كتاب روضة التقرير في اختلاف القراءات بين الإرشاد والتيسير
نظم الإمام العلامة الشيخ
علي بن أبي محمد بن أبي سعد بن الحسن الواسطي
المعروف بالديواني رحمه الله تعالى (٦٦٣ - ٧٤٣ هجرية)
حققه وقدم له
أبو مازن
محمد بن رجب الخولي
دار العاصمة للنشر والتوزيع
стр. 2
دار العاصمة للنشر والتوزيع، ١٤٣٢ هـ
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م
الناشر
دار العاصمة للنشر والتوزيع
الرياض - المملكة العربية السعودية
هاتف: ٤٤٩٧٢٢٤ - ١ - ٠٠٩٦٦
ناسوخ: ٤٤٩٧٢٢٥ - ١ - ٠٠٩٦٦
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
مقدمة
إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُهُ ونستعينُهُ، ونستهديه ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ ومن اهتدى بهَدْيِهِ إلى يومِ الدِّينِ.
وبعدُ .. فإنَّ من أشرفِ العلومِ وأعلاها ما كان متصلاً بكتابِ اللهِ تعالى؛ إذْ هو أشرفُ الكتبِ وأجلُّها؛ ومن أهمِّ علومِ القرآنِ الكريمِ علمُ القراءاتِ؛ وهو العلمُ الذي يبحثُ في القرآنِ الكريمِ من جهةِ لفظِهِ وأدائِهِ روايةً ودرايةً، ويبحثُ في اختلافِ الناقلينَ فيه.
ولقد أمرَ اللهُ بتلاوةِ كتابِهِ وتَدبُّرِهِ والعَملِ به، وتَكفَّلَ هو سبحانه بحفظِهِ؛ وعلمُ القراءاتِ من أدلِّ الأدلةِ على حفظِ اللهِ تعالى كتابَهُ؛ إذ هو العلمُ الوحيدُ الذي لا يزالُ يُتناقلُ روايةً ومشافهةً بأسانيدَ متصلةٍ إلى الرسولِ الكريمِ صلى الله عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسلّم! ولقد اصطفى اللهُ سبحانه من السلفِ والخلفِ منِ اختصَّهُ بحفظِ القرآنِ الكريمِ والعلمِ بقراءاتِهِ.
فكان من الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم قراءٌ معروفون مشهورون بالقراءةِ والإقراءِ؛ منهم: عثمانُ، وعليٌّ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو الدرداءِ، وأُبَيٌّ، وابنُ مسعودٍ، وسالمٌ مولى أبي حذيفةَ، ومعاذُ بنُ جبلٍ، وأبو موسى الأشعريُّ، رضي اللهُ تعالى عنهم أجمعين؛ وفي الصحيحينِ من حديثِ عبدِاللهِ بنِ عمرٍو ﵄: «خُذُوا القُرْآنَ مِنْ
стр. 5
أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ- فبَدأ به- وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ» (١)، وقرأ بعضُ الصحابةِ على بعضٍ.
ثم اشتهر بعدَ الصحابةِ من تلامذتِهم من التابعين جمعٌ غفيرٌ، انتشروا في الأمصارِ؛ فكان منهم بالمدينةِ: سعيدُ بنُ المسيبِ، وعُروةُ، وسليمانُ وعطاءٌ ابنا يَسَارٍ، ومعاذُ بنُ الحارثِ المعروفُ بمعاذٍ القارئِ، وعبدُالرحمنِ بنُ هُرْمُزٍ الأعرجُ، وابنُ شهابٍ الزُّهريُّ، ومسلمُ بنُ جُنْدُبٍ، وزيدُ بنُ أسلمَ. وكان منهم بمكةَ: عُبيدُ بنُ عُميرٍ، وعطاءُ بنُ أبي رباحٍ، وطاوسٌ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، وابنُ أبي مُليكةَ. وبالكوفةِ: علقمةُ، والأسودُ، ومسروقٌ، وعَبيدةُ، وعمرُو بنُ شُرحبيلَ، والحارثُ بنُ قيسٍ، وعمرُو بنُ ميمونٍ، وأبو عبدِالرحمنِ السُّلميُّ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، والشَّعبيُّ. وبالبصرةِ: أبو العاليةِ، وأبو رجاءٍ، ونصرُ بنُ عاصمٍ، ويحيى بنُ يَعمرَ، والحسنُ، وابنُ سيرينَ، وقتادةُ. وبالشامِ: المغيرةُ بنُ أبي شهابٍ المخزوميُّ صاحبُ عثمانَ، وخليفةُ بنُ سعدٍ صاحبُ أبي الدرداءِ.
ثم تجرّد من بعدِ ذلك قومٌ واعتنوا بضبطِ القراءةِ أتمَّ عنايةٍ حتى صاروا أئمةً يُقتدى بهم ويُرحل إليهم؛ فكان بالمدينةِ: أبو جعفرٍ يزيدُ بنُ القعقاعِ، ثم شيبةُ بنُ نَصَاحٍ، ثم نافعُ بنُ أبي نعيمٍ، وبمكةُ: عبدُاللهِ بنُ كثيرٍ، وحُميدُ بنُ قيسٍ الأعرجُ، ومحمدُ بنُ مُحيصنٍ، وبالكوفةِ: يحيى بنُ وَثّابٍ، وعاصمُ بنُ أبي النُّجودِ، وسليمانُ الأعمشُ، ثم حمزةُ، ثم الكسائيُّ، وبالبصرةِ: عبدُاللهِ بنُ أبي
стр. 6
إسحاقَ، وعيسى بنُ عمرَ، وأبو عمرِو بنُ العلاءِ، وعاصمٌ الجحدريُّ، ثم يعقوبُ الحضرميُّ، وبالشامِ: عبدُاللهِ بنُ عامرٍ، وعطيةُ بنُ قيسٍ الكلابيُّ، وإسماعيلُ بنُ عبدِاللهِ بنِ المهاجرِ، ثم يحيى بنُ الحارثِ الذِّماريُّ، ثم شُريحُ بنُ يزيدَ الحضرميُّ.
واشتهر من هؤلاءِ في الآفاقِ الأئمةُ السبعةُ: نافعٌ؛ وقد أخذ عن سبعينَ من التابعين منهم أبو جعفرٍ. وابنُ كثيرٍ؛ وأخذ عن عبدِاللهِ بنِ السائبِ الصحابيِّ. وأبو عمرٍو؛ وأخذ عن التابعينَ. وابنُ عامرٍ؛ وأخذ عن أبي الدرداءِ وأصحابِ عثمانَ. وعاصمٌ؛ وأخذ عن التابعينَ. وحمزةُ؛ وأخذ عن عاصمٍ والأعمشِ والسبيعيِّ ومنصورِ بنِ المعتمرِ وغيرِهم. والكسائيُّ؛ وأخذ عن حمزةَ وأبي بكرِ بنِ عياشٍ (١).
