← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إمام الهدى ماحي الردا قامع العدا ... ومروي الصدى من فيض علم ونائل جمال الورى رحب الذرا شامخ الذرا ... وجم القري صدر الصدور الأوائل عظيم الوفا كنز الشفا معدن الصفا ... وجالي الخفا عن مشكلات المسائل بهي السنا عذب الجنا طيب الثنا ... منيل المنى من سيبه كل آمل إمام الورى علامة العصر قدوتي ... وشيخ الشيوخ الجد فرد الفضائل محمد ذو الجد الذي عز دركه ... وجل مقامًا عن لحوق المطاول إلى عابد الوهاب يعزى وأنه ... سلالة إنجاب زكي الخصائل عليه من الرحمن أعظم رحمةً ... تبل ثراه بالضحى والأصائل لقد أشرقت نجد بنور ضيائه ... وقام مقامات الهدى بالدلائل إمام له شأنٌ كبير ورتبةً ... من الفضل تثني همة المتطاول في يد كمال في العلوم فهل ترى ... له في تقارير لها من مماثل تأخر ميلادًا وفي حلبة العلى ... وميدان فخر سابق للأوائل على خلق يحكي النسيم لطافه ... وكامل أوصاف وحسن شمائل وقلب سليم للمهيمن خاشع ... منيب وعن مولاه ليس بغافل وجنب تجافيه المضاجع في الدجا ... وجفن بهتان المدامع هامل وعن ذكر رب العرش في السر دائمًا ... وفي الجهر طول الدهر ليس بذاهل * * * * * عفو عن الجاني صفوح وحلمه ... إلى الشيم يعزي ليس يهفو لعاجل يقابل من لاقى ببشر ومبسم ... ضحوك ووجه البشاشة باذل ويأمر بالمعروف في كل حالةٍ ... وعن منكر ينهي وليس يقابل ولم يأل جهدًا في نصيحة مسلم ... برأي وتدبير وحسن تعامل * * * * * يحازي بإحسان إساءة غيره ... وبالجاه عن مستوجه غير باخل

стр. 72

تقمص بالتقوى وبالخشية ارتدى ... ولم يمض منه العمر في غير طائل ومن شأنه قمع الضلال ونصره ... لمن كان مظلومًا وليس بخاذل وكم كان في الدين الحنيف مجاهدًا ... بماضي سنان دامغ للأباطل وكم ذبّ عن سامي حماه وذاد من ... مضل وبدعى ومغو ونائل * * * * * ففيم استباح أهل الضلال لعرضه ... وما نكست أعلامه بالأراذل وليس له شيء عن الله شاغل ... ولا عن وصال الاعتبار بفاصل فلولاه لم تحرز رحى الدين مركزًا ... ولا اشتد للإسلام ركن المعاقل ولا كان للتوحيد واضح لاحب ... يقيم اعوجاج للسير من كل عادل فما هو إلّا قائم في زمانه ... مقام نبي في إماتة باطل ستبكيه أجفاني حياتي وإن أمت ... سيبكيه عني جفن طل ووابل وتبكيه أقلامي أسا ومحابري ... ويبكيه طرسي دائمًا وأناملي عجبت لقبر ضمه كيف لم يكن ... يميد ببحر فائض العلم سائل ولله نعش كان حامل جسمه ... هنيئًا له إذ كان أشرف حامل ولا غرو أن يبكي الزمان لفقده ... فقد كان غيث الجود كهف الأرامل فآها على ذاك المحيا وحسنه ... وآها على تلك العلوم الجلائل وآها على تحقيقه ودروسه ... وتوضيحه للمعضلات المشاكل * * * * * فمن للبخاري بعده ولمسلم ... يبين المخبا منهما للمجادل ومن ذا لتفسير الكتاب ومن ترى ... لأحكام نقد الدين من للمسائل ومن لمسانيد سمت ومعاجم ... وكشف لثام الحكم عند النوازل ألم ترى أن الدهر نصف كأبة ... عليه وذو جسم من الحزن ناحل ومن للمعاني والبيان ومنطق ... وردع أخي الجهل الغوي المجامل

стр. 73

ومن لك بالأصلين واللغة التي ... بها أنزل القرآن أشرف نازل ومن بعده للصدع بالحق قائم ... بجدٍ ولا يخشى ملامة عاذل * * * * * أفق يا معيب الشيخ ماذا تعيبه ... لقد عبت حقًا وارتحلت بباطل نعم ذنبه التقليد قد جذ حبله ... وفل التعصب بالسيوف الصياقل ولما دعا لله في الخلق صارخًا ... صرختم له بالقذف مثل الزواجل أفيقوا أفيقوا أنه ليس داعيًا ... إلى دين إباء له وقبائل دعا لكتاب الله والسنة التي ... أتانا بها طه النبي خير قائل فوا أسفا والهف قلبي وحسرتي ... عليه ويا حزني لأكرم راحل ويا ندمي لو كان يجدي من الفضا ... ولكن قضاء الله أغلب حائل ولو كان من ريب المنية مخلص ... لكنت له بالجهد أي محاول وما مات كلا بل إلى جنة العلى ... أتاه من الرحمن أكرم ناقل ولما له الفردوس زاد اشتياقها ... وكان لها كفوًا وأسرع واصل وكان على حسن الأرائك في ذرا ... أظلتها أهنا وارفة قائل شدت ورق أغصان الهناء ترجعا ... تقول له قد فزت يا خير عامل وخاطبه التاريخ فالًا بقوله ... هنيئًا برغد في رفيع المنازل * * * * * فيا سائر الأولاد للشيخ إنني ... أعزيكم ومع ذي انتساب ابن وائل وأوصيكم بالصبر طرا والرضا ... يجاري القضاء في عاجل ثم آجل بتسليم أمر الله ثم احتساب ما ... لديه تعالى من أجور جزائل فما جزع يومًا بنافع جازع ... وما الحزن ردًا للقضاء بعاجل ومثلكم لا يعتريه تزلزل ... ولا وهن في فادحات النوازل فإن كان للجنات والدكم مضى ... فقد كان فينا معقبًا كل كامل

стр. 74

وأنتم بحمد الله عنه خلائف ... بعلم وفضل شامخ القدر شامل وإنا لنرجوا أن تكونوا أئمةً ... بكم يقتدي في دينه كل فاضل وللخير والإحسان من كل وجهةً ... تحث إليكم مضمرات الرواحل ونسأل رب العرش يعظم أجوركم ... ويحميكم من طراقات الغوائل ويجبر صدع القلب والكسر منكم ... ويعقبكم طرًا جمال المحافل ولازلتمو غيظ القلوب لكل من ... يعاديكم من كل حافٍ وناعل ولا فجعت في الدهر ساحة سوحكم ... برزء لموصول المسرة فاضل عليكم سلام الله ما هب ناسم ... وجمل زاكي ذكركم كل عاطل أو في الثنا مني عليكم مكررا ... وأزكى تحيات سوام كوامل وأضعافها للمقرنيين كلهم ... هداة الورى من محتدي فرع وائل هم الناس أهل الباس يعرف فضلهم ... جميع بني الدنيا فما للمجادل لقد جاهدوا في الله حق جهاده ... إلى أن أقاموا بالضبا كل مائل فناد يهمو في كل نادٍ مبجل ... فحقهم التبجيل بين القبائل سعود مضى والسعد حالف نجله ... كما حالف الآباء ليس براحل لقد نصروا دين الإله وحزبه ... كما دفعوا داعي الهوى بالقنابل عليهم سلام الله ما ذر شارق ... وما اهتزت الأزهار في صبح هاطل وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى الهادي كريم الشمائل محمد المختار من فرع هاشم ... وآل وأصحاب كرام أفاضل وهذا آخر ما أردنا إيراده من ترجمة الشيخ على جهة الاختصار والإشارة. ونرجع إلى ما نحن بصدده، فنقول لا قام الشيخ في الدعوة إلى الله وأبى أكثر الخلق إلا العناد، وفل آل سعود راية الجهاد لنصرة الدين حصلت غزوات وقامت ساق الجهاد، وشمرت الحرب وأكثر ما كانت الخيانة والعداوة والمقاطعة من دهام بن دواس بحيث آذى أهل الدعوة، وما زال يحمل عليهم الحملات المنكرة حتى رجف الله به وفر على وجهه تاركًا الرياض معه أولاده وأتباعه فأبادهم الله تعالى

стр. 75

بالهلاك جوعًا وعطشًا، وكان ذلك في حر الصيف، وإن خروجه بهذه الصفة لآية من آيات الله تعالى لأنه نادى في الرياض بالفرار ففر إلى الخرج وتركوا الرياض خاوية لا أنيس فيها، ودخلها الجيش السعودي، وكذلك ما جرى من خروج عريعر مع بني خالد كافة يقدمهم رئيس نجران قاصدين الدرعية معهم أسلحتهم ومدافعهم وعددهم وعددهم يريدون إطفاء نور الإسلام وهدم تواعده العظام، وكان معهم مدافع وأسلحة نارية يزجي الوحوش رنينها فردهم الله خائبين، وباؤوا بالخزي بين العالمين، وجعلهم عبرةً للمعتبرين، وما جرى من ثويني والشريف غالب وغيرهم مما كفينا ذكره فحسبك ما أثمرته تلك الدعوة الوهابية من نشر دين الحنيفة، وبث الهدى منشورًا للناظرين في تلك البلاد الإسلامية التي استجابت لداعي الله ورسوله حتى أصبحت قد حفت بالتوفيق دينًا ودنيا ونما أهلها وكثروا وبورك في ثمارهم ومعائشهم. ذكر القبول الذي جرى على الدرعية كانت الدرعية منشأ هذه الدعوة ومر عليها زمن كانت في قوة عظيمة في البناء الشامخ، ورفاهية العيش وكثرة الرجال والأموال، حتى ذكر عنها بعض المؤرخين مبالغةً في الوصف بحيث لا يقدر الواصف على صفتها ولا يحيط العارف بمعرفة شأنها، فلو أنك ذهبت تعدّ رجالها وإقبالهم وذهابهم في كتائب الخيل والنجائب العمانيات، وما يدخل على أهلها من أحمال المال والأرزاق واللباس التي لهم مع المسافرين من أهلها ومن أهل الأقطار لم يسعه كتاب، ولرأيت العجب العجاب، وكان الداخل في موسمها لا يفقد أحدًا من أهل الآفاق من اليمن وتهامة وعمان والبحرين وبادية الشام ومصر وأناس من حاضرتهم إلى غير ذلك مما يطول عدّه، فهذا في الذهاب وذلك في الإياب، وآخر يتلو القرآن ليله في مناجاة رب العالمين حتى ذكر الشيخ المؤرخ عثمان بن عبد الله بن بشر التميمي الناصري الحنبلي ما نصه: "ولقد نظرت إلى موسمها يومًا في مكان مرتفع وهو في الموضع المعروف بالباطن بين منازلها الغربية التي فيها آل سعود المعروفة بالطريف، ومنازلها الشرقية المعروفة بالبجيري التي فيها أبناء الشيخ، ورأيت موسم الرجال في جانب، وموسم النساء في

