لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
للخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)
تأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي
عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي
المولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى
تحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي
طبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان
ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة
المجلد الأول
دار النوادر
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (١)
стр. 4
دار النوادر
المؤسس والمالك نور الدين طالب
مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.
سوريا - دمشق - الحلبوني:
ص. ب: ٣٤٣٠٦
جميع الحقوق محفوظة للمحقق
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.
الطبعة الأولى
١٤٢٥ هـ - ٢٠١٤ م
E-mail: info@daralnawader.com
Website: www.daralnawader.com
شركات شقيقة
دار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
دار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)
دار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند
الهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١
الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١
متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١
البريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com
стр. 5
المقدمات
* تقديم الأستاذ الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي (الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي).
* تقديم الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي (رئيس دار العلوم لندوة العلماء لكناؤ الهند).
* تقديم الأستاذ الدكتور موفق بن عبد اللَّه بن عبد القادر (جامعة أم القرى - مكة المكرمة).
* تقديم المحدث الفقيه الشيخ محمد تقي العثماني (شيخ الحديث بجامعة دار العلوم كراتشي في باكستان).
* مقدمة المحقق:
- ترجمة الإمام المحدث عبد الحق البخاري الدهلوي.
- ترجمة صاحب المشكاة.
- صور المخطوطات.
* مقدمة اللمعات.
* مقدمة في بيان بعض مصطلحات علم الحديث.
* مقدمة المشكاة.
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم بقلم: أ. د. عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُحْسِنِ التُّرْكِيِّ (الأمِيْنِ العَامِّ لِرَابِطَةِ العَالَمِ الإسْلَامِيِّ)
الحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا المصطفى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإن الصلة بين الأقطار الإسلامية المتباعدة، لم تكن في الأزمنة الغابرة بشيء من الأسباب أشدَّ قوة، ولا أمتنَ، منها بحبل العلم وأهله؛ فقد كانت الأبصار ترصد في المسالك إلى الأمصار، ورثة الأنبياء يتجشمون وعثاء الأسفار، مستعذبيها في سبيل ما يطلبون من فنون علوم الشريعة الشريفة، وما يرجون من مُشامّة الشيوخ ولُقي الأكابر للأخذ عنهم، ووصل إسناد العلم بهم:
تَهُونُ علينا فِي المَعَالِي نُفُوسُنا ... ومَن خَطَبَ الحَسْنَاءَ لَمْ يُغْلها المَهْرُ
وبعضهم رحل بعد ما تضلع مما في بلده وتشيخ، فكانت رحلته للاطلاع والاستزادة وإفادة غيره بما عنده، كما حصل بين القاضي أبي الوليد الباجي والخطيب البغدادي في بغداد، إذ تدبجا برواية كل منهما عن صاحبه ما ليس عنده.
وكانت الكتب ترحل من بلدان مصنفيها إلى أقطار بعيدة في مدد زمنية قصيرة، مما يدل على شدة الحرص عليها، والتلهف لاقتنائها، وما أكثر ما نجد في تراجم
стр. 7
الأعلام، أن فلانًا أول من أدخل كتاب فلان إلى البلد الفلاني. وإن الحرمين الشريفين بما خصهما اللَّه تعالى به من عبادة الحج والعمرة، وتضاعف الصلاة وفضل السكنى والمجاورة، صارا مجمعًا للعلم تجبى إليه الكتب والمصنفات من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، ويلتقي فيه وعاة العلم ورواته من كل مشرق ومغرب، فيحصل بذلك من النفع والفوائد العلمية ما يتجافى عن الحصر، مما صورته كتب أثبات الأسانيد العلمية، والرحلات، والتواريخ، وتراجم أعلام الحرمين الشريفين من أهلهما والطارئين عليهما.
وبهذا الحبل المكي والمدني، الواصل بين أعلام العالم الإسلامي، اتصل بعض علماء شبه القارة الهندية، فاستفادوا من علماء الحرمين الشريفين ثم عادوا إلى بلادهم فأفادوا. ومن أبرزهم نجمان ساطعان دهلويان، بزغ أحدهما في القرن الحادي عشر، وهو عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي (ت: ١٠٥٢ هـ)، وبزغ الآخر في القرن الذي بعده، وهو أحمد بن عبد الرحيم العمري الدهلوي، المشهور بشاه ولي اللَّه (ت: ١١٧٦ هـ).
وقد كان لهذين الرجلين رحمهما اللَّه فضل كبير على أهل الهند، في تجديد علوم الشريعة ولا سيما في علوم الحديث التي كان الناس قد عزفوا عن الاشتغال بها، دهرًا طويلًا، وأولعوا بالعلوم العقلية والوضعية.
ولئن كان للشيخ عبد الحق فضل السبق بحكم التقدم الزمني، حيث كان أول من نشر علم الحديث بأرض الهند تصنيفًا وتدريسًا، كما وصفه صاحب نزهة الخواطر في ترجمته، فإن للعلامة شاه ولي اللَّه شهرة لا تدانيها شهرة أحد من أهل تلك الديار، قبله ولا بعده إلى عهدنا هذا، تقررت له من جهة سعة علمه وتبحره في الكثير من الفنون، وتميزه بإعمال آلة الاجتهاد التي أظهرت إبداعًا واضحًا في مصنفاته، وفي آثاره التي تمثلت في كثرة كتبه ونجابة تلاميذه؛ فإن عددًا كبيرًا من أعلام الهند من
стр. 8
بعده من رجال العلم والدعوة والإصلاح، يرتبطون بولي اللَّه وأسرته التي كانت منارة علم وصلاح إلى عهد قريب.
والذي يلفت النظر في السيرة العلمية لهذين العالمين، ذلك الجزء الذي يتصل منها برحلتهما إلى الحرمين الشريفين، لأداء الحج والمجاورة حينًا من الدهر في طلب العلم. فقد كان لتلك الرحلة وذلك التتلمذ أثر بارز في صقل الموهبة العلمية لديهما، والتضلع من العلوم النقلية الأثرية، وفي مقدمتها علوم السنة والحديث التي كان الاهتمام بها بين أهل الهند، ضئيلًا إلى ذلك العهد، فقد كاد الناس يقتصرون منها على الكتاب الجامع للسنن في الترغيب والترهيب والأحكام، الذي انتخبه من دواوين السنة المشهورة، محيي السنة الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٠ هـ) وسماه (مصابيح السنن) ثم جاء ولي الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه، الشهير بالخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ) فأتم ما أغفله البغوي من عزو كل حديث لمخرجه وتسمية الصحابي الذي رواه، وسمى كتابه (مشكاة المصابيح).
وقد اتخذ الناس المشكاة إمامًا في الحديث، يحفظه الطلاب، ويقرر عليهم في المدارس، ويشرح للناس في حلق الدروس.
ولما كانت كتب السنة بحاجة إلى شروح تستخرج كنوزها، وتفسر غريب ألفاظها، وتجلي إشكالاتها المختلفة، وتكشف عن وجه دلالتها على السنن والأحكام التي استنبطها منها الفقهاء، فقد انتدب لشرح هذا الكتاب الجليل جماعة من الأفذاذ، فشرحوه شروحًا تنوعت بين الإيجاز والإسهاب، بعضها باللغة العربية وبعضها بالفارسية التي كانت سائدة في بعض الأقطار الهندية وما يتاخمها، على عهد الدولة المغولية.
ومن أشهر تلك الشروح، الشرح الذي ألفه شرف الدين الحسين بن محمد الطِّيبي (ت: ٧٤٣ هـ) شيخ التبريزي صاحب المشكاة، فقد بلغ من الأهمية بحيث اعتمد
стр. 9
عليه كثير من شراح كتب السنن الذين جاءوا من بعده، سواء في شرح هذا الكتاب كالشيخ ملا علي القاري الهروي ثم المكي (ت: ١٠١٤ هـ) أو غيره من دواوين السنة، كصاحب (عون المعبود)، وصاحب (تحفة الأحوذي)، بل أفاد منه الحافظ ابن حجر في شرح البخاري، وهو الذي وصف مؤلفه في ترجمته من الدرر الكامنة، بأنه كان آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنة، كريمًا متواضعًا حسن المعتقد شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة، مظهرًا فضائحهم مع استيلائهم في بلاد المسلمين حينئذ.
