← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٣٢٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِيْنَ مرَّةً". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٣٠٧]. ٢٣٢٤ - [٢] وَعَنِ الأَعَرِّ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . . ــ الفصل الأول ٢٣٢٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (وأتوب إليه) زيادة هذا قد يسدُّ باب تأويل الحديث بأن الاستغفار منه ﷺ كان لأمته كما سنذكره في الحديث الآتي، اللهم إلا أن يراد طلب التوبة لهم، إذ المراد المعنى اللغوي بالرجوع إلى اللَّه تعالى بتوفيق التوبة لهم وقبولها عنهم، واللَّه أعلم (١). ٢٣٢٤ - [٢] قوله: (وعن الأغر المزني) بفتح الهمزة وفتح الغين المعجمة وتشديد الراء.

стр. 2627

"إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٢]. ــ وقوله: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر اللَّه في اليوم مئة مرة) الغين: الغيم، وقيل: الغيم الرقيق، يقال: غِينتِ السماء تُغانُ: إذا أطبق عليها الغيم، ويقال: غين [على] كذا، أي: غُطِّي، وأغان الغينُ السماء، أي: ألبسها. ولقد تحير العلماء في بيان معنى هذا الحديث وتأويله، وحق لهم أن يتحيروا ويتوقفوا في ذلك، فإنه لا مجال لأحد أن يعرف حقيقة القلب المصطفوي ﷺ وما يطرأ عليه من الأحوال، وكل ما قيل فيه فقول بالظن والتخمين، اللهم إلا ما وقع في بواطن بعض المحققين من العارفين من نوره المبين، واللَّه أعلم. وننقل من كلامهم ما ذكروا في ذلك، فقيل: إن ذلك كان بسبب أمته وما اطَّلع عليه من أحوالهم بعده، فكان يستغفر لهم، هكذا قالوا. وقيل: إنه بسبب [ما] يشتغل من النظر في أمور أمته ومصالحهم ومحاربة الأعداء، حتى يرى أنه قد شغل بذلك -وإن كان [في] أعظم طاعة وأشرف عبادة- عن ملازمة عالي مقاماته ورفيع درجاته لتفرده بربه وخلوص قلبه وهمته عن كل شيء سواه، وكان يَعُدُّ ذلك ذنبًا فيستغفر منه كما قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقيل: قد يكون هذا الغين السكينةَ التي تغشى قلبه، واستغفاره إظهار للعبودية والافتقار، ويحتمل أن يكون حالة خشية وإعظام يغشى القلب، واستغفاره شكرًا للَّه وملازمة للعبودية، كما قال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) هذا حاصل ما ذكره القاضي عياض في (المشارق) (١).

стр. 2628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال بعض الصوفية: هذا غين الأنوار لا غين الأغيار، وهو إشارة إلى ما ذكره بعض العارفين من أنه كان يكشف على قلبه الشريف في كل ساعة من أنوار صفات الحق، وكان يترقى في كل آن في هذه التجليات ويَعُدُّ بعد الترقي إلى درجة الفوق ما تحتها بمثابة ذنب يستغفر منه، وهكذا حال قلبه ﷺ دائما بل إلى أبد الآباد، وتلك الأنوار حجاب على الذات الأقدس الإلهي، وإليه الإشارة بقوله: (إن للَّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة). وأرفع الكلام في هذا المقام ما قال الأصمعي حين سئل عن هذا الحديث فقال: عن قلب من تروي؟ فقال: عن قلب النبي ﷺ ، فقال: لو كان عن قلب غيره لكنت أفسره لك. قال الشيخ التُّورِبِشْتِي (١): وللَّه دره في انتهاجه منهج الأدب، وإجلاله القلبَ الذي جعله اللَّه موقع وحيه ومنزل تنزيله، ثم قال: ونحن نذهب في ذلك مذهبين: أحدهما: أن نقول: لما كان قلب النبي ﷺ أتمَّ القلوب صفاءً وأكثرها ضياءً وأعرفها عرفانًا، وكان معنيًّا مع ذلك بتشريع الملة وتأسيس السنة ميسِّرًا غير معسِّرٍ، لم يكن له بد من النزول إلى الرخص والالتفات إلى حظوظ النفس مع ما كان ممتحنًا به من أحكام البشرية، فكان إذا تعاطى شيئًا من ذلك أسرع كدورةٌ مّا إلى القلب لكمال رقته وفرط نورانيته؛ فإن الشيء كلّما كان أرقّ وأصفى كان ورود التأثيرات عليه أبين وأهدى، وكان ﷺ إذا أحسّ بشيء من ذلك عدّه على النفس ذنبًا فاستغفر منه، ولهذا المعنى كان استغفاره عند خروجه من الخلاء فيقول: (غفرانك).

стр. 2629

٢٣٢٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مرَّةٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٢]. ــ والآخر: أن نقول: إن اللَّه تعالى كما فناه عن العالمين أراد أن يبقيه لهم لينتفعوا به، وأنه ﷺ لو تُرك وما هو عليه وفيه من الحضور والتجليات الإلهية لم يكن ليتفرغ لتعريف الجاحد وتعليم الجاهل، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يرد إليهم الفينة بعد الفينة بنوع من الحَجْبة والاستتار ليكمل حظهم عنه، فيرى ذلك من سيئات حاله فيستغفر منه، هذا كلام التُّورِبِشْتِي. والوجه الأول راجع إلى ما ذكر سابقًا مع ما فيه من حسن التقرير، والوجه الثاني أيضًا موجَّهٌ، ومع ذلك القولُ قولُ الأصمعي، واللَّه أعلم. ٢٣٢٥ - [٣] (عنه) قوله: (يا أيها الناس! توبوا) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، فالتوبة واجبة على الناس كلّهم عامتهم وخاصتهم، ولكن توبة كل أحد على حسب حالهم. وقال بعض العارفين: التائب أيضًا داخل في الجميع، فهو أيضًا مأمور بالتوبة، وليس لهم ذنوب يتوبون عنها لأنهم قد تابوا، فبقي أن يتوبوا عن التوبة، يعني: مِن ذكر الجفاء الذي يصحب التوبة؛ لأن التوبة لا تصح إلا بمعرفة الذنب، فهي تحتاج إلى ذكر الذنب، وذكر الجفاء في وقت الصفاء جفاء، فيتوب من ذكر التوبة التي هي سبب ذكر الذنب، وذلك لغاية حرصهم على الجمعية وصفاء الوقت مع اللَّه تعالى، كذا في (منازل السائرين) (١) وشرحه.