стр. 76

جانب، وموسم اللحم في جانب، وما بين ذلك من الذهب والفضة والسلاح والإبل والأغنام والبيع والشراء والأخذ والعطاء وغير ذلك، وهو مدى البصر ولا تسمع فيه إلا كدوي النحل من النجناج وقول بعت وشريت، والدكاكين على جانبيه الشرقي والغربي وفيها من الهدوم والسلاح والقماش ما لا يعرف ولا يوصف، إلى أن قال في موضع آخر: وكانت الدور فيها لا تباع إلا نادرًا وأثمانها سبعة آلاف ريال وخمسة آلاف والداني بألف ريال وأقل وأكثر، وكل شيء يقدر على هذا التقدير وكروة الدكان الواحد في الشهر خمسة وأربعون ريالًا وسائر الدكاكين للواحد بريال في اليوم وشيء بنصف ريال، وذكر لي أن القافلة من الهدوم إذا أتت إليها بلغت كروة الدكان في اليوم الواحد أربعة أريل، وأراد رجل منهم أن يوسع بيته ويعمره فاشترى نخيلات تحت هذا البيت يريد قطعها وتعمير موضعها كل نخلة بأربعين ريالًا وخمسين ريالًا فقطع النخل وعمّر البيت ولكنه وقع عليه الهدم قبل إتمامه. وذكر لي من أثق به أن رجلًا من أهل الدرعية قال لي إني أردت ميزابًا في بيتي فاشتريت خشبة طولها ثلاثة أذرع بثلاثة أريل وأجرة نجره وبنائه بريال، وكان غلاء الحطب فيها والخشب إلى حد الغاية، حتى قيل أن حمل الحطب بلغ خمسة وستة والذراع من الخشبة الغليظة بريال وكل بيوتها مقاصير وقصور، كان ساكنها لم يكونوا من أبناء ساكني القبور، فإذا وقفت في مكان مرتفع ونظرت موسمها وكثرة ما فيها من الخلائق وتزايلهم فيه وإقبالهم وإدبارهم وسمعت رنتهم ونجناجهم فيه فكأنه دوي السيل القوي إذا صب من عالي جبل، انتهى. قلت ما ذكره ﵀ فإنه عجيب من جهة العز والرفاهية وكانت هذه الأشياء المقدرة بهذا التقدير أمرًا بديعًا بحيث أن حمل الحطب في ذلك الزمان لا تزيد قيمته عن ربع ريال في سائر البلدان النجدية وغالب البيوت في البلاد الأخرى لا تبلغ قيمتها أكثر من ثلاثمائة ريال فرانسي أضف إلى ذلك كساد الأشياء بعد ذلك بحيث كان غالب البيوت في مائة ريال والبيت العادي لا تتجاوز قيمته ثمانين ريال، ونذكر مهور النساء بعد ذلك فمن النساء من لا يتجاوز مهرها ثلاثة ريالات وأما

стр. 77

الخشب فحدث في الرخص عنها ولا حرج فقد يعمر الإنسان بيته بعد ذلك فلا تتكلف قيمة الخشب بأكثر من سبعة ريالات، أما ما كان عن الدرعية فقد بلغنا عن بعض الثقات أنها بلغت الحالة في تقدمها بالترف، بحيث أن من المترفين من يغتسل بالطيب، وأن رجلًا دعا صاحبًا له فأكرمه بأن عمل له شراب الشاي على نار عود البخور وذكر لي أنه مر على الدرعية زمان كان فيها أربعمائة عالم كلهم كانوا أهلًا للقضاء وأن قرية من قرى الوشم وهي أشيقر مر عليها زمان وهي تضم ثمانين عالمًا كلهم يحملون مؤهلات القضاء. وأما قول بن بشر ولكنه وقع عليه الهدم قبل إتمامه فيشير إلى هدم الدرعية في طلعة إبراهيم باشا سنة ١٢٣٤ لما سلط الله الدولة العثمانية على أهل نجد وابتلى المؤمنون، وذلك بشؤم الذنوب والمعاصي فقامت الدولة العثمانية وانتدبت محمد علي صاحب مصر لنزع ابن سعود من ملكه فجهز المذكور ابنه إبراهيم يقود الجيوش العظيمة وحصل على أهل نجد ما حصل، وآخر ذلك قدمت الرسل والمكاتبات من محمد على تحمل الأوامر بهدم الدرعية وتدميرها، فأمر على أهلها أن يرحلوا عنها ثم أمر العساكر أن يهدموا دورها وقصورها وأن يقطعوا نخيلها وأشجارها ولا يرحموا صغيرًا ولا كبيرًا فقامت العساكر وهدموها وبعض أهلها فيها مقيمين وقطعوا الحدائق وأشعلوا النيران في بيوتها حتى احترقت وأخرجوا البقية من السكان فتركوها خاوية على عروشها كأن لم يكن فيها قبل ذلك من ساكن وتفرق أهلها في النواحي والبلدان وذلك بتقدير من إذا قال للشيء كن فكان. ولقد مررت بالدرعية سنة ١٣٧٤ هـ لأرى آثارها وأقف على أخبارها وجعلت أقلب النظر في تلك الأطلال والروابي التي بقيت من حيطان البيوت فما وجدت من يهديني إلى معرفة تلك الآثار سبيلا، وبينا أنا متحير بل ومندهش إذا أنا بشيخ كبير السن قد خرج من كوخ صغير يريد كوخًا آخر يحمل معه تمرًا في إناء كهيئة خف البعير فسلمت عليه وإذا هو أشعث اللون كأنه خرج من قبر ولم يكن

стр. 78

من أهل الحياة فرد علي السلام فأوقفته أسائله عن آثار الدرعية وطلبت منه يطلعني على أخبار ما يعرف فذهب بتمره ورجع إلي فأخذ بيدي وأوقفني على المسجد الجامع فيها وإذا لم يبق منه غير بقية عمد سقطت فروعها وبقيت أصولها تقدر بخمسة وأراني آثار حيطان المسجد وجعل يشير إلى محلة متهدمة متجرفة ويقول هذه محلة العبيد وإلى موضع آخر ويقول هذا مرح الخيل وأوقفنا على سوق فيه آثار قطع من الطين. فسبحان من لا يزول ملكه ولا يضام سلطانه ولا يرام عزه، ولا بد أن نذكر العز والنهضة التي كانت في آخر أيام الملك عبد العزيز إلى يومنا هذا فنقول عن المملكة العربية السعودية كانت تحد شمالًا بالكويت والعراق وبادية الشام وشرق الأردن وجنوبًا باليمن وحضرموت وعمان وشرقًا الخليج العربي وغربًا بالبحر الأحمر وتقع في الطرف الجنوبي الغربي من قارة آسيا، وكان هذا الموقع جعلها عظيمة الأهمية لما لها من الاحترام العظيم في قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من قديم الزمان لما فيها من الأماكن المقدسة ويقدر سكانها باثني عشر مليونًا وتبلغ مساحتها نحو أربعمائة وخمسين ألف ميل مربع تقريبًا، أما تضاريسها فمنها صحراء الدهناء وصحراء الأحقاف وصحراء الربع الخالي ومن الأودية وادي الرمة ووادي الدواسر ووادي سبيع ووادي فاطمة ووادي بيشة، ومن الجبال سلسلة جبال السروات بالحجاز وجبال آجا وسلمى وسلسلة جبال طويق بنجد ومن العيون القديمة عين زبيدة والعين الزرقاء وعيون وادي فاطمة وعيون الأفلاج وعيون الخرج وعيون الأحساء وغيرها وتنقسم إلى أربعة أقاليم، نجد، والحجاز، وعسير، والأحساء وما يليه. أما نجد فهو المرتفع من الأرض وفي هذه الأراضي المرتفعة شمالًا وغربًا وجنوبًا أماكن تختلف في العلاء والوطاء بعضها عن بعض فالقصيم يعلو ألف قدم فوق

стр. 79

العارض وقد طالما تنازع السيادة فيه كبيرتا بلدانه بريدة وعنيزة ونزعت كلتاها قديمًا إلى الاستقلال عن ابن رشيد وعن ابن سعود ولأهل القصيم أوصاف وسجايا تخالف سجايا أهل العارض وعاصمة القصيم اليوم هي بريدة، وهذه المدينة كانت في الماضي ماء لآل هذال فاشتراها منهم راشد الدريبي العنقري آل عليان سنة ٩٥٨ ثم عمرها وسكنها وعشيرته ومن معهم وكان الدريبي من أهالي ثرمدا. قال ياقوت بريدة تصغير بردة ماء لبني ضبينة وهم ولد جعدة بن غني بن أعصر بن سعد بن قيسر بن عيلان، عبس وسعد، أمهما ضبينة بفتح الضاد وكسر الباء بنت سعد بن غامد من الأزد غلبت عليهم؛ ولقد كان الزمن الذي بين وفاة ياقوت وبعث بريدة لا يقل عن مائتين وخمسين عامًا لأن وفاته في أوائل القرن السابع، وقال محمد أمين الخانجي في منجم العمران الذي جعله استدراكًا على معجم البلدان في ذكر بريدة أنها ماء لبني ضبينة، وقال البستاني أيضًا هي مدينة بالقصيم من جزيرة العرب شمالي عنيزة عدد سكانها ٢٥٠٠٠ نفر، وهي من منازل حجاج بغداد فيها أسواق حسنة وشوارع فسيحة ويحيط بها سور تحفه البساتين التي يحيط بها سور آخر وأبراج وخنادق وبها قصر قديم يقيم به شيخ البلد وكانت ذات تجارة وثروة ثم ذكر انحطاطها في ظهور إبراهيم باشا بعد حصار ثلاثة أيام ودك حصونها ثم عادت سنة ١٢٥٩ وكان ذكره لهذا الانحطاط بعبارة ركيكة وسكان بريدة ليسوا من قبيلة واحدة بل هم الآن من قبائل شتى؛ ومن سكانها آل أبي عليان الذين منهم الأمير حجيلان بن حمد في زمن الإمام سعود بن عبد العزيز والأمير عبد العزيز آل محمد الذي يأتي ذكره في أواخر أيام الإمام فيصل، وسمي القصيم بهذا الاسم لأنه قصيمات رمل متقطعة، وفيه معارك في الجاهلية والإسلام ويقع بين جبلي طيء وحائل وقراها، وبين عارض اليمامة وقراه ووشم اليمامة الذي عاصمته شقراء قال زيد الخيل الطائي: ونحن الجالبون نساء عبس ... إلى الجبلين من أهل القصيم فكان رواحها للحي كعب ... وكان غدوها لبني تميم

стр. 80

وقال في القاموس والقصيمة رملة تنبت الغضى ثم قال وكأمير موضع بين اليمامة والبصرة انتهى، وحده جنوبًا بلد المذنب، وشمالًا بلد القوارة، وشرقًا النباج المعروف بالأسياح؛ وتبلغ قرى القصيم مائتي قرية، أما بريدة قاعدة القصيم فتشتهر بالبساتين وتربية الإبل والغنم والخيل والتجارة الواسعة، ولما أن تطورت الأحوال توفرت فيها السيارات على اختلاف أنواعها وفجرت فيها العيون الارتوازية ولا تزال في تقدم وقوة في الكمية والكيفية، وقد امتاز أهلها بكمال السمع والطاعة لمن تأمر عليهم وقد امتدحهم الأمير الشاعر محمد بن علي العرفج بهذه الصفة لذلك لا يضع من قدرهم أبتاعهم لأميرهم محمد بن عبد الله أبي الخيل حين تغلب عليهم فتبعة ذلك عليه لا عليهم، ولما أن دخلت هذه المدينة في حكم آل سعود كبقية نجد كان لهم الإذعان التام؛ وطالما قدموا نفوسهم وأموالهم أمام جلالة الملك عبد العزيز بما كانوا به موضع ثقة من حكومتهم وكان آل أبي عليان هم أمراءها حتى انتزعها منهم آل أبي الخيل. وإليك بعض أمرائها فمنهم حجيلان بن حمد البطل الشجاع، وبعده محمد بن علي العرفج، ثم عبد العزيز بن محمد وكلهم من آل عليان، وعبد الله بن عبد العزيز بن عدوان، ومحمد الغانم، وسليمان الرشيد، ومحمد بن أحمد السديري، ومهنا الصالح آل أبي الليل وكل من هؤلاء تحت حكم آل سعود، ولما قتل الأمير مهنا تولى بعده ابنه حسن واستقل ببريده، وبعده أمراء آل رشيد الآتي ذكرهم، ثم جعل الملك عبد العزيز في إمارتها صالح الحسن أبا الخيل، وبعده محمد بن عبد الله، ولما أظهر العصيان لابن سعود جعل مكانه السديري فلم تطل مدته، فجعل ابن سعود فيها الأمير عبد الله بن جلوي، أما قضاتها منهم الشيخ عبد العزيز بن سويلم من أهالي الدرعية؛ ومنهم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين؛ ومنهم الشيخ سليمان بن علي المقبل، وبعده الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، ثم بعده الشيخ صالح بن قرناس؛ ثم أعيد الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم إليها للمرة الثانية؛

