دار النوادر
المؤسس والمالك نور الدين طالب
مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.
سوريا - دمشق - الحلبوني:
ص. ب: ٣٤٣٠٦
جميع الحقوق محفوظة للمحقق
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.
الطبعة الأولى
١٤٢٥ هـ - ٢٠١٤ م
E-mail: info@daralnawader.com
Website: www.daralnawader.com
شركات شقيقة
دار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
دار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)
دار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند
الهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١
الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١
متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١
البريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com
стр. 2487
(٩) كتاب الدعوات
стр. 2488
(٩) كتاب (١) الدعوات
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٩ - كتاب الدعوات
اعلم أن الدعاء عند نزول البلاء أو عند خوف نزوله مسنونٌ مأثور عن الأنبياء صلوات اللَّه عليهم وأتباعهم رحمة اللَّه عليهم أجمعين، وقد يكتفون بعلم اللَّه تعالى وتقديره، ويسكتون عن الدعاء كقول الخليل ﵇: حسبي عن سؤالي علمه بحالي، قال الشيخ ابن عطاء اللَّه الإسكندري الشاذلي في (كتاب الحكم): ربما دلَّهم الأدب على ترك الطلب اعتمادًا على قسمته واشتغالًا بذكره عن مسألته.
وقال ابن عباد في (شرح الكتاب): قال الإمام أبو القاسم القشيري: واختلف الناس في أي شيء أفضل: الدعاء أم السكوت والرضاء؟ فمنهم من قال: الدعاء في نفسه عبادة. قال ﷺ : (الدعاء مخ العبادة (٢))، فالإتيان بما هو عبادة أولى من تركه، ثم هو [حقُّ] الحق ، فإن لم يستجب للعبد ولم يصل إلى حظ نفسه فلقد قام بحق ربه؛ لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية، وقد قال أبو حازم الأعرج رحمة اللَّه عليه: لأَنْ أُحرم الدعاء أشدُّ عليّ من أن أحرم الإجابة.
وطائفة قالوا: السكوت والخمود تحت جريان الحكم أتم، والرضا بما سبق
стр. 2489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من اختيار الحق أولى، ولهذا قال الواسطي: اختيار ما جرى لك في الأزل خير لك من معارضة الوقت، وقد قال ﷺ خبرًا عن اللَّه تعالى (١): (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين).
وقال قوم: يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه وصاحب رضًى بقلبه؛ ليأتي بالأمرين جميعًا.
قال الإمام أبو القاسم القشيري ﵀: والأولى أن يقال: إن الأوقات مختلفة، ففي بعض الأحوال الدعاء أولى من السكوت وهو الأدب، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وهو الأدب، وإنما يعرف ذلك في الوقت؛ لأن علم الوقت يحصل في الوقت، فإذا وجد بقلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء أولى، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت له أولى.
ويصح أن يقال: ينبغي للعبد أن لا يكون ساهيًا عن شهود ربه تعالى في حال دعائه، ثم يجب أن يراعي حاله، فإن وجد من الدعاء زيادة بسط في وقته فالدعاء له أولى، وإن عاد إلى قلبه في وقت الدعاء ووجد شبه زجر ومثل قبض فالأولى ترك الدعاء في هذا الوقت، وإن لم يجد في قلبه لا زيادة بسط ولا حصول زجر فالدعاء وتركه هنا سِيَّانِ، وإن كان الغالب عليه في هذا الوقت العلم فالدعاء أولى لكونه عبادة، وإن كان الغالب في هذا الوقت المعرفة والحال فالسكوت والسكون أولى.
ويصح أن يقال: ما كان للمسلمين فيه نصيب أو للحق فيه حق فالدعاء أولى، وما كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم، وفي الخبر المروي: (أن العبد يدعو واللَّه تعالى يحبه فيقول: يا جبرئيل أخِّر حاجة عبدي؛ فإني أحب أن أسمع صوته)،
стр. 2490
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٢٢٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، فَهِيَ نائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ أَقْصَرُ مِنْهُ. [م: ٣٣٨، خ: ٦٣٠٤].
٢٢٢٤ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ،
ــ
وإن العبد ليدعو وهو يبغضه فيقول: يا جبرئيل اقض لعبدي حاجته فإني أكره أن أسمع صوته، انتهى كلام القشيري (١).
الفصل الأول
٢٢٢٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لكل نبي دعوة مستجابة) المفهوم من سياق الحديث: أنه جرت العادة الإلهية بأن يأذن كلَّ نبي بدعوة واحدة لأمته يستجيبها، فكل نبي دعا في الدنيا فاستجيب له، وإني سترت وأخرت دعوتي لأشفع أمتي يوم القيامة، فدعوتي تصيب في ذلك اليوم من مات على الإيمان.
وأما سائر دعوات الأنبياء فقيل: مستجابة كلها، وهذا محل توقُّفٍ بقوله ﷺ : (سألت اللَّه ثلاثا فأعطاني اثنين، ومنعني واحدة) (٢) وهي أن لا يذيق بعض أمته بأس بعض، واللَّه أعلم.
٢٢٢٤ - [٢] (وعنه) قوله: (اللهم إني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه) المقصود
стр. 2491
فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ: شَتَمْتُهُ لَعَنْتُهُ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْم الْقِيَامَة". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٦١، م: ٢٦٠٩].
٢٢٢٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يقُلْ: اللهُمَّ اغفِرْ لِيْ إِنْ شِئتَ، ارْحمْني إِنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ، وَلِيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ، إِنَّه يفعلُ مَا يَشَاء وَلَا مُكْرِهَ لَهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٤٧٧].
ــ
المبالغة في الطلب والقبول وتحقيق الرجاء، كأنه عهد لا ينقض، ووعد لن يخلف، ولا يخيب الرجاء فيه.
وقوله: (فإنما أنا بشر) يعني: فأغضب نادرًا في بعض الأحيان بحكم البشرية التي أُبقيت في حصة منها لحكمة إلهية تقتضي ذلك.
وقوله: (آذيته: شتمته. . . إلخ)، يحتمل أن يكون كل من الأربعة مستقلة، وأن يكون الثلاثة الأخيرة تفصيلا للأولى، وذكرها بطريق التعداد، وذكر ما يقابلها بالعطف بقصد معارضة كل واحدة من تلك الأمور هذه الخصائلَ من غير قصد اللف والنشر، و (الصلاة) الرحمة، و (الزكاة) الطهارة والبركة، و (القربة) ما يتقرب به إلى اللَّه سبحانه، وهذه رأفته ﷺ بالمسيء، فما حال المحسن، فالمراد من يستحق الأذية ومن لا يستحقها، وهذا أبلغ، ويحتمل أن يكون المراد من لا يستحق، واللَّه أعلم.
٢٢٢٥ - [٣] (وعنه) قوله: (وليعزم مسألته) أي: ليطلبها جازمًا من غير شك وتردد.