قال الإمامُ السيوطيُّ: «ثم لما اتَّسع الخرقْ، وكاد الباطلُ يلتبسُ بالحقّْ، قام جهابذةُ الأمةِ وبالغوا في الاجتهادِ، وجمعوا الحروفَ والقراءاتْ، وعَزَوُا الوجوهَ والرواياتْ، وميزوا الصحيحَ والمشهورَ والشاذَّ، بأصولٍ أصَّلوها، وأركانٍ فصَّلوها» (٢).
ومِن أشهرِ مَن ألَّف في عزوِ القراءاتِ والوجوهِ إلى أصحابِها وذِكْرِ اختلافِهم واتفاقِهم فيها، الإمامُ أبو عمرٍو الدانيُّ (٤٤٤ هـ) في كتابِهِ «التيسيرِ في القراءاتِ السبعِ»، وانتهت إليه الرياسةُ في القراءةِ والإقراءِ في عصرِهِ، ولما نظم الإمامُ الشاطبيُّ (ت ٥٩٠ هـ) كتابَ «التيسيرِ» في منظومتِهِ «حرزِ الأماني ووجهِ التهاني» اقتصر عليها
стр. 7
وعلى أصلِها علماءُ الأمصارِ، حتى صار الجميعُ إلى الآن يقرءون بمضمَّنِ هذه المنظومةِ المباركةِ.
واشتهر في ذلك بالعراقِ وما جاورها الإمامُ أبو العزِّ القلانسيُّ (٥٢١ هـ) وكتابُهُ «إرشادُ المبتدي وتذكرةُ المنتهي» في القراءاتِ السبعِ أيضًا، وكان كتابُهُ لأهلِ العراقِ ككتابِ أبي عمرٍو لغيرِهم، وفيه طرقٌ ورواياتٌ ليستْ في «التيسيرِ» ولا «الشاطبيةِ» كما أن فيهما ما ليس فيه.
ثم جاء في القرنِ الثامنِ الهجريِّ الإمامُ عليُّ بنُ أبي محمدِ بنِ أبي سعدٍ الواسطيُّ الديوانيُّ (٧٤٣ هـ) فجمع بين الكتابينِ، بذكرِ ما اختلفا فيه وما زاده أحدُهما على الآخرِ؛ جمع ذلك في منظومةٍ داليةٍ سماها «روضةَ التقريرِ في اختلافِ القراءاتِ بين الإرشادِ والتيسيرِ»، وهي منظومةٌ لطيفةٌ، صغيرةُ الحجمِ، عظيمةُ النفعِ.
والإمامُ الديوانيُّ ﵀ قرينٌ للإمامِ الذَّهَبيِّ (ت ٧٤٨ هـ) سمع معه من بعضِ شُيُوخِهِ، وهو أيضًا شيخُ شيخِ الإمامِ ابنِ الجزريِّ (ت ٨٣٣ هـ)؛ وقد مدحاه وأثنيَا عليه، وحسبُكَ بهما في علومِ القراءاتِ والتأريخِ والرِّجالِ.
ولما كنتُ ممن عالج أمورَ التحقيقِ في مختلفِ العلومِ الإسلاميةِ- ومنها علمُ القراءاتِ- منذُ نحوِ أربعةَ عشرَ عامًا؛ وكنتُ كذلك ممن تشرّف بالمشاركةِ في علمِ القراءاتِ روايةً ودرايةً؛ ورأيت كُتُبَ الإمامِ الديوانيِّ لم تُحقَّقْ بعدُ، أحببتُ أن أبادرَ بتحقيقِ هذه المنظومةِ تحقيقًا علميًّا، غيرَ مُطَوِّلٍ في التَّعليقِ عليهَا؛ خشيةَ أن يتحوَّلَ تعليقي إلى شرحٍ، وقد شرحَها ناظمُها، ﵀.
стр. 8
وقدَّمتُ لتحقيقي هذه المنظومةَ بمقدّمةٍ تشتملُ على أربعةِ فصولٍ:
الفصلُ الأولُ: عن الناظمِ ﵀، وفيه أربعةُ مباحثَ:
المبحثُ الأولُ: اسمُهُ، ولَقبُهُ، وكُنيتُهُ، وشُهرتُهُ، ومَذهبُهُ الفقهيُّ، ونسبتُهُ.
المبحثُ الثاني: مولدُهُ وطلبُهُ للعلمِ ورحلاتُهُ وشيوخُهُ.
المبحثُ الثالثُ: تلاميذُهُ ومصنفاتُهُ.
المبحثُ الرابعُ: وفاتُهُ وثناءُ العلماءِ عليه.
الفصلُ الثاني: عن الكتابِ وموضوعِهِ، وفيه ثلاثةُ مباحثَ:
المبحثُ الأولُ: اسم الكتاب ونسبته إلى الناظمِ.
المبحثُ الثاني: التعريفُ بالكتابِ وموضوعِهِ وأهميتِهِ ومنهجِهِ ومصادرِهِ.
المبحثُ الثالثُ: القراءُ السبعةُ، ورواتُهم وناقلو الطرقِ.
الفصلُ الثالثُ: التعريفُ بأصلي الكتابِ وصاحِبَيهما، وفيه مبحثان:
المبحثُ الأولُ: أبو عمرٍو الدانيُّ وكتابُهُ «التّيسيرُ».
المبحثُ الثاني: أبو العزِّ القلانسيُّ وكتابُهُ «الإرشاد».
стр. 9
الفصلُ الرابعُ: وصفُ النُّسختينِ الخطيتينِ ومنهجُ التحقيقِ، وفيه مبحثان:
المبحثُ الأولُ: وصفُ النُّسختينِ الخطيتينِ.
المبحثُ الثاني: منهجُ التحقيقِ وعملي في الكتابِ.
وختمتُ مقدمةَ التحقيقِ بنماذجَ من النسختين الخطيتين.
ثم ذيّلتُ الكتابَ بكشافاتٍ فنيةٍ تناسبُ النظمَ.