стр. 81

وبعده الشيخ عبد العزيز بن بشر، وبعده الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، وبعده الشيخ عمر بن عمر بن محمد بن سليم وقد أنجبت رجالًا وزعماء وعلماء ومدرسين وقضاة ومفتين قال بعض الأدباء يمتدحها: (١) وسكناي في فيحا بريدة من لها ... ينادي جميع الشرق وسطك أرحب لما ضم من أهل العلوم الذين هم ... يزال عن الدين المشرف غيهب فأكرم بها كم أنتجت من مهذب ... نجيب فتى من ذي النجابة أنجب فهذا أبا فتيا وهذاك واعظ ... وذاك بأمر العرف يأتي ويذهب وذاك بتدريس وذاك مصنف ... يهدي بما يبدي لنا ويهذب يقضي زمانًا والأنامل دابها ... تسير أقلامًا بذا وتبوب فيا رب حط سكانها وولاتها ... وأرجائها وما شأن يعزب ولا تزال في تقدم حتى أن سور الدريبي الذي أحاطها به ليقدر بجزء من خمسة وعشرين جزءً منها حال وضع التاريخ ثم أحاطها بعده الأمير حجيلان بن حمد بسور، ثم لما زادت البيوت واتسعت رقعة المدينة كغيرها من البلدان، بعد سور حجيلان، أقيم لها سور وآخر ذلك سور آل سعود، وكان في مدينة بريدة مائة مسجد وثمانية مساجد منها الكبار والصغار والمتوسطة من مساجدها ما يبلغ عدد المأمومين فيه ثلاثمائة مأموم ومعدلها مئتان وخمسون مأموم من بين مساجدها تسعة تقام فيها صلاة الجمعة، فإذا كان في أوقات الصلاة فلا تسمع إلا لجبة في الجو من أصوات المؤذنين، ولا يتخلف عن حضور الجماعة مع سعة البلد من كان حاضرًا من الرجال ومن تجب عليه الجماعة، وجزء من مساجد بريده عامر بحلق الذكر صباحًا وظهرًا أو مساء، وفي صلاة الفجر يقوم المؤذن بتفقد المأمومين، وفيها مدارس ابتدائيات ومتوسطات وثانويات وزراعية ومعهد

стр. 82

علمي، ومعهد النور، ومعهد المعلمين الليلي وفيها مدارس أهلية بحيث تبلغ مدارسها ثلاثًا وثلاثين مدرسة. أما مدارس القصيم الحكومية فتبلغ مائة واثنتين وستين مدرسة، أما عدد سكان بريدة فيقدرون بمائة ألف وعشرين ألفًا وقد شرع في تعبيد طرقها وتوسعة شوارعها، ومن أهلها من يتعاطى بالملايين وبعد ما تأسست فيها البلدية وقلم المرور وأوجد فيها شرطة، تنظمت شيئًا ما مشاريعها ولها مستقبل زاهر جدًا، وقد نهضت نهضةً عجيبة وتقدمت تقدمًا باهرًا وذلك بتوفيق الله ، ولو تكاتف الأهالي وتعاضدوا وتساعدوا لكان لها شأن عجيب ويؤمل منهم ذلك لأنه قد ظهر من الأهالي من يعرفون قدر الحياة ويدأبون في تقدم البلاد وعمرانها وكان من يقدم إليها من الأجانب والمنتدبين والمدرسين وغيرهم يعجبون من تقدمها في مراحل الحياة، ويمتد عمران المدينة جنوبًا وشمالًا بقدر أربعة أميال وشرقًا وغربًا بقدر ميلين يحفها من الغرب والشرق والجنوب كثب الرمال الحمراء ومن جهة الشمال أرض صحراء وبما أن البلدة محرومة فيما قبل ذلك من المياه العذبة فقد أصبحت اليوم مروجًا وأنهارًا كالنيل والفرات وتحسنت الفلاحة أضعاف أضعاف ما كانت قبل ذلك وأقبل معظمهم على الفلاحة والزراعة مستخدمين الآلات الحديثة ربما أن الفلاحة كانت فيما مضى تسقى بالساقية فقد تطورت إلى آبار ارتوازية يسقي بسبجها ما تمر عليه والبقية يسقون باستعمال الماكينات المائية وكانت البقاع منها ما يساوي مائة ألف ريال، وقد أنتجت إحدى المزارع من الحبحب ما بلغت قيمته مائة ألف ريال وكان لأهل بريدة تمسك بالدين وإقامة لشعائره كجعيث تعتبر من أعظم ما على البسيطة في الديانة والأخلاق وتحكيم الشرع والتحاكم إليه، أضف إلى ذلك سلامتهم من الغوائل والشرور والبدع وعدم الاغترار بالتقاليد الغربية ولأن كان على العموم من تزداد فيهم النزعة إلى المدينة والأدب والتخلق بدماثة الأخلاق لأن مستقبل الوقت يخالف الطريقة الأولى كغيرهم من سائر البلدان فإنه لا يزال موجودًا فيها من أهل التمسك من لا يزالون ثابتين، وعلى مبادئهم متمسكين، فلو

стр. 83

طفت في غالب الأماكن والأقطار لم تجد مثلها في التمسك بالدين، وأظنك أيها المنصف توافق على ذلك وهذا على حسب الزمان، وإلا فإن الكمال عزيز؛ وإني لأنصح وأحذر من تقاليد الأجانب في الأخلاق ومدينتهم العاطلة، فما فاز شعب إلا بالثبات على الأديان السماوية والتمسك بشرائع المرسلين، وما حصل الضعف والوهن والفشل إلا بالانخلاع من ذلك والانخداع للأعداء. أما ما كان عن منتوجاتها فلديهم النخيل المختلفة في الثمار وأنواع الحبوب من الحنطة والذرة والدخن بأنواعه والبطيخ والحبحب والرمان الحسن والعنب والباذنجان واللوبيا والطماطم والكوسة وسائر أنواع الخضراوات والبساتين، ولديهم تربية الإبل والغنم والخيل، ويعتمدون على البر واللبن واللحوم، وكان يشق المدينة من الشمال إلى الجنوب وادي يدعى الفاجرة لا يكاد يجري إلا في كثرة السيول وقد يسبب أضرارًا إذا جرى لأنه يفسد ما أمامه من العمران، وهناك وادي يقع عنها شمالًا بشرق يدعى الودي إذا جرى فإنهم يخرجون نحوه للنزهة والفرجة لكونه لا يبعد عن البلد بأكثر من كيلوين ويحفها من جهة الشمال والغرب البساتين والنخيل الكثيرة الجميلة وتمتد هذه النخيل من الشمال إلى الجنوب غربي البلد بقدر خمسة أميال حتى تتصل بفيحان جنوبًا، وفي الجنوب الشرقي تقع حارة منها وهي السادة فيها نخيل وبساتين، وفي هذا الموضع آثار حصن عظيم قد ضاد ثويني وإبراهيم باشا وكان ذلك الحصن عظيم الحيطان بحيث يبلغ مسطح الحائط ثلاثة أمتار ولا تزال بقيته موجودة حتى الآن. أما القرى التابعة لبريدة فمثل الشماس والقويع والزرقاء والجرية والقرعاء والشقة العليا والسفلى وهي قرية فيها معدن الملح المشهور بملح ضاري وخب البريدي وفيه آثار حصون قوية عظيمة قديمة ويبلغ سكانه على العموم أربعة آلاف نسمة والقصيعة والمريدسية والعريمضي والغماس والبصر وخب روضان واللسيب وقرية الخضر ورواق وفيحان وكان قرية عظيمة قد امتازت بالنخيل وكثرة السكان ويقدر سكانه بخمسة عشر ألفًا ولديه قوة في البناء والقصور ويوشك أن يتصل

стр. 84

ببريدة وقرية وهطان وخضيرا وقرية خب القبر والعكيرشة والنقع والطعميات وكانت قصورًا أعدت للمزارعين فيها لا تقل عن ستين قصرًا وحواليها بئر تدعى القليب بالتصغير يمتاز ماؤها بأنه عذب مرئ وحواليها (العود) بفتح العين المهملة و (الظليم) بالتصغير، ثم قرية الشماسية وتبعد عن بريدة شرقًا بأربعة فراسخ وتحتوي على أكثر من ثلاثة آلاف نسمة، وروضة الربيعية وكانت قوية حسنة وتحتوي على ألفي نسمة، و (الهدية) ذات النخل والأثل الكثير. أما الطرفية فتبعد عن بريدة بأحد عشر ميلًا وتقع شمالًا بشرق، وكان فيها قصور ومياه وحصون قديمة وأطلال ضخمة البناء وقد ضبطت مساحة الحائط من تلك الأطلال بالعرض فكانت مترين ونصف متر وقد جعل بالموضع الواقع عنها شرقًا جابية للسيول تدعى عندهم الخبراء والقرية يقدر سكانها بأكثر من ستمائة نسمة وقد اشتهرت بواقعتين تنسبان إليها أحدهما بين ابن الصباح وابن رشد، والأخرى بين ابن سعود وسلطان بن رشيد، ومن أحسن ما رأيت فيها أنهم يجتمعون في المسجد الجامع للصلوات الخمس فيسمع لهم لجبة في تلاوة القرآن أوقات الصلوات، ولديهم قصور لا تزال مستمرة في الزراعة، وفيهم تمسك بالديانة، ومن القرى أيضًا الوطأة وحواليها ماء القويطير، وكان هذا الماء عذبًا مريئًا جدًا ويقتطر من صدوع في جبل هناك فيجتمع في جابية صغيرة على قدر الشرب والقرب، ولا تزيد عن ذلك شيئًا، ولا شك أن هذا الماء أعني القويطير كان آية من آيات الله بحيث أنه يخرج على قدر ولا يتجاوز موضعه، ولا ينشف في وقت من الأوقات والله على كل شيء قدير. وقد أنشأ فيه بعض العلماء أبياتًا تتضمن حالته وما فيه من العجائب، أما المتينات فإنها قصور وآبار أعدت للزراعة هناك، ومن القرى أيضا خب العوشز وخب الوجيعان، وضراس والدعيسة، وخب الحلوة والشحية، والضلفعة، وغالب هذه فيها مدارس ابتدائية، وقد عمرت مساجدها بالصلوات الخمس وتلاوة القرآن،

стр. 85

واتصلت بالعاصمة ببريد هيئت للذهاب والإياب، ومن القرى الصغار واسط، ونقرة البسام، والمويه، والنخلات، وغضي بالتصغير. ومن أهم مدن القصيم عنيزة التي تبعد عن العاصمة باثني عشر ميلًا إلى جهة الجنوب، وكانت كثيرة البساتين، وكانت تمتار على بقية مدن القصيم بتكاتف أهلها وتعاضدهم، والنهضة ببلدهم، ولديهم بشاشة في الضيف إذا كان شريفًا، وبالرغم من الأهالي في نهضتها فإنها لا تزال متأخرة في العمران، وكثرة السكان بحيث يقد سكانها على الثلث من سكان بريدة، وكانت تضم مدارس ابتدائية ومدرسة ثانوية وحربية، وفيها مساجد عامرة بالصلوات، ولديهم أدب، غير أن التجارة أقل من بريدة؛ ومن رجالها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر سعدي صاحب التدريس والمؤلفات الحسنة، كان يدرس في المسجد الجامع الكبير فيها ويؤم فيه، ويظهرون تعظيمه لما له من المؤهلات ودماثة الأخلاق، ويفتي ويقنع السائل، ومن أكبر الأسر فيها آل سليم الأمراء، وآل بسام، وآل نعيم، ولا تزال الدينة تطلب الشرف لأن رجالها متكاتفون، ولديهم أدب، وفيها محطة للاسلكي التلغراف، وأنشئ عندهم مطار البريد الجوي، ثم أزيل كغيره لما جمع القصيم على مطار أقليمي، أما قضاتها فمنهم العويضي، وصالح بن عثمان القاضي، وعبد الله بن محمد بن مانع، ثم إنه جعل بعده في القضاء الشيخ محمد بن عبد الله بن حسين، وبعده بن عودان، ثم بن عقيل، وحواليهم وادي أبي علي الواقع بينها وبين العاصمة وقد ملئ بالنخيل والغراس لأهل عنيزة، وفيه عيون غير أن هناك مادة سبخة مالحة تحدث في جوه تكديرًا وقد امتدت النخيل والأثل في ذلك الوادي بكثرة، ولا يزالون في طلب المياه العذبة من الآبار الارتوازية، وقد حصل المقصود، ومما هو جدير بالذكر أنه انفجر في الوادي عين عذبة كما أنه انفجر في الزغيبية عين قوية لعبد الله بن سليمان كعيون بريدة غير أنها بعيدة عن عنيزة ومستقبل الأمور يبشر بخير إن شاء الله (١).