وقوله: (إنه يفعل ما يشاء ولا مكره له) تعليل لترك ذكر المشيئة، يعني: أنه عبث، وهو في الحقيقة ثابت؛ فإنه سبحانه فاعل مختار يفعل ما يشاء، ويستجيب دعاءه إن شاء ويمنع إن شاء، ولكنه بفضله وكرمه وعد الاستجابة، فينبغي للعبد أن يتيقن بذلك، وبنور اليقين ينشرح الصدر ويتنور القلب، والشك والريب ظلمة.
стр. 2492
٢٢٢٦ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شيءٌ أَعْطَاهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٧٩].
٢٢٢٧ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: "يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي،
ــ
٢٢٢٦ - [٤] (وعنه) قوله: (وليعظم الرغبة) ظاهره أنه تأكيد للعزم، وأما تعليله بقوله: (فإن اللَّه لا يتعاظمه شيء) [فإنه] يدل على أن المراد أن يكون مطلوبه عظيمًا، ولا يقصر همته في طلب المطالب العظيمة الجزيلة، فإن اللَّه تعالى عظيم يعطي من يشاء ما يشاء.
٢٢٢٧ - [٥] (وعنه) قوله: (ما لم يستعجل) لمَّا فُهم من التقييد بالقيد الأول أنه يستجاب له في كل ما دعا إن لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، قيده ثانيًا: (ما لم يستعجل) فلا حاجة إلى تقدير عامل آخر -كما قال الطيبي- استقلالًا، أي: يستجاب ما لم يدع بإثم يستجاب له ما لم يستعجل (١)، ولا يكون الظاهر أن يجاء بالعاطف كما قاله أيضًا، نعم لو قال بالعطف لكان أظهر، فافهم.
وقوله: (فلم أر يستجاب لي) أي: فلم أر الاستجابة، فإنْ حُمل الرؤية على معنى العلم يكون المفعول الثاني محذوفًا، وإلا فلا حاجة إلى الحذف، ولعل هذا أولى؛ فإن الاقتصار على أحد مفعولي باب علمت كلامًا، والأكثر على عدم جوازه، وفي الحمل على معنى الإبصار مبالغة.
стр. 2493
فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعاءَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٣٥].
٢٢٢٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دعوةُ الْمُسْلِم لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ،
ــ
وقوله: (فيستحسر) أي: ينقطع ويملّ عن الدعاء ورجاءِ القبول، يقال: استحسر، بمعنى: أعيا وتعب، ولا ينبغي للعبد ذلك، لأن الدعاء عبادة تأخير، والإجابة لها وقت عند اللَّه وعوض في الآخرة، وبدل في الدنيا، واللَّه تعالى قد يحبّ الإلحاح من العبد.
قال الشيخ ابن عطاء اللَّه في (الحكم): لا يَكُنْ تأخُّر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبًا ليأسك، فهو قد ضمن لك الإجابة فيما يختار لك، لا فيما تختار لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد.
وقال بعض العارفين: فائدة الدعاء إظهار الفاقة بين يدي الرب تعالى، وإلا فهو تعالى يفعل ما يشاء.
وقال سيدي أحمد زروق في (شرح كتاب الحكم): الدعاء عبودية اقترنت بسببٍ كاقتران الصلاة بوقتها، ورتِّب عليها وجود الإجابة كترتُّب الثواب عليها من غير تقييد وتعيُّن، ولا توقيت، وقع في الحديث: (ما من عبد إلا وهو بين إحدى ثلاث: إما أن يعجل له طلبه، وإما أن يدخر له ثوابها، وإما أن يصرف عنه من السوء بمثلها)، فالإجابة حاصلة غير منحصرةٍ في عين المطلوب ولا غيره، ولا مقيدة بوقت، وإنما جعل اللَّه الإجابة في مختاره لا في مختار العبد، لأن العبد جاهل بمصالحه، قد يظن الشر خيرًا، ولإبقاء سطوة الربوبية واستيفاء أحكام العبودية لئلا يأمن العبد من فوات الأرب فلا يَصْدقَ في وجود الطلب، وليتحقق اضطرار العبد بنفي اختياره فيكون في بساط القربة ملازمًا قرع الباب الذي هو فائدة الدعاء في الحقيقة.
٢٢٢٨ - [٦] (أبو الدرداء) قوله: (بظهر الغيب) أي: غائبًا وفي السر، والظهر
стр. 2494
عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٣٣].
٢٢٢٩ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاء فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٠٩].
وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: "اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ". فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
* الْفَصْلُ الثاني:
٢٢٣٠ - [٨] عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. . . . .
ــ
مقحم، والباء في قوله: (ولك بمثل) كالباء في: بحسبك درهم، لكن هنا قدم الخبر اهتمامًا، وفي رواية: (بمثليه) بزيادة التحتانية والهاء، قال القاضي عياض في (المشارق) (١): رويناه بكسر الميم وسكون الثاء، و: (بِمَثَل) أيضًا بفتحهما، يقال: مَثَل ومِثْل ومثيل، مثل شَبَه [وشِبْه] وشبيه.
٢٢٢٩ - [٧] (جابر) قوله: (يسأل فيها عطاء) منصوب، وفي (يسأل) ضمير للَّه، أو مرفوع فلا ضمير فيه.
وقوله: (فيستجيب) إما منصوب بتقدير أن، أو مرفوع بتقدير المبتدأ.
الفصل الثاني
٢٢٣٠ - [٨] (النعمان بن بشير) قوله: (الدعاء هو العبادة) الحصر للمبالغة،
стр. 2495
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٢٦٧، ت: ٢٩٦٩، د: ١٤٧٩، ن في الكبرى: ١١٤٦٤، جه: ٣٨٢٨].
٢٢٣١ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٣٧١].
٢٢٣٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ غَرِيْبٌ. [ت: ٣٣٧، جه: ٣٨٢٩].
٢٢٣٣ - [١١] وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ،
ــ
وقراءة الآية تعليل بأنه مأمور به فيكون عبادة، أقلُّه أن تكون مستحبة، وآخر الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، والمراد بعبادتي هو الدعاء، ولحوقُ الوعيد يَنظر إلى الوجوب، لكن التحقيق أن الدعاء ليس بواجب، والوعيد إنما هو على الاستكبار، فافهم.
٢٢٣١ - [٩] (أنس) قوله: (مخ العبادة) في (القاموس) (١): المخ بالضم: نقي العظم والدماغ، وشحمة العين، وخالص كل شيء. وإنما كان الدعاء كذلك؛ لأن حقيقة العبادة هو الخضوع والتذلل، وهو حاصل في الدعاء أشد الحصول.
٢٢٣٢ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (ليس شيء أكرم على اللَّه من الدعاء) قد علم من الحديثين السابقين وجهه.
٢٢٣٣ - [١١] (سلمان الفارسي) قوله: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) كأنه مبالغة
стр. 2496
وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٣٩].
٢٢٣٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٤٨].
٢٢٣٥ - [١٣] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ. [حم: ٥/ ٢٣٤].
