درجة أنهم يثقون بهم أعظم من ثقتهم بأولادهم وبني جنسهم، وكنت أظن أن الأولاد وبني الجنس أبوا أن يقوموا بالأعمال، أو يكون من باب الامتحان، فإنك تجد الابن أو البنين يعملون لدى الناس براتب ضئيل، ويطلب أولياء أمورهم أن يعملوا عندهم برواتب مضاعفة، ولكنهم يأبون ذلك، وتضرب لهم الأمثال "كن كأم موسى ﵇ ترضع ابنها وتأخذ جرتها"، فلا يجدون آذانًا صاغية، فكان صاحب الدكان أو المحطة كأجنبي، فإذا جاء من وسط النهار أو منتصف الليل بعد نومه الضحى، أو ضياع الوقت إلى نصف الليل إذا بالعامل قد بقي في الدرج له ما يزعم أنه ما اكتسب، فيأخذ مقتنعًا قليلًا كان أو كثيرًا، فينشأ عن ذلك خيانة كبيرة، فقد يكون العامل الأجنبي خائنًا فينتهب ما يشاء من النقود جاعلًا لها في موضع لا يعلمها سيده، فقد قيل: لإنسان أحذر عاملك، فقال: وما أخشى إذا كنت أفتشه كلما أتيه فألحوا عليه فوجدوه يستصحب مصحفًا كبيرًا لا يتخلى عنه كلما لم يكن يعمل فأخذه، فلما فتشه إذا بين أوراق المصحف أوراق النقود الرفيعة أمهات خمسمائة فما دون، وقيل: الأخر احترز من عاملك، فذكر من ثقته به وأمانته فلما ألحوا عليه فتشوا عليه خفية فإذا بمطبقة مشقوقة من أعلاها على قدر سقوط النقود، فحملها إلى بيته، وبعدما كسر غلفتها وإذا فيها اثنا عشر ألف ريال، فلما كان في منتصف الليل أتى بقفل جديد وخلع الأول وركبه، فلما أن كان في الصباح وجاء ليباشر العامل العمر إذا بالقفل مغيرًا فذهب إلى سيده يقول: يا عمي سرقنا، فناوله مرتبه وقال: يا بني اذهب في أمان الله فقد قلت المصالح فسقط في يده وخجل، وفرَّ من بين يديه، فلما كان من الغد وخرج يطلبه وجده قد حلق لحيته الكثيفة التي يربيها ليخدع بها الناس، فكلمه قائلًا: يا عبد الرحمن أين لحيتك؟ فأجاب ذهبت مع المطبقة، ولولا أنه كان لك والدة تدعوا من آخر الليل في حفظ مالك لذهب، وهكذا فعل العمال الأجانب، وكان أبو مسلم الخراساني الذي انتزع الخلافة من بني أمية يقول في أبيات له:
стр. 2802
ومن رعى غنمًا في أرضٍ مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد
وما زال الأجانب في كثرة حتى كانوا في عواصم المملكة أكثر من السكان بنسبة ثمانين في المائة، فكنت ترى في الجوامع وقت الصلاة من الذين يصلون الجمعة ما ذكرنا، وقليل المواطنين من بينهم، وهم وإن كانوا أجانب فكانوا يتقدمون ولا يلتزمون الآداب، كأهم أهل الوطن ونحن الأجانب، وقد ذكرنا فيما تقدم أنه منذ ست وستين سنة لا يوجد أجنبي في مدينة بريدة سوى أنه جاء طبيب يسمى ديم فلبس لباس البيئة قميص وشماغ وقباء ومشلح لئلا يستنكر، وفي يومنا هذا نرى ما آلت الأحوال، فسبحان المتصرف في خلقه على وفق مراده، وهذا مصداق ما أخبر به الهادي الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ في قوله: "إذا أمّن الخائن وخوّن الأمين، وساد كل قبيلةٍ منافقوها، وكان زعيم القوم أرذلهم، فانتظر الساعة، إن الساعة علمها عند الله"، وقد وردت إماراتها في الأحاديث الصحيحة، وجدت أشراط الساعة الصغار والمتوسطة، ولم يبقَ إلا الكبار، فنسأل الله الثبات على دينه والتمسك بهدي رسوله ﷺ إلى أن نلقاه، وإن لمن المؤسف أن تأتي الفتن بدقيق نصها، فالموفق من تأتيه منيته وهو يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر، وقد كانت المؤنة في هذه السنة شديدة كالأعوام قبلها، فكان برميل الغاز للوقود حجم خمسين في ثمانية وعشرين، ومقاس ٢٥ في ١٤ ريال، وبرميل الديزل الكبير في ٧٠٠٠ ريال، وكان الذين جعلوا سياراتهم على الديزل قد ندموا لغلائه، كما أن قيم البنزين والكهرباء والهاتف وعدادات المساكن قد بلغت كاية في الغلاء، وقد تأخرت الزراعة وألقيت المحوريات في العراء، وكادت الزراعة إن استمر ذلك أن تتعطل.
وفي هذه السنة كثرت السرقات في القصيم وذلك لضعف الإمارة فيها، وقد ذكرنا ذلك ما جرى في عام ١٣٧٦ هـ من عدم الأمن على الأموال.
وفيها ولدت طفلة حامل، وبعدما أجريت لها العمليات تقرر لدى الأطباء أن أمها حملت بتوأمين فكان أحدهما في بطن الآخر، وكان ذلك الفحص بعدما كان لها من العمر ستة شهور، والله على كل شيء قدير.
стр. 2803
ذكر سنة المؤنة
في هذه السنة اشتدت المؤنة على كثير من المسلمين بحيث أن الوضع يتطلب حاجات لم يكن الناس يعرفونها من قبل، فقد كان البيت في الوقت الحاضر يستدعي استهلاكًا من مادة الغاز والوقود الذي أصبحت الأمة معتمدة عليه تاركةً الحطب بجملته، فكان الطبخ مثلًا بجميع ما يحتاجه المواطن من أرز وجريش وسليق ولحوم بأنواعها، وفول وشوربة، وأوعية المأكل والمشرب، واليقطين والخبز وغير ذلك على مادة الغاز الذي ارتفعت قيمته إلى الضعف من قبل، وأصبح مسير العالم على الجملة في السيارات وجميع النقل برًا وبحرًا وجوًا على مادة البنزين، فهو وقود النقل والذهاب والإياب على المخترعات الحديثة بالرغم من غلائه وارتفاع قيمته، كما أن الكهرباء هو مادة الحياة، بحيث كانت الإضاءة والمراوح المتنقلة والسقفية، ومكبرات الصوت والغسالات، والسخانات والبرادات والثلاجات وغيرها عليه، بحيث لو تعطل التيار ليلًا أو نهارًا لخربت جميع الأغراض التي كانت الحياة متوقفة على مصلحتها، وأصبح الخبز الذي كان هو مادة الحياة في هذا الزمان من الأفران وغيرها على ذلك الوقود بالرغم من غلائه وتعاطيه بقيمة باهظة، وكانت الأمة من قبل يسافرون على الإبل والحمر والبغال التي تسير بقوائمها، وتقطع المسافات القريبة والبعيدة، وكنت قد أدركت مراكب الناس في الحجاز ونجد واليمن والشام والعراق وغيرها على الحمر والإبل التي وقودها البرسيم والأعلاف، ونوابت الأرض، وفضلات أطعمة الناس، فحدّث ولا حرج عن كل ما استبدل عنها من أمور يقصر الوصف عنها، فقد كان الفقير قد كلَّ كاهله عن حملها، فيا ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، وإن بإمكان الولاة هداهم الله أن يراعوا حالة الشعوب، أما عند انتهاء الشهر فلا ننسى رسوم الماء الذي جعله الله مادة الحياة، ورسوم الهاتف، ورسوم الكهرباء، وقد حدثني صاحب مكتبة قال: كنت أبيع من المحابر والدفاتر والأقلام والبرايات والمحايات، وما تيسر من الكتب إن قدر ذلك، وقد لا يبلغ
стр. 2804
محصلة مائة وخمسين ريال، ولكنه بالنسبة الى بنزين السيارة التي اسخدمها لأغراض البيت وخبز الأولاد، وقيمة الأكل والشرب، واستهلاك الكهرباء وما يتطلبه الوضع، فإنه لا شيء بالنسبة إلى ذلك، هذا بغض النظر عن الكسوة والملبوسات والحليب والخضراوات وغير ذلك، والمكيفات وإصلاحاتها، وأدوات الأكل والشرب، وقد فتنت العوائل بتغيير الملابس ولبس فاخر اللباس أسوةً بغيرهم، وتحمّل رب الأسرة شراء سيارة لابنه، ولا يكتفي بالرخيص وما قيمته زهيدة، وإذا نظر يمنةً ويسرةً فإنه لا يرضى لأسرته بهذا ولسان الحال ينادي: كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت فلا يرضى لهم بالدون، ولو قال ما ذكره الله في كتابه: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، لم يجد أذنًا صاغية، ولما قيل للإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: كيف أصبحت؟ قال كيف حالة من أصبح وربه يطالب بحقوقه، وزوجته تطالب بحقوقها من نفقة وكسوة، وأولاد يطالبونه بحقوقهم، ولو قال لمن تحت يده اقتصروا يا أبنائي وراعوا ظروفكم لم يجد أذنًا صاغية ولا يعذرون، وقد ذكرني ذلك كلام ابن القيم ﵀ بحيث يقول: "كيف يصنع من له زوجة لا ترحمه، وولد لا يعذره، وشريك لا ينصفه، وصديق لا ينصحه، وعدو لا ينام عن معاداته، ودنيا متزينة، ونفس أمّارة السوء ... ".
أما عن كثرة الواردات على البلاد من أنواع الأرزاق والخيرات فحدّث ولا حرج ولا سيما البطيخ والخيار والقرع واليقطين بأنواعه، والتفاح والبرتقال والموز والخوخ والعنب الوطني والخارجي، ولو شئت لقلت أن العنب الخارجي لا ينقطع، كما أن اللوبيا والباذنجان والباميا والقمح والذرة وأنواع الحبوب والبرسيم وغيرها من البقول موجودة بكثرة، وتباع بقيم مناسبة لذلك، وأيضًا جميع الخضراوات موجودة بكثرة، وإذا كان بالليل والصباح الباكر فجميع السيارات النقل مشحونة، ولا يكاد شيء أن يكون مفقودًا، وكانت ترد على العواصم وتأتي قوافل من القرى تزود من تلك الخيرات، أما عن علب المربيات فقد امتلأت منها العواصم، وفي كل محطة بنزين تأتي للشراء منها، وبذلك تحولت المدن والقرى في السعودية إلى حضارة تامة.
стр. 2805
ضربات من كيد الأعداء
لما أن كان في إحدى ليالي شهر صفر إلا وهي ليلة الثلاثاء الموافقة من هذا الشهر، تقدم أناس مفسدين في مدينة الخبر من المنطقة الشرقية بكارثة عظيمة، وهي أنهم أتوا بسيارة محشوة بالديناميت فأوقفوها داخل مبنى، وفروا بسيارة أخرى، فما كان إلا أن انفجرت عبوات شديدة الانفجار فنسفت المبنى وقتلت من كان داخل الطوابق، وسببت أضرارًا عظيمة في الأنفس والأثاث والأموال، وهدمت وخربت جميع ما مرت عليه، وكان الأمر في ما قيل، وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء من المفسدين والمخربين: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وهذه ثاني مرة يقوم بها المفسدون في مدينة الخبر والرياض.