هذا، وأسألُ اللهَ- جلَّ وعلا- أن يُيسِّر لي أمري، ويشرحَ لي صدري، وما كان في هذا العملِ منِ الصَّوابِ والتَّوفيقِ، فإنّه من اللهِ ، وما كان غيرَ ذلك فإنه من نفسي ومن الشَّيطانِ، ورحم اللهُ رجلاً أهدى إليَّ عُيوبي:
[فَيَا مَنْ رَأَى تَحْقِيقِيَ النَّظْمَ بَائِرًا] ... يُنَادَى عَلَيْهِ كَاسِدَ السُّوقِ أَجْمِلا
وَظُنَّ بِهِ خَيْرًا وَسَامِحْ نَسِيجَهُ ... بِالاِغْضاءِ وَالحُسْنَى وَإِنْ كانَ هلْهَلا
وَسَلِّمْ لإِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ إِصَابَةٌ ... وَالاُخْرَى اجْتِهادٌ رَامَ صَوْبًا فَأَمْحَلا
وَإِنْ كانَ خَرْقٌ فَادَّرِكْهُ بِفَضْلَةٍ ... مِنَ الحِلْمِ ولْيُصْلِحْهُ مَنْ جَادَ مِقْوَلا
وَعِشْ سَالِمًا صَدْرًا وَعَنْ غِيبَةٍ فَغِبْ ... تُحَضَّرْ حِظَارَ القُدْسِ أَنْقَى مُغَسَّلا
وَبِاللهِ حَوْلِي وَاعْتِصَامِي وَقُوَّتِي ... وَمَا لِيَ إِلاَّ سِتْرُهُ مُتَجَلِّلا
وكتب:
أبو مازن
محمد بن رجب الخولي
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
mrhs.mmh@gmail.com
mrhs.mmh@hotmail.com
المبحثُ الأولُ: اسمُهُ ، ولَقبُهُ، وكُنيتُهُ، وشُهرتُهُ، ومَذهبُهُ الفقهيُّ، ونسبتُهُ:
اسمُهُ (١): عليُّ بن أبي محمّدِ بن أبي سعدِ بن الحسنِ؛ هكذا أثبتَ الناظمُ اسمَهُ بخطِّهِ في كُتُبِهِ المخطوطةِ (٢): في صفحةِ عنوانِ «جمعِ الأصولِ»، وفي صفحةِ عنوانِ «روضةِ التقريرِ» ونهايتِها، وفي صفحةِ عنوانِ «طوالعِ النجومِ» ونهايتِها، وفي صفحةِ عنوانِ «المقامةِ الواسطيةِ»، إلا أنه لم يذكرِ «ابنَ الحسنِ» في صفحةِ عنوانِ «جمعِ الأصولِ»، ولم يَذكرِ اسمَهُ كلَّهُ في نهايتِهِ، ولم يذكرْ مذهبَهُ إلا في نهايةِ «طوالعِ النجومِ»، وفي الصفحةِ الأخيرةِ من «المقامةِ» جاء اسمُهُ هكذا: «علي بن محمد بن أبي سعيد بن الحسن ... الوسطي»، والصفحةُ كلُّها بخطٍّ مختلفٍ عن خطِّ الناظمِ (٣).
стр. 13
وقال الناظمُ ﵀ في أولِ «طوالعِ النجومِ»:
يَقُولُ عَبْدٌ بِالْقُرَانِ يَقْتَدِي ... وَهْوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي مُحَمَّدِ (١)
وفي أولِ ورقةٍ من نسخةِ «شرحِ الروضةِ» جاء اسمُهُ كاملاً كما أثبتُّهُ هنا في أولِ ترجمتِهِ.
وجاء اسمُهُ في «النشرِ» أيضًا كذلك دونَ «ابنِ الحسنِ».
وجاء اسمُهُ في «معرفةِ القراءِ الكبارِ» و» الدررِ الكامنةِ»: «علي بن محمد بن أبي سعد» فقط، وذكر محققُ «معرفةِ القراءِ» في الهامشِ أنّ في إحدى النسخِ: «علي بن أبي محمد».
واسمُهُ في «غايةِ النهايةِ» و» معجمِ المؤلفينَ» و» هديةِ العارفينَ» - في الموضعِ الثاني-: «علي بن أبي محمد بن أبي سعد بن عبدالله».
أما في «كشفِ الظنونِ» فجاء اسمُهُ هكذا في الموضعين: «علي بن أبي سعد الواسطي» وفي الموضعِ الأولِ من «هديةِ العارفينَ»: «زين الدين بن أبي سعيد علي الديواني الواسطي»، وفي «الأعلامِ»: «علي بن محمد بن أبي سعد بن عبدالله».
والأَولى في اسمِ الناظمِ ما وُجد بخطِّهِ على كتبِهِ: عليُّ بن أبي محمّدِ بن أبي سعدِ بن الحسنِ.
كُنيتُهُ: يُكنى «أبا الحسنِ»، وجاءت تكنيتُهُ بذلك في كلِّ مصادرِ ترجمتِهِ عدا «الدررَ الكامنةَ» و» منجدَ المقرئينَ»، ولكنها لم تُذكرْ
стр. 14
أيضًا في أيٍّ من كتبِهِ.
لَقَبُهُ: يُلقَّبُ بـ «زينِ الدِّينِ»، وورد هذا اللقب في «هديةِ العارفينَ» و» كشفِ الظنونِ» في الموضعِ الأولِ منهما فقط، ولم يذكرْهُ غيرُهما ممن ترجم له، ولم يُذكرْ هذا اللقبُ أيضًا في أيٍّ من كتبِهِ التي بخطِّهِ.
شُهْرَتُهُ: أما شهرته فإنه يُعرَفُ ويشتهرُ بـ «الدِّيوانيِّ»، وواضحٌ من ترجمتِهِ أنه ﵀ اشتُهر وعُرف بها في عصرِهِ وبعدَهُ، فقد ذُكرتْ هذه الشهرةُ في جميعِ مصادرِ ترجمتِهِ؛ قال الإمامُ الذهبيُّ: «المشهورُ بالشيخِ عليٍّ الدِّيوانيِّ»، وقال ابنُ الجزريِّ في «غايةِ النهايةِ» وأكثرُ من ترجم له: «المعروفُ بالدِّيوانيِّ»، وذُكِرتْ هذه الشهرةُ في «النشرِ» و» المنجدِ» و» كشفِ الظنونِ» والموضعِ الأولِ من «هديةِ العارفينَ» دونَ كلمةِ «المعروفِ».
ولكنّ هذه النسبةَ أو الشهرةَ لم تُذكرْ في أيٍّ من كتبِهِ، والظاهرُ أنها بسببِ تولِّيه بعضَ المناصبِ الدِّيوانيةِ، ولعلّه كان لا يحبُّ ذِكرَ هذه النسبةِ.
مذهبُهُ الفقهيُّ:
نص على مذهبِهِ الفقهيِّ في آخرِ كتابِهِ «طوالعِ النجومِ» (مخطوط)؛ حيث قال: «الشافعيّ مذهبًا».
