← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بينهما، ولما رأى الشيخ هذا الإلحاح المتواصل من شيخه قرر الرجوع إلى الهند. لما ودعه الشيخ عبد الوهاب أكرم تلميذه، ورجع الشيخ المحدث إلى الهند سنة ١٠٠٠ هـ، وهذا العهد الذي اتَّخذَتْ فيه أفكار الملك أكبر صورة الدين الإلهي، وكانت بيئة البلاد كلها قد فسدت، وعمّ الإعراض عن الشريعة والسنة، ويُسْخَر في البلاط الملكي بالشعائر الدينية ويستهزأ بها، فقد أثر ضلال الملك أكبر في حياة عامة الناس. ورجع الشيخ في هذه الظروف المؤلمة، وكان الشيخ متألمًا بهذا الوضع المؤلم في البلاد، فقرر أن يجلس لتدريس الحديث في زاوية بدهلي، وكانت هي المدرسة الأولى في شمالي الهند في ذلك العهد لتدريس الحديث الشريف، وكان الكتاب والسنة في هذه المدرسة قطب الرحى، وذكر الشيخ في كتابه (أخبار الأخيار) اشتغاله بالتعليم والتدريس بتواضع كبير، يقول: أبذل كل جهد في هذا السبيل، وأقوم بأشد رياضة في ذلك، وأقضي أيامي مشتغلًا بالتعليم والإفادة -معاذ اللَّه- بل بالتعلم والاستفادة، لا يهمني أمرُ صالحٍ أو فاسقٍ، معرضًا عن صحبة هذا وذا، وواصل الشيخ اشتغاله بالتدريس

стр. 37

إلى آخر لحظات حياته، من ذلك الوقت عرف الشيخ بلقب المحدث الذي أصبح بعده جزءًا من اسمه حتى إذا قيل: المحدث الدهلوي، لا يُعنى به إلا هو، وصارت مدرسته معروفة بخصائصها في الهند (١)، اجتمع فيها عدد كبير من الطلاب لتحصيل العلم، وصارت المدرسة أكبر حصن للشريعة الإسلامية والسنة النبوية في ذلك العهد المليء بالفتن، وظل الشيخ جبلًا ثابتًا أمام موجات الضلالات والأقوال المعادية للإسلام. قال الأستاذ خليق أحمد نظامي (٢): عاد الشيخ المحدث إلى الهند بإلحاح من الشيخ عبد الوهاب المتقي، لكن كان في قلبه حنين وشوق للرجوع إلى الحجاز. وكتب في وصيته بكل حسرة: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك. * * * * منهج الشيخ المحدث في الدعوة في هذه الظروف: إن الشيخ المحدث حاول بعد وفاة الملك أكبر التأثير على نور الدين جهانكَير الذي صار ملكًا بعد أكبر عن طريق الشيخ فريد (٣)، وكانت شخصيته بارزة في البلاط الملكي، وألف رسالة ناقش فيها قواعد السلطنة وأركانها بالتفصيل، وكذلك جمع لملك شاهجهان أربعين حديثًا سماها: ترجمة الأحاديث الأربعين في نصيحة الملوك والسلاطين. وكان للشيخ علاقة وطيدة مع الأمين عبد الرحيم خان خانان المتوفى سنة ١٠٣٦ هـ، الذي كانت له شخصية معروفة في العهد المغولي بعلمه وفضله، وكذا لغيرهما من أعيان

стр. 38

البلاد، وكان بينهم وبين الشيخ علاقة روحية دينية، والشيخ يرسل إليهم رسائل ويوجههم إلى التمسك بالصراط المستقيم، ولكن حديث الشيخ كان في السر والكتمان لا يرى الجهر به وإشاعته. * * * * شيوخه: إن الشيخ المحدث ذكر أسماء الشيوخ الذين استفاد منهم في مؤلفاته: (زاد المتقين)، و (إجازات الحديث في القديم والحديث)، و (أسماء الأستاذين)، وقد فقدت هذه الرسائل؛ لذا صعب علينا معرفة أسمائهم وأحوالهم، وعرفنا منهم بعد البحث والتحقيق التاليةَ أسماؤهم: ١ - الشيخ سيف الدين والده، قد ذكرت ترجمته سابقًا. ٢ - وبعد ما تعلم من والده دخل بمدرسة في دهلي وكمل دراسته، ولكن لا نعرف أسماء شيوخه بها إلا اسمًا واحدًا، وهو الشيخ محمد مستقيم وهو تلميذ الأمير محمد مرتضى الشريفي (١). وقد ذكر الشيخ في كتابه (أخبار الأخيار): أنه استفاد من علماء ما وراء النهر لكن لا نعرف أسماءهم أيضًا. ولما سافر إلى الحرمين الشريفين استفاد من علمائهما، منهم الشيخ الإمام عبد الوهاب المتقي وهو تلميذ الشيخ علي المتقي وخليفته، وقد استفاد منه في علم الظاهر والباطن استفادة تامة، ويقول الشيخ عبد الحق: إني في خدمته منذ سنتين، وفي هذه المدة أخذ منه إجازة الحديث، وذكر أنه ألبسه خرقة الخلافة، ويقول: قد أجازني سيدي الشيخ عبد الوهاب بكتب القوم وطرقهم وسلاسلهم وأجازني