ومن شروح المشكاة هذا الذي بين أيدينا، للشيخ عبد الحق الدهلوي السالف الذكر، سماه لمعات التنقيح، وكان قبل ذلك في أثناء اشتغاله بكتاب المشكاة وضع عليه تعاليق باللغة الفارسية، حتى تم له منها شرح كامل في أربعة أسفار سماه (أشعة اللمعات)، انتخب منه الشيخ محمد قلي الدهلوي (ت: ١٠٧٣ هـ) زبدة فوائده ونوادره، وأودعها في كتابه (سراج المشكاة)، ولخصه الشيخ أمين الدين بن غياث الدين محمود العمري الحنفي الجونبوري، في كتابه (المقتنيات).
ثم سنحت له سانحة أن يصنع صنيعًا شبيهًا بسالفه، يكون بالعربية، فبلغه اللَّه مأموله، وفتح له فيه من التحقيقات والتدقيقات العلمية، فوق ما فتح له في صنوه الفارسي، وهو أكبر كتبه وأحظاها عنده؛ قال عنه في دفتر مصنفاته المسمى (تأليف القلب الأليف بكتابة فهرست التواليف): وقد جاء -بتوفيق اللَّه وتأييده- كتابًا حافلًا شاملًا مفيدًا نافعًا، في شرح الأحاديث النبوية، على مُصدِرها الصلاةُ والتحية، مشتملة على تحقيقات مفيدة، وتدقيقات بديعة، وفوائد شريفة، ونِكات لطيفة.
وقد اعتنى أهل الهند بالشرح الفارسي أيما اعتناء، لكونه أخصر وأسهل عبارة وأقرب تناولًا، ولما ظهرت الطباعة طبعوه مرارًا. وأما الشرح العربي فلم يبلغ في الانتشار مبلغ صنوه، بل بقي تداوله مقتصرًا على ذوي الهمم في البحث والولوع باقتناء
стр. 10
الكتب، ولهذا السبب ظل بعيدًا عن القراء العرب، إذ لم يجد يدًا تمتد إلى طباعته في العالم العربي ونشره بينهم، حتى تنبه لذلك رئيس ندوة العلماء الحالي، سماحة الشيخ محمد الرابع الندوي -حفظه اللَّه- فأشار على أخينا الفاضل العالم المحقق الدكتور تقي الدين الندوي، أن يضطلع بهذه المهمة، فأجابه -وهو ابنُ بَجْدَتِها وأبو عُذرَتِها- وعكف على خدمة الكتاب بضع سنين، حتى أخرجه في عشرة أسفار، مضبوطًا في نصه، موشى في حواشيه بتوثيقات وتعليقات رافدة، كدأبه فيما سلف له من الكتب التي خدمها، وقدم له بمقدمة حافلة عن المؤلف وأصل الكتاب وشرحه، وختمه بفهارس متنوعة تكون مفاتيح لما انطوى عليه من معلومات. فالتحق هذا الكتاب بسوالفه المطبوعة قديمًا كشرح القاري المسمى (مرقاة المفاتيح)، أو حديثًا كشرح الطيبي المسمى (الكاشف عن حقائق السنن)، وشرح أبي الحسن المباركفوري (ت: ١٤١٤ هـ) المسمى (مرعاة المفاتيح).
رحم اللَّه البغوي في تأليف كتابه (المصابيح)، والتبريزي في تكميله، والشيخ عبد الحق الدهلوي في شرحه، وغيره من شراحه، وبارك في عمر الدكتور الندوي وأجزل له المثوبة فيما بذل من جهد في إخراج هذا الكتاب بهذه الصورة المتقنة. والحمد للَّه رب العالمين.
أ. د. عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي
الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي
مكة المكرمة في ٢٧/ ٠٩/ ١٤٣٥ هـ
* * *
стр. 11
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَقْدِيْمٌ بِقَلَمِ: سَمَاحَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الرَّابِعِ الحَسَنِيِّ النَّدْوِيِّ رَئِيْسِ نَدْوَةِ العُلَمَاءِ بِالهِنْدِ
الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فلا شك أن منارة الحديث الشريف ارتفعت بجهود الإمام ولي اللَّه الدهلوي وأولاده وتلاميذه في العالم الإسلامي، ونفقت سوقه في بلاد الهند أيضًا، وقد صدرت بأقلام علماء الهند مؤلفات وشروح في كتب الحديث لا نجد لها نظيرًا في المكتبة الإسلامية العالمية، ولكن غرس الإمام المحدث عبد الحق الدهلوي جذور الحديث الشريف قبله في القرن العاشر الهجري، وهو الذي تصدى للدرس والإفادة في دار الملك دهلي وقصر همته على ذلك، وصنّف وخرّج ونشر هذا العلم الشريف على ساق الجد، فنفع اللَّه به وبعلومه كثيرًا من عباده المؤمنين، ثم إن إخلاص الشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي وصدقه وجهوده المباركة صرفته إلى العناية بالحديث الشريف، فأثار رغبة قوية وحركة جديدة إلى مطالعته ودراسته وتدريسه وشرحه وتحشيته. واختار لمؤلفاته اللغة الفارسية السائدة في ذلك الزمان وقد جاءت تفاصيله في تقديم هذا الكتاب الذي كتبه أخونا الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي.
ومن جملة مؤلفاته في شرح الحديث (لمعات التنقيح شرح مشكاة المصابيح).
стр. 12
ذكر الشيخ المحدث سبب تأليفه في تقديمه على شرحه (أشعة اللمعات): لما اشتغلت بتأليف هذا الشرح ألقى اللَّه في رُوعي معاني وأسرارًا أكبر وأعظم من أن يستوعبها الشرح الفارسي، فاللَّه وفقنا لشرحها باللغة العربية باسم (لمعات التنقيح شرح مشكاة المصابيح)، أما شرح المشكاة بالفارسية فطبع مرارًا عديدة، وصار مرجعًا للمدرسين والباحثين في شبه القارة الهندية، وأما شرح المشكاة باللغة العربية فكان بحاجة إلى تحقيق وتعليق وضبط نصوصه مع الفهارس ليقدم إلى العالم العربي والإسلامي، وكان من أعظم أماني كثير من المحدثين والعلماء أن ينشر هذا الكتاب ويطبع. وقد طلبت من أخي الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي أداء هذا الواجب وتحقيق هذا الأمل، فأدى هذه الرسالة على خير الوجوه. وقد صدرت بتحقيقه عدة كتب في الحديث الشريف وعلومه، كما حقق عدة شروح قيمة لأمهات كتب السنة النبوية مثل تعليقات الإمام المحدث أحمد علي السهارنفوري (ت: ١٢٩٧ هـ) على (الجامع الصحيح) للبخاري، و (بذل المجهود شرح سنن أبي داود) للشيخ المحدث خليل أحمد السهارنفوري (ت: ١٣٤٦ هـ) و (أوجز المسالك شرح موطأ مالك) للشيخ المحدث محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي (ت: ١٤٠٢ هـ).
إن فضيلة الدكتور حفظه اللَّه تعالى خدم هذا الشرح الجليل بالتحشية والإيضاح فجاء عملًا مباركًا ذا قيمة عالية، يستحق التقدير والثناء، فإن خدمة الحديث الشريف تعدّ توفيقًا من اللَّه تعالى، وتكريمًا للذي يشتغل به، تحقيقًا لوعده تعالى بحفظ الكتاب وبيانه المبين وهو السنة النبوية المطهرة، فالذي يوفقه اللَّه تعالى لحفظ القرآن والحديث فكأنه يجعله أداة لتحقيق وعده. وهو شرف جليل جدًّا، يستحق القائم به التقدير والثناء والتهنئة، وإني أَعُدّ عمل الشيخ الدكتور تقي الدين الندوي هذا مبعث كرامة له من اللَّه تعالى، تقبله اللَّه تعالى منه وجزاه جزاءً كبيرًا.