نِسبتُهُ:
ينسبُ إلى «واسطٍ»؛ بلدٍ بين الكوفةِ والبصرةِ، بناه الحجاجُ بنُ يوسفَ (ت ٩٥ هـ)، خرج منه جماعةٌ من أهلِ العلمِ في كلِّ فنٍّ،
стр. 15
وفيهم كثرةٌ وشهرةٌ (١).
ومن تمامِ الحديثِ عن نسبتِهِ ذكرُ وصفِ الناظمِ نفسَهُ بـ «المقرئُ بجامعِ واسطٍ» فيبدو أنها الصفةُ التي يحبُّها الإمامُ الدِّيوانيُّ- ﵀ ويعتزُّ بها؛ يتضحُ ذلك من تَكرارِهِ إياها في أوائلِ كتبِهِ وأواخرِها، كما يظهرُ أنه يعتزُّ أيضًا بالانتسابِ إلى «واسطٍ» وأنها بلدُ القراءِ والإقراءِ؛ وقد أَخذ الناظمُ على أبي محمدٍ القاسمِ الحريريِّ (ت ٥١٦ هـ) (٢) أنه لم يذكرْها بهذه الصفةِ وهذا النعتِ في مقاماتِهِ، فتفتّقتْ قريحةُ الديوانيِّ عن مقامةٍ رائعةٍ فيها نثرٌ ونظمٌ بديعان، وهي «المقامةُ الواسطيةُ المغايرةُ للمقامةِ الحريريةِ»، يذكرُ فيها مناقبَ بلدِهِ «واسطٍ» ومناقبَ أهلِها، وصلتَها بعلمِ القراءاتِ وما وصلت إليه فيه (٣).
стр. 16
المبحثُ الثاني: مولدُهُ وورحلتُهُ وطلبُهُ للعلمِ وشيوخُهُ:
مولدُهُ:
وُلد بـ» واسطٍ» في سنةِ ثلاثٍ وستِّينَ وستِّ مِئَةٍ، وقد نصّ هو نفسُهُ على ولادتِهِ بـ» واسطٍ» في آخرِ «طوالعِ النجومِ» (مخطوط)؛ حيث قال: «الواسطيّ مولدًا».
وأما تحديدُ سنةِ مولدِهِ فقد نصَّ عليه ابنُ الجزريِّ في «غايةِ النهايةِ»، وهو ظاهرُ ما ذكره الذهبيّ في «معرفةِ القراءِ» في ترجمةِ الناظمِ وترجمةِ الذي قبلَهُ وهو ابنُ مؤمنٍ (١)؛ قال في ترجمةِ الناظمِ: «وهو وابنُ مؤمنٍ متقاربانِ في السنِّ، ثم أخبرني ابنُ مؤمنٍ أنه سأله فيما بعدُ عن عُمُرِهِ فإذا هو أسنُّ من ابنِ مؤمنٍ بثمانِ سنينَ»، وكان الذهبيُّ قد قال في ترجمةِ ابنِ مؤمنٍ (٢): «وذكر لي مولدَهُ أنه في سنةِ إحدى وسبعين وستِّ مئةٍ»؛ وهذا يعني: أنّ مولدَ الناظمِ في سنةِ ثلاثٍ وستينَ وستِّ مئةٍ (٦٦٣ هـ)، وكذا ذكره الزركليُّ (ت ١٣٩٦ هـ) في «الأعلامِ»، وحاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ) في «كشفِ الظنونِ»، والبغداديُّ (ت ١٣٣٨ هـ) في «هديةِ العارفينَ» في الموضعِ الثاني منه،
стр. 17
وذكر ابنُ حجرٍ (ت ٨٥٢ هـ) في «الدررِ الكامنةِ» أنّ مولدَهُ في سنةِ بضعٍ وستين؛ يعني: وستِّ مئةٍ (١).
رحلتُهُ وطلبُهُ للعلمِ:
رحل الإمامُ الديوانيُّ في طلبِ العلمِ وجابَ الآفاقَ؛ فمن البلادِ التي رحل إليها:
- «دِمشقُ»؛ وقرأ فيها على الشيخِ إبراهيمَ الإسكندريِّ (٢).
- و» الخليلُ»؛ وقرأ فيها على الإمامِ الجعبريِّ (٣).
- و» تِبريزُ».
- و» شِيرازُ» وفيها كتب كتابَنا هذا كما نصَّ على ذلك في نهايتِهِ.
- و» أَصبَهانُ» (٤).
ثم عاد إلى بلدِهِ «واسطٍ» فانفرد بالإقراءِ بها، وهو الذي نقل طريقَ الأزرقِ عن ورشٍ من دمشقَ إلى واسطٍ (٥).
стр. 18
شيوخُه:
قرأَ الديوانيُّ وتَلْمَذَ على مشايخَ أجلاّءَ، ذاع صيتُهم، وطار ذِكرُهم، وشَهِد لهم مُترجموهم بالعلمِ والتّقدُّمِ؛ منهم:
١ - أبو عبدِاللهِ الحسينُ بنُ قتادةَ بنِ مزروعٍ الرضيُّ العَلَويُّ الحَسَنيُّ المدنيُّ (ت ٦٨١ هـ) (١).
٢ - عفيفُ الدِّينِ أبو الحسنِ عليُّ بنُ عبدالكريمِ الواسطيُّ، المعروفُ بخُرَيمٍ (ت ٦٨٩ هـ) (٢)، وقد ذكره النّاظم في البَيتينِ (٢٧، ٢٨)، وذكره في «جمعِ الأصولِ» (ص ٣/ مخطوط).
٣ - برهانُ الدِّينِ أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ فلاحِ بنِ محمدِ بنِ حاتمٍ الإسكندرانيُّ (ت ٧٠٢ هـ) (٣)، وقد ذكره النَّاظم هنا في الأبياتِ (٣٠ - ٣٣)، وهو أحدُ شيوخِ الذهبيِّ.
٤ - نجمُ الدِّينِ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، المعروفُ بابنِ الخبازِ (ت ٧٠٣ هـ) (٤).
٥ - العمادُ أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ المحروقِ الواسطيُّ (ت ٧٠٦ هـ) (٥).
وقرأ عليه أيضًا: ولدُهُ، والشَّيخُ عليٌّ الضَّريرُ الواسطيُّ نزيلُ دمشقَ، ومحمدٌ الدربقائي، والشَّيخُ عليٌّ العجميُّ (١).
