← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

وحَفَّ بَعضُهُم بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهمْ حَتَّى يَملؤوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ قَالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ (١): مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادِكَ فِي الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ (٢) وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لَا أَيْ رَبِّ، قَالَ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: يَسْتَغْفِرُونَكَ، قَالَ: "فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا" قَالَ: "يَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، وَإِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ". . . . . ــ ونزل ونازل، وفي بعض النسخ: (فضلاء) بالمد كفصحاء وعلماء، وقد جاء: (فضل) بضمتين مرفوعًا خبر مبتدأ محذوف، وفي (المشارق) (٣): روايتنا فيه عن أكثرهم بسكون الضاد وهو الصواب، وقد رواه بعضهم بضم الضاد، وكان هذا الحرف في كتاب ابن عيسى: (فضلاء) بضم الفاء وفتح الضاد وهو وهم هنا، وإن كانت صفتهم. وقوله: (ويستجيرونك) أي: يستعيذون ويستأمنون بك. وقوله: (إنما مر فجلس) أي: إنما صدر منه المرور ثم الجلوس لا تسبيح ولا تكبير ولا تحميد.

стр. 2522

قَالَ: "فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [م: ٢٦٨٩]. ٢٢٦٨ - [٨] وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ الرُّبَيِّعِ الأُسَيدِيْ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيْرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَمَا ذَاكَ؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ. . . . . ــ وقوله: (وله غفرت) أي: وله أيضًا غفرت. ٢٢٦٨ - [٨] (حنظلة بن الربيع) قوله: (وعن حنظلة بن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وكسر التحتانية المشددة وهو الصحيح، وقد جعل في بعض النسخ على وزن الربيع ضد الخريف، (الأسيدي) بضم الهمزة وفتح السين وتشديد التحتانية المكسورة. وقوله: (كأنَّا رأيَ عين) بالنصب مفعول مطلق؛ أي: كأنّا راؤون الجنة والنار بالعين، ويجوز أن يكون حالًا بمعنى اسم الفاعل، وجعل في بعض النسخ: (رأيُ عين) بالرفع وصفا بالمصدر. وقوله: (عافسنا الأزواج والأولاد) أي: خالطناهم، والمعافسة: المعالجة، وفي (مجمع البحار) (١): أي: لامسنا ولاعبنا، (والضيعات) جمع ضيعة، ويقال: ضيعة

стр. 2523

نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٥٠]. ــ الرجل لما يكون معاشه به كالزراعة والتجارة، وفي (القاموس) (١): الضيعة: العقار والأرض المُغلة. وقوله: (وفي الذكر) عطف على (عندي). وقوله: (على فرشكم وفي طرقكم) أي: دائمًا في جميع الأحوال المتضادة والأوقات المتباينة. وقوله: (ساعة وساعة) لفظ (المصابيح): (ساعة فساعة) بالفاء، قال التُّورِبِشْتِي: أي: ساعة في الحضور تؤدون حقوق ربكم، وساعة في الغيبة فتقضون حقوق أنفسكم، فأدخل فاء التعقيب في الثانية تنبيهًا على أن إحدى الساعتين مُعقَّبةٌ بالأخرى، وأن الإنسان لا يصبر على الحق الصرف والجد المحض. وقوله: (ثلاث مرات) الظاهر أنه لتكرير هذه العبارة وهو قوله: (ولكن يا حنظلة ساعة وساعة). أو قوله: (ساعة وساعة)، ويحتمل أن يكون المراد تثليث لفظ ساعة، أي: ساعة في الحضور في الذكر، وساعة في أداء حق النفس خاصة، وساعة في العافية، واللَّه أعلم (٢).

стр. 2524

* الْفَصْلُ الثاني: ٢٢٦٩ - [٩] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ؟ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ؟ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ والوَرِقِ؟ وخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "ذِكْرُ اللَّهِ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَقَفَهُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ. [ط: ٧١٦، حم: ٦/ ٤٤٧، ت: ٣٣٧٧، جه: ٣٧٩٠]. ٢٢٧٠ - [١٠] وَعَن عَبْدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ: "طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ" قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٤/ ١٨٨، ت: ٣٣٧٥]. ــ الفصل الثاني ٢٢٦٩ - [٩] (أبو الدرداء) قوله: (والورق) في (القاموس) (١): الوَرْقُ مُثَلَّثَةً، وككَتِفٍ وجَبَلٍ: الدَّراهِمُ المَضْروبَةُ، وفي (مجمع البحار) (٢): الورق بكسر راء وتسكين، وبكسر واو مع سكون، والرقة بكسر راء وخفة قاف: الدراهم المضروبة، وفي الحديث دليل على أن ذكر اللَّه تعالى خير من التصدق، فلعل ما يقال: إن العبادة المتعدية أفضل من اللازمة مخصوص بغير الذكر. ٢٢٧٠ - [١٠] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (ولسانك رطب) عبارة عن سهولة جريانه

стр. 2525

٢٢٧١ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا" قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "حِلَقُ الذِّكْرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥١٠]. ٢٢٧٢ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٥٦]. ــ من الموت وهو كناية عن مداومة الذكر، وقيل: أي: متحرك، وقيل: أي: قريب العهد من الموت. ٢٢٧١ - [١١] (أنس) قوله: (حلق الذكر) في (المشارق) (١): الحلقة بفتح الحاء وسكون اللام، وقيل: بفتحها، والأول أشهر، وهي حلقة القوم يتحلقون فيها، والجمع حِلَق بكسر الحاء، مثل: بَدْرة وبِدَر، قاله الخطابي، وذكرها غير واحد بالفتح، ومنه قوله في الصحيح: الحلق في المسجد، و: حَلَق أصحاب محمد، وقال الحربي: فيه: الحَلَق والحَلْقة بالسكون مثل: ثمرة وثمر، قال: ولا أعرف حَلَقة بالفتح إلا جمع حالق. وفي الحديث دليل على أن التحليق للذكر مشروع. ٢٢٧٢ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (كانت عليه من اللَّه ترة) أي: حسرة ونقصان، وروي بالرفع والنصب، فبالرفع يكون اسم كان، وبالنصب خبره، و (كانت) إن روي بالتأنيث فعلى تقدير النصب يجعل ضميره (للقعدة) و (الاضطجاعة)، وإن روي بالتذكير فلا حاجة إلى ذلك.

стр. 2526

٢٢٧٣ - [١٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٥١٥، د: ٤٨٥٥]. ٢٢٧٤ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٣٨٠]. ٢٢٧٥ - [١٥] وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ، إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤١٢، جه: ٣٩٧٤]. ــ ٢٢٧٣ - [١٣] (عنه) قوله: (وكان عليهم حسرة) (كان) في هذا الحديث والحديث الآتي مروي بالتذكير. ٢٢٧٤ - [١٤] (عنه) قوله: (لم يذكروا) وجاء في الحديث الآخر تقييد الذكر بقوله: (قبل أن يقوم)، وتخصيصه بقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك). وقوله: (فإن شاء عذبهم) أي: على ترك الذكر والصلاة، أو على ما جرى في المجلس مما يوجب الإثم، وإذا ذكر وصلى غفر له، فكانت كفارة له. ٢٢٧٥ - [١٥] (أم حبيبة) قوله: (كل كلام ابن آدم عليه) أي: ضرر عليه (لا له) أي: لا نفع له، وظاهر الحديث يدل على أن المباح أيضًا ضرر عليه، ففيه تشديد ومبالغة، وضرر المباح أنه يحاسَب عليه ويورِث قساوة القلب، وقال بعض الفقهاء في باب

стр. 2527

٢٢٧٦ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤١١]. ٢٢٧٧ - [١٧] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: نَزَلَتْ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِدَهُ؟ فَقَالَ: "أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ٢٧٨، ت: ٣٠٩٤، جه: ١٨٥٦]. ــ الاعتكاف حيث قالوا: ولا يتكلم إلا بخير، والمراد بالخير ما فيه ثواب أو ما ليس عليه عقاب، فتدبر. ٢٢٧٦ - [١٦] (ابن عمر) قوله: (قسوة للقلب) في (القاموس) (١): قَسَا قَلْبُه قَسْوًا وقسوة وقَساوة: صَلُبَ وغَلُظَ. وقوله: (إن أبعد الناس) أي: أبعد قلوب الناس، أو التقدير: ذو القلب القاسي. ٢٢٧٧ - [١٧] (ثوبان) قوله: (لو علمنا أيُّ المال خيرٌ) أي: من غير الذهب والفضة. وقوله: (فنتخذه) بالنصب جوابًا للتمني. وقوله: (أفضله) أي: أفضل المال، ففيه المشاكلة، أو أفضل ما ينفع، ففيه الاستخدام.