стр. 13
أدعو اللَّه تعالى أن يجعل هذا العمل مباركًا له وينفع به سائر الطالبين.
كَتَبَهُ محمد الرابع الحسني الندوي
رئيس ندوة العلماء، لكناؤ (الهند)
١٩/ ٦/ ١٤٣٥ هـ = ٢٠/ ٤/ ٢٠١٤ م
يوم الأحد
* * *
стр. 14
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَقدِيْمٌ بِقَلَمِ: أ. د. موَفَّقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ القَادِرِ مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ - جَامِعَةُ أُمِّ القُرَى
الحمد للَّه ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيّدِ الأولين والآخرين نبيِّنا مُحَمَّدٍ وعلى آلهِ وصحبه أجمعين.
أمّا بعد:
لقد اعتنى المُحَدِّثون عناية فائقة بشرح السُّنَّة النَّبويَّة المطهرةِ، واتبعوا في ذلكَ مناهج متنوعة تدل على عُلُوِّ الفِكْرِ، واتساع الأفقِ، فمنهم مَن صَنَّفَ في غريب الحديثِ، ومنهم مَن أَلَّفَ في النَّاسِخِ والمنسوخِ، ومنهم مَن ألَّفَ في مُشكل الآثار، ومنهم مَن ألَّف في السُّنَّةِ، ويريد بها خلاف البدْعَةِ، ومنهم مَن ألَّف في جزءٍ من الأجزاء الحديثية، والتي يُريد بها جَمع الأحاديث التي تشتمل على مُعيَّنٍ مِنَ المطالبِ، ومنهم مَن صَنَّفَ في الجوامع والمُصَنَّفات، وهي مرتبة على الأبواب الفقهية، مشتملة على السنن وما هو في حيزها، أو له تعلق بها، بعضها يُسَمَّى مُصَنَّفًا، وبعضها جامِعًا، ومنهم مَن صَنَّفَ كتبًا تعرف بـ (السنن)، وهي في اصطلاحهم: الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية، من الإيمان، والطهارة، والصلاة، والزكاة، إلى آخرها، وليس فيها شيء من الموقوف، لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سُنَّة، ويسمى حديثًا. . . وغير ذلِكَ مِنَ المؤلَّفات التي يطول ذِكْرها. . .
وكثير مِنَ المُصَنَّفات اتبعت عناوينَ الكُتُبِ، والأبواب، أو الفصول، التي تدلُّ
стр. 15
على المرادِ مِن الشَّرحِ والبيانِ. . .
وصنَّفَ الإمامُ الحسين بن مسعود الفرَّاء البغويّ (ت: ٥١٦ هـ) كتاب (مصابيح السُّنَّة) (١)، جمع فيها أحاديث النَّبيّ ﷺ تحت أبواب الفقه والعقيدة والأخلاق دُون ذكر الصَّحابي ولا المسند ولا الكتاب الذي خرّج الحديث. . .
ولم يذكر الإمامُ البَغَويُّ في مقدمة كتابه اسمًا صَريحًا للكتاب، بل قال: ". . . هُنَّ مصابيح الدُّجَى"، ولذا فقد اختلفت الأقوال في تسميته، فمنهم من سَمَّاه (المصابيح)، ومنهم مَن سَمَّاهُ (المصابيح في الصِّحاح والحسان)، ومنهم من أطلق عليه (المصابيح المقتبسة)، و (مصابيح السُّنَّة)، وكل هذه المسميات تدور حول المضمون العلمي للكتاب.
وقد شرح (مصابيح السُّنَّةِ) كثير من الشُّرَّاح، ذكر حاجي خليفة وبروكلمان أكثر من اثنين وأربعين شرحًا ومختصرًا وتخريجًا لهذا الكتاب (٢).
وجاء الإمام وليّ الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الخطيب العُمري التبريزي، المتوفى سنة (٧٤١ هـ)، فتمم كتابه بأن ذكر اسم الصحابي والكتاب الذي خرّجه وأضاف عليه بعض الأحاديث وسماها (مشكاة المصابيح) (٣).
стр. 16
واعتنى بشأن (مشكاة المصابيح) العلماء فقاموا بشرحه والتعليق عليه. . .
ولقد لقي كتاب (مشكاة المصابيح) كلّ عناية وإكرام مِن قِبَلِ عُلماء القارة الهنديَّة، فقاموا بشرحه في أكثر من شرح رائق عذبٍ متلألئ، جمعوا فيه فِكر المتقدمينَ، ومحاسِنَ المتأخرين. . .
إنَّ عُلماء هذه القارة احتفوا بالسُّنَّة النَّبويَّة أيَّما حفاية، فنالت منهم صدق الرِّعاية، فقاموا بخدمتها عبر السنين الطوال، ولا عجب في ذلك، فروح الكرم فيهم نزاعة، وروح المبرة فيهم مستمرة، وحبهم للسُّنَّة مُخيم لا ينقطع، وهذا من تمام الدِّين. . .
ومن هؤلاء الشُّرَّاح الشَّيخ عبد الحقّ بن سيف الدِّين الدَّهْلوي (٩٥٨ - ١٠٥٢ هـ)، رحمه اللَّهُ تعالى مؤلِّف كتاب (لمعات التَّنقيح في شرح مشكاة المصابيح) كانَ مُحَدِّثَ الهند في عصره، جاور في الحرمين الشَّريفين أربع سنوات، فنال جزيل الأجرِ، وأخذ عن علمائها، فقصدهُ النَّاسُ وائتموا به، كانَ واسع النَّفَس، ذو باعٍ طويلٍ، كتبَ بالعربية، والفارسيَّةِ، وقيلَ: بلغت مُصنَّفاته مئة مُجلَّدٍ، كان بارعا بالحديثِ وعلومهِ، عارفًا بالمسائل واختلاف العلماء والفتاوى، قدمهُ عُلماء بلدهِ، وزارهُ الأمراءُ والأشرافُ، وأثنَى عليه غيرهم من عُلماء الدِّيار الإسلاميَّة. . .
بلغ التّسعينَ من عُمُرهِ، وكان يتمتعُ بالصِّحَّةِ وروح الشَّبابِ، وللَّهِ في خلْقِهِ أسرار. . .
وكتابهُ (لمعات التَّنقيح في شرح مشكاة المصابيح)، هو واحد من الشروح التي أثنى عليها عدد من أهل العلمِ. . . شرحٌ عذبٌ لباغي الحديثِ وطالبِ السُّنَّة، تشرق منه الفوائد، وتغيبُ فيه الغوامض، وتُرْتَشفُ من ثناياه الدُّرر، فيكرع طلاب العلم من زلاله العذبِ، فتخصب العقول، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ
стр. 17
أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢]. . . .
إنَّ هذا الشَّرح كنزٌ مِن كنوز الدَّهرِ، ثقيلةٌ مؤنتهُ، خفيفةٌ حمولتهُ، وسطٌ بينَ الشُّروح، و"البَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطّعَامِ، فكُلُوا مِنْ حَافتَيْهِ". . .