مُصنَّفاتُهُ:
١ - «كتابُ جمعِ الأصولِ، في مشهورِ المنقولِ؛ في القراءاتِ العشرِ» (٢)؛ قصيدةٌ لاميةٌ على بحرِ الطَّويلِ- يُعارِضُ فيها «الشاطبيةَ» - نَظم فيها «إرشادَ المبتدي، وتذكرةَ المنتهي» للإمامِ أبي العزِّ القَلانِسِيِّ (٣).
٢ - «كتابُ روضةِ التقريرِ»، وهو كتابُنا هذا وسيأتي الحديثُ عنه مفصَّلاً.
٣ - «كتابُ طوالعِ النُّجومِ، في مُوافِقِ المرسومِ، في القراءاتِ الشّاذّةِ عن المشهورِ» (٤)؛ أرجوزةٌ في القراءاتِ الشّاذّةِ الموافِقةِ لرسمِ المصحفِ.
стр. 23
٤ - «المقامةُ الواسطيّةُ، المغايرةُ للمقامةِ الحريريّةِ» (١)، في القراءاتِ؛ وهي معارضةٌ لمقاماتِ الحريريِّ.
وهذه الأربعةُ في مجموعٍ بخطِّ الناظمِ سيأتي الكلامُ عنه في وصفِ النسختين الخطيتين.
٥ - «شرحُ جمعِ الأصولِ».
٦ - «شرحُ روضةِ التقريرِ» (٢)، وسيأتي التّعريفُ بنسختِهِ الخطيّةِ.
٧ - «اللّوامِحُ» (٣)؛ أرجوزةٌ في القراءاتِ الشّاذّةِ.
стр. 24
المبحثُ الرابعُ وفاتُهُ و ثناءُ العلماءِ عليه
وفاتُهُ:
قال الذهبيُّ ﵀: «ثم أضرَّ وأسنَّ».
وتُوفِّيَ رحمه اللهُ تعالى بـ» واسطٍ»، سنةَ ثلاثٍ وأربعينَ وسبعِ مئةٍ (١)، وعمرُهُ ثمانون سنةً.
ثناءُ العلماءِ عليه:
قال عنه الذّهبيُّ في ترجمتِهِ: «جالستُه، وكان دَيِّنًا، خَيِّرًا، مُتواضِعًا، حَسَنَ البِشْر، عارفًا بالعَشْر، حَسَنَ العربيّةِ».
وقال ابنُ الجزريِّ مترجمًا له: «أستاذٌ ماهرٌ مُحقِّقٌ، شيخُ قرّاءِ «واسطٍ» ... عاد إلى بلادِهِ فانفردَ بها ... قرأ عليه كُتُبَهُ المذكورةَ شيخُنا محمدُ بن محمودٍ السِّيواسيُّ؛ قرأتُها عليه عنه. وكان خاتمةَ المقرئِيَن بـ» واسطٍ»، مع الدِّينِ والخيرِ والتّحقيقِ».
وقال ابنُ الجزريِّ أيضًا عنه وعن صاحبِهِ ابنِ مؤمنٍ: «وقرأ [يعني: ابنَ مؤمنٍ] بما لم يقرأْ به غيرُهُ في زمانِهِ؛ فلو قُرِئ عليه بما قرأ، أو على صاحبِهِ الشيخِ عليٍّ الديوانيِّ الواسطيِّ؛ لاتصلتْ أكثرُ الكتبِ المنقطعةِ، ولكنّ قصورَ الهِمَمِ أوجب العَدَمَ؛ فلا قوةَ إلا باللهِ!
стр. 25
وليتَهم لو أدركوا ما بقي من اليسيرِ من ذلك قبلَ أن يَطلُبوهُ فلا يَجِدُوهُ» (١).
وقال ابنُ حجرٍ: « ... وكان محمودَ السِّيرةِ حَسنَ الأخلاقِ».
رحمه الله تعالى.
стр. 26
الفصلُ الثاني عن الكتابِ وموضوعِهِ
المبحثُ الأولُ: اسمُ الكتابِ ونِسبتُهُ إلى الناظمِ.
المبحثُ الثاني: التعريفُ بالكتابِ وموضوعِهِ وأهميتِهِ ومنهجِهِ ومصادرِهِ.
المبحثُ الثالثُ: القراءُ السبعةُ، ورواتُهم وناقلو الطرقِ.
стр. 27
المبحثُ الأولُ اسمُ الكتابِ ونِسبتُهُ إلى الناظمِ
اسمُ الكتابِ:
جاء اسمُ الكتابِ في المجموعِ المخطوطِ هكذا: «كتابُ روضةِ التقريرِ في اختلافِ القراءاتِ بينَ الإرشادِ والتيسيرِ».
وجاء في «النشرِ» و» كشفِ الظنونِ» و» معجمِ المؤلفينَ» و» هديةِ العارفينَ»: «روضة التقرير في الخلفِ بين الإرشادِ والتيسيرِ» (١).
واقتصر في «غايةِ النهايةِ» و» الأعلامِ» على «روضة التقرير».
وجاء في غلافِ نسخةِ «الشرحِ» (٢): «كتاب شرح القصيدة المسماة بروضة التقرير في علم القراءات». وفي أولِ الشرحِ: « ... وبعدُ فإني حينَ نظمتُ القصيدةَ المسماةَ بـ» روضةِ التقريرِ» وضمنتُها ... ».اهـ.
وقال في القصيدةِ نفسِها في البيتِ السادسِ والعشرينَ:
سَمَّيْتُهَا «روضةَ التقريرِ» مُخْتَلَفُ «الْـ ... ـإِرْشَادِ» فِيهَا مَعَ «التَّيْسِيرِ» فَارْتَشِدَا
стр. 28
ولا شكَّ أنّ الاقتصارَ على «روضةِ التقريرِ» من الناظمِ أو غيرِهِ إنما هو اختصارٌ للاسمِ، وأما تسميتُهُ بـ» روضةِ التقريرِ في الخلفِ بينَ الإرشادِ والتيسيرِ» أو نحوِهِ فهو تصرُّفٌ من ذاكريه، ولا شكَّ أيضًا أنّ ما جاء في البيتِ السابقِ إنما ألجأ إليه النظمُ والوزنُ.
وأولى الأسماءِ بهذا الكتابِ ما كتبَهُ الناظمُ بخطِّهِ في المجموعِ؛ وهو: «كتابُ روضةِ التقريرِ في اختلافِ القراءاتِ بينَ الإرشادِ والتيسيرِ».
