان يضجع المسلمين وأولادهم عليها للذبح، وكانت أمريكا والأمم المتحدة قد أنذرت الصرب وحذرتها من تلك الأعمال الوحشية، وشريعة الغاب، فلما لم تنته الصرب ولم تخضع لأمريكا، ساقت القوات وأمرت شمال الأطلسي بضرب الصرب، وشتت قواتها وأعطتها درسًا، ولتظهر قوتها أمام العالم، فقامت راجمات الصواريخ والطائرات المدمرة تضرب قوات الصرب وتشتت جمعها حتى لم يبقَ أمامها مقاومة يومئذٍ، وتفرقوا شذر مذر، وناهيك بأمريكا وما لديها من البأس والحرب والضرب، وأقبلت التبرعات والإمدادات للبوسنة والهرسك.
في هذه السنة وما تليها ازدادت رغبة الأمة في الدراسة، وأقبل الشباب أبناء وبنات على الدراسة والتعلم إقبالًا لم يعهد قبله في قديم الدهر وحديثه، وأصبحت المدارس كاظة ومزدحمة على طلب العلم، ووقع ما أخبر به صاحب الرسول ﷺ عبد الله بن مسعود ﵁ من قوله: كيف أنتم إذا لبستكم فتنةً يربو فيها
стр. 2775
الصغير ويهرم فيها الكبير، وتؤخذ سنةٌ يجري الناس عليها، فإذا غير منها شيء قيل تركت سنة، قيل متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثر قراؤكم وقل فهمكم، وكثرت أموالكم، وقل أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين، رواه الدارمي، ولولا ما وضعت الحكومة من جعل إعداد للقبول لكان الأمر فوق ما يتوقع، وقد يتجاوز العدد إلى رغبة غير معقولة فقد حدثني أحد المسؤولين بأنه يرد على كل جهة من المعاهد والثانويات، والمتوسطات وسائر المدارس، كل سنة ما يتجاوز الألوف من الفتيان والفتيات، ولا سيما مدارس البنات، فقد أوسعت الحكومة المجال لقبولها، وأخذت عدة بيوت تضمها لأن تكون مدارس، وذلك عن طريق الإجار بقيمة باهظة، وكان التعليم مجانًا، ومن تخرج من الفتيان والفتيات فإنه يجعل بالوظائف المختلفة، وكانت الحكومة تبذل مكافئات لبعض الطلاب والطالبات، وفي بداية الأمر تجلب الحكومة من خارج المملكة معلمين ومعلمات، وفي هذه الآونة استغنت الحكومة بما لديها من المتخرجين، وقد أثبتت اللغة الإنكليزية في المناهج، ومن الفتيات من تفوق بنشاطها على الفتيان، نسأل الله تعالى أن يجعل العاقبة إلى خير، ومما قال الشاعر المصري أحمد شوقي في وجوب احترام المعلم، ومعرفة قدره، لأن المعلم يغذي الجيل ويركز الآداب والأخلاق:
قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف وأجل من الذي ... يبني وينشئ أنفسًا وعقولا
سبحانك اللهم خير معلمٍ ... علمت بالقلم القرون الأولى
أخرجت هذا العقل من ظلماته ... وهديته النور المبين سبيلا
وطبعته بيد المعلم تارةً ... صدئ الحديد وتارةً مصقولا
أرسلت بالتوراة موسى مرشدًا ... وابن البتول فعلم الإنجيلا
وفجرت ينبوع البيان محمدًا ... فسقى الحديث وناول التنزيلا
إلى أن قال:
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم ... فأقم عليهم مأتمًا وعويلا
стр. 2776
وإذا النساء نشأن في أميةٍ ... وضع الرجال جهالةً وحمولا
ليس اليتيم من انتهى أبواه من ... هم الحياة وخلفاه ذليلًا
فأصاب بالدنيا الحكمة فيها ... وبحسن تربية الزمان بذيلا
إن اليتيم هو الذي تلقى له ... أمًّا تخلت أو أبًا مشغولا
إن الشاعر المصري أحمد شوقي قد أخذ بعض كلامه من قول الشاعر الحكيم:
ليس اليتيم الذي قد مات والده ... إن اليتيم يتيم العلم والأدب
وقد روي أن القاضي أبا يوسف ﵀ كان يغتزل الشعر مع أمه ففقدته أمه فإذا هو يذهب إلى أبي حنيفة النعمان بن ثابت لأخذ العلم عنه، فأتت والدته إلى النعمان تطلب منه أن يتخلى الابن عن طلب العلم ويشاركها في طلب المعيشة بالغزل فقال لها الإمام: دعي ابنك وشأنه فإنه سيأكل الفالوذج بصحن الغيروزج مع الخليفة، فلم تذهب الأيام والليالي حتى كان مرةً إلى جانب هارون الرشيد يأكل من مائدته ويقدم له هارون الفالوذج بصحن الغيروزج فتبسم أبو يوسف والخليفة ينظر ثم قال: أخبرني ما الذي يضحكك يا أبا يوسف؟ فقال: حتى نفرغ من الأكل فلما غسل يديه أخبره بمقالة أبي حنيفة ﵀، فترحم الخليفة على الإمام أبي حنيفة وقال: هو العلم يرفع الله به درجات.
رجعنا إلى ما نحن فيه بصدده، ففي هذه السنة قام الملك فهد بن عبد العزيز يغير جملة من الوزراء، وأبدلهم بآخرين، وإقالة وزير المعارف عبد العزيز بن عبد الله بن خويطر، وإقالة وزير التعليم العالي عبد الله بن عبد المحسن بن تركي، وجعل مكانه غيره، ونقل الأول إلى وظيفته، وإقالة مدير الجمارك وأبدل بسواه، وإقالة عبد الملك بن عبد الله بن دهيش رئيس مدارس البنات العام، وإقالة وزير الإعلام علي الشويعر، وابدل بسواه، وإقالة وزير الحج والأوقاف عبد الوهاب عبد الواسع، وإقالة وزير المالية أبا الخيل، كما أن هناك وزراء أبدلوا بغيرهم، أما وزير الدفاع وإمارة الرياض وسائر الأمراء فلا يزالون في مناصبهم.
стр. 2777
خطوط دائرية
لما أن كانت حركة السيارات لا تزال في ازدياد وكثرت حوادث السيارات بسبب الزحمة واختلاطها بالمارة من الرجال والنساء والأطفال، فإن الحكومة أيدها الله رأت أن تجعل خطوط دائرية تحف منتهى كل مدينة لتخفيف هذه الخطوط من الزحمة في المدن، وكان لهذه الخطوط أكبر الفضل على الحركة والمشاة، وما زالت المصنوعات الحديثة تتطور حتى أنشأت الحكومة الفرنسية طائرات تسمى سابقات الصوت، فكانت هذه الطائرة بصوتها العالي الرفيع إذا مرت فإن البصير لا يكاد يدركها لسرعتها مع ضخامتها، وكانت تقطع مسافة ثلاثة مراحل للإبل في دقيقة واحدة، ولقوة صوتها فإنها تكاد أن تحطم النوافذ والأبواب إذا مرت من حواليها، وتغلق المسامع بأصواتها التي تغلب على الرعد الصواعق فسبحان الله العظيم.
وفيها يوم الثلاثاء في ٢/ ٥/ ١٤١٦ هـ وفاة الشيخ سليمان العبيد، وهذه ترجمته:
هو الشيخ العالم رئيس شؤون الحرمين الشريفين ذو الأخلاق الكريمة، والأفعال المستقيمة، سليمان بن عبيد بن سلمي، كان دمث الأخلاق، حسن السيرة، أديبًا كريمًا متواضعًا، ولد عام ١٣٣١ هـ في قرية البدائع في منطقة القصيم بلد أبيه، ولما بلغ من العمر سِن التمييز بعثه والده إلى مدرسة أهلية في البدائع، فتعلم القرآن الكريم، ومبادئ الخط والحساب، وكانت المدارس إذ ذاك أهلية، فنشأ نشأةً حسنة، ورباه والده تربية طيبة في ملازمة الصلوات الخمس واجتناب الرذيلة، وطلب الفضيلة كسائر أبنائه، ولما رأى والده ميله إلى طلب العلم، وعلو همته بحيث لم يكن في إخوانه علماء مثله بعث به إلى ملازمة الشيخ عمر بن محمد بن سليم في مدينة بريدة، وملازمة الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، فأخذ عنهما وأسكنه في حجرة مسجد ناصر بن سيف الذي يتولى إمامته الشيخ عمر بن محمد، وأوصى به صديقنا حسن السيرة ألا وهو صهرنا ونسيبنا زوج الأخت عبد الله بن علي الحمادا، كان
стр. 2778
رجلًا ويمتاز بحسن السلوك ولين العريكة، وتهذيب الأخلاق، فكان الشيخ يتردد إلى بيته لتناول الطعام، والشراب بحيث لم يتزوج ولم يكن لديه من يخدمه، واشترى له كتبًا ثمينة وجميع ما يتطلبه الوضع، وفرغّه والده لطلب العلم، وكان له زملاء في المسجد المذكور في حجر المسجد، وما زال يتقدم، ثم إنه سافر إلى مدينة الرياض لطلب العلم من الشيخ الفاضل محمد بن إبراهيم آل الشيخ بعد أن كان من زملاء الشيخ علي السليمان الصالح، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العيدان، والشيخ سليمان بن محمد بن جربوع في بريدة، وكان زملائه في الرياض الشيخ عبد الله بن يوسف بن وائل، والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، والشيخ عبد العزيز بن باز في أناس آخرين، واختارت الحكومة هؤلاء الأربعة لما كانت تتفرس فيهم العلم والمعرفة، ولما أخذ حظه من العلم في الرياض، بعثت ثلاثة منهم لتولي وظائف الحكومة في القضاء، وبما أن المترجم لم يرضَ هذه الوظائف القضائية ألزمته الحكومة إلزامًا، فقام بوظائف القضاء، وكان عند حسن الظن بحيث لم يشاغب ولم ينازع، بل كان دمث الأخلاق، حسن المعاملة، محببًا إلى الناس.