ذكر ما حل ونزل في الخبر
لما وقع هذا البلاء والحادث الأليم تجلت الأمور عن هلاك ١٩ من الأنفس البشرية وجرح ٣٨٦، وتقدمت الحكومة ببذل عشرة ملايين ريال لمن دلها على هؤلاء العابثين المفسدين، وانطلقت رجال الأمن بجميع إمكانياتهم يبحثون ويتحرون التحقيقات، ويلفتون النظر للحصول على هذه الطغمة الفاجرة، وكان تفصيل الجرحى والقتلى كما يأتي:
الوفيات ١٩، وبلغ عدد الجرحى ٣٨٦ منهم ١٤٧ سعوديًا، و ١١٨ بنغلاديشيًا، و ١٠٩ أمريكي، و ٤ مصريين، واثنان من الأردن، وإندونيسيا والفلبين، وهذا شيء ترفضه الأديان السماوية ولا تقره العقول السليمة، ولا الفطر المستقيمة، ولقد بعثت الدول برقيًا وهاتفيًا استنكارها لهذا الحادث الإرهابي الذي هز العالم بأجمعه، ولا تقع المسؤولية على رجال الأمر فحسب، بل تقع على كل من تقله الغبراء وتظله الخضراء ممن يؤمن بالله واليوم الآخر بأن يكون متأثرًا من هذا العمل الإجرامي الذي يهز المفاصل ويقلق راحة الآمنين، ولقد أغلقت مدينة الخبر لأجل
стр. 2806
التفتيش والبحث والتدقيق عن مرتكبي هذه الجريمة، وأن هذا لا يقتصر على رجال الأمن بل على كل فرد بعينه أن يكون مشاركًا للملكة في هذه الكارثة الشنيعة للبحث عن مرتكبيها سواء كانوا جماعة أو أفرادًا، ولقد نشرت التلفزيونات رسوم هذا الأمر الخطير، وكان يقدر موضع الحادث الأليم في الأرض التي حل فيها حوالي عشرة أمتار وقطره عشرون مترًا، ولقد هز البيوت وأزعج الأطفال لما بدى بنور قوي حطم الزجاج، وقذف بالمكيفات وأصاب الأطفال، وأقلق الآمنين وتحطمت المحلات على بعد ثلاثمائة متر في لحظة، ولم يشعر الجيران بأنفسهم إلا في المستشفيات، وهم لا يعلمون ما صفة الحادث، ولقد عم الدمار جميع ما حوالي موضع الحادث، وتحطم زجاج السيارات، وأصيبت الأمة بدهشة ليس لها نظير، ووضعت الأمة أكفها على خواصرها من شدة الهول، ورفعت الأمة أكفها إلى السماء وهي تقول: شاء الله فإن أجهزتنا الأمنية سوف تتمكن من إلقاء القبض على هؤلاء الذين فقدوا دينهم وإنسانيتهم حينما ارتكبوا هذا الجرم الوخيم، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فآته ضعفين من العذاب والعنه لعنًا كبيرًا، اللهم اجعل من بين يديه سدًا، ومن خلفه سدًا واغشه حتى لا يبصر، سبحانك هذا بهتان عظيم، ولقد مرَّ ثلاثة أيام من حلول الحادث ولم يصلوا إلى حقيقته، وكان قدر العبوة ضخمًا، وقد بعثت الدول الكبار بريطانيا العظمى وفرنسا واليابان وغيرها استنكار ذلك الحادث الأليم الذي وقع ضد الأمن واستهدف له أناس أبرياء، وندد الرئيس الأمريكي في بيان صدر باسم الولايات المتحدة الأمريكية بالإرهاب، وصف من قاموا بهذا العمل بأنهم جبناء، وبأنهم لن يفلتوا من العقاب، وكان قدر العبوة التي نسفت المبنى المكون من ثمانية أدوار، وسقطت بأجمعها على الأرض تقدر بطنين وزيادة عن كيلوات، ولما أن وقع هذا الحادث الإجرامي هرع رجال الدفاع المدني والشرطة والمرور والأجهزة الأمنية لرفع الأنقاض وإسعاف المصابين، وانتشال جثث القتلى، حيث نقل المصابون إلى المستشفيات، فهذا أصيب بكتفه وإلى جانبه ابنته الصغرى، وهذا أصيبت يده، وآخر
стр. 2807
أصيبت جمجمته، وهذا تكسرت أضلاعه، وكانوا بحالة مزرية، نعوذ بالله من سوء المنظر في الأحباب من المسلمين، والمجاورين، ثم إنها قامت أجهزة الاستعلامات والمخابرات وطفقت تبحث عن المجرمين الذين تدنسوا بهذه الجريمة ولم يرعوا سطوة خالق ولا مخلوق، فعلها من فقد ذوقه وشعوره وإنسانيته، حتى وقع القبض عليهم وسلموا للعدالة.
وفيها في غرة شهر صفر قامت الحكومة السعودية بهدم الكعبة المشرفة، وكانت ترمم قبل ذلك ما انحل من أحجارها، وفي هذه المرة رأت الحكومة أن تهدمها وتقيمها من جديد لإزالة سقفها الذي رأت الحكومة أن أخشابه قد نخرت وساوتها بالأرض، وبدأت بها حجرًا حجرًا كانت تغسل الحجارة وتزيل أوساخها ثم تردها، فأحيطت بحائط من الأخشاب بقدر سعة للعمال، وأزيل السقف جملةً فلم يبقَ إلا الحجر، وكانت قد جعلت الحكومة ما يستر موضعها من جهة الأعلى لأن لا تؤخذ فيها رسوم أو يكشفه على العمل، وقد تسرب بعض من يرغب في النظر إلى العمل وقت صلاة العصر فيدخل محيطها، واستمرت العمارة فيها ستة أشهر وخمسة أيام والأمة التي تطوف فيها قد لا يعلمون كيفية العمل.
وفيها في ٦/ ٣ يوافق يوم الأحد ٢١ يولية ١٩٩٦ شب حريق بمكة تلف بسببه ٥٥ مليون من النقود الريالات وجيء بكل فرق الدفاع المدني في العاصمة المقدسة، ودعي ثلاث فرق من مدينة جدة، وثلاث فرق من الطائف، فبلغ مجموعها ثماني عشرة فرقة، وشارك الأهالي بوايتات الماء حتى بلغت ١٥٠ سيارة من الوايتات، ولبث الحريق يعمل من الساعة الواحدة بعد منتصف الليل الى تمام الثانية عشرة ظهرًا بعدما جيء بالسلالم والآلات الحديثة، فما استطاعوا إخماد الحريق إلى بظرف اثنتي عشرة ساعة، ولكنها سلمت الأنفس البشرية، نسأل الله السلامة، وكان موضعه بالعزيزية في مكة المشرفة.
وفيها في ١٥ ربيع الأول أصيب ثمانية أشخاص تتراوح أعمارهم من الرابعة والعشرين إلى الثلاثين تناولوا طبقًا من الحمص متسممًا فادعى به إلى آلام في
стр. 2808
أجوافهم وسوء حالة محزنة، فأودعوا بمستشفى جدة على الأكلة التي تناولوها من مطعم أبي رشاد في الروابي، ولكنهم سلموا وتحدثنا كتب طبائع الحيوانات أن الوزغ الخبيث إذا سقط في طعام أو ماء فإنه يسبب أضرارًا شديدة، ولهذا أمر الرسول ﷺ بقتله وسماه فويسقًا، وقد حدثني أحد الثقات أنه لما عاد إلى بيته بعد الدوام من العمل، وقدم أهله له طعام الغداء، فأقبل ليتناوله وقبل وصوله إليه رأى رشقًا ظهر في الماء على السطح فتتبعه ليرى من أين أتى ورأى في السقف وزغ لما حاذاه من جهته بصق فيه ليؤذي من تناوله، فأصبح الخبيث عدو الإنسان، وما أحسن الاحتراز من كل ما يخافه الإنسان، كما أشار إليه العالم الجليل أبو الفرج بن الجوزي في صيد الخاطر من مؤلفاته ﵀.
وفيها في دخول شهر ربيع الأول أوائل نوء الهيعة بحساب الراعي بالجوزاء الثانية ٢٥ السرطان ١٦ تموز اشتدت وطأة الحر وأصيب الشرق الأوسط بموجة حر لم تعهد منذ زمن طويل، وبلغت درجة الحرارة في بعض المدن ٤٨ درجة، واستمر الحر الشديد، أما في بريدة فقد تجاوزت الدرجة بعض الأوقات الخامسة والأربعين، وكان ضعفاء الأبدان لا يستطيعون السير في منتصف النهار، وقد تأثرت المكيفات الكهربائية من شدة الحر، وقامت الجهات المسؤولة في شركات الكهرباء تنصح وتحذر عن الحرائق وما ينجم عن اشتداد الحرب في منتصف النهار، وأمرت بمراقبة التيارات الكهربائية لأن لا تتفجر، نسأل الله تعالى أن يلطف بالمسلمين، وكانت المراوح الكهربائية قد لا تفيد شيئًا لحرارة السموم.
بعد صلاة الجمعة ٢٥/ ٣ أجرى العقاب بالقتل على ثلاثة مجرمين ارتكبوا الفاحشة والعياذ بالله.
وفي يوم الثلاثاء الموافق ٢٢/ ٣ قامت روسيا تضرب الشيشان بالدبابات والمدافع والقنابل التي قامت الطائرات تقصفها بها من دون رحمة ولا هوادة، واستمر القصف ستة أيام، ولكن الشيشان صمدت وقابلت ذلك القصف بالثبات وصدق الدفاع، وقضت على الاعتداء بقتل أحد زعماء الروس حتى
стр. 2809
لاقى حتفه، وردتها خائبة مدحورة على أعقابها، وأثبتت لها ذلك جدارةً تفوق كل شجاعة.
وفيها في ليلة خامس وعشرين جمادى الأولى في آخر الليل انخسف القمر خسوفًا كليًا، وطلع الفجر وهو مختفي، وحصل ارتباك من بعض الأئمة لأنهم ليسوا كلهم علماء، فصلوا الفريضة في أول وقتها، وبعد الفريضة قاموا بصلاة الكسوف، فطلعت الشمس وهم يصلون لأن الواجب إذا حصل قبل ذلك أن يصلي الكسوف في وقته وبعد صلاة الكسوف تصل الفريضة، لأنه إذا طلع الفجر لا يصلى له لأنه ذهب وقت الانتفاع به فلا يصلى، نسأل الله تعالى البصيرة في الدين.
وفيها قامت أفغانستان بثورة على رئيسها، ولما حصلت هذه الثورة والعياذ بالله نشأ عنها أن فرَّ النساء والأطفال والضعفاء إلى كهوف الجبال والمخابئ عن القصف والضرب والمذابح لعلهم ينجون ويسلمون، وجعلوا يتوقعون ماذا يحل بالأمة، وخافت الآيامى من جراء هذه الفوضى والفتن والمحن، وكانوا لما أن انتصرت الأفغان على عدوة الإسلام روسيا الشيوعية سعى إبليس بينهم بالتحريش والعداء، وكلٌ يخطب الرئاسة لنفسه، وما زالت الأمم الإسلامية تناصحهم وتحثهم على الاجتماع وعدم التفرق لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، ولكنهم لا يزالون في الفرقة والاختلاف وبحالة سيئة لا يحسدون عليها، ومثلهم في هذا الغي والمحنة أهالي الصومال في النزاع والثورة، وسوء الحال بالرغم من بذل الإرشاد والنصائح لهم، ولقد لحق الدولتين المنازعتين الفقر والعذاب والبلاء والأمراض الفتاكة لأنهم انشغلوا عما يصلحهم ومالا يصلحهم، وقد هلَّ هلال جمادى الثانية من هذه السنة ولم تهدأ منهم تلك المجازر والفتن، وقد رقص الشيطان بينهم في النزاع وإثارة الفق والمحن، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنه لمما يثير الأحزان ويبعث الهموم أن تصبح الأمم الإسلامية بهذا الوضع.
стр. 2810
ذكر بادرة من بوادر النقص والرذيلة
لما أن كان في يوم السبت الموافق ٢٨ ثمانية وعشرون من جمادى الثانية من هذه السنة عشر على عصابة بلغ عددها ثلاثين من الأشقياء الذين أضاعوا دينهم وشرفهم، فقاموا بتهريب كميات من المخدرات والمسكرات، ولما أن بلغوا مدينة جدة أحاطت بهم القوات السعودية، ذلك لما كانت التحذيرات والإنذارات تحذر وتنذر باجتنابها والوعيد الشديد لمن يرتكبها، وكان أولئك الأشقياء قد أقدموا على هذا الأمر الشنيع، ولما أن رأوا البلاء أحاط بهم قاموا يدافعون عن نفسهم بإطلاق رشاشاتهم، فقد أصيب الضابط الذي يرأس فرقة الشرف والعز والكرامة فلقي حتفه، وجرح أحد القوات المضادة لكيد هؤلاء الأرذلين، فلما تيقنوا أن القائد لقي حتفه وجرح الآخر لم يبقَ إلا مقابلة الشر بمثله فأطلق الأسلحة عليهم فسقط خمسة وألقي القبض على بقيتهم، وراح ضحية ذلك القائد الشجاع السعودي زايد فيصل بن سعد العتيبي، وقد وجد مع الأشقياء لباسات نسائية ليتمكنوا من الفرار تحت أستار مخزية، فنعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وفيها في أحد أيام جمادى الآخرة قام إعرابي شمّري بالإقدام على قتل والده، فأطلق عليه ثلاثة عيارات نارية، وبعدما سقط قتيلًا حمله وألقاه في بئر، ولكن الله وفق قوات الأمن فألقت القبض عليه، وقتل بعد عرض قضيته على الحكومة والمحاكم الشرعية، ومن المعلوم أن هذا الجاني قد فقد دينه وإنسانيته.