وأمَّا مُحقق الكتابِ، فهو الشَّيخُ الأستاذ الدكتور، تَقيُّ الدِّين النَّدويّ، سَمعتُ به وعرفتهُ من خلالِ كُتُبهِ النَّافعةِ، قَدِمَ لمكة المُكَرَّمَةِ مُعتمرًا في شَهْرِ رَمَضَان المبارك، فاتصل بني رَاغبًا مُخاطبًا. . . فطرتُ كأني قانص طيرٍ، فلمَّا رأيتُه وقع في قلبي "طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ". . . واستضفتُهُ في دَارِنا فجلسنا وتحدثنا، فرأيتُ رجلًا مُتقدِّمًا بالسِّنِّ والفضلِ، وصِناعَةِ الحديثِ، عَيْنًا من عيون الهندِ، تاريخهُ تاريخ العلماء ورواةِ الآثار. . . فقلتُ: النَّاس سابق أو مسبوقٌ، وأنا أرتقب الفرصة لألج بابَها، فطلبتُ منه الإجازة في الحديث عن شيوخه، فلم يبخل بجوابهِ، ومدَّ يدهُ الكريمة فأخذَ القَلمَ وجَمع الكَلم، وما جف المداد حتَّى نلتُ المراد البعيد. . .
نَعم سُررت، فقد أجازني بمروياته قبلهُ شيخنا العلامة أبو الحسن النَّدويّ رحمه اللَّه تعالى، فكان العهد المعقودُ بالإجازة والسَّماعِ للأسانيد الهنديَّةِ، نسأل اللَّه تعالى أن نكون ممن نستحق أن يُسند إلينا باللِّقاءِ والإجازة. . .
إنَّ تحقيق ونشر كُتُب التُّراث على مشقته قد غَلبَ على قلبِ الشَّيخ النَّدويّ، وزيَّنَ عقلهُ، فهو يتقلُبُ فيه، ويمشي مَعهُ، ولا عجب في ذلكَ فقد نشأ الشَّيخ وترعرع وهو يكتب الحديثَ ويسعى فيه ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]. . .
لقد اعتنى الشَّيخُ يحفظه اللَّه تعالى في تحقيق كتاب (لمعات التَّنقيح في شرح
стр. 18
مشكاة المصابيح)، فَوَفَّر الأصول الخطية لهُ، وسارَ على نهج النَّص المُختار، وعارض بينَ النُّسخِ المتعددة، وأعادَ النَّظر أكثر مِن مَرَّةٍ، لتجنبِ الخطأ والخلافات والتَّفاوتِ التي تقع أحيانًا بينَ النُّسَخِ. . . واستعان بفريق يعينهُ، وَمَنَحَ طبعته هذهِ مميزات: من تعليقٍ نافعٍ، وتخريجٍ موجزٍ، وتعريفٍ للأعلامِ، مقرونة بمقدمة ماتعةٍ عن الكتابِ ومؤلِّفهِ. . .
فجزى اللَّه الشَّيخ تقي الدِّين خير الجزاء، وبارك في أعماله وجهده. . .
والشُّكر موصول لِمَن أعانَ الشَّيخ وسَعَى في طباعة الكتابِ ونشره، وقد قال عُرْوَةُ بنُ الزُّبير: "الشُّكر وإنْ قل، ثمنٌ لكل نوال وإنْ جَل". . .
وأختم هذه المقدمة بحديث عَائِشَة ﵂: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْغَيْثَ قَالَ: "اللَّهُمَّ صَيِّبًا هَنِيئًا" (١).
واللَّه تعالى الموفق والهادي إلى سواء السَّبيل. . .
كَتَبَهُ أ. د. موفق بن عبد اللَّه بن عبد القادر
مكة المكرمة - جامعة أم القرى - قسم الكتاب والسنة
حرر في: ٩/ ٨/ ١٤٣٥ هـ
* * *
стр. 19
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَقْدِيمٌ بِقَلَمِ: فَضِيلَةِ الأُسْتَاذِ المُحَدِّثِ الفَقِيْهِ الشَّيْخِ مُحَمَّد تَقِي العُثْمَانِيِّ شَيْخِ الحَدِيثِ بِجَامِعَةِ دَارِ العُلُومِ كراتشي في باكستان
الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمّا بعد:
فإن علماء شبه القارة الهندية لهم خدمات جليلة في جميع العلوم الإسلاميّة والعربيّة، دراسة وتدريسًا وتأليفًا. واهتمامهم بعلوم القرآن والسنة أنشأ من المؤلفات في علم التفسير والحديث ما يملأ المكتبات، ولكنّ معظم هذه المؤلفات لم تزل مقتصرة على البلاد الهندية، ومختفية عن أنظار أهل العلم خارجها، ولم يبلغ إليهم إلا عدد قليل. وذلك أوّلًا لقلّة وسائل الاتصال في الماضي، وثانيًا لأن مستوى الطباعة والنشر في بلاد شبه القارة كان ضعيفًا -ولا يزال- بالنسبة إلى البلاد العربيّة.
وجزى اللَّه فضيلة العلامة الشيخ تقي الدين الندوي حفظه اللَّه تعالى أنّه أولى اهتمامه البالغ لإخراج هذه الكنوز المخبوءة إلى حيّز النشر مراعيًا في ذلك المذاق المعاصر لإخراجها في حُلّة قشيبة من الطّباعة بعد تحقيق واف لضبط نصوصها. فقد وفّقه اللَّه تعالى لنشر (بذل المجهود) و (أوجز المسالك) و (إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء) وعدّة كتب أخرى.
وهو الآن في سبيل كتاب قيّم آخر من تراثنا الثّمين، ألا وهو (لمعات التنقيح،
стр. 20
شرح مشكاة المصابيح) للعلاّمة المحدّث الكبير الشّيخ عبد الحقّ المحدث الدهلويّ رحمه اللَّه تعالى من علماء القرن العاشر والمتوفّى في بداية القرن الحادي عشر. وهو الّذي حصل على علم الحديث من مشايخه في مكة المكرمة، ثمّ جاء به إلى الهند، واشتهر بأنّه أول من أتى بعلم الحديث إلى هذه البلاد. والحقّ أن علم الحديث كان متداولًا في الهند بفضل علماء المسند والكَجرات منذ قديم، ولكن الشيخ رحمه اللَّه تعالى جاء به في المناطق الشمالية من الهند، وفى عاصمتها دلهي، فالظّاهر أنه أول من شرع بتدريس الحديث فيها، بعد ما كان النّاس فيها مُكبّين على العلوم العقلية فقط، ولم تكن لهم بضاعة في علم الحديث. فوفق اللَّه تعالى الشيخ رحمه اللَّه تعالى لملء هذه الدّيار بالسنّة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام.
وإنّ كتاب (مشكاة المصابيح) للخطيب التبريزي رحمه اللَّه تعالى كما يعرفه أهل العلم من أحسن مجموعات الحديث فإنّ دراسته تُمِدّ طلبة العلم بمعرفة مضمون معظم الأحاديث النبوية التي تتعلق بحياة الإنسان العملية. ولذاك تصدى جمع كبير من العلماء لشرحه، ومنهم معاصر مؤلف المشكاة العلاّمة الطّيبيّ، والعلامة الشيخ المنلا علي القاري وغيرهما.
وإنّ (مشكاة المصابيح) لم تزل من المقررات الدراسية في المدارس الدينية في شبه القارة الهندية.
وإن الشيخ عبد الحق المحدث الدهلويّ رحمه اللَّه تعالى ألّف شرحه أولًا باللغة الفارسية باسم (أشعة اللمعات) ثم ألّف شرحًا عربيًا باسم (لمعات التنقيح) وذكر بنفسه أنّه أتى في شرحه العربيّ بمضامين لم يستطع أن يأتي بها في الشرح الفارسيّ، لكونها فوق إدراك العامّة. وكنت أثناء تدريسي لـ (مشكاة المصابيح) أنتفع بشرحيه جميعًا،
стр. 21
فوجدتهما نافعين للغاية، وشارحين للبّ الحديث بعبارة موجزة دون إطناب مملّ. فجزاه اللَّه سبحانه خيرًا.