وظائفه التي نالها
أولا جعلته الحكومة في قضاء بلدة الزلفي، فقام بالعمل خير قيام، ولما رأته الحكومة أكبر من هذه الوظيفة نقلته إلى قضاء المجمعة، ولما أن كان من خيرة بني زمانه لم يرفع عند أخطاء، ولم يشاغب، جعلته الحكومة رئيسًا لمحاكم المنطقة الشرقية، ثم نقل رئيسًا لمحاكم الرياض، ثم مساعدًا لمدير عام التعليم بالمملكة، ثم رئيسًا لمحاكم عنيزة، وأخذ من السياسة ما الآن شكائمهم، ولما أن احتاجت محاكم مكة المكرمة رئيسًا لمحاكمها بعد فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن دهيش، نقلته الحكومة لأن يكون رئيسًا لمحاكم الحجاز، وناهيك به من حبر، سار بها وخطابها خطا بحسن سيرة وحكمة، ولبث في الرئاسة زمنًا قويًا من غير عنف، ولينًا من غير ضعف،
стр. 2779
أوامره منفذة، وسيرته حميدة، وكان في الوكالة معه الشيخ عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، ثم إنها شغرت وظيفة رئيس الإشراف على الحرمين الشريفين بعدما رفع الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد إلى أن يكون رئيس المجلس الأعلى للقضاء في العاصمة الرياض بعهد إمام المسلمين خالد بن عبد العزيز الملك العادل، ذلك لأنه راجح العقل، وينزل الأمور منازلها، كما جعل الإمام الملك خالد وزير للعدل إبراهيم بن محمد بن ابراهيم آل الشيخ، فصدرت الأوامر بنقل الشيخ بن حميد إلى تلك الوظيفة، ولم تجد الحكومة لرئاسة الحرمين غير الشيخ سليمان بن عبيد، وذلك لما كان يختصه الملك فيصل بن عبد العزيز للمشاورة والاستئناس، لأنه حظي في القرب من الملك فيصل لما رأى حسن سلوكه وقلة مشاغبته، ورضا الجميع عنه، فلبث المترجم في الرئاسة للإشراف على الحرمين، حتى أقعده الكبر، وطلب من الملك فهد بن عبد العزيز الإحالة على المعاش والتقاعد، فعطف عليه وأكرم مثواه بالإجابة إلى طلبه، وكان المساعد للشيخ سليمان فضيلة الشيخ محمد بن عبد الله بن سبيل، وهو الذي تولى رئاسة الإشراف على الحرمين، ثم إنه لما استراح من الأعمال أصبح يصيبه الدوار، وقد تصيبه بعض الأحيان قلة الذاكرة، ثم إنه توفى في هذه السنة عن عمر يناهز الرابعة والثمانين وأربعة أشهر، نسأل الله تعالى أن يعلي منازله في الجنات العلى، وفيها النعيم المقيم، وإنها لخسارة عظيمة أن يصاب الإسلام بمثله، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وبما أنه صديق لنا وزميل في الدراسة على مشايخنا، فإني أحببت أن أرثيه بهذه المرثية، وهي غيضٌ من فيض:
سلامٌ من الرحمن للحبر ذي النهى ... فما هو عن أسبابها متخلف
عليه سلام الله أزكى تحيةٍ ... وروحٌ وريحان يبدو ويعطف
وإني وإن كنت الذي لا يهمني ... فراق بني الدنيا إذا هم تخلفوا
ولكنني والله ما زلت باكيا ... وأندب أخلاقًا لها الموت يخطف
فهذا صديقٌ مخلصٌ بوفائه ... وهذا قريبٌ بالفجيعة يؤسف
стр. 2780
سليمان قد كنت الرزية في الملا ... وفارقت أحبابًا وألفا مؤلف
رمانا بك الدهر الدؤوب بفرقةٍ ... يكاد لها القلب الرصين لينسف
إذا أنت قد وليت عنا مفارقا ... سلامٌ على الدنيا إذا كنت تصدف
لقد كان مأمون السريرة فاضلًا ... وركنًا عظيمًا في الفضائل يعرف
ويحسن آدابًا وليس بطائشٍ ... على شرعة الهادي يسير وينصف
قد اختاره الرحمن للحجر والصفا ... وللحجر الميمون يسعى ويهتف
إلى الله نشكوا من فراق أحبةٍ ... فهذا مضى ختمًا وآخر يردف
إذا كنت مفجوعًا بفقد أحبةٍ ... وإبقاء قومٍ ليس في الخير تعرف
فهذا زمانٌ قلَّ فيه خياره ... وأنذر في المنقول من كان ينصف
فمن لي بإخلافٍ على الجهل قد نشوا ... شعارهم حب الرئاسة إن وفوا
فيا دهرنا قد كنت بالسوء موقظًا ... ففي كل يومٍ فالعلى يتقصف
أولوا العلم صاروا للمصائب عرضةً ... فهذا مضى والكل منا مخوف
نريد خلودًا في الحياة جهالةً ... وهذا غراب البين بالبئر يهتف
فمن مثل أركان الهدى قد تفرقوا ... ودارت رحى هلاكهم وتخلفوا
فسبحان ربي من عظيم مدبرٍ ... يدير أمورًا فعله لا يكيف
تباركت يا من قد فطرت خليقةً ... على وفق ما قد شئت لا يتخلفوا
فليس سوى التسليم لله وحده ... رضينا به ربًا جليلًا يصرّف
فصبرًا بني الإسلام صبرًا على القضا ... عسى الله بالجبران يرفو ويكشف
وصل آلهي عد ما أنت خالقٌ ... وما ناحت الورقاء على الغصن تهتف
وما سار للبيت العتيق ملبيا ... حجيجٌ وطافوا ثم صلوا وعرفوا
على أحمد رب المكارم والتقى ... وآلٍ وأصحابٍ إلى الله يعكف
فهذا شيءٌ من مناقبه وفضائله، ومن فضائله أنه دعاني مرةً على أثر رؤيته تلك الليلة على مائدة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد في وادي عكاظ، فطلب مني صباحًا أن أنزل معه إلى مكة المكرمة، وأطوف بالبيت الشريف ثم بدا لي الخروج
стр. 2781
إلى الطائف لمأدبة الغداء، مررت عليه في المحكمة، ولما أن مررت على المحكمة وجدت المدير العام يخاصم أحد الأشراف بدعوى أن الشريف عون الرفيق قد منح هذا الشريف قطعة أرض بعرفات ليجعل فيها قهوة ومطبخًا، فأنكر الشيخ هذا التصرف وأبطل المنحة بحجة أن مشاعر الحج لا يجوز فتحها لأحد، لأنه لو فتح هذا الباب لفسد المجتمع، ولضاقت عرفة بالحجاج، وما أحسن هذا الحكم لعودته بالمصلحة، وكان قد أخذ رأيي بحضور الخصم، فشكرته على ذلك ودعوت له الله أن يجعلها في موازين حسناته، نعم إنه لا يجوز منح أي شيء من المشاعر لأحد كائنًا من كان ولو أنصف الناس لاستراح القاضي.
إلقاء قنبلة
ثم نعود إلى التاريخ فنقول إلقاء قنبلة في جامع قرية قويا من عسير، لما كان في يوم الجمعة الموافق ٢٦ جمادى الأولى قام مواطن من أهل القرية المذكورة فألقى قنبلتين من صنع روسيا على المصلين، فسبب أضرارًا جسيمة بحيث قتلت ستة مصلين وجرحت ما لا يقل عن تسعين رجلًا، وطارت الفرش والدواليب والمصاحف والأردية من فوق الروس متمزقة بحالة مخيفة، وخربت ودمرت، وكان الباعث لهذا الشقي هو أنه طلب منحة أرض، فلما لم يوافق الأهالي واعترضوا فعل ذلك الانتقام، ولما أن فعل تلك الفعلة الشنيعة فرَّ على سيارته، غير أنه اهتدى صبي لمعرفته فأخبرهم، وكاد أن يدهس الصبي، ودخل الجاني بيته وغلَّق الأبواب، فقامت القوات الحكومية فأحاطت بالبيت، وفتشوا على جميع أهالي قرية القوباء، وكان مع الجاني رفيق له، وكان الجاني شريرًا وذا عائلة، وقد نصحته إحدى زوجتيه قبل ذلك، ولكنه لم يقبل لما يريده الله به من النقص على نفسه وعلى المسلمين الأبرياء، ويقدر عمره إذ ذاك بخمسين سنة، واسمه عبد الله محمد سعد العمري، يلقب بابن معمر، كما أن زوجته ناشدته لما فعل فعلته الشنعاء وجريمته النكراء أن يسلم نفسه للعدالة، ولكنه اختفى بغار في جبل، فلما كان يذهب يمنةً
стр. 2782
ويسرةً ويختفي لم يغنه ذلك عن الله شيئًا، ولما أن أحاطت به القوات كان معه قنبلة أخرى ففجرها بنفسه قبل القبض عليه، فطارت بعض أضلاعه، وتمزق لحمه والعياذ بالله.
وفيها في يوم السبت الموافق حادي عشر جمادى الثانية اغتيل رئيس وزراء دولة اليهود في فلسطين إسحاق رابين، قتله يهودي متطرف غضبًا وانتقامًا منه لأنه عقد الصلح مع العرب، فأحدث ذلك جزعًا لدى اليهود ولدى بعض رؤساء العرب وملوكها لأنهم وصفوه بكمال العقل والمعرفة، ويحب مسالمة العرب، وأقيم لقتله في اليهود حدادًا عليه ورنة أسف، ومن أعظم ملوك العرب الذين جزعوا لقتله حسين بن طلال ملك الأردن.