стр. 2630

٢٣٢٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنِ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطئون (١) بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، ــ ٢٣٢٦ - [٤] (أبو ذر) قوله: (إني حرمت الظلم على نفسي) أي: سلبته عن نفسي، كناية عن تقدّسه وتنزّهه عنه. وقوله: (كلّكم ضالّ إلا من هديته) يعني: أن الهداية لمن حصل إنما حصل من اللَّه لا من عند نفسه، وكذا المعنى في قوله: (إلا من أطعمته) و (إلا من كسوته)، فالكل من اللَّه تعالى، لكن الأول مخصوص ببعض العباد والآخَرَين يعمّ الكل، فلا يتوجه السؤال أنه ما معنى الاستثناء في قوله: (إلا من أطعمته) و (إلا من كسوته)؛ إذ ليس أحد من الناس محرومًا عنهما؟ وقال الطيبي (٢): المراد بالإطعام والكسوة البسط في الرزق والإغناء، فافهم. وقوله: (لن تبلغوا ضري) أي: بالمعصية، (ولن تبلغوا نفعي) أي: بالطاعة،

стр. 2631

يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانوُا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ. . . . . ــ والضر-بالفتح ويضم-: ضد النفع، أو بالفتح مصدر وبالضم اسم، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (المشارق) (٢): ومتى قرن بالنفع لم يُقل فيه إلا الضر بالضم. وقوله: (كانوا على أتقى) أي: كانوا واقعين على تقوى أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ وعلى صفته في التقوى، أي: لو فرض قلب رجل منكم أتقى من الكل، وكان الكل على هذه الصفة. وقوله: (ما زاد ذلك في ملكي شيئًا) (زاد) متعد و (شيئًا) مفعول به، وكذا (ما نقص ذلك من ملكي شيئًا). وقوله: (في صعيد واحد) الصعيد: التراب، أو وجه الأرض، والطريق، كذا في (القاموس) (٣)، والظاهر هنا المعنى الثاني، وفي اجتماع السائلين في مكان واحد وازدحامهم وإعطاء كل منهم مبالغة لا تخفى.

стр. 2632

الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيْهَا عَلَيْكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّه، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٧٧]. ٢٣٢٧ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا، ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ، فَأَتَى رَاهِبًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أَلَهُ تَوْبَةٌ؟ قَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، وَجَعَلَ يَسْأَلُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا، فأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، ــ و(المخيط) بكسر الميم وسكون المعجمة، وهذا قريب من قبيل المدح بما يشبه الذم؛ لأن نقص المخيط في حكم العدم. وقوله: (إنما هي أعمالكم) تفسير للضمير المبهم، أي: جزاء أعمالكم، أو المراد نفس الأعمال، ويحذف المضاف من قوله: (أوفيكم إياها) أي: جزاءها، وهذا أحسن، أو هي راجع إلى الأعمال الصالحة والطالحة المفهوم من قوله: (أتقى) و (أفجر). ٢٣٢٧ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ثم خرج يسأل) أي: يسأل الناس عن قبول توبة اللَّه أو مغفرته. وقوله: (أله توبة؟ ) الضمير للقائل أو لفعله. وقوله: (فأدركه الموت) أي: أماراته وسكراته. وقوله: (فناء) على وزن قال بمعنى: نهض بجهد ومشقة، أو على وزن رمى بمعنى بَعُد، وقد روي في (المصابيح) بهما، والأول أوجه، وقيل: هما بمعنًى، كقولهم:

стр. 2633

فَأَوْحَى اللَّه إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٧٠، م: ٢٧٦٦]. ٢٣٢٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّه بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٤٩]. ٢٣٢٩ - [٧] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ، لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ. . . . . ــ رأى وراء، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١). وقوله: (فأوحى اللَّه تعالى إلى هذه) أي: إلى القرية الصالحة التي توجه إليها (أن تقرّبي) أي: إلى الميت. وقوله: (وإلى هذه) أي: القرية الظالمة التي هاجر منها. وقوله: (فوجد إلى هذه) القرية التي توجه إليها. وفي الحديث كمال مبالغة في سعة رحمة اللَّه وعدم اليأس منها. ٢٣٢٨ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (لو لم تذنبوا لذهب اللَّه بكم) الحديث. المقصد بيان عفو اللَّه ومغفرته للذنوب إظهارًا لمقتضى اسم العفو والغفار، وليعظموا الرغبة في التوبة والاستغفار، لا الحث على الذنوب وعدم الاحتفال بالذنوب؛ فإن اللَّه تعالى قد نهى عن الذنوب، وبعث الأنبياء ليردعوا عنها، فافهم وباللَّه التوفيق. ٢٣٢٩ - [٧] (أبو موسى) قوله: (إن اللَّه يبسط يده) بسط اليد كناية عن التوسعة في الغفران وإظهار الكرم.

стр. 2634

وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٥٩]. ٢٣٣٠ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٤١، م: ٢٧٧٠]. ٢٣٣١ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٣]. ٢٣٣٢ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ (١) رَاحِلَتُهُ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ. . . . . ــ ٢٣٣٠ - [٨] (عائشة) قوله: (تاب اللَّه عليه) أي: رجع بالرحمة وقَبِلَ توبته. ٢٣٣١ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (قبل أن تطلع الشمس من مغربها) وهو المراد من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، لكن الآية مختصة بعدم قبول الإيمان، والحديث يدل على عدم قبول التوبة مطلقًا سواء كان من الكفر أو من المعصية، وفيه خلاف بين العلماء، فتدبر. ٢٣٣٢ - [١٠] (أنس) قوله: (للَّه) مرفوع واللام للابتداء. وقوله: (أشد فرحًا) أي: رضًا عن العبد بقبول توبته، والفرح من صفات اللَّه المتشابهة.

стр. 2635

إِذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٤٧]. ٢٣٣٣ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْهُ، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا قَالَ (١): رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ (٢)، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا قالَ (٣): رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْ لِي، ــ وقوله: (إذ هو بها) الرجل ملتبس بالراحلة حال كونها (قائمة عنده) من غير طلب وتعب، والمقصود بيان شدة رضا الحق من العبد التائب الراجع إليه، وتشبيهه بفرح الرجل المذكور، والعبدُ العاصي بمنزلة الراحلة المنقلبة، وتوبته بمنزلة وجدانه، فتأمل. ٢٣٣٣ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (أَعَلِم) استفهام للتقرير والتعجب، وفي ذكر (عبدي) دون أن يقول: (أعلم) تلطف وترحم. قوله: (ثم مكث) من باب نصر وكرم. وقوله في المرة الثالثة: (رب! أذنبت ذنبًا آخر فاغفر لي) بزيادة لفظ (آخر) و (لي)، وقد يوجد (لي) في الأول في بعض النسخ، و (آخر) و (لي) في الثانية، والذي تقرَّر في النسخ المصححة ما ذكرنا، فافهم.