وإن فضيلة العلامة الشيخ تقي الدين الندوي حفظه اللَّه تعالى قام بإخراج هذا الكتاب على طراز ما أخرجه من قبل، وأضاف في بدايته مقدمة ضافية في تعريف (مشكاة المصابيح) ومؤلفه، ثمّ بالشيخ عبد الحق رحمه اللَّه تعالى وبمؤلفاته، وبشرحيه لـ (مشكاة المصابيح)، كما أنه ذكر خلاصة تاريخ رواية علم الحديث في البلاد الهندية.
وأدعو اللَّه أن يتقبل هذا الجهد المشكور وأن ينفع به العباد والبلاد. وصلى اللَّه تعالى على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
محمد تقي العثماني
٢٢/ ٠٨/ ١٤٣٥ هـ = ٢٠/ ٠٦/ ٢٠١٤ م
يوم الجمعة
* * *
стр. 22
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمَةُ المُحَقّقْ
الحمد للَّه ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيد المرسلين محمد وآله وأتباعه أجمعين.
وبعد:
فإن كتاب (مشكاة المصابيح) هو أجمع كتاب للأحاديث النبوية، لذا عُني بشرحه والتعليق والتخريج عليه منذ ظهور هذا الكتاب إلى عصرنا هذا كثيرٌ من المحدثين والعلماء، وكلٌّ عَمِلَ على حسب اجتهاده، وأوفى شرحٍ لهذا الكتاب هو للعلامة علي بن سلطان المعروف بالقاري المتوفى سنة ١٠١٤ هـ، وكذلك من مؤلفات الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي البخاري كتابه (لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح) هو شرح نفيس قد أورد فيه بعض التحقيقات والنكات والفرائد والفوائد ربما لا توجد في كتاب آخر، فقد اعتنى فيه بتحقيق المفردات من الألفاظ لغةً ونحوًا وفقهًا، وأدّى حق شرح الحديث والجمع بين حديثين متعارضين مع الإنصاف، ولم يخرج عن دائرة الاعتدال، وهذا الكتاب دليل بيّن على أن الشيخ المحدث له رسوخ في فن الحديث الشريف.
ولا شك أن لشرح علي القاري ترجيحًا على هذا الكتاب، ولكن الشارح اختار في هذا الكتاب حُسْنَ الاختيار والانتخاب من شروح الحديث، والظاهر أنه شرح لـ (مشكاة المصابيح) يغني عن جملة من شروح الكتب الستة، يقول الشيخ المحدث: وهو أجلُّ وأعظمُ وأطولُ وأكبرُ تصنيفاته، وقد جاء بتوفيق اللَّه وتأييده كتابًا حافلًا شاملًا
стр. 23
مفيدًا نافعًا في شرح الأحاديث النبوية، على صاحبها الصلاة والسلام، مشتملةً على تحقيقات مفيدة، وتدقيقات بديعة، وفوائد شريفة، ونكات لطيفة. (تأليف القلب الأليف) (ص: ٣٠).
ولذا فقد عُني علماء الحديث في الهند بهذا الكتاب منهم الإمام المحدث الشيخ أحمد علي السهارنفوري (ت: ١٢٩٧ هـ) أخذ منه في حاشية (مشكاة المصابيح) وفي هوامش (جامع الترمذي) و (الجامع الصحيح) للبخاري، وكذلك استفاد منه الإمام المحدث الفقيه الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (ت: ١٣٤٦ هـ) في (بذل المجهود) وصاحب (عون المعبود) وصاحب (تحفة الأحوذي) وغيرهم في شروحهم.
فكان من أماني كثير من العلماء تحقيق هذا الكتاب وإخراجه إلى العالم الإسلامي، فلما تمت طباعة كتاب (إزالة الخفاء) ألقى اللَّه في رُوعي تحقيق هذا الكتاب وإخراجه إلى النور. وأصر على ذلك أيضًا ولدي العزيز الدكتور ولي الدين الندوي فبدأنا هذا الأمر منذ سنتين بمساعدة الباحثين الذين يشتغلون معي في مركز الشيخ أبي الحسن الندوي، أخص منهم بالذكر الأخ الكريم شمس الرحمن المظاهري والعزيز محمد حسان أختر الندوي وكان لهما سهم بارز في هذا العمل، وساعدهما الأعزة: عبيد اللَّه القاسمي ومحمد هاشم القاسمي وأبو ثاقب الندوي ومحمد حمزة وغيرهم من الباحثين والطباعين من مركز الشيخ أبي الحسن الندوي.
وبحثنا عن مخطوطات هذا الكتاب وبذلنا جهودًا جبّارة في تحصيلها، وكذلك حصلنا على النسخة المخطوطة لكتاب (الإكمال في أسماء الرجال) للشيخ المحدث عبد الحق بمساعدة نائب الرئيس الهندي السيد حامد الأنصاري، جزاهم اللَّه خير الجزاء في الدنيا والآخرة.
стр. 24
وفي الأخير عرضنا هذا المشروع على حضرة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان -حفظه اللَّه- ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، فوافق سموه على طباعة ثلاثة آلاف نسخة على نفقته وتوزيعها في العالم الإسلامي، ولسُمُوّه مكارمُ كثيرةٌ وخدماتٌ جليلةٌ عديدةٌ لميراث النبوة، فقد أذن بطباعة عَدَدٍ من كتب الحديث والفقه بتحقيقنا. واللَّه يطوّل حياته ويبارك في أمواله وأولاده، آمين.
* * *
стр. 25
عَمَلي في هَذا الكِتَاب
١ - قد جعلنا نسخة المحدث أحمد علي السهارنفوري لمشكاة المصابيح أصلًا وأمًّا للتحقيق، ثم قارَنَّا بين النسخ المطبوعة، وبيَّنا ما بينهن من اختلاف.
٢ - صححت الكتاب بقدر الإمكان، وإذا وجدت فيه تحريفًا أو تغييرًا نبّهتُ عليه.
٣ - نسخت هذا الشرح من أول الكتاب إلى آخره، وقارنت بين النسخ المخطوطة التي ذكرناها في التقدمة، ورجحت بعد المقارنة بين النسخ، فما كان صوابًا فمن اللَّه ، وما كان خطأ فمن الشيطان، واللَّه يغفر لنا.
٤ - علقت على مواضع كثيرة من الكتاب بما يستكمل مقاصده ويزيد فرائده وفوائده.
٥ - قد استفدنا في هذا الشرح من شروح (المشكاة) وغيرها من الشروح، أخص منها بالذكر (مرقاة المفاتيح) للعلامة علي القاري، وحاشية على (المشكاة) لشيخنا الإمام محمد زكريا الكاندهلوي، فما كان فيها من جديد أشرنا إليه بـ (التقرير).
٦ - إذا ترددت في كلمة من الشرح رجعنا إلى المصادر التي نَقَلَ منها الشارح، وتأكدت من صحتها.
٧ - كان للشيخ المحدث بعض الرموز التي يستخدمها في الشرح وقد أشار إليها في مقدمة الكتاب فاكتفينا بذكرها.
стр. 26
٨ - تخريج الأحاديث من الكتب الستة ومن غيرها تخريجًا موجزًا.
٩ - وضعت فهرسًا عامًّا للكتاب.
وأخيرًا ندعو اللَّه أن يتقبل منا هذا العمل، ويتجاوز عما وقع منا من الخطأ والزلل، وينفع اللَّه بهذا الكتاب الباحثين والدارسين، آمين يا رب العالمين.
