← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

ذُو الْجَلَالِ، وَالإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ، ــ نفوسنا، ولا تجعلنا أسيرًا لشهواتنا، وانصرنا على مملكتها، واعصمنا عن تبعاتها، لك الملك ولك الحكم، وأنت ملك الملوك، وأحكم الحاكمين. وقوله: (ذو الجلال والإكرام) الذي لا جلال ولا كمال إلا وهو ثابت له، ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي صادرة منه، فالجلال له في ذاته، والكرامة فائضة منه على عباده، وأنواع إكرامه عبادَه لا تكاد تنحصر وتتناهى، ويتضمن جملتَها قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ومن عرف جلال اللَّه تذلل له، ومن عرف إكرامه شَكَره، فلا يخدم ولا يسأل غيره. والتخلق بأن يحصِّل لنفسه جلالًا وشرفًا وكمالًا، ويكرم وينعم عباد اللَّه على ما يليق وينبغي، اللهم يا ذا الجلال والإكرام شرفنا بجلالك وكمالك، وخَصِّصْنا بإكرامك وإنعامك، واجعلنا متذللين عند مشاهدة جلالك، وشاكرين بملاحظة إكرامك مستصغرين من عداك، ومستنكفين عن السؤال عن الأغيار مستغنين بك عمن سواك. وقوله: (المقسط) الذي ينتصف للمظلوم من الظالم، يقال: قسط: إذا جار، وأقسط: إذا عدل، فالهمزة للإزالة، قال الإمام الغزالي (١): وكماله أن يضيف إلى إرضاء [المظلوم إرضاءَ] الظالم، وذلك غاية العدل والإنصاف، ثم ذكر حديث إراءة اللَّه سبحانه الظالم الجنة، وقوله: من يشتري، وقول الظالم: ومن يطيق شراءه، ومن الذي عنده ثمنه، وقول اللَّه : عندك ثمنه، وهو أن تعفو عن أخيك، والإنصاف من النِّصْف كأنه لما راعى الجانبين نصَّفَ، فنصف لهذا ونصف لذلك، والتخلق به أن يجتنب الظلم رأسًا على نفسه ثم على غيره ويسعى في إماطته، وأوفر العباد حظًّا من هذا الاسم من ينتصف أولًا من نفسه ثم لغيره، ولا ينتصف لنفسه من غيره.

стр. 2592

الْجَامِعُ، الْغَنِيُّ، الْمُغْنِي، ــ اللهم اجعلنا من المقسطين، ولا تجعلنا من القاسطين، واحفظنا أن نظلم أنفسنا وعبادك المستضعفين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. وقوله: (الجامع) هو المؤلف بين المتماثلات، كجمعه الخلق الكثير من الإنس على ظهر الأرض، وحشرهم في صعيد القيامة، وبين المتباينات كجمعه بين السماوات والكواكب، والهواء والأرض والبحار، والحيوانات والنباتات والمعادن المختلفة، وكل ذلك متباين الأشكال والألوان والطعوم والأوصاف، وقد جمعها في الأرض، وجمع الكل في العالم، وكذلك بين العظم والعصب والعِرق والعضلة والمخ وسائر أجزاء الحيوان فيه، وبين المتضادات، كجمعه العناصر وكيفياتها في المزاج، وذلك أبلغ وجوه الجمع، ومَن جمع بين العلم والعمل والكمالات النفسانية والجسمانية فله حظ من هذا الاسم، قال بعض المشايخ: وقد جمع اللَّه قلوب العارفين إلى شهود تقديره حتى يتخلص من أسباب التفرقة، فلا يرى الوسائط ولا ينظر إلى الحادثات إلا بعين التقدير، وجمع همومَهم في طلبه وقلوبَهم إلى ذكره: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. اللهم اجمع فينا أسرارك وأنوارك، واجعلنا جامعين بين مرتبتي الفرق والجمع وشهود الوحدة والكثرة، واجمع بيننا وبين حبيبك المصطفى وآله وأصحابه وأتباعه يوم القيامة يا جامع المتفرقين. وقوله: (الغني، المغني) الغني هو الذي لا يحتاج في ذاته وصفاته وأفعاله إلى غيره، ولا يتعلق بالغير، بل يكون منزّهًا عن العلاقة مع غيره، ويكون هو المغني أيضًا، ولكن الذي أغناه لا يتصور أن يكون غنيًّا مطلقًا، فإن أقل أموره أنه يحتاج إلى المغني كالواجب بالغير، والغني الحقيقي المطلق هو اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى

стр. 2593

الْمَانِعُ، ــ اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، وقد يغني اللَّه بعض عباده عن السؤال منه رضاءً بقضائه واكتفاءً بعلمه، ولكن ذلك لا يرفع الاحتياج الذاتي وإنما هو ترك الإظهار ورفع الاختيار، ومن عرف أنه المغني، وقطع طمعه عن سواه، ولا يسأل إلا إياه، فقد فاز بحظ من اسم الغني، ثم إذا سدّ خلة المحتاجين، وأغناهم عن السؤال، وأفاض من فضل نعمة اللَّه عنده على الفقراء والمساكين، حصل له حظٌّ من اسم المغني أيضًا، وفي دعاء بعض الأجلة من المشايخ: اللهم اجعلنا أفقر عبادك إليك، وأغناهم بالاكتفاء بما لديك، وأغنِنَا بلا سبب، واجعلنا سبب الغَناء لأوليائك وبرزخًا بينهم وبين أعدائك، واجعلنا راضين بقسمتك ومكتفين لعملك، فالسعيد حقًّا من أغنيته عن السؤال منك، والشقي حقًا من حرمته مع كثرة السؤال لك، فأغنِنَا بفضلك عن سؤالنا منك، ولا تحرمنا من رحمتك مع كثرة سؤالنا لك، إنك الغني المغني، وأنت على كل شيء قدير. وقوله: (المانع) هو الذي يردُّ أسباب الهلاك والنقصان في الأبدان والأديان، والمنعُ من أسباب الحفظ، وقد سبق معنى الحفيظ، فمن عرف معناه عرف معنى المانع، فالمنع له أبواب غير منحصرة كما أن حفظه أنواع غير متناهية، فالمنع من ضروريات الحفظ ولوازمه، لا يحصل الحفظ بدونه، فالمنع إضافة إلى السبب المهلك، والحفظ إضافة إلى المحروس عن الهلاك، وهو المقصد من المنع وغايته، والمنع من البلاء لطف ظاهر من اللَّه، وقد يكون من العطاء لطفًا خفيًّا منه تعالى، وقد يمنع المنى والشهوات عن نفوس من أراد تخصيصه، ويمنع الإرادات والاختيارات عن قلوب من أراد تخليصه. وقد ورد في بعض الروايات: (المعطي، المانع) في غير هذه الرواية من أبي

стр. 2594

الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ، ــ هريرة، فيزيد العدد على التسعة والتسعين، فإما أن لا يكون في تلك الرواية ذكر العدد أو متروكًا فيها ذكر اسم آخر، وقد عرفت عدم انحصار الأسماء في العدد المذكور، وكذا الحال في غيره من الأسماء المتروكة في هذه الرواية، والمذكور في غيرها، والتخلق باسم المانع بأن يكون مانعًا من تطرق الفساد والهلاك إلى الدين، وإلى الصالحين من عباد اللَّه، ويحفظ الدين وأهله من الآفات والمخافات، اللهم اجعلنا كذلك ووفقنا لذلك. وقوله: (الضار النافع) هو الذي يصدر منه الخير والشر والنفع والضرر، ومجموع الوصفين يرجع إلى الوصف بالقدرة التامة الشاملة، والقدرة صفة تشمل أكثر الصفات خصوصًا الفعلية منها، والفرق بالعموم والخصوص والجهات والحيثيات، فكل ما وقع في العالم منسوب إلى اللَّه تعالى بواسطة أو بغير ذلك، فلا يظن أن السم يقتل ويضرّ بنفسه، وأن الطعام يُشبع وينفع بنفسه، وكذلك كل أجزاء العالم من العلويات والسفليات وسائط وأسباب مسخرة لا يصدر منها إلا ما سخرت له، وكل ذلك بالإضافة إلى القدرة الأزلية كالقلم في يد الكاتب. ومن عرف ذلك استسلم لحكمه وقضائه، وفوض الأمور كلها إليه، وعاش في راحة من الخلق، والخلق في راحة منه، وهذا هو حظ العبد من هذا الوصف ومن أمثاله، وهذا هو نوع من التعلق، ووجه التخلق فيها لا تخلو عن خفاء، اللهم إلا أن يراد أن يكون ضارًّا أو مخذلًا لأعداء اللَّه، ونافعًا وناصرًا لأوليائه، نسأل اللَّه تعالى إياه إنه على كل شيء قدير، واللَّه أعلم. وقوله: (النور) هو الظاهر الذي به كل الظهور؛ فإن الظاهر بنفسه المظهر لغيره يسمى نورًا، ومهما قوبل الوجود بالعدم كان الظهور للوجود، ولا ظلام أظلم من العدم،