وفيها في اليوم الاثنين الموافق ٢٠ جمادى الثانية في الساعة الحادية عشرة زوالي قبل الظهر فجرت عبوة ناسفة في مدينة الرياض عاصمة المملكة السعودية في حارة العليا حوالي بقالات، فأحدثت أضرارًا شديدة وقتلت عدة أشخاص، وجرحت آخرين، فحصل بذلك رنة أسف في الداخل والخارج، وجاءت برقيات الاستنكار لهذا الحادث المؤسف من المغرب والإمارات وعمان ولبنان ومصر والبحرين واليمن وغيرها، وقامت الحكومة السعودية بالبحث والتدقيق، وانبعثت قوات الأمن ورجال الأمن بالتفتيش للتوصل إلى من حدثته نفسه بالكيد والأذى إلى هذه الدرجة الرذيلة.
وفيها في شهر جمادى الآخرة حصل في مدينة أبها من أعمال عسير في جنوبي المملكة السعودية حريق لا يعلم ما سببه في هجعة الليل، فأصيب بعض الطلاب الكائنين في سكن إحدى المدارس وهم نائمون فلم يستيقظوا إلا وهم فحم، نسأل الله السلامة، كما أن الفرش وما إلى ذلك احترقت، وما زالت الحكومة تبحث وتجري التحقيقات للتوصل إلى من كان السبب في هاتين الجريمتين، وقد أغلقت الشوارع في مدينة الرياض للقبض على من سبب ذلك، وقد كثر جلب المخدرات سرًا في كل أنحاء المملكة السعودية بالرغم من عقوبات القتل والتنكيل لكل من
стр. 2783
يجلبها، وغلَّظت العقوبات الصارمة على كل من يجلبها أو يتعاطاها، ولكن النفوس جبلت على الإقدام على ما نهيت عنه ابتلاء وامتحان، حتى قال أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله ذكر اللواط في القرآن الكريم وعقوبة فاعله لما سطت بعض النفوس الرذيلة على فعله.
وفيها في صباح اليوم ٢٦ من جمادى الآخرة فجرت السفارة المصرية في الباكستان في إسلام آباد، فتهدمت السفارة وسقطت مبانيها، وزعم الذين فجروها أنهم إنما يريدون الرئيس حسني مبارك وهم الذين أرادوا اغتياله سابقًا بأن دخلت سيارة تحمل تسعة من الأشقياء على السفارة ففجروها، فسقط عشرة من الموظفين هلكى، وجرح ستون نفر، فقامت الباكستان لذلك وقعدت وأرغت وأزبدت استنكارًا لذلك، وكيف تقع تلك الفوضى في أراضيها، وقد قبل أن الذين أقدموا على ذلك من المتطرفين بمصر الذين يعارضون حكومة الرئيس حسني مبارك، وإنه عما يبعث الأسى في القلوب والأحزان في الصدور وقوع مثل هذا العمل الإجرامي الذي لا يقدم عليه إلَّا من فقد إنسانيته وقل نصيبه من الدين، وإلا فما ذنب أولئك الذين ذهبوا ضحيةً لهذا الحادث الإجرامي المؤسف، يريدون التأثير على الرئيس بإصابة غيره، وقد مرَّ بنا ما وقع في مدينة الرياض منذ سبعة أيام من مرور هذا الحادث الذي وقع الاستنكار له، وانهالت مئات البرقيات من أنحاء المعمورة إلى الملك فهد بن عبد العزيز وأسرته في هذه الحادثة التي وقعت في العاصمة، ويشجبونها، وما زالت الحكومة بالبحث والتدقيق، ويمكن أن لا يعجزوا في القبض عليهم والتنكيل بهم، وقد كثرت هذه الأفعال الشنيعة من أعداء الإسلام وأهله، وقيام شرذمة مفسدة على وجه الأرض يؤذون المسلمين بأفعالهم وأقوالهم الرذيلة لأنهم فقدوا إنسانيتهم وأضاعوا دينهم، وسعوا في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين، نسأل الله تعالى أن يقطع دابرهم وما عمل عامل برذيلة سرًا إلا ألبسه الله إياها علانية،
стр. 2784
اللهم من أراد الإسلام وأهله بسوء فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره، ورده خائبًا من جملة الخائبين.
حادثة سماوية تهز الأرض
ففيها في تاسع وعشرين جمادى الثانية في الساعة السابعة صباحًا في ١٥ دقيقة، وقع زلزال في شمالي غرب المملكة السعودية وما يلي تلك الربوع من العقبة والأردن ومصر، فتأثرت خمس ممالك من ذلك الزلزال، فسقطت مراوح سقفية في تبوك، وأحسَّ بتلك الهزة من في المدينة المنورة، وأصيبت منازل في مصر والأردن وتل أبيب والعقبة، ولما أن وقع ذلك الحادث اتصل الملك فهد بن عبد العزيز اتصالًا هاتفيًا بأمير تبوك يستفهم عن الأوضاعِ في منطقة تبوك، وعن سلامة الأرواح، ولعل الله دافع عنهم فجاء الجواب من الأمير صاحب السمو فهد بن سلطان بن عبد العزيز بأن الأوضاع آمنة ومستقرة، ولله الحمد آثر تعرضها لهزة أرضية، وإن جميع الأجهزة الحكومية ذات العلاقة قامت بواجبها نحو هذا الحادث، وإن الحياة في تبوك والمدن المرتبطة بها تسير بشكل عادي، وقد طلب جلالته من الأمير نقل عزائه لأسرة طفل أصيب من جراء ذلك وأسرة باكستاني أصيب وهلك، وكان مركز الزلزال في جنوب حقل على مسافة ١١٠ كيلو متر وبنفس البعد والمسافة عن العقبة، ونجم عنه في حقل حالتا وفاة في محافظة حقل على خليج العقبة، ومركز البدع المجاور لها، وكان الزلزال قويًا، هز عدة دول في المنطقة قوته ٥,٨ درجات، وقد هز مصر والأردن والأراضي المحتلة، ونجم عنه وفيات ٦ أشخاص وإصابة عشرين بجروح، وكان أخف وقعًا في سوريا ولبنان، وانهار في مصر فندق مكون من أربعة طوابق، وقتل سائقًا مصريًا وشخصًا لبنانيًا، وتدمير منشئات، وأصيب أحد عشر شخصًا، وأصيب إسرائيلي عمره ستة وستون عامًا بأزمة قلبية من جراء ذلك، وفي الأردن أصيب رجل بأزمة قلبية وتهشمت النوافذ في العقبة، وفي القاهرة قفز رجل من شرفة مسكنه فسقط ميتًا، وأصيب طبيب عندما سقط عليه سقف
стр. 2785
غرفته، وتراوحت تقديرات الراصد المختلفة لقوة الزلزال بين ٥,٧ و ٧,٢ درجات على مقياس ريختر، وسقطت مئذنة في مصر وانهار مباني في القاهرة، وكانت العقبة التابعة للأردن قد تأثرت مبانيها من ذلك، كما أصيب في مصر أربعة أشخاص اثنان قفزا من شرفتي منزلهما واثنان هلكا في الفندق، وكان هذا في ظرف دقيقتين حال الزلزال، ولا ريب أن الله قدرته خوفت عباده من وقوع العذاب بهم، كما قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] , فبينما الخلائق يتمتعون على ظهر الأرض التي جعلها الله ذلولًا يعرفون كيف تتحول هذه الأرض إلى دابة غير ذلول في بعض الأجيال، عندما يأذن الله بأن تضطرب قليلًا فيرتج كل شيء فوق ظهرها أو يتحطم ويمور كل ما عليها ويضطرب فلا تمسكها قوة ولا قدرة ولا حيلة ذلك عند الزلزال والبراكين الكامنة، في هذه الذلول، وأمسك من أمامها فلا تثور إلا بقدر ولا تجمع إلا ثواني معدودة حينما يأذن الله لها فيتحطم فيها كل ما يشيده الإنسان على ظهرها، أو يغوص في جوفها عندما تفتح أحد أفواهها، وتخسف فإذا هي تمور والبشر لا يملكون جماحها، ولا الأخذ بزمامها بل لا يملكون من هذا الأمر شيئًا ولا يستطيعون ويشاهدون العواصف الجامحة الخاصية التي تدمر وتخرب وتحرق، وهم بإزاء ذلك ضعاف عاجزون بكل ما يعلمون وما يعملون، والعاصفة حينما تزأر وتضرب بالحصى الحاصب، وتأخذ في طريقها كل شيء مرت عليه في البر أو البحر والجو، فيقف الإنسان أمامها عاجزًا صغيرًا هزيلًا ضعيفًا حتى يأخذ الله بزمامها فتقف وتهدأ فسأل أمريكا، ومن في صفها من أهل الأهوال والاختراعات والتفكيرات التي غزوا بها الجو والبر والبحر، هل يستطيعون الوقوف أمام قدرة الله وعظمته أم هل يستطيعون أن يمسكوا بزمام الأرض إذا هي تزلزلت واضطربت وخسفت فلم يبقَ إلا التسليم والخضوع لعظمة صاحب العظمة، فسبحانه ما أعظم شأنه وأجلَّ قدرته، وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره، وكانت مدة الزلزال على ما رصده أهل العلم والمعرفة دقيقة واحدة وعدة ثواني، وقد وافق يوم الأربعاء من عدد أيام
стр. 2786
الشهر الذي أشرنا إليه، وقد قال أمير منطقة تبوك أن الحالة بعد الظهر كانت طبيعية، هذا وقد وصلت آثار الزلزال إلى المدينة المنورة وجنوبًا إلى ينبع، فقد شعر به بعض المواطنين هناك عند الساعة الرابعة والربع، واهتزت بعض العمائر والمباني السكنية اهتزازًا خفيفًا خاصةً في شرق وجنوب المدينة وضبا والعوالي، وفي بعض مدارس البنات تم إخلاء الصفوف الدراسية ولم يسمح للطالبات بدخول الفصول إلا بعد الحصة الرابعة في الساعة العاشرة، ولم تحدث أية أضرار مادية أو خسائر بشرية، في البدع وحقل وتبوك، وسقط منازل طينية، وتصدع بعض المباني المدرسية لبنات والأولاد، وسقط بعض واجهات المحلات التجارية والأسواق القديمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وكان في مدينة تبوك قد تم إجلاء الطلاب والطالبات عن مدارسهم خشية سقوطها عليهم، وتم نقل إصابات خفيفة إلى المستشفيات كما توجه بعض المواطنين للمستشفيات والمراكز الصحية للاطمئنان على صحة أولادهم وذويهم.