وفيها في ٢٥/ ٦ من هذه السنة جددت انتخابية الرئيس كلينتون، وثبت على نهجه لأنه كان مسايرًا للناس، وذا حكمة في تصرفاته.
وفيها في يوم الاثنين الموافق ٣ جمادى الآخرة استسقى المسلمون في سائر المملكة فأغاثهم الله تعالى وهطلت أمطار على مكة والطائف وجدة خمسة أيام والأمطار متوالية نزولها، وسقط بسبب ذلك بيوت في مدينة الطائف، كما هطلت أمطار على القصيم وكانت كثيرة على بريدة وعنيزة وروضة الربيعي والباطن، وما إلى ذلك، وتوالى هطول
стр. 2811
الأمطار على سائر نجد، وقد تهطل الأمطار متوالية بقدر أربعين ساعة لا تتوقف، وذلك بنوء العذراء آخر الوسمي، وجاءت الأنباء من ظلم وما يليها، ومن المهد بأن الأخير أحاطت بها الأودية من كل جهاتها فما استطاعوا السير منها إلى على متن الطائرات.
وفيها في غرة شهر رجب من هذه السنة ألقي القبض على المخربين الذين فجروا العبوات الناسفة في مدينة الخبر في شهر صفر الماضي، وأحدثت أضرارًا عظيمة في الأنفس والأموال هناك، ولما أن أرادت الحكومة السعودية أن تجري عليهم العقوبة اللازمة مقابل أعمالهم الإجرامية، طلبت الحكومة الأمريكية أن تتولى التحقيق معهم واتخاذ ما يلزم نحوهم لأن الذين قتلوا من جراء تفجيراتهم من رجال أمريكا بلغوا ١٩ قتيلًا، هذا ما نقصت منه أمريكا، وأما الذين أصيبوا وغيرهم فقد تقدم ذكر عددهم.
وفيها في أوائل شهر رجب أجريت انتخابات الأمين للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي، وبما أنه فاز بالانتخاب سوى أن أمريكا لم توافق على ذلك.
عود على ما تقدم
ذكرنا توالي هطول الأمطار فيما تقدم فنقول: توالى هطول الأمطار على سائر نواحي المملكة السعودية، حتى سقطت البيوت في مدينة الطائف، وجرى فيها سيول، حتى أن بعض العوائل أخرجوا إلى الشوارع وجلسوا على الأرصفة خشيةً على أنفسهم من تهدم المنازل عليهم، وقد برزت إحدى النساء متحجبة بثيابها وأكسيتها وجلست في الشارع تنتظر إياب زوجها بعدما حمل السبيل أثاثها، وسقط بيتها لترى ما يصنع الله بها، وقد بعثت الحكومة مساعدات من خيام وفرش وكسوة للمصابين من أهل الطائف وجدة، ومعونات تنقذهم من تلك الورطة، وأنه ليجب على أمة الإسلام أن يتكاتفوا ويتعاضدوا ويعطف بعضهم على بعض، لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وقد ذكرتني هذه الحادثة ما مرَّ في سنة ١٣٧٦ هـ حينما تداركت السيول على منطقة القصيم من هطول الأمطار بكثرة
стр. 2812
على تلك المنطقة بحيث سقط من جرائها ثلاثة آلاف بيت في مدينة بريدة، وفرَّ الأهالي من منازلهم وأماكنهم إلى الفلاة، فكانت السماء غطاء الفقراء والأرض فراشهم لا يوجد من الخيام الا القليل، فكانت الأمة تحت السماء تصب عليهم، والأرض تفيض من تحتهم، ومنهم من كانوا تحت أظلة أسقفة زرائب الحيوانات من كثرة ما ينطوي تحت سقوفها واصطنعوا مساجد في الفضاء لما كانت مساجدهم لا تغني عنهم شيئًا، وأصبحوا معدمين إلا من رحمة الله ربهم، ثم عطف حكومتهم، فشهران سوى أيام قليلة لم تُرَ الشمس، ولما طلعت الشمس جعلوا يستبشرون بها، ولقد كنا نواسي المنكوبين من العرب والمسلمين لما توجبه العاطفة الإسلامية إذا أنكبوا هكذا، أفصحت إحدى الجرائد السعودية وباحت بما لديها، وقد تقدمت القصة مبسوطة في موضعها فعلى من أحب مراجعتها فليراجعها، نعم كنا نبذل المساعدات للمنكوبين حسب إرشاد حكومتنا وطلبها، كما بذلتا للجزائر في أزمتها وورطتها مع فرنسا، وكما بذلنا المساعدات لمصر في الحرب الثلاثية وغير ذلك مما توجبه العاطفة وتفرضه العادات التقليدية، وفي كلام الحكمة: ما تعاونت عليه الرجال خف، ومن عدم ظهيره، وقل نصيره، وخذله أعدائه، ولم تساعده إخوانه، وكثر أعدائه، وهذه حالة بني الزمان اليوم المعروف لا يشكر، والكبير لا يوقر، والصغير لا يرحم، وقد قلَّ العطف على الفقراء والمساكين من أهل الجدة والثروة، وهذا عكس ما كان عليه أسلافنا من الصحابة والتابعين لهم بإحسان بحيث لو سمع أحدهم بمصاب لقام يواسيه، وإن كان فقيرًا جعل يعطيه، ولو كان بعيدًا يهديه، وقد ذكرنا في بعض المناسبات أن أرملة ذكرت لوزير من الوزراء في أحد المساجد هي وأولادها جياعًا عراة معدمين، لا طعام لهم ولا شراب في ليلةٍ باردة شاتية، فأدركته الرحمة والعاطفة الإسلامية فبعث إليهم بما يصلحهم من طعام وفرش وكسوة وغيرها، ثم خلغ ثيابه وأقسم أن لا يلبسها حتى يأتيه الرسول فيخبره بما صنع، فلما رجع إليه وأخبره بأنه نفذ أوامره، وكان ينتفض من شدة البرد، وعاد إلى
стр. 2813
كسوته وملبوساته فأين إسلامنا يا مسلمون، وأين عطفنا يا مؤمنون، وأين حميتنا يا موحدون، أما قال النبي ﷺ : "الخلق عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله (١) وقال ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتناصحهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى لهم سائر الجسد بالسهر والحمى" متفق عليه، وفي رواية: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم" وما زال النبي ﷺ يوصي بحقوق المسلمين بعضهم لبعض حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وأمر بتعاهد الجيران والرفق بالجيران، وتقبيل الصبيان ورحمتهم، ولو أن المسلمين أخذوا بتعاليم الشريعة لأفلحوا ونجحوا وسارت بهم سفينة الفلاح والنجاح، ولكنهم ويا للأسف أضاعوا وصية نبيهم، بل وتوصياته، وتخاذلوا وحدثت فيهم الأنانية، وهي إصلاح المرء نفسه وعدم الاعتناء بغيره، وهي مذمومة قطعًا.
وفيها في يوم الخميس الموافق ٢٤/ ٧ أقيمت صلاة الاستسقاء في سائر نواحي المملكة السعودية حسب طلب الملك للمرة الثانية في هذا الشهر، لأن الغيث الذي أنزله الله من فضله وكرمه لم يعم المسلمين، فغالب المدن والنواحي ترجوا من كرم الله وفضله أن يسقيهم كإخوانهم.
وفيها قامت حكومة قطر ترأسها حكومتها الجديدة حمد بن خليفة بنزاع مع البحرين، وتقرر أن قطر تعمل بالخفاء ضد البحرين، فتوترت العلاقات بين الحكومتين، ونشأ سوء تفاهم بينهما.
وذلك في رجب من هذه السنة مرض الملك فهد بن عبد العزيز وكان يقوم ببعض الأعمال ولي العهد عبد الله بن عبد العزيز بمساعدة بعض إخوانه، وقد بعث جلالة الملك سيارات لبعض رؤساء هيئات الحسبة مساعدة لهم في أعمالهم، وكان
стр. 2814
مرضه ضعفًا في قيامه وجلوسه ومشيه، نسأل الله له العافية، وهذا وقد قام نجله الشاب الفاضل سمو الأمير عبد العزيز بن فهد بطباعة بعض الكتب الدينية السلفية مجانًا تصل إلى المشايخ، فجزاه الله خيرًا، وإنها لبادرة حسنة خيرية، ومن هذه الكتب الطرق الحكمية، وتنبيه الغافلين لابن النحاس وغيرها، ولا بدع ولا غرو فقد سبقه إلى هذه الحسنات، والأحكام السلطانية.
ذكر الانتهاء من عمارة الكعبة
لما أن كان في يوم الاثنين ٦ شعبان عام ١٤١٧ هـ انتهت عمارة الكعبة المعظمة بعد مضي ستة أشهر تقريبًا من ابتداء العمل بطمأنينة وسكينة، حتى أنه يتخيل إلى المعتمرين والمصلين والطائفين أن ليس هناك عمل، وخرجت بثوبها الشريف كأحسن ما يكون جمالًا ورونقًا ومنظرًا، وذلك في اليوم ٦/ ٨ الاثنين الموافق السادس عشر من سبتمبر الميلادي عام ١٩٩٦ م كانون الأول ٢٥ القوس عاشر نوء الإكليل عاشر المربعانية من سنة ١٣٧٥ الشمسية، وقد أقيم في اليوم المذكور احتفال يرأسه ولي العهد عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الرحمن، ودعي لذلك الاحتفال الذي قام به ولي العهد بالنيابة عن الملك جميع الرؤساء والمسؤولين لتغسيل الكعبة المعظمة، ومن كل دولة قد حضر عضو يمثلها من أهل الإسلام، فكان يومًا مشهودًا ويومئذٍ يفرح المؤمنون، وقد رفع المدعوون وجميع الحاضرين أكفهم بالدعاء والشكر لله ثم للمملكة السعودية لقيامها بهذا العمل، وكان هذا الغسيل إيذانًا بانتهاء العمل التاريخي المبارك، وقد حضر الاحتفال كلٌ من عبد الرحمن بن عبد العزيز نائب وزير الدفاع، والأمير فواز بن عبد العزيز، والأمير عبد الإله بن عبد العزيز، وأمير المدينة المنورة عبد المجيد بن عبد العزيز، وأمير مكة المشرفة ماجد بن عبد العزيز، والمشرف العام الرئيس لشؤون الحرمين، ووزير الحج والأوقاف ورئيس الرابطة الإسلامية، ورئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وسائر أبناء عبد العزيز وأبنائهم، وأعضاء السلك الدبلوماسي العربي، والإسلامي.
стр. 2815
ملاحظة: قيمة هذه العمارة للكعبة المعظمة لم يحدث مثلها في التاريخ منذ أكثر من ثلاثمائة سنة وسبعة وسبعين عامًا المصادف لعام ١٠٤٠ وقد استهلت عبارات الاحتفال ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين، تم بعون الله وتوفيقه في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود الترميم والتجديد الشامل للكعبة المشرفة سقف الكعبة والأعمدة الثلاثة حوائط الكعبة من الداخل والخارج، والأرضيات رخام السطح والحوائط والأرضيات، والسلم الداخلي الشاذروان جدار حجر سيدنا إسماعيل ميزاب الكعبة المشرفة، تقبله عملًا صالحًا وأجزل الأجر والثواب، والحمد لله رب العالمين، وتتشرف المملكة العربية السعودية بخدمة الحرمين الشريفين لتكون دائمًا وإلى ما يشاء الله في استقبال المسلمين الراغبين بأداء الحج والعمرة والزيارة لينعموا في قضاء مسكنهم بكل سرور وسهولة، في مناخ آمن وجيد، وظروف طيبة بحمد الله هكذا أذاعت جريدة الرياض في عددها ١٠٤٠٤ تاريخ الأربعاء ٨ شعبان ١٤١٧ هـ الموافق ١٨ ديسمبر ١٩٩٦ م السنة الثالثة والثلاثون كانون الأول.