стр. 2595

الْهَادِي، الْبَدِيعُ، ــ فالبريء عن ظلمة العدم -بل عن إمكان العدم- المخرجُ كلَّ الأشباء من ظلمة العدم إلى ظهور الوجود جدير بأن يسمى نورًا، والوجود نور فائض على الأشياء كلها من نور ذاته، فهو نور السماوات والأرض، والذي أودعَ في قلوب الخاصة من عباده من أنوار الطاعات والأخلاق والمعارف، والتوحيد نورٌ على نور، يهدي اللَّه لنوره من يشاء، والتخلق به: أن يكون ظاهرًا متنوِّرًا بنور الإيمان والعرفان، ومُظْهِرًا لأحكام الدين، ومنوِّرًا للعالم بنور الإيقان، وكمال ذلك لمحمد ﷺ ، فهو النور، ومعه النور، ومنه النور، فهو مطلع الأنوار ومجمع الأسرار، اللهم نوِّر قلوبنا بنوره، واجعلنا ظاهرين بظهوره. وقوله: (الهادي) هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والذي قدّر فهدى، كما هدى الطفلَ إلى التقام الثدي عند انفصاله، والفرخَ إلى التقاط الحبِّ وقت خروجه، والنحلَ إلى بناء بيته على شكل التسديس لكونه أوفق الأشكال له، وشرحُ ذلك يطول، والذي هدى خاصة عباده إلى سواء الطريق، وأطلع في طريقهم أنور التوفيق، وأحظى الناسِ بهذا الاسم الأنبياء والأولياء والعلماء الوارثون الذين هدوا الخلائق إلى الطريق القويم والصراط المستقيم، وهم مسخرون تحت قدرته وتدبيره الذي هداهم به إلى مصالحهم في الدنيا والدين، اللهم اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وقوله: (البديع) هو الذي لم يعهد مثله، فإنه لم يعهد بمثله لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهو البديع المطلق، وليس ذلك إلا اللَّه سبحانه، وقد يجعل البديع بمعنى المبدع، وقد فسِّر بالمعنيين قولُه تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]، وكل عبد اختص بخاصية من النبوة أو الولاية أو العلم بحيث لم يُعهد مثلها، أو أبدع

стр. 2596

الْبَاقِي، الْوَارِثُ، ــ شيئًا من الأمور الراجعة إلى صفة الكمال، إما في سائر الأوقات، وإما في عصره، فهو بديع، وأبدعُ المخلوقات محمد ﷺ ، وهو الفرد الكامل الأوحد في الاتصاف بصفات اللَّه. والتخلق بأسمائه تعالى على الإطلاق، اللهم خُصّنا بمزايا كرمك، وبدائع فضلك، وخصائص لطفك وإنعامك، إنك على كل شيء قدير. وقوله: (الباقي) هو الدائم الوجود الذي لا يقبل الفناء، قال الغزالي (١): هو الموجود الواجب وجوده بذاته، لكنه إذا أضيف في الذهن إلى الاستقبال سمي باقيًا، وإذا أضيف إلى الماضي سمي قديمًا، والباقي المطلق هو الذي لا ينتهي تقدير وجوده في الاستقبال إلى آخر، ويسمى أبديًّا، والقديم المطلق هو الذي لا ينتهي تمادي وجوده في الماضي إلى أول، ويسمى أزليًّا، ومفهوم واجب الوجود بذاته متضمن لجميع ذلك، وإنما هذه الأسامي بحسب إضافة هذا الوجود في الذهن [إلى الماضي والمستقبل] وإلا فهو موجود قبل الزمان وبعده، وإنما يدخل في الماضي والمستقبل المتغيرات. والتخلق بهذا الاسم بأن يسعى في تحصيل كمال يبقى آثاره بعده، ويَفنى في جلال الحق وكماله حتى يبقى ويَحيى بحياة أبدية، اللهم اجعلنا فانين عنا باقين بك، وارزقنا حياة أبدية بالتخلق بأسمائك وصفاتك، غائبين عن وجودنا بشهود ذاتك. وقوله: (الوارث) الباقي بعد فناء الموجودات الذي يرجع إليه الأملاك بعد فناء المُلَّاك، وهذا بالنظر الظاهر، وأما في الحقيقة فهو المالك على الإطلاق من الأزل إلى الأبد، ولم يتبدل ملكه ولا يزال، فأرباب المعرفة يسمعون دائما نداءَ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ

стр. 2597

الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعْوَاتِ الْكَبِيْرِ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٠٧، "الدعوات الكبير": ١/ ٣٧٧]. ــ الْيَوْمَ﴾، وجوابَ: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، من غير حرف وصوت، ويوقنون بأن الملك والملكوت للَّه ليس له شريك ومساهم، عظم ملكه وجل جلاله. والتخلق فيه يتصور على نحو ما ذكرنا في معنى الباقي، اللهم اجعلنا وارثين العلم والدين من سيد أنبيائك وسند أصفيائك، اللهم متّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوانا، واجعله الوارث منّا، آمين. وقوله: (الرشيد) هو الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سَنَن السداد من غير استشارة واسترشاد، وقيل: هو بمعنى المُرشد، واللَّه تعالى رشد كلَّ عبد بقدر هدايته في تدبيراته إلى الصواب في مقاصد دينه ودنياه، ممن استشاره من جنابه، واستخاره في مبدئه ومآبه، والتجأ إليه وسقط على بابه، اللهم أرشدنا وألهمنا الصواب، واجعلنا راشدين مصيبين في كل باب. وقوله: (الصبور) هو الذي لا يستعجل في مؤاخذة العصاة ومعاقبة المذنبين، والفرق بينه وبين الحليم: أن الصبور يُشعر بأنه يعاقب بالآخرة بخلاف الحليم. وقال الإمام الغزالي (١): هو الذي لا تحمله العَجَلة على المسارعة إلى الفعل قبل أوانه، بل ينزل الأمور بقدر معلوم، ويجريها على سَنَن محدود، ولا يؤخرها عن آجالها المقدرة تأخير متكاسل، ولا يقدمها على أوقاتها تقديم مستعجل، بل يودع كل شيء في أوانه على الوجه الذي يجب أن يكون، وكما ينبغي أن يكون، وكل ذلك في حق اللَّه سبحانه من غير مقاساة داع على مضادة الإرادة.