نسبةُ الكتابِ إلى الناظمِ:
كتابُ «روضةِ التقريرِ» صحيحُ النسبةِ إلى الإمامِ عليِّ بنِ أبي محمدٍ الواسطيِّ؛ لاجتماعِ أمورٍ؛ أهمُّها:
١ - ما جاء على النسخةِ بخطِّ الناظمِ، وقد كَتب اسمَهُ كاملاً في صفحةِ عنوانِها وفي نهايتِها.
٢ - ونص على ذلك في مقدمة «شرحِ الروضةِ» (مخطوط)؛ فقال: «وبعدُ .. فإني حينَ نظمتُ أبياتَ القصيدةِ المسماةِ بـ «روضةِ التقريرِ»، وضمَّنتُها ما وقع فيه الخلافُ في النقلِ ... » إلخ.
٣ - ولقد نسب هذا الكتابَ إلى الناظمِ ﵀ معظمُ من ترجم له (١)، وعلى رأسِهم الإمامُ المحقِّقُ ابنُ الجزريِّ في «غايةِ النهايةِ» وفي «النشرِ»، وكذلك نسب كتابَنا هذا إلى الناظمِ ﵀: كحالةُ
стр. 29
في «معجمِ المؤلفينَ» (١)، وحاجي خليفةُ في «كشفِ الظنونِ»، والزركليُّ في «الأعلامِ»، والبغداديُّ في «هديةِ العارفينَ».
٤ - ذكر ابنُ الجزريِّ في «النشرِ» أن «روضة التقريرِ» من أصولِهِ التي اعتمد عليها في كتابِهِ، ونقل عنه في (١/ ٢٥٩) في مسألة الاختلاف عن خلف في البسملة، ويوافقه قوله في البيت الحادي والأربعين:
خَلَّادُهُمْ عَنْ سُلَيْمٍ وَاكْتَفَى خَلَفٌ ... عَنْهُ بِالاِخْفَاءِ إِلَّا الحَمْدَ فَاتَّحَدَا
٥ - وذكر الناظمُ كتابَهُ هذا في «المقامةِ الواسطيةِ» (مخطوط) فقال في مدحِهِ قراءَ واسطٍ: «فقصدتُّ بَسطةَ الإِقراءْ، التي عليها لُيُوثُ القُرَّاءْ، ... ، بين أيديهم كتبُ القراءاتْ، الجامعةُ لمعاني الآياتِ البيِّناتْ، كالكاملِ والتَّذْكارْ، والمُبْهِجِ والاختِيارْ، والإرشادِ والتيسيرْ، وحِرزِ الأَماني وروضةِ التَّقريرْ، وهُم كبُدُورِ التَّمامْ، أو كنُجومٍ متلألئَةٍ في الظلامْ»، وإن كان لم ينسبْها إلى نفسِهِ صراحةً.
стр. 30
المبحثُ الثاني التعريفُ بالكتابِ وموضوعِهِ وأهميتِهِ ومنهجِهِ ومصادرِهِ
ماهيّةُ الكتابِ:
هو منظومةٌ علمية في علمِ القراءاتِ، من بحرِ البسيطِ، وتفعيلاتُهُ الأصليةُ:
مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ ... مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ
وجاءت «روضةُ التقريرِ» على صورةٍ منه تامةِ التفعيلاتِ مع وجودِ زحافِ الخبنِ في العروضِ والضربِ معًا (١)؛ والخبنُ: هو حذفُ الثاني الساكنِ (٢)، فتتحولُ «فَاعِلُنْ» إلى «فَعِلُنْ». وهو زحافٌ يجري مَجرى العلةِ؛ أي يلزمُ في جميعِ القصيدةِ.
فروضةُ التقريرِ وزنُها العامُّ هو:
مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ ... مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ
أما قافيتُها فهي من نوعِ المتراكِبِ؛ وهو ما توالتْ فيه ثلاثةُ أحرفٍ متحركةٍ بين ساكنين، وهي هنا «فَعِلُنْ»، ورويُّها: حرفُ الدالِ، وحركتُهُ الفتحةُ (٣).
ويبلغ عددُ أبياتِ «روضةِ التقريرِ» في أصلِها (٤٣٤) بيتًا،
стр. 31
استدركتُ عليها من الشرحِ بيتين؛ فصار عددُ أبياتِها (٤٣٦) بيتًا.
موضوعُهُ:
جمع الناظمُ- رحمه اللهُ تعالى- في «روضةِ التقريرِ» ما وقع فيه الاختلافُ في النقلِ عن القراءِ السبعةِ برواتِهم وطرقِهم؛ بينَ العراقيينَ والشاميينَ، ومرادُه بالعراقيينَ: نَقْلُ الشيخِ أبي العزِّ محمدِ بن الحسينِ الواسطيِّ صاحبِ «الإرشادِ»، وبالشاميين: نقلُ الشيخِ الإمامِ أبي عمرٍو الدانيِّ صاحبِ «التيسيرِ»، وأضاف إلى نقلِ الدانيِّ ما زاده الشاطبيُّ عليه في «حرزِ الأماني». ومن شرطِهِ: أنه يهملُ ما اتفق المذهبانِ عليه، ويذكرُ ما اختلفا فيه.
أهميتُهُ:
ترجعُ أهميةُ الكتابِ إلى أنه يكادُ يكونُ وحيدًا في بابِهِ، كما ترجعُ إلى ناظمِهِ ومكانتِهِ العلميةِ، وقد سبق نقلُ قولِ ابنِ الجزريِّ فيه وفي صاحبِهِ ابنِ عبدِالمؤمنِ: «وقرأ [يعني: ابنَ عبدالمؤمنِ] بما لم يقرأْ به غيرُهُ في زمانِهِ؛ فلو قُرِئ عليه بما قرأ، أو على صاحبِهِ الشيخِ عليٍّ الديوانيِّ الواسطيِّ؛ لاتصلتْ أكثرُ الكتبِ المنقطعةِ، ولكنّ قصورَ الهِمَمِ أوجب العَدَمَ؛ فلا قوةَ إلا باللهِ! وليتَهم لو أدركوا ما بقي من اليسيرِ من ذلك قبلَ أن يَطلُبوهُ فلا يَجِدُوهُ» (١).
ولهذا النظمِ فائدةٌ أخرى؛ ذكرها الناظمُ في «شَرحِهِ» (مخطوط) فقال: «وهذه فائدةُ هذا الكتابِ؛ فمَن حَفِظَ الشاطبيةَ وحفظَ ما في هذا الكتابِ أحاط بما في المذهبين. و [مَن] حَفِظَهُ مع حِفظِ «جمع
стр. 32
الأصول» التي ضَمَّنْتُ نظمَها ما في «الإرشادِ»، أحاط كذلك بما في الكتابينِ».