стр. 86

ومن أهم بلدان القصيم الرس التي تقع عن عنيزة غربًا على قدر مسافات خمسة وثلاثين ميلًا من العاصمة، وفيها قاضي ومدارس، وفي الأهالي نشاط وتقدم وفيه محطة للتغراف اللاسلكي، وحوالي الرس قصر بن عقيل وفيه مدرسة أميرية وسكانه لا بأس بهم، وهناك الشنانة والقوعي والرسيس. ومن أهم بلدان القصيم مدينة الخبراء ورياض الخبراء وقد عمرت الخبراء في سنة ١١٤٠ هـ، ومن أهم بلدان القصيم مدينة البكيرية التي عمرت في سنة ١١٨٠ هـ، وتشتمل على خمسة عشر ألف نسمة، وأهلها هادؤن وإليها تنسب الواقعة التي بين ابن سعود وابن رشيد، ولأهلها عناية في الدراسة وهمة في تربية البقر والمواشي، وكذلك أيضًا البدائع ذات المنازل والقصور الكثيرة، وكانت قابلة للزراعة ولأهلها همة في الزراعة ولديهم قوة ونشاط، وهذه المدن فيها أمراء وقضاة وكلها لا تبعد عن عنيزة بأكثر من خمسة وعشرين ميلًا، وكذلك الهلالية وصبيح والنبهانية ففيها مدارس ومساجد. ومن مدن القصيم أيضًا المذنب الذي يبعد عن بريدة جنوبًا بمرحلتين وله مستقبل لما فيه من المدارس. أما ما كان عن شمال القصيم وشرقه فهناك قصيبا وهي تبعد عن بريدة بمرحلتين، وكان فيها عيون ونخيل وزراعة؛ غير أن جوها غير مستقيم لكثرة تعفن المياه هناك، لذلك تكثر فيها الملاريا ولا يسلم من تلك الحمى غير العبيد فيها، وبمرور السيارات فيها تقل عنهم تلك التكديرات الناشئة عن المستنقعات، ولا سيما إذا عبدت الطرق بينها وبين العاصمة. ثم عيون الجواء وينسب إليها أنها مأوى لعنترة بن شداد، وكان يروى أن قبر مالك بن نويرة في غربي القصير قريب الضلفعة التي تقدم ذكرها. أما الأسياح فتقع في شرقي القصيم وتعرف في المعاجم بالنباج؛ وهي قرى ذكروا أن أول من اختطها عبد الله بن كريز بن عامر.

стр. 87

وسميت الأسياح لأنها سيوح جارية، وقرى الأسياح هي العين والبرقا والتنومة وخصيبة وحنيظل وأبي الدود والقيصومة، والقصر والبرود وطريف، وهذه الشمالية. أما الجنوبية فالجعلة والنبقية، وفي الأسياح قصر حصين قوي البناء لأنه بني من الحجر والآجر، ويسمى عندهم بقصر مارد وكان محاطًا بحائط وفيه غرف بجهاته الشمالية، والشرقية، والجنوبية، وله باب من جهة الغرب، وقد كان محكم البناء. وقد قيل أن سلطان مارد مر بالأسياح حاجًا فلما أن وصل إليها بجنوده، وكان من رجال الدولة العثمانية إذ ذاك وقف على موضع العين الأولى التي تنسب إليه لما رأها ينبع ماؤها، وقد دل عليها وذكرت له إمارات هناك فقال لمن معه من الجنود لقد فاتنا الحج في هذه السنة، ثم أخذ يحتقر العين المذكورة، ثم إنه بنى قصره الذي يقع عنها شرقًا، فلما أن اعتصم بالقصر قطع مواصلته بالدولة وبذل ما عنده من الأموال التي جهزته بها دولته فيما يختص به وتمرد عليها، وبينما هو ذات يوم من الأيام جالس حوالي عينه إذ أقبل أعراب من الضياغم فنزل صبي يغتسل في العين فرآه سلطان مارد؛ وأعجب بحسن صورته فجعل يسأل هل لهذا الصبي من أخت وكان والد ذلك الصبي اسمه عرار، وبين عرار وبين الأمير عمير منافسة ويحسده عرار على الإمارة فتكلم عرار قائلًا نعم إن له لأختًا هي أحسن بنات الحي، ولكنها زوجة لعمير قبل ذلك لعل سلطانًا يقتل عميرًا بصفته عدوه ووعده أن سيزوجوه منه بشرطين. الأول أن يكيل للأعراب، والثاني بأن لا يقربها إذا جاؤوا بها إليه حتى تغيب مضاهيرهم من خلف قرية الجعلة، ففعل ذلك وأجابهم إلى ما طلبوا فرجع الضياغم إلى حميدان رئيس قبيلة الضياغم وأخبروه الخبر، وكان حميدان أخرس ومن شجعان العرب المشاهير، وخالًا لزوجة عمير فلما بلغه الخبر جعل يشير بيده حتى تكلم بكلمة فهمت منه وهي قوله (ميثا لا) يريد لا نزوجه ميثا؛ فقام الضياغم

стр. 88

وأخذوا جارية سوداء فجعلوها في الهودج وقدموها إلى سلطان ثم ذهبوا فوفا لهم بشرطهم، ولم يقربها حتى تغيبت ركابهم من خلف قرية الجعلة، وإنما خدعوه بهذه الحيلة لأن لا يسمعوا صياحها وجزعها إذا مسها، ولما أن كشف عنها الهودج يريد الحسن والجمال إذا بها سوداء شعثاء فصاح للعساكر بالصافرة وعبا جيشه على أتم أهبة ثم زحف على الضياغم حتى أدركهم في الصريف فتقاتلوا قتالًا شديدًا، وتبادل سلطان وحميدان ضربتين فسقطا ميتين، فقال شاعر الضياغم أبياتًا نبطية ونحن نوردها في كتابنا: تقول ميثا يا أهلي يا الراشد ... الروم لحقونا بغير حساب لحقونا يبون ميثا غصية ... دونها صبيان تسن حراب يا كم جمل يهف مع ورى مقطع الصغا ... يذب العفا ولا وراءه حجاب حجاب الخيل في ذارع القنا ... لا عاد ما يثني لهن رقاب تناطح حميدان وسلطان مارد ... تهيا لذا من كف ذا صواب تعاقبوا ضربًا بشلفا سنينة ... عرينية تودع الدروع خراب ترى مذبحه بالدمث بالرمث بالصفا ... حوالي قويرات الصريف أنصاب ترى ذبحي بالبرقا ثمانين ملبس ... غير العواري مالهن حساب وإنما سقنا هذه الأبيات لأن النفس تحب الإشراف على ما ذكر وإلا فلا رغبة لنا في الشعر النبطي. أما القوارة التي هي منتهى قرى القصيم من جهة الشمال فيمرها السائر إلى جهة حائل، وفيها نخيل وسكانها قسمان، بدو وحضر، ولكل قسم أمير، وفي شمالي القصيم أبلق ووثال. الوشم وضواحيه أما قاعدته فهي شقراء، وكانت مدينة يتعاقب فيها القضاة وناحية الوشم غربي جبل طويق بجنوب، وأهم بلدانه ثرمدا والجريفة والقرائن وأشقر على

стр. 89

ساعتين من شقراء، والفرعة على رمية سهم من أشيقر، وذات غسل أو غسلة وأثيثة والقصب على ثمانية عشر ميلًا من شقراء، وهو بلد حميدان الشويعر، وكان حميدان قد هجا أهل تلك الجهات لما هم فيه من الفقر في زمانه، ومن بلدان الوشم مراة بلدة أمرؤ القيس، ثم الجريف على مرحلة واحدة من روضة سدير. ونقول عن سدير وضواحيها أما سدير فهو أكبر نواحي ذلك الجبل وقاعدته المجمعة التي عمرت في سنة ٨٢٠ هـ ويقال لها ولحرمة منيخ، وكان يفصل بين سدير والقصيم نفود كبير يمتد جنوبًا إلى وادي السر، وكانت المجمعة بلدًا لا بأس بها، ومن أشهر قضاتها وأرفعهم وافقهم الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري العالم المشهور الفاضل النحرير قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه، وكانت بلدان سدير عديدة، ومن أكبرها وأقدمها حرمه وقد عمرت في سنة ٧٧٠ هـ، وكانت كثيرة النخل والزرع وقربية من العاصمة، ووادي حرمة يقال له هناك وادي الكلب، ووشي؛ وجوي، وجلاجل والتويم، وقد عمرت في سنة ٧٠٠ هـ، والداخلة والحصون الجنوبية والعطار والجنيفية والعودة وعشيرة والخطامة، وتمير والخيس والروضة روضة سدير، وهذه قد هجا أهلها حميدان الشويعر ووصفهم بالفقر وغير ذلك، وكان ذلك الوصف بالفقر واللؤم في زمان حميدان، فأما في هذه الأزمنة فقد تحسنت الحال وأصبحت تلك المواضع بلدانًا عامرة قوية وأنشأ فيها مدارس ومعاهد وهم لا يزالون في تقدم ونشاط.