ــ
في تأثير الدعاء في دفع البلاء حتى لو أمكن رد القضاء لحصل بالدعاء، وقيل: المراد من رد القضاء تهوينه وتيسير الأمر فيه حتى كأن القضاء النازل كان لم ينزل، وقيل: المراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه ويتوقّاه، فإذا وفق للدعاء رفع اللَّه عنه، والكل تكلف، وحقيقة المعنى أن المراد: القضاء الذي علِّق رده به وجعل سببًا له، فإن القضاء لا ينافي السببية والمسبَّبية، والكل قضاء، فإن قلت: فما فائدة هذا الكلام، وما جرى به القضاء كائن لا محالة؟ قلت: لعل المراد مدح الدعاء والمبالغة فيه بمثل ما ذكر في أول الحاشية، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.
وقوله: (ولا يزيد في العمر إلا البر) قالوا: المراد عدم ضياعه وحصول البركة بالبر فكأنه زيادة فيه، والتحقيق مثل ما ذكر في القضاء، فإنه قد تعلق بأن فلانًا إن فعل كذا يكون عمره كذا، وإن لم يفعل فكذا، ويمحو اللَّه ما يشاء ويثبت، وذلك في مقام القدر والتسبيب، وفي الحقيقة لا تبديل ولا تغيير، ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن.
٢٢٣٤، ٢٢٣٥ - [١٢, ١٣] (ابن عمر) قوله: (إن الدعاء ينفع مما نزل) بالدفع و (مما لم ينزل) بالرد (فعليكم عباد اللَّه بالدعاء) إشارة إلى أن الدعاء عبادة مأمور بها، فامتثلوا الأمر واستسلموا للقضاء.
مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٤٨].
٢٢٤٠ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٣٨٢].
ــ
واعتناء به، وإلا كان يكفي أن يقال: ما سئل اللَّه شيئًا أحب إليه، كذا قال الطيبي (١)، و (العافية) في العرف يقع على الصحة ضد المرض، وفي (القاموس) (٢): العافية: دفاع اللَّه عن العبد، عافاه اللَّه عن المكروه معافاة وعافية: وهب له العافيةَ من العِلل والبلاء، والمراد في الحديث: السلامة عن جميع الآفات الظاهرة والباطنة في الدنيا والآخرة، وهي تشتمل الخيرات كلها.
وفي (قواعد الطريقة) لابن زروق: العافية سكون القلب عن الاضطراب، وقد يكون بسبب عادي، أو وجه شرعي، أو حقيقة تامة، وهي سكون القلب إلى اللَّه تعالى، وهذه عافية أهل الكمال، وهي الشاملة لكل حال، حتى لو دخل صاحبها النار لرضي عن ربه.
٢٢٤٠ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (فليكثر الدعاء في الرخاء) وهذا على عكس حال المسرفين المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢].
стр. 2499
٢٢٤١ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٤٧٩].
٢٢٤٢ - [٢٠] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّه (١) فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا". [د: ١٤٨٦].
ــ
٢٢٤١ - [١٩] (عنه) قوله: (وأنتم موقنون با لإجابة) أي: كونوا موقنين بأنه تعالى يجيب الدعاء؛ لأن فيه صدق الرجاء، والكريم لا يخيب راجيه، وقد يقال: إن معناه: كونوا على حالة تستحقون بها الإجابة، وذلك باستجماع شرائط الدعاء وآدابه، وهي مذكورة في الكتب، فلتطلب ثمة، والحضور والإيقان من أعظمها وأقدمها.
وقوله: (من قلب غافل) في (القاموس) (٢): غفل عنه: تركه، وسها عنه، كأغفله، وسها في الأمر -كدعا- سهوًا: نسيه، وذهب قلبه إلى غيره، و (لاه) لها لهوًا: لعب، ولعب كسمع، وتلاعَبَ ضد جَدَّ، وقد يجيء (لها عنه) بمعنى: سها وترك وغفل، فالغفلة: عدم اليقظ والحضورِ بالدعاء، واللهو: الشغل بالغير، ويتلازمان، فافهم.
٢٢٤٢ - [٢٠] (مالك بن يسار) قوله: (فاسألوه ببطون أكفكم) لأنه صورة الطلب والإيقان بالإجابة، وجمع اليدين يؤذن بكثرة العطية.
(ولا تسألوه بظهورها) لكونه في صورة الرد، نعم قد ورد في دعاء الاستسقاء أنه ﷺ أشار بظهر كفيه إلى السماء، فقيل: إذا كان الدعاء لطلب شيء من جنس النعماء استُحب أن تُجعل بطون الأكف إلى السماء، وإذا كان لدفع الفتنة والبلاء تجعل ظهورها
стр. 2500
٢٢٤٣ - [٢١] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "سَلُوْا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا، فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوْا بهَا وُجُوهَكُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ١٤٨٥].
٢٢٤٤ - [٢٢] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعْوَاتِ الْكَبِيرِ". [ت: ٣٥٥٦، د: ١٤٨٨، هق: ١٦٩].
ــ
إليها إشارة إلى إطفاء نار الفتنة وكسر سوء الحادثة وجعلها سافلة.
وقيل: معناه: أنه رفعها رفعًا تامًا حتى صارت كفاه محاذيتين لرأسه، وكلما كانت الواقعة أصعب والمطلب أقوى كان الرفع أشد وأكثر.
٢٢٤٣ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم) تبركًا بما فاض من أنوار الإجابة وإيصالها بالوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأقربها.
٢٢٤٤ - [٢٢] (سلمان) قوله: (إن اللَّه حيي (١)) قد سبق معنى الحياء في أول الكتاب في (كتاب الإيمان)، والمراد به في حق اللَّه سبحانه كما في سائر الصفات الانفعالية آثارها من غير حصول مبادئها الثابتة للحق من الانفعالات.
وقوله: (أن يردهما صِفرًا) بالكسر، أي: خاليًا، من صَفِرَ كفرح، وأَصْفَرَ البيتَ: أخلاه، يستوي فيه الواحد والتثنية والجمع، والمذكر والمؤنث.
стр. 2501
٢٢٤٥ - [٢٣] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ (١) لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ (٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٨٦].
٢٢٤٦ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٨٢].
٢٢٤٧ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِن أَسْرَعَ الدُّعَاءِ إِجَابَةً دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ". . . . .
ــ
٢٢٤٥ - [٢٣] (عمر) قوله: (حتى يمسح) حتى للغاية.
٢٢٤٦ - [٢٤] (عائشة) قوله: (يستحب الجوامع من الدعاء) أي: الجامعة لخير الدنيا والآخرة، وقيل: هي ما كان لفظه قليلًا ومعناه كثيرًا، وكأنه أخذ من قوله ﷺ : (أوتيت جوامع الكلم)، ولا يخفى عليك أن الإضافة إلى الدعاء تفيد أن الجامعية تكون من حيث كونه دعاء وهو يناسب المعنى، والإضافة إلى الكلم من حيث كونه دالًّا على المعاني، فافهم.
وقوله: (ويدَع) أي: يترك ما سوى المذكور من الدعاء، واسم الإشارة قد يشار بلفظ الواحد المذكر منه إلى الجمع المؤنث.