стр. 2528

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٢٧٨ - [١٨] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ. قَالَ: آللَّهَ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟ قَالُوا: اللَّهَ مَا أَجْلَسَنَا غَيْرُهُ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لم أسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: "مَا أَجْلَسَكُمْ هَاهُنَا؟ ! قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ آللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا. قَالَ: "آللَّهَ مَا أجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِك؟ " قَالُوا: اللَّهَ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَلِكَ، قَالَ: "أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠١]. ٢٢٧٩ - [١٩] وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ بُسرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ. . . . . ــ الفصل الثالث ٢٢٧٨ - [١٨] (أبو سعيد) قوله: (آللَّه) قد يحذف حرف القسم فينصب بالإيصال، وقد يجر، نحو: اللَّه لأفعلن كذا، ثم أدخل حرف الاستفهام فمد، وقيل: حرف الاستفهام صار بدلًا من حرف القسم فجر به، ويرده جواز النصب بل هو الغالب، والجر شاذ، وإدخال حرف الاستفهام في الجواب بطريق المشاكلة. وقوله: (أقل عنه حديثًا مني) إيذان بعدم النسيان. ٢٢٧٩ - [١٩] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (فأخبرني بشيء أتشبث به) أراد أن يعلمه شيئًا من نوافل الخيرات بعد أداء ما افترض عليه يكون أفضل ما يتمسك به ويستغني

стр. 2529

قَالَ: "لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ غَرِيْبٌ. [ت: ٣٣٧٢، جه: ٣٧٩٣]. ٢٢٨٠ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعِبَادِ أفضَلُ وَأَرْفَعُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمِنَ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَمًا، فَإِنَّ الذَّاكِرَ لِلَّهِ أَفْضَلُ مِنْهُ دَرَجَةً". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ (١). [حم: ٣/ ٧٥، ت: ٣٣٧٣]. ٢٢٨١ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، وَإِذا غفَلَ وَسْوَسَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. [خت: ك: ٦٥، ب: ١١٤]. ــ به عما سواه. ٢٢٨٠ - [٢٠] (أبو سعيد) قوله: (ويختضب دمًا) الظاهر أن الضمير للسيف، ويجوز أن يكون للغازي. وقوله: (فإن الذاكر للَّه أفضل منه) فكيف بغيره. ٢٢٨١ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (جاثم) في (القاموس) (٢): جثم الإنسان والطائر والنعام والخِشف واليربوعُ يجثِمُ ويَجْثُمُ جَثْمًا وجُثومًا، فهو جاثمٌ وجَثومٌ: لَزِمَ مكانَهُ، أو وقع على صَدْرِهِ، أو تَلَبَّدَ بالأرضِ، و (خنس) بمعنى تأخر.

стр. 2530

٢٢٨٢ - [٢٢] وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ كَالْمُقَاتِلِ خَلْفَ الْفَارِّينَ، وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ كَغُصْنٍ أَخْضَرَ فِي شَجَرٍ يَابِسٍ". ٢٢٨٣ - [٢٣] وَفِي رِوَايَةٍ: "مَثَلُ الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ فِي وَسَطِ الشَّجَرِ وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ مَثَلُ مِصْبَاحٍ فِي بَيْتٍ مُظْلِمِ، وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ يُرِيهِ اللَّهُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ حَيٌّ، وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ يُغْفَرُ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ فَصِيحٍ وَأَعْجَمَ". وَالْفَصِيحُ: بَنُو آدَمَ، وَالأَعْجَمُ: الْبَهَائِم. رَوَاهُ رَزِيْنٌ. ٢٢٨٤ - [٢٤] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: مَا عَمِلَ الْعَبْدُ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٧١٧، ت: ٣٣٧٤، جه: ٣٧٩٠]. ٢٢٨٥ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ". . . . . ــ ٢٢٨٢ - [٢٢] (مالك) قوله: (كالمقاتل خلف الفارّين) أي: بعد ما فرّ أصحابه وانهزموا فهو قاهر لجند الشيطان وهم مقهورون. وقوله: (في شجر يابس) منتهى للاحتراق. ٢٢٨٣ - [٢٣] قوله: (وفي رواية: مثل) صحح بكسر الميم وفتحها، والأول أظهر وأوفق، وكذا قوله: (مثل مصباح). ٢٢٨٤ - [٢٤] (معاذ بن جبل) قوله: (من عذاب اللَّه من ذكر اللَّه) (من) الأولى [متعلقة] بمعنى النجاة في (أنجى)، والثانية بمعنى التفضيل فيه. ٢٢٨٥ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (تحركت بي) أي: بذكري، يريد اجتماع

стр. 2531

رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خت: ك: ٩٧، ب: ٤٣]. ٢٢٨٦ - [٢٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "لِكُلِّ شَيْءٍ صَقَالَةٌ، وَصَقَالَةُ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللَّهِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ" قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ". ["الدعوات الكبير": ١٩]. * * * ٢ - كتاب أسماء اللَّه تعالى ــ ذكر القلب واللسان فهو أفضل كما قالوا. ٢٢٨٦ - [٢٦] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (لكل شيء) أي: مما يصدر (صقالة) صقله: جلاه، فهو مصقول وصقيل. وقوله: (ولا أن يضرب بسيفه) وفي رواية: (إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع) كما روي في (الحصن الحصين) (١). ٢ - كتاب أسماء اللَّه تعالى اعلم أن أسماء اللَّه تعالى توقيفية، بمعنى أنه لا يجوز أن يطلق عليه اسم ما لم يأذن به الشرع، وإن كان الشرع ورد بإطلاق ما يرادفه، وإليه ذهب الأشعري، وقالت المعتزلة والقاضي أبو بكر الباقلاني منا: إن ذلك جائز بطريق العقل فيما يجوِّز العقل اتصافه سبحانه به جاز التسمية به إلا ما منع الشرع من ذلك أو أشعر بنقصٍ، وقال

стр. 2532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإمام الغزالي في (المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى) (١): المختار عندنا أن نفصِّل ونقول: كل ما يرجع إلى الاسم فذاك موقوف على الإذن، وما يرجع إلى الوصف فلا يقف على الإذن، بل الصادق منه مباح دون الكاذب. وحاصله الفرق بين التسمية والتوصيف، فالتسمية بما سمى به الشخص نفسه أو سمى به وليه من والديه أو سيده، فاللفظ هو الاسم الموضوع للذات، وذلك -أعني وضع الاسم- تصرف في المسمى ويستدعي ذلك ولاية، ولذلك لو وضع غير هؤلاء اسمًا أنكره المسمى وغضب عليه، فإذا لم يكن لنا أن نسمي إنسانًا -أي: نضع له اسمًا- فكيف نضع للَّه اسمًا ؟ وكذلك في حق الرسول ﷺ ، فزيدٌ مثلًا اسمه زيد وهو في نفسه أبيض وطويل، فلو سماه أحد ودعاه بالأبيض أو الطويل غضب وكره، بخلاف ما لو قال: زيد الأبيض، أو: هو أبيض، هذا خلاصة كلامه، وقد فصّله تفصيلًا كما هو دأبه في توضيح المقاصد وتحريرها. ثم قد اشتهر بين القوم أن العبد قد يتصف بصفات اللَّه ويتخلق بأخلاقه، ويروى أن رسول اللَّه ﷺ قال: (تخلقوا بأخلاق اللَّه). وقوله: (إن للَّه أخلاقًا من تخلق بواحد منها دخل الجنة (٢)). فإن قلت: ظاهر هذا الكلام يشير إلى إثبات مشابهة بين العبد وبين اللَّه سبحانه، لأنه إذا تخلق بأخلاقه كان شبيهًا له، ومعلوم شرعًا وعقلًا أن اللَّه تعالى ليس كمثله شيء، وأنه لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء.

стр. 2533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قلنا: المراد بتخلق العبد بالأخلاق الإلهية: حصول شيء شبيه بها بوجه من الوجوه على ما يناسب حال العبد ويُتصور في حقه كما ستعرفه في أثناء شرح الأسماء، ولا ينبغي أن يظن أن المشاركة في كل وصف توجب المماثلة؛ فإن الضدين بينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون بعدٌ فوقه، وهما يتشاركان في أوصاف كثيرة إذ السواد يشارك البياض في كونه عرضًا، وفي كونه لونًا، وفي كونه مدرَكًا بالبصر، وأمورٌ أُخر، بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية، والفرس يشابه الإنسان في الكياسة، ولا يكون مِثْلًا للإنسان -وإن كان بالغًا في الكياسة- لأنه مخالف له بالنوع، فكون العبد رحيمًا صبورًا شكورًا لا يوجب المماثلة ككونه سميعًا وبصيرًا وعالمًا وحيًّا، وليست صفات العبد مماثلة لصفاته تعالى، بل مشابهة لها بوجه من الوجوه حتى إن الاشتراك ليس إلا لفظيًّا. قال الغزالي: وما تداولته ألسنة الصوفية من كلمات تشير إلى ما ذكرناه، لكن على وجه يوهم عند غير المحصِّل شيئًا من معنى الحلول والاتحاد، وذلك غير مظنون لعاقل فضلًا من المميزين بخصائص المكاشفات؛ فإن معاني الأسماء هي صفات اللَّه تعالى، وصفاته لا تصير صفة لغيره، ولكن معناه أنه يحصل له شيء يناسب تلك الأوصاف، كما يقال: فلان حصَّل علم أستاذه، وعلمُ الأستاذ لا يحصل للتلميذ، بل يحصل له مِثْلُ علمه وشبهه، وإن ظن ظانّ أن المراد به ليس ما ذكرناه فهو باطل، وجملة الأمر أن قول القائل: إن صفات اللَّه تعالى تصير أوصافًا للعبد لا يخلو: إما أن يعنى بها عين تلك الصفات أو مثلها، وإن عني به مثلها فلا يخلو: إما أن يعنى به مثلها مطلقًا من كل وجه، أو مثلها من حيث الاسم أو من وجه المشاركة في عموم الصفات دون خواص المعاني، وإن عني به عينها فلا يخلو: إما أن يكون بطريق انتقال