كَتَبَهُ أ. د. تقي الدين الندوي
يوم الثلاثاء بعد العصر ١٠/ جمادى الأولى ١٤٣٥ هـ الموافق ١١/ مارس ٢٠١٤ م في مدينة العين الإمارات العربية المتحدة
* * *
стр. 27
تَرْجَمَةُ الإمَامِ المُحَدِّثِ عَبْدِ الحَقِّ البُخَارِيِّ الدِّهْلَوِيِّ
* كيف دخل الإسلام الهند:
فقد دخل الإسلام في الهند بطريق البر والبحر، كان طريق البر هو ممر خيبر، فقد دخل الإسلام من هذا الطريق إلى الهند في أواخر القرن الرابع وبداية القرن الخامس، ولكن قد دخل تجار العرب المسلمون إلى المسند ومليبار حتى شواطئ كَجرات، وانتشروا في هذه المناطق، وقد جاؤوا بدينهم والقرآن الكريم والعلوم الإسلامية، واستوطنوا هذه البلاد، وأسسوا المساجد فكانت حافلة بالدروس الملتزمة بِقَالَ اللَّه وقال الرسول، وأيضًا قد دخل الجيش الإسلامي في عصر سيدنا عمر بن الخطاب إلى سواحل الهند.
فدخل علم الحديث في أوائل الفتح الإسلامي في بلاد الهند، وكان من جملة من وفد إليها من المجاهدين في سبيل اللَّه الربيع بن صبيح السعدي الذي قال عنه حاجي خليفة في (كشف الظنون): هو أول من صنف في الإسلام (١)، ولا شك أنه كان من أوائل المصنفين في علم الحديث إذ لم يكن أولهم بإطلاق، وهو من أتباع التابعين، ومات وفى فن في الهند سنة ١٦٠ هـ (٢).
وقد رافق علمُ الحديث العربَ الذين فتحوا هذه البلاد فامتزج بلحمهم ودمهم،
стр. 28
فحملوا معهم هذا العلم الشريف، وكان يرافقهم في كل غزوة علماء ومحدثون، وكان فيهم من سكن الهند ومات فيها. وانتشر علم الحديث في دولة العرب وحكمهم (١).
فلما انقرضت دولة العرب من بلاد السند، صارت صناعة أهل الهند حكمة اليونان والإضراب عن علوم السنة والقرآن إلا ما يذكر من الفقه على القلة، وكان قصارى نظرهم في الحديث في (مشارق الأنوار) للصغاني، فإن ترفَّع أحد إلى (مصابيح السنة) للبغوي أو إلى (مشكاة المصابيح) ظنّ أنه وصل إلى درجة المحدثين، وما ذلك إلا لجهلهم بالحديث (٢).
* * *
* علم الحديث في القرن العاشر الهجري:
ذكر العلامة عبد الحي الحسني (٣): أن اللَّه منّ على الهند بإفاضة هذا العلم، فورد به بعض العلماء في القرن العاشر، كالشيخ عبد المعطي بن الحسن بن عبد اللَّه باكثير المكي المتوفى بأحمد آباد سنة ٩٨٩ هـ، والشهاب أحمد بن بدر الدين المصري المتوفى بأحمد آباد سنة ٩٩٢ هـ، والشيخ محمد بن أحمد بن علي الفاكهاني الحنبلي المتوفى بأحمد آباد سنة ٩٩٢ هـ، والشيخ محمد بن محمد عبد الرحمن المالكي المصري المتوفى بأحمد آباد سنة ٩١٩ هـ، والشيخ رفيع الدين الجشتي الشيرازي المتوفى بأكبر آباد سنة ٩٥٤ هـ، والشيخ إبراهيم بن أحمد بن الحسن البغدادي، والشيخ ضياء الدين
стр. 29
المدني المدفون بكاكوري، والشيخ بهلول البدخشي، والخواجه ميركلان الهروي المتوفى بأكبر آباد سنة ٩٨١ هـ، وخلق آخرون.
ثم وفق اللَّه سبحانه بعض العلماء من أهل الهند أن رحلوا إلى الحرمين الشريفين، وأخذوا الحديث وجاؤوا به إلى الهند، وانتفع به خلق كثير، كالشيخ عبد اللَّه بن سعد اللَّه السندي، والشيخ رحمة اللَّه بن عبد اللَّه بن إبراهيم السندي، المهاجرين إلى الحجاز، فإنهما قدما الهند ودرّسا بكَجرات مدة طويلة ثم رجعا إلى الحجاز، والشيخ يعقوب ابن الحسن الكشميري المتوفى سنة ١٠٠٣ هـ، والشيخ جوهر الكشميري المتوفى سنة ١٠٢٦ هـ، والشيخ عبد النبي بن أحمد الكَنكَوهي، والشيخ عبد اللَّه بن شمس الدين السلطان بوري، والشيخ قطب الدين العباسي الكَجراتي، والشيخ أحمد بن إسماعيل المندوي، والشيخ راجح بن داود الكَجراتي، والشيخ عليم الدين المندوي، والشيخ المعمَّر إبراهيم بن داود المنكبوري المدفون بأكبر آباد، والشيخ محمد بن طاهر بن علي الفتني صاحب (مجمع البحار)، والسيد عبد الأول بن علي بن العلاء الحسيني وغيرهم.
لا سيما الشيخ محمد بن طاهر المذكور المتوفى سنة ٩٨٦ هـ، فإنه درّس وخرّج وصنف كتبًا عديدة في ذلك العلم الشريف، كـ (مجمع البحار) في غريب الحديث، و (المغني) في أسماء الرجال، و (التذكرة) في الموضوعات، وكانت له يد جارحة ويُمنَى عاملة في الحديث، ما نهض من الهند مثله في سعة المعلومات وبلوغ النظر غير شيخه حسام الدين علي المتقي الكَجراتي، ولكنه انقطع إلى الحجاز، وعمت فيوضه لأهل الحرمين الشريفين، والشيخ محمد بن طاهر أقام بالهند.
وأما الشيخ عبد الأول بن علي بن العلاء الحسيني المتوفى سنة ٩٦٨ هـ، فأخذ عن
стр. 30
جده علاء الدين عن الحسين الفتحي عن الشيخ محمد بن محمد بن محمد الشافعي الجزري بإسناده إلى مصنفي الصحاح والجوامع وغيرها، وأخذ عنه جمع كثير، أجلّهم الشيخ طاهر بن يوسف السندي المتوفى سنة ١٠٠٤ هـ، فقد درّس وأفاد بمدينة برهانفور مدة طويلة، وتخرّج عليه خلق كثير من العلماء.
وفي هذا العصر كان الإمام أحمد السرهندي (١) مجدد الألف الثاني المتوفى سنة ١٠٣٤ هـ، وكان له عناية خاصة بعلم الحديث، قال العلامة السيد عبد الحي الحسني: وكذلك تصدى له الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي إمام الطريقة المجددية، وولده محمد سعيد شارح (المشكاة) وأبناؤه لا سيما فرخ شاه، يقال: إنه يحفط سبعين ألف حديث متنًا وإسنادًا وجرحًا وتعديلًا، ونال منزلة الاجتهاد في الأحكام الفقهية، ويذكر عنه مع ذلك أنه كتب رسالة في المنع عن الإشارة بالسبابة عند التشهد، وهذا يقضي
стр. 31
منه العجب.
ومن أولاده الشيخ سراج أحمد السرهندي ثم الرامبوري، له شرح على جامع الترمذي.
ومنهم الشيخ محمد أعظم بن سيف الدين المعصومي السرهندي، له شرح على صحيح البخاري.
ثم جاء اللَّه سبحانه بالشيخ عبد الحق بن سيف الدين البخاري الدهلوي المتوفى سنة ١٠٥٢ هـ، وهو أول من أفاضه على سكان الهند، وتصدّى للدرس والإفادة بدار الملك دهلي، وقصر همته على ذلك وصنّف وخرّج ونشر هذا العلم على ساق الجد، فنفع اللَّه به وبعلومه كثيرًا من عباده المؤمنين، حتى قيل: إنه أول من جاء بالحديث بالهند، وذلك غلط كما علمت.
يقول العلامة السيد سليمان الندوي: إن كان في هذا الكلام نظر، ولكن الحق أن الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي هو الذي نشر علم الحديث في دهلي وأطرافها بل في الهند كلها في عصره، وقد فاز بتأليفاته عند العلماء الربانيين بمكانة رفيعة كلهم يعترفون بفضله (١).