وفيها في ٢١ شعبان أذاعت الحكومة السعودية ميزانية الدولة، وكان فيها بعض المشاريع العائدة على الأمة بالخير، واستبشر المسلمون بذلك لأن الحكومة قبل هذه السنة مشغولة بخسائر ونفقات حرب الخليج، وفي هذه السنة تنفست الحكومة الصعداء، وقد بلغت الميزانية المرصودة لسنة ١٤١٧ هـ و ١٤١٨ هـ والأمور تنشر بخير مبلغ.
وفيها بمناسبة دخول شهر رمضان أذنت الحكومة السعودية بزيارة أهالي السجناء لأقربائهم في السجون تقديرًا لشهر رمضان.
زلزال يقض إيران
لما أن كان في يوم الثلاثاء الموافق ٢٦/ ٩ أصيب شمال إيران بهزتين، فخلف هذا الزلزال ٧٩ قتيلًا و ٢٦٠ تجريحًا، وتشريد خمسة وعشرين ألف شخص من
стр. 2816
منازلهم، وكان ذلك من تمام عجائب قدرة الله تعالى، كما أنه في نفس ذلك اليوم والشهر أصيبتا طائرتان من طائرات العدو الإسرائيلي متجهتين لقصف لبنان، فأحدث ذلك انزعاجًا لدى اليهود، واستبشر المسلمون بهذه العقوبة التي قد تكون من دعاء المسلمين وتأثيره على تلك الدولة الخاسرة، وقد هلك فيها ثلاثة وسبعون راكبًا، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء.
سفرنا لزيارة المدينة المنورة
لما أن كان في ضحى الاثنين الموافق ٣/ ١٠ من هذه السنة سرنا من الوطن إلى مدينة الرسول ﷺ فقدمناها قبل الغروب، وبعدما أمنّا أنفسنا نحن ومن صحب من العائلة ببيت في العنبرية يحتوي على أربع غرف وثلاث دورات مياه بقيمة من الأجرة قدرها سبعمائة وخمسون ريالًا لثلاثة أيام، وبعد صلاة تحية المسجد والسلام على رسول الله ﷺ وصاحبيه في الحجرة الشريفة سرنا من الغد لرؤية توسعة المسجد المدني النبوي الأخيرة التي كملت في منتصف السنة ١٧ بعد ألف وأربعمائة، فرأينا شيء لا تبلغه العبارة، لقد كلفت هذه التوسعة الأخيرة في عهد الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود من الجهات الثلاث شمالًا وشرقًا وغربًا، واحتوت على رقعة كبيرة من الأرض بحيث لم يسبق لها نظير من لدى نزول آدم إلى الأرض، وقد كلفت المليارات من النقود على نفقة الدولة السعودية وبيت المال بحيث لم تشترك معها أي دولة أخرى، بحيث أن الداخل في الحرم النبوي قد يضل الطريق، فلا يهتدي إلى الروضة الشريفة والحجرة النبوية إلا بسؤال المستخدمين في المسجد، وقد أقيمت على أعمدة واسطوانات لم يسبق لها نظير، وبتصميم عجيب جلب له أجانب بناءون من سائر المعمورة، وكانت توسعة الملك المغفور له عبد العزيز ﵀ لم تكن إلا في زاوية منها تقع في وسطها من الجهة الشمالية، أما عمارة الدولة العثمانية في الجهة الجنوبية فكانت بقوتها وتصميمها ونقوشها لم تتعرض لتغيير بل على وضعها القديم، وقد طرزت وخدمت خدمة كافية بالأنوار واللمبات لما تطورت الحياة العصرية بخدمة الكهرباء بما تحتوي عليه من الكتابات
стр. 2817
القديمة العربية بالقلم العريض، وقد كانت الإضاءة فيها بالكهرباء ليلها كنهارها، فلا يتغير الطقس، ومن العجائب أن الكهرباء على الدوام في الإضاءة كالشمس في رابعة النهار، وكما أن الحجرة الشريفة بهيكلها القديم وجمالها ووضعها قد كسيت بحلل التطريز عليها من رونق الحسن ما يبهر العقول من الإجلال والتعظيم، كسيت بأعظم حلة عليها طراز بالملاحة معلم، ولمكانتها في جميع أقطار الأرض فإن الحكومة السعودية بحكمتها ومراعاة للظروف لم تزدها إلا تحسينًا وخدمةً وتعظيمًا لأنها قد احتوت على الذات الشريفة التي لم يكن في السماوات والأرض بعد عظمة الباري الذي هو أعظم من كل عظيم أعظم منها، وما زالت الملوك والعظماء يحترمونها بما يليق بها، ولكنها لم تسمح الحكومات الإسلامية بطول المدة واختلاف الملوك والرؤساء يحافظون على عدم تقبيلها والتمسح بها نزولًا على الامتثال للشريعة المطهرة، وكانت لولا احتشامها وحمايتها لم تسلم من أذى الرافضة والحيلولة بينهم وبينها، ولقد كانت الدوريات ورجال الأمن يبذلون جهودًا جبارة في هذا السبيل ليعلم المفسدون أن في الحياض من يزود عنها، ولقد كلف بالحرم الشريف النبوي خدم يقومون بالمناديل والتنظيف وإزالة الغبار عن الدواليب والمصاحف يوميًا، وتغسيل أرضية المسجد، وقد جلبت الحكومة السعودية أنواع الزوالي الفاخرة المستحسنة بحيث لو قلت أنها تقدر قيمتها بسبعين مليونًا لما كنت مبالغًا، وكانت المنارات قد رفعت وأقيمت بكثرة، وقد رأيت قباب المسجد متحركة إذا أرادوا دخول أشعة الشمس والهواء المتجدد، ونصبت شماسي في رحبات المسجد وقايةً من الشمس، وملئ المسجد بالمصاحف المطبوعة على نفقة الدولة، وتطورت الأحوال بعدما كان الحجاج يهدون المصاحف للحرمين الشريفين فيما مضى من نفقاتهم الخاصة، فقد قامت الحكومة بمشروع طباعتها في مجمع الملك فهد، وانتشرت هذه الطباعة وبعثت بالآلاف إلى المسلمين وعشرات الألوف إلى مساجد المعمورة، كما أقيم في باطن الأرض مواقف للسيارات في المسجد النبوي، وجعل أسفل الأرض شوارع وإشارات.
стр. 2818
وفيها وفاة الشيخ ابن محمود قاضي قطر ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته:
هو الشيخ العالم عبد الله بن زيد بن محمود، ونحن نسوق الترجمة على ما نشرته إحدى الجرائد السعودية بقلم محمد بن عبد الله الشريف، انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الخميس الثامن والعشرين من رمضان عام ١٤١٧ هـ في مدينة الدوحة فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية في دولة قطر عن عمر يناهز التسعين عامًا، وقد فقد الإسلام والمسلمون بوفاته علمًا من الأعلام المنيرة في التاريخ الإسلامي المعاصر لما يتمتع به ﵀ من علم واسع غزير، وحكمة بالغة، وتواضع جمّ، وأسلوب مشوق ممتع، وقد أكسبته هذه الصفات وغيرها من الصفات الأخرى الحميدة التي كان يتحلى بها، ويندر أن تجتمع في عالم واحد أكسبته ملكة التبحر في العلوم الشرعية والتبصر في آفاقها الرحبة ومدلولاتها الواسعة، وتبسيطها وتقريبها إلى أذهان العامة، مما ساعد على تعميق معاني الإيمان الحقة لدى كثير من الناس وتحببه إلى قلوبهم، كما أكسبته هو تلك السمات والخصال محبة من عرفوه أو أخذوا عنه، كما ساهم ﵀ بمؤلفات عديدة في خدمة الإسلام وتيسير العبادات، ومساعدة المسلمين على أداء شعائرهم الدينية، وإزالة ما علق بأذهان العامة من غموض أو جهل بأمور العبادات والواجبات الدينية، وكان من أشد المجاهدين في سبيل رفع راية الإسلام، ومحاربة البدع والمنكرات، وقد جاهد بلسانه وقلمه في سبيل الاحتفاظ بعقيدة الأمة طاهرة نقية من البدع والانحرافات، وكان لا يتردد في نصح أولياء أمور المسلمين بما يراه محققًا لتطبيق الشرع ومصلحة الأمة، ولد ﵀ في حوطة بني تميم من أسرة تنتمي إلى ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب، ورحل عنها وهو يافع في طلب العلم على أيدي عدد من العلماء منهم: الشيخ عبد الملك بن إبراهيم، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ محمد بن مانع، واختاره محمد بن إبراهيم ضمن عدد من العلماء للوعظ والتدريس في المسجد الحرام.
وفي عام ١٣٥٩ هـ قدم إلى مكة حاكم قطر الشيخ عبد الله بن قاسم آل ثاني
стр. 2819
لأداء فريضة الحج، وطلب من الملك عبد العزيز يرحمه الله ترشح أحد القضاة ليتولى مهمة القضاء في قطر خلفًا للشيخ محمد بن مانع، فكان أن رشح الشيخ عبد الله بن محمود لهذه المهمة، واستمر بها إلى أن وصل إلى منصب رئيس المحاكم الشرعية، وعرف عنه في ممارسة العمل وأحكامه بالقراءة المتعمقة، والتبكير في الحضور إلى مقر العمل، وحل المسائل الصعبة، والعد والنزاهة والاجتهاد، ووسع في الإصلاح بين الخصوم، وكان شغوفًا بالدرس والمطالعة والتنقيب والبحث في المراجع والكتب، وقد ساعده وحباه الله من مقدرة على الحفظ والاستيعاب على حفظ الكثير من المتون والأحاديث والمذاهب، وإلى جانب ذلك كله كان له اهتمام بالأدب والشعر، وكان يحفظ فيهما الكثير مما يستعين به أو يستشهد به في أحاديثه وكتاباته، وقد ألف عددًا كبيرًا من الكتب في مختلف المجالات الدينية منها لحكم الجامعة، وأحكام عقود التأمين في الإسلام والربا بأنواعه، والجهاد المشروع في الإسلام، وقد توجه ﵀ في مؤلفاته إلى معالجة المشاكل التي يواجهها المسلمون، أو توضيح ما خفي من أمور الدين والعبادات وتنقيتها من البدع، أو الرد على المفترين على الإسلام، رحم الله الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رحمةً واسعة، وعوضَّ الإسلام والمسلمين بفقده خيرًا، وألهم أهله وذويه حسن العزاء، وأعانهم على الوفاء عما قدم من أعمال، والله المستعان، قال المؤرخ: إخلاصًا للتاريخ وإن عليه لمأخذ والله يغفر له، منها أنه يحب الخلاف كاجتهاده في مسائل الحج وقد ردَّ عليه فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم وترجيح أن الأضحية عن الميت غير شرعية، وقد رد عليه الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، والشيخ علي بن عبد الله بن حواس وغيرهما، والصواب معهم ويرى دفع الفطرة نقودًا عما قرره الشارع في دفعها من الأصناف الخمسة، ولعل هذا من أسهل خلافاته نظرًا منه إلى توخي المصلحة في وجود الأفران والمطاعم في هذا الزمان، وكلٍ يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم، وكان يرى صلاة ما له سبب في أوقات النهي وإن كانت من أوقات النهي القصار مع غروب الشمس أو مع طلوعها، وقد تقدم في سنة (١٣٩٠ هـ) عن المترجم، وذكر دولة قطر ما فيه كفاية.
стр. 2820
(وفيها) في يوم الخميس (٢٠/ ١٠) أقيمت صلاة الاستسقاء في سائر أنحاء المملكة للجفاف وتأخر الأمطار فأمر الملك بذلك لعل الله أن يعم المسلمين برحمته.
(وفيها) في أواخر شهر شوال أصيبت (إيران) بزلزال في الشمال الغربي، هلك بسببه عدد وجرح عدد كثير وفر عن الموضع آلاف، وقد بعثت بعض دول الخليج تعازي إلى الرئيس رفسنجاني ومعونات تواسيهم.