стр. 39

من أربع سلاسل: القادرية والشاذلية والمدنية والجشتية (١). ٣ - القاضي علي بن جار اللَّه بن ظهيرة القرشي المخزومي المكي. ذكر الشيخ المحدث في ثبته أنه أعلم العلماء وأعظم الفقهاء في وقته. ٤ - الشيخ أحمد بن محمد بن محمد أبي الحزم المدني. ذكر الشيخ المحدث أنه أكبر فقهاء مدينة الرسول ﷺ علمًا وسنًّا وبركة، وشيخُ الشيوخ، وأخذ منه إجازة الحديث، وتوفي غرة شعبان سنة ٩٩٨ هـ. ٥ - الشيخ حميد الدين بن عبد اللَّه السندي المهاجر. ذكر الشيخ المحدث في مقدمة (لمعات التنقيح): أني أخذت رواية (مشكاة المصابيح) عن الشيخ حميد الدين السندي، ويقول في ثبته: إنه الشيخ العالم العامل تذكرة السلف المتورعين وبقية المشايخ المحدثين مولانا حميد الدين بن القاضي عبد اللَّه السندي المدني. وقال مرتضى الزبيدي (٢): وفَد إِلَى الحَرَميْن، فَأخذ عَن الشِّهاب أَحْمد بن حَجَر المَكِّي، وطَبقتِه، كالشيخ عبد الوهَّاب المتّقِي، ومُلّا علي قارِي، وَغَيرهمَا. وقال الكتاني (٣): ذكر الحافظ مرتضى في (ألفية المسند) له أن المترجَم يروي عن المتقي مباشرة، وكذا عن ابن حجر الهيتمي وعن علي القاري، وناهيك بهؤلاء الثلاثة. وما ذكر من رواية الشيخ المحدث عن الشيخ على المتقي والحافط ابن حجر المكي بدون واسطة فيه نظر، لأن الشيخ على المتقي توفي سنة ٩٧٥ هـ، والشيخ ابن حجر توفي سنة ٩٧٤ هـ، وقد ورد الشيخ المحدث إلى مكة المكرمة سنة ٩٩٦ هـ، فلا

стр. 40

يمكن لقاؤه بهما. أما روايته عن الشيخ علي القاري فلم أقف عليها. * * * * اختيار الشيخ المحدث إسنادًا خاصًّا لرواية الحديث: كان للشيخ المحدث عدة شيوخ لكنه اختار للرواية إسناد الشيخ عبد الوهاب المتقي كما ذكر السيد عبد الحي الكتاني (١): قال الشيخ عبد الحق الدهلوي المترجم: أوصاني سيدي عبد الوهاب المتقي بأنه ينبغي للمحدث أن يختار لنفسه من الأسانيد التي حصلت له من مشايخه سندًا واحدًا يحفظه ليتصل به إلى سيد المرسلين، وتعود بركته على حامله في الدنيا والآخرة، فاختصرت لوصية شيخي سندًا من طريق البخاري وآخر لمسلم واكتفيت بهما ففيهما البركة، فقلت: قال العبد الضعيف: حدثنا شيخنا الولي المقتدي عبد الوهاب الحنفي قال: حدثنا شيخنا علي بن حسام الدين المتقي قال: حدثنا أبو الحسن البكري قال: حدثنا الزين زكرياء الأنصاري عن ابن حجر. (ح) وحدثنا الشيخ عبد الوهاب المتقي قال: ثنا المسند علي بن أحمد الجناتي الأزهري الشافعي، حدثنا شيخ الإسلام الجلال السيوطي، حدثنا الشهاب ابن حجر. * تنبيه: إن الحافط جلال الدين السيوطي لم يأخذ عن شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني بل يروي عنه بالإجازة العامة (٢). * * *

стр. 41

* اعتراف شيوخه برسوخه في العلم: قد اعترف علماء الحرمين الشريفين للإمام المحدث عبد الحق برسوخ قدمه في العلم، قال القاضي: إنه الفرد العلم في القطر الهندي، وقال: إنه ممن أعلى اللَّه همته في المطلب، ووفقه للسعي فيما يوصل إلى بلوغ الأرب، وخدم العلم الشريف وضرب فيه بالسهم الأعلى والقدح المعلى، وقد شرفني بالحضور عندي برهة من الزمان في المسجد الحرام بقراءة قطعة من (صحيح الإمام البخاري) وقطعة من (ألفية الحديث) للعراقي البحر الهمام، فاستفدت منه أكثر مما استفاد، وأبدى من الأبحاث ما أحسن فيه وأجاد، قراءة ظهر بها أنه بالإفادة أحق منه بالاستفادة، وأن له رسوخ قدم في الاشتغال على جمل الوجوه المعتادة، انتهى (١). * الفرق بين منهج المحدث عبد الحق الدهلوي وبين منهج الإمام ولي اللَّه الدهلوي: ١ - الشيخ المحدث لا يتكلم بمصطلحات الصوفية في مؤلفاتهم، والإمام ولي اللَّه يتكلم لكنه لا يخرج عن الكتاب والسنة. ٢ - الشيخ عبد الحق لا يخرج عن مذهب الجمهور قيد شبر، والإمام ولي اللَّه قد ينفرد ببعض آرائه. ٣ - الشيخ عبد الحق يحيط بالموضوع من جميع جوانبه إحاطة تامة مع البحث والتحقيق تشهد على ذلك مؤلفاته، لما ألف كتابه (شرح سفر السعادة) كان بين يديه مكتبة ضخمة لكتب الحديث والرجال والتاريخ والسير، واستفاد منها استفادة كاملة. وقال: لم أرض قط بالتقصير في تصحيح النقول والإحالة على الأصول لا سهوًا ولا نسيانًا، ولم يخرج من طريق الحيطة، ويتجلى هذا المنهج في جميع مؤلفاته. وأما

стр. 42

الإمام ولي اللَّه الدهلوي لا شك مع سعة أفكاره وعمق نظره في الكتاب والسنة فله إبداع وابتكار فيما يتناوله من موضوعات لا توجد عند غيره، تدل على ذلك مؤلفاته منها (حجة اللَّه البالغة) و (إزالة الخفاء) وغيرهما. * * * * وصايا الشيخ عبد الوهاب للشيخ المحدث: كان من وصايا الشيخ عبد الوهاب المتقي للشيخ المحدث أن يجتنب الأمراءَ وأهل الدنيا لئلا يشتغل بوظيفة من وظائف الحكومة، إذ لو حدث هذا لحرم من خير كثير، وأوصاه أن يتعاون مع الناس في أمور الخير، وأن يجتنب أمور الشر، ويختار العزلة بقدر ما يمكن، وقال الشيخ المحدث: قال: سبحان اللَّه، ما أحسن هذا لو كسر أحد قدميه وجلس في زاوية العزلة والخمول فهو على مرتبة في الوصول والقبول، ثم قال: ولكن هذا أمر صعب شديد، ثباتُ القدم فيه بعيد، والأصل في هذا أن يشارك المرءُ الناس ويخالطهم في خيرهم ويجتنب شرهم، فلذلك لم يخالط الملوك، ولم يذهب حين الرجوع من الحج -كما هو عادة بعض الحجاج من أهل الحرص والأمل واللجاج- إلى ديار دكن وبيجافور وبرهان فور ونواحيها مما يجب على الفقراء وأهل هذه الطريقة منه الهرب والنفور، فجاء بحمد اللَّه سالمًا عن الآفات غانمًا بما شاء اللَّه من البركات في وطنه المألوف، أعني: حضرة الدهلي الذي هو مكان الفقراء والمساكين ومسكن العاشقين المحبين، والتزم باب الفقر متوكلًا على اللَّه راجيًا فضله وكرمه في دنياه وأخراه. . . أن الشيخ قد أمرني بالخلوة والعزلة والانفراد، ولكنه قد تساهل في ذلك ملاحظة ونظرًا للاعتبار، ولم يترك جانب الرخصة رأسًا مخافة أن لا يرى في ذلك شدة وبأسًا، فكان هذا العبد الضعيف يمضي أوقاته بما شاء اللَّه من الأعمال والأشغال،