وفاة رجل من الرجال
ففيها توفى الأمير محمد بن سعود الكبير، ويسمى شقران، كان يوصف بالكرم والرجولة، وفيه مكارم أخلاق، وله شهامة وعزة نفس، وبعد من رجال آل سعود الأكرمين لما له من الأفعال الكريمة والمسابقة إلى الخيرات، وقد رثاه ابنه عبد العزيز بن سعود بن محمد بمرثية نبطية نشرت بالقلم العريض في جريدة الجزيرة، وباح بماله من الشجاعة وعتق الرقاب وعطفه على المساكين كما أثنى عليه بالعقل ولحلم والكرم كما رثاه أيضًا خالد بن سعود الكبير بمرثية شعر نبطية نشرتها أيضًا الجزيرة في نشراتها ولولا أنهما ليستا من شرطنا في نشر شعر النبط لأتينا بها وإنا لله وإنا إليه لراجعون، ونترحم لكل من قام به داعي الإيمان والإحسان والعطف على الفقراء والمساكين، ونسأل الله أن يكثر من أمثالهم وإن رجلا كشقران لجدير بالثناء والذكر الحسن.
وممن توفى فيها من الأعيان وذلك في يوم الأربعاء ٢٩/ ٦ الأميرة منيرة بنت
стр. 2787
فيصل بن هذلول بن ناصر آل سعود خالة كل من الأمراء فيصل وسعود وفهد أبناء الأمير عبد الله بن ثنيان بن محمد آل سعود، وفهد وسعد أبناء الأمير عبد الله بن فيصل بن فرحان أمير منطقة القصيم سابقًا، وتركي وفيصل أبناء الأمير محمد بن سعود بن هذلول آل سعود، وقد صلي على جنازتها ظهر الأربعاء في الجامع الكبير جامع الإمام تركي بن عبد الله في مدينة الرياض، ودفنت بمقبرة الدرعية تغمدها الله بواسع رحمته.
وممن توفى فيها أيضًا السفير السعودي فؤاد عبد الحميد الخطيب سفير المملكة الأسبق لدى بنغلادش والأمين العام المساعد السابق لمنظمة المؤتمر الإسلامي ﵀ برحمته الواسعة، وكان أبوه هو عبد الحميد الخطيب المؤرخ، وصاحب كتاب الإمام العادل الذي وضعه تاريخًا للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، يقع في جزأين سنة ١٣٧٠ هـ وقد تم طبعه في مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر.
وفيها في غرة شهر رجب قامت مدينة بريدة تستعد بزيناتها وأنوارها وزخارفها لقدوم ولي العهد عبد الله بن عبد العزيز أيده الله، وقد أقيم موضع الاحتفال حوالي هجرة الفوارة بالخيام والزينات والأبهة، فقدم في يوم السبت ٣ رجب إلى ذلك من جهة الحرس الوطني فيه سرادقات وخيام وعدة وتنظيمات وما يقتضيه الوضع من سيف ومنسف ومطابخ وعدة وعدد، رعاه الله وأيده، وكانت هذه الزيارة منه للقصيم ليفتتح جامع بريدة الكبير الذي تمت عمارته على نفقة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله، ولوضع أول حجر أساسي لعمارة قصر الحكم الجديد في مدينة بريدة عاصمة القصيم الكائن في الصفراء، ففرحت أهالي القصيم لقدومه والترحيب به، وكانت أعمدة الكهرباء وأقواس النصر قد أنيرت، وأقيمت في الشوارع الرسمية، فعادت أنوارها في الليل كرابعة النهار في زمن معقول أوائل برج القوس، وافتتح في ٢٤ نوفمبر تشرين الثاني ١٩٩٥ م وفي الساعة الثانية من يوم الاثنين ٥ رجب حضرت الأعيان لفتح الجامع الكبير بعد الظهر بين ملأ عظيم من الخلائق افتتح المسجد ودخل المسلمون إلى رحباته وأطلق
стр. 2788
عليه جامع الملك فهد بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين، وكانت ساعة عظيمة من الزمن لأهالي مدينة بريدة اغتصت الشوارع بالخلائق، وأقفلت الطرق لحضور ولي العهد والناس يشرفون من بعيد وكما أنه وضع أول حجر أساسي لقصر الجديد في مدينة بريدة، وافتتح المرحلة الأولى من مباني جامعة الملك سعود بالمليدا، وألقيت الخطب والترحيبات بهذه المناسبة وظهر الفرح والسرور، وكانت تكلفة القصر تقدر بتسعين مليونًا من الريالات، وكانت في مدة إقامته في بريدة محترمًا ومعظمًا تزوره الرؤساء ويقدمون إليه الشكايات، وكل ما لديهم من الحاجات ليقضيها، فلبث فيها يتقلب في بعض قرى القصيم، وفي يوم الأربعاء سار موكبه محفوظًا برعاية الله وحفظه.
وفيها صدر الأمر الملكي بإقامة صلاة الاستسقاء بسائر أنحاء المملكة لأنه من الوسمي ٣٦ يومًا، ولم يأذن الله بالمطر فأقيمت صلاة الاستسقاء في اليوم السابع والعشرين من شهر جمادى الثانية الموافق ليوم الاثنين ٢٠ نوفمبر، ولما أن كان بعد مضي عشرة أيام قامت السماء تمطر بأمطار غزيرة ثلاثة أيام بدون رعود ولا بروق، ولما أن كان من آخر اليوم الرابع الموافق ليوم السبت عاشر رجب ارتكمت سحب ثقيلة كالجبال وبدأ المطر، وكادت تقطع القلوب من شدتها، وكادت البروق أن تخطف الأبصار بقوتها، وكادت أن تغرق بعض المحلات، وبما أن مدينة بريدة قد لفظت المياه من قبل في بعض جهاتها فقد أحدثت فيضانًا عظيمًا على ظاهر الأرض ذلك لأن الحكومة لما أضعفت الزراعة في هاتين السنتين الأخيرتين، وقل سحب المياه من بطن الأرض حدثت تلك الفيضانات، وبما أن البناء أولا من اللبن والطين فأثر الفيضان على البيوت والمساكن، فإنه قام الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز ﵀ بإنشاء خزانات أتوماتيكية في باطن الأرض مما خففت الوطأة إذ ذاك فقد أقيمت بعد ذلك البيوت من الإسمنت المسلح في ظرف ثلاثين عامًا، وأصبحت الأمة آمنة من سقوط البيوت بخلاف عام ١٣٧٦ هـ لما حدث الغرق إذ ذاك، غير أن الشوارع لا تزال الأمة تعاني منها لكثرة المياه، كما في حارة الصبيحية،
стр. 2789
وحي مشعل وما إلى ذلك، وأملنا عظيم في حكومتنا أن تسعى جهدها في راحة المواطنين والقيام بما يجب من سفلتة وإصلاحات في الطرق وغير ذلك.
وفيها في يوم الأربعاء الموافق ٢١ رجب جرى في العقبة زلزال خفيف لم يحدث تهديمًا ولا تقتيلًا، نسأل الله أن يلطف بالمسلمين.
وفيها في منتصف شهر رجب أصيب الملك فهد بن عبد العزيز بوعكة مرض فتجلت بعد أسبوع، وجاءت التهاني والسرور وسلامته.
وفيها في ٢٢/ ٧ ساءت العلاقات بين اليمن وبين أرتيريا فوقعت الحرب واستطاعت الثانية أن تستولي على ما أرادت، وهي تتعلق بالحدود وبينهما كما أن بين اليمن والسعودية خلاف في الحدود بينهما، ذلك بأن اليمن تدعي بأن معاهدة الطائف واتفاقيتها التي عقدها الملك خالد بن عبد العزيز بالنيابة عن والده عبد العزيز قد انتهت، وهي في عام ١٣٥٢ هـ لمدة "٦٠ سنة"، وتقتضي النظر في نجران وعسير بعد ذلك، ولما أن كان في أواخر شهر رجب بعد مضي ٢٣ منه توالت نزول الأمطار على بريدة وضواحيها، وهطلت أمطار غزيرة بحيث اختفت الشمس من ذلك التاريخ وعم الغيث، ولم تكد تفتر الأمطار ليلًا ونهارًا من دون رعود ولا بروق، بل كانت ديمة، وقد كان المسلمون يجمعون بين المغرب والعشاء ليالي عديدة، كما أن مدينة الرياض وضواحيها عمتها الأمطار وتوالى نزول الغيث على العاصمة الرياض، بحيث لم يتوالى في السنين التي قبلها، بحيث عجزت الجرارات عن سحب السيارات فيها، وكما أنها هطلت أمطار على الدمام وما حواليها، وكادت أن تتعطل الحركة أو ضعفت لتوالي الأمطار، واستمرت الحال على هذه الصفة وقد دخل شهر شعبان والسحب متراكمة والسماء تصب مياهها بحيث لم تتوقف عن صب المياه إلا فترات قليلة واحتجبت الشمس ١٢ يومًا بواسطة هطول الأمطار هذه المدة، وقد توالى هطول الأمطار لذلك على الإمارات الخليجية بحيث كانت المياه وقد ارتفعت في شوارعها، وكان المستشفى التخصصي هدفًا ليتجمع المياه
стр. 2790
فيه بحث أخرج المرضى في نعوش من هذا المستشفى الكائن ببريدة، أما عن الرياض فقد قرر الخبراء بأنه مضى عليها أربعة وعشرون عامًا لم يعهد أن توالت عليها تلك الأمطار، ولم تعهد تلك الأمطار عليها منذ زمن طويل.
وفيها أقام الملك فهد بن عبد العزيز ولي عهده عبد الله بن عبد العزيز ليتولى شؤون الدولة بالنيابة عنه، وذلك لتأخر صحته، فقام ولي العهد من تاريخ ١٥/ ٨ بالعمل خير قيام، ويعد هذا من توفيق جلالة الملك أيده الله وحفظه لأن في ذلك صلاحًا للأمة ولما يعهد عن ولي العهد من حسن التدابير والسير على منواله، وفق الله الجميع، أما عن مكة المكرمة فقد هطلت عليها أمطار غزيرة في ٢١ من الشهر المذكور، واستمر هطول الأمطار عليها.