стр. 2598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما صبر العبد فلا يخلو عن مقاساة؛ لأن معنى صبره هو ثباتُ داعي الدين أو العقل في مقابلة داعي الشهوة والغضب، ووجه التخلق به ظاهر، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. تم شرح الأسماء الحسنى بفضل اللَّه وتوفيقه، ونختمه بكلمة نقلها الإمام محمد الغزالي (١) عن الشيخ أبي علي الفارمذي رحمهما اللَّه، حيث قال: سمعت الشيخ أبا علي الفارمذي يحكي عن شيخه أبي القاسم الكركاني قدس اللَّه روحهما أنه قال: [إن] الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافًا للعبد السالك، وهو بَعْدُ في السلوك غير واصل، انتهى. ويشكل هذا في بادئ النظر أن الظاهر من كلام القوم أن السلوك عبارة عن تهذيب الأخلاق ونفي صفات البشرية، فإذا حصل هذا حصل الفناء، وبه يتم السلوك وبعده البقاء والوصول، وإذا تخلق العبد بأخلاق اللَّه واتصف بصفاته فقد خرج عن صفات البشرية وفني عنها، فماذا بقي بعدُ من الوصول؟ وبهذه الملاحظة قال الإمام: فإن قلت: فما معنى قوله: إن العبد مع الاتصاف بجميع ذلك سالك لا واصل، فما معنى السلوك وما معنى الوصول؟ فاعلم أن السلوك هو تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف، وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن، والعبد في جميع ذلك مشغول بنفسه عن ربه إلا أنه مشتغل بتصفية باطنه استعدادًا للوصول بأن ينكشف له جلية الحق ويصير مستغرقًا به، فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف

стр. 2599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلا اللَّه، وإن نظر إلى همته فلا همة له سواه، فيكون كله مشغولًا بكله مشاهدة، ولا يلتفت في ذلك إلى نفسه ليعمر ظاهره بالعبادة أو باطنه بتهذيب الأخلاق، وكل ذلك طهارة وهي البداية، وإنما النهاية أن ينسلخ من نفسه بالكلية ويتجرد [له]، فيكون كأنه هو، وذلك هو الوصول. هذا كلام الإمام، ويختلج أن كلام الشيخ بعد حصول التخلق بمعاني هذه الأسماء، فيتم بذلك السلوك ويحصل بعده الوصول، فما معنى قوله: وهو بعد في السلوك غير واصل؟ فافهم. قال العبد الضعيف عفا اللَّه عنه: لا يخفى أن للتخلق والاتصاف مراتب ودرجات بعضها فوق بعض، وبهذا تتفاوت درجات الأولياء ومراتبهم، فيمكن أن يكون مراد الشيخ أبي القاسم من قوله: إن الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافا للعبد السالك، صيرورتَها في الجملة في أول درجاتها وما يليها، وهو بعدُ في السلوك، أي: في تتميم الاتصاف والتخلق وتكميله حتى يبلغ النهاية التي يمكن له البلوغ إليها، فإذا بلغ النهاية وصل هذا، ولو قيل بحصول الوصول في المراتب التي فوق مرتبة النهاية جاز إطلاق الوصول، لكن كلامه -قدس سره- في أعلى مراتب الوصول مما يبلغ به النهاية. وهذا معنًى واضح يكون هو المراد إن شاء اللَّه، ويُستأنس له بما ذكر الشيخ العالم العارف الكامل شهاب الملة والدين عمر السهروردي رحمة اللَّه، في (عوارف المعارف) (١) مما يُشعر بتفاوت مراتب الوصول وتعددها: اعلم [أن] كل من وصل إلى صفو اليقين بطريق الذوق والوجدان فهو رتبة في الوصول، فيتفاوتون: فمنهم من يجد اللَّه تعالى بطريق الأفعال وهو رتبة في التجلي، فيفنى فعلُه وفعل

стр. 2600

٢٢٨٩ - [٣] وَعَن بُرَيْدَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ فَقَالَ: "دَعَا اللَّه بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٤٧٥، د: ١٤٩٣]. ــ غيره لوقوعه مع فعل اللَّه تعالى، ويخرج في هذه الحالة من التدبير والاختيار، وهذه رتبة في الوصول. ومنهم من يوقف في مقام الهيبة والأنس بما يكاشف قلبه من مطالعة الجلال والجمال، وهذا تجلِّي طريق الصفات وهو مرتبة في الوصول. ومنهم من يرقى إلى مقام الفناء مشتملًا على باطنه أنوار اليقين والمشاهدة، مغمًّى في شهوده عن وجوده، وهذا ضرب من تجلي الذات للمقربين، وهذه رتبة، وفوق هذا رتبة حق اليقين، ويكون من ذلك [للخواصِّ] لمح في الدنيا، وهو سريان نور المشاهدة في كلية العبد حتى يحظى بها روحه وقلبه ونفسه حتى قالبه، وهذا من أعلى رتب الوصول. فإذا تحققت الحقائق يعلم العبد مع هذه الأحوال الشريفة أنه في أول المنزل فأين الوصول؟ هيهات منازل طريق الوصول لا تنقطع أبدًا [أبد] الآباد في عمر الآخرة الأبدي فكيف في العمر القصير الدنياوي! واللَّه أعلم. ٢٢٨٩، ٢٢٩٠ - [٣، ٤] (بريدة، أنس) قوله: (دعا اللَّه باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب) السؤال أن يقول العبد: أعطني، فيعطي، والدعاء أن ينادي ويقول: يا رب، فيجيبه الرب تعالى ويقول: لبيك يا عبدي، ففي مقابلة السؤال الإعطاء، [وفي مقابلة] الدعاء الإجابة، وهذا هو الفرق بينهما، ويذكر

стр. 2601

٢٢٩٠ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ وَرَجُلٌ يُصَلِّي فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعَا اللَّه بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٥٤٤، د: ١٤٩٥، ن: ١٣٥٠، جه: ٣٨٥٨]. ــ أحدهما مقام الآخر أيضًا، فتدبر. واعلم أنه قد وردت أقوال من العلماء في الاسم الأعظم ذكرها السيوطي في رسالة مسماة بـ (الدر المنظم في الاسم الأعظم) فقال قائلون: إن أسماء اللَّه تعالى كلها عظيمة لا يجوز تفضيل بعضها على بعض، وينسب هذا القول إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة غيرهما، وحمل هؤلاء ما ورد من ذكر الاسم الأعظم على أن المراد به العظيم. وقال الطبراني: اختلف في تعيين الاسم الأعظم، والذي عندي أن الأقوال كلها صحيحة؛ إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه، فكأنه يقول: كل من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم فيرجع إلى معنى عظيم. وقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار المراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك، ومثل ذلك في القرآن أيضًا، والمرادُ به مزيد ثواب القارئ، يعني: ليس في ذاته زيادةً عظيمةً بل ذلك باعتبار أمر خارج ولا بحث فيه، فتدبر. وقيل: إنه مما استأثر اللَّه بعلمه ولم يُطْلع عليه أحدًا من خلقه، كما قيل بذلك في ليلة القدر وساعة الجمعة والصلاة الوسطى، وقد عينه بعضهم لظاهر ما ورد في

стр. 2602

٢٢٩١ - [٥] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وَفَاتِحَةُ (آل عمرانَ): ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٤٧٨، د: ١٤٩٦، جه: ٣٨٥٥، دي: ٣٤٣٢]. ٢٢٩٢ - [٦] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذا دَعَا رَبَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ. . . . . ــ الأحاديث، فمنه: ما ورد في هذا الحديث عن بريدة، رواه الترمذي وأبو داود وابن حبان والحاكم، أنه: لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. ونقل السيوطي عن الشيخ ابن حجر (١) أنه قال: هذا أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك. ومنه: ما ورد في حديث أنس الآتي: (الحنان المنان بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم). وفي رواية: (الحي القيوم). وقد روى هذا الحديث أحمد والحاكم وابن حبان وأبو داود، ورواه في الكتاب عن الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه. ٢٢٩١، ٢٢٩٢ - [٥، ٦] [ومنه] ما ورد في حديث أسماء بنت يزيد، أنه: (﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾) و (﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾). وما ورد في حديث سعد: (﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾).