стр. 43

ولكنه كان يخرج إلى بعض المواضع في بعض الأوقات والأحوال، ويخدم ويزور بعض الأحباب والأصحاب من أهل الخير، ويتبرك بصحبتهم، ويتشرف بخدمتهم مأمونًا عن وصمة الغير ولحوق الضير (١). وكان من وصاياه أيضًا أن يستفيد الطالب من كل مفيد، وقال: شأن طالب الحق أن يستفيد من كل مفيد، ويفيد كل مستفيد، ولا يغلق باب المطلب، ولا يسدّ طريق الاستفادة على نفسه (٢). * * * * وصايا الشيخ أبي المعالي للشيخ المحدث: إن اللَّه أراد أن يكون الشيخ المحدث ناشرًا للحديث الشريف تدريسًا وتأليفًا، وهذا العمل الجليل يحتاج إلى هدوء وعزلة، ولهذا أوصاه العالم الرباني الشاه أبو المعالي القادري اللاهوري (ت: ١٠٢٤ هـ) بأن يجتنب الاختلاط، وأكد عليه اختيار العزلة، سأل الشيخُ المحدثُ عن سر ذلك فلم يجب الشيخ أبو المعالي عن هذا، والشيخ المحدث يذكر وصيته هكذا: ثم سلط اللَّه عليّ يا سيدي رجلًا من أهل سلسلتنا من عشاق الحضرة الجيلانية، ومجذوبًا سكرانًا بشراب المحبة العرفانية، فجبرني وقهرني وألزمني الخلوة والعزلة والانفراد، ومنعني من الدخول على الناس والتردد إلى بيوتهم وصحبتهم، ولو كان مع الفقراء والصالحين من العباد، وجدّ في ذلك وبالغ ولم يتسامح قطعًا، وقال: يا هذا لا يطلب منك عمل غير هذا، وقال: ولا أقول: إنه ذلك من عند نفسي، وإنما هو أمر

стр. 44

مؤكَّد من مكان آخر فعليك به، فألححته بالسؤال عن الاطلاع على حقيقة هذا الأمر وانكشاف حلية الحال، فقال: تدعو اللَّه أن لا يطلعكم على حقيقة الأمر، ولا يكشفه عليكم حتى يبلغ الكتاب أجله، ويظهر عند ذلك ما هو المرجع والمآل، وبشرني بأن فيه الخير كل الخير إن شاء اللَّه تعالى (١). ولهذا ترك الشيخ المحدث مع العبادة والرياضة مئة مؤلف أو أكثر. * * * * استكمال التربية والسلوك من الشيخ الكبير عبد الباقي النقشبندي المعروف بخواجه باقي باللَّه: ذكر الشيخ المحدث في رسالة الوصية: لما دخل الشيخ الخواجه عبد الباقي النقشبندي (٢) دهلي سنة ١٠٠٨ هـ صحِبْتُه وبايعته وأكملت منه أذكار النقشبندية. مَن درس التاريخ الإسلامي في القرن الحادي عشر دراسة عميقة تبين له أن الشيخ الخواجة باقي باللَّه كان مصدرًا لجميع حركات أهل السنة وإماطة البدع والمحدثات في الهند، ويقول الشيخ في رسالة: هو من مشايخنا في هذا الطريق، جزاه اللَّه خيرًا (٣). استفاد منه الشيخ استفادة كبيرة، توجد في كتاب (المكاتيب والرسائل) سبع رسائل من الشيخ عبد الحق الدهلوي إلى شيخه عبد الباقي النقشبندي، تلقي هذه الرسائل

стр. 45

الضوء على حب الشيخ المحدث لشيخه المرشد. وكذلك كان للشيخ خواجة باقي باللَّه محبة شديدة للشيخ المحدث، ولا شك أن الشيخ المحدث له إجازة في خمس من طرق التصوف لكن علاقته القلبية كانت مع السلسلة القادرية، فلذلك كتب في بيان نسبه: عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي وطنًا، البخاري أصلًا، التركي نسبًا، الحنفي مذهبًا، الصوفي مشربًا، القادري طريقةً (١). * * * * الشيخ المحدث وعلاقته بالربانية: ١ - إن الشيخ المحدث نشأ وعاش في تربية والده وهو عالم رباني في السلسلة القادرية، وتلقن منه الطريقة القادرية. ٢ - كذلك استفاد من السيد موسى الكيلاني، وقد أخذ الشيخ المحدث منه الأذكار والأعمال ولم يتجاوز من عمره السنة التاسعة والعشرين، وكان هو من أسرة الشيخ عبد القادر الجيلاني. ٣ - كذلك بايع الشيخ المحدث في مكة المكرمة شيخه عبد الوهاب المتقي، ونال منه الخلافة في الطرق الجشتية والقادرية والشاذلية والمدنية، ودعاء حزب البحر له أهمية كبيرة في الطريقة الشاذلية، فأجازه الشيخ المتقي إجازة خاصة. ٤ - إن الشيخ المحدث قد بايع الشيخ خواجة عبد الباقي النقشبندي واستفاد منه استفادة كبيرة (٢). * * *