ميزانية ١٦ و ١٧ لما أن أذيعت ميزانية الدولة كان الوضع كما هو في الستة المتقدمة، فلم يخفض سعر البنزين ولا الديزل ولا الكهرباء ولا الهاتف، بل استمرت الأشياء على وضعها، وبذلك تأخرت الزراعة تأخرًا ملموسًا، وكادت أن تتعطل محركات الحفر، وإنشاء آبارًا ارتوازية لهذا الغرض، ولكن الحكومة أيدها الله صرفت للمزارعين أقساطًا مما ورد عليها، وجعلت تفكر في جعل أسواق تحتوي على دكاكين ومعارض في شمالي السوق المركزي، فمن مؤيد لهذه النظرية، ومن معارض لها ذلك بأن السوق المركزي في عاصمة القصيم يضيق بما يرد عليه من التمور والبطيخ واليقطين وما إلى ذلك من أنواع الفواكه، فكيف إذا اختزل منه ما يضيقه وتصبح حركة السيارات مشلولة في ذلك الموضع الواسع، وكان الوضع خطيرًا لأن الأمر لم يكن عن رضا الجمهور بل لأغراض البلدية لا أقل ولا أكثر، وإن المصلحة العامة تقتضي خلاف ذلك، وذلك لأمرين: أولًا لاتساع الرقعة فالمدينة لا تزال حركتها في البيع والشراء والواردات لا تزال في ازدياد لأن ما بين حائل وبين عقلة الصقور غربًا إلى الأرطاوية شرقًا، كلها تمير وتمول من السوق المركزي في بريدة، ثانيًا أن أهالي منطقة السوق المركزي لما نزعت ملكيتهم واعترضوا بعدم
стр. 2791
عدل التقويم، ولما يحصلوا على أقيام معقولة كغيرهم قيل لهم أن موضع بيوتهم سيكون سوقًا مركزيًا لمصلحتهم، فسكتوا على مضض فلم يشعروا إلى جرافات البلدية الجديدة فقبلوا مكرهين.
وفيها في ١٥/ ٩ وفاة المنحرف عن الدين عبد الله بن علي الصعيدي، وكان يدعى أولًا بالقصيمي، فلما أن غيَّر وبدَّل والعياذ بالله تبرأ منه القصيم وسموه الصعيدي نسبةً إلى صعيد مصر الذي حل أخيرًا فيه، وقد تقدم في سنة ١٣٦٦ هـ صفة ردته عن دين الإسلام، كان مسقط رأسه في خب الحلوة من ضواحي مدينة بريدة، ففيه ولادته، ولكنه لما تربى في مصر بلده الجديد رأى أن ليس هناك من يرده عن هواه، ورأى الجو هناك خاليًا لما قام به، وكان أولًا من المنتصرين للحق، ويثني على شيخ الإسلام عبد الوهاب ويمتدحه، ويدافع عنه بلهجة جذابة كما في البروق النجدية، وله ردود على أهل الضلال، حتى هتك أستاذهم بلسان فصيح، وقولٍ بليغ، فاختارته روسيا لما رأت من بلاغته وفصاحته وحلاوة منطقه الجذاب، وأغرته بالأطماع أن يقوم ضد الإسلام، ويحمل على المسلمين، وكان معجبًا بنفسه فاستمالته روسيا لهذا الغرض فعنَّ له بعد ذلك بأن يتوسع في العقيدة، فأظهر أمورًا من الزيغ، وله كتاب الصراع بين الإسلام والوثنية، وكان الكتاب ضخمًا، ثم ألف كتابًا يستنشق منه الحملة على المسلمين وتأخرهم، فلما أن كان في تلك السنة أظهر كتابه الأغلال وما لبس عبد ثياب سريره إلا ألبسه الله إياها علانية، وخلع ربقة الإسلام من عنقه وسمي شرائع الإسلام أغلالًا غلت المسلمين عن التقدم والرقي وحسن طريقته، وشنَّ الغارة على الإسلام والمسلمين وفضل طريقة الكفر والكافرين بلهجة خبيثة خلابة على طريقة الإسلام والمسلمين، فردَّ عليه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وكان لا يورد ألفاظه الضالة بل يقوله، وقال في صفحة كذا، وقال في صفحة كذا لأن الخبيث يخشى على ضعفاء البصيرة من جاذبيته لأنها من السحر الحرام، وسمى الشيخ رده عليه تنزيه الإسلام ورجاله عن
стр. 2792
ما افتراه القصيمي في أغلاله، كما رد عليه الشيخ أبو كابس وضللوه وكفروه وحذروا المسلمين من ضلاله، وقد اجتمع به أناس من الناصحين، وطلبوا منه أن يقلع عن غيه وضلاله، وحذروه عقوبة الله لأنه عصى على بصيرة، وضلَّ عن الطريق، وهو واضح له، ولكن الله لم يرد به خيرًا، وهؤلاء منهم عبد الرحمن بن عقيل الظاهري وغيره، وذلك برفق وحسن دعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة، ولكنه صمم على ما هو عليه، نسأل الله العافية.
وذكروا عنه أنه رجل أديب ماهر في سبيله، ولكنه ثبت على مبادئه، وكان سلاحًا ضد المسلمين، كما كان أولًا ولكنه كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، فبينما هو في صف المسلمين إذ هو خنجر في نحورهم، وإنها لخسارة عظيمة في المسلمين يندى لها الجبين، ويحزن منه العقلاء، وذلك لأنه في حملاته الأولى على الكفر والكافرين بلهجة كالصاعقة على من وجهت عليه، تعمل عمل القذائف النارية، إذا هو يصرف زمام الحملة فيجعلها كصاعقة على عقبيه موجهة ضد ما كانت عليه من قبل، ولكن لا عجب ولا غرو ولا بدع فقد ضلَّ قبله من هو خير منه، وللإسلام رجال وأسود ضارية تحمى حماه، وتذود عنه، وقد قطع إمام المسلمين الملك عبد العزيز رفع الله منازله في الجنات مرتباته التي تمشي له في مصر وتبرأ منه، وكان يحدثنا الملك في زيارته لنا في القصيم فتكلم أحد المشايخ وهو عبد الله بن محمد بن حميد بأنه سقيم العقل، فأجابه الملك ﵀ بقوله: لا ليس بسقيم عقل، ولكنه سقيم في الدين.
وفيها وفي يوم السبت الموافق عشرين شوال وفاة الشيخ المصري محمد الغزالي، وكان من علماء مصر، وكانوا يذكرونه بإلقاء محاضرات ونشر علمه في المجتمعات، ومعظمًا في مصر، ويثنون عليه، وعليه مأخذ بسيط، وكانت وفاته في الرياض، وقد دفن في المدينة المنورة فرفعت التعازي إلى الرئيس المصري حسني مبارك وأسرته وذويه، منها برقية من الملك فهد بن عبد العزيز ملك السعودية، وكان قد قدم لإلقاء محاضرة فمات في سبيل المجيء لإلقائها.
стр. 2793
وفيها دعا الرئيس صدام حسين العراق دعا بأناس فروا عن جوره وتعسفه وظلمه، والتجئوا نحو الأردن فأعطاهم العهد والميثاق بأنهم آمنون إذا قدموا العراق، وكان منهم أخوه لأبيه صدام، وزوج ابنته وأناس آخرون، فلما أن قدموا العراق بعدما أمنهم وأعطاهم العهد والميثاق قتلهم والعياذ بالله، ثم دعا بذراريهم فألحقهم بهم قائلًا: لا أخشى أن يأخذوا بالثأر فقتلهم أجمعين، ولم يرعَ إلًّا ولا ذمة، ولا جانب لله حيث يقول رسوله الكريم عن رب العالمين: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته فذكر منهم رجلًا أعطي بي ثم غدر"، ولما وقعت تلك الحادثة كبر شأنها في مجلس الأمن وأرادت أمريكا الانتقام منه، ولكنها ثنت عزمها عن ذلك ولا ريب أن قتل عربي لا يهمها ذلك، وتأثر المسلمون والعرب لذلك.
وفيها وفاة شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق، وكانت وفاته في يوم الجمعة ٢٦/ ١٠ من هذه السنة، وكانت وفاته في مدينة القاهرة، ومن المصادفات وفاة عالمين جليلين في مصر بظرف أسبوع واحد، وقد رفعت التعازي إلى الرئيس حسني مبارك ومواساتهم في هذه المصيبة.
