الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة مولانا آزاد، جامعة عليجراه الإسلامية
стр. 72
صورة النسخة الرابعة الصفحة الأولى من نسخة مكتبة الجمعية الآسيوية (كولكاتا)
стр. 73
الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة الجمعية الآسيوية (كولكاتا)
стр. 74
صورة النسخة الخامسة الصفحة الأولى من نسخة مكتبة دار العلوم ديوبند (سهارنفور)
стр. 75
الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة دار العلوم ديوبند (سارنفور)
стр. 76
صورة النسخة السادسة الصفحة الأولى من نسخة مكتبة معهد البحوث العربية والفارسية (تونك)
стр. 77
الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة معهد البحوث العربية والفارسية (تونك)
стр. 78
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
للخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)
تأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي
عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي
المولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى
стр. 79
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمَةُ اللّمَعَات
سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الحمد للَّه الذي خلق الخلق، وكرَّم منهم نوعَ الإنسان، وحَمَّلَهم الأمانةَ، وأرسل رسلًا مُبَشِّرين ومُنذرين، ودَاعِين لِلْخَلق إلى طريق الحق واليقين، ومُبَيِّنِينَ للناسِ ما يحتاجون إليه من أمورِ الدنيا والدين، وأَيَّدَهُمْ بالمعجزاتِ القاهرةِ، والآياتِ الباهرةِ، فصار أمرُهم في الصدقِ كالعِيان، لا يحتاج إلى البرهان، ثم بعث أفضلَهم وأكملَهم، وأجلَّهم وأجملَهم، وأبرَّهم وأنورَهم، محمدًّا ﷺ ، وجعله سيِّدَ المُرسلين، وخاتَمَ النبيين، وجعل شريعتَه أكملَ الشرائع، ودينَه ناسخَ جميعِ الأديان، حَبيب اللَّه وخليله وصفيّه ونجيّه المجتبى، والشفيع المرتضى، سيِّد أهلِ الأرض، وسيِّد أهلِ السماء، النبي الأمي العربي القرشي الهاشمي المكي المدني التِّهامي، البشير النذير، الداعي إلى اللَّه بإذنه، السراج المنير، بَعَثَه لِيُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخلاق، ومَحَاسنَ الأعمال، ويوضح طريقَ الحق في جميع الآفاق، فنوّر العالمَ بنوره، وأظهر الحق بظهوره، وأقام الحُجَّةَ، وأوضح المحَجَّةَ، فيا سعادةَ مَنْ آمَنَ به، واتَّبَعَ سبيلَه، واقتدى بهديه، وقوَّمَ دليلَه، فذلك الذي شرح اللَّهُ صدرَه بنور الصدق والإيقان، ويا خسارةَ مَنْ لم يؤمن بذلك، ولم يقرّ من السعادة بما هنالك، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الذي استهوتْه الشياطين في الأرض وهو حيران، اللهمّ فصلّ وسلّم، وزِدْ وبَارِكْ وكَرِّمْ على هذا النبيّ الكبير الكريم المُخْتَصِّ
стр. 80
بالشرف الباذخ (١)، والفضل العظيم، وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين، هداة طريق الحق، ومحيي علوم الدين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، شهادةً بها طلعتْ شمسُ الهدايةِ من أُفُقِ العِنايةِ، وأَسْفَرَ صبح السعادة من أُفُقِ سَمَاءِ العِبَادَةِ.