стр. 46

* البركة في أعمال الشيخ المحدث: لقد بلغ الشيخ المحدث في سنة ١٠٤٧ هـ تسعين عامًا من عمره ومع ذلك فهو لا يزال يتمتع بسلامة الحواس الظاهرة والباطنة، ويقوم بأعمال التصنيف والتأليف والتصحيح والعبادة وتعليم أبنائه وتلامذته ويعتني بتربيتهم (١). * * * * الشيخ المحدث بين التصنيف والتأليف: إلى جانب عكوفه على تدريس الحديث الشريف كان له اعتناء كبير جدًّا بالتأليف والتصنيف في شتى المجالات الدينية، وكانت عنده مكتبة ضخمة، نستغرب حينما نطَّلع على قائمة مصادر كتاب (شرح سفر السعادة) التي بلغت أربعًا وستين مصدرًا، ثم يقول الشيخ: إلى جانب هذه المصادر أيضًا كانت بعض الكتب والرسائل في المطالعة تحت الدراسة (٢). * * * * الشيخ المحدث ومآثره: ١ - إنه قد جدد علم الحديث بجهوده المضنية المخلصة في عهد كان قد تقلّص فيه هذا العلم في شمالي الهند، وهو أول من جعل كتب الحديث جزءًا لازمًا من مناهج التعليم في عصره مع عنايته بالتفسير والفقه والعلوم الدينية.

стр. 47

٢ - كان الشيخ قد نقل كتب الحديث والسيرة إلى اللغة الفارسية، وهي اللغة السائدة في ذلك العهد بين العلماء والباحثين من المسلمين. ٣ - إن الشيخ اختار الوسطية والاعتدال لإصلاح الفرد والمجتمع، وهذا الأسلوب واضح من رسائله. ٤ - إن منهج الشيخ المحدث والإمام السرهندي واحد ولكن يختلفان في الأسلوب والبيان، حيث يتميز منهج الإمام السرهندي بالحماس والصراحة ليؤثر في النفوس والقلوب، أما الشيخ المحدث فأسلوبه يتحلّى بالرقة واللين والستر. * * * * علاقة الشيخ المحدث مع الإمام السرهندي: كان كل من الشيخ المحدث والإمام الشيخ السرهندي المعروف بمجدد الألف الثاني أشهرَ العلماء الربانيين في عصرهما، وكانا من المستفيدين من الإمام الرباني الشيخ عبد الباقي باللَّه، وقد حدث بينهما سوء تفاهم في بعض الآراء، ولما فسر الإمام السرهندي آراءه زالت الشبهات وتغير رأي الشيخ المحدث وصارت بينهم مودة ومحبة كما يظهر ذلك من رسائله (١). ويقول سماحة الشيخ أبو الحسن علي الندوي: نشأ بينهما سوء التفاهم أو الخلاف بسبب رواية مدسوسة في بعض المكاتيب التي عرضت على الشيخ المحدث، كما يقول ولده الشيخ نور الحق: إن والدي اعتذر عمّا كتب في هذا الموضوع ووَقَّعَ عليه، والشيخ نور الحق أيضًا كان من خلفاء الشيخ محمد سعيد السرهندي ومن خلفاء

стр. 48

الشيخ محمد معصوم ميان السرهندي أيضًا (١). * * * * ثناء العلماء عليه: قال السيد عبد الحي الكتاني في شأنه (٢): محدث الهند العلّامة المسند صاحب المؤلفات العدة. قال السيد غلام علي آزاد البلكرامي: المتضلع من الكمال الصوري والمعنوي، والعاشق الصادق من عشاق الجمال النبوي، رزق من الشهرة قسطًا جزيلًا، وأثبت المؤرخون ذلك إجمالًا وتفصيلًا (٣). وذكر السيد مرتضى الزبيدي: ومِن المتأخِّرين الإِمامُ المحَدّث أَبُو مُحَمَّد عبد الحَقِّ ابن سَيف الدِّين البُخارِيّ الدِّهْلَوِيّ، مِن كِبار أئمَّة الحَديثِ (٤). إن الإمام الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي يَعُدُّ الشيخ المحدث في أئمة الحديث مثل فضل اللَّه التُّورِبِشْتِي والقاضي عياض (٥). يقول العلامة المؤرخ عبد الحي: هو أول من نشر علم الحديث بأرض الهند تصنيفًا وتدريسًا. ويقول أيضًا: ونشر العلوم لا سيما الحديث الشريف بحيث لم يتيسر

стр. 49

لأحد مثله من العلماء السابقين في ديار الهند. وأما مصنفاته فكلها مقبولة عند العلماء محبوبة إليهم، يتنافسون في تحصيلها وهي حقيقة بذلك، وفي عباراته قوة وفصاحة وسلاسة، تعشقها الأسماع وتلتذ بها القلوب (١). قال الأمير صديق حسن القنوجي: تواليفه في بلاد الهند مقبولة ومشهورة، كلها نافعة ومفيدة (٢). وقال أيضًا: والحق أن الشيخ عبد الحق ينفرد بالترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية لا نظير له في هذه الأمة، ولا مثيل له في عصره، واللَّه يختص برحمته من يشاء (٣). وقال أيضًا: كل ما يرى الناس في شأني من الفوائد الظاهرة والباطنة من العلوم والمعارف حصَّلْتُ أكثرها بدراسة تأليفات الشيخ المحدث، ومصنفات الشاه ولي اللَّه الدهلوي وأولاده (٤). * * * * تلاميذه: الشيخ المحدث عمِّر أربعًا وتسعين سنة، وقضى أكثر أوقات حياته في التدريس، وقد استفاد منه ألوفٌ من الناس من العرب والعجم، أذكر بعض أشهر تلاميذه: ١ - الشيخ نور الحق المشرقي النجل الأكبر للشيخ المحدث، المتوفى سنة ١٠٩٣ هـ، له مؤلفات كثيرة (٥).