стр. 2534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصفات من الرب إلى العبد أو لا بالانتقال، فإن لم يكن بالانتقال فلا يخلو: إما أن يكون باتحاد ذات العبد بذات الرب حتى يكون هو هو فيكون صفاته، وإما أن يكون بطريق الحلول، والمجموع خمسة أقسام، والصحيح منها قسم واحد وهو أن تثبت للعبد من هذه الصفات أمور تناسبها على الجملة وتشاركها في الاسم ولكن لا تماثلها مماثلة تامة، هذا محصل كلام الغزالي، وقد أبطل الأقسام الأربعة الباقية بما لا مزيد عليه فانظر ثمة. قال الإمام أبو القاسم القشيري: ومما يجب أن يشتدّ به العناية أن يتحقق العبد أن المخلوق لا يجوز أن يكون متصفًا بصفات ذات الحق تعالى، فلا يجوز أن يكون العبد عالمًا بعلم الحق، ولا قادرًا بقدرته، ولا سميعًا بسمعه، ولا بصيرًا ببصره، ولا باقيًا ببقائه؛ لأن الصفة القديمة لا يجوز قيامها بالذات الحادثة كما لا يجوز قيام الصفة الحادثة بالذات القديمة، وحفظ هذا الباب أصل التوحيد، وإن كثيرًا ممن لا تحصيل له ولا تحقيق زعموا أن العبد يصير باقيًا ببقاء الحق، سميعًا بسمعه، بصيرًا ببصره، وهذا خروج عن الدين وانسلاخ عن الإسلام بالكلية، وربما تعلقوا في نصرة هذه المقالة الشنيعة بما روي في الخبر: (فإذا أحببته كنت له سمعًا وبصرًا، فبي يسمع وبي يبصر) (١)، ولا احتجاج لهم في ظاهره إذ ليس فيه أنه يسمع بسمعي ويبصر ببصري، بل قال: (بي يسمع)، قال النصر آبادي: اللَّه تعالى باق ببقائه، والعبد باق بإبقائه، ولقد حقق ﵀ وحصَّل، وأخذ عن نكتة الباب وفصَّل، هذه عبارته نقلها الطيبي (٢) في آخر الباب، فافهم.

стр. 2535

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٢٨٧ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ للَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا. . . . . ــ ثم إنهم قالوا: معاني سائر الأسماء الحسنى يجوز التخلُّق بها، ويتصور أن يتصف العبد بشيء منها حتى ينطلق عليه الاسم كالرحيم الحليم والصبور والشكور مثلًا، وأما معنى اسم اللَّه فخاص به تعالى لا يتصور فيه مشاركه لا بالمجاز ولا بالحقيقة، فهذا الاسم للتعلق دون التخلق، كذا قالوا، ولا يخفى أن التعلق جاز في كل اسم بأن يعتقد معناه، ويتوجه إليه بصدق الهمة وشراشره، ويستغرق فيه ويستفيض من أنواره وآثاره، ويؤدي فيه حق العبودية، ومع ذلك يتحقق معناه ويتخلق به على وجه عرفت، وأما اسم اللَّه فليس فيه إلا التعلق، ولعل هذا مرادهم مما قالوا، وفي كلامهم إشارة إلى ذلك. الفصل الأول ٢٢٨٧ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إن للَّه تعالى تسعة وتسعين اسمًا) فإن قلت: قد ثبت من مذهب أهل السنة والجماعة أن للَّه تعالى سبع صفات، فكيف بهذه الأسامي الكثيرة، وقد منعوا الترادف، فإن معنى المترادفين واحد، فلا وجه بِعدِّهما اثنين والمقصود هو المعنى؟ فالجواب: أن الصفات وإن كانت سبعة فالأفعال كثيرة، وبهذا الاعتبار تكثر الأوصاف والأسماء، فإن قلت: فما وجه حصر الأسماء في التسعة والتسعين، والأفعال والأوصاف والسلوب أكثر من ذلك؟ . قلنا: قد عرفتَ أن المذهب المختار أن أسماء اللَّه توقيفية، ولعل التوقيف وارد بهذه الأسامي، وهذا الجواب غير مرضي؛ لأن التوقيف وارد بأسامٍ سواها؛ فإنه قد

стр. 2536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وردت في السنة والكتاب أسامٍ كثيرة مما يقرب منها في المعنى ومما لا يقرب مفردات ومركبات، وقد نسبت أفعال إلى اللَّه تعالى نحو: يكشف السوء، ويقذف بالحق، ويفصل بينهم، فلو جوِّز اشتقاق الأسماء لكثرت، وقد روى ابن ماجه مثل هذا الحديث، وقد ذكر فيها أسماء زائدة بالتبديل والاختلاف كما أورده الطيبي (١). وبالجملة الأشبه في كثرة أسماء اللَّه تعالى غير منحصرة في هذا العدد، فقيل: التخصيص بذكر هذا العدد لا ينافي الزيادة، فمن ملك ألف درهم جاز أن يقول: لي تسعة وتسعون درهمًا، وهذا الجواب أيضًا غير مرضي؛ لأن تخصيص العدد بالذكر يُفهم نفي وراء العدد في المخاطبات ظاهرًا. فالجواب الصحيح: أن الحديث الوارد في الحصر يشتمل على قضية واحدة لا على قضيتين، فتنحصر أسماء اللَّه في هذا العدد باعتبار هذه الخاصية المذكورة، وهي أن من أحصاها دخل الجنة، كالملك الذي له ألف عبد مثلًا، فيقول القائل: أن للملك تسعًا وتسعين عبدًا، من استظهرهم لم يقاومه الأعداء، فيكون التخصيص لأجل حصول الاستظهار بهم إما لمزيد قوتهم وإما لكفاية ذلك العدد في دفع الأعداء من غير حاجة إلى زيادة، لا لاختصاص الوجود بهم. ويجوز أن تتفاوت فضيلة أسماء اللَّه تعالى لتفاوت معانيها في الجلالة والشرف وغير ذلك مما يعلمه اللَّه ورسوله، وأما الاسم الأعظم فيجوز أن يكون خارجًا عنها، ويكون المقصود ترغيب الجماهير بإحصاء أسماء يعرفونها، والاسم الأعظم لا يعرفه إلا الأنبياء والأولياء، ويحتمل أن يقال: يعلم اسم اللَّه الأعظم لكنه مبهم لا يعرفه بعينه إلا من شاء اللَّه، واللَّه أعلم.

стр. 2537

مِئَةً إِلَّا وَاحِدَةً (١)، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ". وَفِي رِوَايَةٍ: "وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٩٢، م: ٢٦٧٧]. ــ وقوله: (مئة إلا واحدًا) وفي رواية: (واحدة)، بتأويل الكلمة أو الصفة وهو بدل الكل من قوله: (تسعة وتسعين)، وفائدته التأكيد والمبالغة في المنع عن الزيادة والنقصان لرعاية التوقيف والاحتياط. وقوله: (من أحصاها) أي: حفظها من قلبه كما جاء في رواية أخرى رواها البخاري (٢) في آخر (كتاب الدعوات)، ومنه قولهم: أَكُلّ القرآنِ أحصيت؟ أي: حفظت، وبهذا فسره الأكثرون. وقيل: من علمها وأحاط علمًا بها وآمن بها، وقيل: استخرجها من الكتاب والسنة، وقيل: من أطاق العمل والطاعة بمقتضى كل اسم منها، وهو قريب من معنى التعلق والتخلق، وقيل في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]: أي: تطيقوه. وقيل: معناه: من حفظ القرآن فأحصاها بحفظه للقرآن، وقيل: (أحصاها): وجدها ودعا إليها، وقيل: من أحاط بمعانيها في مدلولاتها معظِّمًا لمسماها ومقدِّسًا لذاته معتبرًا بمعانيها ومتدبرًا راغبًا فيها وراهبًا، أقوال. وقوله: (دخل الجنة) أي: دخولًا أوّليًّا مع المقربين السابقين، و (الوتر) بكسر الواو وفتحها: الفرد، واللَّه تعالى واحد في ذاته لا يقبل التجزي والانقسام، واحد في صفاته لا شِبه له ولا مثل، واحد في أفعاله فلا معين له، والعدد الفرد يشابهه في بعض المعاني من وجه. وقوله: (يحب الوتر) أي: يُثيب عليه، ولهذا روعي الوتر في مواضع كثيرة

стр. 2538

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢٢٨٨ - [٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ للَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا (١)، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه هُوَ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، ــ في الشرع. الفصل الثاني ٢٢٨٨ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (هو اللَّه الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم) كان ظاهر سياق الحديث أن يذكر الأسماء بطريق التعداد من غير إعراب، لكنه ذكرها بطريق التوصيف والإخبار توصيفًا له تعالى بالوحدانية، وإخبارًا عنه بصفات الكمال، وتعليمًا بطريق الإحصاء وذِكْرِ الأسماء ليفيد شوقًا وذوقًا وتيقظًا ولذةً بتوحيد اللَّه وصفاته، وإشعارًا بأن اللَّه اسم للذات، وهذه صفاته، ويحصل في ضمنه التعداد. وقيل: لما ذكر أن للَّه تعالى كذا أسمًا، كأنه قيل: ما ذلك المسمى؟ وما تلك الأسماء؟ فقال: ذلك المسمى هو الذي له هذه الأسماء، فافهم. وكلمة (هو) إشارة إلى الذات المجردة الهوية المطلقة، و (اللَّه) إشارة إلى المرتبة الجامعة للصفات مجملًا، و (الرحمن الرحيم) إلى تفاصيل الصفات واتصاف الذات بها مفصلًا، فهو لاتصال السر، واللَّه لمشاهدة الروح، والرحمن والرحيم لمكاشفة القلب. وللقوم في شرح (هو) كلمات وإشارات عجيبة يضيق عنها نطاق البيان، والَان نشرع في شرح الأسماء بتوفيق اللَّه وكرمه.