أمّا بعد:
فإن أولى ما يعتني به أرياب الهمم العالية في طلب الكمالات والسعادات، وأهم ما يصرف في تحصيله نقود الأعمار والأوقات، علمُ الدين الذي يرفع اللَّه الذين أُوتوه مراتب ودرجات، ويكشف به عنهم العَمَى، ويحفظهم عن الرَّدَى، ويهديهم إلى الهُدَى، ويعصمهم عن الضَّلالة، ويخرجهم من الظلمات، وأفضلُ العلوم وأشرفُها وأعلاها وأسناها علمُ التفسير والحديث، فكلاهما الأصل المقصود بالذات، وما سواهما من العلوم وسائل إليهما وآلات، أو فروع لهما ونتائج وثمرات، وعلم الحديث هو المرجع والمآل، أو هو بيان وتفسير لكتاب اللَّه المتعال، إذ أحكام الكتاب كلُّها كلِّيَّات، ومجملات ومبهمات، والسنة تُبَيِّن جزئياتِها، وتُفَصّل مجملاتِها، وتُعَيِّن كيفياتِها وكَمِّيَّاتِها، وهيئاتها وصفاتها، وسائر الأوضاع والأحوال للحرام والحلال. وأعلى العلماءِ قدرًا ورُتبةً، وأعظمُهم شرفًا ومنزلةً، وأنبأهم شأنًا ومكانًا، وأقواهم حجةً وبرهانًا، علماءُ هذا العلم الشريف، وخُدَّام هذا الجناب المنيف، فأقدمهم وأسبقهم وأفضلهم أصحابُ رسول اللَّه ﷺ ورضي عنهم ومن بعدهم من التابعين، وتبعِ التابعين، والثقاتِ والحفّاظِ، وأئمةِ المحدّثين، حَمَلَةِ السنّة، ورُوَاةِ الحديثِ، وحُمَاةِ الدين، رحمة اللَّه عليهم أجمعين.
стр. 81
ثم العلماء الذين شرحوا ألفاظَها ومعانيها، وبَيَّنُوا مُشْكِلاتِها ومُجملاتِها، وكَشَفُوا حَقَائقَها ودقَائقَها، ثم الذين جاؤا من بعدهم، وصنَّفُوا كُتُبًا، ورَتَّبُوا صُحُفًا، وهَذَّبُوهَا وحَرَّرُوهَا، ﵏، وشكر اللَّهُ سعيَهُمْ، وجَزَاهُم خيرًا عن المسلمين.
وإنّ هذا العبدَ الضعيف الفقير إلى اللَّه القويِّ الغني الباري عبدَ الحق بن سيف الدين (١) بن سعد اللَّه (٢) الدهلوي البخاري، أصلح اللَّه شانه، وعصمه عما شانه، لما تشرف بحج بيت اللَّه الحرام، وزيارة قبر نبيّه وحبيبه ﵊، أقام بالحرمين الشريفين -زاد هما اللَّه تشريفًا وتعظيمًا- بُرهةً من الزمان، واستسعد بخدمة هذا العلم الشريف، وأدرك عدةً من علماء هذا الشأن، وحصل له منهم الإجازات والبركات، بتوفيق واهب العطيات، ومفيض الخيوات، من أجلِّهم وأفضلِهم، وأعظمِهم وأكملِهم، قُدوةُ العارفين، وزُبدةُ المتّقين، الشيخ العالم العامل، العارف الكامل، الولي المتّبع المقتدى، طود (٣) العلم ونور الهدى، مشيّد قواعد الطريقة، والجامع بين أحكام
стр. 82
الشريعة وأسرار الحقيقة، صاحب الاستقامة التي هي فوق الكرامة، والكرامة التي تحصل بعد الاستقامة، قطبُ وقتِه وأوانِه، فردُ عصره وزمانه، الشيخ المكين الأمين، والولي التقي النقي، سيِّدي الشيخ عبد الوهاب (١) المكي الحنفي القادري الشاذلي المتقي، قدّس اللَّه روحه، وأوصل إلينا بركاتِه وفتوحَه، وقد حصل لهذا الفقير ببركة صحبته، والتزام خدمته، في الظاهر والباطن، ما لا يفي بشكره البيانُ، ولا يستطيع ببيانه القلمُ واللسانُ:
ولو أن لي في كل منبت شعرة ... لسانًا يبثّ الشكر منه لقصَّرا
وكنت في خدمته أكثر من سنتين، فأفاض عليّ بمقتضى استعدادي ما أرجو به الخير في مبدئي ومعادي، وأتوقع بذلك سعادة النشأتين، ثم ودعني بإشاراتٍ وبشاراتٍ
стр. 83
ناشئةٍ من مقام الصدق واليقين، وأوصاني بالتزام الخلوة والاشتغال بعلم الدين، فرجعت بأمره إلى الوطن الأليف، والتزمت بتوفيق اللَّه خدمة هذا العلم الشريف، وأرجو من اللَّه ثبات القدم على طريق الجِدّ والاستقامة، ثم أسأل اللَّه العود إلى ذلك المقام، مقام الفضل والكرامة، والعكوف على باب كرمه وقبوله، والإقامة ببلد رسوله، داعيًا إلى اللَّه الوهاب بدعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي ببلد رسولك، إنه على كل شيء قدير، وبإجابة دعاء الراجين جدير.