стр. 2603

إلَّا اسْتَجَابَ لَهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ١/ ١٧٠، ت: ٣٥٠٥]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٢٩٣ - [٧] عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ الْمَسْجِدَ عِشَاءً فَإِذَا رَجُلٌ يَقْرَأُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه! أَتَقُولُ: هَذَا مُرَاءٍ؟ قَالَ: "بَلْ مُؤْمِنٌ مُنِيبٌ" قَالَ: وَأَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يَقْرَأُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَتَسَمَّعُ لِقِرَاءَتِهِ، ثُمَّ جَلَسَ أَبُو مُوسَى يَدْعُو فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّه، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَحَدًا صَمَدًا لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، ــ وأخرج الحاكم أنه قال رجل: يا رسول اللَّه! هل كانت ليونس خاصة؟ فقال: ألا تسمع قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]، وأخرج ابن أبي حاتم (١) عن كثير بن معبد قال: سألت الحسن عن اسم اللَّه الأعظم، فقال: أما تقرأ القرآنَ قولَ ذي النون، وذكر الآية. الفصل الثالث ٢٢٩٣ - [٧] (بريدة) قوله: (أتقول) أي: أتعتقد أو تحكم، وفي (شرح السنة): (أتراه) أي: أتظن. وقوله: (قال: وأبو موسى الأشعري يقرأ) فالرجل في صدر الحديث أبو موسى، وقال الطيبي (٢): فاعل (قال) ضمير راجع إلى رسول اللَّه ﷺ ، ولا يدرى وجهه، بل الظاهر أنه راجع إلى بريدة. وقوله: (أحدًا صمدًا) منصوبان على الاختصاص، وفي بعض الروايات مرفوعان

стр. 2604

وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَقَدْ سَأَلَ اللَّه بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه! أُخْبِرُهُ بِمَا سَمِعْتُ مِنْكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ" فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ لِي: أَنْتَ الْيَوْمَ لِي أَخٌ صَدِيقٌ حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّه ﷺ . رَوَاهُ رَزِيْنٌ. [أخرجه النسائي في الكبرى: ١١٢٤٤، وأحمد: ٥/ ٣٤٩]. * * * ــ معرّفان، وهذا يوافق الحديث الأول عن بريدة، لكن كان فيه: (إلا هو)، وههنا: (إلا أنت). وقوله: (حدثتني بحديث رسول اللَّه ﷺ ) فيه إشعار بأن الباعث له على مؤاخاته هو تحديثه بحديث رسول اللَّه ﷺ لا تضمنه لمدحه، ولو كان ذلك أيضًا ليس فيه بأس؛ لأن تبشيره به من لسان رسول اللَّه ﷺ سعادة عظيمة ليس فيه محل عجب أو تزكية للنفس. وههنا أقوال أُخر، فقيل: الاسم الأعظم بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وقيل: اللَّه؛ لأنه اسم لم يطلق على غيره، ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى، ومن ثَم أضيفت إليه، وقد روى ابن أبي حاتم (١) عن جابر بن زيد أنه قال: اسم اللَّه الأعظم هو اللَّه، وكذا جاء عن الشعبي. وقد جاء مثله عن القطب الفرد محيي الدين الشيخ عبد القادر الجيلاني. وقيل: هو، نقله الإمام فخر الدين عن بعض أهل الكشف، وقيل: الحي القيوم، وقيل: مالك الملك، وقيل: كلمة التوحيد، نقله عياض.

стр. 2605

٣ - باب ثواب التَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل والتَّكبير ــ وقيل: اللَّه الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، نقل الإمام الرازي عن الإمام زين العابدين: أنه كان يسأل اللَّه أن يعلمه الاسم الأعظم فأراه في المنام أنه هذا. وقيل: هو مخفيٌّ في الأسماء الحسنى، ويؤيده حديث عائشة: أنها لما دعت ببعض الأسماء الحسنى قال لها رسول اللَّه ﷺ : إنه لفي الأسماء التي دعوت بها. وقيل: اللهم، حكاه الزركشي في (شرح جمع الجوامع)، قالوا: من قال: اللهم، فقد دعا اللَّه بجميع أسمائه، ونقل ذلك عن الحسن البصري. وقيل: ألم، نقل ذلك عن ابن مسعود وابن عباس. وقال بعضهم: إنه كل اسم من أسمائه تعالى دعا العبد به مستغرقًا بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير اللَّه، فإن من تأتَّى له ذلك استجيب له، قاله الإمام جعفر الصادق والجنيد وغيرهما، وأخرج أبو نعيم في (الحلية) (١) عن أبي يزيد البسطامي أنه سأل رجل عن الاسم الأعظم، فقال: ليس له حد محدود، إنما هو فراغ قلبك بوحدانيته، فإذا كنت كذلك فارفع إلى أيِّ اسم شئت، فإنك تسير به إلى المشرق والمغرب. وأخرج عن أبي سليمان الداراني قال: سألت بعض المشايخ عن الاسم الأعظم فقال: تعرف قلبك؟ فقلت: نعم، قال: إذا رأيته قد أقبل ورَقّ فسلِ اللَّه حاجتك فذاك اسم اللَّه الأعظم. وأخرج عن أبي الربيع السائح: أن رجلا قال له: علمني الاسم الأعظم، فقال: اكتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أطع اللَّه يطعك، واللَّه أعلم. ٣ - بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيح وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ في (القاموس) (٢): سبّح تسبيحًا: قال: سبحان اللَّه، وسبحان اللَّه: تنزيهًا [للَّه] من

стр. 2606

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٢٩٤ - [١] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ". ــ الصاحبة والولد، معرفة، ونُصب على المصدر، أي: أبرّئ اللَّه من السوء براءة، والتحميد: حمد اللَّه مرة بعد مرة، ومنه (محمّد) كأنه حُمِد مرة بعد مرة. وهلل: قال: لا إله إلا اللَّه، وكبّر تكبيرًا وكِبَّارًا بالكسر مشددة: قال: اللَّه أكبر، والشيء: جعله كبيرًا، كذا في (القاموس) (١)، والتهليل مشتق من لا إله إلا اللَّه، انتهى. وقال التُّورِبِشْتِي (٢): العرب إذا كثر استعمالهم كلمتين ضموا بعض حروف إحداهما إلى بعض حروف الأخرى، مثل الحوقلة والبسملة، يقال: هيلل الرجل وهلّل: إذا قال: لا إله إلا اللَّه، وقد أخذتا من التهليل والهيللة، ومثله حيعل إذا قال: حي على الفلاح. الفصل الأول ٢٢٩٤ - [١] (سمرة بن جندب) قوله: (أفضل الكلام) قالوا: هو محمول على كلام البشر وإلا فالقرآن أفضل من الكل، فإن قيل: هذه الكلمات من القرآن، قلنا: الثلاثُ الأُول وجدت في القرآن دون الرابعة، وقد يروى أنه ﷺ قال: (أفضل الذكر بعد كتاب اللَّه سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر).

стр. 2607

وَفِي رِوَايَةٍ: "أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٣٧]. ٢٢٩٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٩٥]. ٢٢٩٦ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ". . . . . ــ وقوله: (لا يضرك بأيهن بدأت) لأن كلًّا منها مستقل فيما قصد بها من بيان جلال اللَّه وكماله، ولكنَّ لهذا الترتيب معانيَ مناسبةً؛ لأن الناظر في معرفة اللَّه يجد تنزيهه تعالى، ثم يجد النعم والكمالات كلها ثابتة للَّه سبحانه، ثم ينكشف له التوحيد، ثم عجزه عن ثنائه وتوحيده تعالى، كذا قيل. ٢٢٩٥ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (مما طلعت عليه الشمس) كأنه كناية عن المخلوقات كلها، وليست الأحبية مخصوصة بالنسبة إلى السفليات، فإن ذكر اللَّه تعالى أفضل وأحب من العالم كله. ٢٢٩٦ - [٣] (عنه) قوله: (في يوم) ظاهره الإطلاق، لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار، كذا قال الطيبي (١)، قلت: وفي آخره، كما يدل عليه الحديث الآتي. وقوله: (مثل زبد البحر) كنايةٌ عن الكثرة.