стр. 50

٢ - الشيخ علي محمد بن الشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي، وهو تلميذ لوالده وعالم جليل، وكان من فضلاء زمانه، رافق والده وأخذ عنه الكتب الدراسية، له مؤلفات. ٣ - الشيخ محمد هاشم بن الشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي، وكان أيضًا أخذ عن والده. كتب الشيخ المحدث عن ولده محمد هاشم: يمتاز جوهر طبعه بالجودة والسلامة، وقوة العلم لا سيما في علم الحديث الشريف (١). ٤ - الشيخ أبو رضا بن إسماعيل الدهلوي المتوفى سنة ١٠٦٣ هـ، هو حفيد الشيخ المحدث. ٥ - الشيخ أبو أحمد سليمان الكردي الكَجراتي. ٦ - الشيخ شاكر محمد بن وجيه الدين الحنفي الدهلوي المتوفى سنة ١٠٦٣ هـ. ٧ - عناية اللَّه بن إله داد الصديقي البلكَرامي. ٨ - الشيخ حيدر بن فيروز الكشميري المتوفى سنة ١٠٥٧ هـ. وغيرهم. * * * * خلفه: خلَّف الشيخُ المحدث ثلاثة أولاد من الذكور وكان أكبرهم الشيخ نور الحق الدهلوي، له مؤلفات، توفي عن تسعين من عمره، ودفن بجانب والده عند الحوض الشمسي. وكذلك دفن الاثنان الآخران من أولاد الشيخ المحدث بجانب والدهما عند الحوض الشمسي.

стр. 51

ونبغ من ذريته علماء أجلاء خدموا الحديث النبوي تدريسًا وتأليفًا، وظلت أسرته تخرج رجال الأقلام من الكتاب والمؤلفين إلى أن جاء عهد الإنكليز، ومال رجال هذه الأسرة إلى كسب العلوم العصرية كعامة الناس (١). * * * * وفاته: توفي الشيخ المحدث عن أربع وتسعين، في الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ١٠٥٢ هـ، بمدينة دهلي، وصلى عليه نجله الشيخ نور الحق، كتب الشيخ المحدث في وصيته: "يدعو هذا الفقير ويتمنى: اللهمّ ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي ببلد رسولك. إن استجاب اللَّه دعوتي هذه فلا حاجة إلى وصية، وإن وافاني الأجل في هذا البلد فليدفنوني في عوالي الحوض الشمسي الذي هو مدفن الصالحين المغفور لهم". فدفن في ناحية من الحوض الشمسي. وأوصى عن قبره: "أن يوسعوا القبر، ولا يتجاوزوا حدّ الاعتدال، ولا يجصّصوا داخل القبر، ولا يرفعوا جداره إلا بالآجر". وأوصى كذلك: "إن رأوا من المصلحة أقاموا لوحًا يكتمون عليه تاريخ الولادة والوفاة، ونبذةً من أخبار طلب العلم، والرحلات فيه". فتنفيذًا لوصيته نصب لوحة على ضريحه، وكتب ما أوصى به رحمه اللَّه تعالى (٢). تاريخ وفاته: (فخر العلماء) و (فخر العالم) و (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) (٣). * * *

стр. 52

* وصول إسناده إلى الحرمين الشريفين: قد انتشرت سلسلة إسناد الشيخ المحدث بطريق الشيخ محمد حسين الخافي إلى الحرمين الشريفين، يقول السيد عبد الحي الكتاني: والخافي هذا هو تلميذ الشيخ عبد الحق الدهلوي والراوي عنه عامة، وقد وقفت على إجازة الشيخ عبد الحق له بخطه الشريف، وأدركه الشيخ حسن العجيمي وأخذ عنه، ومن طريق العجيمي عنه نروي مؤلفاته ومؤلفات الشيخ عبد الحق ومروياته، ولولا هذا الشيخ الخافي وروايته عن الدهلوي عامة لما كنا اتصلنا بالشيخ علي المتقي لرواية (كنز العمال) وغيره، وهذه فائدة نفيسة قل من يعلمها (١). * * * * مؤلفاته: عاش الشيخ المحدث أربعًا وتسعين سنة، وقضى معظم حياته من عهد الشباب إلى آخر الحياة في التصنيف والتأليف، وقد ذكر بعض المؤلفين قائمة مؤلفاته فبلغ عددها مئة أو أكثر، وأخص بالذكر الكتب التي لها صلة بالحديث الشريف: ١ - أشعة اللمعات في شرح المشكاة (مطبوع) وأقوم بتعريفه بمناسبة لمعات التنقيح. ٢ - لمعات التنقيح في شرح المشكاة. وهو كتابنا هذا، سيأتي الحديث عنه. ٣ - جامع البركات في منتخب شرح المشكاة (مخطوط). ٤ - إكمال أسماء رجال مشكاة المصابيح (مخطوط).

стр. 53

٥ - مقدمة في أصول الحديث (بالعربية) مطبوع. ٦ - طريق الإفادة في شرح سفر السعادة (مطبوع). ٧ - تحقيق الإشارة إلى تعميم البشارة (مخطوط). ٨ - ترجمة مكتوب النبي ﷺ في تعزية ولد معاذ بن جبل (بالفارسية) مخطوط. ٩ - رسالة أقسام الحديث (بالفارسية) مخطوط. ١٠ - جمع الأحاديث الأربعين في أبواب الدين (مخطوط). ١١ - ترجمة الأحاديث الأربعين في نصيحة الملوك والسلاطين (بالفارسية) مخطوط. ١٢ - رسالة في ليلة البراءة (بالفارسية) مخطوط. ١٣ - إجازة الحديث في القديم والحديث (مخطوط). ١٤ - ما ثبت بالسُّنة في أيام السَّنَة (مطبوع). ١٥ - مطلع الأنوار البهية في الحلية النبوية (مخطوط). * أشعة اللمعات في شرح المشكاة: شرح فارسي في أربع مجلدات، قال في (تأليف الأليف): إنه تلوٌ لأخته (لمعات التنقيح في شرح المشكاة) وأرجح منها في التنقيح والتهذيب والضبط والربط وأكبر منها في الحجم والضخامة (١). يقول الشيخ المحدث: التمس مني بعضُ أجلّة الأصحاب وصَفْوَة الأحباب أن أكتب لهم بالفارسية شرحًا على ذلك الكتاب المستطاب، ليعمّ نفعُها الخواص والعوام،