وقد يَسَّرَ اللَّهُ سبحانه لهذا المسكين تواليفَ في أنواع علوم الدين، جعلها اللَّه بفضله مقبولةً، وبكرمه ورحمته ورضاه موصولةً، وإن كتاب (مشكاة المصابيح) للشيخ العالم العامل، والسالك الناسك، والوارع البارع، الفاضل الكامل، ولي الدين أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه العمري الخطيب التبريزي، طَيَّب اللَّهُ ثراه، وجعل الجنةَ مثواه، كتابٌ طيبٌ مباركٌ، مصون عن الخلل والزلل، حافل شامل للأحاديث والآثار المتعلقة بالعلم والعمل، ولقد سعى ﵀ في ترتيبه وتهذيبه، وتنقيحه وتصحيحه، بما لا يُتصور المزيد على ذلك، ويكفي للطالب في حصول المطالب الدينية، وإدراك المقاصد الأخروية، ما يفوز من الفوائد فيما هنالك، شكر اللَّه سعيه وجزاه خيرًا.
فالتمس مني بعضُ أجلّة الأصحاب، وصَفْوَة الأحباب، أن أكتب لهم بالفارسية شرحًا (١) على ذلك الكتاب المستطاب، ليعمّ نفعُها الخواص والعوام، ويتيسر فهمُها بالكمال والتمام، فأجبتُ سُؤلَهم، وأسعفتُ مرامَهم ومأمولَهم، مع كون هذا الأمر الخطير محل الاعتذار والتقصير.
стр. 84
ولما شرعت فيه كان يظهر لي في أثناء المطالعة والنظر في شروح الكتاب معان ونكات لا يليق إدراجها في الشرح الفارسي، ولا يتيسر فهمها لبعض الأصحاب، وقد كانت تلك المعاني مما لا ينبغي أن يضيع ويهمل، وكانت مما يعدُّ من الغنائم ويؤخذ ويحمل، وقع في الخاطر أن لو وُضعَ شرحٌ باللسان العربي أيضًا لكان أولى وأنسب بالحال، وأقضى للمآب لأهل الفضل والكمال، ولكن كنت مدة مترددًا ومتحيرًا في ذلك لقلة البضاعة، وقصر الباع في هذه الصناعة، وضعف البينة، وقصور الهمة، وتعسر البلوغ إلى تلك النهمة، وأنّى لمثلي سلوك مثل هذا الطريق، والوصول إلى مقام التحقيق والتدقيق، ولكن اللَّه إذا أراد بعبد خيرًا سَهَّل له في طريقه، وأعانه بفضله، ويَسّر له الأمر بتوفيقه، ومن خرج له توقيعُ السعادة، جاءه المطلوب على حسب الإرادة، وقد سبقت العناية إلى المتخلف العاجز، فألحقه بمحض الفضل بالواصل الفائز، تلك قسمة أزلية، وموهبة سماوية، ولمحة ربانيّة، ونفحة صَمدانية، لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما منع، إنه جواد كريم، ملك برّ رؤف وحيم، فانفسح القلب، وانشرح الصدر، وتصمم العزم، واتضح الأمر.
فشرعت فيه أيضًا مستعينًا باللَّه، وسائلًا من فضله القديم، وكرمه العصم، أن يسهّل لذلك أيضًا التكميل والتتميم، فكانا يمشيان متقاربين متلاحقين، أو متسابقين، فتارة يسبق الفارسي لكونه سابقًا في الشروع، ويلحقه العربي لكونه حاويًا على الأصول والفروع، وأخرى يغلبه العربي لعلو درجته، ورفعة مرتبته، ولِمَا كان في الطبع إليه من الميلان، لمناسبته بأذهان كثير من الإخوان، فسبق العربي كالفرس الجواد، وأُبدع بي في سير الفارسي كما شاء اللَّه أو أراد، فتمّ العربي على الوجه المرجو والطريق المرغوب، والحمد للَّه معطي السؤال ومحصل المطلوب.