стр. 90

المحمل أما المحمل فإن ناحيته مؤلفة من ثادق التي هي قاعدتها، وقد عمرت في سنة ١٠٧٩ هـ، والصفرات هي والبير تدعى كلها اللهزوم، أما الصفرات فهي عدة بلدان قريبة من ثادق، وهناك البير الجنوبي عن الصفرات عمرت في سنة ١٠١٥ هـ، ورغبة وقد عمرت في سنة ١٠٧٩ هـ، ثم من الشعيب والمحمل نستمرها بطين إلى الشعيب التي تفصل بين العارض وسدير، قاعدتها حريملا على مرحلتين من الرياض عمرت في سنة ١٠٤٥ هـ، وأهم بلدانها قرينة وقد عمرت في سنة ١١٠١ هـ، وملهم وصلبوخ وسدوس التي فيها آثار قديمة قيل أنها حميرية وهذه النواحي شمال من الرياض. الحمادة هي سهل يمتد من الشمال إلى الجنوب بين جبل طويق ونفود السر، وفيه الزلفى وغيرها من القرى بعضها في النفود كائن بينها وبين عنيزة وبعضها في السهل ومن هذه القرى مليح بين الزلفى والغاط وفريتان وجنوبي فريتان الداهنة من هجر عتيبة. أما الغاط التي هي بين المجمعة قاعدة سدير وبين الزلفى على مرحلة واحدة من الاثنتين فهي مشهورة بأنها مسكن السدارا من أعيان أهل سدير والذين صاهرهم آل سعود قديمًا وحديثًا، فأم جلالة الملك عبد العزيز ابنت السديري وهم أخوال عبد العزيز، وقد أمرهم آل سعود في البلدان فكان تركي السديري أميرًا على عمان في الزمن الغابر، وكان ابنه أحمد جد الملك عبد العزيز أميرًا على الأحساء في عهد الإمام فيصل، وكان ابناءه محمد وعبد المحسن متوليين للحكم في القصيم وفي المجمعة. العارض وضواحيه وكانت ناحية العارض فيها الآبار المتعددة والبساتين التي يزدهي فيها النخيل

стр. 91

وتتمازج في ظلالها اخضرار البرسيم وأنواع البقول، وهناك عيون عذبة، ونشاط في العمران والتقدم، وقد كانت تلك الجهات تدعى اليمامة فيما مضى من الأزمان. واختلف في تسمينها اليمامة واشتقاقها، فقل الأصمعي اليمام ضرب من الحمام البري واحدته يمامة وتنسب إليها زرقاء اليمامة مضافة إليها؛ وهي امرأة من طسم كانت متزوجة في جديس، فبهذا تبين أنها في الزمن القديم مساكن طسم وجديس والعماليق، وقاعدتها حجر اليمامة، وقد قيل في تسمية طويق الجبل المشهور أنه تصغيرة طوق ويسمى طوق اليمامة، وجو اليمامة وهو الوقع شرقي الأكثبة الحمر مما يلي المزاحمية. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى خرجت بنو حنيفة بن لجيم بن صغب بن على بن بكر بن وائل يتبعون الريف وبرتادون الكلاء حتى قاربوا اليمامة على السمت الذي كانت عبد القيس سلكته لا قدمت البحرين، فخرج عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدئل بن حنيفة منتجعا بأهله وماله يتبع مواقع القطر حتى هجم على اليمامة فنزل موضعًا يقال له قارات الجبل، وهو من حجر على مسافة يوم وليلة فأقام بها أيامًا ومعه جار له من اليمن من سعد العشيرة، ثم من بني زبيد فخرج راعي عبيد حتى أتى قاع حجر فرأى القصور والنخل، وأرضا عرف أن لها شأنًا وهي التي كانت لطسم وجديس، فرجع الراعي حتى أتى عبيدًا فقال والله إني رأيت آطامًا طوالًا وأشجارًا حسانًا، هذا حملها وأتى بالتمر معه مما وجده منتشرًا تحت النخيل فتناول منه عبيد وأكل، وقال والله هذا طعام طيب وأصبح فأمر بجزور فنحرت، ثم قال لبنيه وغلمانه احتروا حتى أتيكم، وركب فرسه وأردف الغلام خلفه وأخذ رمحه حتى أتى حجرًا فلما رأها لم يحل عنها وعرف أنها أرض لها شأن فوضع رمحه في الأرض ثم دفع الفرس واحتجر ثلاثين قصرًا وثلاثين حديقة وسماها حجرًا وكان تسمى حجر اليمامة بعد حجر عبيد لها فقال في ذلك: حللنا بدار كان فيها أنيسها ... فبادوا وحلوا ذات شيد حصونها فصاروا قطينا للفلاة بغربة ... رميما وصرنا في الديار قطينها

стр. 92

فسوف يليها بعدنا من يحلها ... ويسكن عرضا سهلها وحزونها ثم ركز رمحه في وسطها ورجع إلى أهله فأحتملهم حتى أنزلهم بها، فلما رأى جاره الزبيدي ذلك قال يا عبيد الشرك قال بل الرضا فقال ما بعد الرضا إلا السخط، فقال بها الزبيدي ثم غرض (أي ضجر وسئم) فأتى عبيدًا فقال له عوضني شيئًا فإني خارج وتارك ما ههنا فأعطاه ثلاثين بكرة فخرج ولحق بقومه وتسامعت بنو حنيفة ومن كان معهم من بكر بن وائل بما أصاب عبيد بن ثعلبة فأقبلوا فنزلوا قرى اليمامة أقبل زيد بن يربوع عم عبيد حتى أتى عبيدًا فقال أنزلني معك حجرًا فقام عبيد وقبض على ذكره وقال: والله لا ينزلها إلا من خرج من هذه يعني أولاه، فلم يسكنها إلا ولده وليس بها إلا عبيدي، وقال لعمه: عليك بتلك القرية التي خرج منها الزبيدي، فأنزلها فنزلها في أخبية الشعر حتى بنوا القصور، وكان عبيد يقول لولده: انطلقوا إلى باديتنا يريد عمه فيمضون يتحدثون هناك، فمن ثم سميت البادية، وهي منازل زيد وحبيب، وقطن لبيد بني يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة ثم جعل عبيد يغسل النخل فيغرسها فتخرج ولا تخلف ففعل أهل اليمامة كلهم ذلك فهذا هو السبب في تسمتها حجرًا. وقد أكثر الشعراء من ذكرها والتشوق إليها فروي عن نفطوية قال: قالت أم موسى الكلابية، وكان قد تزوجها رجل من أهل حجر اليمامة ونقلها هناك. قد كنت أكره حجر إن ألم به ... وأن أعيش بأرض ذات حيطان لا حبذا الغرف الأعلى أساكنه ... وما يضمن من مال وعيدان أبيت أرقب نجم الليل قاعدة ... حتى الصباح وعند الباب علجان لولا مخافة ربي أن يعاقبني ... لقد دعوت على الشيخ بن حيان ولعل الشيخ بن حيان هو الذي عقد لزوجها عليها؛ وكان جحر المشهور في بني جشم المعروف بالشجاعة من أهل هجر وقصته مع الحجاج بن يوسف معلومة. قال ابن بطوطة في رحلته في القرن السابع دخلت اليمامة وقاعدتها حجر فوجدت بلدة عظيمة كثيرة النخيل والمياه والفواكه والزروع، وأطال الكلام عليها

стр. 93

فكان حجر اليمامة هي البلدة العظيم في الجاهلية وفي الإسلام، ثم إنها كانت قاعدة تلك الناحية في بلد الدرعية لما قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقام بنصره آل سعود الأقدمون محمد بن سعود وابنه عبد العزيز، وسعود بن عبد العزيز حيث امتدت الفتوحات الإسلامية على أيديهم، وفي الدور الثاني انتقلت قاعدة المملكة إلى الرياض وجعلها الإمام تركي بن عبد الله عاصمة لملكه فاستمرت كذلك، وفي الدور الثالث من أدوار آل سعود جعلها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن عاصمة ملكه، كما قد جعلها الإمام فيصل بن تركي عاصمة لملكه قبله؛ وسنعود إلى ذكرها عن قريب. التعريف بالعارض وتلك الضواحي أما الأسماء المشهورة في الجاهلية باليمامة حجر اليمامة وجو اليمامة والوادي المسمى بوادي حنيفة يشق جبل اليمامة وبنوا حنيفة يسكنون من أعلاه إلى أسفله وما حوله يمنة ويسرة قصور ونخيل ومزارع أعلاها البرة وما حولها من القصور والمزارع إلى الحائر، وكانت البرة وضرمى التي تدعى فيما مضى بقرمى تعرف وما حولها فيما مضى بقر قرا، وكانت متاخمة لوادي الحيسية، وكذلك الحجيلاء تقع عن بلد البرة في الجهة الجنوبية على مسافة ساعتين، وهناك آثار دارسة تدل على قدمها، وأنها قبل البعثة وهذه كانت مساكن ثمامة الحنفي، وتسمى بوادي ثمامة، وأهل تلك الناحية يعرفون بالصبر عند القتال، والثبات في مواطنه وشدة البأس، وقد شوهد ذلك في مواطن كثيرة حتى قالت العرب فتحنا فارس والروم بعد علم أخذناه عن بني حنيفة في القتال، وقائل ذلك هم الذين قاتلوا بني حنيفة مع خالد بن الوليد لما بعثه إليهم الصديق ﵁. وكانت اليمامة إذا أطلقت فهي جبل معترض في نجد الشرقية؛ وأغلب قرى نجد المعمورة ذات النخيل والزروع والقصور، إما أن تكون فيه أو جاثمة في غربيه وشرقيه، وجميع غراس تلك الجهة يشرب من ماء هذا الجبل وسيله، ونخل تلك الجهات شماليها الخضري وما عدى ذلك يسمى الدقل، وما كان من الناحية

стр. 94

الجنوبية منه فنخيلها الصفرى والسري والدقل، وكان طرف هذا الجبل يمتد حتى يكون محاذيًا للنباج شمالًا وطرفه الجنوبي محاذيًا للأفلاج منقطع في الجهة الشمالية منه، يضعف إذا خلف بلد الغاط المتقدم ذكره؛ وكان بلد الغاط قديم في الجاهلية، وللشعراء فيه أوصاف، كما أن أثيثة بلد جرير الشاعر وذريته، وثرمدا لبني سعد، وبني منقر في الجاهلية، وكان هناك موضع يسمى ماء مليح في سفح جبل. وجبل اليمامة ينقسم على ثلاثة أقسام، جبل طويق وهو يطلق علي القطعة الشمالية منه وهي تعم جميع اليمامة، ووسطه يقال العارض، وهذا الأسم يعمه كله، والاسم الثالث يطلق على القسم الجنوبي منه العويرض. وكان جبل اليمامة ملتحمًا منعقدًا بعضه ببعض طرفه الشمالي يبعد عن طرفه الجنوبي مسافة شهرًا أو أكثر، وفيه أودية تقسمه فتكون معها الطرق، منها وادي العتك الذي في أعلاه القصب، وفي هذا الجبل يقع الشقر، ومنها وادي الكلب الذي تقدم ذكره. وفيه قرى عامرة بالنخل، منها بلد المجمعة ويليها بلد حرمة وبلد ظلمى، وبلد الحائر والخوبر، ووشي وتقدم ذكره، ومنها وادي جلاجل، ذكروا أنه يسمى وادي المياه؛ ويليه بلد التويم، وفي أعلا تلك الناحية المعشبة، ومنها وادي سدير، وهو وادي عظيم فيه قرى ونخيل أعلاه بلد الروضة؛ وبلد الحصون، وبلد الجنوبين، وبلد الحوطة، وبلد العطار وبلد العودة، ومن تلك الأودية وادي يقال أبو قتادة: ووادي الحائر ووادي الأوسط، ووادي نساح، وهو وادي الخرج ماوان، ووادي برك وبريك. ذكر الرياض عاصمة المملكة السعودية كانت الرياض تدعى فيما مضى بروضة القمعية وبرياض السلي، والسلي قريب من الرياض، ثم إنه غلب هذا الاسم حتى نسي ذكر حجر اليمامة ونحوه، وأصبح الرياض هو اسم تلك الأمكنة، وأعاد الله على تلك الجهات تاريخها الأغر.