стр. 2636

فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٠٧، م: ٢٧٥٨]. ٢٣٣٤ - [١٢] وَعَنْ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنِّي لَا أَغْفِرُ لِفُلَانٍ، فَإنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ". أَوْ كَمَا قَالَ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢١]. ٢٣٣٥ - [١٣] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ، وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، ــ وقوله: (فليفعل ما شاء) أي: ما دام يذنب ثم يتوب ويستغفر، وليس المقصود الحث على الفعل أو الترخُّصُ فيه، بل المقصود إظهار الحفاوة والتلطف على وزان ما ورد في شأن أهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). ٢٣٣٤ - [١٢] (جندب) قوله: (وأن اللَّه تعالى) بفتح الهمزة وكسرها معًا. وقوله: (من ذا الذي يتألى عليّ) أي: يحلف ويتحكم عليّ، وفي هذه العبارة تخويف وتهديد شديد، وفي صورة الغيبة دون أن يقول: أنت الذي تتألى، دلالة على التهديد لكل من يتألى من غير خصوصية بالمخاطب، ثم خاطبه بأنك إذا حلفت عليّ فاعلم أني قد غفرت له على رغم أنفك، (وأحبطت عملك) جزاء على ما قلت، فإن الحكم على اللَّه بأنه يفعل ذلك البتة كفر، وإن لم يكن كفرًا فهذا تغليظ. وقيل: المراد: أبطلت قَسَمك وجعلته كذبًا. ٢٣٣٥ - [١٣] (شداد بن أوس) قوله: (وأنا على عهدك ووعدك) أي: على

стр. 2637

أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ". قَالَ: "وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٣٠٦]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢٣٣٦ - [١٤] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابنَ آدمَ (١)! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ــ ما عاهدتك ووعدتك من الإقرار بالعبودية والثبات عليها، وإن لم أفِ بذلك، أو: أنا مقيم على عهدك ووعدك الذي عهدت ووعدت بفضلك وكرمك لأهل طاعتك وإن لم يأت مني طاعة كما ينبغي. وقوله: (أبوء) أي: أعترف لك بتواتر نعمك عليّ، وأعترف بدوام ذنوبي والتقصير عن شكرها، وأصل البوء الرجوع، يقال: باء إليه، أي: رجع إليه وانقطع، ويقال: باء بدمه: اعترف، وبذنبه: احتمله، أو اعترف به، كذا في (القاموس) (٢)، وهذا المعنى دائم، أعني توالي النعم من جانب الحق ووجودَ الذنب والتقصير من العبد، وفي ما ذكر العجز والاعتذار والذلة والافتقار، ولذلك سمي سيد الاستغفار. الفصل الثاني ٢٣٣٦، ٢٣٣٧ - [١٤، ١٥] (أنس) قوله: (عنان السماء) العنان -بالفتح-:

стр. 2638

ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٤٠]. ٢٣٣٧ - [١٥] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [حم: ٥/ ١٥٤، دي: ٢/ ٣٢٢]. ــ السحاب الذي لا يمسك الماء، واحدته بهاء، كذا في (القاموس) (١)، وقد يجيء بمعنى السحاب مطلقًا وهو المراد ههنا، وإضافته إلى السماء للمبالغة في علوّه وارتفاعه، وقد يكسر العنان بمعنى: ما عنّ لك، فعنان السماء: ما بدا لك منها إذا نظرتها ورفعت رأسك إليها، وقد يروى: (أعنان السماء) بمعنى نواحيها، والأعنان من الشجر أطرافها، ومن السماء نواحيها وما اعترض من أقطارها وآفاقها، جمع عَنَنٍ، قال التُّورِبِشْتِي (٢): إضافة العنان بمعنى السحاب إلى السماء غير فصيح، وأرى الصواب أعنان السماء، ولعل الهمزة سقطت عن بعض الرواة، أو ورد العنان بمعنى العنن، فتدبر. وقوله: (والقراب) بالضم والكسر: ما قارب قدر الشيء، وقراب الأرض قريب من ملئها، وقال في (المشارق) (٣): القِراب وعاء كالجراب مستطيل يجعل فيه السيف بغمده والسكين وما أشبهه من سوط ونحوه، وما خف من زاد الراكب بكسر القاف، وأما بضمها فبمعنى القرب، ومنه قوله في الحديث: (من لقيني بقراب الأرض خطيئة) بضم القاف، أي: ما يقارب ملأها، وقال لي أبو الحسين: ويقال: (بقِراب) أيضًا بكسرها.

стр. 2639

٢٣٣٨ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١٤/ ٣٨٨]. ٢٣٣٩ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ". رَوَاهُ أحمدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ١/ ٢٤٨، د: ١٥١٨، جه: ٣٨١٩]. ٢٣٤٠ - [١٨] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٥٥٩، د: ١٥١٤]. ــ ٢٣٣٨ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له) فيه أن اعتراف العبد بأنه تعالى قادر على مغفرة الذنوب سبب للغفران، وذلك لأن من اعترف بذلك ارتجاه، ومن ارتجى الكريم لم يحرمه، مع أن في ذكر القدرة وعدم المبالاة إيماء إلى جواز التعذيب أيضًا، ففيه خوف منه تعالى، ومن خاف القادر رحمه. ٢٣٣٩ - [١٧] (عنه) قوله: (من لزم الاستغفار جعل اللَّه له. . . إلخ) لأن من لزم الاستغفار تُغفر له الذنوب ويخرج منها فيكون في حكم المتقي الذي لا يذنب، والمتقي وُعد له المخرجُ من كل ضيق ووصولُ الرزق (من حيث لا يحتسب) أي: لا يظن ولا يرجو. ٢٣٤٠ - [١٨] (أبو بكر الصديق) قوله: (ما أصر من استغفر) الإصرار هو الدوام

стр. 2640

٢٣٤١ - [١٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٤٩٩، جه: ٤٢٥١، دي: ٢/ ٣٠٣]. ٢٣٤٢ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكُمُ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] ". . . . . ــ على الذنب، وقد ثبت أن الإصرار على الصغيرة كبيرة، وإذا استغفر لم يدم، فلا إصرار مع الاستغفار، فافهم. ٢٣٤١ - [١٩] (أنس) قوله: (كل بني آدم خطّاء) حصِّن منه الأنبياء؛ لأنهم معصومون، اللهم إلا أن يحمل الخطاء على ما يشمل الصغائر فلا إشكال بالأنبياء على القول بصدور الصغيرة منهم، وأما صيغة المبالغة فباعتبار وجود الكثرة في الجملة، ويمكن أن يكون باعتبار أن الذنب قليله كثير، هذا وإن حمل على المبالغة فله وجه أيضًا. ٢٣٤٢ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (كانت نكتة) روي بالنصب والرفع، فالنصب على أنها خبر كان، والضمير في (كانت) للذنب، والتأنيث بتأويله بالسيئة، والرفع على أن كان تامة، أي: حدثت منه نكتة، والنكتة: النقطة، كذا في (القاموس) (١)، والنكت في الأصل أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها. قوله: (فذلكم الران) قيل: الران بمعنى الرين كالعاب والعيب وهو الطبع والتغطية

стр. 2641

رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حم: ٢/ ٢٩٧، ت: ٣٣٣٤، جه: ٤٢٤٤]. ٢٣٤٣ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٥٣٨، جه: ٤٢٥٣]. ــ والدنس، يقال: ران ذنبه على قلبه رَيْنًا ورُيونًا: غلب، وكل ما غلبك [فقد] رانك وبك وعليك، وقيل: المراد هو الران المذكور في قوله تعالى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، وأدخل اللام على الفعل قصدًا إلى حكاية اللفظ فأُجري مجرى الاسم كما في قوله: (نهى عن القيل والقال)، والرين الذي ذكر في الآية بيان أحوال الكفار، فذكْرُه في الحديث تخويف للمؤمنين، أو المراد تشبيه بذلك في اسوداد القلب، أو المراد -واللَّه أعلم- أنه قد ينجرّ ارتكاب المعاصي إلى الكفر لا أنه كفر في الحال، ولعله المراد بما قيل بأنه تخويف. ٢٣٤٣ - [٢١] (ابن عمر) قوله: (ما لم يغرغر) في الأصل: ترديد الماء في الحلق، والمراد: ما لم تبلغ روحُه حلقومَه، فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به، وقد يحصل في تلك الحالة في الحلق صوت مثل صوت الغرغرة، وظاهر الحديث أنه لا يقبل التوبة عند حضور الموت سواءٌ كان من الكفر والمعصية، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٧]، وقد ذهب البعض إلى أنه يقبل التوبة عن المعصية لا عن الكفر، فعندهم إيمان اليأس غير مقبول وتوبته مقبولة. وقال الطيبي (١): الخلاف في التوبة من الذنوب، أما لو استحلَّ من مظلمة صح تحليلة.