стр. 54

ويتيسر فهمُها بالكمال والتمام، فأجبتُ سُؤلَهم، وأسعفتُ مرامَهم ومأمولَهم، مع كون هذا الأمر الخطير محلَّ الاعتذار والتقصير. يذكر الشيخ المحدث في تقديمه: لما وفقني اللَّه لخدمة الحديث الشريف، وأقامني في مقام الاستقامة، ألقى في قلبي أن أشرح شرح مشكاة المصابيح، وهو كتاب معروف متداول، فإني قد جمعت الفوائد التي استفدت من شيوخنا أو ألقى اللَّه في خاطري من العلوم والمعارف، فحاولت أن أجمعها إلى طلاب الحديث، وقد أكد علي بعض المخلصين الربانيين -كالشيخ أبي المعالي اللاهوري- أن أؤلف شرح هذا الكتاب بالفارسية، يقول في نهايته: "تم تسويد هذا الكتاب عشية يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وألف من هجرة سيد المرسلين وخاتم النبيين ﷺ وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين. وابتدأ تأليفه في الثالث عشر من ذي الحجة سنة تسع عشرة وألف، وتخلَّلتها أعمال أخرى من التأليف في ثلاث سنوات وكسر، وتم في الزاوية القادرية في دهلي، وهذا الفقير يخدمها ويكنسها ويوقد سراجها، كأنما تم في مجلس واحد، والغرض هو بيان الشكر لنعمة اللَّه على هذا العبد الضعيف. وللَّه الحمد على التوفيق، وأستغفر اللَّه على التقصير، وأنا الفقير الحقير عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي وطنًا والبخاري أصلًا والتركي نسبًا والحنفي مذهبًا والصوفي مشربًا والقادري إرادةً، وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين" (١). * لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح: هو شرح لـ (مشكاة المصابيح) باللغة العربية، وهو أجلُّ وأعظمُ وأطولُ وأكبرُ تصنيفاته، قال في (تأليف القلب الأليف) في حق ذلك الكتاب: وقد جاء بتوفيق اللَّه

стр. 55

وتأييده كتابًا حافلًا شاملًا مفيدًا نافعًا في شرح الأحاديث النبوية، على مصدرها الصلاة والسلام، مشتملةً على تحقيقات مفيدة، وتدقيقات بديعة، وفوائد شريفة، ونكات لطيفة (١). أما سبب تأليف الشيخ المحدث هذا الشرح فهو أنه لما كان عاكفًا على تأليف "أشعة اللمعات" عرضت له بعض الفوائد لم يستحسن بيانها بالفارسية لكونها لغة الشعب وقتئذ في الهند، فلم يكن من المصلحة إشراك عامة الناس في بعض البحوث العلمية البحتة التي تلتوي عليهم، فلذلك ما تغاضى عنه في شرحه الفارسي سجّله في الشرح العربي، كما يقول: "خلال المطالعة ظهرت أمور لا يستحسن شرحها باللغة الفارسية، ولم يسعني إغفالها، فشرعت في شرحها باللغة العربية، فتمّ تسويد الشرحين معًا، ولكن الشرح العربي سبقه كالحصان العربي، وتمّ، ولما أعدت النظر فيه وبيّضته مرّ عليه زمن طويل وصارت مسودة الشرح الفارسي نسيًا منسيًّا، ثم أمرت فأتممت الشرح الفارسي كذلك" (٢). وقد ييق سبب تأليفه في مقدمة هذا الشرح بالتفصيل. لقد فرغ الشيخ المحدث من تأليف هذا الشرح في (٢٤) من شهر رجب سنة ١٠٢٥ هـ، واهتم فيه بحل المشكلات اللغوية والنحوية وتوضيح المسائل الفقهية في أسلوب سهل، كما سعى فيه إلى التوفيق بين الفقه الحنفي والحديث النبوي الشريف. ونص على أن دراسة هذا الشرح ستؤكد أن الإمام الشافعي من أصحاب الرأي، وأن الإمام أبا حنيفة من أصحاب الظاهر. وكتب مقدمة نفيسة في بيان بعض مصطلحات الحديث ما يكفي في شرح الكتاب، الذي طبع في الهند على متن (المشكاة) كما طبع مفردًا.

стр. 56

* مصابيح السنة: هو كتاب مبارك، قال الخطيب التبريزي: كان "كتاب المصابيح" -الذي صنفه الإمام محيي السنة، قامع البدعة، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، رفع اللَّه درجته- أجمع كتاب صنف في بابه، وأضبط لشوارد الأحاديث وأوابدها (١). اهتمَّ العلماء بهذا الكتاب الجليل واعتنوا به اعتناءً تامًّا بالشروح والتعليقات والتخريجات عليه، وكان من بينها: - (الميسر في شرح مصابيح السنة) لشهاب الدين فضل اللَّه التُّورِبِشْتِي (ت: ٦٦١ هـ) ط. - (تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة) للقاضي البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ط. - (المفاتيح في شرح المصابيح) للحسين بن محمود الزيداني المُظهري (ت: ٧٢٧ هـ) ط. - (التجاريح في فوائد متعلقة بأحاديث المصابيح) للفيروزآبادي (ت: ٨١٧ هـ). - (شرح مصابيح السنة) للمحدث الفقيه ابن الملك الرومي الكرماني الحنفي (ت: ٨٥٤ هـ) ط. - (شرح المصابيح) لابن كمال باشا (ت: ٩٤٠ هـ). - (كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح) للمناوي (ت: ٨٠٣ هـ). - (هداية الرواة إلى تخريح المصابيح والمشكاة) للحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ط.