٢٢٤٧ - [٢٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (دعوة غائب لغائب) ذكرهما كليهما
стр. 2502
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٩٨٠، د: ١٥٣٥].
٢٢٤٨ - [٢٦] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ لِي، وَقَالَ: "أَشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ فِي دُعَائِكَ وَلَا تَنْسَنَا". فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِيَ بِهَا الدُّنْيَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ "وَلَا تَنْسَنَا". [د: ١٤٩٨، ت: ٣٥٦٢].
٢٢٤٩ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ. . . . .
ــ
تأكيدًا وإشارةً إلى أنه غيبة من الداعي والمدعو له مؤئرة في الإجابة، فافهم.
٢٢٤٨ - [٢٦] (عمر بن الخطاب) قوله: (يا أخي) بلفظ التصغير رفقًا وتلطفًا.
وقوله: (ولا تنسنا) تأكيد يفيد غاية التواضع والخضوع.
وفي الحديث إرشادٌ للأمة إلى الرغبة في دعاء الصالحين، وتعليمٌ بأن لا يَخصوا أنفسهم بالدعاء، ويشاركوا فيه المؤمنين خصوصًا أحبابهم ومعارفهم.
وقوله: (فقال) قول عمر والضمير لرسول اللَّه ﷺ ، والمراد بـ (الكلمة (١)) هي المذكورة من قوله ﷺ : (أشركنا. . . إلخ) والتنوين للتعظيم، أو كلمةٌ زادها على ما قال أولًا، ومعنى التعقيب على الثاني ظاهر، [و] على الأول لتعقيب المفسَّر بعد المفسَّر كما قال الطيبي (٢)، والباء في (بها) للمقابلة.
٢٢٤٩ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (دعوة المظلوم) صرح ههنا بالدعوة اهتمامًا
стр. 2503
يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِيْنٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٩٨].
٢٢٥٠ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٤٤٨، د: ١٥٣٦، جه: ٣٨٦٢].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٢٥١ - [٢٩] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حَتَّى يَسْأَلهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ".
ــ
بشأنها، و (يرفعها) حال أو استئناف، والضمير لـ (دعوة المظلوم)، ورفعها فوق الغمام كناية عن إيصالها إلى مصعد القبول والإجابة كما قال.
وقوله: (وتفتح) بصيغة المجهول مؤنثًا، أو المعلوم مذكَّرًا، أي: يفتح اللَّه لدعوة المظلوم أبواب السماء، فيكون قوله: (ويقول الرب) من وضع المظهر موضع المضمر.
وقوله: (لأنصرنك) بضمير المذكر خطابًا للمظلوم، وقد يكسر للخطاب لدعوته وهو مجاز، وليس في الأصل إلا الفتح.
٢٢٥٠ - [٢٨] (عنه) قوله: (لا شك فيهن) أي: في استجابتهن.
وقوله: (دعوة الوالد) سواء كان له أو عليه، ودعاء الوالدة بطريق الأولى، ويجوز أن يجعل الوالد صيغة صفة النسبة.
الفصل الثالث
٢٢٥١، ٢٢٥٢ - [٢٩، ٣٠] (أنس) قوله: (شسع) بكسر المعجمة وسكون
стр. 2504
٢٢٥٢ - [٣٠] زَادَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ مُرْسَلًا: "حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ، وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَهُ إِذَا انْقَطَعَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٠٧، ٣٦٠٨].
٢٢٥٣ - [٣١] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبطَيْهِ.
٢٢٥٤ - [٣٢] وَعَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَ يَجْعَلُ أُصْبُعَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْه وَيَدْعُو.
٢٢٥٥ - [٣٣] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي "الدَّعْوَات الْكَبِير". ["الدعوات الكبير": ١٧١، ١٧٤، ١٧٣].
ــ
المهملة: قبال النعل، قال الأستاذ أبو علي الدقاق ﵀: من علامات المعرفة أن لا تسأل حوائجك قلّت أو كثرت إلا من اللَّه ، مثل موسى ﵊ اشتاق إلى الرؤية فقال: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] واحتاج مرة إلى رغيف فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].
٢٢٥٣ - [٣١] (عنه) قوله: (حتى يرى بياض إبطيه) أي: في بعض الأحيان، والإبط بكسر الهمزة وسكون الباء: باطن المنكب، وقد يكسر الباء.
٢٢٥٤ - [٣٢] (سهل بن سعد) قوله: (يجعل أُصبعَيه) أي: أصابع كفيه، (حذاء منكبيه) هذا هو التوسط والاقتصاد في رفعهما.
٢٢٥٥ - [٣٣] (السائب بن يزيد) قوله: (فرفع يديه) عطف على الشرط، و (مسح وجهه) جوابه، يفيد أنه إن لم يرفع لم يمسح.
стр. 2505
٢٢٥٦ - [٣٤] وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَسْأَلَةُ أن تَرْفَعَ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ أَوْ نَحْوَهمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، وَالِابْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعًا. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: وَالِابْتِهَالُ هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ ظُهُورَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٨٩، ١٤٩٠].
٢٢٥٧ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ رَفْعَكُمْ أَيْدِيَكُمْ. . . . .
ــ
٢٢٥٦ - [٣٤] (عكرمة) قوله: (المسألة) أي: أدب السؤال (أن ترفع يديك حذو منكبيك) لأن العادة فيمن طلب شيئًا أن يبسط الأكف إلى المدعو له، وأدب (الاستغفار أن تشير بإصبع واحدة) وهي السبابة سَبًّا للنفس الأمارة والشيطان والتعوذ منهما إلى اللَّه تعالى، (والابتهال) الاجتهاد في الدعاء وإخلاصه، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصحاح) (٢): ابتهل: تضرع، [ويقال في] قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ [آل عمران: ٦١] أي: نُخلِص في الدعاء. وفي (مجمع البحار) (٣): الابتهال: أن تمد يديك، وأصله التضرع والمبالغة في الدعاء والسؤال. وقال الطيبي (٤): ولعل المراد من الابتهال في الحديث دفع ما يتصور من مقابلة العذاب، فيجعل يديه كالترس [ليستره] عن المكروه.
وقوله: (أو نحوهما) الضمير للمنكبين، شك من الراوي أنه قال: لفظ حذاء أو نحوه.
٢٢٥٧ - [٣٥] (ابن عمر) قوله: (إن رفعكم أيديكم) يعني: فوق صدوركم دائمًا
стр. 2506
بِدْعَةٌ، مَا زَادَ رَسُوْلُ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذَا. يَعْنِي: إِلَى الصَّدْرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٦١].
٢٢٥٨ - [٣٦] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. [ت: ٣٣٨٢].
٢٢٥٩ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنهُ مِنَ السُّوْءَ مِثْلَهَا" قَالُوا: إِذَنْ نُكْثِرُ. . . . .
ــ
أو في أكثر الأحول من غير تمييز بين الأحوال المذكورة في الحديث السابق (بدعة) لم يفعله رسول اللَّه ﷺ ، بل كان حاله ﷺ مختلفًا تارة فتارة كما ذكر.