стр. 2539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واعلم أن الشارح ﵀ فسرها نقلًا عن كلام القاضي ناصر الدين البيضاوي في (شرح المصابيح) (١) بلا تغيير، وأضاف إليه من كلام الشيخ الإمام الأستاذ أبي القاسم القشيري، فوشّحها بالأشعار اللطيفة والحكايات الغريبة فأفاد وأجاد، ونحن اختصرنا كتاب الإمام العالم الرباني أبي حامد محمد الغزالي، وأضفنا إليه شيئًا قليلًا من الشرح وغيره، فليس لنا مجال أن نتكلم في هذا المقام إلا بالنقل من كلام العلماء الأعلام فنقول -وباللَّه التوفيق-: (اللَّه) اسم للموجود الحق الجامع للصفات الإلاهية المتفرد بالوجود الحقيقي، وكل موجود سواه إنما استفاد الوجود منه، فهو من حيث ذاته هالك، ومن الجهة التي تليه موجود، فكل شيء هالك إلا وجهه، وكل شيء معدوم في ذاته، إلا بوجوده الذي أفاض عليه، وهو عَلَم للذات الواجب الوجود المعبود بالحق غلب عليه باللام كالنجم والصَّعْق، وإله بمعنى المعبود مطلقًا، فهذا الاسم أخذ في مفهومه الجامعيةَ لجميع صفات الكمال، وسائرُ الأسماء لا يدل إلا على آحادها، لا يسمى غيره تعالى به لا حقيقة ولا مجازًا، وسائر الأسماء قد يسمى بها غير اللَّه تعالى ولو مجازًا، ولهذين الوجهين يشبه أن يكون هذا الاسم أعظم هذه الأسماء، ووصف سائر الأسماء كالقادر والمريد بانها أسماء اللَّه تعالى وأضاف إليه، ولا يقال لهذا الاسم: إنه اسمها، ولا يضاف إليها. ومعاني سائر الأسماء يتصور أن يتصف العبد ويتخلق بشيء منها حتى يطلق عليه الاسم، وإن كان إطلاق الاسم عليه على وجه آخر يباين إطلاقه على اللَّه تعالى؛ لأن مفهوم هذا الاسم أنه الموجود الحقيقي الحق، وكل ما سواه فَانٍ وهالكٌ وباطل،

стр. 2540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يمكن اتصاف العبد بذلك، فهذا الاسم للتعلق دون التخلق، فحظ العبد من هذا الاسم التألّه، وأن يكون العبد مستغرق القلب والهمة باللَّه لا يرى غيره، ولا يلتفت إلى ما سواه، ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه، اللهم اجعلنا مستغرقين في بحر ألوهيتك وَالهين، متألهين بك، متوجهين إليك، منقطعين عما سواك، يَا مَنْ كل شيءٍ يرجع إليه، وكل شيء صادر من لديه (١). وقوله: (الرحمن، الرحيم) اسمان مبنيان للمبالغة من الرحمة، والرحمن أبلغ من الرحيم لزيادة بنائه، ولهذا قال صاحب (الكشاف) (٢): لما قال: الرحمن، تناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها، وأردف الرحيم كالتتمة والرديف ليتناول ما دقّ منها ولطُف. والرحمن مختص به تعالى لا يطلق على غيره وصار كالعَلَمِ، وإن كان صفة مشتقة من الرحمة قطعًا، ولهذا ذكر تِلو اللَّه، وجمع معه في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] [فـ]ـكان المفهوم من الرحمن نوعًا من الرحمة هي أبعد من مقدورات العباد دنيا وآخرةً فلا يلزم الترادف.

стр. 2541

الْمَلِكُ، ــ قال الإمام الغزالي (١): الرحمة إفاضة الخير على المحتاجين، وإرادته لهم عناية بهم، والرحمة العامة التي تتناول المستحق وغير المستحق، ورحمة اللَّه تامة عامة، تشمل المستحق وغيره وتعمُّ الدنيا والآخرة، وتتناول الضرورات والحاجات والمزايا الخارجة عنهما، فهو الرحيم المطلق حقًّا، والرحمة عبارة عن رقة مؤلمة تعتري الرحيم فتحركه إلى قضاء حاجة المرحوم، والرب تعالى منزه عنها، وذلك كمال في معنى الرحمة، فإن الرحيم عن رقة وتألم يكاد يريد بفعله دفع ألم الرقة عن نفسه، فيكون قد نظر لنفسه وسعى في غرض نفسه، وذلك ينقص عن كمال معنى الرحمة، وكمال الرحمة أن يكون نظره إلى المرحوم [لأجل المرحوم] لا لأجل استراحة نفسه من ألم الرقة، والعبد لما عرف أنه المنعم الحقيقي المُوْلي للنعم كلها عاجلها وآجلها وجب أن يتوجه بكليته إلى جناب رحمته، ويلتجئ فيما يعنُّ له من الحاجات إليه، ويشغل قلبه بالاستمداد به عن غيره، وهذا وجه التعلق بهذا الاسم والتخلق به: أن يرحم عباد اللَّه، وينظر إلى المعاصي بعين الرحمة دون الازدراء، ويجتهد في إزالة المنكر، ويسعى في سدّ خلة المحتاجين بقدر وسعه وطاقته عناية بهم وإرادة الخير لهم، فظهر بما ذكرنا أن التعلق والتخلق كليهما جاز في الأسماء، وهكذا نشير في سائر الأسماء وإن لم يذكر، فلا تنس أنت ذلك واعتبر، واللَّه الموفق، اللهم يا رحمن يا رحيم ارحمنا، وأفض علينا جلائل نعمك ولطائفها، واجعلنا متعلقين بذيل رحمتك، واجعلنا مظهر رحمتك لعبادك يا أرحم الراحمين. وقوله: (الملك) ذو الملك والقدرة على التصرف في الأشياء بالإيجاد والإعدام

стр. 2542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والإماتة والإحياء، وقالوا: هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويَحتاج إليه كلُّ موجود، بل لا يستغني عنه شيء في شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في وجوده ولا في بقائه، فكل شيء سواه فهو له مملوك، وإليه محتاج، وهو مستغنٍ عن كل شيء، متفردٌ بتقديره وتدبيره، ليس لحكمه مرد فهو الملك المطلق، والملك أبلغ وأخص من المالك إذ كلُّ ملكٍ مالكٌ من غير عكس، فإذا عرف العبد أن ما سواه مفتقر إليه مسَخّر لحكمه وقضائه وجب أن يتعلق بجناب قدرته وتصرفه، ويستغني عن الناس رأسًا، ولا يُظهر احتياجه إليهم قطعًا، ولا يخاف ولا يرجو أحدًا سواه، والتخلق بهذا الاسم أن يتصرف في مملكة نفسه وقلبه وقالبه حتى يملك جوارحه وقواه كلها ويطيعونه. قال الإمام الغزالي (١): فمن ملكها ولم تملكه، وأطاعته ولم يعطها، فقد نال درجة الملك في عالمه، فإن انضم إليه استغناؤه عن كل الناس، واحتاج الناس كلهم إليه في حياتهم العاجلة والآجلة، فهو الملك في عالم الأرض، وذلك رتبة الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، فإنهم استغنوا في الهداية إلى الحياة الآخرة عن كل أحد إلا عن اللَّه تعالى، واحتاج إليهم كل أحد، ويليهم في هذا الملك العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وإنما ملكهم بقدر قدرتهم على إرشاد العباد، واستغنائهم عن الاسترشاد، قيل لبعض الشيوخ: أوصني فقال: كن ملكًا في الدنيا [تكن ملكا في] الآخرة، معناه: اقطع حاجتك وشهوتك عن الدنيا، فإن الملك في الحرية والاستغناء، انتهى. اللهم يا مالك الملك تؤتي الملك من تشاء أعطنا من ملكك، وملّكنا في مملكتك، وارزقنا بقدرتك التصرف في نفوسنا وقلوبنا، وأعنّا حتى يطيعنا جميعُ جوارحنا وقوانا،