حادثة من الحوادث
لما أن كان في يوم الخميس الموافق ثاني شهر ذي القعدة من هذه السنة هطلت أمطار مصحوبة ببرد وحجارة من الثلج يعدل بعضها بكبر بيض الدجاج وأكبر، واستمر هطول الأمطار على هذه الصفة ثلاثة أيام، وفي يوم السبت نشأت سحابة سوداء برياح شديدة حطمت النوافذ التي مرت عليها وكسرت حجارة البرد الزجاج، وتوالت الأمطار على سدير والمجمعة وضرما وجلاجل وحريملا، وارتفعت المياه في السدود، حتى أن بعض السدود بلغ مستوى ارتفاع المياه فيها إلى عشرة أمتار، وتعطلت الحركة في الرياض، وقام
стр. 2794
رجال الإنقاذ والدفاع المدني بطائرات لإنقاذ الذين حاصرهم الطوفان، فلم يتقدموا ولم يتأخروا، وجيء بقوارب لحملهم فيها على متن المياه، وهذا شيء نادر الوقوع لأن بعض الجهات كانت كهيئة البحار، وانقطع التيار الكهربائي في مدينة الرياض عن بعض الأحياء، وتوقف السير من المياه وحجارة البرد، وحصلت ظلمة شديدة في يوم السبت ٤/ ١١ من آثار تلك السحابة، ودمرت الريح وحجارة البرد الضخم كلما مرت عليه من النوافذ والزجاج والمكيفات وغيرها، وحصل ارتباك في المرور، وتعرضت أجزاء من مدينة الرياض لإصابات، وغرقت امرأة وطفل لأن الأمطار صحبتها رياح شديدة وظلمة من آثار السحابة السوداء، وقام أمير الرياض والنائب بدورهم في تدابير على قدر مقدورهم لإنقاذ الأمة مما حل فيها، كما أن مصلحة المياه قد قام رجالها بما يستطيعونه، وبذلوا جهودًا في هذا السبيل حفاظًا على الأمة، واستمر هطول الأمطار على العاصمة ثلاثة أيام، ولم يذهب البرد إلا بعد يومين من نزوله، وكان قد جيء بالقوارب البحرية تشق المياه لما كان مئتا شخص محصورين من جراء ذلك الطوفان لتنقذهم، والأمر عظيم والخطب جسيم، وكان سبعة في مدينة المجمعة قد لقوا مصرعهم، وأصيب آخرون، وقد عم الطوفان جلاجل وسدير وحريملا والمجمعة إلى الغاط، وانهار عديد من المنازل في الأحياء الشعبية، وهلك بعض الأنفس البشرية، ولم يقع في أواخر هذه السنين مثل ذلك، نسأل الله تعالى أن يلطف بالمسلمين ويبعد السوء عنهم، وقد عطلت المدارس في الرياض يوم ٤/ ١١ لمشقة السير في الشوارع، وعرقلة الذهاب والإياب، وسوء الحال هناك، أما الذين كانوا في البراري قد خرجوا للنزهة فقد تعرضوا للخطر لما داهمتهم السيول، وهلك من هلك منهم، ونجا من نجا منهم، ولقد قام رجال الحرس فحملوا على صدورهم ورؤوسهم وأكتافهم الأطفال وكبار السن، وأخرجوهم من السيارات التي استهدفت،
стр. 2795
وبعض السيارات قد غرقت، ومنها من لم يبقَ منها إلا القليل، وأعد المستشفى مائتي سرير للطوارئ، وقد حدثني الثقات أن من البرد ما تجاوز في كبره أكبر من علبات البيبسي، وكان ذلك في أول يوم من برج الحمل سعد الأخبية ٢١ مارس آذار ١٩٩٦ م، وحدثني ثقة أنه وجد بين البرد بعضًا تجاوز حجمه عن قبضة اليد.
كسوف طمس القمر
لما أن كان في ليلة الخميس ١٥ ذي القعدة بدأ الكسوف في الساعة السادسة غروبي تزيد ١٥ دقيقة، ومن الساعة السابعة والنصف انطمس انطماسًا كليًا، فلبث ساعتين ونصف منكسفًا انكسافًا كليًا، ولم يتجلَ ويرجع على طبيعته إلا في الساعة الحادية عشرة و ١٥ دقيقة، فكانت مدة الكسوف خمس ساعات من الزمن، وهذا نادر الوقوع في طول المدة، وبما أنه وقع الكسوف في وقت الهجوع فإنه لم يصل إلا القليل بالرغم من أن الأخبار نبأت بذلك من قبل.
حصار تفرضه اليهود على أهل الحكم الذاتي
كانت منظمة حماس لم تتورع عن مهاجمة اليهود على قدر استطاعتها فقتلت في مغامراتها الانتحارية عشرات من اليهود، وذلك بأن الفدائي يغامر فيحشو جسمه بالمتفجرات ليهلك من أمامه، وإن كان هو الضحية فقد قامت اليهود بعقاب الصالح والطالح ففرضت حصارًا على أهل الحكم الذاتي في قطاع غزة، وإن كان ذلك محظورًا عليها لكنه قام السكرتير يطالب الأمم المتحدة ومن بينها أمريكا وبريطانيا بفك الحصار عن الفلسطينيين المظلومين، نعم إنهم مظلومين بهذه المعاملة لأنهم لا يستطيعون صد منظمة حماس ولليهود إن تفعل منظمة حماس ما شاءت من العقوبات ويقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فكأنهم يقولون افعلوا ما شئتم بمن اعتدى عليكم ولكن المتغلب بفعل ما يشاء، نسأل الله تعالى أن يكفي المسلمين ما أهمهم.
стр. 2796
ذكر ما جرى من اليهود
لما أن كان في اليوم الثامن عشر من ذي القعدة الموافق ليوم السبت ٦ إبريل نيسان من هذه السنة ١٤١٦ هـ يوافق عام ١٩٩٦ م قامت اليهود فحشدت قواتها بكل ما تستطيع وأرسلتها لحرب لبنان من مدافع وطائرات وصواريخ ودبابات ثقيلة، وجعلت تضرب لبنان بالقنابل العنقودية، والقنابل المحرقة، والقنابل المدمرة، والقنابل الهدامة، وواصلت الضرب على المدنيين والعجزة والنساء والأطفال من دون رحمة، ولا سابق انذار فهدمت البيوت، وحرقت المزارع، وفعلت بلبنان أفعالًا لم يسبق لها نظير ولا في عام اثنتين بعد أربعمائة وألف، وكانت جنود حزب الله وجنود أمل قد وقفت أمام هذه الجراءة العجيبة لأنها لا تملك سوى الرشاشات والسلاح الخفيف والصواريخ قريبة المدى، وكانت اليهود قد اتفقت مع أمريكا على هذا الشأن، ولم يستطع مجلس الأمن الدولي على إيقاف هذا التيار الجارف، ولم تخضع أمريكا لمجلس الأمن وتقديراته بل زعمت أن إسرائيل مظلومة، وليس لها إلا ذلك، ولما أن جرى من اليهود ذلك القصف العشوائي على لبنان فرَّ الأهالي والتجئوا إلى الجبال والزرائب لا يلوي أحد على أحد، فقد أحصي الذين تمكنوا من الفرار والهرب فبلغوا سبعمائة وخمسين هاربًا بعدما دكت منازلهم وطردوا، وذهبت تقارير مجلس الأمن أدراج الرياح، واستمر الضرب والقصف اثنين وعشرين يومًا، ووقفت العرب مكتوفة الأيدي وتهددت إسرائيل جميع من أراد أن ينضم إلى لبنان من أي دولة تكون بضربه، ولم تملك العرب والمسلمون سوى الاستنكار لذلك، ودفع المساعدات بالقوت واللباس، وبات الأطفال والعجزة في الفضاء السماء غطاؤهم والأراضي فراشهم، ينتظرون رحمة اليهود وقضاء وطرهم من تعذيبهم وطردهم من أوطانهم.
وفيها في يوم الأحد الموافق ٤/ ١٢ قتل رئيس الشيشان الذين يحاربون روسيا للتخلص منهم، وخلفه رئيس آخر، وكانت قد ظهرت كفاءة الشيشان بحيث
стр. 2797
صمدوا أمام روسيا، وأعلنت القتال، ولو بلغت الأحوال إلى آخر رمق، وحينما رأت روسيا أنها لن تلين قناتهم مهما كلف الثمن تظاهرت بالانسحاب تدريجيًا، وعدم مواصلة القتال أمام العالم، لأن الشيشان لا يقبلوا الشيوعية مطلقًا، وبما أن روسيا لما تفككت وخسرت غالب ممالكها ومستعمراتها التي تمقت الشيوعية وتميل إلى الإسلام، وتخلصت تلك الأمم الخاضعة لها من براثن ذلك الكابوس الظالم الجائر، وحصلت على الحرية بعدما سقطت تلك الحكومة القوية التي كانت ثاني حكومة على وجه الأرض، فإن مستعمرة الشيشان التابعة لها تطلب ذلك، وقد جاءتهم المساعدات من أمة الإسلام، ولم يألوا جهدًا في تخليصها، كما وقد تخلص غيرها، وإنها لعبرة للمعتبرين، وآية للناظرين بحيث كانت حكومة السوفيت القاهرة التي وقفت لأمريكا وقفة جبارة، فلا تهاب أمريكا سواها، وأصبحت اليوم بهذا الوضع، فسبحان من لا يزول ملكه ولا يضام سلطانه، ولا يرام عزه، فقل لأمريكا خلالك الجو شعرًا:
يا لك من قنبرة بمعمرٍ ... خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقَّري ما شئت أن تنقري ... صيادك اليوم قتيلٌ فابشري
وفيها وفاة الشيخ زيد بن فياض الأديب، وقد تقلب في عدة وظائف، فهو زيد بن عبد العزيز بن زيد بن فياض، كانت ولادته عام ١٣٥٠ هـ، وقد وصفوه بالأدب، وأخذ عن الشيخ محمد بن ابراهيم رئيس القضاة في العهد السعودي، وعن أخيه عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ سعود بن راشد، أما مشايخه في المعهد وكلية الشريعة فهم: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والأستاذ حمد الجاسر، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد العزيز بن باز، وجدَّ واجتهد في العلوم الشرعية والعربية والاجتماعية، وله نشاط في التأليف، حتى قيل أن مؤلفاته بلغت تسعين مؤلفًا، وقد صار عضوًا في دار الإفتاء، ثم انتقل إلى التدريس في كلية الشريعة بالرياض، ثم عضوًا في رئاسة القضاء، وقام بالتدريس في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود، وتقلب في عدة
стр. 2798
وظائف، وله عدة قصائد، ويعد من أدباء العصر، وقد استقال من رئاسة القضاء، وفضّل أن يكون في مؤسسة اليمامة، ثم أعيدت خدماته، وبالجملة فإنه أديب وعالم.
ثم دخلت سنة ١٤١٧ ه ـ
استهلت هذه السنة يوم السبت الموافق ١٨ مايو وأن الأمراء والقضاة كلٍ في وظيفته، فكان في إمارة الرياض سلمان بن عبد العزيز، وفي حائل مقرن بن عبد العزيز، وفي المدينة المنورة عبد المجيد بن عبد العزيز، وفي مكة المكرمة ماجد بن عبد العزيز، وهكذا.