وقوله: (على هذا) قد رفعهما ابن عمر إلى الصدر فأراهم إياه بقوله وفعله، ولذلك فسر الراوي بقوله: (يعني: إلى الصدر).
٢٢٥٨ - [٣٦] (أبي بن كعب) قوله: (فدعا له) عطف على الشرط، وجوابُه (بدأ) أي: إذا دعا لأحدٍ دعا أولًا لنفسه (١) ثم دعا له، كما قالوا في تقديم: اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين.
٢٢٥٩ - [٣٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إذن نكثر) ضبط بالرفع في النسخ المصححة، ويشترط في الرفع بعد (إذن) إرادة معنى الحال، وهو غير ظاهر هنا، اللهم إلا أن يراد حال الحياة، أو جُعل الاستقبال حالًا مبالغة في الاستعجال، كذا
стр. 2507
قَالَ: "اللَّهُ أَكْثَرُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ١٨].
٢٢٦٠ - [٣٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَمْسُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ حَتَّى يَنْتَصِرَ، وَدَعْوَةُ الْحَاجِّ حَتَّى يَصْدُرَ، وَدَعْوَةُ الْمُجَاهِدِ حَتَّى يَفْقِدَ، وَدَعْوَةُ الْمَرِيضِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَدَعْوَةُ الأَخِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ". ثُمَّ قَالَ: "وَأَسْرَعُ هَذِهِ الدَّعْوَاتِ إِجَابَةً دَعْوَةُ الأَخِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ". ["الدعوات الكبير": ٦٧١].
* * *
ــ
في الحواشي، ويجوز أن يقال: اعتبر نية الفعل مقام نفس الفعل.
وقوله: (اللَّه أكثر) بالثاء، أي: أكثر إجابة من دعائكم، وقال الطيبي (١): هذا قريب من قولهم: العسل أحلى من الخل، والصيف أحر من الشتاء، انتهى. وفيه خفاء إذ الكثرة ثابتة لدعائهم، لكن الإجابة أكثر بخلاف المثالين المذكورين، فافهم.
٢٢٦٠ - [٣٨] (ابن عباس) قوله: (حتى ينتصر) أي: ينتقم من ظالمه ولو بالدعاء عليه.
وقوله: (حتى يصدر) أي: يرجع من الحج ويدخل بيته، من صدر عن الشيء يصدر صدرًا: رجع، من باب نصر.
وقوله: (حتى يفقد) بالفاء والقاف من الفقدان من [باب] ضرب، أي: حتى يفرغ من الجهاد ويفقد أسبابه، وفي بعض النسخ: (حتى يقعد) من القعود، وكذا في الأصل، وفي بعضها: (يقفل)، أي: يرجع، من القفول.
стр. 2508
١ - باب ذكر اللَّه والتقرب إليه
ــ
١ - باب ذكر اللَّه والتقرب إليه
في (الصحاح) (١): الذكر والذكرى نقيض النسيان، انتهى. والذكر يكون بالقلب وباللسان، وقال الفقهاء: الذكر إنما يكون باللسان، وأدناه أن يُسْمِعَ نفسَه على القول المختار، ولا يعتبر بدون ذلك كما في القراءة والطلاق والعتاق، والذي بالقلب هو فعل القلب من قسم العلم والتصور وليس بذكرٍ كما هو ليس بقراءة، أما الذكر فهو اسم لما هو فعل اللسان، ولا يدرى ما مقصودُهم: إن أرادوا أنه لا يسمى ذكرًا في اللغة، فذلك خلاف ما نقلناه من أنه ضد النسيان وهو فعل القلب، نعم يسمى فعل اللسان أيضًا ذكرًا فهو لفظ مشترك بينهما، فالذكر ليس بمعنى القول والكلام، ولو كان بمعناه فالكلام يكون نفسيًّا ولفظيًّا، فكيف لا يكون الذكر قلبيًّا ولسانيًّا؟ وإن أرادوا أن الفضلائل والخواص التي وردت في شأن الذكر لا تثبت لما هو بالقلب ولا تترتب عليه، فذلك أيضًا قول بلا دليل، وكيف لا يكون بعد ما كان اسمًا له؟ وإن أرادوا أن الأفضل أن يكون باللسان مع مواطأة القلب فذلك شيء آخر، وقول لا ينازع فيه.
ونقل الطيبي (٢) عن (شرح صحيح مسلم): أن الذكر قد يكون بالقلب وقد يكون باللسان، والأفضل منهما ما يكون باللسان مع القلب جميعًا، فإن اقتصر على أحدهما فبالقلب أفضل.
وفي (شرح صحيح مسلم) (٣): ذكر اللَّه سبحانه ضربان: ذكر القلب وذكر اللسان،
стр. 2509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذكر القلب نوعان، أحدهما: أرفع الأذكار وأجلُّها وهو التفكر في عظمة اللَّه وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في أرضه وسماواته، ومنه الذكر الخفي في الحديث: (خير الذكر الخفيُّ)، والثاني: ذكره بالقلب عند الأمر والنهي.
وعند مشايخ الطريقة الذكر نوعان: قلبي ولساني، وأثر القلبي أقوى وأعظم من اللساني، بل الذكر القلبي هو الذكر في الحقيقة، وحقيقة الذكر عندهم نسيان ما سوى اللَّه أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، والقياس على الطلاق والعتاق غير صحيح، فإنهما اسمان لما هو باللسان، وقد عرف في الشرع أن حكمهما لا يترتب بدون فعل اللسان، وكذلك القراءة، وليس كذلك الذكر، ولعلهم أرادوا أن المعتبر في الأذكار والأوراد الواردة في الشرع فضائلُه كالتسبيح أدبار الصلوات، وفي الصلوات وأمثالها، يترتب ثوابها عليها أن يكون بحيث يحصل بها اللفظ وإسماع النفس كما في القراءة، يدل على ذلك كلام الجزري في (الحصن الحصين)، وأما أن الذكر بالقلب لا يسمى ذكرًا أصلًا، ولا يحصل به ثواب ذكر اللَّه تعالى، فذلك محل نظر، واللَّه أعلم.
ثم إنهم قالوا: ليس الذكر منحصرًا في التسبيح والتهليل والتكبير، بل كل مطيع للَّه سبحانه في عمل فهو ذاكر في امتثال أمر اللَّه، وأفضل الذكر القرآن إلا فيما شُرِعَ لغيره، وقد ورد: (أفضل الذكر لا إله إلا اللَّه)، وهو جزء من القرآن، وقد اختار المشايخ هذه الفوائد ونتائج تحصل منه يعرفها أرباب هذا الشأن.