стр. 2543

الْقُدُّوسُ، ــ واقطع حاجاتنا وشهواتنا عن الدنيا وما فيها، واجعلنا من ملوك الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. وقوله: (القدوس) من القدس، وهو الطهارة والنزاهة من سمات النقص ولوازم الحدوث، بل المنزه عن كل وصف يدركه حس، أو يتصوره خيال، أو يسبق إليه وهم، أو يحيط به عقل، أو يختلج به ضمير، أو يفضي به تفكير، وقال بعض العارفين: إن تنزيهه تعالى من العيوب والنقائص يكاد يقرب من سوء الأدب، فليس من الأدب أن يقول قائل: مَلِكُ البلد ليس بحائكٍ ولا حجام، بل يقول: هو منزه من كل وصف من أوصاف الكمال الذي يظنه الخلق كمالًا، فإنهم ما فهموا الكمال والنقص إلا من معرفة صفاتهم وأضدادها، فغاية ثنائهم على اللَّه سبحانه أن يصفوه بما عرفوا من معاني صفاتهم وينزّهوه عن أضدادها، واللَّه تعالى كما هو منزّه عن أوصاف نقصهم كذلك منزه عن أوصاف كمالهم، بل كل صفة يتصورها الخلق فهو مقدس عنها وعما يشبهها ويماثلها، ونصيب العبد من هذا الاسم أن يتحقق أنه لا يحق الوصول إلا بعد العروج من عالم الحسِّ والخروجِ عن الحظوظ الجسمانية، وتصفية القلب وتنزيه الباطن عن كل ما سوى الحق. قال الإمام الغزالي (١): قُدُس العبد أن ينزه إرادته وعلمه، أما علمه فينزهه عن المتخيلات والمحسوسات والموهومات وكلِّ ما يشاركه فيها البهائم من الإدراك، ويكون تردّد نظره وتطواف فكره حول الأمور الإلهية الكلية المتعلقة بالمعلومات الأزلية الأبدية دون الشخصيات المتغيرة، ويقتني من العلوم ما لو سلبت آلة حسه وتخيله بقي ريَّانًا بالعلوم، وأما إرادته فينزهها عن أن تدور حول الحظوظ البشرية التي ترجع

стр. 2544

السَّلَامُ، ــ إلى لذة الشهوة والغضب، بل لا يبقى له حظ إلا في اللَّه، ولا يكون له شوق إلا إلى لقاء اللَّه، ولا فرح إلا في القرب من اللَّه، اللهم قدِّسنا عن كل صفة رديئة، وطهِّر ظواهرنا وبواطننا عن الركون إلى ما سواك، حتى لا يبقى لنا حظ إلا فيك، ولا شوق إلا إلى لقائك، ولا فرح إلا في القرب منك، آمين. وقوله: (السلام) مصدر نُعِتَ به، وهو الذي يسلم ذاته عن العيب، وصفاته عن النقص، وأفعاله عن الشر، أي: الشرِّ المطلق المراد لذاته، لا لخيرٍ حاصلٍ في ضمنه أعظم منه، فأفعال اللَّه تعالى سالمة عن الشر؛ لأنه رحيم يريد الخير للمرحوم، وليس في الوجود شر إلا وفي ضمنه خير، ولو رفع الشر لبطل الخير الذي في ضمنه، وحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي يتضمنه، فاليد المتآكلة قطعها شر في الظاهر، وفي ضمنها الخير الجزيل وهو سلامة البدن، والمراد الأولُ السابقُ إلى نظر القاطع: السلامة التي هي خير محض، فلذلك قال: (سبقت رحمتي على غضبي)، فالسلامة مطلوب لذاتها، والقطع مطلوب لغيره، فالخير مقضي بالذات والشر مقضي بالعَرَض. قال الإمام الغزالي (١): وإن خطر ببالك نوع من الشر لا ترى تحته خيرًا، أو خطر لك أنه كان تحصيل ذلك الخير ممكنًا لا في ضمن الشر، فاتَّهم عقلك القاصر في [أحد] الخاطرين، أما الأول: فإنك فيه مثل الصبي الذي يرى الحجامة شرًّا محضًا، ومثل الغبي الذي يرى القتل قصاصًا شرًا محضًا، وأما الثاني: فإنه دقيق غامض يقصر عنه الأكثرون، وتحته سِرٌّ يمنع عن إفشائه فاقنع بالإيماء، ولا تطمع في الإفشاء، انتهى.

стр. 2545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولعل ذلك السر الذي يمنع عن إفشائه: أنه لابد حينئذٍ أن يبين أنه لا بد من وجود الشر، ولا يكون خير محض لا يكون في ضمن الشر، ويتوهم من ذلك عدم قدرة الحق سبحانه على إيجاد الخير بدون الشر يكون الخير في ضمنه، ويتوهم أن إيجاد الشر شر وإن كان في ضمنه خير، والكمال إيجاد الخير المحض لا في ضمن الشر، وحله: أن ذلك مقتضى الصفات القهرية، فلا بد من ظهورها، والكمال المطلق الاتصافُ بكلا النوعين من الصفات اللطيفة والقهرية، والجمالية والجلالية، وهو ذو الجلال والإكرام، وإن يظهر آثار كل منها فلا بد أن تقع تلك الشرور الظاهرة، ولكن لطفه ورحمته سابقة على غضبه وقهره، فالسابق في الإرادة أولًا وبالذات الخير الذي في ضمنها، وليس هذا سر يمنع في الشرع ذكره، فإن صاحب الشرع يقول: الخير والشر كلاهما مخلوق اللَّه، ولكن مقتضى رحمته أن في ضمن الشر الخير، واللَّه أعلم. وقال الطيبي (١) في الفرق بين القدوس والسلام: إن القدس يدل على براءة الشيء عن نقص يقتضيه ذاته وطهارته في نفسه، ولذا جاء الفعل منه على باب كرُم وشرف، والسلام يدل على نزاهته عن نقص يعتريه لعروض آفة، وقد قيل: القدوس فيما لم يزل، والسلام فيما لا يزال، وهذا قريب من الأول. هذا وقد يُجعل بمعنى المسَلِّم على المؤمنين كما قال: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. قال الإمام (٢): وكل عبد سَلِم عن الغش والحقد والحسد وإرادة الشر قلبُه، وسلم من الآثام والمحظورات جوارحُهُ، وسلم عن الانتكاس والانعكاس صفاته، فهو الذي

стр. 2546

الْمُؤْمِنُ، ــ يأتي اللَّه بقلب سليم، وهو السلام من العباد والمشرف بالقرب من جناب الإسلام المطلق الذي لا مثنوية في وصفه، والمراد بالانتكاس في صفاته أن يكون عقله أسِيرَ شهوته وغضبه، والحق عكسه، وهو أن تكون الشهوة والغضب أسير العقل وطوعَه، فإذا انعكس فقد انتكس، ولا سلامة حيث يكون الأمير مأمورًا والملك عبدًا، ولن يُوصف بالسلام والإسلام إلا من سلم المسلمون من يده ولسانه، اللهم أنت السلام ومنك السلام، حيِّنا ربنا بالسلام، واجعلنا سالمين عن الانتكاس والانعكاس حتى نأتيك بقلب سليم. وقوله: (المؤمن) مفيد الأمن للبَرِيَّة بخلق أسباب الأمان والآلة؛ كالأعضاء والحواس، وسائر الأسباب من الأغذية والأدوية والبيوت والحصون والأسلحة والجنود والأعوان والأنصار، والعبد في أصل فطرته هو عرضة المخاوف والمهالك من الجوع والعطش والأمراض والأعداء وسائر الآفات، فإذا خلق تلك الأسباب فقد آمنهم منها، هذا في الدنيا، وآمنهم من آفات الآخرة بكلمة التوحيد حيث قال: (لا إله إلا اللَّه حِصني فمن دخل حِصني أَمِنَ عذابي)، بل هو حصن من آفات الدنيا والآخرة، وهذا في ذوي الأرواح، وكذلك في ما سواهم ربط بقاءها بأسباب توجب أمانها من الهلاك والعدم. والكل عرضة لذلك، فلا أمن في العالم إلا وهو مستفاد بأسباب هو متفرد بخلقها، والهدايةِ إلى استعمالها، فهو المؤمن المطلق، ومن جملة إفادة الأمن ما لقّنهم خاصة من الحجج والبراهين على صدق الدين وأنوار اليقين بحفظ الإيمان وتأييدات التوفيق للحفظ والعصمة عن المعاصي، وقد يُجعل المؤمن بمعنى: مصدّق رسله بكلامه وبخلق المعجزات. ومن حق العبد إذا عرف أن اللَّه تعالى هو المؤمن أن يلتجئ إليه ويستأمن به