وقد أصاب البروفيسور خليق أحمد نظامي في قوله: وعلى كُلّ فإنّ العهد الذي بدأ فيه الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي دروسَه في الحديث الشريف، كان قد طُوي -إذ ذاك- بِساط هذا العلم الشريف في شمالي الهند، وإنه قد أشعَل في هذا الوسط المظلم الضيّق شمعةً جَذَبَتْ إليه الناسَ من أنحاء نائية بعيدة، فالتفُّوا حولها وتهافتوا عليها تهافتَ الفراش على النور، وبدأ نشاطٌ جديد لدروس الحديث الشريف في شمالي
стр. 32
الهند، وانتقل بذلك مركزُ العلوم الدينية لا سيما الحديث الشريف من كَجرات إلى دلهي (١).
* * *
* اسمه ولقبه وأسرته ومولده ونشأته:
- اسمه: هو الشيخ الإمام العالم العلامة المحدث الفقيه شيخ الإسلام، وأعلم العلماء الأعلام، وحامل راية العلم والعمل، الشيخ عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي المحدث المشهور (٢).
- لقبه: عرف الشيح بلقبين: المحدث، لقِّب به بسبب كثرة اشتغاله بالحديث الشريف تدريسًا وتأليفًا. والشاه، هي كلمة فارسية معناها الملك والسلطان والمحترم والمعزز (٣).
- أسرته: أول من هاجر إلى الهند من أجداد الشيخ عبد الحق آغا محمد ترك، هو من سكان بخارى (٤)، وقد هاجر هو في جماعة كثيرة من الأتراك إلى الهند لظروف سيئة في آسيا الوسطى في القرن السابع الهجري، وكان هذا في عهد السلطان علاء الدين الخلجي (٥) (ت: ٦٠٩ هـ). وحينما قدم آغا محمد ساعد السلطانُ أسرته وأكرمهم بالوظائف الرفيعة.
стр. 33
وكان من أشهر أفراد الأسرة الشيخ سيف الدين الدهلوي والد الشيخ المحدث، المتوفى سنة ٩٩٠ هـ، كان متصفًا بالصلاح والزهد، وكان معروفًا بالشعر والأدب أيضًا، وله عناية خاصة بالعلوم الشرعية لا سيّما بالحديث النبوي كما يدلّ على ذلك بعض تعليقاته على كتب أسماء الرجال مثل "الكاشف" للحافظ الذهبي (١).
- مولده ونشأته: ولد في شهر المحرم سنة ثمان وخمسين وتسع مئة بمدينة دهلي، ونشأ نشأة ربّانية برعاية والده الجليل، يقول الشيخ المحدث: نشأت ليلًا ونهارًا في حضن رحمته وجوار عنايته (٢). ونعرف ما سجّل الشيخ من حوادث طفولته عن حياته أنه كان مطبوعًا على الصلاح والتقوى منذ صغره، ولا يضيع وقته في الألعاب مثل عامة الأطفال، كما أنه ورث الورع والطهارة عن أبيه. وبذل جهدًا عظيمًا في طلب العلم كما ذكر في كتابه (أخبار الأخيار) أنه تلقى دروسه من والده الجليل، وكان أبوه من غاية أمانيه أن يكون ولده عالمًا جليلًا ربانيًّا، لهذا ربّاه تربية ربّانية من بداية الحال، وعلّمه الأعمال والأشغال الربّانية.
فقد تعلم من والده قراءة القرآن الكريم، ثم اتّجه إلى تعلّم الكتابة والإنشاء حتى تمكن منهما في شهر واحد، وقرأ أجزاءً من كَلستان وبوستان وديوان الحافظ ودراسة النحو والصرف والمنطق والعقائد، وله اثنا عشر عامًا، ثم قرأ غيرها من الكتب الدراسية، وأخذ كلَّ ذلك في سبع سنوات أو ثماني عن الأستاذ محمد مقيم تلميذ الأمير محمد مرتضى الشريفي وعن غيره من العلماء بمدرسة دهلي وكانت على مسافة ميلين من منزله، يروح ويغتدي إليها كل يوم في حرّ وبرد، وكان دائم الاشتغال مكبًّا على المطالعة في
стр. 34
دياجير الليالي حتى إنه قد احترقت عمامته غير مرة بالسراج الذي كان يجلس أمامه للمطالعة، فما كان يتنبه له حتى تتصل النار ببعض شعره.
ولما قرأ فاتحة الفراغ حفظ القرآن في سنة واحدة، وبايع الشيخ موسى بن حامد الحسني الأجي سنة خمس وثمانين وتسع مئة وله اثنتان وعشرون سنة.
* * *
* تدريسه قبل سفره إلى الحجاز:
لما فرغ الشيخ من دراسته، وكان سنه عشرين سنة، اشتغل بالتدريس مدة بعد ما استفاد من والده وعلماء الهند وعلماء ما وراء النهر، وحصول الربّانية من الشيخ موسى، كما ذكره في (أخبار الأخيار).
* * *
* ارتحاله لطلب العلم:
ثم قطع حبائل المحبة عن الأهل والدار وسافر للحج والزيارة سنة خمس وتسعين وتسع مئة، فلما وصل إلى أجين أقام بها زمانًا، وهيّأ له مرزا عزيز الدين بن شمس الدين الدهلوي أميرُ تلك الناحية الزاد والراحلة، فسافر إلى أحمد آباد وأقام بها زمانًا، وأدرك الشيخ وجيه الدين بن نصر اللَّه العلوي الكَجراتي (١) وأخذ عنه بعض أذكار الطريقة
стр. 35
القادرية وأشغالها، وأكرمه مرزا نظام الدين بن محمد مقيم الهروي الأكبرآبادي وأضافه.
* * *
* ارتحاله إلى الحرمين الشريفين:
ثم سافر إلى مكة المباركة سنة ست وتسعين وتسع مئة، فحجّ وأقام بمكة عشرة أشهر، وسافر إلى المدينة المنورة لسبع ليال بقين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين وتسع مئة، وأقام بها إلى آخر شهر رجب سنة ثمان وتسعين وتسع مئة، ثم رجع إلى مكة وأقام بها زمانًا وحجّ مرة ثانية، ثم رحل إلى الطائف في آخر شعبان سنة تسع وتسعين وتسع مئة، ثم رجع إلى مكة وأقام بها زمانًا قليلًا، ورجع إلى الهند في ذلك العام.
* * *
* عودة الشيخ المحدث من الحجاز إلى الهند:
أقام الشيخ المحدث في الحرمين الشريفين أربع سنوات تقريبًا مستفيدًا من علمائها ومشايخها في الحديث الشريف وغيره من العلوم الأخرى، فأمر الإمام عبد الوهاب المتقي (١) تلميذَه الشيخ عبد الحق بالعودة إلى الهند وأصرّ على ذلك وجرى الحوار
стр. 36
بينهما، ولما رأى الشيخ هذا الإلحاح المتواصل من شيخه قرر الرجوع إلى الهند.