стр. 2608

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٠٥، م: ٢٦٩١]. ٢٢٩٧ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّه وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٩٣، م: ٢٦٩٢]. ٢٢٩٨ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٨٢، م: ٢٦٩١]. ــ ٢٢٩٧ - [٤] (عنه) قوله: (بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه) لا بد من تمحل في بيان معناه، بأن يقال: تقديره: لم يأت أحد بمُساوٍ لما جاء، أو بأفضل مما جاء، إلا أحد قال مثل ما قال، فإنه يأتي بمثله، أو أحد زاد عليه فإنه يأتي بأفضل منه، واللَّه أعلم. فإن قلت: كيف يجوز الزيادة وقد قالوا: إن تحديدات الشرع في الأعداد لا يجوز التجاوز عنها؟ قلنا: لما صرح في الحديث بجواز الزيادة علم أنه ليس من ذلك القبيل كأعداد الركعات ونحوها، فعدم جواز الزيادة في الأعداد ليس كلها، أو المراد: زاد عليه من أعمال الخير، فافهم. ٢٢٩٨ - [٥] (عنه) قوله: (خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان) الخفة والثقل من صفات الأجسام فاستعمالهما هنا مجاز، ويمكن إجراء الثقل على الحقيقة بناء على ما قيل من أن الموزون كُتُبُ الأعمال أو تجسم الأعمال، والأكثرون قائلون بوزن الأعمال أنفسها بناء على ظواهر النصوص، واللَّه تعالى قادر على ذلك.

стр. 2609

٢٢٩٩ - [٦] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَيَعْحِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ " فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: "يُسَبِّحُ مِئَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنهُ أَلْفُ خَطِيْئَةٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٩٨]. وَفِي كتَابِهِ فِي جَمِيع الرِّوَايَاتِ عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ: "أَوْ يُحَطُّ" قَالَ أَبُو بِكْرٍ البِرْقَانِي: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقطَّانُ عَنْ مُوسَى فَقَالُوا: "ويُحَطُّ" بِغَيْر ألِفٍ، هَكَذَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ. ــ ٢٢٩٩ - [٦] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (من جلسائه) ظاهر سَوق العبارة ينظر إلى أن الضمير لرسول اللَّه، إلا أنه لم يُستأنس ذكر هذه الكلمة في الأحاديث، ويمكن أن يكون لـ (سعد) فكأن بعض جلسائه استعجل السؤال قبل أن يذكر سعد تمام الحديث والسؤال والجواب، فيكون الضمير في (قال) أيضًا لسعد، فافهم. وقوله: (عن موسى الجهني: أو يحط) بألف، و (البرقاني) بكسر الباء الموحدة وفتحها -وقد يضم- وسكون الراء، نسبة إلى قرية من خوارزم، كذا في (المغني) (١). وقوله: (ويحط بغير ألف) أي: همزة، يعني بالواو، وهو ظاهر إذ الحسنات يذهبن السيئات، ويؤيده حديث أبي هريرة الآتي في آخر الفصل: (ومحيت عنه مئة سيئة)، قال الطيبي: وإذا جعل (أو) للتنويع فلا منافاة، فهما سِيّان في القصد (٢)، ولا يخلو عن خفاء، فإن (أو) للتنويع إنما تقال في مقابلة (أو) للشك، وأما معنى الترديد والانفصال فباقٍ، اللهم إلا أن يراد بما قال من جعل (أو) للتنويع معنى

стр. 2610

٢٣٠٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَا اصْطَفَى اللَّه لِمَلَائِكَتِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٣١]. ٢٣٠١ - [٨] وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجَدِهَا ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ قَالَ: "مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَقَدْ قُلْتُ. . . . . ــ ما يذكر في كتب المنطق من منع الخلو، فافهم. ٢٣٠٠ - [٧] (أبو ذر) قوله: (ما اصطفى اللَّه لملائكته) الظاهر أنه (سبحان اللَّه وبحمده) إنما أسند اصطفاء هذه الكلمة للملائكة إلى اللَّه تعالى؛ لأن قولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] إنما هو بتعليمه وإلهامه تعالى إياهم، بدليل قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]. فإن قلت: قد ورد: (أفضل الذكر لا إله إلا اللَّه)، ويلزم من هذا الحديث أن التسبيح أو هو مع الحمد أفضل؟ قلنا: التسبيح يتضمن التوحيد، فبهذا الاعتبار جعله أفضل. ٢٣٠١ - [٨] (جويرية) قوله: (في مسجدها) بفتح الجيم، أي: موضع سجودها وقد يكسر، ولعل المراد مكانٌ أعدته في بيتها للصلاة، وقد يسمى هو مسجدًا بكسر الجيم. وقوله: (بعد أن أضحى) أي: دخل في وقت الضحى. قوله: (ما زلت) بكسر التاء خطاب لجويرية بطريق الاستفهام.

стр. 2611

بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٢٦]. ــ وقوله: (بعدك) أي: بعد أن خرجت من عندك. وقوله: (أربع كلمات) المراد به الكلمات المذكورة للمبالغة وهي: (عدد خلقه) مع أخواته، والتسبيح مشترك بينها ليس زائدًا عليها. وقال الطيبي (١): هو نصب على المصدر، أي: تكلمت بعد مفارقتك أربع كلمات، ولا يظهر له وجه حسن، فإن الظاهر أنه مفعول (قلتُ). وقوله: (بما) أي: بكلمات (قلتِ) من وضع المظهر موضع المضمر. وقوله: (لوزنتهن) وقال الطيبي (٢): أي: ساوتهن أو رجحتهن، كما تقول: حاججته فحججته أي: غلبته، وقال في (المشارق) (٣): أي عَدَلتهن في الميزان، ووزنْته: عادلْته بغيره، ومنه قوله: (لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة) أي: لا يعدل. وقوله: (عدد خلقه) وما بعده منصوبات على المصدر، أي: أَعُدُّ تسبيحه بعدد خلقه وبمقدار ما يرضاه وبثقل عرشه، يقال: وَزَنَ الشيءُ وزنًا، أي: ثَقُلَ، وبمقدار كلماته، وهذا ادعاء ومبالغة في تكثيرها كأنه تكلم بها بهذا المقدار، فلا يتجه أن يقال: إنه ما معنى أسبحه بهذا المقدار سواء كان خبرًا أو إنشاء وهو لم يسبح إلا واحدة؟ فافهم.

стр. 2612

٢٣٠٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "من قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٠٣، م: ٢٦٩١]. ٢٣٠٣ - [١٠] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ فِي سَفَرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، ــ والمراد بكلمات اللَّه كلامه وهو صفة، وصفاته لا تنحصر بعدد، فذكر العدد مجاز للمبالغة في الكثرة، وقيل: المراد القرآن، وقيل: العلم، وقيل: الأذكار، وقيل: الأسماء، وقيل: المراد عدد أجورها. ٢٣٠٢ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (كانت له عدل) يروى بكسر العين وفتحها، وقال في (المشارق) (١): العدل بالفتح: المِثْل وما عادل الشيء وكافأه من غير جنسه، وبالكسر: ما عادله من جنسه وكان نظيره، وقيل: الفتح والكسر لغتان فيهما. ٢٣٠٣ - [١٠] (أبو موسى الأشعري) قوله: (اربعوا) ارفقوا، وفي (القاموس) (٢): ربع كمنع: وقف وتحبَّس، ومنه قولهم: اربع عليك، أو على نفسك، وفيه إشارة

стр. 2613

إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا وَهُوَ مَعَكُمْ، وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ" قَالَ أَبُو مُوسَى: وَأَنَا خَلْفَهُ أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فِي نَفْسِي فَقَالَ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ! أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٨٤، م: ٢٧٠٤]. ــ إلى أن المنع من الجهر للتيسير والإرفاق لا لكون الجهر غير مشروع، ثم أكده بقوله: (إنكم لا تدعون)، ووجه زيادة قوله: (بصيرًا) مع أنه لا حاجة إليه؛ لمناسبة. قوله: (سميعًا) فإنهما مذكوران معًا في أكثر المواضع، أو لإرادة أنه لا حاجة لكم إلى الجهر ورفع الصوت فإنه يسمع من غير جهر ورفع صوت، ومع وجود ذلك يبصر حالكم ويعلمها من صورتها وهيئتها، فافهم. وقال الطيبي (١): السميع البصير أشد إدراكًا وأكمل إحساسًا من الضرير والأعمى. وقوله: (وهو معكم) زيادة تأكيد. ومعنى كون (لا حول ولا قوة إلا باللَّه) كنزًا: أنه يُعَدُّ لقائله ويدخر له من الثواب ما يقع في الجنة موقع الكنز في الدنيا، وقال سيدنا ومولانا الشيخ عبد الوهاب المتقي -قدس اللَّه روحه- حين سألوه عن حقيقته وتكلموا فيها: يعرف إن شاء اللَّه حقيقة هذا في الجنة، ولا حاجة إلى البحث.