وقد عدّ ابنُ الجزريِّ كتابَ «روضةِ التقريرِ» للإمامِ الديوانيِّ؛ من أصولِهِ و مصادرِهِ التي اعتمدها في كتابِهِ «النشرِ»، ونقل عن الديوانيِّ في «النشرِ» في مواضعَ (١)، وقد تبعه في بعضِ هذا النقلِ الشيخُ أحمدُ بنُ محمدٍ البنّا (ت ١١١٧ هـ) في «إتحافِ فضلاءِ البشرِ» (٢).
مصادرُهُ:
اعتمد الناظمُ في نظمِهِ على الكتابينِ الأساسيينِ موضوعِ الكتابِ؛ وهما «الإرشادُ» لأبي العزِّ القلانسيِّ و» التيسيرُ» لأبي عمرٍو الدانيِّ- وسيأتي التعريفُ بهما- مضيفًا إليهما ما زاده الإمامُ الشاطبيُّ في «حرزِ الأماني ووجهِ التهاني» على «التيسيرِ».
منهجُهُ:
١ - استعمل الناظمُ ﵀ بعضَ الاصطلاحاتِ والاختصاراتِ، أُوجزها فيما يلي:
أ- قولُهُ: «عندنا»، أو: «لنا»، أو إضافةُ اسمِ قارئٍ أو راوٍ إلى ضميرِ المتكلِّمين «نا»؛ يعني بكلِّ ذلك: أن ما يتكلَّمُ عنه هو في مذهبِ العراقيينَ من نقلِ الشيخِ الإمامِ أبي العزِّ القلانسيِّ في «الإرشادِ».
стр. 33
ب- قولُهُ: «عندهم»، أو: «لهم»، أو إضافةُ أيِّ قارئٍ أو راوٍ إلى ضميرِ الغائبِ الجمعِ «هم»، يعني به أن ذلك في مذهبِ الشاميين في نقلِ الإمامِ أبي عمرِو الدانيِّ في «التيسيرِ»، أو ما زاده الشاطبيُّ في «حرزِ الأماني».
ج- «الشامي» أو «الشامِ» أو «شامٍ» يقصدُ به الإمامَ ابنَ عامرٍ الدمشقيَّ، ولا يعني به مذهبَ الشاميين (١).
٢ - ينسبُ الناظمُ الخلافَ إلى الفريقين مستعملاً ما اصطلحه من قولِهِ: «عندنا» أو «لنا» أو يضيفُ اسمَ القارئِ أو الراوي إلى الضميرِ «نا»، ويعني بذلك كلِّه أنه في مذهبِ العراقيين. أو قولِهِ: «عندهم» أو «لهم» أو يضيفُ اسمَ القارئِ أو الراوي إلى الضميرِ «هم»، ويعني بكلِّ ذلك أنه في مذهبِ الشاميين، كما سبق؛ ومثالُهُ قولُهُ:
وَعِنْدَهُمْ يَسْكُتُ الشَّامِيْ وَوَرْشُهُمُ ... وَابْنُ العَلاءِ اليَزِيديْ عِنْدَنَا قَصَدَا
وقد يكتفي باسمِ الراوي إن كان يختصُّ به فريقٌ دونَ الآخرِ؛ كقولِهِ:
دُورِيْ سُلَيْمٍ أَشَمَّ الزَّايَ فِيهِ مَعَ «الْ» ... وَعِنْدَهُمْ أَوَّلاً خَلاَّدُهُمْ عَمَدَا
فإنَّ أبا عمرَ الدوريَّ عن سليمٍ يروي عن حمزةَ عندَ العراقيين فقط، ويقابلُهُ خلادٌ عند الشاميين.
стр. 34
٣ - استعمل حسابَ الجُمَّلِ (١)
في تبيينِ مواضعِ ما وَقَعَ من الحروفِ مدغمًا في القرآنِ الكريمِ أكثرَ من عَشَرَةِ مواضعَ منبِّهًا على ذلك بكلماتٍ في أوائِلِهِنَّ حَرفٌ مكتوبٌ بِحُمرةٍ على حسابِ الجمّلِ ليُعْلمَ عددُ مراتِ وقوعِهِ في القرآنِ الكريمِ، وذلك في المثلين والمتقاربين، وأما ما كان أقلَّ من عشرةِ مواضعَ فإنه يذكرُهُ بحروفِهِ؛ يقولُ في البيتين [٦٧، ٦٨]:
مَا فَوْقَ عَشْرٍ بِحَرْفِ العَدِّ أَحْصُرُهُ ... بِحُمْرَةٍ وَأُرِي مَا تَحْتَهُ عَدَدَا
ألْهَا كَـ (فِيهِ هُدًى) وَالعَدُّ (صِـ) ـدْقُ (هُـ) ـدًى ... وَالعَيْنُ (يَشْفَعُ عِنْدَهْ) وَاحْصِ (حُـ) ـزْهُ (يَـ) ـدَا
يعني أن الهاءَ تدغمُ في الهاءِ في خمسةٍ وتسعين موضعًا (الصاد من «صدق» = ٩٠، والهاءُ من «هدى» = ٥).
ولظروفِ الطباعةِ استعضتُ عن الحمرةِ بالقوسين الهلاليينِ ()، كما يتضح في البيت السابق وسيأتي في منهج التحقيق.
стр. 35
المبحثُ الثالثُ القراءُ السبعةُ، ورواتُهم وناقلو الطرقِ
القراءُ السبعةُ، ورواتُهم عندَ الشاميين، ومن يقابلُهم عندَ العراقيين:
١ - الإمامُ المدنيُّ أبو رويمٍ نافعُ بنُ عبدِالرحمنِ بنِ أبي نعيمٍ (ت ١٦٩ هـ) (١):
وراوياه عندَ الشاميين:
قالونُ أبو موسى عيسى بنُ مينا المدنيُّ الزُّرقيُّ (ت ٢٢٠ هـ) (٢).
وورشٌ أبو سعيدٍ عثمانُ بنُ سعيدٍ القبطيُّ (ت ١٩٧ هـ) (٣).
وعندَ العراقيين:
قالونُ. وأبو إسحاقَ إسماعيلُ بنُ جعفرِ بنِ أبي كثيرٍ الأنصاريُّ (ت ١٨٠ هـ) (٤).
٢ - الإمامُ المكيُّ أبو معبدٍ عبدُاللهِ بنُ كثيرٍ الداريُّ (ت ١٢٢ هـ) (٥):
стр. 36
وقد اتفق الفريقان على راوييه:
البزيِّ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ عبدِاللهِ بنِ القاسمِ ابنِ أبي بزةَ المكيِّ (ت ٢٥٠ هـ) (١).