(جريمة شنيعة) لما كان في يوم السبت (٢٧/ ١١) من هذه السنة أحضر الجاني: محمد أحمد مصلح يماني في ساحة القتل باليمن، وكان عمره ٤٨ سنة فأطلق عليه خمس رصاصات قضت عليه بالإعدام؛ لإطلاقه النار من بندقيته على مئات من تلاميذ المدارس في يوم الأحد الموافق (٢١/ ١١) فيما أخذت حشود من أهل اليمن، وأشرفت حشود من أسطح المنازل يهتفون ويصفقون ويصفرون مع إطلاق الرصاص على الجاني ويكبرون (الله أكبر) وكان الجاني قد أطلق على مدرستين في صنعاء العيارات النارية فقتل أربعة من التلاميذ وناظرة المدرسة ومدرسًا، وكان أولئك الحشود يكبرون ويهتفون - تحيا العدالة - وكان قتله أمام المدرستين اللتين جنى عليهما تلك الجناية، وذلك بعد ما صدقت محكمة اليمن على القتل غير أنها ألغت صلبه ثلاثة أيام.
(جريمة شنعاء) لما كان في أحد الأيام من شهر ذي القعدة سنة (١٤١٧ هـ) خرج سائق مصري بسيارته كان يحمل الفتياث من السعودية بمدينة الرياض لتوصيلهن إلى مقر أعمالهن في التدريس وكانت المدرسات قد قبضن رواتبهن، وكان مصطحبًا زوجته، فمال بالسيارة وخرج عن الطريق، فقلن له إنك خرجت عن الطريق، فقال إلى قريب، فلما أن كان في موضع بعيد عن البلد نزل بهن وسلبهن رواتبهن،
وتركهن بقطع من الأرض، وفرَّ بالسيارة، فلما كن هذه الحالة السيئة قدّر الله لسبب نجاتهن أوقفت إحداهن صاحب سيارة فحملها إلى أقرب مركز من مراكز الأمن، فبعثوا إليهن بسيارة حملتهن إلى بيوت أهاليهن وألقى
стр. 2821
رجال الأمن القبض على المجرم وزوجته، ولا ريب أن هذه الفعلة الشنيعة والجريمة الرذيلة لا تكاد تصدر من مسلم ولا ممن كان له شيمة وأنفة، بحيث لم يفعلها اليهود ولا النصارى، فقبّح الله الخبثاء، ولعن الله كل لئيم، وأنزل بهم أليم عقابه، فعياذًا بالله من سوء الأعمال ومنكرات الأخلاق، وكان هذا المجرم قد قص جوازه قبل ذلك لسفره إلى مصر بطائرة، فعند ذلك صدرت الأوامر كلمح البصر إلى المطار العالمي في الرياض بأن تتوقف الحركة، وفتشوا على الخطوط الجوية حتى ألقي القبض عليه وعلى زوجته بتوفيق من الله، ثم قيام رجال الأمن بهذه المهمة.
وفيها في ٤/ ١٢ أصيب القصيم بموجة برد شديد جاءت في فصل الربيع ٩ من المقدم ٢٢ الحمل وكادت أن تهلك الأشجار لأنها في غير وقتها، لولا أن الله سلم.
وفيها في آخر نهار الجمعة الموافق ٢٦/ ١١ ١٥ من برج الحمل ١٤١٧ هـ هبت عاصفة شديدة مثيرة للغبار على مدينة حفر الباطن، ولشدتها كسرت الأشجار وحطمت أخشاب الشبكة الكهربائية، فانطفأ لذلك التيار الكهربائي، وقد تكسر لذلك بعض شبابيك المنازل والنوافذ، واستمرت ساعة من الزمن.
ذكر أعمال الشياطين ومضرتهم على أمة الإسلام
لما استكمل عدد حجاج بيت الله الحرام في منى في الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، وكانت منى محاطة بخيام حجاج بيت الله الحرام نفَّذ أولئك الشياطين أغراضهم الخسيسة الرذيلة بتفجير عبوات في الساعة المذكورة من يوم التروية ٨/ ١٢ من عام ١٤١٧ هـ، وكان أولئك الفجرة يريدون خيام الحرس الوطني، فعرفة على المنزل، فثارت النيران بجحيمها وأهوالها تزمجر في تلك البقعة من منى التي أحاطت بها خيام حجاج بيت الله الحرام، ولم يرعوا لله حرمة، فنسألك يا ربنا بأنك
стр. 2822
لا تخلف الميعاد، ونطالبك ربنا بالانتقام منهم كما وعدتنا، ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، وأن تذيق من فعل ذلك أو سبب له أسبابًا من عذابك الأليم، وما كنت أظن من فعل ذلك الفعل الدميم إلا من خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وفقد دينه ومروءته وإنسانيته، وكنت ممن حج في هذا العام، فلما أن اتجهنا إلى جهة منى إذا الحجاج واقفين مدهوشين، وإذا سماء منى تثور دخانًا أسود ينقطع في الجو كالجبال السود، فقيل لنا حدث في منى حادث وتمزقت جثث من أراد الله هلاكه، وجرح خلائق واحترقت خيام حجاج بيت الله الحرام، وقد أغلق منى فلا يدخلها أحد سوى السيارات الوايتات لرش المياه على الحرائق، وسيارات الإسعاف لحمل الموتى وإنقاذ الجرحى، سبحانك هذا بهتان عظيم، فقامت الأمة تضرب أخماسًا بأسداسًا لا يملكون إلا دمعةً محرقة، فهذا مجروح بماله المحترق وأثاثه الذي قضى عليه الحريق، وخسره أهله، ومن الناس من فرَّ إلى مكة المكرمة واستأجروا بيوتًا بنفقات باهظة، حتى بلغ أحد البيوت لستة أيام قيمة ثلاثين ألفًا، فعياذًا بالله، وكنت أظن أنها لا حادثة تشبه هذه الحادثة سوى حادثة القرامطة عام ٣١٧ هجرية من كونهم قتلوا الحجاج وألقوهم ببئر زمزم، وقلعوا الحجر الأسود وباب الكعبة المشرفة، أين احترام حرم الله الذي حرمت أشجاره وطيوره احترامًا لتلك البقعة المقدسة، لقد تألمت الأمم الإسلامية لما جرى، وحدث من هذا الفعل الذميم، والأمر الشنيع، فرجعنا إلى مكة، ولما أن كان قبل الغروب خرجنا لمنى فقيل لنا الأمور على وضعها، ومنى مغلقة، ولم يستطع لا الدفاع المدني ولا رجال الأمن السيطرة على الحريق، كذلك البلديات قد وقفت ذاهلة متحيرة من عظم ما جرى، فرجعنا إلى مكة وخرجنا من صباح يوم عرفة إلى عرفة تاركين منى لأنه مخيف، وقد بلغ عدد الهلكى ما يزيد على خمسمائة قتيل وعدد الجرحى ثمانمائة أو يزيدون، أما الخيام التي احترقت فبلغت سبعين ألف خيمة على جهة التحقيق، ولا أكون متجاوزًا أو مبالغًا عما جرى من الحادث.
стр. 2823
ذكر زلزال يحيق بشهالي إيران
لما أن كان في السنة المتقدمة سنة ألف وأربعمائة وسبع قام الإيرانيون بثورة أمام المسجد الحرام، فقتلوا بعضًا من حجاج بيت الله الحرام، وانتهبوا ما وقعت أيديهم عليه من أموال أهل مكة التي تلي الجهة الجنوبية من الحرم الشريف، واستعملوا سواطير وسكاكين ومقارض زعموا أنها جمعوها لتقطيع لحوم الهدايا والأضاحي، فسطوا على حجاج بيت الله الحرام، وقد دافعت الحكومة السعودية على قد استطاعتها عن المسلمين والحجاج، وأصبحت الأمة يتربصون ماذا يحله الله بهم من العقوبات لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وقد أصيبت إيران بزلزال، غير أنها ليست بكافية لعقوبتهم وما انتحلوه من الأعمال الرذيلة السيئة، نسأل الله تعالى أن يأخذهم بذنوبهم وهو أحكم الحاكمين.
ثم دخلت سنة ١٤١٨ ه ـ
استهلت هذه السنة والأشياء الضروريات في غاية من الغلاء، فهذا سعر محروقات السيارات من البنزين والديزل وما إلى ذلك بقيمة باهظة، وبلغ سعر برميل الديزل سبعة آلاف ريال بعدما كانت قيمته ألف ريال، وسعر الغاز بقيمة باهظة، فبعدما كانت قيمة برميل عيار ٢٥ بسبعة ريالات رفعة قيمتها إلى ١٤ ريال، وأصبحت هذه القيمة وهلم ما جرى، وإذا كان هو الوقود في هذا الزمان فما على الإنسان إلا أن يشتريه بهذه القيمة الباهظة.
وفيها في ظهر اليوم الرابع من شهر محرم الموافق يوم السبت من هذه السنة أصيب شرقي إيران بزلزال شديد، ولم يعهد مثله، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، ان أخذه أليم شديد، ولما وقع الزلزال تجلى عن قتل ألفين ومائتي قتيل وأربعين ألف جريح، هذا ما عثر عليه وإلا فقد دمر مائتي قرية منها سبع قرى
стр. 2824
فدفنت، وما وقف لهم عن خبر، ومنها ثمانون قرية انتشلت القتلى والجرحى بجثثهم، وبلغت درجة الزلزال سبع درجات، ولما وقع ذلك الزلزال الذي لم يعهد مثله قط منذ زمن بعيد قامت الحكومة الإيرانية بنصب الخيام للجرحى، وبعثت تستغيث الأمم الأخرى والحكومات المجاورة لها يطلبون الغوث والمواسات، فجاءتهم الإعانات، ومن سوء الحظ أن الضربة وقعت والموظفين في أعمالهم فلم يرجعوا إلى وقد خلفهم في أهاليهم وذرياتهم من الهدم والقتل والجرح ما الله به عليم، فقد تهدمت المساكن ووقعت على السكان وتحطمت الأبواب والنوافذ والمكيفات على ما تحتوي عليه من الأثاث، وكانت أثرًا بعد عين، ولم يبقَ في موضع الزلزال ديار ولا نافخ نار، يقول الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم، ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ١٠٢] , ولما أن نصبت الخيام للمصابين سلم من سلم بعد العلاج الطويل ممن كتبت له النجاة، وهلك معظمهم، وإن في ذلك لعظةً لمن كان له قلب أو ألقى السمح وهو شهيد، وكم أصيبت هذه المجوس من الفرس الذين كانوا أشد الخلق عداوةً للمسلمين، فلم يتعظوا ولم يزالوا في غيهم وضلالهم، وقد عثر على بعضهم في الزحام عند الجمرات أنهم كانوا يحملون أمواس مكائن الحلاقة يصيبون بها أعين الحجاج وجوارحهم، فعياذًا بالله من هذه العداوة للمسلمين، وكان الشاه محمد رضى بهلوي في حال ولايته إيران وسيطرته قد حزمهم حزم السلم، ولكنهم بعد خلعه عادوا إلى أخبث حالة، ولكن فأين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد وشجعان الصحابة ﵃ من هؤلاء، ولما أن خلع الشاه محمد رضا وفرَّ طريد معه أهله الذين غادروا إيران قبله من الخميني الذي عذّب أهل إيران وعرضهم لحرب ضروس مع العراق، كما قدمنا، وما زالوا حتى وضع التاريخ في شر إقامة الفتن والمحن التي زجهم بها الخميني فظنوا أنه سيعيد لهم مجد الغابرين وعز الآخرين.
стр. 2825
إعصار قوي يصيب بنغلادش
لما أن كان في ظهر يوم الثلاثاء الموافق ١٤ محرم أصيبت حكومة بنغلادش بإعصار شديد تعرضت له بنغلادش، وكانت سرعته وقوته عظيمة فهدم بيوتًا وكسر أشجارًا، وقلع أخرى، وهلك بسببه أنفس وجرح آخرون، فبعث الحكومة إليها مساعدات مواساة، وساهمت الحكومة السعودية بإرسال طائرتين محملتين بالخيام والأغطية والبسط والمواد الغذائية إلى البلد الشقيق المنكوب إسهامًا في التخفيف عن الأضرار الناجمة عن الإعصار الذي تعرضت له، وخرج ألوف من بيوتهم فرارًا عن الأخطار والمهالك.