стр. 2614

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢٣٠٤ - [١١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٤٦]. ٢٣٠٥ - [١٢] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ صَبَاحٍ يُصْبحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مُنَادٍ يُنَادِي: سَبِّحُوا الْمَلِكَ القُدُّوسَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٦٩]. ٢٣٠٦ - [١٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ (١) ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ. [ت: ٣٣٨٣، جه: ٣٨٠٠]. ــ الفصل الثاني ٢٣٠٤ - [١١] (جابر) قوله: (غرست له نخلة) هذا على ظاهره، وأما ما ورد من أن سبحان اللَّه غراس الجنة، فيحتاج إلى تأويل بأنه لما كان سببَ الغِراس سمي به، وله تأويل آخر مذكور في كلام بعض المحققين، حاصله: أن الشيء يكون في موطن عرضًا وفي موطن آخر جوهرًا فغراس الجنة عين سبحان اللَّه، واللَّه أعلم. ٢٣٠٥ - [١٢] (الزبير) قوله: (سبحوا الملك القدوس) أي: نزهوه عن النقائص، أو قولوا: سبحان الملك القدوس، أو ما في معناه. ٢٣٠٦ - [١٣] (جابر) قوله: (أفضل الذكر لا إله إلا اللَّه) لدلالته على التوحيد

стр. 2615

٢٣٠٧ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، مَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَا يَحْمَدُهُ". [هب: ٦/ ٢٣٠]. ٢٣٠٨ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [هب: ٦/ ٢١٦]. ــ ولا يصح الإيمان إلا به، وللاشتغال بهذه الكلمة خواصُّ عجيبة في تطهير الباطن وتصفية القلب وظهور السر المكتوم فيه، ولهذا اختاره المشايخ بين سائر الأذكار، وإنما كان (الحمد للَّه) دعاءً؛ لأن الثناء على الكريم دعاء وسؤال، وإنما كان أفضل لأن الحمدَ للَّه سبحانه في معنى الشكر بل هو رأسه، والشكر يستجلب المزيد. ٢٣٠٧ - [١٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الحمد رأس الشكر) لأن الشكر تعظيم المنعم، وفعل اللسان أظهر وأدلُّ على ذلك، أما فعل القلب فخفي، وفي دلالة أفعال الجوارح قصور. وقوله: (ما شكر اللَّه عبد لا يحمده) أي: شكرًا كاملًا، وفيه مبالغة في مدخلية فعل اللسان. ٢٣٠٨ - [١٥] (ابن عباس) قوله: (في السراء والضراء) (١) في حالة الرخاء والشدة، أو الأحوالِ كلها؛ إذ الإنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة، والمقابل للسرور الحزن، وللضر النفع، وفي إيقاع التقابل بين السراء والضراء مزيد التعميم والإحاطة

стр. 2616

٢٣٠٩ - [١٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ مُوسَى ﵇ (١): يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ أوْ أَدْعُوكَ (٢) بِهِ فَقَالَ: يَا مُوسَى قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، فَقَالَ: يَا رَبِّ! كلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا، إِنَّما أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ قَالَ: يَا مُوسَى! لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبع وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي، وَالأَرَضِينَ السَّبع وُضِعْنَ فِي كِفَّةٍ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه فِي كِفَّةٍ لَمَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". ["شرح السنة": ٥/ ٥٤]. ٢٣١٠ - [١٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، صَدَّقَهُ رَبُّهُ قَالَ: . . . . . ــ لشمول نقيضهما، كأنه قال: في السرور والحزن والضر والنفع؛ لأن ذكر كلٍّ يقتضي ذكر مقابله، فتضمَّن ذكرَ الكل مع الاختصار، وهذا طريق في البيان يسلكه الفصحاء، وله نظائر. ٢٣٠٩ - [١٦] (أبو سعيد الخدري) قوله: (وعامرهن غيري) عامر الشيء: حافظه ومدبره وممسكه عن الخلل والاختلال، وقيل: معناه: المصلح، فيصح استثناؤه تعالى. وقوله: (والأرضين السبع) لم يذكر عامرَ الأرضين اختصارًا ولكونه قليلًا بالنسبة إلى عامري السماوات. ٢٣١٠ - [١٧] (أبو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (صدقه ربه) أي: قرره بأن قال ما قال، وفي ذلك فضيلة لهؤلاء الكلمات.

стр. 2617

لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَقُولُ اللَّه: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي" وَكَانَ يَقُولُ: "مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٤٣٠، جه: ٣٧٩٤]. ٢٣١١ - [١٨] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ وبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ فَقَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ؟ سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٦٨، د: ١٥٠٠]. ــ ٢٣١١ - [١٨] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (أو أفضل؟ ) (أو) لشك الراوي، ويجوز أن يكون بمعنى بل، وهذا أولى. وقوله: (عدد ما هو خالق) أي: في الاستقبال، أو المراد الاستمرار من بَدْءِ الخلق إلى الأبد، فيكون تعميمًا بعد التخصيص. وقوله: (مثل ذلك) منصوب نصبَ (عدد) في القرائن السابقة، وهذا إما عبارة عن العبارة السابقة، أي: قال: اللَّه أكبر عدد ما خلق في السماء. . . إلخ، أو قال: (مثل ذلك) بدل (عدد ما خلق. . . إلخ).

стр. 2618

٢٣١٢ - [١٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ مِئَةً بِالْغَدَاةِ وَمِئَةً بِالْعَشِيِّ كَانَ كَمَنْ حَجَّ مِئَةَ حَجَّةٍ، وَمَنْ حَمِدَ اللَّهَ مِئَةً بِالْغَدَاةِ وَمِئَةً بِالْعَشِيِّ كَانَ كمَنْ حَمَلَ عَلَى مِئَةِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ هَلَّلَ اللَّهَ مِئَةً بِالْغَدَاةِ وَمِئَةً بِالْعَشِيِّ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ مِئَةَ رَقَبَةٍ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ، وَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ مِئَةً بِالْغَدَاةِ وَمِئَةً بِالْعَشِيِّ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَدٌ بأَكْثَرَ مِمَّا أَتَى بِهِ إِلَّا مَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ زَادَ عَلَى مَا قَالَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٤٧١]. ٢٣١٣ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَيْسَ لَهَا حِجَابٌ دُونَ اللَّهِ حَتَّى تَخْلُصَ إِلَيْهِ". . . . . ــ ٢٣١٢ - [١٩] (عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) قوله: (مئة حجة) أي: نافلةً. وقوله: (إلا من قال مثل ذلك أو زاد على ما قال) الكلام فيه مثل ما مر في الفصل الأول. وقوله: (من ولد إسماعيل) فيه دليل لمن قال باسترقاق العرب وهو مختلف فيه، وقيل: هو مبالغة. ٢٣١٣ - [٢٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (والحمد للَّه يملؤه) لأن الحمد للَّه شكر على نعمه، والشكر يستجلب المزيد فيكون ثوابه أكثر وأوفر، والتوحيد أفضل وأعلى من الكل. وقوله: (حتى تخلص إليه) أي: تصل.