стр. 2642

٢٣٤٤ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، فَقَالَ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٢٩]. ٢٣٤٥ - [٢٣] وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ لَا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ. . . . . ــ ٢٣٤٤ - [٢٢] (أبو سعيد) قوله: (وارتفاع مكاني) أي: مكانتي وقدري. وقوله: (ما استغفروني) أي: ما دامت أرواحهم في أجسادهم كما يفهم من سياق الحديث، فيفهم منه أن التوبة والاستغفار يقبل في حالة الغرغرة؛ لأنه حالَ الحياة، إلا أن يقيد بقاء الحياة ببقاء الاختيار. ثم هذا الحديث لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠] لدلالته على إغواء غير المخلصين، وهذا الحديث يدل على أن غير المخلصين أيضًا يرفع عنهم الإغواء لاستغفارهم؛ لأن المراد أن الشيطان لا يغوي المخلصين ولا يوقعهم في الذنب كالأنبياء صلوات اللَّه عليهم أجمعين، وغيرهم قد يغويهم ويوقعهم في الذنب، ولكن اللَّه تعالى يرجع عليهم بالتوبة والمغفرة، فافهم. ٢٣٤٥ - [٢٣] (صفوان بن عسال) قوله: (عرضه مسيرة سبعين عامًا) قيل: المراد به المبالغة في انفتاح باب التوبة، وكون الناس في فسحة ووسعة منها، وهذا تأويل، وصريحُ الإيمان أن يؤمن بها من غير تأويل، والعلم عند اللَّه.

стр. 2643

مِنْ قِبَلِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٥٣٦، جه: ٤٠٧٠]. ٢٣٤٦ - [٢٤] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ٩٩، د: ٢٤٧٩، دي: ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠]. ٢٣٤٧ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَحَابَّيْنِ، أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدٌ لِلْعِبَادَةِ، وَالآخَرُ يَقُولُ: مُذْنِبٌ,. . . . . ــ وقوله: (من قبله) بكسر القاف وفتح الباء، أي: من جانبه. ٢٣٤٦ - [٢٤] (معاوية) قوله: (لا تنقطع الهجرة) المراد بالهجرة هنا: مهاجرة الذنوب والآثام والأخلاق الذميمة بالخروج عن موطن الطبيعة ومستقر النفس، والمراد بقوله: (حتى تنقطع التوبة) أي: ينتهي حكم اللَّه تعالى وشريعته بقبول التوبة، وذلك عند طلوع الشمس من مغربها، وقال الطيبي (١): مهاجرة الذنوب والخطايا عين التوبة فيلزم التكرار، فيجب أن يحمل على الهجرة من مقام لا يتمكن فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود اللَّه، فتدبر. ٢٣٤٧ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (والآخر يقول: مذنب) أي: أنا مذنب،

стр. 2644

فَجَعَلَ يَقُولُ: أَقْصِرْ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ، فَيَقُولُ: خَلِّنِي وَرَبِّي، حَتَّى وَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ، فَقَالَ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا، وَلَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلآخَرِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟ فَقَالَ: لَا يَا رَبِّ، قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٢٣]. ــ اعترافًا بذنوبه وانكسارًا من جهة ذلك وترجيًا في مغفرة اللَّه وفضله، وقيل: يمكن أن يكون المعنيُّ بقول النبي ﷺ : الآخر مذنب. وقوله: (فجعل يقول) أي: حبيبه له: (أقصر) أي: أمسك (عما أنت فيه) من ارتكاب الذنوب، والإقصار: الكف عن الشيء مع القدرة عليه؛ فإن عجز عنه يقول: قصرت عنه، بلا ألف، كذا في (مجمع البحار) (١). وقوله: (فيقول: خلني وربي) كان الرجل يستغفر ربه ويعتذر له فغفر له، وبهذا يناسب الترجمة، وظاهر الحديث أنه أدخله الجنة برحمته ومحض فضله، فالمناسب أن يذكره في (باب سعة رحمة اللَّه) الآتي. وقوله: (أن تحظر) بالظاء المشالة بمعنى المنع والتحريم. وقوله: (اذهبوا به إلى النار) خطاب للملائكة، وإدخاله بمجازاته على قسمه وحُكمِه على اللَّه تعالى بأنه لا يغفر الذنوب، المستلزمِ لإنكار صفة اللَّه إما عمومًا أو خصوصًا، وهو إما كفر أو معصية.

стр. 2645

٢٣٤٨ - [٢٦] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: " ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وَلَا يُبَالِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي "شَرْحِ السُّنَّةِ": "يَقُولُ" بَدَلَ "يقْرَأ". [حم: ٦/ ٤٥٣، ت: ٣٢٣٧]. ٢٣٤٩ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٢٨٤]. ــ ٢٣٤٨ - [٢٦] (أسماء بنت يزيد) قوله: (﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾) إن أريد وجوب المغفرة قيِّد بالتوبة، وإن أريد جوازها فالمغفرة عن الكفر مقيِّد بها لا عن المعاصي، هذا ما يقتضيه المذهب والنصوص الواردة في الباب، وفيه كلام مذكور في التفاسير. وقوله: (ولا يبالي) من قول الرسول ﷺ زيادة على الآية، أي: لا يبالي بمغفرة الذنوب جميعًا لسعة رحمته وعدم مبالاته من أحد، ويمكن أن يكون قولَ الراوي، أي: يقرأ هذه الآية رسول اللَّه ولا يبالي أحدًا، والظاهر هو الأول. ٢٣٤٩ - [٢٧] (ابن عباس) قوله: (﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾) في (القاموس) (١): اللمم محركة: الجنون وصغار الذنوب، وقال القاضي في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: إلا ما قل وصغر. وقوله: (الجم) بفتح الجيم وتشديد الميم بمعنى الكبير العظيم، والبيت لأمية