стр. 2547

الْمُهَيمِنُ، ــ من جميع الآفات الظاهرة والباطنة، والتخلقُ به: أن يأمن الخلق جانبه، ويعضدهم في دفع الهلاك عنهم في دينهم ودنياهم، وأحق العباد باسم المؤمن من كان سببًا لأمن الخلق من عذاب اللَّه، بالهداية إلى طريق الحق والإرشاد إلى سبيل النجاة، وهذه حرفة الأنبياء والعلماء. واعلم أن اللَّه تعالى كما هو مؤمن يخلق أسباب الأمن، كذلك هو مخوفٌ يخلق أسباب الخوف، وكونه مَخُوفًا لا يمنع كونه مؤمنًا، كما أن كونه مُعزًّا لا ينافي كونه مذِلًّا، ولكن المخوف لم يَرِدْ به التوقيف. اللهم آمنا من عذابك ومن جميع الآفات الظاهرة والباطنة، واجعلنا سببًا لأمان خلقك في الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. وقوله: (المهيمن) الرقيب المبالغ في المراقبة والحفظ، يقال: هيمن على كذا: صار رقيبًا عليه وحافظًا، كذا في (القاموس) (١)، والفرق بينه وبين الرقيب لما فيه من المبالغة ما ليس في الرقيب. وقال الغزالي (٢): معناه في حق اللَّه تعالى أنه القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وإنما قيامه عليهم باطِّلاعه واستيلائه وحفظه، فكل مشرفٍ على كنه الأمر مستولٍ عليه حافظ له فهو مهيمن عليه، ولن يجتمع ذلك على الإطلاق والكمال إلا للَّه ، وينبغي للعبد إذا عرف أن اللَّه تعالى مهيمن ورقيب على أحواله الظاهرة والباطنة أن يراقب هذا المعنى فيها فيكون مستحيًا من اللَّه. وهذا المعنى يسمى مراقبة في لسان القوم، والتخلق به أن يراقب قلبه ويشرف

стр. 2548

الْعَزِيزُ، ــ على أغواره وأسراره، ويستولي على تقويم أحواله وأوصافه، ويقوم بحفظه على مقتضى تقويمه، فإذا فعل ذلك صار مهيمنًا بالنظر إلى نفسه، فإن اتسع إشرافه واستيلاؤه حتى قام بحفظ عباد اللَّه على نهج السداد كان حظه من هذه الصفة أوفر وأتم، اللهم يا من هو الرقيب الناظر المطلَّع على السرائر والضمائر اجعلنا مراقبين بعلمك ونظرك إلى أحوالنا في الباطن والظاهر، ووفقنا لمراقبة أحوال قلوبنا وتقويمها على نهج الاستقامة، واجعلنا مهيمنين على نفوسنا وتزكيتها عما يوجب الملامة والغرامة، وقائمين بحفظ العباد على نهج السداد والرشاد. وقوله: (العزيز) الغالب، ومرجعه إلى القدرة المتعالية عن المعارضة، والقوي الشديد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]، أو عديم المثل، والعزيز كثير استعماله في هذه المعاني. وقال الإمام الغزالي (١): هو الخطير الذي يقل وجود مثله، وتشتد الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، فما لم يجتمع فيه هذه المعاني الثلاثة لم يطلق عليه اسم العزيز، فكم من شيء يقل وجوده لكن إذا لم يعظم خطره ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزًا، وكم من شيء يعظم خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره، ولكن [إذا] لم يصعب الوصول إليه لا يسمى عزيزًا؛ كالشمس والأرض لا نظير لهما، وفي كل واحد منهما نفع عظيم، والحاجة شديدة إليهما ولكن لا يوصفان بالعزة؛ لأنه لا يصعب الوصول إلى مشاهدتهما، وليست هذه الصفات الثلاث على الكمال إلا للَّه، فهو العزيز المطلق لا يوازيه فيه غيرُه، انتهى.

стр. 2549

الْجَبَّارُ، ــ ومن عرف أن اللَّه هو العزيز من شأنه أن لا يعتقد لمخلوق عزة وإجلالًا، ولا يطلب العزّ إلا في طاعته وخدمته، والتخلق للعبد فيه أن يغلب على نفسه [و] هواها، ويشتد قوته وصولته عليها، ولا يذلها ولا يستهنيها بالمطامع والسؤال عن الناس والافتقار إليهم، بل يسعى أن يصير بحيث يعظم خطره، ويشتد إليه احتياج الناس في الإرفاق والإرشاد، ويصير قليل المِثْل بل عديمَه، ويصعب الوصول إليه وإلى معرفة كنه حاله. قال الإمام الغزالي (١): العزيز من العباد من يحتاج إليه خلق اللَّه في أهم أمورهم، وهي الحياة الأخروية والسعادة الأبدية، وذلك مما يقلُّ لا محالة وجوده ويصعب إدراكه، وهذه رتبة الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، ويشاركهم في العزة من ينفرد بالقرب من درجتهم كالخلفاء وورثتهم من العلماء، انتهى. وأقول: وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك، واجعلنا غالبين على النفس بكسر شهواتها عزيزًا في الدنيا والآخرة، إنك أنت العزيز الحكيم. وقوله: (الجبار) المبالغ في الجبر، والجبر يجيء بمعنى الإصلاح وبمعنى القهر، وقد يستعمل بمعنى العلوّ، يقال: نخلة جبارة، للباسقة التي لا تنالها الأيدي، فمعنى الجبار: المصلح لأمور العباد، والمتكفل بفضله لمصالحهم، أو الحامل للعباد على ما يشاء، لا انفكاك لهم عما شاء، أو المتعالي أن يناله كيد الكائدين، ويؤثر فيه قصد القاصدين، وبالنظر إلى المعنيين الأخيرين قال الغزالي: هو الذي ينفّذ مشيئته على

стр. 2550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [سبيل] الإجبار في كل أحد، ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، الذي لا يخرج أحد عن قبضته، وتقصر الأيدي دون حمى حضرته، والجبار من العباد من ارتفع عن الأتباع، ونال درجة الاستتباع، وتفرد بعلوّ رتبته بحيث يُجْبِرُ الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به، ومتابعته في سَمْته وسيرته، فيفيد الخلق ولا يستفيد، ويستتبع ولا يتبع، ولا يشاهده أحد إلا ويفنى عن ملاحظة نفسه، ولا يطمع [أحد] في استتباعه، وإنما حظي بهذا الوصف سيد البشر ﷺ حيث قال: (لو كان موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعي) (١)، انتهى. وهذا إشارة إلى بيان التخلق بهذا الاسم، وتفصيلُه: أن يُقبل العبد على نفسه، فيَجْبُرَ نقائصها باستكمال الفضائل، ويَحملَها على ملازمة التقوى، والمواظبةِ على الطاعة، ويترفع عما سوى الحق غيرَ ملتفت إلى الخلق، فلا يتأثر عن تعاور الحوادث وتعاقب النوازل عن الخلق ونزول الحوادث، بل تقوى على التأثير في الأنفس والآفاق بالإرشاد والإصلاح، وإذا عَرَفَ أن اللَّه هو مصلح الأحوال وجابر القلوب فلا يتوجه إلا إليه، ويكون دائمًا منكسر القلب ملتجئًا إليه تعالى، وإذا عرف أنه الجبار الحامل للعباد على ما يشاء لا محيص لهم عما يشاء يكون راضيًا بفعله، ومستسلمًا لإرادته، قانتًا عن حوله وقوته، وتاركًا لتدبيره واختياره، ومن عرف أنه لا تناله الأيدي بعلوّ قدره يتحقق أنه لا سبيل إليه إلا بفضله وكرمه، ولا وصول إليه إلا بإيصاله وتقريبه، اللهم يا مصلح الأحوال ويا جابر القلوب المنكسرة أصلح أحوالنا، واجبر كسر بالنا، واجعلنا راضين بفعلك مسلمين لإرادتك، وأوصلنا إلى علوّ جنابك، فلا وصول إليك إلا بفضلك وكرمك، إنك على كل شيء قدير.

стр. 2551

الْمُتكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، ــ وقوله: (المتكبر) هو الذي يرى غيره حقيرًا بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى الكبرياء إلا لنفسه، فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبد، ولا يصح ذلك إلا على الكبير على الإطلاق حقًّا، وهو اللَّه تعالى ، ومن عرف كبرياء الحق وعلوَّ قدره لازَم طريق التواضع، وسلك سبيل التذلل. والتخلق فيه: أن يَستحقِرَ كل شيء سوى الوصول إلى جناب القدس من مستلذات الدنيا والآخرة، ويترفَّع عن الركون إلى الشهوات والسكون إلى الدنيا وزخارفها بملاحظة علو شأن الإنسانية، وارتفاع قدرها، لا لتعظيم نفسه وذاته، اللهم صغر الدنيا بأعيننا، وعظم جلالك في قلوبنا، وذللنا عند مشاهدة كبريائك وعظمتك، وكبرنا عند ملاحظة المتكبرين، وصغرنا مع المساكين والمنكسرين. وقوله: (الخالق، البارئ، المصور) قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة، فإن الكل يرجع إلى الخلق والاختراع، وليس كذلك، فإن الخلق هنا بمعنى التقدير، والبرء بمعنى الإيجاد، والتصوير إعطاء الصورة، وكلُّ ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى التقدير أولًا، وإلى الإيجاد ثانيًا، وإلى التصوير ثالثًا؛ كالبناء مثلًا، فاللَّه تعالى خالق من حيث إنه مقدِّر، وبارئ من حيث إنه مخترع موجد، ومصوِّر من حيث إنه مرتب صور المخترعات، وهذا ظاهر في أجزاء العالم كالإنسان وسائر الحيوانات والنباتات والجمادات وأجزائها وأعضائها، بل العالم كله في حكم شخص واحد من أجزاء وأعضاء، قد رتبت أجزاؤه ترتيبًا محكمًا، وصورت صورة بديعة، وفي جميع ذلك حِكَم ومصالح تُحَيِّر الناظر المتأمل فيها قائلا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وينبغي أن يُديم هذا النظرَ حتى يحصِّل مشاهدة الصانع بحيث يصير كلما نظر إلى شيء وجد اللَّه عنده.