وقنبلٍ محمدِ بنِ عبدِالرحمنِ بنِ محمدٍ المكيِّ المخزوميِّ (ت ٢٩١ هـ) (٢).
وقد رويا القراءةَ عنِ ابنِ كثيرٍ بإسنادٍ.
٣ - الإمامُ البصريُّ أبو عمرِو بنُ العلاءِ بنِ عمارٍ، قيل: اسمُهُ زَبّانُ، وقيل: العريانُ، وقيل: يحيى، وقيل: اسمُهُ كنيتُهُ (ت ١٥٤ هـ) (٣).
وراوياه عندَ الشاميين:
أبو عمرَ الدوريُّ حفصُ بنُ عمرَ بنِ عبدِالعزيزِ النحويُّ (ت ٢٤٦ هـ) (٤).
وأبو شعيبٍ صالحُ بنُ زيادِ بنِ عبدِاللهِ السوسيُّ (ت ٢٦١ هـ) (٥).
وقد رويا القراءةَ عن أبي محمدٍ يحيى بنِ المباركِ اليزيديِّ (ت ٢٠٢ هـ) (٦)، عن أبي عمرٍو.
стр. 37
وعندَ العراقيين:
شجاعُ بنُ أبي نصرٍ أبو نعيمٍ البلخيُّ (ت ١٩٠ هـ) (١)، عن أبي عمرٍو.
ويحيى اليزيديُّ نفسُهُ، عن أبي عمرٍو.
٤ - الإمامُ الشاميُّ الدمشقيُّ عبدُاللهِ بنُ عامرٍ اليحصبيُّ (ت ١١٨ هـ) (٢):
وراوياه عندَ الشاميين:
أبو الوليدِ هشامُ بنُ عمارِ بنِ نصيرِ بنِ أبانٍ السلميُّ الدمشقيُّ (ت ٢٤٥ هـ) (٣).
وأبو عمرٍو ابنُ ذكوانَ: عبدُاللهِ بنُ أحمدَ بنِ بشيرِ بنِ ذكوانَ القرشيُّ الدمشقيُّ (ت ٢٤٢ هـ) (٤).
وعندَ العراقيين:
ابنُ ذكوانَ وحدَهُ، ولكنْ عنه طرقٌ كثيرةٌ عندهم ليستْ عندَ الشاميين.
٥ - الإمامُ الكوفيُّ أبو بكرٍ عاصمُ بنُ أبي النجودِ ابنُ بهدلةَ (ت ١٢٧ هـ) (٥):
стр. 38
وقد اتفق الفريقان على راوييه:
أبي بكرٍ شعبةَ بنِ عياشِ بنِ سالمٍ الكوفيِّ (ت ١٩٣ هـ) (١).
وأبي عمرَ حفصِ بنِ سليمانَ بنِ المغيرةِ البزارِ (ت ١٨٠ هـ) (٢).
٦ - الإمامُ الكوفيُّ أبو عُمارةَ حمزةُ بنُ حبيبِ بنِ عُمارةَ بنِ إسماعيلَ الزياتُ (ت ١٥٦ هـ) (٣):
وراوياه عندَ الشاميين:
أبو محمدٍ خلفُ بنُ هشامٍ البزارُ (ت ٢٢٩ هـ) (٤).
وأبو عيسى خلادُ بنُ خالدٍ- ويقال: ابنُ خليدٍ- الصيرفيُّ (ت ٢٢٠ هـ) (٥).
وقد رويا القراءةَ عن أبي عيسى سليمِ بنِ عيسى الكوفيِّ (ت ١٨٨ هـ) (٦)، عن حمزةَ.
وعند العراقيين:
خلفٌ، عن سليمٍ، عنه.
وأبو عمرَ الدوريُّ، عن سليمٍ، عن حمزةَ.
стр. 39
٧ - الإمامُ الكوفيُّ أبو الحسنِ عليُّ بنُ حمزةَ الكسائيُّ النحويُّ (ت ١٨٩ هـ) (١):
وراوياه عندَ الشاميين:
أبو الحارثِ الليثُ بنُ خالدٍ البغداديُّ (ت ٢٤٠ هـ) (٢).
وأبو عمرَ الدوريُّ.
وعندَ العراقيين:
أبو حمدونَ الطيبُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي ترابٍ الذهليُّ البغداديُّ (ت نحو ٢٤٠ هـ) (٣).
وأبو عمرَ الدوريُّ.
والجدولُ التالي يوضحُ الرواةَ عن القراءِ عندَ الفريقين:
القارئ ... راوياه عند الشاميين ... راوياه عند العراقيين
نافع ... قالون ... قالون
نافع ... ورش ... إسماعيل
ابن كثير ... البزي ... البزي
ابن كثير ... قنبل ... قنبل
أبو عمرو ... الدوري عن اليزيدي ... شجاع
أبو عمرو ... السوسي عن اليزيدي ... اليزيدي نفسه
стр. 40
ابن عامر ... هشام ... -
ابن عامر ... ابن ذكوان ... ابن ذكوان
عاصم ... شعبة ... شعبة
عاصم ... حفص ... حفص
حمزة ... خلف عن سليم ... خلف عن سليم
حمزة ... خلاد عن سليم ... الدوري عن سليم
الكسائي ... الليث ... أبوحمدون الطيب
الكسائي ... الدوري ... الدوري
الرواةُ وناقلو الطُّرقِ المشارُ إليهم في النظمِ:
أشار الناظمُ ﵀ إلى بعضِ الرواةِ وناقلي الطرقِ؛ أوضِّحُ فيما يلي هذه الإشاراتِ مع مصادرِ ترجمةِ من لم تتقدمْ ترجمتُهُ منهم، مبتدئًا في كلٍّ منهم باللفظِ الذي ذكره الناظمُ به في النظمِ مرتبًا إياهم حسبَ ورودِهم فيه، وأذكرُ في الحاشيةِ أولَ موضعٍ ذُكر فيه في النظمِ، وأذكر أيضًا الإشارةَ إلى أحدِ الأئمةِ السبعةِ ورواتِهم دونَ ذكرِ مواضِعهم في النظمِ لكثرتِها:
١ - «إسحاق»، وهو أبو محمدٍ إسحاقُ بنُ محمدِ بنِ عبدِالرحمنِ المسيبيُّ (ت ٢٠٦ هـ) (١)، نقل عنه أبو عمرٍو الدانيُّ إخفاءَ الاستعاذةِ عن نافعٍ، ولم يذكرْهُ الناظمُ إلا في الاستعاذةِ.
٢ - «ابن المجاهد»، يعني أبا بكرٍ أحمدَ بنَ موسى بنِ العباسِ بنِ