стр. 2646

٢٣٥٠ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ (١) إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ فَاسْأَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ، وَكُلُّكُمْ فُقَرَاءُ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ، فَاسْأَلُونِي أَرْزُقْكُمْ، وَكُلُّكُم مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ، فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا زَاد ذَلِكَ فِي مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ. . . . . ــ ابن أبي الصلت أنشده النبي ﷺ ، والمنفي عنه ﷺ إنشاء الشعر لا إنشاده، وهو الصحيح، أي من شأنك غفران الذنوب الكبيرة الكثيرة فضلًا عن الصغائر؛ لأنها لا يخلو عنها أحد وإنها مكفَّرة بالحسنات ٢٣٥٠ - [٢٨] (أبو ذر) قوله: (وعن أبي ذر) مضمون هذا الحديث هو مضمون الحديث المذكور في الفصل الأول عن أبي ذر، مع ما بينهما من الاختلاف في بعض الكلمات. وقوله: (فاسألوني) في بعض النسخ: (فسلوني)، والأول أفصح. وقوله: (إلا من عافيت) يدل على أن العافية هي السلامة عن الذنوب وهي أكمل أفرادها. وقوله: (ورطبكم ويابسكم) (٢) قيل: المراد به أهل البحر والبر، وقيل: عبارة

стр. 2647

اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلَّا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالْبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً، ثُمَّ رَفَعَهَا. ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ١٥٤، ت: ٢٤٩٥، جه: ٤٢٥٧]. ٢٣٥١ - [٢٩] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَ ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]، قَالَ: "قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى، ــ عن الاستيعاب، وقيل: أراد أنه لو فرض كون الشجر والحجر إنسانًا. وأقول -واللَّه أعلم-: يحتمل أن يكون المراد بالرطب واليابس الإنس والجن، بناء على أن خلق الجن من النار والإنس من الماء، ويؤيده ما ورد في الحديث المذكور في الفصل الأول عن أبي ذر: (جنّكم وإنسكم). وقوله: (ذلك بأني جواد ماجد) إشارة إلى مجموع ما ذكر أو للأخير، وعلى الأول يكون الجواد بالنسبة إلى الأخير، والماجد إلى ما قبله، أو الكل في الكل، فافهم. وقوله: (عطائي كلام وعذابي كلام) توطئة لقوله: (إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن فيكون). ٢٣٥١ - [٢٩] (أنس) قوله: (أنا أهل أن أتقى) بلفظ المتكلم المجهول، أي:

стр. 2648

فَمَنِ اتَّقَانِي فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٣٢٨، جه: ٤٢٩٩، دي: ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣]. ٢٣٥٢ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنْ كنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ يَقُولُ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ" مِئَةَ مَرَّةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٢١، ت: ٣٤٣٤، د: ١٥١٦، جه: ٣٨١٤]. ٢٣٥٣ - [٣١] وَعَنْ بِلَالِ بْنِ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: . . . . . ــ أنا جدير وخليق بأن يتقيَ العباد ويخافون من عذابي. وقوله: (فأنا أهل) إشارة إلى أن الفاء بمعنى الواو للترتيب، فافهم. ٢٣٥٢ - [٣٠] (ابن عمر) قوله: (إن كنا لنعد) (إن) مخففة من المثقلة، وعلامة [ذلك] دخولها على أفعال المبتدأ والخبر، ودخول اللام في الخبر. و(يقول) بتقدير (أن) أي: كنا نعدُّ قولَه: (رب اغفر لي. . . إلخ) ويدل على أن استغفاره ﷺ كان بلفظ الدعاء، وقد رجحوا على قول القائل: أستغفر اللَّه؛ لأنه إن كان غافلًا ولاهيًا في ذلك يكون كذبًا بخلاف الدعاء، فإنه قد يستجاب إذا صادف الوقت وإن كان مع الغفلة، كذا قالوا، وهذا مبني على أن قوله: (أستغفر اللَّه) خبرٌ، ويجوز أن يكون إنشاء وهو الظاهر، وقد ورد في الصحيح قوله ﷺ : (أستغفر اللَّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب عليه)، نعم ترجيحهم فيمن سواه ﷺ . ٢٣٥٣ - [٣١] (بلال بن يسار) قوله: (وعن بلال بن يسار بن زيد مولى النبي ﷺ ): (مولى) بدل من (زيد) وهو زيد بن بَوْلَى بفتح موحدة وسكون واو مقصورًا، وهو غير

стр. 2649

"مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، لَكِنَّهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ هِلَالُ بْنُ يَسَارٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٧٧، د: ١٥١٧]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٣٥٤ - [٣٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٦٣، ٥٠٩]. ــ زيد بن حارثة أبي أسامة، كان عبدًا نوبيًّا. قوله: (الحي القيوم) بالرفع بدل من (هو)، وهو المشهور، وقد ينصب على أنه نعتُ (اللَّه) أو بدل منه. وقوله: (ولكنه عند أبي داود: هلال بن يسار) كذا في (قاموس اللغة)، والمشهور بلال، كذا في أكثر الكتب مثل (جامع الأصول) (١) و (الكاشف) (٢) وغيرهما. الفصل الثالث ٢٣٥٤ - [٣٢] (أبو هريرة) قوله: (باستغفار ولدك لك) وهذا أحد منافع النكاح وأعظمها، وأحد الأشياء الثلاثة التي تلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته كما جاء في الحديث.

стр. 2650

٢٣٥٥ - [٣٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ إِلَّا كَالْغَرِيقِ الْمُتَغَوِّثِ يَنْتَظِرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ أَوْ أَخٍ أَوْ صَدِيقٍ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُدْخِلُ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ دُعَاءِ أَهْلِ الأَرْضِ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، وَإِنَّ هَدِيَّةَ الأَحْيَاءِ إِلَى الأَمْوَاتِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [هب: ٩٢٩٥]. ٢٣٥٦ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ فِي "عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ". [جه: ٣٨١٨، عمل اليوم والليلة: ١/ ١٥]. ٢٣٥٧ - [٣٥] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذَا أحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا وإِذَا أَسَاؤُوا اسْتَغْفَرُوا". . . . . ــ ٢٣٥٥ - [٣٣] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (من أب أو أم أو أخ أو صديق) تخصيصٌ ببعض من يرجى منه الغوث ويتوقع الدعاء والاستغفار أكثر مما سواه، وإلا فالحكم عام كما قال في آخر الحديث، ولم يذكر الولد في هذا الحديث لكونه معلومًا مقررًا مذكورًا في الأحاديث الأخر. ٢٣٥٦ - [٣٤] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (عبد اللَّه بن بسر) بضم الموحدة وسكون السين المهملة. وقوله: (طوبى لمن وجد في صحيفته) المقصود مدح الاستغفار والبشارة للمستغفر، وإنما قال كذلك إشارة إلى قوته وثبته وظهور أثره في وقت الحاجة. ٢٣٥٧ - [٣٥] (عائشة) قوله: (إذا أحسنوا استبشروا) شكرًا لتوفيق اللَّه ورؤية فضله، (وإذا أساؤوا استغفروا) لرؤية تقصيرهم وعدم تزين عملهم في نظرهم.