стр. 2552

الْغَفَّارُ، ــ قال الإمام الغزالي (١): حظ العبد من اسم المصور بأن يحصِّل في نفسه صورة الموجود كله على هيئته وترتيبه حتى يحيط بهيئة العالم كله، كأنه ينظر إليها، ثم ينزل من الكل إلى التفاصيل من الجسمانيات والروحانيات، وبذلك يستفيد العلمَ بمعنى اسم المصور، ويصير أيضًا باكتساب الصورة في نفسه كأنه مصوِّر وإن كان على سبيل المجاز، فإن تلك الصور العلمية إنما تحدث فيه على التحقيق بخلق اللَّه تعالى واختراعه لا بفعل العبد، ولكنْ للعبد سعيٌّ في التعرض لنفحات اللَّه وفيضانه. وكذلك اسم الخالق والبارئ لا مدخل للعبد أيضًا فيهما إلا بنوع من المجاز بعيدٍ، ووجهه: أن الخلق والإيجاد يرجع إلى استعمال القدرة بموجب العلم، وقد خلق اللَّه تعالى له علمًا وقدرة، وله سبيل إلى تحصيل مقدوراته على وفق تقديره وعلمه، وهي التي ترجع إلى أعمال العباد كالصناعات والسياسات والعبادات، وإذا بلغ العبد في مجاهدة نفسه [مبلغًا] ينفرد [فيه] باستنباط أمور لم يُسبق إليها [كان كالمخترع لمَا لم يكن له وجود من قبل]. ومن أسماء اللَّه تعالى ما يكون نقلها إلى العبد مجازًا وهو الأكثر، ومنها ما يكون في حق العبد حقيقةً وفي حق اللَّه مجازًا، كالصبور والشكور، ولا ينبغي أن تُلاحظ المشاركة في الاسم، ويُذهَل عن هذا التفاوت العظيم الذي ذكرناه، انتهى. وقوله: (الغفار) الغفر: الستر، واللَّه تعالى ساتر القبيح ومظهر الجميل، والذنوب من جملة القبائح التي سترها بإرسال الستر عليها في الدنيا، والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة، ومن جملة ستره على العبد أن جعل مقابح بدنه التي تستقبحها الأعين مستورة

стр. 2553

الْقَهَّارُ، الْوَهَّابُ، ــ في باطنه مغطّاة بجمال ظاهره، وأن جعل مستقرَّ خواطره المذمومة وإرادته القبيحة سرّ قلبه حتى لا يطلع أحد على سر، ولو انكشف للخلق ما يخطر بباله في مجاري وسواسه وما ينطوي عليه ضميره من القبائح لَمَقتوه وأهلكوه، وقد علم بما ذكر أن معنى الغفار والستار واحد، ولكن ليس في هذه الرواية اسم الستار، فلا يحتاج إلى ذكر الفرق بينهما، ولو كان مذكورًا لحملنا الغفار على مغفرة الذنوب، والستارَ على ستر العيوب: ووجه التخلق بهذا الاسم ظاهرٌ وهو أن يستر عن غيره ما يجب أن يُستر منه، ولا يكافئَ على الإساءة، ولا يُظهر من الخُلق إلا ما هو أحسن منه، اللهم إنك قد سترت علينا المعصية فاسترها عنَّا، وأرسل أستار حفظك بيننا وبين المعاصي حتى لا يجيء إلينا، فهذا هو الستر القوي والفضل العظيم. وقوله: (القهار) الذي قصم ظهور الجبابرة وأذلهم وأهلكهم، والذي طاحت عند صولته صولة المخلوقين، بل لا موجود إلا وهو مقهور تحت قدرته مسخر لقضائه عاجز في قبضته، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، ومَن عَرف أنه القهار خشي بغتاتِ مكره وفجاءةَ قهره، فيكون خائفًا وَجِلًا ملتجئًا إلى جناب لطفه وكرمه، [و] القهار من العباد من قهر أعداءه من الجن والإنس والشياطين، وسدّ مداخلهم حتى لا يُخرجوه عن سلوك طريق الحق، وأعدى عدوِّه نفسُه التي بين جنبيه، اللهم سخّر لنا أعداءنا، وذلّلهم واقهرهم، وسخّر لنا نفوسنا حتى تصير مطيعة لأمرك، ومستسلمة لحكمك، ومطمئنة بذكرك، إنك على كل شيء قدير. وقوله: (الوهاب) كثير الهبة، دائم العطاء، والهبة الحقيقية هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإن المعطي لغرضٍ مستعيضٌ وليس بواهب، وهو بمعنى

стр. 2554

الرَّزَّاقُ، ــ الجواد، لكنه لم يَرِدْ في هذه الرواية، ولن يتصور الجود والهبة حقيقةً إلا من اللَّه تعالى؛ فإنه الذي يعطي كل محتاج ما يحتاج إليه وأكثر وأزيَد من ذلك، لا بعوضٍ ولا لغرضٍ عاجل ولا آجل، والعبد إذا عرف أن اللَّه تعالى هو الوهّاب يرجو ويسأل من فضله، ولا يرجو غيره ولا يسأل من غيره، ولا يتوقع إلا من اللَّه. وأما التخلق بهذا الاسم فلا يتصور من العبد الجود والهبة الحقيقية؛ فإنه ما لم يكن الفعل أولى عنده من الترك لم يقدم عليه، فيكون فعله لغرض نفسه، لكن الذي يبذل جميع ما يملكه حتى الروحَ لوجه اللَّه تعالى فقط، لا للوصول إلى نعيم الجنة، أو الحذر من عذاب النار، أو لحظٍ عاجلٍ أو آجل مما يعدّ من حظوظ البشرية، فهو جدير بأن يسمى وهّابًا وجوادًا، ودونه الذي يجود لينال نعيم الجنة، ودونه من يجود لينال حسن الأحدوثة، وقد فصَّل الإمام هذا الكلام تفصيلًا في (المقصد الأسنى) (١) فليُنظر ثمة. ولا يكمل معنى الهبة والجود لعبد من عباد اللَّه إلا لسيد البشر ﷺ ، فإنه أعطى وأنعم بإذن اللَّه تعالى من غير غرض ولا لعوض، بل لمحض امتثال أمر اللَّه، وكذلك سائر الأنبياء والمرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، يا وهاب هب لنا من لدنك رحمة، وهَيِّئْ لنا من أمرنا رشدًا، إنك أنت الوهاب. وقوله: (الرزاق) خالق الأرزاق وأسبابِها، وموصلُها إلى العباد، والأرزاق قسمان: محسوسة ومعقولة، فالمحسوسة للأبدان، والمعقولة للقلوب، وقد قسمها بين عباده ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]،

стр. 2555

الْفتَّاحُ، ــ ومن عرف أن اللَّه هو الرزاق فلا ينتظر الرزق ولا يتوقعه إلا منه، فيكِلُ أمره إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وأما التخلق به فبأن يجعل يده خزانة أرزاق الأبدان، ولسانَه خزانة أرزاق القلوب، فيكون واسطة بين الرب تعالى وعباده في وصول الأرزاق الجسمانية والروحانية بصرف المال والإرشاد والتعليم ودعاء الخير وغير ذلك، ومن رزق ذلك نال حظًا وافرًا من هذا الاسم، اللهم ارزقنا رزقًا واسعًا من فضلك وكرمك، رزقًا لا ينفد ولا يزول، واجعلنا سبب إرزاقك لعبادك الصالحين، أنت الرزاق ذو القوة المتين. وقوله: (الفتاح) الفتح ضد الغلق، فالفتاح هو الذي يفتح خزائن الرحمة على أصناف البرية، وقيل: معناه: الحاكم بين الخلائق، من الفتح بمعنى الحكم، قال اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: احكم، وقال: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]؛ لأن الحكم فتح الأمر المغلق بين الخصمين، وقيل: هو مبدع الفتح والنصر، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]. وقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، وقيل: الفتاح الذي فتح قلوب المؤمنين بمعرفته، وفتح على العاصين أبواب مغفرته، وبالجملة هو اسم جامع لفتح أبواب الخيرات وإفاضة أنواع البركات. وقال الإمام الغزالي (١): هو الذي ينفتح بعنايته كلُّ منغلِق، وبهدايته ينكشف كل مشكل، فتارة يفتح الممالك لأنبيائه ويخرجها من أيدي أعدائه، ويقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، وتارة يرفع الحجاب عن قلوب أوليائه، ويفتح لهم الأبواب