وفيها في برج الجوزاء أواخر شهر محرم أصيبت ثمرات النخيل بالتسوس فسقط جزء من ثمرتها، ولم يبقَ سوى الثلث، وقد حارت الآراء حول ذلك النقص الذي لم يبقي منها إلا القليل، نستغفر الله ونتوب إليه، ولا ريب أن ذلك من الابتلاء الذي يبتلي الله به عباده، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾.
وفيها في دخول السنة الهجرية أمرت الحكومة أيدها الله بصرف العوائد والشرهات كجاري العادة، وأقبلت الأمة على دوائر المالية لتناول العادات كما صرفت الحكومة أرباح سنتي ١٢/ ١٣ للمشتركين في الكهرباء، وذلك في شهر محرم من هذه السنة ابتداء من أواخر ذي الحجة من السنة المنصرمة في المائة سبعة ريالات.
ذكر وفاة أناس من الأعيان
لم نذكر الوفيات في أوائل هذه السنة وأواخر التي قبلها، فقد توفى في آخر السنة الماضية محمد بن سليمان بن محمد بن عمر بن سليم، وجده العالم الرباني محمد بن عمر العالم المشهور في القصيم، كان المترجم من أسرة آل سليم وابن عمه الأديب الفلكي الحاسب عبد الله بن إبراهيم بن سليم، ولد المترجم عام ١٣٢٠ هـ وتعلم القرآن الكريم، ولما نشأ كان والده يتاجر في طلب المعيشة والرزق فسلك طريقة
стр. 2826
والده في السفر للعراق وفلسطين، ولما أن قلت مصالح الأسفار فوق ظهور الإبل بالرغم من المشاق التي يعانيها المسافرون إذ ذاك لزم هو والده مدينة بريدة ببيت حوالي جامع بريدة الكبير، ولهم ضيعة على مسافة قريبة في جنوبي البلد، تحتوي على النخيل والأشجار مستخدمين الإبل ثم المكائن المائية، ثم كان مراقبًا في معهد إعداد المعلمين حينما كان المدير ابن عمه، وألقى عصا التسيار ثم اكتفى بما يحصل من تقويم ممتلكاتهم حينما وقع الهدم عليها، ووفق في آخر عمره برزق رغد براحة، وكان له أخٌ يسمى عمر بن سليمان، ولهم بنون وأحفاد، فالله المستعان.
وممن توفى فيها عبد الرحمن بن سلمان بن سحمان كان ﵀ رجلًا متعففًا قنوعًا بما آتاه الله من الرزق، ومن سكان مدينة الرياض محافظًا على الصلوات الخمس، ومنشأه القصيم في مدينة بريدة، وله قرابة وذا صلة بقرابته.
حادثة غريبة
كان أحد أمراء البادية يسير فأصيب بحادث سيارة فذهب به إلى أحد المستشفيات في بريدة، وجعل في غرفة الإنعاش لأن الحادث شديد، فجاء ابنه إلى المستشفى وطلب رؤية أبيه، فنصح له الأطباء بعدم رؤيته وأن يتأخر قليلًا حتى يمنّ الله على أبيه بالشفاء، غير أنه أكد في أن يراه، فلما رأى والده في ثياب العلاج وحال غيبوبة، خرج الابن وكان في سلك الأمن منفعلًا, فما رأى يقود السيارة منكدًا مهمومًا فاختل التوازن فأصيبت السيارة بحادث وهلك في لحظة رحمه الله تعالى، فهذا الابن قد جاء يسعى إلى رؤية والده المصاب، ولعل أن يلقَ على والده آخر رؤية قبل أن يرحل من الدنيا، فكان حتف الابن بتلك الزيارة، وهلك قبل والده.
قد ذكرنا السنة الماضية وفاة الأستاذ عبد الله بن إبراهيم بن سليم، ولما أن كان بعد وفاته بسنة تقريبًا ظهر المتحذلق يزعم أنه من زملائه، ووصفه بأنه ذو بضاعة من العلم مزجاة، ولم يكن لديه سوى بصيص ضئيل من العلم، وكأنه لما توفاه الله
стр. 2827
تعالى ولم يستطع أن يدافع عن نفسه لأن الحي يغلب ألف ميت، كما هو مشهور، وفي المثل السابق وأيضًا قام هذا المتحذلق ينتقص أهالي بريدة وأنهم متحجرون، وغير ذلك من التهم عليهم، وكأنه لا يعرف عن العلماء الا عن نفسه لأن الجهل بحره عميق وتجاهل ما لأهل بريدة من الفضل، وأن أهالي بريدة ملئوا أقطار المعمورة بالعلماء والأدباء والمفتيين والمدرسين والقضاة، فتصدى لهذا المفتري الشعراء والخطباء وردوا أكاذيبه وترهاته ليعلم أن في الحياض من يذود عنها، وأن في الحمى من هو على ثغرة المرمى، ونحن نذكر منها قصيدة أنشأها الأديب الشاعر صالح بن سليمان بن مقيطيب من أدباء مدينة بريدة
وهي هذه:
ألا يا بني قومي أما قد قرأتم ... مقالًا عن الشيخ كما قد قرأناه
قرأنا مقالًا جانب الصدق ذكره ... ولو أنه حقٌ لكنا قبلناه
أزف إلى آل السليم تحيةً ... وبيت لهم بالعلم قد شهدناه
سقى الله أجداثًا تضم رفاتهم ... فكم خادمٍ لله بالذكر أحياه
إذا مرَّ ذكر للسليم تحركت ... أحاسيس من قلبي إذا ما سمعناه
تمرستم أصول الدين في الخير رغبةً ... وتاريخكم عطرًا إذا ما درسناه
لكم سيرة الإسلام في العلم والتقى ... لكم في قلوب الناس حب لمسناه
فأنتم أحباء القصيم شيوخها ... نصحتم لوالي القصيم لما تولاه
تذكرت عبد الله إذ كان بيننا ... لقد كان نجمًا لامعًا طاب مرآه
تعلم علم الشرع مذ كان ناشئًا ... فاربًا على الأقران والفهم بذكاه
فكم عالمٍ يأتيه أعياه بحثه ... على الفور يلقي عنده ما تمناه
لقد كان فذًا بارزًا في علومه ... متى خاض في فنٍ من العلم منشاه
ويكفيه فخرًا أن دعاه مليكنا ... لتعليم أبناء الرياض فلباه
ألا يوجد الحساد يومًا لمثله ... فكم يحسد الموهوب مالله أعطاه
стр. 2828
كما كان من عثمان في حق شيخنا ... وأسبابه حسد على العلم منشأه
وفد زامن الشيخ ويعرف فضله ... ولكنما الحسد عن الحق أعماه
إذا الحاسد المسكين أدرك فضله ... سعى يشغل الناس بسب ننساه
أبى الحسد أن يبقَ دفينًا وإنما ... سيبدوا ذا المحسود يومًا دفناه
كفى الحسد ذمًا أن يقود إلى الردى ... ويكشف للمحسود فضلًا جهلناه
عرفناك يا عثمان للناس مالها ... وتعطى بلا حدا إذا ما وزناه
وتزجي رخيص المدح دون توقفٍ ... ولو يشتري ما كنت أنفقت قلناه
ترسل إذا ما كنت للشخص مادحًا ... فلو زاد في المطعوم ملحٌ رميناه
عدلت عن المدح تنقصت شيخنا ... بخست حقوق الشيخ لما دفناه
تنقصت عبد الله لما ذكرته ... ولو قيل ضير فيك كنا ذممناه
زعمت بأن الشيخ لا علم عنده ... وأثبت لشيخٍ بصيصًا رفضناه
فلست بسباحٍ فتعرف عمقه ... فكم جاهلٍ بالبحر يومًا فقدناه
إذا كنت لا تدري عن الشيخ علمه ... فسل من له بالعلم باعٌ سبرناه
وسل عنه آل الشيخ فسل محمدًا ... تجد عندهم علمًا عن الشيخ نرضاه
وقد هبت عبد الله حبًا لعلمه ... أما كان هذا حين آواه مثواه
ولكننا للشيخ نرعى حقوقه ... علينا له حق فلا بد نرعاه
أعثمان دع عنك المديح تزلفًا ... وقدم من الأعمال ماطاب تلقاه
ولازم بيوت الله بالذكر معرضًا ... عن القيل واسأل ربك اليوم تقواه
أترجو بمدح الناس عزًا تناله ... ولكنما العز لمن طاب مسعاه
أما العمر قد ولى وحان أفوله ... وقد حان لو تبكي عليه وتنعاه
وسل ربك المعبود حسن ختامه ... وصل على المبعوث فالله أعلاه
قلت إنما أثبتنا هذه القصيدة، لأمرين:
أولًا إنها كمرثية عددت محاسن عبد الله بن سليم، لأني لم أجد له مرثية، ويقول الله تعالى: وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم.
стр. 2829
ثانيًا نصيحة هذا وأمثاله أن لا يختم بالسيئات أعماله لا سيما وقد كان في عشر التسعين، ولو نصحه زيادة عن إسبال ثيابه لكان أحسن لأنه ظهر في هندامه سبلًا ثيابه، ويجب إرشاده، نسأل الله أن يهدي الجميع.
ذكر حريق في مدينة الرياض
ففيها أصيب أحد مستودعات الرجل الغني الكبير صالح بن عبد العزيز الراجحي بحريق استمر ٨٤ ساعة، وبالرغم من قيام الحرس الوطني مشتركًا بالمهمة مع الدفاع المدني وما قاموا به من جهود جبارة، فإن الحريق قضى على ذلك المستودع وخلّف خسائر باهظة، ومما يذكر أن المصاب صالح الراجحي عرض عليه أن يواسى في ذلك النقص والخسائر من جهة الحكومة وغيرها فلم يوافق، وسلم لأقدار الله وحكمة قائلًا: من الله الرزق وعليه الخلف، ولم يجزع ولم يتأثر لهذا المصاب الجلل، حتى قيل أنها بلغت الخسائر تسعين مليون من النقود، وكان ذلك في يوم الاثنين الموافق ١١ صفر من هذه السنة الهجرية ١٦ يونية من عام ١٩٩٧ م، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم آجره في مصيبته واخلف له خيرًا منها، وكان وقوع الحادث في نوء الثريا ٢٦ برج الجوزاء، والدرجة في الخامسة والأربعين في شدة الحر، وقد قدمنا حادثة منى في موسم الحج وما أصيب به المسلمون من تلف الأموال والأنفس من جراء حريق منى كما ذكرنا مصيبة بنقص الثمرات التي جرت في النخيل في هذه السنة.