وفاة عبد الله بن إبراهيم بن سليم
وذلك في ١٣ محرم، وهذه ترجمته:
هو الشيخ الأديب المتقن العالم الفلكي عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن سليم، كان أبوه إبراهيم يعد من الأئمة في المساجد، فلم حسن في كتابة الوصايا والعقود وجده فضيلة الشيخ العالم الجليل محمد بن عمر بن سليم الذي كان له مواقف وشهرة عالية، وأهل للقضاء، وقد راودوه مرات لقضاء بريدة، ولما غادر المدينة مكرهًا فضيلة الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن سليم فرفض قائلًا لا يمكن أن أسدّ مكان ثلمة ابن عمي، وأبدى أعذارًا آخرها أن سافر إلى مكة المشرفة، وقد تقدمت ترجمته في سنة وفاته، كان الشيخ عبد الله بن إبراهيم يعتبر من أدباء القصيم وأهل الثقافة والمعرفة، ولديه إلمام في الحساب والفلك، وقوي الذاكرة، ولد عام ١٣٢٨ هـ ولما بلغ من العمر السابعة أدخله والده في المدرسة الأهلية التي قام بها ناصر بن سليمان السيف في قلب البلد، مرادفة لمسجد ناصر إلى جهة الشرق، لأنها إذ ذاك تعتبر من أكبر المدارس الأهلية، تقتصر الدراسة فيها على الهجاء وتعلم القرآن الحكيم، وبعدما توفى ناصر بن سليمان واستمرت المدرسة في سيرها، وقد خلفه فيها ابنه صالح بن ناصر، ثم إنه انتقل صالح إلى السباخ وافتتح مدرسة
стр. 2799
هناك، وذلك لأنها أوجبت الظروف ذلك بأمر من جلالة الملك عبد العزيز على فضيلة الشيخ العلامة عمر بن محمد بن سليم بسعي الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد ومشورته بأن يكون إمامًا ومدرسًا في مسجد ناصر بن سيف، ثم إن المترجم لما بلغ من العمر ١٧ سنة كان له مؤهل بأن يكون خلفًا في المدرسة التي تعتبر مدرسة ناصر بن سيف، وتقع هذه المدرسة جنوبًا عن قبة رشيد التي كانت موضع البيع والشراء والزحمة، لأن موضعها إلى جانب عليته، فاستخدم المترجم رئيسًا ومديرًا فيها، ولما أن مضى عليه أحد عشر عامًا رأت الحكومة أيدها الله أن يفتتح مدارس حكومية لنشر العلوم، ومعرفة الحساب، وتجويد القرآن، وتعويد النشء أمور الوضوء والصلاة، وكان في مدينة بريدة مدارس أهلية وتتنافس التقدم والعلو مدرستان أحدهما هذه المدرسة، ومدرسة المعلم صالح بن محمد بن عبد العزيز الصقعبي، فعرضت الحكومة إدارة المدرسة التي تأسست لأول مرة عام ١٣٥٦ هـ على صالح بن محمد الصقعبي فتكون هي الوحيدة في سائر القصيم، غير أن صاحبها عاجلته المنية فاختير لإدارة المدرسة الحكومية المترجم عبد الله بن إبراهيم بن سليم، وذلك بمشورة من الأهالي بان يكون المدير من نفس البلدة، ولما نال سليم من الثقة فقام بإدارتها، وضمت جميع مدارس الحكومة تحت إدارة طاهر الدباغ فكان مدير المعارف السعودية عام ١٣٥٥ هـ كما قدمنا، ولما أن لبث المترجم مديرًا لهذه المدرسة شغرت وظيفة إدارة المدرسة التذكارية في الرياض فاختير لها وذهب إلى الرياض، فلبث في إدارة التذكارية التي تعتبر أكبر مدرسة في الرياض، ثم نقل في عام ١٣٧٣ هـ إلى إدارة معهد المعلمين أو إعداد المعلمين في مدينة بريدة لأن هذه الوظيفة أكبر من الأولى، ويعتبر المعهد ذا أهمية فاستمر في إدارته حتى أحيل على التقاعد، ولم يصده ذلك عن أن تكون في نشاطه وثقافته، وكان مشتركًا في هيئة إدارة حساب توقيت أم القرى، وقد جمع جدولًا لحساب علوم الفلك شاملًا للملكة، وبلغه إلى عام ١٦٠٢ م في الزوالي والغروبي بضبط وإتقان فاق به العيوني وبن فارس، ويرجع إليه، لكنه ليس له إلمام بعلم الكسوف كالعجيري وغيره الذين
стр. 2800
يعرفون ذلك الحساب، وفوق كل ذي علمٍ عليم، وله جداول أخرى وشرح قصيدة محمد القاضي سماه تحفة المزارع، وله كتاب الدرر المنثورة في التواريخ الثلاثة المشهورة، وهذه في الغروبي والزوالي والميلادي، وله تقويم الأوقات لإرشاد ذوي الألباب لمعرفة مبادئ السنين والشهور من طريق الحساب، وما زال في نشاطه وحيويته حتى أقعدته الشيخوخة بمرض ألزمه الفراش شهرًا كاملًا، فالله المستعان، وتوفى عن عمر يناهز الثامنة والثمانين غفر الله له وعفا عنه، وقد حزن لمصابه من يعرف ثقافته وأدبه، وبكته النوادي ورجال الأدب، ولكن ذلك دون ما يستحقه.
وفيها ألقي القبض على المفسدين الذين فجروا عبوة ناسفة من الديناميت في حارة العليا من الرياض في ٢٠ جمادى الثانية، وكانوا أربعة وأجري التحقيق معهم فأقروا الجناة بما قاموا به من إفساد، ونشرت صورهم في الجرائد، ثم أعدموا بالقتل، وشهّر بأجسامهم بين الأمة مرفوعة بالونشات، فالحمد لله الذي مكن منهم، وفي الحديث الشريف: "حد يقام في الأرض خير لهم من مطر أربعين صباحًا"، وكانوا ينتمون إلى الدين ظاهرًا والله إنه ليبعث الأسى ويهيج الأحزان، ويذيب القلوب أن يكونوا من العرب، ويدعون الإسلام، وتجري منهم الأفعال اللا إنسانية، فعياذًا بالله من همزات الشياطين، ومن الخذلان، فقد دمرت قنبلتهم أموالًا وأنفسًا بشرية، وألقت الرعب وفيها التلاعب بالأمن، وهذه نظيرة الفعلة السابقة في جامع القوباء التي ذكرنا قبلها.
ذكر عجائب من عجائب التاريخ
لما أن كان في هذه السنة والسنين قبلها كثر الأجانب في المملكة العربية السعودية من شامها ويمنها، ومن مصر والهند والباكستان، والفلبين والكوريين، وغيرهم بصفة لا نظير لها، وجاءوا بصفة الخدم والسواقين، وامتلأت الشوارع منهم، فهذا يعمل في البناء، وهذا يعمل في الدكاكين وأموال التجارة، وهذا في سياقة السيارات، ووثقت الأمة بهم، ومن الأسف أن بعضهم ليسوا بمسلمين، فتجد صاحب الدكان وصاحب محطات البنزين يولونهم أموالهم ومعاملاتهم إلى
стр. 2801
درجة أنهم يثقون بهم أعظم من ثقتهم بأولادهم وبني جنسهم، وكنت أظن أن الأولاد وبني الجنس أبوا أن يقوموا بالأعمال، أو يكون من باب الامتحان، فإنك تجد الابن أو البنين يعملون لدى الناس براتب ضئيل، ويطلب أولياء أمورهم أن يعملوا عندهم برواتب مضاعفة، ولكنهم يأبون ذلك، وتضرب لهم الأمثال "كن كأم موسى ﵇ ترضع ابنها وتأخذ جرتها"، فلا يجدون آذانًا صاغية، فكان صاحب الدكان أو المحطة كأجنبي، فإذا جاء من وسط النهار أو منتصف الليل بعد نومه الضحى، أو ضياع الوقت إلى نصف الليل إذا بالعامل قد بقي في الدرج له ما يزعم أنه ما اكتسب، فيأخذ مقتنعًا قليلًا كان أو كثيرًا، فينشأ عن ذلك خيانة كبيرة، فقد يكون العامل الأجنبي خائنًا فينتهب ما يشاء من النقود جاعلًا لها في موضع لا يعلمها سيده، فقد قيل: لإنسان أحذر عاملك، فقال: وما أخشى إذا كنت أفتشه كلما أتيه فألحوا عليه فوجدوه يستصحب مصحفًا كبيرًا لا يتخلى عنه كلما لم يكن يعمل فأخذه، فلما فتشه إذا بين أوراق المصحف أوراق النقود الرفيعة أمهات خمسمائة فما دون، وقيل: الأخر احترز من عاملك، فذكر من ثقته به وأمانته فلما ألحوا عليه فتشوا عليه خفية فإذا بمطبقة مشقوقة من أعلاها على قدر سقوط النقود، فحملها إلى بيته، وبعدما كسر غلفتها وإذا فيها اثنا عشر ألف ريال، فلما كان في منتصف الليل أتى بقفل جديد وخلع الأول وركبه، فلما أن كان في الصباح وجاء ليباشر العامل العمر إذا بالقفل مغيرًا فذهب إلى سيده يقول: يا عمي سرقنا، فناوله مرتبه وقال: يا بني اذهب في أمان الله فقد قلت المصالح فسقط في يده وخجل، وفرَّ من بين يديه، فلما كان من الغد وخرج يطلبه وجده قد حلق لحيته الكثيفة التي يربيها ليخدع بها الناس، فكلمه قائلًا: يا عبد الرحمن أين لحيتك؟ فأجاب ذهبت مع المطبقة، ولولا أنه كان لك والدة تدعوا من آخر الليل في حفظ مالك لذهب، وهكذا فعل العمال الأجانب، وكان أبو مسلم الخراساني الذي انتزع الخلافة من بني أمية يقول في أبيات له:
стр. 2802
ومن رعى غنمًا في أرضٍ مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد
وما زال الأجانب في كثرة حتى كانوا في عواصم المملكة أكثر من السكان بنسبة ثمانين في المائة، فكنت ترى في الجوامع وقت الصلاة من الذين يصلون الجمعة ما ذكرنا، وقليل المواطنين من بينهم، وهم وإن كانوا أجانب فكانوا يتقدمون ولا يلتزمون الآداب، كأهم أهل الوطن ونحن الأجانب، وقد ذكرنا فيما تقدم أنه منذ ست وستين سنة لا يوجد أجنبي في مدينة بريدة سوى أنه جاء طبيب يسمى ديم فلبس لباس البيئة قميص وشماغ وقباء ومشلح لئلا يستنكر، وفي يومنا هذا نرى ما آلت الأحوال، فسبحان المتصرف في خلقه على وفق مراده، وهذا مصداق ما أخبر به الهادي الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ في قوله: "إذا أمّن الخائن وخوّن الأمين، وساد كل قبيلةٍ منافقوها، وكان زعيم القوم أرذلهم، فانتظر الساعة، إن الساعة علمها عند الله"، وقد وردت إماراتها في الأحاديث الصحيحة، وجدت أشراط الساعة الصغار والمتوسطة، ولم يبقَ إلا الكبار، فنسأل الله الثبات على دينه والتمسك بهدي رسوله ﷺ إلى أن نلقاه، وإن لمن المؤسف أن تأتي الفتن بدقيق نصها، فالموفق من تأتيه منيته وهو يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر، وقد كانت المؤنة في هذه السنة شديدة كالأعوام قبلها، فكان برميل الغاز للوقود حجم خمسين في ثمانية وعشرين، ومقاس ٢٥ في ١٤ ريال، وبرميل الديزل الكبير في ٧٠٠٠ ريال، وكان الذين جعلوا سياراتهم على الديزل قد ندموا لغلائه، كما أن قيم البنزين والكهرباء والهاتف وعدادات المساكن قد بلغت كاية في الغلاء، وقد تأخرت الزراعة وألقيت المحوريات في العراء، وكادت الزراعة إن استمر ذلك أن تتعطل.