стр. 95

وكان صاحب الجلالة الملك عبد العزيز مولعًا بها في حداثة سنة حتى فتحها عنوة فسكنها لأنها عاصمة أبائه وأجداده، وليس بينها وبين الدرعية إلا قريبًا من مسيرة ثلاث ساعات، وما زالت الرياض في ازدياد وتقدم حتى أصبحت قبلة الأماني ومحطة رحال الوافدين، وإن بلدًا يستقر بها الملك وتفد إليه فيها الوفود من مشارق الأرض ومغاربها، وينتابها القريب والبعيد والأحرار والعبيد لجديرة بأن تصبح موضع الإعجاب، وكانت الوفود تفد إليه فيها زرافات وأفواجًا، ويقصده من أعراب نجران وأعراب جلق، وما بين ذلك من الجهات أمم لا يحصيهم إلا الذي خلقهم، يأتون إلى تلك السدة الملكية؛ حتى أنه ليبلغ عدد الوافدين في اليوم الواحد عشرة آلاف أو يزيدون، وذلك في وقت الركوب الذي قدره ستة أشهر، ويبعث منها سيارات النقود والأرزاق والحلل، فتفرق على جميع الجهات ممن لم يقدموا، وهذه العاصمة القهارة من تجول فيها ورآها علم أن ملكها عادل في ملكه صالح في نفسه قد أصلح الله شأنه وجميع التجارة تجلب إليها كالإبل والبقر والأغنام، والحبوب والدهن والحطب والفحم والسيارات والمكيفات والقهوة والهيل والسكر والشاي وجميع الأقمشة فبذلك كانت زهرة البلاد في عصرنا هذا، وكان الملك عبد العزيز يعطي القاضي والداني، ولله حكمه في إيجاده بهذا العصر. قال الشاعر محمد بن عبد الله بن عثيمين: من مبلغ الصحب عني قول مبتجح ... بما يلاقي قرير القلب والعين إني أويت من العليا على حرم ... قبل الإناخة بالبشرى يحييني ينتابه الناس أفواجًا كأنهم ... جاؤوا لنسك على صهب العثانين ترى الملوك قيامًا عند سدته ... وتنظر ابن سبيل وابن مسكين ذا يطلب العفو من عقبى جريرته ... وذا يؤمل فضلًا غير ممنون وقال أيضًا: فالآن لما أقال الله عثرتنا ... في دولة المرتضى في القول والعمل

стр. 96

فخفض الهم وأنعم في ذرى ملك ... وأعف الركائب من حل ومرتحل ملك تباشرت الدنيا بطلعته ... وافتر ثغر الرضا عن مبسم الجذل سما إلى المجد لم تقطع تمائمه ... بصدق عزم فتى في رأي مكتهل إلى أن قال: لو كان فيصل يدري قبل ميتته ... أنك من صلبه استبطى فدى الأجل أصلحت للناس دنياهم ودينهم ... فأصبحوا بك في أمن وفي خول أرشدت جاهلهم علمًا ومحسنهم ... فضلًا ومذنبهم عفوًا عن الزلل ولقد توفرت في الرياض العلماء والقضاة والمفتون والمعلمون والمدرسون، وتخرج من هذه المدينة رجال هذبت الشريعة نفوسهم، وصقلت التجارب همم، وأصبحوا موضع الإعجاب، ولسداد آرائهم وسمو مبادئهم ونبل عواطفهم كان منهم القواد والقضاة والزعماء والفقهاء والوعاظ، ونذكر من هؤلاء العلماء فئة. فمنهم الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ وابنه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن وشهرتهما تغني عن ذكر مدحهما. ومنهم رئيس القضاة الشيخ الإمام عبد الله بن عبد اللطيف الجواد الكريم الذي رحلت إليه الخلائق في وقته من سائر أقطار الأرض لاستفراغ منطوقة وجثت العلماء على ركبهم بين يديه فصار المثل الأعلى في أهل زمانه وبعده. ومنهم أخوه إبراهيم بن عبد اللطيف وناهيك به من حبر عظيم كان غرة الزمان وواسع البيان، نسأل الله أن يجبر المسلمين على فقدهم. ومنهم الشيخ محمد بن عبد اللطيف الذي رسم في علم التوحيد، وجبل على الإنفاق والجود. ومنهم الشيخ سليمان بن سحمان حسان السنة في زمانه الذي ما زال يدأب في نصرة الدين وإعلاء شعائره، ويكافح كل من أراد الدين بسوء من غاو ومفتري وهذه قصائده ومؤلفاته كنار على علم، أحيت السنة وأماتت البدعة.

стр. 97

وكذلك أيضًا الشيخ حمد بن فارس الذي كساه الله حلل التقوى، ونال الثقة والأمانة في دولته. ومنهم الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ العالم العامل الذي لا تأخذه في الله لومة لائم. ومنهم الشيخ سعد بن حمد بن عتيق الذي ثبت الله به أركان الشريعة وأشاد بنيانها، وبذل نفسه لله ولإظهار دينه، ولم يعبأ بعاذليه من كل مجامل، وكل هؤلاء أئمة فحول تعزى الحياة الدنيا بفقدهم وموتهم، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، فعلموا ودرسوا وبينوا، وتهذب على أيديهم علماء، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفي وقتنا هذا خلفهم من الأعيان رجال على رأسهم سماحة المفتي وشيخ الوجود رب الحجا الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ العالم العلامة الذي لا تزال أوقاته عامرة بالتدريس والإفتاء، وجلب المواعظ والنصائح والتحذير من الخزي والفضائح، قد بذل نفسه لله وفي إظهار دينه، فتخرج على يديه أناس سدت بهم الجهات. فمنهم الشيخ الورع الزاهد الناصح عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي نال مقامات القضاة والمفتين والمدرسين والمواقعين عن رب العالمين. ومنهم الشيخ عبد الله بن يوسف بن وابل قاضي الحلوة ثم كان في قضاء أبها. ومنهم الشيخ سليمان بن عبيد بن سلمي قاضي الزلفى، ثم كان في قضاء المجمعة، ثم كان في قضاء الظهران. ومنهم الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد قاضي بريدة، ومنهم الشيخ بن رشود. ومنهم الشيخ صالح بن جارد وغيرهم، ويكفينا شرفًا له تهذيب هؤلاء وأمثالهم، ومن الأعيان في الرياض الشيخ عمر بن حسن رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نجد، وكان قد جعله في هذا المقام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن لما كان يتوسمه فيه من المؤهلات.

стр. 98

ذكر تعزيز مقام الأمر بالمعروف لما كان في حكمة الله أنه لا قوام للدين ولا الدنيا بل ولا للعالم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ به تستقيم البلاد وتصلح العباد، ويرتدع أهل الفسق والفساد، اقتضت إرادة صاحب الجلالة أن يجعل في كل بلد أمةً يأمرون المعروف وينهون عن المنكر، امتثالًا لأوامر الله ورسوله، وإذا كان الأمر كذلك فمن أولى بهذه المهمة من مدينة عظمى امتلأت بالسكنى والجنود واختلط فيها الشامي باليمني والعراق بالحجازي، والعربي بالأعجمي، والأحرار بالعبيد، فجمع الملك أيدّه الله لذلك العلماء والزعماء والكبراء، وباح بما لديه من جهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنه لا بد من جعل هيئات تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وبعد سؤال وجواب انتدب صاحب الجلالة لهذه الخطة صاحب الفضيلة الشيخ عمر بن حسن بن حسين آل الشيخ رئيسًا لهذه الهيئات، ذلك لما قام بهذا الشخص من المؤهلات التي قضت له بأن يكون موضع الثقة والأمانة لهذه البضاعة، ولما أن عيّنه في هذا المقام تعهد له بالمساعدات الفعلية سواء ثبت الأمر على شريف أو وضيع مع تأمين معيشته، ومن كان في معيته من الأعضاء؛ وضم إليهم جنودًا وقوة، فقام الشيخ بما وسد إليه خير قيام، وانبعثت تلك الأعضاء، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويصلحون في الأرض، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾؛ وناهيك بهذه الخطة شرفًا، وكان الشيخ عمر يقيم الحدود ويجلد ويسجن ويعزر؛ ولو ذكر ما يقاسيه لضاق الموسع، ومن كلام صاحب الجلالة له أن قال يميني هذه وأشار بها معك مسلولًا بها سيف للشرع فتوكل على الله. وقد قال رسول الله ﷺ "لتأخذن على يد السفيه ولتأطرنة على الحق أطرًا أو ليوشكن الله أن يعمكم بعقوبة من عنده"، وما ضعفت القوة ولا سقطت الدول وخربت البيوت ودمرت الأمم إلا بسبب التغافل عن المعاصي وأهلها، وعدم

стр. 99

الأخذ على أيدي السفهاء ومنعهم من الرذائل، وإن الله تعالى لما أوجد هذا الملك ووسع في ملكه حفظ التوحيد وأقام شعائر الدين، وهذه هي السر في عزه واتساع ملكه لأن هذه الدولة الإسلامية لا يستقيم لها أمر إلا بحماية دينها والتمسك به. فنسأل الله تعالى أن يقيم لنا رجال أكفاء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لهم علم ودراية ومعرفة وبصيرة أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وأن يشد أزرهم ويقوي عزائمهم ويمنحهم التوفيق. وقد نشر الملك عبد العزيز العلم وطبع الكتب وفي بكتب أهل السنة والجماعة وبذل أسبابًا كافية لطلاب العلم وحملته والقضاة والمفتين والمدرسين؛ فجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا. وقد اتخذ أئمة من العميان للبيوت السعودية يتلون القرآن ويؤمون فيها بصلاة التراويح في شهر رمضان، فأصبح أولئك الأئمة أغنياء أعزة بعد أن كانوا فقراء ضائعين جائعين، وكانوا محشومين لديه يلبسون الكسوة الفاخرة ويركبون من أحسن السيارات، ذلك لأنهم قراء للقرآن يتلون كتاب الله في البيوت السعودية آناء الليل والنهار. ولقد شاهدت من إكرامهم وحشمتهم ما لا تبلغه العبارة، بحيث كان الأعمى لا يصده عن الملك أحد من الحجاب إذا احتاج شيء من الأغراض؛ لا يقل عددهم عن مائة وخمسين مطوعًا. أما البيوت التي تصرف عليها الحكومة مجانًا من آل سعود وآل رشيد واللاجئين فإنها تبلغ أربعمائة بيت، وكلها تفرش بالنمارق والمياثر والزل الجميل وتضاء بالكهرباء وما يلتحق بذلك من الثلاجات والغسالات والمراوح والدفائات وغيرها. وقد اختط الملك عبد العزيز موضع المربع لآل سعود وموضعه في زاويته الشمالية ومليء بالقصور، وفيه مساجد تقام فيها صلاة الجمعة وكانت تلك القصور شامخة في الجو حسنة البناية متسعة الأركان إذا تجولت في المربع تظن أن أهلها ليسوا ممن يسكن القبور.

стр. 100

وقد زينت الرياض بالزينات حتى أصبحت جنة الدنيا، وفيها حارات تعتبر كل حارة كمدينة عظيمة، ومنها محلة القصمان، ودخنة ومعكال وغميتة والشميسي وغيرها. أما ما كان عن محلة المربع الذي تسكنه الأسرة المالكة والبطحاء فحدث ولا حرج، وكان فيها حدائق ربيت فيها الوحوش، ولقد استمرت الرياض في تقدمها وتطورت في عهد الملك سعود وبعد وفاة والده الملك، وكانت حديقة الناصرية التي اتخذها الملك الحالي منتزهًا عظيمًا، وقد بني ذلك القصر على أحدث البناية الحديثة وملئ من عجائب الدنيا، وفيه أزواج من الوحوش كالأسود والنمور والفيلة والنعام وغير ذلك من ذئب وضبع وغير ذلك، ويوجد في بقية الحدائق كذلك كالفاخرية. وكانت مدينة الرياض واسعة الأرجاء، مترامية الأطراف، ويفد إليها من الأحساء والحجاز واليمن والشام، والكويت، والعراق، والقصيم، والهند، والسند، والجاوه، والأوربيتين والأمريكتين خلق كثير، ومن قدم إليها فإنه يجد من الأعمال ما يستغرق وقته، فمن هؤلاء من يقدم إليها للتكسب والبيع والشراء. ومنهم من يفد لطلب العلم؛ وآخرون ضيوف ووفود أضف إلى ذلك ما جعل فيها من الضيافة، والمطابخ، والنعمة، والسرور، والزينة، والبهجة والحبرة، بحيث يقدم إليها الصعاليك لا يملكون شيئًا فما تمر عليهم الأيام القلائل حتى يصبحوا أغنياء وعلى أهلها سيماء النضرة والترف، وفاخر اللباس، فلا إله إلا الله ما تسمع فيها بأذن جلبة البيع والشراء والأخذ والإعطاء وأصوات السيارات ودوي الطائرات والعساكر والجنود قد احتشدت في الشوارع والأمكنة، ولكل نجل من أنجال الملك عبد العزيز خدم وعبيد وجنود وسيارات سواء في ذلك الكبير والصغير. وقد غرقت الجنود بالأسلحة الحديثة من بنادق ومسدسات ومدافع رشاشة وغير ذلك من السيوف والخناجر.