حادثة عجيبة
لما أن كان في يوم الأربعاء الموافق ٢٦/ ٣ من هذه السنة تقد اثنان من الفدائيين الفلسطينيين الذين لم يستطيعوا الصبر على الضيم ولم يرضوا لأنفسهم بالذل والهوان، وقد سئموا من أعمال اليهود في بلادهم فلسطين بعمل مخيف ذلك بأنهما حشوا أجسامهم بالمتفجرات ودخلوا سوق ماهان يهودا في الساعة العاشرة وثماني
стр. 2830
عشرة دقيقة صباحًا، ففجرا العبوات التي يحملونها داخل ثيابهم فأسفر الحادث عن قتل أربعة عشر يهوديًا، وجرح مائة وسبعة وخمسين، واحترقا ضمن المصابين، لما تم الاكتشاف عن جثتي الفلسطينيين وقد أحدث ذلك العمل هزة عظيمة في فلسطين المحتلة، ويقول المتمثل:
فأقدم فإما مُنْيَةً أو مَنِيَّةً ... تريحك من عيش به لست راضيا
أما سئمت من عيشها نفسٌ والهٍ ... تبيت بنار البعد تلقى المكاويا
فما تم إلى الوصل أو كلف بهم ... وحسبك فوز ذاك إن كنت واعيًا
أما موته فيهم حياةً وذلةً ... هو العز والتوفيق ما زال غالبًا
أما سمع العشاق هول حبيبةٍ ... لصب بها وافى من الحب شاكيا
ولما شكوت الحب قالت كذبتني ... فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا
فلا حب حتى يلصق القلب بالحشا ... وتخرس حتى لا يجيب المناديا
وتنحل حتى لا يبقَ لك الهوى ... سوى مقلة تبكي بها ونتاجيا
فيا محبة الحسناء تهدي إلى امرئٍ ... ضرير وعنِّينٍ من الوجد خاليا
إذا ظلمة الليل انجلت بضيائها ... يعود لعينيه ظلامًا كما هيا
فظن بها أن كنت تعرف قدرها ... إلى أن ترى كفوًا أتاك موافيا
فما مهرها شيءٌ سوى الروح أبى ... السجيان تأخر لست كفوًا مساويًا
وادلج ولا تخشى الظلام فإنه ... سيكفيك وجه الحب في الليل هاويا
رشقها بذكراه مطاياك إنه ... سيبغي المطايا طيب ذكره حاديا
وعدها بروح الوصل تعطيك سرها ... فما شئت واستبق العظم البواليا
هذه الأبيات للحافظ ابن القيم ﵀، وكأنه يصور حالة أهالي فلسطين، وإن كان ذكرها في منزلة المحبة، فقوله فأقدم فأما منيةً أو منيةٍ يعني إما أن تبلغ مقصودك وما تطلبه نفسك فتفوز بطلبك كمجاهد في سبيل الله فله إحدى الحسنيين، أما الظفر بالأعداء فيهلكن على يديه، ويخزيهم الله وينصره عليهم، ويشفي صدره، ويذهب غيظ قلبه، وأما أن يقتل في سبيل الله ويستريح من أتعاب
стр. 2831
الحياة ومكابدة الضيم والحرقة بين جنبيه، قال صاحب الحماسة يندد بسياسة الهون واللين:
وإن وطن ساءتك أخلاق أهله ... فدعه فما يصبر على الضيم ماجدٌ
فبتَّ حبال الوصل ممن توده ... إذا لم يرد كل الذي أنت وارد
وقل لليالي كيف ما شئت فاصنعي ... فإن على الأقدار تأتي المكائد
ولا تذهب الخطب الجليل لهوله ... فطعم المنايا كيفما ذقت واحد
فليس بصعّاد إلى المجد عاجزٌ ... تناديه العلى وهو قاعد
فقم نحصد الأعمار أو نبلغ المنى ... بجدٍ فللأعمار لا بد حاصد
وفيها في ليلة ١٦ جمادى الأولى كسف القمر كسوفًا كليًا ولبث في الخسوف ثلاث ساعات، من الساعة الثانية إلا ربع ليلًا بالغروبي حتى تمام الخامسة، هذا ولتقويم الحاسب الفلكي المعروف بصالح العجيري فضلٌ كبير بحيث أصبح صاحبه وحيد زمانه في معرفة أوقات خسوف القمر وكسوف الشمس بالساعات والدقائق، ابتداء وانتهاء بحيث ينشر ذلك قبل وقوعه، ويذكر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ أن ذلك يدرك عن طريقة الحساب لا عن طريقة التنجيم.
وفيها في جمادى الآخرة ساءت الحالة بين العراق وأمريكا ومانعت العراق من تفتيش أمريكا على أسلحتها، وتأزمت الأمور بينهما، ولما أن رأت العراق أنه لا بد من ذلك أو تستهدف للضرب والسحق المحق سمحت بذلك على مضض، وقامت العراق بالسبّ والنيل منها.
ذكر ترحيل الأجانب عن السعودية
لما أن كان في الشهر الرابع منها رأت الحكومة السعودية أن تطرد الأجانب عن المملكة، ذلك بأنهم استأثروا بالمصلحة في جميع الأعمال، وأخذت تطاردهم في الجبال والأودية لما كثروا وامتلأت الأزقة والمجامع والجوامع منهم، ولا سيما الهنود.
стр. 2832
هطول أمطار على السعودية
لما أن كان في دخول برج العقرب الموافق ليوم الخميس ٢٢ جمادى الآخرة ٢٣ أكتوبر انعقدت سحب متراكمة على الرياض وما حواليها وأخذت الأمطار تهطل عليها، وأما القصيم فإن المطر رذاذ عليها، أما عن مكة والمدينة والطائف وسائر الحجاز فقد عمرتها أمطار قبل ذلك في نوء العواء أوائل الوسمي، وفي دخول شهر رجب اشتد هطول الأمطار على القصيم وسدير والوشم، وتوالى هطول الأمطار عليها، واستهدفت الرياض وما حواليها إلى أمطار غزيرة، ثم عمَّ ذلك القصيم ليلًا ونهارًا، ثم كانت السماء صواعق ورعودًا شديدة، وامتلأت المنخفضات، وكادت تغرق، وقامت المعدات شفط تلك المياه، واشتد نزول الأمطار بكثرة على الشرقية والوسط، وكانت مدينة بريدة قد استهدفت للغرق وقامت البلديات تواني أعمالها ليلًا ونهارًا ولا سيما المستشفى التخصصي فقد غرق وتعرض موضع الإسكان في بريدة لأن تخرج القوات الحكومية سكانه لأن يكونوا فريسة لتلك المياه التي طغت، واستمر الوضع في هذه الصفة وقد اختفت الشمس من ظلال تلك السحب المتراكمة، وما كان بمقدور الأمة إلا رفع الأكف إلى السماء يدعون للاستصحاء وأن يوقف الخالق تلك المياه التي لا طاقة لهم بها، وسقطت بعض البيوت وارتفعت مياه السماء على الأرصفة، واختفت والله على كل شيء قدير، وخافت الأمة في المملكة السعودية وشهدت منطقة الجوف خلال هذه الأيام هطول أمطار غزيرة سالت على أثرها الأودية والشعاب مما أدى إلى تعرض العديد من المواطنين لمحاصرة السيول والموت غرقًا، الأمر الذي استدعى التدخل الضروري لقوات الإنقاذ التابعة لمديرية الدفاع المدني بمنطقة الجوف بكل إمكانياتها المتاحة حيث تمت الاستعانة بطيران الدفاع المدني لإخلاء العديد من المواطنين ممن حاصرتهم السيول في أحد الشعاب التي تبعد أربعمائة كيلو متر عن مركز طبرجل، ومن ثم نقلهم إلى مناطق أكثر أمنًا، وقد بلغ عدد من تم إنقاذهم اثنين وأربعين بين ذكر وأنثى، وما زالت الإسعافات تسير في طريق الإنقاذ.
стр. 2833
الصواعق تحرق أجهزة بني مالك
أدت الصواعق الرعدية المصاحبة لهطول الأمطار هناك إلى تلف عدد من المولدات الكهربائية، وقد احتجزت السيول المعلمات والطالبات في الطائف، ولكنه استطاع رجال الدفاع المدني بمركز القريع إنقاذ عدد من المعلمات والطالبات من مدرسة الأشرف الإبتدائية والمتوسطة اللواتي احتجزتهن السيول الناجمة عن هطول الأمطار التي شهدتها بني مالك مؤخرًا، وهكذا جميع القصيم، ولما أخرجت السكان عن موضع الإسكان في مدينة بريدة جعلتهم الحكومة في الفنادق وأجرت الحكومة لهم الطعام والشراب.
ولما أن كان في ١١/ ٧ توقف المطر وطلعت الشمس في اليوم المذكور بعدما تأثرت بعض الجسور، وما استطاع المدرسون الذين يذهبون إلى حائل لما انكسر بعض الجسور وما استطاع المدرسون الذين يذهبون إلى حائل، أما ما كان عن الزلفي والمذنب فحدّث ولا حرج عما نجم من تلك السيول، وقد بلغت الأمور في مستشفى بريدة التخصصي أن كسرت الأرصفة التي حواليه لما حفرت خنادق تمنع السيول والأمطار عن دخولها عليه، وأصبحت المعدات جاهزة والعمال يراقبونها، فلا يبخلون عن الشفط، وجعلت حواجز هناك، ولكنها لم تغنٍ شيئًا، وقد بلغت الأحوال إلى أن ارتفع منسوب المياه في موضع الإسكان في مدينة بريدة إلى ارتفاع متر وخمسين سنتمترًا بحيث ارتفع أثاث السكان إلى هذا القدر المعلوم، وجاءت الأنباء من كل جهة من جهات المملكة السعودية بغرق بعض أفراد الأمة، نسأل الله تعالى أن يلطف بالمسلمين، ولولا ما قام به المسؤولون لما رابطوا في جهات الأخطار لكان الأمر أشد وأعظم، ولا سيما طائرات الإنقاذ، فقد أدت واجبها نحو هذه الكارثة، وقد سقطت صواعق وهبت رياح قلعت النخيل القديمة في بعض الأماكن، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وجاءت الأنباء من النباج وهو الأسياح بأن المياه دخلت البيوت وأوشك بعضها على الغرق، قالت جريدة الجزيرة في عددها ٩١٧٥ تاريخ الثلاثاء ١١ رجب ١٤١٨ هـ الموافق ١١ نوفمبر ١٩٩٧ م ما لاقى أهالي حي
стр. 2834
الناصرية بعنيزة، تركوا منازلهم أثر محاصرة المياه، ثم قالت الجريدة حالات غرق واحتجاز وصواعق، وغرق شخصين وإنقاذ ٥٨ بالقريات والجوف، قال المؤلف: ولقد خرجت في ١٣ الموافق للخميس من شهر رجب ٢٩ الوسمي ١٣ نوفمبر إلى جهة الوطأة الموضع الكائن غربي القويطير شمالي بريدة، فكنت أسير من حينما بلغت فندق السلمان، فرأيت من ذلك الموضع إلى الوطأة بحيرة من ماء تقدر مساحتها جنوبًا وشمالًا ٢٤ كيلو بعرض ثلاث كيلو شرقًا وغربًا، ولا تستطيع السيارات السير فيها، ولا البهائم، وقد غرقت مواضع الزراعة فيها، ولما أن كان في غداة اليوم ١٥ من شهر رجب استأنفت السماء من جديد هطول الأمطار كما مضى برعودها وبروقها بإذن الله تعالى، وقد تعطلت الدراسة في بعض الجهات وأصبحت الأغنام تسقط عليها الصاعقة فدمرت الراعي والأغنام.
تنبيه: قد ذكرنا عناد الرئيس العراقي صدام حسين ورفضه لتفتيش رجال أمريكا، وتظاهر الشقي بالعصيان فاتخذت أمريكا وبريطانيا في قمعه أسبابًا وجندت الطائرات المقاتلة بضرب العراق، وقدمت حاملات الطائرات من أمريكا وعلى ظهرها مائة وثمانون طائرة، كما قدمت الطائرات تحملها حاملة الطائرات، وقدرها ثمانون طائرة مقاتلة من بريطانيا لضرب العراق، تظاهر الشقي بأنه مستعد للحرب، وكانت الحكومتان تراقب حركاته وتقلباته وصممتا هذه المرة على ضربه، واتخذتا التدابير للأزمة والإجراءات العنيفة القوية، وكانت الكويت على خوف ووجل من حادثة ١٤١١ هـ، وأظهرت أنها تطلب أن يكون موقع الحرب بعيدًا عنها، وأصبحت في أهبة للفرار عن الكويت كما مرَّ في السنة المذكورة، كما أنها رست الأسطول البحري تراقب حركات هذا الطاغية، لكنها خمدت حركاته جملةً لما رأى من أمر الله مالا قبل له به، وكان ضعيف العقل، سيئ التدابير، يريد أن يهلك بقية العراق الذي خرب معظمه وأهلك أهله جوعًا وعريًا، وقد قاموا عدة مرات لاغتياله، غير أن الأمور مرهونة لوقتها، وكان ينثني عن راية بعدما تحيط به قوات
стр. 2835
أمريكا والحلفاء ثم يقف وقفة المعاند ويمنع التفتيش، فإذا ما ضايقوه أخفى معداته الحربية وسمح لأمريكا بأن تفتش عليه، لكن أمريكا لا تزال تراقب حركته وتكشف أعماله عن طريق الأقمار الصناعية، وإننا لنعجب من سعة حلم أمريكا لتصرفاته، غير أن الدول الكبار لها رأيها في السياسة لطلب مصالحها، ولا ريب من أن الله خلقه للفساد كالفأر الذي لسان حاله يقول: سبحان من خلقه للفساد.