стр. 2556

الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، ــ إلى ملكوت سمائه وجمال كبريائه، ويقول: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]، ومَنْ بيده مفاتيح الغيب ومفاتيح الرزق فبالحري أن يكون فتّاحًا، ومن عرف أنه الفتاح فأدبه أن يجلس على باب كرمه بحسن الرجاء منتظرًا لفتحه، ويكون دائم الترقب لحصول فضله، ومتطلعًا لنيل كرمه، تاركًا للاستعجال، ساكنًا تحت جريان الحكم، والتخلق [به]: أن يكون يسعى في الفصل بين الناس، وانتصار المظلومين، وفتحِ ما يتغلَّق على الخلق، وتيسير ما يتعسر عليهم من الأمور الدينية والدنيوية، ويكون بلسانه بحيث ينفتح مغاليق المشكلات العلمية والمعارف الإلهية. اللهم افتح علينا أبواب فضلك ورحمتك، واجعلنا حاكمين على أنفسنا بإيضاح الحق وإدحاض الباطل، واجعل ألسنتنا مفاتيح أبواب المعارف، وأيدينا خزائن الأرزاق، إنك أنت الفتاح على الإطلاق. وقوله: (العليم) بناءُ مبالغةٍ من العلم، وعلمه تعالى محيط بجميع المعلومات ظاهرها وباطنها، دقيقها وجليلها، أولها وآخرها، عاقبتها وفاتحها، وليس علمه مستفادًا من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة منه، وسابق على الأشياء وسبب لها، وعلم العباد بخلاف ذلك، وحظ العبد أن يكون مشغوفًا بتحصيل العلوم الدينية خصوصًا المعارف الإلهية منها المتعلقة بذاته وصفاته، فإن شرف العلم بشرف معلومه، وأشرف المعلومات ذات اللَّه وصفاته، بل العلم بسائر الأشياء إنما تشرف لأنها معرفة لأفعال اللَّه تعالى، أو معرفة إلى معرفة القرب منه، وكل معرفة خارجة منها فليس لها شرف، اللهم ارزقنا علمًا نافعًا وزدنا منه، وعلمنا من لدنك علمًا علمته عبادك المقربين، إنك أنت العليم الحكيم. وقوله: (القابض، الباسط) يقبض الرزق على من يشاء، ويبسط لمن يشاء، حسيًّا

стр. 2557

الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، ــ أو معنويًّا، ويقبض الأرواح عن الأشباح عند الإماتة، ويبسط الأرواح -أي ينشرها فيها- عند الإحياء، ويمكن أن يعتبر ذلك في النوم والاستيقاظ، ويقبض القلوب فيضيقها بما يكشف لها من صفات جلاله، [و] يبسطها بصفات جماله. وقيل: يقبض الصدقات عن الأغنياء، ويبسط الأرزاق للفقراء. ومن عرف اللَّه أنه القابض والباسط رأى القبض عدلًا منه فيصبر، والبسطَ فضلا منه فيشكر عليه. قال الإمام الغزالي (١): القابض والباسط من العباد من يبسط قلوب العباد بما يبشرهم به من آلاء اللَّه ونعمائه، ويقبضها بما ينذرهم بها من جلال اللَّه وكبريائه، وفنون عذابه وبلائه، وقيل: يكون ذا قبض وضنَّةٍ على الأسرار الإلهية على غير أهلها، وبسطُه إفاضة لها على أهلها. وللقوم كلام في معنى القبض والبسط وآدابهما، وقد أوردت منه في شرح (فتوح الغيب) لسيدنا ومولانا القطب السامي محي الدين عبد القادر الجيلاني ﵀ ناقلًا من كلام السيد الأستاذ القطب أبي الحسن الشاذلي على ما نقله الشيخ الولي العارف باللَّه علي المتقي ما لا يُرى ذلك التفصيل في كتبهم فعليك بها. اللهم ألهمنا من علومك بدائع الحكم، وأعطنا جوامع الكلم، نذكِّر عبادك بها، فنبسط قلوبهم ونقبضها بالبشارات والنذارات، بأوضح العبارات وأدق الإشارات، وأنت القابض الباسط. وقوله: (الخافض، الرافع) يخفض الكفار بالإشقاء، ويرفع المؤمنين بالإسعاد، ويرفع أولياءه بالتقريب، ويخفض أعداءه بالإبعاد، وقيل: يخفض القسط ويرفعه،

стр. 2558

الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، ــ ولما عرف العبد أن اللَّه تعالى هو الخافض والرافع التجأ إليه واستعاذ به أن يخفضه ويجاوره الأشقياء، ودعا وسأله أن يرفعه ويرزقه مصاحبة السعداء. وحظ العبد من ذلك: أن يخفض الباطل ويرفع الحق، ويعاديَ أعداء اللَّه ليخفضهم، ويواليَ أولياء اللَّه ليرفعهم، ومن أفضل الأعمال الحبُّ للَّه والبغض للَّه، كما ورد في الكلام القدسي: (أما زهدك في الدنيا فقد استعجلت به راحة [نفسك]، وأما ذكرك إياي فقد تشرفت بي، فهل واليت لي وليًّا؟ وهل عاديت لي عدوا؟ (١)). اللهم ارفعنا ولا تخفضنا، وانصرنا ولا تخذلنا، وأعطنا ولا تحرمنا، لنرفع الحق وأهله، ونخفض الباطل وحزبه، يا ناصر يا معين يا حق يا مبين. وقوله: (المعز، والمذل) يعز من يشاء، ويذل من يشاء، قال الغزالي (٢): هو الذي يؤتي الملك من يشاء ويسلبه عمن يشاء، والعز الدائم والملك الحقيقي في الخلاص عن ذل الحاجة وأسر النفس وقهر الشهوة ووصمة الجهل، فمن رفع الحجاب عن قلبه حتى شاهد جمال حضرته، ورزق القناعة حتى استغنى بها عن خلقه، وأمدّه بالقوة والتأييد. حتى استولى بها على صفات نفسه، فقد أعزه وآتاه الملك عاجلًا وآجلًا، ومن مدّ عينه إلى الخلق حتى احتاج إليهم، وسلط عليه الحرص حتى لم يقنع بالقناعة، واستدرجه بمكره حتى اغترّ بنفسه. وبقي في ظلمة الجهل، فقد أذلّه وسلبه الملك، انتهى.

стр. 2559

السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، ــ وهذا هو الإعزاز أو الإذلال الحقيقيين الروحانيين (١)، وقد يشمل الإعزاز والإذلال الحسيين الجسمانيين؛ كالقوة والجمال، والجاه والمال وشرف النسب، والتظاهر بالأتباع والأنصار وأضدادها، إن ظهر نفع ذلك وضرره في الدين ويبقى أثره في المسلمين، وحظ العبد: أن يسأل اللَّه التوفيق لِمَا يعزه وهو الطاعة، ويستعيذ به من موجبات الإذلال أعني المعصية، وأن يعز الحق وأهله، ويذل الباطل وحزبه، كما عرفت في الخافض والرافع. قال بعض المشايخ: ما أعز اللَّه عبدًا بمثل ما يرشده إلى ذل نفسه، وما أذل اللَّه عبدًا بمثل ما يردُّه إلى توهم عزّه، اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلّنا بمعصيتك، فإنه لا يذلّ من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، يا ذا الجلال والإكرام. وقوله: (السميع البصير) هما صفتان للَّه تعالى تنكشف بهما المسموعات والمبصَرات انكشافًا تامًا من غير احتياج إلى حاسة وآلة، وهو الأكمل؛ لأن الجوارح والآلات معرَّضة للتغير والآفات، وهذا محل الحذر عن التشبيه، ولما ثبت تنزيهه تعالى عن صفات الجسم ثبت أنه منزَّه عن ذلك، ومن عرف أنّ اللَّه تعالى سميع بصير فلا يتكلم إلا بما يرضاه، ولا يتحرك إلا في رضاه، ويلزم دوام المراقبة ومطالبةَ النفس بالمحاسبة، وإليه الإشارة بقوله: (فبي يسمع وبي يبصر). والتخلق بهذين الاسمين: أن يسمع كلام اللَّه وكتابه العزيز الذي أنزله فيستفيد به الهداية، ويسمع الحق فيتبعه، ويبصر عجائب ملكوت السماوات والأرض فلا يكون نظره إلا عبرة، اللهم ارزقنا سمعًا نسمع به كلامك، وبصرًا نبصر به آياتك، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، واجعله الوارث منا، إنك أنت السميع البصير.

стр. 2560

الْحَكَمُ، ــ وقوله: (الحكم) الحاكم الذي لا مردّ لقضائه، ولا مُعَقِّب لحكمه، في (القاموس) (١): الحُكم: القضاء، وقال الغزالي (٢): ومن الحكم ينشعب القضاء والقدر، فتدبيره أصل وضع الأسباب ليتوجه إلى المسبَّبات حكمُه، ونصبُه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول كالأرض والسماوات والكواكب وحركاتها المتناسبة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله قضاؤه كما قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]. وتوجيهُ هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة فلحظة قدرُه، فالحكم هو التدبير الكلي والأمر [الأزلي] الذي كلمح البصر، والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة، والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة بعدد معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولذلك لا يخرج شيء عن قضائه وقدره. ومَثَّلَ لذلك بصندوق الساعات التي بها يعرف أوقات الصلوات، وبيَّنه بما لا يخلو ذكره عن تطويل. وحظ العبد منه: أن يستسلم لحكمه، وينقاد لأمره، ويرضى بقضائه، والتخلق: أن يحكم العبد ويقضيَ على نفسه بتدبير الرياضات والمجاهدات، وتقدير السياسات التي تفضي إلى مصالح الدنيا والدين، ولذلك استخلف اللَّه عباده في الأرض واستعمرهم فيها لينظر كيف يعملون، وهذا بحكم الظاهر، والكل على حسب قضاء اللَّه وقدره، وتدبير العبد أيضًا بتقدير اللَّه.
следующие страницы →