стр. 2651

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعَوَاتِ الْكَبِير". [جه: ٣٨٢٠، الدعوات الكبير: ١/ ٢٩٩]. ٢٣٥٨ - [٣٦] وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا -أَيْ: بِيَدِهِ- فَذَبَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلَكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ، فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، ــ ٢٣٥٨ - [٣٦] قوله: (وعن الحارث بن سويد) بلفظ التصغير. وقوله: (يرى ذنوبه) أي: كلَّها كبيرة كانت أو صغيرة. وقوله: (فقال) أي: فعل وأشار. وقوله: (في أرض دوية) بفتح الدال وكسر الواو وتشديدها وتشديد التحتانية بعدها، وفي رواية: (داوية) وهي أيضًا بتشديد الياء: الأرض القفر أو المفازة الخالية، قيل: ذلك لإبدال الواو الأولى ألفًا، وقد تبدل في النسبة كالطائي في طيِّئ، وفي (القاموس) (١): والدوُّ والدوِّيَّة والداوِيَّة، ويخفف: الفلاة. و(مهلكة) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر لام وفتحها: موضع هلاك، وروي بلفظ اسم فاعل، كذا في (مجمع البحار) (٢).

стр. 2652

فَطَلَبَهَا حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ، عَلَيْهَا زَادُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ". رَوَى مُسْلِمٌ الْمَرْفُوعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ فَحَسْبُ، وَرَوَى البُخَارِيُّ الْمَوْقُوفَ عَلى ابنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا. [م: ٦٨٨٦، خ: ٥٩٤٩]. ــ وقال القاضي عياض (١): (مهلكة) بنصب الميم واللام كذا ضبطناه، أي: يهلك فيها سالكها بغير زاد ولا ماء ولا راحلة، وقال ثعلب: يقال: مهلكة بالكسر. وذكر البيضاوي في قوله تعالى: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] على قراءة حفص بكسر اللام: وهو يحتمل المصدر والزمان، وقرأ أبو بكر بالفتح فيكون مصدرًا. هذا، وقال في (الصحاح) (٢): المهلكة المفازة، وقال في (القاموس) (٣): والمهلكة ويثلث: المفازة. وقوله: (أو ما شاء اللَّه) الظاهر أنه من قول الرسول ﷺ ، أي: أو ما شاء اللَّه من العذاب والبلاء غير الحر والعطش. وقوله: (وضع رأسه على ساعده) كما هو العادة.

стр. 2653

٢٣٥٩ - [٣٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُؤمِنَ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ". ٢٣٦٠ - [٣٨] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي الدُّنْيَا بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا﴾ (١) الآيَةَ [الزمر: ٥٣] "، فَقَالَ رَجُلٌ: فَمَنْ أَشْرَكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "أَلا وَمَنْ أَشْرَكَ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ٢٣٦١ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْحِجَابُ؟ قَالَ: "أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ". رَوَى الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ أَحْمَدُ، ــ ٢٣٥٩ - [٣٧] (علي) قوله: (المفتن) بلفظ اسم المفعول مشددًا من الفتنة بمعنى الابتلاء والامتحان، أي: المبتلى بالمعاصي كثيرًا، والمحبة إنما هو من جهة التوبة. ٢٣٦٠ - [٣٨] (ثوبان) قوله: (بهذه الآية) أي: بدلها. وقوله: (ألا ومن) لولا الواو حملت (ألا) على استثناء، فهي حرف تنبيه، وغفران الإشراك يكون بالتوبة، وهذا لا ينافي عموم الآية بـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. ٢٣٦١ - [٣٩] (أبو ذر) قوله: (ما لم يقع الحجاب) أي: بينه وبين رحمة اللَّه، تلميح إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].

стр. 2654

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَخِيرَ فِي "كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ". [حم: ١/ ٨٠، ٥/ ٢٧٢، ٥/ ١٧٤، كتاب البعث والنشور: ١/ ٢٤]. ٢٣٦٢ - [٤٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يَعْدِلُ بِهِ شَيْئًا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلَ جِبَالٍ ذُنُوبٌ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ". [كتاب البعث والنشور: ١/ ٣٣]. ٢٣٦٣ - [٤١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ" وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّهْرَانِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَفِي "شَرْحِ السُّنَّةِ": رُوِيَ عَنْهُ مَوْقُوفًا قَالَ: النَّدَمُ تَوْبَةٌ، وَالتَّائِبُ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ. [جه: ٢٤٥، هب: ٧١٩٦، شرح السنة: ٥/ ٩٢]. * * * ــ ٢٣٦٢ - [٤٠] (عنه) قوله: (لا يعدل به شيئًا) أي: يوازي ولا يساوي باللَّه شيئًا بالإشراك، فالباء للتعدية، وقال الطيبي (١): ويجوز أن يكون المعنى: لا يتجاوز إلى شيء، فـ (شيئًا) منصوب على نزع الخافض. وقوله: (غفر اللَّه له) أي: إن شاء. ٢٣٦٣ - [٤١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (كمن لا ذنب له) في عدم تضرره، واختلفوا في أن التائب أفضل أم الناشئ من الأول على الصلاح، والتحقيق أن الحيثية مختلفة.

стр. 2655

٥ - باب * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٣٦٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي". وَفِي رِوَايَةٍ: "غَلَبَتْ غَضَبِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٥٣، ٧٥٥٤، م: ٢٧١٥]. ــ ٥ - باب في متممات ولواحق للأبواب السابقة من غير ترجمة، وفي بعض النسخ: (باب في سعة رحمة اللَّه)، وهذه الترجمة تناسب أحاديث الباب. الفصل الأول ٢٣٦٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لما قضى اللَّه الخلق) أي: خلق وقدَّر وحكم بأحكامه، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وقد سبق تحقيق معنى القضاء والقدر في موضعه. وقوله: (إن (١) رحمتي سبقت غضبي) وذلك لأن آثار رحمة اللَّه وَجوده وإنعامه عمت المخلوقات كلها وهي غير متناهية، بخلاف أثر الغضب فإنه ظاهر في بعض بني آدم ببعض الوجوه، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وقال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وأيضًا تهاوُن العباد وتقصيرهم في أداء شكر نعمائه تعالى أكثر من أن يعدّ ويحصى، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ

стр. 2656

٢٣٦٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ للَّهِ مِئَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٠٠، م: ٢٧٥٢]. ٢٣٦٦ - [٣] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ سَلْمَانَ نَحْوُهُ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ: فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ. [م: ٢٧٥٣]. ــ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، فمن رحمته أن يبقيهم ويرزقهم وينعِّمهم بالظاهر ولا يؤاخذهم، هذا في الدنيا، وظهور رحمته في الآخرة قد تكفل ببيانه الحديث الآتي، فإذًا لا شك في أن رحمته تعالى سابقة وغالبة على غضبه، اللهم ارحمنا ولا تهلكنا بغضبك وأنت أرحم الراحمين. ٢٣٦٥ - [٢] (وعنه) قوله: (إن للَّه مئة رحمة) لعل المراد أنواعها الكلية التي تحت كل نوع منها أفراد غير متناهية، والمراد ضرب مثل لبيان المقصود، تقريبًا إلى فهم الناس، أو هو من قبيل قوله: (إن للَّه تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة) في أن الحصر باعتبار هذا الوصف، فافهم. وقوله: (وبها تعطف الوحش على ولدها) خصصها بالذكر لأن وجود الترحم والتعطف فيها مستغرب مستبعد لعدم إيناسهم وائتلافهم، ولذلك سميت وحوشًا. وقوله: (عباده) أي: المؤمنين منهم، فإن الرحمة الخاصة يوم القيامة مخصوص بهم. ٢٣٦٦ - [٣] (سلمان) قوله: (أكملها) أي: أتم المئة والتسعة والتسعين بهذه الرحمة التي أنزلها على الجن والإنس وما عداهم.