стр. 2619

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ. [ت: ٣٥١٨]. ٢٣١٤ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا قَالَ عَبْدٌ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصًا قَطُّ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى الْعَرْشِ مَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ" (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٩٠]. ٢٣١٥ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ (٢) أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، ــ ٢٣١٤ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (حتى يفضي إلى العرش) أي: يصل وينتهي إليه، وهو كناية عن وصوله إلى اللَّه تعالى وتقدس، والتقييد باجتناب الكبائر لسرعة القبول وكثرة الثواب؛ فإن الإيمان بدون العمل ناقص، وقال اللَّه سبحانه: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وإذهاب الحسنة بالسيئة مخصوص بالصغائر. ٢٣١٥ - [٢٢] (ابن مسعود) قوله: (أقرئ) من الإقراء والقراءة، وقد خففت هذا اللفظ في مواضع من الكتاب. وقوله: (وأنها) أي: الجنة، أي: أراضيها، أو فيها (قيعان) والقيعان: جمع

стр. 2620

وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٣٤٦٢]. ٢٣١٦ - [٢٣] وَعَنْ يُسَيْرَةَ -وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ- قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ؛ . . . . . ــ قاع وهي الأرض المستوية الخالية من الشجر والتي لا نبات فيها، و (الغراس) -بالكسر- جمع غرس وهو ما يغرس، غرس الشجر يغرسه: أثبته في الأرض، وفي (الصراح) (١): غرس درخت نشاندن، أو غراس بالكسر نهال. واستشكل بأنه يدل على أن أرضها خالية عن الأشجار والقصور وهو خلاف مدلول الجنة، وأجيب بأنه لا يدل على أنها الآن قيعان، بل على أنها في نفسها قيعان والأشجارُ فيها مغروسة بجزاء الأعمال، أو المراد أن الأشجار فيها لما كانت لأجل الأعمال فكأنها غرست بها، فافهم. ٢٣١٦ - [٢٣] قوله: (وعن يسيرة) بضم التحتانية بصيغة التصغير في آخرها تاء. وقوله: (وكانت من المهاجرات) كذا في (جامع الأصول) (٢)، وقيل: كانت من الأنصاريات، و (التقديس): سبوح قدوس رب الملائكة والروح، أو: سبحان الملك القدوس، أو ما في معناه. وقوله: (واعقدن بالأنامل) يقال: عقد عليه الأنملة إذا عدّه.

стр. 2621

فَإِنَّهُنَّ مَسْؤُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ، وَلَا تَغْفُلْنَ فَتُنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٥٨٣، د: ١٥٠١]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٣١٧ - [٢٤] عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ قَالَ: "قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَ (١) سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ". فَقَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي فَمَا لِي؟ فَقَالَ: "قُل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي". شَكَّ الرَّاوِي فِي "عَافِنِي". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٩٦]. ــ وقوله: (فإنهن) أي: الأنامل والأصابع (مسؤولات) أي: يسألن يوم القيامة عما اكتسبن. وقوله: (مستنطقات) بفتح الطاء، أي: يُستنطقن فيَشهدن على أنفسهن، والمسؤول والمستنطَق كل الجوارح والأعضاء، ولما كان المراد فيما نحن فيه بسبب العد هي الأصابع خص به، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢]. وقوله: (فتنسين الرحمة) بلفظ المجهول، وقد يروى بلفظ المعلوم. الفصل الثالث ٢٣١٧ - [٢٤] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (اللَّه أكبر كبيرًا) حال مؤكِّدة.

стр. 2622

٢٣١٨ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى شَجَرَةٍ يَابِسَةِ الْوَرَقِ، فَضَرَبَهَا بِعَصَاهُ، فَتَنَاثَرَ الْوَرَقُ، فَقَالَ: "إِنَّ الْحَمْدُ (١) لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ تُسَاقِطُ ذُنُوْبَ العَبْدِ كَمَا يتَسَاقَطُ وَرَقُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣١٩]. ٢٣١٩ - [٢٦] وَعَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ". . . . . ــ ٢٣١٨ - [٢٥] (أنس) قوله: (تساقط) بضم التاء و (ذنوب العبد) مفعوله، والتقدير: تُساقِط فتَساقَطُ كما يتساقط، كذا قال الطيبي (٢). وأقول: لما كان المقصود هنا بيان حال هذه الكلمات وفضلها، وثمة -أعني في أوراق الشجرة- بيان سقوطها لا إسقاط العصا إياها، قال كما قال، فافهم. ٢٣١٩ - [٢٦] (مكحول) قوله: (أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه) لأنها تبرئة عن النفس وحولها وقوتها فيلزمه الإعانة من اللَّه ويوفق. قال الشيخ الإمام القطب الأستاذ أبو الحسن الشاذلي (٣): اجتمعت برجل في

стр. 2623

قَالَ مَكْحُولٌ: فَمَنْ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا مَنْجَا مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ كَشَفَ اللَّه عَنْهُ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الضُّرِّ، أَدْنَاهَا الفَقْرُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، ومَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [ت: ٣٦٠٦]. ٢٣٢٠ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ دَوَاءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دَاءً أَيْسَرُهَا الْهَمُّ". ٢٣٢١ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ". . . . . ــ سياحتي، فأوصاني وقال: ليس في الأقوال أعون على الأفعال من لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وليس في الأفعال أعون من الفرار إلى اللَّه والاعتصام باللَّه، واعتصموا باللَّه ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]. وقوله: (لا منجا) بالقصر، أي: لا مهرب، وقد يزاد (ولا ملجأ) بالهمزة. وقوله: (ومكحول لم يسمع عن أبي هريرة) قال الذهبي في (الكاشف) (١): مكحول فقيه الشام، روى عن عائشة وأبي هريرة مرسلًا. ٢٣٢٠ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (من تسعة وتسعين داء) أي: داء الباطن للقلب أو أعم. ٢٣٢١ - [٢٨] (عنه) قوله: (أسلم عبدي) انقاد مخلصًا، (واستسلم) أي:

стр. 2624

رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعْوَات الْكَبِير". ["الدعوات الكبير": ١٩١، ١٥٥]. ٢٣٢٢ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ هِيَ صَلَاةُ الْخَلَائِقِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ الإخْلَاصِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَسْلَمَ وَاسْتَسْلَمَ. رَوَاهُ رَزِينٌ. [مصنف عبد الرزاق: ١١/ ٢٩٥، ولكن عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص]. * * * ٤ - باب الاستغفار والتوبة ــ فوض أمره أو أمور الكائنات إلى اللَّه تعالى، وقيل: أسلم واستسلم بمعنى. ٢٣٢٢ - [٢٩] (ابن عمر) قوله: (صلاة الخلائق) أي: عبادتها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وذلك إما بلسان الحال أو القال، وهو التحقيق بقرينة قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ٤ - باب الاستغفار والتوبة الاستغفار لغةً (١): طلب الغفر وهو الستر، غفره يغفره: ستره، والمتاعَ في الوعاء: أدخله وستره، كأغفره، والشيب بالخضاب: غطَّاه، وغفر اللَّه له ذنبه: غطى عليه وعفا عنه، واستغفره إياه: طلب منه غفره. والتوبة في اللغة (٢): الرجوع عن المعصية والندم عليها من حيث إنها معصية،

стр. 2625

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مع صدق العزم بقلبه على أن لا يعود، وقضاء ما فات فيما يمكن قضاؤه في حقوق اللَّه، ورد المظالم في حقوق العباد، وقد تسند التوبة إلى اللَّه تعالى، ويقال: تاب اللَّه عليه بمعنى: وفقه للتوبة، أو رجع عليه بفضله وقبوله، أو رجع من التشديد إلى التخفيف، أو من الحظر إلى الإباحة، ومن أسمائه ﷺ : نبي التوبة، لأنه كان يستغفر ويتوب في كل يوم سبعين مرة أو مئة مرة. وسئل جنيد ﵀: التوبة ما هي؟ فقال: هو نسيان ذنبك، ومعناه: أن تخرج حلاوة ذلك الفعل من قلبك خروجًا لا يبقى له في سرّك [أثر]، حتى تكون بمنزلة من لم يعرف ذلك قط. وسئل سهل ﵀ فقال: أن لا تنسى ذنبك، كذا في (التعرف) (١)، وقال في شرحه: أشار سهل إلى أحوال المريدين لخوفهم من العقوبة وفرط مجاهدتهم، وأما الجنيد فإنه أشار إلى توبة المحققين، لا يذكرون ذنوبهم لما غلب على قلوبهم من عظمة اللَّه ودوام ذكره تعالى. وقال بعضهم: يجوز أن يراد بنسيان الذنب تركُ العود إليه في المستقبل، لا نسيان ما سبق من الجفاء في حال الوفاء، وأما قول سهل فقد فسر بأنه لا يزال خائفًا من عقوبته وعلى حذر من الوقوع في مثله، فتجعله نصب عينيك، انتهى. والتوبة مقبولة بفضل اللَّه وحسب وعده الصادق، وإنما يشك فيه للشك في تحقق الشروط والأركان وهي دقيقة، كما يَشك شارب المسهل في حصول شروط الإسهال في الدواء باعتبار الحال والوقت، وكيفيةِ خلط الدواء وطبخه وجودة عقاقيره وأدويته.