برد شديد وظل في القصيم
لما كان في ٥ رمضان ترادفت سحب على أجواء القصيم وقامت هطول الأمطار تتوالى على القصيم ببرد، واختفت الشمس من ٢٨ الأربعانية ١٣ الجدي ٣ يناير كانون الثاني أمطار تهطل ليلًا، وقد توقف نهارًا بدون رعود أو بروق منذ ذلك حتى اليوم التاسع عشرين من رمضان الموافق ٢٧ الجدي ١٧ يناير، وقد وجد أنواع الكمأة والعراجين، واشتد الطقس بالبرودة ولكن هطول الأمطار كان على قدر من غير غرق، ولله في ذلك حكمةً، وكثر الكلأ والعشب، ولم تخرج السيول السكان عن بيوتها، وهطلت أمطار على المجمعة وما يليها من منطقة سدير والريا وضرما وحائل.
وفيها في رمضان اشتد الخلاف بين باكستان والهند، ورفعت باكستان أعلامها لقتال الهند، وتأزمت الأمور بين البلدين والحكومتين.
ولما أن كان في ٢٦ رمضان ٤ الدلو توالى وجود الفقع الكمأة بأنواعها، وتوالى وجود الأقط بكثرة، وأتى بالجراد من سائر جهات المملكة وأصبحت سائر أسواق الرياض والقصيم ونجد على العموم مزدحمة بهذه الأنواع.
وفيها وقع فيضان في الصومال اضطر الأهالي إلى الخروج من مساكنهم إلى الجبال بأطفالهم وبهائمهم، ولما أن فرَّ الأهالي إلى الجهات المرتفعة في الجهات نزلت عليهم الذئاب المفترسة من الجبال فأكلت أطفالهم، وقاموا بأسلحتهم يدافعون ضد تلك السباع.
تنبيه: ذكرنا ازدحام الأسواق بأكياس الجراد والأقط والكمأة، ولا ريب أن
стр. 2836
ذلك يعتبر من سني البركات التي قلَّ أن توجد في السنين الأخيرة، وقد ذكرنا في سنة ٤٨ ما فتح الله على المسلمين فيها من البركات فذكرتني هذه السنة ما مرَّ، ونحن نسوق تمامًا للفائدة ما في ذلك من الخير والشر، وذكرنا هناك كثرة الدهن والكمأة حتى بيعت الكمأة "الفقع" تسع وزناة بريال، فنقول: إن الله نبه على ذلك بقوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، فعن سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض، فقيل: وما بركات الأرض؟ قال زهرة الدنيا، فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله ﷺ حتى ظننت أنه سينزل عليه ثم جعل يمسح عن جبينه فقال من السائل؟ قال: أنا، قال: لا يأتي الخير إلا بالخير"، وأن هذا المال خضرة حلوة، وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطًا إذ يتم إلى كلمة الخضر أكلت متى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس فأصرت وتلطف وبال، ثم عادت فأكلت، وإن هذا المال خضرة حلوة، ومن أخذه بحقه ووضعه بحقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، وقد ذكرنا شدة البرد فيما تقدم، ولما أن كان في ٢٢ من رمضان توقف المطر بإذن الله تعالى، ولطف الله بعباده بعد كثرة المياه، وأطلع الله الشمس في أواخر الشهر، فكان الناس في ذلك الصحو في أيام الربيع والكلأ والعشب الكثير يتمتعون بلطافة الجو، واستمر ذلك حتى ربما استعملت المراوح لتبرد الطقس، وربما كره في الشمس القعود للحرارة في أوائل شهر شوال، وربما استعلمت المكيفات في البارد، وكان ذلك في أخر شباط الثاني وهو نادر الوقوع.
ذكر زلزال شمالي شرقي أفغانستان
ففيها في اليوم في ١١/ ١١ عام ١٤١٨ هـ دخل الملك المستشفى على آثر التهاب في المرارة، وذلك في أحد المستشفيات في المملكة وأجري له عملية فنجحت واستبشر الأهالي تمام صحته في اليوم الذي بعده الموافق ليوم الثلاثاء
стр. 2837
١٢/ ١١ وفي اليوم الذي قبله هبت رياح شديدة مصحوبة بأمطار ممزوجة ببرد على قدر بيض الدجاج، وأخصبت الأرض لأن الأمطار نزلت عليها وهي محتاجة إليها.
وفاة رجل معمّر
ففيها وفاة إمام قرية العاقول في ١٠/ ١١ وقد ذكر أنه تجاوز المائة وخمسًا وثلاثين عامًا (١) وهو عبد العزيز بن محمد العبد الله العجلان رحمة الله عليه.
وممن توفى فيها محمد بن أحمد العلي العبيري، كان رجلًا صالحًا مستقيمًا ﵀ وعفا عنه.
ومما توفى فيها صاحب السمو ابن عبد الله بن عبد الرحمن آل سعود ابن أخي الملك عبد العزيز ﵀.
وممن توفى فيها من الأعيان علي بن عبد الله بن ذربان إمام ترية خضيراء من نواحي القصيم، كان ﵀ مشهورًا في الدين والصلاح، وذا غيرة في الدين، ويعالج المصابين بالأرواح الشيطانية، ويسكن في خب القبر، مرض في آخر عمره، ومن إخواننا في الدين والصلاح، وله صوت حسن في القراءة والخطابة، وكان توفى عن خمس وثمانين سنة، كانت وفاته في أواخر شوال، وممن توفى فيها ناصر بن محمد بن إبراهيم بن زعاق، كان من أهل الخير والصلاح وله شهرة بين الناس.
وفيها في يوم الثلاثاء الموافق ١٩/ ١١ الموافق ١٧ مارس هبت عاصفة شديدة على مدرج من جهة البطين في شمالي مدينة بريدة بسرعة هائلة فقلبت المحاور الرشاشة في المزارع، وحطمت بعض أعمدة الكهرباء هناك، وهلك بسببها خمسمائة من الأغنام، وذلك في عاشر نوء سعد السعود آخر العقارب، نسأل الله أن يلطف بالمسلمين.
стр. 2838
نادرة من النوادر في إحدى مزارع البطين
عثر على كمأة كبيرة الحجم فوزنوها فكانت ثلاث كيلو ونصف، وهذا نادر الوقوع في السنين الأخيرة، وكانت المزرعة للأمير فهد بن فيصل بن فرحان كما أنه نزلت قيمة سمن الأغنام فبيع الطيب من السمن بخمسة وأربعين ريالًا، وقد قدمنا أنه في هذه السنة عم الكلأ والعشب الكثير فله الشكر والحمد، وكانت الأمة تكثر النزهة والفرجة في البر، ويتمتعون في زينة الربيع، أما عن الأغنام والإبل فإنها في قيمة باهظة وغاية في الغلاء، وقد بيع كبش كبير في تسعمائة ريال، أما سائر كباش الضأن فتتراوح من خمسمائة وخمسين إلى ستمائة.
ثلوج وبرد
ففيها في اليوم المذكور نزلت ثلوج يصحبها برد على الأردن وسوريا، وقد ارتفع الثلج في الشوارع إلى قدر من ثمانين سنتمتر، وانتشر الصقيع والبرد حتى تجاوز القصيم، وكانت تقلبات الطقس غريبة فيومًا يفشو الحر حتى ترتفع الدرجة ويبقَ الناس أثواب البرد وملابسه، ويومًا تعود الأمور إلى أشد ما كانت في البرودة، ولله تمام التدابير، وقد ذكر لنا أنه هب على مصر في اليوم نفسه رياح.
عود على بدء
قد ذكرنا العاصفة التي مرت على أهل مدرج من أعمال البطين، وأشرنا إليها وقد بالغ الرواة فيها، فقيل إنها دمرت ما مرت عليه من البيوت والمواشي، وما استهدفت لها، نسأل الله أن يلطف بالمسلمين، وطارت بيوت الشعر والصناديق، وقد صحبها مطر ممزوج بالحجارة وهي البرد.
ذكر غريبة من الحوادث
ذكرت جريدة من الجرائد السعودية من أعداد شهر ذي القعدة أنها ولدت
стр. 2839
امرأة عراقية مولودًا مشوهًا على صورة سبع وحش مخيف، وقد قامت الأم بحمله حتى وضعت وقد نشرت صورة المولود ليراه الناس، وهذا من أعجب ما وردنا من الحوادث والعجائب في هذه السنين المتأخرة، والله على كل شيء قدير، وقدرة الله صالحة حيث يقول تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨]، وذكر الشيخ العالم العلامة محمد بن عبد الوهاب مسألة على أبواب التوحيد قوله الرابعة أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم، وهذه الجريدة هي جريدة خزامى السنة الثانية العدد ٤٤ يوم الاثنين ١١/ ٥ عام ١٤١٨ هـ الموافق لعام ١٩٩٨ م، ولما لم يجد من يناوله الطعام هلك.
ذكر جرائم من جرائم القتل
وهذه الجرائم من الرئيس صدام العراق في يوم من أيام ذي الحجة من هذه السنة، فأمر بقتل ١٥٠٠ في أحد سجونه، وبعد قتلهم لزم أهاليهم أن يبعثوا إليه بقيمة الرصاص التي أطلقت عليهم، وأعدمهم، وهذه غريبة لم يجرِ غريبة في التاريخ البشري مثلها، وقد طبقت هذه الغفلة الشنيعة على ظلم الحجاج بن يوسف، ذكرت هذه الحادثة في إحدى الجرائد بنقل صحيح.
رجعنا إلى ما نحن بصدده فنقول: لما أن كان في يوم الأربعاء ١٠ محرم من هذه السنة قام شاب بنزاع بينه وبين أخيه، فقتل أخاه وكان الجاني في الثامنة عشرة من عمره، وكان المقتول يكبر أخاه بسبع سنين، وقد قام بقتله لأنه يعرف بأن أخاه معه عقدًا نفسية، وأغلق الباب لكن سهم الحسد قوي فخرق الباب، وخلص إلى القتيل فأرداه صريعًا على وجه الأرض، وفرَّ الجاني فصيح للقوات وجعلوا يلاحقونه فأطلق مسدسه على الضابط فقتله أيضًا كما قتل أخاه من قبل، فجعل رجال القوات يلاحقونه وهو يقفز من بيت إلى بيت، وخاف أهل البيوت وفروا من بيوتهم، وجعلت قوات الأمن تنذر الجاني وتنصح له أن يستسلم لكنه أصرَّ على العناد، فأطلقوا عليه النار فأصيب بسهم في جانب صدره ولم يقتله، وتمكنوا من
стр. 2840
القبض عليه فأودع السجن، وبعث به إلى المستشفى للتحقيق معه.
حادثة أخرى
عثر على شاب مقتول بغرفته لم يعلم السبب في قتله.
رياح عاصفة في مدينة بريدة
أصبحت مدينة بريدة في ظلمة بعد العصر لبثت ساعتين، وطارت غبرة شديدة تكسرت منها الأشجار والصناديق وحطمتها، وذلك في يوم الاثنين ١٥ محرم ٢١ الثور ٢١ مايو، وكان قتل الشاب بغرفته قبل العاصفة بيومين.
وفيها في ١٧/ ١ وفاة الأميرة السعودية العنود ابنة الملك عبد العزيز رحمها الله، عن عمر تجاوز الثمانين، وصلي عليها في الجامع الكبير في الرياض جامع الملك تركي بن عبد الله بعد صلاة العصر الأربعاء، وخرج في جنازتها جمع كثير يشيعونها إلى قبرها ومثواها الأخير، ورفعت التعازي إلى أخوتها وأبنائها وذويها.
زلزال يهز بلاد أفغانستان
لما كان في يوم الأحد الموافق ٦ صفر عاشر الجوزاء سابع نوء البطين من هذه السنة أصيبت أفغانستان بكارثة إنسانية كبرى تجلت عن قتل خمسة آلاف نسمة، وجرح آخرين بإذن الله رب العالمين، وكان هذا الزلزال قويًا بدرجة قوية بلغت ٧,١ درجات، وصدرت نداءات الإغاثة التي وجهها المسؤولون للمجتمع الدولي، فقد توجه خمسة من المسؤولين في جنيف إلى موضع الكارثة، وأكدت جماعات من الأطباء والإغاثة الذين توجهوا إلى المنطقة المنكوبة في أفغانستان لما تعرقلت طائرة خاصة بالأمم المتحدة بأنها لم تستطع الهبوط لهول الأخطار هناك، وقد قامت الأمة لانتشال جثث القتلى الذين عجزت الأمة عن الإحاطة بها، وبذل الجهود في سبيل الإنقاذ لكنها فشلت جلها، فسبحان الله ما أعظم شأنه، وصيح بالعالم أن يتوجهوا