стр. 2657

٢٣٦٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٦٩، م: ٢٧٥٥]. ٢٣٦٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٨٨]. ــ ٢٣٦٧ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (لو يعلم المؤمن) الحديث سياقه لبيان صفتي اللطف والقهر، والرحمة والغضب، وعدم بلوغ أحد إلى كنههما، فلو علم المؤمنون الذين هم مَظاهر رحمة اللَّه ما عند اللَّه من القهر ما طمع أحد منهم الجنة، وكذا في الكافرين، وهذا مقصود آخر لا ينافي سبقة رحمته على غضبه بالمعنى الذي سبق، فافهم. وقوله: (قنط) بفتح النون، وقد يروى بالكسر، وفي (الصراح) (١) جعله من باب نصر وضرب وسمع، وقال في (القاموس) (٢): قنط كنصر وضرب وحَسِبَ وكَرُم قُنُوطًا بالضم، وكفرح قَنَطًا وقَنَاطة، وكمنع وحسب، وهاتان على الجمع بين اللغتين: [يئس]. ٢٣٦٨ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (الجنة أقرب) الحديث تمثيل لقرب الجنة والنار من الناس؛ لأن سبب دخولهما سعي العبد وحكم اللَّه، وهو منجز، فكأنهما حاصلان.

стр. 2658

٢٣٦٩ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ لِأهْلِهِ"، وَفِي رِوَايَةٍ: "أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ: إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ، ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ، وَبصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٨١، م: ٢٧٥٦]. ــ ٢٣٦٩ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (إذا مات فحرقوه) نقلٌ بالمعنى، وقد يروى بلفظ المتكلم أيضًا وكذا في أخواته. وقوله: (ثم اذروا) رواية الكتاب على ما في النسخ المصححة بوصل الهمزة وضم الراء على مثال ادعوا، ويروى بفتح الهمزة، يقال: ذرته الريح تَذروه وأذرته تُذْريه: أطارته، ويروى: (ذرُّوني) بضم الذال وتشديد الراء من الذر بمعنى التفريق، و (ذَرُّوني) بالفتح والتشديد من التذرية، أي: فرِّقوني مقابل الريح لتنتشر أجزاء رماده ويتباعد تفريقها ويتذرَّى. وقوله: (لئن قدر اللَّه) إلى آخره، قد ذكروا لهذا الكلام توجيهات وتأويلات، واقتصرنا منها نحن على ما ذكره القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (١) قال: روايتنا فيه عن الجمهور بالتخفيف وهو المشهور، ورواه بعضهم: (قدّر)، واختلف في تأويل هذا الحديث، فقيل: هذا رجل مؤمن لكنه جهل صفة من صفات ربه، وقد اختلف المتكلمون في جاهل صفة: هل هو كافر أم لا؟ وقيل: (قَدَرَ) ههنا بمعنى: قَدَّر،

стр. 2659

٢٣٧٠ - [٧] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: "قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ؛ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْي قَدْ تَحَلَّبَ ثَدْيُهَا تَسْعَى، إِذْ وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْي، أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ فَقُلْنَا: لَا، ــ يقال: قَدَرَ وقَدَّرَ بمعنى، وقيل: هو بمعنى ضيَّق، من قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، وهذان التأويلان قيلا في قوله تعالى عن يونس ﵇: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، ولا يليق في حق يونس التأويل الأول، ولا يصح أن يجهل نبي من أنبياء اللَّه صفة من صفات اللَّه، وقيل: قال: (لئن قدر اللَّه عليّ) في حالة لم يضبط قوله فيها لما لحقه من الخوف وغمرهُ من دهش الخشية، وقيل: هذا من مجاز كلام العرب المسمى بتجاهل العارف، وبمزج الشك باليقين، كقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. ٢٣٧٠ - [٧] (عمر بن الخطاب) قوله: (سبي) بفتح السين وسكون الباء، وفي (القاموس) (١): سبى العدوَّ سَبْيًا وسِبَاءً: أسره، فهو سبيٌّ وهي سبيٌّ أيضًا، والجمع سبايا. وقوله: (تحلب ثديها) أي: سال لبنه، من تَحَلَّبَ العرق، ويقال: تحلَّب فُوه: إذا سال لعابُه. وقوله: (تسعى) أي: تعدو المرأة، وفي رواية لمسلم: (تبتغي) أي: تطلب ولدها، وقد وقع في بعض نسخ (المصابيح) موافقًا لما في كتاب البخاري: (تسقي)، وتوجيهه أنه حال مقدَّرة. وقوله: (أترون) بضم التاء، أي: تظنون، وقد يفتح.

стр. 2660

وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٩٩، م: ٢٧٥٤]. ٢٣٧١ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، ــ وقوله: (وهي تقدر) حال. وقوله: (لَلَّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها) وهو تعالى قادر على أن لا يطرحه في النار فلا يطرحه، وتوجيهه يعلم من حديث عبد اللَّه بن عمر الآتي في الفصل الثالث. ٢٣٧١ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (إلا أن يتغمدني اللَّه منه برحمته) أي: يُلبسَنيها ويسترني بها، مأخوذ من غمد السيف -بكسر الغين-: غلافه، ومعنى الاستثناء: إني لا ينجيني عملي إلا أن يرحمني اللَّه، فحينئذ ينجيني عملي ويصير سببًا في نجاتي، وبدونه لا يصير سببًا؛ لأن العمل ليس علة حقيقية موجبة في النجاة. وقال الطيبي (١): الاستثناء منقطع، فافهم. ولمَّا أشعر هذا الكلام بإلغاء العمل من حيث إيجابه النجاةَ، وهو لا ينافي سببيتَه ومدخليتَه فيها باعتبار أنه يَعِدُ العامل لأن يتفضل عليه، ويقرب إلى الرحمة من جهة حكمِه تعالى بذلك، ووصفِه إياه كذلك، أشار إلى إثباته بقوله: (فسددوا) أي: قوموا العمل واطلبوا الصواب في القول والعمل، وقيل: سدد بمعنى: صار ذا سداد، (وقاربوا) أي: اقتصدوا في العمل بلا إفراط وتفريط، قارب الإبل، أي: جمعها حتى لا تتبدد وتنتشر، فهو بمنزلة التأكيد للتسديد.