стр. 57

إلى غير ذلك من الشروح والتعاليق القيّمة. راجع للبسط والتفصيل (كشف الظنون) (٢/ ١٦٩٨). * * *

стр. 58

تَرْجَمَةُ صَاحِبِ المِشْكَاةِ هو الإمام ولي الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الخطيب العمري التبريزي -بكسر التاء نسبة إلى تبريز من أكبر مدن أذربيجان كذا ذكره السمعاني وغيره بالكسر للتاء والمشهور فتحها- قال فيه شيخه حسين بن محمد الطيبي: بقية الأولياء وقطب الصلحاء، شرف الزهاد والعباد. وقد جمع المشكاة بمشورته، وكفى بهذا الكلام من شيخ عارف بتلميذه مجرب له. وقال عنه الملا علي القاري صاحب (مرقاة المفاتيح): مولانا الحبر العلامة والبحر الفهامة، مظهر الحقائق وموضح الدقائق، الشيخ التقي النقيّ، وإن فيما ألفه لدليلًا واضحًا على سعة علمه ووفرة فضله، ولا نعرف تاريخ وفاته على الضبط كما لا نعرف تاريخ ولادته، غير أننا نستطيع الجزم بأنه توفي بعد سنة (٧٣٧)، وهي السنة التي أكمل فيها كتابه (المشكاة (١)). وله أيضًا (الإكمال في أسماء الرجال)، وقد طبع مع (المشكاة) ومنفردًا. فرغ من تصنيفه يوم الجمعة عشرين رجب سنة ٧٤٠ هـ، جمعه بمعاونة شيخه العلامة الطيبي، وقد عرض الكتابين عليه فاستحسنهما واستجادهما (٢). * * *

стр. 59

* مشكاة المصابيح: إن المشكاة تكملة للمصابيح، وتذييل لأبوابه، جمعه مؤلفه بإشارة شيخه الحسين ابن عبد اللَّه بن محمد الطيبي المتوفى سنة ٧٤٣ هـ، قال (١): "كنت قبل قد استشرت الأخ في الدين، المساهم في اليقين، بقية الأولياء، قطب الصلحاء، شرف الزهاد والعباد في الدين، محمد بن عبد اللَّه الخطيب بجمع أصل من الأحاديث المصطفوية، فاتفق رأينا على تكملة (المصابيح) وتهذيبه وتشذيبه وتعيين روايته ونسبة الأحاديث إلى الأئمة المتقنين، فما قصر فيما أشرت إليه من جمعه، فبذل وسعه واستفرغ طاقته فيما رمت منه"، وقد بيّن وجه تصنيفه في مقدمته في أول الكتاب". ولقد رزق هذا الكتاب من القبول والعناية، وكان له من النفع ما كان لأصله (المصابيح)، وعُني العلماء به بالقراءة والتدريس والشرح والتحشية عليه، فظهرت له شروح وحواشٍ عديدة. وكان من بينها: - (الكاشف عن حقائق السنن) أول من شرحه هو شيخه الطيبي، سماه (الكاشف عن حقائق السنن)، وشرحه أنفس الشروح وأحسنها. قال في مقدمة شرحه: "فلما فرغ من إتمامه شمرت عن ساق الجد في شرح معضله وحل مشكله وتلخيص عويصه وإبراز نكاته ولطائفه على ما يستدعيه غرائب اللغة والنحو ويقتضيه علم المعاني والبيان، بعد تتبع الكتب المنسوبة إلى الأئمة، معلما لكل مصنف بعلامة مختصة به" (٢). - (منهاج المشكاة) للشيخ عبد العزيز الأبهري المتوفى في حدود سنة ٨٩٥ هـ. - (فتح الإله في شرح المشكاة) لأحمد بن حجر المكي الهيتمي المتوفى سنة

стр. 60

٩٧٥ هـ. مع الأسف فقد شرح نحو النصف ومات ولم يتمَّه. - (مرقاة المفاتيح) للعلامة علي بن سلطان المعروف بالقاري المتوفى سنة ١٠١٤ هـ، شرح عظيم ممزوج على (المشكاة)، جمع فيه جميع الشروح والحواشي واستقصاها. - (لمعات التنقيح)، و (أشعة اللمعات)، الأول بالعربية وهو شرح لطيف بين الإيجاز والإطناب، وهو كتابنا هذا، سيأتي البحث فيه، والثاني بالفارسية، كلاهما للعلامة الشيخ عبد الحق الدهلوي المتوفى سنة ١٠٥٢ هـ. - (التعليق الصبيح) للشيخ المحدث محمد إدريس الكاندهلوي المتوفى سنة ١٣٩٨ هـ. - (مرعاة المصابيح) للشيخ عبيد اللَّه الرحماني المباركفوري، ولم يكمله. بلغ شرحه إلى كتاب المناسك. - (الرحمة المهداة إلى من يريد ؤيادة العلم على أحاديث المشكاة) للسيد نور الحسن ابن صديق حسن القنوجي المتوفى سنة ١٣٣٦ هـ، جمع فيه الفصل الرابع في كل باب من أبواب (المشكاة)، وزاد فيه (١٥٠٠) حديثًا. (مطبوع). وإلى غير ذلك من الشروح والتعليقات والحواشي، راجع للبسط والتفصيل (كشف الظنون) (٢/ ١٦٩٨) و (الثقافة الإسلامية) (ص: ١٥٤). * * * * عدد أحاديثه: قال في (كشف الظنون (١)): قيل: عدد أحاديث (المصابيح) أربعة آلاف وسبع مئة

стр. 61

وتسعة عشر حديثًا، وقال ابن الملك (١): إن عدد الأحاديث المذكورة فيه أربعة آلاف وأربع مئة وأربعة وثمانون حديثًا. قال القاري في (المرقاة (٢)): قيل: أحاديث (المصابيح) أربعة آلاف وأربع مئة وأربعة وثلاثون حديثًا، وزاد صاحب (المشكاة) ألفًا وخمسَ مئةٍ وأحد عشر حديثًا، فصار المجموع خمسة آلاف وتسع مئة وخمسة وأربعين، وينضبط بستة آلاف إلا كسرِ خمسٍ وخمسين، انتهى. قلت (٣): ما نقل القاري من قول البعض في عدد أحاديث (المصابيح) هو مخالف لما ذكره حاجي خليفة جلبي في (كشف الظنون)، وابن الملك في (شرح المصابيح)، واللَّه أعلم. * * * * وصف النسخ المخطوطة: اعتمدنا في تحقيق هذا السفر الجليل (لمعات التنقيح شرح مشكاة المصابيح) للإمام المحدث الفقيه الشيخ عبد الحق الدهلوي البخاري على ستة نسخ خطية، حصلنا على صور منها من بتنه ورامفور وعليجراه وديوبند وتونك وكولكاتا، منها ما هو كامل لا نقص فيه، ومنها ما وقع فيه بعض النقص، أو كان قطعة من الشرح، وهذا وصف هذه النسخ: * النسخة الأولى: نسخة مكتبة خدا بخش الشرقية العامة (بتنه)، تقع في مجلدين تحت رقم:

стр. 62

(٥٨٩/ ٣٦١) و (٥٩٠/ ٣٦٢)، وقد رمزنا إليها بالرمز (ب). المجلد الأول: وعدد ورقاته (٥٩٢)، يبتدئ بأول الكتاب وينتهي إلى كتاب المناسك، كامل الطرفين. المجلد الثاني: وعدد ورقاته (٥٢٠)، يبتدئ بكتاب البيوع، وبه نقص في بدء شرح حديثين من كتاب البيوع، وينتهي إلى آخر الشرح كاملًا. هذه النسخة متقنة، يندر وقوع الخطأ فيها، نسخت بخط فارسي، وقد كتبت في القرن الحادي عشر. * النسخة الثانية: نسخة مكتبة رضا رامفور، تقع أيضًا في مجلدين تحت رقم: (١٠٦٢/ ٤٥٩٩) و (١٠٦٣/ ٤٦٠٦)، وقد رمزنا إليها بالرمز (ر). المجلد الأول: وعدد ورقاته (٤٩٣)، يبتدئ بـ "أفق العبادة قوله: فإن أولى ما يعتني أرباب الهمم العالية. . . إلخ"، وينتهي إلى كتاب المناسك. المجلد الثاني: وعدد ورقاته (٦٤٦)، يبتدئ بـ "فمن حَرّمَهُ حمله على الأول ومن جوزه على الثاني فتدبر. . . إلخ" وفيه نقص شرح أربعة أحاديث من البدء، ولكنْ الصفحتان اللتان تشتملان على شرح هذه الأحديث الأربعة تقعان في الأخير. وينتهي إلى آخر الشرح كاملًا. هذه النسخة غير متقنة، يقع الخطأ فيها كثيرًا، نسخت بخط فارسي غير جميل. * النسخة الثالثة: نسخة مكتبة مولانا آزاد، جامعة عليجراه الإسلامية، تقع أيضًا في مجلدين، وقد رمزنا إليها بالرمز (ع).

стр. 63

المجلد الأول: وعدد ورقاته (٥٢٢)، فيه نقص في بدء الكتاب، ينتهي إلى كتاب الحج كاملًا. المجلد الثاني: وعدد ورقاته (٥١٤)، وبه نقص في طرفيه. وهذه النسخة غير متقنة أيضًا، وفيها سقطات، نسخت بخص جميل. * النسخة الرابعة: نسخة مكتبة الجمعية الآسيوية (كولكاتا)، تقع أيضًا في مجلدين تحت رقم: (٢٠٤/ ١٠٥) و (٢٠٥/ ١٠٥)، وقد رمزنا إليها بالرمز (ك). المجلد الأول: وعدد ورقاته (٤٧٦)، كامل الطرفين في الظاهر، لكن نقصت عدة صفحات قبل نهاية كتاب الحج في البين. وينتهي إلى كتاب المناسك. المجلد الثانى: وعدد ورقاته (٦٠٧)، يبتدئ بكتاب البيوع إلى آخر الكتاب كاملا. هذه النسخة متقنة جيدة، نسخت بخط جميل واضح، نكاد أن نقررها أصلًا لكنها لم تسلم من بعض الأخطاء والسقطات لذا لم نجعلها أصلًا. * النسخة الخامسة: نسخة مكتبة دار العلوم ديوبند (سهارنفور)، تحتوي على مجلد فقط تحت رقم: (٦٩/ ١٧٢)، وقد رمزنا إليها بالرمز (د). المجلد الأول: وعدد صفحاته (٨٥١)، كامل الطرفين. هذه النسخة متقنة، نسخت بخط جميل. * النسخة السادسة: نسخة مكتبة معهد البحوث العربية والفارسية (تونك)، تقع أيضًا في مجلدين

стр. 64

تحت رقم: (٥٧٠/ ٤٥٥) و (٥٧١/ ٤٥٦)، وقد رمزنا إليها بالرمز (ت). المجلد الأول: وعدد ورقاته (٧٣١)، كامل الطرفين من بداية الكتاب إلى كتاب الحج. المجلد الثاني: وعدد ورقاته (٤٢٩)، يبتدئ بـ (كتاب البيوع) إلى آخر الكتاب كاملًا. هذه النسخة جيدة، نسخت بخط جميل واضح. ولكن للأسف الشديد لم نحصل منها إلا على مئتي صفحة من كتاب البيوع إلى كتاب اللباس فقط، ويرجع هذا إلى عدم مساعدة صاحب المكتبة. * * *

стр. 65

صور المخطوطات

стр. 66

فيما يلي صور عن المخطوطات التي تقدم وصفها: صورة النسخة الأولى الصفحة الأولى من نسخة مكتبة خدا بخش الشرقية العامة (بتنه)

стр. 67

الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة خدا بخش الشرقية العامة (بتنه)

стр. 68

صورة النسخة الثانية الصفحة الأولى من نسخة مكتبة رضا (رامفور)

стр. 69

الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة رضا (رامفور)

стр. 70

صورة النسخة الثالثة الصفحة الأولى من نسخة مكتبة مولانا آزاد، جامعة عليجراه الإسلامية

стр. 71

الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة مولانا آزاد، جامعة عليجراه الإسلامية

стр. 72

صورة النسخة الرابعة الصفحة الأولى من نسخة مكتبة الجمعية الآسيوية (كولكاتا)

стр. 73

الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة الجمعية الآسيوية (كولكاتا)

стр. 74

صورة النسخة الخامسة الصفحة الأولى من نسخة مكتبة دار العلوم ديوبند (سهارنفور)

стр. 75

الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة دار العلوم ديوبند (سارنفور)
следующие страницы →