ثم إنه قد ثبت بالأحاديث المذكورة في الباب ويغيرها من الأحاديث فضل الاجتماع للذكر والتسبيح والتحميد والتكبير، والظاهر أنه يكون على ذكر واحد، فإنه إن كان كل واحد على ذكر على حِدَةٍ، فإن كان سرًّا فجدوى الاجتماع غير ظاهرة، وإن كان
стр. 2510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جهرًا وكلٌّ على ذكره ففيه من إساءة الأدب بالتخليط وغيره مما لا يَسُوغ في حديث الناس فضلًا عن ذكر اللَّه سبحانه.
وتأويل الذكر بالعلم مرة وبذكر الآلاء أخرى بعيد خلاف الظاهر، وتأويل التسبيح والتكبير والتحميد بالتذاكر في التوحيد وصفاته تعالى أبعد، والنصوص محمولة على ظواهرها ما لم يصرف عنها الدليل.
ثم الجهر بالذكر مشروع بلا شبهة؛ لقوله ﷺ : (ومن ذكرني في بلاء) كما سيأتي، ومن أدلته ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. قال ابن عباس: ما كنت أعرف انصراف الناس من الصلاة على عهد رسول اللَّه ﷺ إلا بالذكر، رواه البخاري (١). والجهرُ في ذكر العيد وفي أدبار الصلوات وبالثغور وفي الأسفار حتى قال ﵊: (ارْبَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا) (٢)، ومضمون (اربعوا) يدل على أن المنع للشفقة عليهم لا لعدم الجواز، وقد جهر ﷺ بأذكار وأدعية في مواطن جمة وكذا السلف، وكل هذه دالة على الجهر والجمع، لكن في قضايا مخصوصة يكون وجودها مستنَدًا لا دليلًا؛ لاحتمال قصرها على ما وقعت فيه، فمن نظر إلى المعنى والعلة أجازها على العموم، ومن نظر إلى الخصوص قصرها على مواردها، والأول أوفق بمطالب الشرع ومقاصدها، فظهر مما ذكر صحة ما استحسن بعض المشايخ من الصوفية من الاجتماع للذكر أو الحزب الواحد، والتحليق لذلك، ومنه حديث: (حِلَقُ الذكر).
стр. 2511
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٢٦١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فَيْمَنْ عِنْدَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٠].
ــ
وأما مذهب مالك فالكراهة فيه لعدم عمل السلف، ولسد ذريعة الابتداع بالزيادة على ذلك من اجتماع الذكور والإناث، والخروج إلى غير الحق، والتجاوز عن الحد، وقد وقع ما اتقاه ﵁.
وقال بعض المتأخرين من الشاذلية في مسألة الْحزب: إنه من الروائح التي يتعين التمسك بها لذهاب حقائق الديانة في هذه الأزمنة، وإن كان بدعة فهو مما اختلف فيه، وغاية القول فيه الكراهة، فصح العمل به على قول من يقول به، ولعل الشارع إنما قصد ترغيبه مَنْ هو بعد الصدر الأول لاحتياجهم له، وقد يختلف الحكم بالإباحة والندب باختلاف الأزمان والأمكنة بل الأشخاص، فتعين القول بجوازه مع رعاية الشروط والآداب، وهي مذكورة في مواضعها، واللَّه أعلم.
الفصل الأول
٢٢٦١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إلا حفتهم الملائكة) أي: أحاطتهم، وما يحصل في ذلك الوقت من النورانية وحضور القلب والطمأنينة فهو أثر ذلك، وقد سبق تفصيل الكلام في هذا الحديث في الفصل الأول من (كتاب العلم).
وقوله: (وذكرهم اللَّه فيمن عنده) من الملائكة المقربين للمباهاة بهم وإظهار فضلهم عندهم، لِمَا كانوا يدَّعُون لأنفسهم من التسبيح والتقديس ولبني آدم الفساد وسفك الدماء.
стр. 2512
٢٢٦٢ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ، فَقَالَ: "سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ". . . . .
ــ
٢٢٦٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (في طريق مكة) قاصدًا المدينة، و (جمدان) بضم الجيم وسكون الميم: جبل قريب المدينة على ليلة.
وقوله: (سبق المفردون) قال عياض في (المشارق) (١): هو بفتح الفاء وكسر الراء، كذا ضبطناه.
وقال التُّورِبِشْتِي (٢): يروى (المفردون) بتشديد الراء وكسرها، وبالفتح وبالتخفيف بهما، واللفظان وإن اختلفا في الصيغة فإن كل واحد منهما في المعنى قريب من الآخر، إذ المراد منه: المتخلصون لعبادة اللَّه، المتخلُّون بذكره عن الناس، المعتزلون فيه، المتبتِّلون إليه، الذين وضع الذكرُ أوزارهم، فهجروا الخِلّان وتركوا الأسباب، فأفردوا أنفسهم للَّه عن العلائق، وأُفردوا عن الأقران، وفروا عن الشهوات، وهو مقام التفريد المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨].
وقيل: (المفردون): الموحدون الذين لا يرون إلا اللَّه، واعتقدوه واحدًا، وخلصوا له بكليتهم، وفي (المشارق) (٣): قال ابن الأعرابي: يقال: فرَّد الرجل مشدد الراء: إذا تفقه واعتزل الناس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي. وعُبِّر معناه بعبارات كلها راجعة إلى معنى الاعتزال عن الناس بعبادة اللَّه.
стр. 2513
قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيْرًا وَالذَّكِرَاتُ (١) ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٧٦].
٢٢٦٣ - [٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٠٧، م: ٧٧٩].
ــ
وقد جاء مفسرًا في حديث الترمذي: فقال: (المستهتَرون -هم الذين أهْتِروا- في ذكر اللَّه يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافًا) وقيل: اهتروا: أصابهم خبال، وقيل: أُولعوا، من أهتر فلان به واستهتر فهو مهترٌ ومستهترٌ، أي: مولع، ولا يتحدث بغيره ولا يعقل.
وفي (القاموس) (٢): الْهُتر بالضم: ذهاب العقل من كِبَر أو مرض أو حزن، وقد أَهتَرَ فهو مُهتَرٌ بفتح التاء شاذ، وقد قيل: أُهتِر بالضم، ولم يذكر الجوهري [غيره]، وأُهْتِر، بالضم فهو مُهتَرٌ: أُولِعَ بالقول في الشيء.
وقوله: (وما المفردون) أي: ما صفتهم، على طريقة قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] والجواب من الأسلوب الحكيم، والواو في (وما المفردون) للعطف على محذوف، كأنه قيل: لا نعلم المفردين، ونقول: ما المفردون؟ وقيل: الواو زائدة للتحسين.
٢٢٦٣ - [٣] (أبو موسى) قوله: (مثل الحي والميت) في ظهور الآثار الروحانية
стр. 2514
٢٢٦٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي،
ــ
من المعرفة والذوق والشوق في الذكر وعدمه في غيره، كظهور الآثار الجسمانية وعدمه في الحي والميت.