стр. 2661

وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٦٣، م: ٨١٦]. ٢٣٧٢ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُدْخِلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَلَا يُجِيرُهُ مِنَ النَّارِ، وَلَا أَنَا إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٧٠]. ٢٣٧٣ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَّفَهَا، ــ وقوله: (واغدوا، وروحوا) أي: اعملوا في الغداة والرواح. وقوله: (وشيء) إما مجرور عطفٌ على الغدوة والروحة المفهومين من قوله: (واغدوا وروحوا) أي: سيروا الغدوة والروحة وبشيء (من الدلجة) -بضم الدال وسكون اللام-: السير في الليل، أو مرفوع مبتدأٌ محذوف الخبر، أي: اعملوا فيه، أو: مطلوب في عملكم، وقيل: تقديره: وليكن في مشيتكم شيء من الدلجة. وقوله: (والقصد القصد) منصوبان بتقدير الزموا، و (تبلغوا) جواب لهذا الأمر، وقد سبق تفصيل معاني هذه الألفاظ في (باب القصد في العمل). ٢٣٧٢ - [٩] (جابر) قوله: (ولا أنا) أي: ولا أدخل أنا، أو هو من باب إقامة الضمير المرفوع مقام المنصوب، والضمائر يستعار بعضها لبعض، والانفصال لحذف العامل. ٢٣٧٣ - [١٠] (أبو سعيد) قوله: (فحسن إسلامه) أي: أخلص فيه واستقام على أداء حقوقه، (زلفها) أي: قدَّمها وأسلفها، والأصل فيه الزلفى بمعنى القرب وهو بتشديد لام مفتوحة، ويروى بتخفيفها، وزَلَفها وزلَّفها وأزلفها كلّها بمعنى.

стр. 2662

وَكَانَ بَعْدُ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤١]. ٢٣٧٤ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٩١، م: ١٣١]. ــ و(بعد) بضم الدال، أي: بعد الإسلام، و (القصاص) بالرفع اسم (كان). وقوله: (الحسنة بعشر أمثالها) بيان القصاص، قال التُّورِبِشْتِي (١): والمراد به ههنا المجازاة وإتباع كل عمل بمثله، وأخذ القصاص من القَصَص الذي هو تتبع الأثر، وهو رجوع الرجل من حيث جاء، فالقصاص أن يؤخذ الجاني في السبيل الذي جاء منه، فيُجرح مثل جرحه أو يقتل كقتله صاحبه، وذلك يفيد معنى المماثلة والمجازاة، فلهذا استعمل في الحديث بمعنى المماثلة والمجازاة. وقوله: (إلا أن يتجاوز اللَّه عنها) أي: بقبول التوبة أو بالعفو عن الجريمة. ٢٣٧٤ - [١١] (ابن عباس) قوله: (فمن هم بحسنة) الحديث، فيه مبالغات في فضل اللَّه وكرمه وعفوه عن العباد كما ذكره الشارحون.

стр. 2663

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢٣٧٥ - [١٢] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقَتْهُ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ، ثُمَّ عَمِلَ أُخْرَى فَانْفَكَّتْ أُخرَى حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى الأَرْضِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١/ ٩٩٠]. ٢٣٧٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ الثَّانِيَةَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! . . . . . ــ الفصل الثاني ٢٣٧٥ - [١٢] (عقبة بن عامر) قوله: (قد خنقته): عصرت حلقه. وقوله: (ثم عمل حسنة) هذا في جانب المشبَّه ذكره لبيان التشبيه، أما في انفكاك حلقة الدرع الذي هو المشبَّه به فليس عملُ الحسنة معتبرةً، فافهم. وقوله: (حتى تخرج إلى الأرض) أي: تسقط الدرع على الأرض، والمقصود أن عمل السيئات يضيِّق صدر عاملها ويعسِّر عليه أموره، وعمل الحسنات يشرحه وييسِّر. ٢٣٧٦ - [١٣] (أبو الدرداء) قوله: (﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾) قال البيضاوي (١):

стр. 2664

فَقَالَ الثَّالِثَةَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٥٧]. ٢٣٧٧ - [١٤] وَعَنْ عَامِرٍ الرَّامِ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ -يَعْنِي عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ كِسَاءٌ، وَفِي يَدِهِ شَيْءٌ قَدِ الْتَفَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَرَرْتُ بِغَيْضَةِ شجَرٍ. . . . . ــ أي: موقفه الذي يقف فيه العبادَ للحساب، أو قيامه على أحواله، من قام عليه: إذا راقبه، أو مقام الخائف عند ربه للحساب بأحد المعنيين، فأضيف إلى الرب تفخيمًا وتهويلًا، أو ربَّه، و ﴿مَقَامَ﴾ مقحم للمبالغة كقوله: ونَفَيتُ عنه مقامَ الذِّئبِ وقال في تفسير (الجنتين): أي: جنة للخائف الإِنسي والأخرى للخائف الجني، فإن الخطاب للفريقين، والمعنى: لكل خائفَيْنِ منكما، أو لكل واحد جنة لعقيدته وأخرى لعمله، أو جنة لفعل الطاعات وأخرى لترك المعاصي، أو جنة يثاب بها وأخرى يتفضل بها عليه، أو روحانية وجسمانية. وقوله: (وإن رغم أنف أبي الدرداء) أي: ذل وكره، مر تحقيق هذا اللفظ في (كتاب الإيمان). ٢٣٧٧ - [١٤] (عامر) قوله: (وعن عامر الرام) مخفف الرامي، ويقال: ابن الرام، والأول أصح. وقوله: (بغيضة) بالفتح: الأجمة، ومجتمع الشجر في مغيض ماء، أو خاصٌّ

стр. 2665

فَسَمِعْتُ فِيهَا أَصْوَاتَ فِرَاخِ طَائِرٍ، فَأَخَذْتُهُنَّ فَوَضَعْتُهُنَّ فِي كِسَائِي، فَجَاءَتْ أُمُّهُنَّ فَاسْتَدَارَتْ عَلَى رَأْسِي، فَكَشَفْتُ لَهَا عَنْهُنَّ، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِنَّ فَلَفَفْتُهُنَّ بِكِسَائِي فَهُنَّ أُولَاءِ مَعِي، قَالَ: ضَعْهُنَّ، فَوَضَعْتُهُنَّ، وَأَبَتْ أُمُّهُنَّ إِلَّا لُزُومَهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَعْجَبُونَ لِرُحْم أُمِّ الأَفْرَاخِ فِرَاخَهَا، فَوَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمِّ الأَفْرَاخِ بِفِرَاخِهَا، ارْجِعْ بِهِنَّ حَتَّى تَضَعَهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُنَّ وَأُمُّهُنَّ مَعَهُنَّ، فَرَجَعَ بِهِنَّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٨٩]. ــ بالغَرَب لا كل شجر، كذا في (القاموس) (١)، فإضافته إلى الشجر للتجريد على بعض المعنى. و(الفراخ): جمع فرخ، وهو ولد الطائر، وفي (القاموس) (٢): الفرخ ولد الطائر، وكل صغير من الحيوان والنبات، وعلى هذا يفيد الإضافة. وقوله: (فوضعتهن) بهذا قال الرجل، أو الواضع عامر الرام، و (الرحم) بضم الراء وسكون الحاء وضمها بمعنى الرحمة، وقد قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١]. (بفراخها) بالباء يتضمن معنى الميل والشفقة، والأصح: (فراخها) منصوبًا بدون الباء. وقوله: (وأمهن معهن) جملة حالية. وقوله: (فرجع) أي: الرجل.
следующие страницы →