وفي هذه السنة كثرت السرقات في القصيم وذلك لضعف الإمارة فيها، وقد ذكرنا ذلك ما جرى في عام ١٣٧٦ هـ من عدم الأمن على الأموال.
وفيها ولدت طفلة حامل، وبعدما أجريت لها العمليات تقرر لدى الأطباء أن أمها حملت بتوأمين فكان أحدهما في بطن الآخر، وكان ذلك الفحص بعدما كان لها من العمر ستة شهور، والله على كل شيء قدير.
стр. 2803
ذكر سنة المؤنة
في هذه السنة اشتدت المؤنة على كثير من المسلمين بحيث أن الوضع يتطلب حاجات لم يكن الناس يعرفونها من قبل، فقد كان البيت في الوقت الحاضر يستدعي استهلاكًا من مادة الغاز والوقود الذي أصبحت الأمة معتمدة عليه تاركةً الحطب بجملته، فكان الطبخ مثلًا بجميع ما يحتاجه المواطن من أرز وجريش وسليق ولحوم بأنواعها، وفول وشوربة، وأوعية المأكل والمشرب، واليقطين والخبز وغير ذلك على مادة الغاز الذي ارتفعت قيمته إلى الضعف من قبل، وأصبح مسير العالم على الجملة في السيارات وجميع النقل برًا وبحرًا وجوًا على مادة البنزين، فهو وقود النقل والذهاب والإياب على المخترعات الحديثة بالرغم من غلائه وارتفاع قيمته، كما أن الكهرباء هو مادة الحياة، بحيث كانت الإضاءة والمراوح المتنقلة والسقفية، ومكبرات الصوت والغسالات، والسخانات والبرادات والثلاجات وغيرها عليه، بحيث لو تعطل التيار ليلًا أو نهارًا لخربت جميع الأغراض التي كانت الحياة متوقفة على مصلحتها، وأصبح الخبز الذي كان هو مادة الحياة في هذا الزمان من الأفران وغيرها على ذلك الوقود بالرغم من غلائه وتعاطيه بقيمة باهظة، وكانت الأمة من قبل يسافرون على الإبل والحمر والبغال التي تسير بقوائمها، وتقطع المسافات القريبة والبعيدة، وكنت قد أدركت مراكب الناس في الحجاز ونجد واليمن والشام والعراق وغيرها على الحمر والإبل التي وقودها البرسيم والأعلاف، ونوابت الأرض، وفضلات أطعمة الناس، فحدّث ولا حرج عن كل ما استبدل عنها من أمور يقصر الوصف عنها، فقد كان الفقير قد كلَّ كاهله عن حملها، فيا ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، وإن بإمكان الولاة هداهم الله أن يراعوا حالة الشعوب، أما عند انتهاء الشهر فلا ننسى رسوم الماء الذي جعله الله مادة الحياة، ورسوم الهاتف، ورسوم الكهرباء، وقد حدثني صاحب مكتبة قال: كنت أبيع من المحابر والدفاتر والأقلام والبرايات والمحايات، وما تيسر من الكتب إن قدر ذلك، وقد لا يبلغ
стр. 2804
محصلة مائة وخمسين ريال، ولكنه بالنسبة الى بنزين السيارة التي اسخدمها لأغراض البيت وخبز الأولاد، وقيمة الأكل والشرب، واستهلاك الكهرباء وما يتطلبه الوضع، فإنه لا شيء بالنسبة إلى ذلك، هذا بغض النظر عن الكسوة والملبوسات والحليب والخضراوات وغير ذلك، والمكيفات وإصلاحاتها، وأدوات الأكل والشرب، وقد فتنت العوائل بتغيير الملابس ولبس فاخر اللباس أسوةً بغيرهم، وتحمّل رب الأسرة شراء سيارة لابنه، ولا يكتفي بالرخيص وما قيمته زهيدة، وإذا نظر يمنةً ويسرةً فإنه لا يرضى لأسرته بهذا ولسان الحال ينادي: كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت فلا يرضى لهم بالدون، ولو قال ما ذكره الله في كتابه: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، لم يجد أذنًا صاغية، ولما قيل للإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: كيف أصبحت؟ قال كيف حالة من أصبح وربه يطالب بحقوقه، وزوجته تطالب بحقوقها من نفقة وكسوة، وأولاد يطالبونه بحقوقهم، ولو قال لمن تحت يده اقتصروا يا أبنائي وراعوا ظروفكم لم يجد أذنًا صاغية ولا يعذرون، وقد ذكرني ذلك كلام ابن القيم ﵀ بحيث يقول: "كيف يصنع من له زوجة لا ترحمه، وولد لا يعذره، وشريك لا ينصفه، وصديق لا ينصحه، وعدو لا ينام عن معاداته، ودنيا متزينة، ونفس أمّارة السوء ... ".
أما عن كثرة الواردات على البلاد من أنواع الأرزاق والخيرات فحدّث ولا حرج ولا سيما البطيخ والخيار والقرع واليقطين بأنواعه، والتفاح والبرتقال والموز والخوخ والعنب الوطني والخارجي، ولو شئت لقلت أن العنب الخارجي لا ينقطع، كما أن اللوبيا والباذنجان والباميا والقمح والذرة وأنواع الحبوب والبرسيم وغيرها من البقول موجودة بكثرة، وتباع بقيم مناسبة لذلك، وأيضًا جميع الخضراوات موجودة بكثرة، وإذا كان بالليل والصباح الباكر فجميع السيارات النقل مشحونة، ولا يكاد شيء أن يكون مفقودًا، وكانت ترد على العواصم وتأتي قوافل من القرى تزود من تلك الخيرات، أما عن علب المربيات فقد امتلأت منها العواصم، وفي كل محطة بنزين تأتي للشراء منها، وبذلك تحولت المدن والقرى في السعودية إلى حضارة تامة.
стр. 2805
ضربات من كيد الأعداء
لما أن كان في إحدى ليالي شهر صفر إلا وهي ليلة الثلاثاء الموافقة من هذا الشهر، تقدم أناس مفسدين في مدينة الخبر من المنطقة الشرقية بكارثة عظيمة، وهي أنهم أتوا بسيارة محشوة بالديناميت فأوقفوها داخل مبنى، وفروا بسيارة أخرى، فما كان إلا أن انفجرت عبوات شديدة الانفجار فنسفت المبنى وقتلت من كان داخل الطوابق، وسببت أضرارًا عظيمة في الأنفس والأثاث والأموال، وهدمت وخربت جميع ما مرت عليه، وكان الأمر في ما قيل، وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء من المفسدين والمخربين: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وهذه ثاني مرة يقوم بها المفسدون في مدينة الخبر والرياض.
ذكر ما حل ونزل في الخبر
لما وقع هذا البلاء والحادث الأليم تجلت الأمور عن هلاك ١٩ من الأنفس البشرية وجرح ٣٨٦، وتقدمت الحكومة ببذل عشرة ملايين ريال لمن دلها على هؤلاء العابثين المفسدين، وانطلقت رجال الأمن بجميع إمكانياتهم يبحثون ويتحرون التحقيقات، ويلفتون النظر للحصول على هذه الطغمة الفاجرة، وكان تفصيل الجرحى والقتلى كما يأتي:
الوفيات ١٩، وبلغ عدد الجرحى ٣٨٦ منهم ١٤٧ سعوديًا، و ١١٨ بنغلاديشيًا، و ١٠٩ أمريكي، و ٤ مصريين، واثنان من الأردن، وإندونيسيا والفلبين، وهذا شيء ترفضه الأديان السماوية ولا تقره العقول السليمة، ولا الفطر المستقيمة، ولقد بعثت الدول برقيًا وهاتفيًا استنكارها لهذا الحادث الإرهابي الذي هز العالم بأجمعه، ولا تقع المسؤولية على رجال الأمر فحسب، بل تقع على كل من تقله الغبراء وتظله الخضراء ممن يؤمن بالله واليوم الآخر بأن يكون متأثرًا من هذا العمل الإجرامي الذي يهز المفاصل ويقلق راحة الآمنين، ولقد أغلقت مدينة الخبر لأجل
следующие страницы →