стр. 101

ولقد أحسن الشاعر محمد بن عثيمين في قوله: قوم إذا ذكرت أفعالهم فخرت ... بهم ربيعة من فاس إلى الصين وحين خفيت رسوم الدين وانطمست ... وسيم أهل التقى بالخسف والهون اختارك الله للأمر الذي سيقت ... به السعادة للدنيا والدين فكنت في هذه الدنيا القوام لهم ... وكنت للدين قسطاس الموازين أعطوا بسعدك خطامًا توهمه ... فكر ولم يك في الدنيا بمظنون قال العزيز الذي أفت العزيز به ... قم واستعن بي فإني ناصر ديني أجبت حظك إذ ناداك معتزما ... بالمرهفات وجرد كالسراحين إذا سرين بالليل خلت أنجمه ... من قد جهر الحصى يشعلن في الطين ولقد ساعدت الظروف بأسباب المواصلات بين مدن المملكة السعودية، وذلك بالسيارات والطائرات والقطار بين العاصمة والظهران، كذلك عن طريق التلغرافات اللاسلكية والتلفونات وغيرها. ويلتحق بالعارض قرى كثيرة كالدرعية التي تقع شمالًا عن الرياض وعزره وأبو كباش التي كانت مسكنًا لآل سعود الأقدمين قبل تأسيس الدرعية، ومثل العمارية والجهيلة واليمامة مسكن مسيلمة قديمًا؛ والعيينة بلد آل معمر، وأما ما كان عن العاصمة جنوبًا فالمصانع ومنفوحة وحائر وسبيع، وعنها غربًا ضرمة المتقدمة، وهي مؤلفة من قصور ومزارع عديدة وجنوبي ضرمة الغطغط هجرة الأخوان المشهورين. وكانت منفوحة هذه هي بلدة الشاعر ميمون بن قيس الأعشى الشاعر المشهور قال صاحب الأغاني أخبرنا أبو الحسن الأسدي حدثنا علي بن سليمان النوفلي قال: أتيت اليمامة واليًا عليها فمررت بمنفوحة التي يقول فيها: "بسفح منفوحة فالحاجر"، فقلت: هذي قرية الأعشى، قالوا: نعم، قلت: فأين منزله، فقالوا: ذاك وأشاروا إليه، قلت: فأين قبره، قالوا: بفناء بيته، والشطر المذكور من قصيدته التي أولها:

стр. 102

شاقتك من قتلة أوطانها ... بالشط فالوتر إلى الحاجر فركن مهراس إلى مارد ... فقاع منفوحة فالحائر ومنفوحة قد أمست اليوم منفوحتين القديمة، والجديدة على رمية سهم منها لكن القديمة لا تزال خرائبها بادية للعيان. وأما الحائر فإنه على مسافة خمسة وعشرين ميلًا من الرياض وتدعى حائر سبيع لأن سكانها من عرب هذه القبيلة النازحين من الغرب، وفيها أيضًا السهول حلفاء سبيع، ولقد كانت الأودية مثل وادي الرمة ووادي حنيفة لا تستقيم البلدان فيها، فانظر إلى اليمامة ومنفوحة وما ذاك إلا انقطاع المطر أعوامًا متوالية عنهم فتجف العيون والآبار فينزح أهلها، أو يكون ذلك لهطول الأمطار والسيول التي إذا كثرت دمرت ما مرت به من العمران خرابًا يبابًا. الخرج وضواحيه أما الخرج فقد كانت ناحية خصبة التربة غزيرة الياه جدًا، وتزرع في أرضها الحبوب وفي بساتينها الثمار على أنواعها من مشمش ودراق وتين وعنب وتربى فيها أحسن الجمال والإبل على العموم كذلك البقر والدواجن على اختلاف أنواعها وقد أوجد فيها الملك عبد العزيز المياه الغزيرة والزروع الكثيرة والمباني الشاهقة وهناك روضة فيه واقعة بين الخرج والسهبا يقال لها روضة البجادية قد مد إليها شطر من مياه تلك الناحية فجرت كالنهر التيار وطافت بها وزرعت على تلك المياه وغرست فيها النخيل فأصبح الخرج بهمة صاحب الجلالة قد تحسن تحسنًا عجيبًا وفيه جهات يتنزهون فيها طيبة الهواء ويأتي إليه الملك عبد العزيز في بعض الأحيان فيسكن في تلك القصور التي عمرت على الطراز الحديث فجرت من بينها الأنهار، وأحاطت بها الحدائق والجنان، فلكون أرضه خصبة كثيرًا ما يتردد إليه الملك إذا أراد تغيير الهواء، وإن الخرج يعتبر الآن أصلح أرض للإبل وحديثي عنه طويل وسيمر في حوادث هذا التاريخ بقية ذكر لما جلب إليه من العجائب.

стр. 103

أما قاعدة الخرج فهي الدلم على ثلاث مراحل من الرياض وأهم بلدانها زميقة، ونعجان، واليمامة، والسلمية؛ في طرفها الشمالي والعذار، وفيه مواضع بعثت في هذا العهد الحديث وهي الهياثم وكانت بلدًا لآل عاصم بطن من قحطان يرأسهم ابن حشر؛ والضبيعة وهذا الاسم جاهلي بقي إلى هذا العهد، ويقال أنها قرية لبني قيس بن ثعلبة سميت بالضبيعة لأنه سكنها ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وسكانها اليوم بطن من سبيع بن عامر يقال لهم عجمان الرخم يرأسهم بن هديهد، ثم وادي الفرع إلى الجنوب، وفيه بلدان وسط جبل اليمامة أكبرها الحوطة التي تبعد عن الدلم جنوبًا بثمانية وأربعين ميلًا، وفي أعلى الوادي الحريق على مسافة أربعة وعشرين ميلًا من الحوطة، أما أهل هذين البلدين فمن بني تميم الأشداء، ومن اتباع الحنابلة المحافظين على تقاليدهم وعزلتهم الغيورين على استقلالهم. ولما أن دانت بلاد نجد لابن رشيد ظل أهل الحوطة التي تدعى بحوطة بني تميم خارجين متمردين، وكان لهم شأن عظيم من جهة التمسك، فلما عاد ابن سعود ونازعه السيادة ابن عمه سعود العرافة نصر أهل الحوطة والحريق سعود على جلالة الملك عبد العزيز، ولما أن انتصر عبد العزيز على من نازعه ضمن لأهل هذه الناحية بالأمن على شريطة أن يعترفوا بسيادته ويدفعوا الزكاة ويلبوا دعوة الجهاد معه. ومن البلدان في الخرج السيح الذي كان ماؤه عظيم القدر بحيث يعتبر كوادي عظيم وكان يخرج من مواضع قريبة التناول باستخدام المكائن المائية الضخمة جدًا. ومن البلدان في الخرج أيضًا نعام ومضيفر والحلوة التي غالب سكانها من عنزة أما وادي الخرج المنخفض الذي تصعد منه جنوبًا إلى الأفلاج وشمالًا إلى الرياض فإنك إذا ذهبت جنوبًا فهناك.

стр. 104

الأفلاج وهو أكبر النواحي الجنوبية وأخصبها وتكثر فيه الآبار والعيون والنخيل وتزرع في تلك الناحية الحبوب والثمار وشيء من القطن، قاعدتها لبلى على سبع مراحل من الرياض، وما كان في العارض الجنوبي من برك إلى وادي الهدار فهذا كله يقال له الأفلاج، وهي بلد الحمر، والهدار والستارة والخرفة، وفي تلك الناحية بقعة تدعى السيح من العيون السائحة بل فيها بحيرات عدة, هي من مياه جبل طويق التي تصب غربًا بجنوب تحت أرض الوشم، وفي وادي حنيفة ثم تظهر على وجه الأرض بصورة دائمة في الأفلاج، ومن بلدانه الفعل والعمار وحراضة وواسط ووسيلا ومروان والزريقية والروضة والبديعية وسويدان، أما العرب الذين كانوا يقطنون هذه الناحية فهم من قحطان والدواسر وسبيع قال رجل من بني هزان: سلوا فلج الأفلاج عنا وعنكم ... وأكمة إذا سألت سرارتها دمًا عشية لو شئنا سبينا نسائكم ... ولكن صفحنا عزة وتكرما عشية جاءت من عقيل عصابة ... تقدم من أبطالها من تقدما أما وادي الدواسر فإنه يقع عن الأفلاج إلى الجنوب الغربي وسكان هذا الوادي أغلبهم من عرب الدواسر الأوشاش البدو منهم؛ والحضر وفي ناحيته الشمالية موضع يدعى السليل وفيها من القرى حنابج ورويسة وفرعه وغيرها وفي طرفه الجنوبي ناحية تثليث ومن قراها العمق ومطيلة وخريفة وبعد الوادي جنوبًا على ثلاث مراحل منه. نجران لبني يام الذين كانوا في الماضي خارجين على كل سلطة مشروعة فما دانوا لأحد غير شيوخهم ولكنهم منذ ثلاث وثلاثين سنة دخلوا في الرعاية السعودية فصاروا يدفعون الزكاة طائعين.

стр. 105

إن أكبر قرى نجران مخلاف وحبونه. أما المنطقة الشرقية وتعرف بالأحساء فتحد شمالًا بالكويت وجنوبًا بقطر وشرقًا بالخليج العربي وغربًا بنجد الذي فيه السهول والجبال والصحاري المليئة بالرمال التي تكثر فيها المراعي كالدهناء ونحوها من مواضع الرمال والرياض الطيبة وفيه الأودية والشعاب والواحات والقفار وهناك الأراضي المنبسطة الفسيحة التي لا كلاء فيها ولا ماء كالصمان وهي أرض فيا غلظ وارتفاع وفيها قيعان واسعة وخباري تنبت السدر وإذا خصبت ربعت العرب جميعًا والصحان متاخم للدهناء وكانت الصمان مفاوز في أيام القيظ لا يجوزها إلا الإبل التي تحمل الماء لكنها استخرجت فيها المياه الكثيرة العذبة في جهتين منها بالآلات الحديثة في روضة الحنى وفي روضة الشملول وذلك في عهد الملك عبد العزيز. أما الدهناء فتمد وتقصر، وسميت بهذا الاسم لاختلاف النبت والأزهار في عراصها وطيب نباتها وهوائها. أما الأحساء فهو أكبر النواحي وأخصبها ولا يفوق عليه في كثرة العيون وخصبة التربة سوى القصيم، وكان في صفة أرضه أنها رمل تحته صلابة فإذا أمطرت السماء على ذلك الرمل نزل الماء فمنعته الصلابة أن يفيض، ومنع الرمل السمائم أن تنشفه، فإذا بحث ذلك الرمل أصيب الماء. وفي الأحساء واحات متفرقة أهمها الحساء والقطيف، وبينهما أرض رملية مثل التي ذكرنا وفيها المياه الجارية والعيون العذبة والبساتين والأرض التي تصلح للحراثة فتزرع فيها الحنطة والشعير والسمسم والذرة والأرز. وفي الأحساء قرب الهفوف عيون معدنية متنوعة مياهها حارة وباردة أهما عين نجم المشهورة قرب المبرز التي يتغنى الشعراء بمائها العجيب. وقد كانت الحساء في أيام القرامطة عاصمة مقاطعة هجر، لهذا لما زحف