стр. 2626

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٣٢٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِيْنَ مرَّةً". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٣٠٧]. ٢٣٢٤ - [٢] وَعَنِ الأَعَرِّ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . . ــ الفصل الأول ٢٣٢٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (وأتوب إليه) زيادة هذا قد يسدُّ باب تأويل الحديث بأن الاستغفار منه ﷺ كان لأمته كما سنذكره في الحديث الآتي، اللهم إلا أن يراد طلب التوبة لهم، إذ المراد المعنى اللغوي بالرجوع إلى اللَّه تعالى بتوفيق التوبة لهم وقبولها عنهم، واللَّه أعلم (١). ٢٣٢٤ - [٢] قوله: (وعن الأغر المزني) بفتح الهمزة وفتح الغين المعجمة وتشديد الراء.

стр. 2627

"إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٢]. ــ وقوله: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر اللَّه في اليوم مئة مرة) الغين: الغيم، وقيل: الغيم الرقيق، يقال: غِينتِ السماء تُغانُ: إذا أطبق عليها الغيم، ويقال: غين [على] كذا، أي: غُطِّي، وأغان الغينُ السماء، أي: ألبسها. ولقد تحير العلماء في بيان معنى هذا الحديث وتأويله، وحق لهم أن يتحيروا ويتوقفوا في ذلك، فإنه لا مجال لأحد أن يعرف حقيقة القلب المصطفوي ﷺ وما يطرأ عليه من الأحوال، وكل ما قيل فيه فقول بالظن والتخمين، اللهم إلا ما وقع في بواطن بعض المحققين من العارفين من نوره المبين، واللَّه أعلم. وننقل من كلامهم ما ذكروا في ذلك، فقيل: إن ذلك كان بسبب أمته وما اطَّلع عليه من أحوالهم بعده، فكان يستغفر لهم، هكذا قالوا. وقيل: إنه بسبب [ما] يشتغل من النظر في أمور أمته ومصالحهم ومحاربة الأعداء، حتى يرى أنه قد شغل بذلك -وإن كان [في] أعظم طاعة وأشرف عبادة- عن ملازمة عالي مقاماته ورفيع درجاته لتفرده بربه وخلوص قلبه وهمته عن كل شيء سواه، وكان يَعُدُّ ذلك ذنبًا فيستغفر منه كما قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقيل: قد يكون هذا الغين السكينةَ التي تغشى قلبه، واستغفاره إظهار للعبودية والافتقار، ويحتمل أن يكون حالة خشية وإعظام يغشى القلب، واستغفاره شكرًا للَّه وملازمة للعبودية، كما قال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) هذا حاصل ما ذكره القاضي عياض في (المشارق) (١).

стр. 2628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال بعض الصوفية: هذا غين الأنوار لا غين الأغيار، وهو إشارة إلى ما ذكره بعض العارفين من أنه كان يكشف على قلبه الشريف في كل ساعة من أنوار صفات الحق، وكان يترقى في كل آن في هذه التجليات ويَعُدُّ بعد الترقي إلى درجة الفوق ما تحتها بمثابة ذنب يستغفر منه، وهكذا حال قلبه ﷺ دائما بل إلى أبد الآباد، وتلك الأنوار حجاب على الذات الأقدس الإلهي، وإليه الإشارة بقوله: (إن للَّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة). وأرفع الكلام في هذا المقام ما قال الأصمعي حين سئل عن هذا الحديث فقال: عن قلب من تروي؟ فقال: عن قلب النبي ﷺ ، فقال: لو كان عن قلب غيره لكنت أفسره لك. قال الشيخ التُّورِبِشْتِي (١): وللَّه دره في انتهاجه منهج الأدب، وإجلاله القلبَ الذي جعله اللَّه موقع وحيه ومنزل تنزيله، ثم قال: ونحن نذهب في ذلك مذهبين: أحدهما: أن نقول: لما كان قلب النبي ﷺ أتمَّ القلوب صفاءً وأكثرها ضياءً وأعرفها عرفانًا، وكان معنيًّا مع ذلك بتشريع الملة وتأسيس السنة ميسِّرًا غير معسِّرٍ، لم يكن له بد من النزول إلى الرخص والالتفات إلى حظوظ النفس مع ما كان ممتحنًا به من أحكام البشرية، فكان إذا تعاطى شيئًا من ذلك أسرع كدورةٌ مّا إلى القلب لكمال رقته وفرط نورانيته؛ فإن الشيء كلّما كان أرقّ وأصفى كان ورود التأثيرات عليه أبين وأهدى، وكان ﷺ إذا أحسّ بشيء من ذلك عدّه على النفس ذنبًا فاستغفر منه، ولهذا المعنى كان استغفاره عند خروجه من الخلاء فيقول: (غفرانك).

стр. 2629

٢٣٢٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مرَّةٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٢]. ــ والآخر: أن نقول: إن اللَّه تعالى كما فناه عن العالمين أراد أن يبقيه لهم لينتفعوا به، وأنه ﷺ لو تُرك وما هو عليه وفيه من الحضور والتجليات الإلهية لم يكن ليتفرغ لتعريف الجاحد وتعليم الجاهل، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يرد إليهم الفينة بعد الفينة بنوع من الحَجْبة والاستتار ليكمل حظهم عنه، فيرى ذلك من سيئات حاله فيستغفر منه، هذا كلام التُّورِبِشْتِي. والوجه الأول راجع إلى ما ذكر سابقًا مع ما فيه من حسن التقرير، والوجه الثاني أيضًا موجَّهٌ، ومع ذلك القولُ قولُ الأصمعي، واللَّه أعلم. ٢٣٢٥ - [٣] (عنه) قوله: (يا أيها الناس! توبوا) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، فالتوبة واجبة على الناس كلّهم عامتهم وخاصتهم، ولكن توبة كل أحد على حسب حالهم. وقال بعض العارفين: التائب أيضًا داخل في الجميع، فهو أيضًا مأمور بالتوبة، وليس لهم ذنوب يتوبون عنها لأنهم قد تابوا، فبقي أن يتوبوا عن التوبة، يعني: مِن ذكر الجفاء الذي يصحب التوبة؛ لأن التوبة لا تصح إلا بمعرفة الذنب، فهي تحتاج إلى ذكر الذنب، وذكر الجفاء في وقت الصفاء جفاء، فيتوب من ذكر التوبة التي هي سبب ذكر الذنب، وذلك لغاية حرصهم على الجمعية وصفاء الوقت مع اللَّه تعالى، كذا في (منازل السائرين) (١) وشرحه.

стр. 2630

٢٣٢٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنِ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطئون (١) بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، ــ ٢٣٢٦ - [٤] (أبو ذر) قوله: (إني حرمت الظلم على نفسي) أي: سلبته عن نفسي، كناية عن تقدّسه وتنزّهه عنه. وقوله: (كلّكم ضالّ إلا من هديته) يعني: أن الهداية لمن حصل إنما حصل من اللَّه لا من عند نفسه، وكذا المعنى في قوله: (إلا من أطعمته) و (إلا من كسوته)، فالكل من اللَّه تعالى، لكن الأول مخصوص ببعض العباد والآخَرَين يعمّ الكل، فلا يتوجه السؤال أنه ما معنى الاستثناء في قوله: (إلا من أطعمته) و (إلا من كسوته)؛ إذ ليس أحد من الناس محرومًا عنهما؟ وقال الطيبي (٢): المراد بالإطعام والكسوة البسط في الرزق والإغناء، فافهم. وقوله: (لن تبلغوا ضري) أي: بالمعصية، (ولن تبلغوا نفعي) أي: بالطاعة،
следующие страницы →