٢٢٦٤ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (أنا عند ظن عبدي بي) أي: بالغفران إذا استغفر، والقبول إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلبها، والأصح أنه أراد الرجاء وتأميل العفو، فإنْ ظَنَّ العفو فله ذلك، وإن ظن العقوبة فكذلك، وهو إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء، ويجوز أن يريد به العلم، أي: أنا عند يقينه بي وعلمه أن مصيره إليَّ وحسابه عليَّ، وأن ما قضيت له من خير وشر فلا مَرَدّ له، أي: إذا تمكن في مقام التوحيد قرب بي بحيث إذا دعاني أجيب.
أو المراد: علمه بأني معه إذا ذكرني، وأني أجازيه على عمله سرًّا أو علانية، فيكون ما بعده تفصيلًا له، كما قال الطيبي (١)، واللَّه أعلم.
وقوله: (وأنا معه إذا ذكرني) اعلم أن المعية المفهومة عند العقل لا تخلو عن أحد هذه الأقسام، إما معية الجزء مع الكل، أو معية العَرَض مع الجوهر، والصفة مع الموصوف، أو الساري مع المسريِّ فيه، كالماء مع الورد، أو الظرف مع المظروف، أو الجارَين أو المتلاصقين، ويستحيل ذلك كله في الباري تعالى وتقدس، وما هو إلا بالتوفيق والمعونة، أو كنايةٌ عن سماعه ما يقوله الذاكر، أو إظهار نور حضوره وشهوده في قلبه، وفي الحقيقة لا يمكن التعبير عنه بلسان القال، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.
وفي رواية: (أنا جليس من ذكرني) وهو أيضًا محمول على مثل هذا المعنى.
стр. 2515
فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٠٥، م: ٢٦٧٥].
ــ
وقوله: (فإن ذكرني في نفسه) أي: سرًّا (ذكرته في نفسي) أي: أُسرُّ ثوابَه وأتولى بنفسي إثباته بحيث لا يعلمه أحد من الملائكة، كذا قالوا، ولا يخفى أن للَّه تعالى كلامًا نفسيًّا ولفظيًّا كما حقق في موضعه، فيذكر العبدَ بكلا الكلامين، ولا محذور فيه، والثواب لازم لذكره تعالى عبدَه وأثرٌ له، وهذا كما قالوا: إن محبة اللَّه للعبد توفيقُه له، والتحقيق أن المحبة صفة للَّه تعالى من غير أن يكون هنا انجذاب وانفعال، والتوفيق أثره ولازمه، فتدبر.
وقال القاضي عياض: يحتمل كونه على ظاهره تشريفًا له.
وقوله: (وإن ذكرني في ملأ) الملأ بفتح الميم واللام واحد الأملاء، وهم أشراف القوم ورؤساؤهم ومقدَّموهم، وفيه دليل على جواز الذكر جهرًا.
وقوله: (ذكرته في ملأ خير منهم) قد يستدل بهذا على أفضلية الملائكة من البشر، قال الطيبي (١): المراد ملأ من الملائكة المقربين وأرواح المرسلين لا الملائكة فحسب.
وفيه نظر؛ لأن النقص باق بالذاكر في مجلسه ﷺ ، إلا أن يقال: إن روحه الأقدس قد كان في الملائكة في الأوقات، وبهذا صار ذلك الملأ خيرًا، ولا يجب أن يكون في وقت الذكر هنالك.
والأحسن أن يقال: الخيرية من جهة النزاهة والتقدس والعلو والقرب ثابتة للملأ الأعلى, وهي لا تنافي أفضيلة البشر من جهة كثرة الثواب كما قالوا، وإلى هذا مآل
стр. 2516
٢٢٦٥ - [٥] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيْدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٨٧].
٢٢٦٦ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ،
ــ
ما قيل: إن خيريتهم لكونهم عند اللَّه وكونهِ معهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقوله تعالى للملائكة: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢]، والعندية والمعية وإن كان شاملا للبشر أيضًا، ولكن للملائكة أقدم وأسبق، وظهور سلطان الربوبية وأنوار القدس في عالم الملكوت أكثر وأظهر، وإن كان البشر أفضل من وجه آخر، وقد صرح باختلاف الجهتين كثير من العلماء، ولعل هذا هو الوجه، واللَّه أعلم.
٢٢٦٥ - [٥] (أبو ذر) قوله: (من تقرب مني شبرًا) الشبر بالكسر: ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر، و (الذراع) من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، وما يُذْرَع به الثوب، و (الباع) قدر مد اليدين كالبَوع ويُضمّ، و (الهرولة) بين العَدْو والمشي، وهو كناية عن سبق رحمة اللَّه تعالى وقربه من العباد، وزيادة ثوابه وعطائه وفضله على طاعاتهم وأعمالهم.
وقوله: (من لقيني بقراب الأرض) بالضم والكسر، أي: بملئه وقَدْرد، وقراب الشيء: ما قارب قدره.
٢٢٦٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من عادى لي وليًّا) (لي) صفة لقوله: (وليًّا)،
стр. 2517
وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أَحْبَبْتُهُ،
ــ
والولي بمعنى المحب والناصر ومن يتولى الأمر، فعيل بمعنى فاعل ومفعول.
وقوله: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه) يدل على أن قرب العبد من ربه بأداء الفرائض أتمُّ وأكمل مما يحصل من أداء النوافل؛ لأن فناء العبد وانعزاله من اختياره في امتثال الأمر أشد في أداء الفرائض؛ فإن النوافل يهديها العبد إلى الرب بالاختيار والتبرع، ويحصل في الأول فناء الذات وفي الثاني فناء الصفات، كذا قالوا، وهذا هو المشهور المتداول بألسنة القوم في متأخر الزمان.
وأقول -وباللَّه التوفيق-: إن فائدة النوافل في الحقيقة تكميل الفرائض وتتميم ما وقع فيها من النقصان، فيكون القربُ الحاصل بأداء النوافل بعد أداء الفرائض وتكميلها بها أتمَّ وأكمل باجتماع القربين، فهذا المقام المشار إليه بالحديث هو مقام الفناء في التوحيد الذي يكون وجود العبد وأفعاله وذاته وصفاته فانيًا، ولم يبق في نظر شهوده سوى الحق وذاته وصفاته وأفعاله، وهي أكمل المراتب وأعلى المقامات في القرب شاملًا لجميع أقسامها التي قسَّمها إليها بعض المتأخرين من الصوفية، ولهذا قصر عليه سيدنا ومولانا قطب العارفين غوث الثقلين محي الدين عبد القادر الجيلاني ﵀ في كتابه (فتوح الغيب)، وجعله آخر المراتب ونهايتها، قال: قال اللَّه تعالى: أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، فاللَّه تعالى لا يكون عندك حتى تنكسر جملة هواك وإرادتك؛ فإذا انكسرت ولم يثبت فيك شيء ولم تصلح لشيء، فيَجعل فيك إرادة فتريد بتلك الإرادة، فإذا وُجِدْت بتلك الإرادة المنشأة فيك كَسَرها الرب تعالى لوجودك، فتكون منكسر القلب أبدًا، فهو لا يزال يجدد فيك إرادة، ثم يزيلها عند وجودك فيها، هكذا إلى أن يبلغ الكتاب أجله فيحصل اللقاء، قال اللَّه تعالى في بعض ما يذكره
стр. 2518
فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ فَكُنْتُ سَمْعَهُ (١) الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ. . . . .