стр. 106

القرامطة إلى مكة وقتلوا الحجاج، واقتلعوا الحجر الأسود ورجعوا به إلى هجر، ثم استولى على الأحساء الأمراء العيونيون، وقد استولى عليها بنو خالد إلى حين ظهور آل سعود الذين أدخلوا بني خالد في طاعتهم. وعلى أثر الشقاق الذي حدث بين أبناء الإمام فيصل سنة ١٢٨٧ هـ عادت الدولة العثمانية إلى الأحساء فاحتلتها كما دخلت في حوزتهم سنة ٩٢٦ هـ قبل بني خالد، وكان مناخه حارًا رطبًا، وظهرت شهرته في العالم بعد ظهور البترول في أراضيه، وكان بدء استخراج البترول سنة ١٣٥٧ هـ بواسطة شركة أمريكية، ولا تزال تزداد كمية استخراجه يومًا عن يوم، مما يبشر بمستقبل زاهر، وعلى ذلك فإنه يحصل منه على مال وفير، واتخذت مدينة الظهران قاعدة رئيسية لحصوله. وفي سنة ١٣٦٦ هـ مدت أنابيب من أبقيق إلما ميناء صيداء بالبنان تسهيلًا للنقل حتى بلغ طول هذه الأنابيب ٧٥٢ ميلًا، وحقول البترول المنتجة هي السفانية؛ وأبو حدريد، والفاضلي، والقطيف، والدمام؛ والبقة، وأبقيق وعين دارد والعثمانية وحرض، وكلها تقع في المنطقة الشرقية، وكانت مشتقات البترول هي الكيروسين الذي يستخدم في الإضاءة، والوقود والبنزين والديزل الذي هو للقاطرات والآلات والشحم والإسفلت الذي يستخدم في رصف الطرق، ومن المدن في هذه المقاطعة مدينة الظهران والدمام والخبر ورحيمة ورأس تنورة، وقد أقيمت البيوت الحجرية هناك ونصبت القضاة وأصبح يبلغ عدد العمال في الشركة هناك زهاء عشرين ألف عامل، وتواصلت بالرياض بالقطار والطائرات والسيارات، وإن إقليمًا يكون بهذه المثابة لجدير بأن يكون موضع الإعجاب، وحديثي عن المقاطعة الشرقية طويل لا تتسع له هذه الأوراق وإن بروزها بتلك الصفة تركها مسرج الأفكار ومزار السائحين. وإذا دفعنا إلى شمال المملكة فإنه يحاد القصيم جبل شمر أي جبلا طي أجا وسلمى وما يتبعهما من السهول والجبال وعاصمة تلك المقاطعة هي حائل التي

стр. 107

أميرها عبد العزيز بن مساعد بن جلوي، وكانت مدينة من أكبر المدن العربية وأجملها، ويقدر سكانها بثمانين ألفًا، وكان أهل تلك الجهات مثل أهل القصيم يكثرون الأسفار والإتجار، ويبارون بالرفاهية أهل الأمصار، وبالبسالة والشجاعة أهل القفار، وهناك قرى عديدة منها قفار، وقبة وبقعاء وسميرا والكهفة وكلها تابعة لحائل. وإذا سرنا منها شمالًا بغرب واجتزنا النفود الكبرى نصل إلى الجوف جوف آل عمروا، ووادي السرحان التي كانت لعرب الرولة من عنزة، فاستولى عليها ابن رشيد ثم بعد سقوط حائل دخلت في حوزة ابن سعود وقاعدتها الجوف، وأهم قراها سكاكا وكادة وقريات الملح وأثره، وقراقر، وهناك عند الطرف الشمالي من وادي السرحان قريبا من حدود المملكة العربية السعودية الشمالية. أما ما كان عن عسير وجهاته فنقول: عسير يقع أقليمه في الجهة الغربية من المملكة ويحد شمالًا بالحجاز، وجنوبًا باليمن، وشرقًا بنجد، وغربًا بالبحر الأحمر ومساحته خمسون ألف ميل، وسطحه ينقسم قسمين سهول ساحلية تعرف بتهامة عسير فيها أودية خصبة تنبت الحبوب والسمسم والقطن والبن وغير ذلك، ومناخها حار، والقسم الثاني جبلي بعرف بعسير السراة تنحدر من جبالها سيول كثيرة تكسب الأرض خصوبة ومناخها معتدل. أما أشهر مدن عسير فجيزان على ساحل البحر، وتقع أمامها جزائر فرسان، ومنها صبيا، وكانت بلدة قديمة ومياهها كثيرة ومزارعها واسعة. أما أبها فهي قاعدة عسير وكانت تعد مركزًا هامًا للمواصلات وطرق القوافل، وقد أقيمت على تل في وسط عسير وجوها معتدل صيفًا وبارد شتاءً. أما القنفذة فهي أشهر ميناء على الساحل لأقليم عسير، وبينها وبين جده مائتا

стр. 108

ميل جنوبًا، وكذلك بارق وكان واديًا بين بلد القنفذة وبين جبل السراة سكنته بطون من بني بارق بعد خراب السد، وكان غالب قبائل عسير بنو مالك وشهران وبام وبالحرث وسيأتي له بقية تعريف. أما الحجاز فإنه أقليم تكثر فيه الحرات وسطحة جبل على العموم والجزء الغربي منه سهول ساحلية ممتدة على ساحل البحر الأحمر ومناخه يختلف باختلاف جهاته ففي الجهات الساحلية حار رطب، وفي المناطق البعيدة عن الساحل حار جاف. وفي المناطق الجبلية معتدل صيفًا بارد شتاء، وتبلغ مساحته نحوًا من مائة وخمسين ألف ميل مربع، وأغلب القبائل التي تسكنه ثقيف وقريش وجهينة، وحرب وبنو شهر، وبنو سعد وبنو حرث وبنو مالك وغمدان وزهران، وفي الحجاز جميع الموانئ الغربية كميناء جدة وميناء ينبع، والجزء الشمالي والشرقي سهول تكثر فيه الحرات، وفي الوسط بالقرب من ساحل البحر الأحمر تمتد سلسلة جبال السروات، ويتخللها سهول تقع فيها مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف. أما مكة المكرمة فإنها عاصمة الحجاز وبلد الله الأمين وحرم الله وخيرته من بين سائر بقاع الأرض شرفها الله تعالى وعظمها، وكانت مهاجر إسماعيل وأمه، وتحتوي على بيت الله المعظم وفيها ولد الرسول الأمين وخاتم المرسلين، وفيها المشاعر المعظمة ويقع حواليها جبل حراء وغار ثور. وقد كفينا ذكر تاريخها القديم، ولقد كان فتحها على يدي جلالة الملك عبد العزيز آل سعود يعتبر من أكبر نعم الله تعالى على المسلمين. ولقد كان الحجاج قبل ولايته عليها يقاسون من النهب والسلب، والأذى ما يقلق راحتهم، ويشتت شملهم وبقضي على الأمن والطمأنينة هناك، فشاءت قدرة الله أن يتولاها آل سعود لما قام بهم من العدل والإنصاف والتأمين.

стр. 109

ولما كان الحجاج قبل ذلك تسرق آنيتهم من بين أيديهم وهم ينظرون، وتعبث أيدي الحرامية بفعل تلك الجرائم بحيث تؤخذ الكسوة من فوق الظهور فلو رأيت الشنان والمفزعات إذا دحرجت من فوق رؤس الجبال وانطلقت على إبل الحجاج فندت وسقط ما تحمله فوق ظهروها، وكان حظه النهب والسلب لذابت لذلك الأكباد وأنكرته فطر العباد، فغار ربك من هذا الصنيع الذي تعمله هذه الأيادي الجائرة بزوار بيته ووفده، وولى على تلك البلاد والرباع ذلك الأسد في براثنه الذي قهرت سطوته أهل الفساد، وآمن به العباد والبلاد فولت تلك الأشباح الوحشية إلى أكهافها وأوكارها قد أعشاها فجر الأمن والتوحيد، وأصبحت الطرق آمنة مطمئنة فلله الحمد والشكر لا نحصي ثناء عليه. إن مكة والحق يقال تعتبر مثالًا للنظام وحسن التدبير، ذلك لما أولتها الحكومة من العناية والحرص على راحة أهلها بتأسيس المستشفيات ومراكز الإسعاف وتعبيد الطرق بالإسفلت حتى أصبحت طرقها كأحسن ما يكون، واتخذت الحكومة إجراءات نحو الطريق بينها وبين مدينة جدة فرصفته وجعلت على قدر مسافة الكيلو لوحة فيها أرقام، لذلك وكانت المسافة بين البلدتين ٧٣ كيلو مترًا، كما قد رصفت الطريق بين جدة والمدينة المنورة، كذلك بحيث كان الطريق بين البلدتين ٣٧٨ كيلو مترًا، وكانت غالب دوائر الحكومة فيها وجلبت إليها سيارات الإطفاء وفيها معامل ومحطات كثيرة لتوليد الكهرباء واللاسلكي ومراكز للشرطة، وفيها المدارس والمعاهد والمستشفيات ومواضيع أخرى للأدوات الحديثة وغير ذلك مما وفر لأهلها كمال الراحة، ومن جهة أخرى فإن الكهرباء يسر وجوده لديهم جميع المكيفات، والآن كانت تشاركها في بعض ذلك البلاد الأخرى، فإن مكة قد نالت قصب السبق وفازت بنا من قديم، وقد خدمت بالحرس والبلديات والتنظيم ما كانت تفخر به على غيرها في المدنية وحسن النظام، ولا ريب أن البلاد تتحسن وكانت مسافتها شرقًا وغربًا طويلة، أما من جهات الجنوب والشمال فإن الجبال

стр. 110

هناك ولا تزال أسواقها عامرة بالبيع والشراء وهي كثيرة كالجودري والمدعى والحلقة وسوق الليل والمسعى والقشاشية وسويقة والسوق الصغير وشارع الملك عبد العزيز وشارع الأمير فيصل وغير ذلك، وما حاراتها جياد وشعب عامر وسوق الليل والقشاشية والمعابدة والشامية وجرول والشبيكة وحارة الباب والمسفلة وغزة والقرارة والنقا. وغالب سكانها مجاورون من جاوى وحضرموت والهند وغير ذلك، أما أهلها المتأصلون فإنهم على قدر النصف من ذلك، وكان يرد عليها من الفواكه والحبوب والأرزاق شيء كثير، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧]، فيجلب إليها البطيخ والقثاء والباذنجان والرمان والليمون والبرتقال والسفرجل والخيار والحبش والبصل والتين والبطاطس والدبا والغنم والبقر، أضف إلى ذلك العنب وأنواع التمور والخضر، ولا ريب أن لديهم بركة كما دعى لهم الخليل ﵇ ولكل بضاعة سوق خاص فللقماش سوق، وللنجارة كذلك حتى تصل إلى مبيع الفحم والحطب. ولقد بنى صاحب الجلالة الملك عبد العزيز مساجد كثيرة فيها وجدد مساجد أيضًا وقد كتب على ألواح فيها من الخارج بالخط البارز براعة استهلال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]، ومن أهم المساجد التي رأيتها فيها بعد المسجد الحرام مسجد بناه الملك المذكور، وكان يقع أمام قصره في المعابدة، وقد أحكم بالإسمنت المسلح. المسجد الحرام في الوقت الحاضر إذا دخلنا مع باب السلام إلى المسجد الحرام فإنا نجد هناك مكاتب ملئت بالكتب والمصاحف والدفاتر والأقلام والمحابر وما إلى ذلك، ومما يؤسف جد الأسف أن غالب هذه الكتب إنما هي عصرية لكنه قد يوجد في بعضها كتب دينية وإننا لنأمل من أرباب هذه المكاتب لما عرف من أدبهم وأخلاقهم الطيبة أن يجزلوا
следующие страницы →