لما ودعه الشيخ عبد الوهاب أكرم تلميذه، ورجع الشيخ المحدث إلى الهند سنة ١٠٠٠ هـ، وهذا العهد الذي اتَّخذَتْ فيه أفكار الملك أكبر صورة الدين الإلهي، وكانت بيئة البلاد كلها قد فسدت، وعمّ الإعراض عن الشريعة والسنة، ويُسْخَر في البلاط الملكي بالشعائر الدينية ويستهزأ بها، فقد أثر ضلال الملك أكبر في حياة عامة الناس. ورجع الشيخ في هذه الظروف المؤلمة، وكان الشيخ متألمًا بهذا الوضع المؤلم في البلاد، فقرر أن يجلس لتدريس الحديث في زاوية بدهلي، وكانت هي المدرسة الأولى في شمالي الهند في ذلك العهد لتدريس الحديث الشريف، وكان الكتاب والسنة في هذه المدرسة قطب الرحى، وذكر الشيخ في كتابه (أخبار الأخيار) اشتغاله بالتعليم والتدريس بتواضع كبير، يقول: أبذل كل جهد في هذا السبيل، وأقوم بأشد رياضة في ذلك، وأقضي أيامي مشتغلًا بالتعليم والإفادة -معاذ اللَّه- بل بالتعلم والاستفادة، لا يهمني أمرُ صالحٍ أو فاسقٍ، معرضًا عن صحبة هذا وذا، وواصل الشيخ اشتغاله بالتدريس
стр. 37
إلى آخر لحظات حياته، من ذلك الوقت عرف الشيخ بلقب المحدث الذي أصبح بعده جزءًا من اسمه حتى إذا قيل: المحدث الدهلوي، لا يُعنى به إلا هو، وصارت مدرسته معروفة بخصائصها في الهند (١)، اجتمع فيها عدد كبير من الطلاب لتحصيل العلم، وصارت المدرسة أكبر حصن للشريعة الإسلامية والسنة النبوية في ذلك العهد المليء بالفتن، وظل الشيخ جبلًا ثابتًا أمام موجات الضلالات والأقوال المعادية للإسلام.
قال الأستاذ خليق أحمد نظامي (٢): عاد الشيخ المحدث إلى الهند بإلحاح من الشيخ عبد الوهاب المتقي، لكن كان في قلبه حنين وشوق للرجوع إلى الحجاز. وكتب في وصيته بكل حسرة: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك.
* * *
* منهج الشيخ المحدث في الدعوة في هذه الظروف:
إن الشيخ المحدث حاول بعد وفاة الملك أكبر التأثير على نور الدين جهانكَير الذي صار ملكًا بعد أكبر عن طريق الشيخ فريد (٣)، وكانت شخصيته بارزة في البلاط الملكي، وألف رسالة ناقش فيها قواعد السلطنة وأركانها بالتفصيل، وكذلك جمع لملك شاهجهان أربعين حديثًا سماها: ترجمة الأحاديث الأربعين في نصيحة الملوك والسلاطين.
وكان للشيخ علاقة وطيدة مع الأمين عبد الرحيم خان خانان المتوفى سنة ١٠٣٦ هـ، الذي كانت له شخصية معروفة في العهد المغولي بعلمه وفضله، وكذا لغيرهما من أعيان
стр. 38
البلاد، وكان بينهم وبين الشيخ علاقة روحية دينية، والشيخ يرسل إليهم رسائل ويوجههم إلى التمسك بالصراط المستقيم، ولكن حديث الشيخ كان في السر والكتمان لا يرى الجهر به وإشاعته.
* * *
* شيوخه:
إن الشيخ المحدث ذكر أسماء الشيوخ الذين استفاد منهم في مؤلفاته: (زاد المتقين)، و (إجازات الحديث في القديم والحديث)، و (أسماء الأستاذين)، وقد فقدت هذه الرسائل؛ لذا صعب علينا معرفة أسمائهم وأحوالهم، وعرفنا منهم بعد البحث والتحقيق التاليةَ أسماؤهم:
١ - الشيخ سيف الدين والده، قد ذكرت ترجمته سابقًا.
٢ - وبعد ما تعلم من والده دخل بمدرسة في دهلي وكمل دراسته، ولكن لا نعرف أسماء شيوخه بها إلا اسمًا واحدًا، وهو الشيخ محمد مستقيم وهو تلميذ الأمير محمد مرتضى الشريفي (١).
وقد ذكر الشيخ في كتابه (أخبار الأخيار): أنه استفاد من علماء ما وراء النهر لكن لا نعرف أسماءهم أيضًا. ولما سافر إلى الحرمين الشريفين استفاد من علمائهما، منهم الشيخ الإمام عبد الوهاب المتقي وهو تلميذ الشيخ علي المتقي وخليفته، وقد استفاد منه في علم الظاهر والباطن استفادة تامة، ويقول الشيخ عبد الحق: إني في خدمته منذ سنتين، وفي هذه المدة أخذ منه إجازة الحديث، وذكر أنه ألبسه خرقة الخلافة، ويقول: قد أجازني سيدي الشيخ عبد الوهاب بكتب القوم وطرقهم وسلاسلهم وأجازني
стр. 39
من أربع سلاسل: القادرية والشاذلية والمدنية والجشتية (١).
٣ - القاضي علي بن جار اللَّه بن ظهيرة القرشي المخزومي المكي. ذكر الشيخ المحدث في ثبته أنه أعلم العلماء وأعظم الفقهاء في وقته.
٤ - الشيخ أحمد بن محمد بن محمد أبي الحزم المدني. ذكر الشيخ المحدث أنه أكبر فقهاء مدينة الرسول ﷺ علمًا وسنًّا وبركة، وشيخُ الشيوخ، وأخذ منه إجازة الحديث، وتوفي غرة شعبان سنة ٩٩٨ هـ.
٥ - الشيخ حميد الدين بن عبد اللَّه السندي المهاجر. ذكر الشيخ المحدث في مقدمة (لمعات التنقيح): أني أخذت رواية (مشكاة المصابيح) عن الشيخ حميد الدين السندي، ويقول في ثبته: إنه الشيخ العالم العامل تذكرة السلف المتورعين وبقية المشايخ المحدثين مولانا حميد الدين بن القاضي عبد اللَّه السندي المدني.
وقال مرتضى الزبيدي (٢): وفَد إِلَى الحَرَميْن، فَأخذ عَن الشِّهاب أَحْمد بن حَجَر المَكِّي، وطَبقتِه، كالشيخ عبد الوهَّاب المتّقِي، ومُلّا علي قارِي، وَغَيرهمَا.
وقال الكتاني (٣): ذكر الحافظ مرتضى في (ألفية المسند) له أن المترجَم يروي عن المتقي مباشرة، وكذا عن ابن حجر الهيتمي وعن علي القاري، وناهيك بهؤلاء الثلاثة.
وما ذكر من رواية الشيخ المحدث عن الشيخ على المتقي والحافط ابن حجر المكي بدون واسطة فيه نظر، لأن الشيخ على المتقي توفي سنة ٩٧٥ هـ، والشيخ ابن حجر توفي سنة ٩٧٤ هـ، وقد ورد الشيخ المحدث إلى مكة المكرمة سنة ٩٩٦ هـ، فلا
стр. 40
يمكن لقاؤه بهما.
أما روايته عن الشيخ علي القاري فلم أقف عليها.
* * *
* اختيار الشيخ المحدث إسنادًا خاصًّا لرواية الحديث:
كان للشيخ المحدث عدة شيوخ لكنه اختار للرواية إسناد الشيخ عبد الوهاب المتقي كما ذكر السيد عبد الحي الكتاني (١): قال الشيخ عبد الحق الدهلوي المترجم: أوصاني سيدي عبد الوهاب المتقي بأنه ينبغي للمحدث أن يختار لنفسه من الأسانيد التي حصلت له من مشايخه سندًا واحدًا يحفظه ليتصل به إلى سيد المرسلين، وتعود بركته على حامله في الدنيا والآخرة، فاختصرت لوصية شيخي سندًا من طريق البخاري وآخر لمسلم واكتفيت بهما ففيهما البركة، فقلت: قال العبد الضعيف: حدثنا شيخنا الولي المقتدي عبد الوهاب الحنفي قال: حدثنا شيخنا علي بن حسام الدين المتقي قال: حدثنا أبو الحسن البكري قال: حدثنا الزين زكرياء الأنصاري عن ابن حجر. (ح) وحدثنا الشيخ عبد الوهاب المتقي قال: ثنا المسند علي بن أحمد الجناتي الأزهري الشافعي، حدثنا شيخ الإسلام الجلال السيوطي، حدثنا الشهاب ابن حجر.
* تنبيه: إن الحافط جلال الدين السيوطي لم يأخذ عن شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني بل يروي عنه بالإجازة العامة (٢).
* * *