ــ
عنه نبيه ﷺ : (لا يزال عبدي المؤمن يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش)، وهذا إنما يكون حالة الفناء لا غير، فتعمى عما سواه فلا ترى بغيره وجودًا.
هذا كلامه الأقدس، وهو كلام تام شامل لجميع مراتب الفناء، لا كما يزعمه بعض القاصرين أنه مرتبة قرب النوافل وأدنى المراتب، فافهم. وباللَّه التوفيق، وهو يقول الحق ويهدي السبيل.
وقوله: (فكنت سمعه. . . إلخ) يعني: ما يسمع شيئًا ولا يبصر شيئًا ولا يبطش شيئًا ولا يمشي إلى شيء إلا والحق سبحانه منظوره ومشهوده، على ما أشار إليه بعض العارفين بقوله: ما رأيت شيئًا إلا ورأيت اللَّه فيه أو معه أو قبله أو بعده على تفاوت الأحوال، وأول هذه المراتب العمل لامتثال أمر اللَّه ونية التقرب إليه، وآخره الفناء في التوحيد، وإذا بلغ العبد هذه المرتبة يستجاب دعاؤه البتة بفنائه عن إرادته وتمحض عبوديته.
وقوله: (ولئن استعاذني) بنون الوقاية، وفي بعض النسخ بالموحدة، وهذا أظهر معنى وإن كان الأول أشهر رواية.
وقوله: (وما ترددت) إشارة إلى بعض آثار المحبة وخواصها، وتولي الحق سبحانه
стр. 2519
تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٠٢].
٢٢٦٧ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تنادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ" قَالَ: "فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا" قَالَ: "فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ " قَالَ: "يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُحَمِّدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ"، قَالَ: "فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ " قَالَ: "فَيَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ"، قَالَ فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: "فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً،
ــ
لوليه إلى آخر وقت الموت، وتخصيصه برضوانه وكرامته، وتحبيب الموت والوصول بجنابه إليه، وإطلاقُ التردد على اللَّه سبحانه غير جائز، والمراد به التأخر والتوقف، وعبر به عما صنع بعبده مما يهوِّن عليه الموت بحبه إليه، أو يصيره مشتاقًا إلى الآخرة بإنزال البلايا والأمراض الموصلة له إلى النعيم الباقي ودار البقاء والكرامة والرضوان.
٢٢٦٧ - [٧] (عنه) قوله: (هلموا إلى حاجتكم) وارد على استعمال بني تميم في الجمع والتثنية، وأهل الحجاز يوحدونه في كل حال، وقد سبق تحقيقه في بعض المواضع من الكتاب.
وقوله: (فيسألهم ربهم) فائدة السؤال: إظهار شرف بني آدم وصلاحهم وتسبيحهم وتقديسهم، والتعريض للملائكة في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وقوله: (ويمجدونك) قريب من معنى التكبير، وفي بعض الشروح: أي يذكرونك
نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٥٠].
ــ
الرجل لما يكون معاشه به كالزراعة والتجارة، وفي (القاموس) (١): الضيعة: العقار والأرض المُغلة.
وقوله: (وفي الذكر) عطف على (عندي).
وقوله: (على فرشكم وفي طرقكم) أي: دائمًا في جميع الأحوال المتضادة والأوقات المتباينة.
وقوله: (ساعة وساعة) لفظ (المصابيح): (ساعة فساعة) بالفاء، قال التُّورِبِشْتِي: أي: ساعة في الحضور تؤدون حقوق ربكم، وساعة في الغيبة فتقضون حقوق أنفسكم، فأدخل فاء التعقيب في الثانية تنبيهًا على أن إحدى الساعتين مُعقَّبةٌ بالأخرى، وأن الإنسان لا يصبر على الحق الصرف والجد المحض.
وقوله: (ثلاث مرات) الظاهر أنه لتكرير هذه العبارة وهو قوله: (ولكن يا حنظلة ساعة وساعة).
أو قوله: (ساعة وساعة)، ويحتمل أن يكون المراد تثليث لفظ ساعة، أي: ساعة في الحضور في الذكر، وساعة في أداء حق النفس خاصة، وساعة في العافية، واللَّه أعلم (٢).
стр. 2524
* الْفَصْلُ الثاني:
٢٢٦٩ - [٩] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ؟ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ؟ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ والوَرِقِ؟ وخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "ذِكْرُ اللَّهِ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَقَفَهُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ. [ط: ٧١٦، حم: ٦/ ٤٤٧، ت: ٣٣٧٧، جه: ٣٧٩٠].
٢٢٧٠ - [١٠] وَعَن عَبْدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ: "طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ" قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٤/ ١٨٨، ت: ٣٣٧٥].
ــ
الفصل الثاني
٢٢٦٩ - [٩] (أبو الدرداء) قوله: (والورق) في (القاموس) (١): الوَرْقُ مُثَلَّثَةً، وككَتِفٍ وجَبَلٍ: الدَّراهِمُ المَضْروبَةُ، وفي (مجمع البحار) (٢): الورق بكسر راء وتسكين، وبكسر واو مع سكون، والرقة بكسر راء وخفة قاف: الدراهم المضروبة، وفي الحديث دليل على أن ذكر اللَّه تعالى خير من التصدق، فلعل ما يقال: إن العبادة المتعدية أفضل من اللازمة مخصوص بغير الذكر.
٢٢٧٠ - [١٠] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (ولسانك رطب) عبارة عن سهولة جريانه
стр. 2525
٢٢٧١ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا" قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "حِلَقُ الذِّكْرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥١٠].
٢٢٧٢ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٥٦].
ــ
من الموت وهو كناية عن مداومة الذكر، وقيل: أي: متحرك، وقيل: أي: قريب العهد من الموت.
٢٢٧١ - [١١] (أنس) قوله: (حلق الذكر) في (المشارق) (١): الحلقة بفتح الحاء وسكون اللام، وقيل: بفتحها، والأول أشهر، وهي حلقة القوم يتحلقون فيها، والجمع حِلَق بكسر الحاء، مثل: بَدْرة وبِدَر، قاله الخطابي، وذكرها غير واحد بالفتح، ومنه قوله في الصحيح: الحلق في المسجد، و: حَلَق أصحاب محمد، وقال الحربي: فيه: الحَلَق والحَلْقة بالسكون مثل: ثمرة وثمر، قال: ولا أعرف حَلَقة بالفتح إلا جمع حالق.
وفي الحديث دليل على أن التحليق للذكر مشروع.
٢٢٧٢ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (كانت عليه من اللَّه ترة) أي: حسرة ونقصان، وروي بالرفع والنصب، فبالرفع يكون اسم كان، وبالنصب خبره، و (كانت) إن روي بالتأنيث فعلى تقدير النصب يجعل ضميره (للقعدة) و (الاضطجاعة)، وإن روي بالتذكير فلا حاجة إلى ذلك.