فجاء بحمد اللَّه كتابًا حافلًا مشتملًا على فوائد شريفة، ونكات لطيفة، وتحقيقات
стр. 85
عجيبة، وتدقيقات غريبة، ملتقطة من كتب العلماء والشارحين، وناشئة من فكري الفاتر ونظري القاصر أيها العبد المسكين، مبيّنًا لمعاني المفردات اللغوية، ومعربًا عن وجوه التركيبات النحوية، وحاويًا على الفوائد الحديثية، ومشتملًا على المسائل الفقهية، وذاكرًا طرق الرواية، ومشيرًا إلى وجوه الدراية، وضابطًا للألفاظ بالإعجام والإهمال، ومصححًا لأسماء الرجال، ولكن من غير ذكر الأحوال، والسبب في الإهمال في ذكر الأحوال، أنها إن ذكرت في موضع لم تحفظ في مواضع أُخر، وإن ذكرت في كل موضع ففيه من التكرير والتكثير ما يوجب التطويل والإملال، فكتبتها في كتاب على حدة جعلته كالتكملة للشرح، مشتملٍ على التوثيق والتوهين، والتعديل والجرح، إلا الضعفاء من الرواة الذين حكم المؤلف بضعفهم، فإني ذكرت أحواهم في الشرح ولم أخالطهم في الأقوياء والثقات.
وكتبت مقدمة في بيان بعض مصطلحات الحديث ما يكفي في شرح الكتاب، ولم أرض في هذا الباب بالتطويل والإطناب، اكتفاءً بما سبق مني من مقدمة فارسية في شرح كتاب (سفر السعادة) (١)، من اللَّه الإبداء والإعادة.
ثم أوردت مما ذكر الشارح الأول (٢) ﵀ سوى بعض ما نقل من الشرّاح إلا قليلًا، والذي ذكرت منه شيئًا فما طوّله اختصرتُه، وما فضله أجملتُه، وما اختصره طولتُه، وما أجمله فصّلتُه تفصيلًا، ولا يخلو الأخذ والترك من كلامه عن تضمن رعاية معنى واعتبار، كما لا يخفى على من طالع بعين عبرة واستبصار.
وقد نقلت إلى بعض المواضع من شرح شيخ شيوخنا في الحديث شهاب الدين
стр. 86
أحمد بن حجر الهيتمي المكي الصغير (١)، وذكرت فيه: كذا في شرح الشيخ، وشرحٍ آخر للأبهري (٢)، وقلت فيه: كذا في بعض الشروح، ومجموعة أخرى للشيخ محمد ابن طاهر الفتَّني الججراتي (٣)، مسمًّى بمجمع البحار، وأوردت فوائد من شرح الشيخ ابن حجر الكبير (٤) على (صحيح البخاري)، وأكثر ما أقول فيه: قال الشيخ، أو أقول:
стр. 87
كذا في (فتح الباري)، وقلت في مواضع عديدة: كذا في بعض الحواشي، من غير ذكر اسم قائلها على التعيين، وهي للسيد الفاضل النبيل الأصيل ميرك شاه (١) بن الأمير المحدث السيد جمال الدين (٢).
ولقد ذكرت فوائد شريفة، وفوائد نفسية، هي كالقلادة في نحر البيان، وكالجواهر في قلائد التبيان، من (مشارق الأنوار) (٣) للقاضي عياض المالكي (٤) اليحصبي لم يُر
стр. 88
مثلها في النفاسة في كتب الأعيان، وذكرت أشياء مفيدة من شرح كتاب الخرقي (١) في مذهب الإمام الجليل أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ومن الحاوي (٢) وشرحه في مذهب الإمام العظيم محمد بن إدريس الشافعي، ومن رسالة ابن أبي زيد (٣) في مذهب الإمام الكبير مالك بن أنس الإمام الثاني.
وقد تعرضت في مواضع الخلاف لتأييد مذهب الإمام الأعظم نعمان بن ثابت أبي حنيفة الكوفي (٤) من غير تعصب واعتساف، وأكثر ذلك من شرح (الهداية)، للشيخ
стр. 89
المحقق والإمام المدقق كمال الدين بن الهمام (١)، حافظ الرواية، وصاحب الدراية، فإنه ﵀ قد أثبت مذهب أبي حنيفة بالأحاديث والآثار الصحيحة البواهر، وبلغ في هذا الأمر إلى أن كاد يقال: إن الشافعي من أصحاب الرأي، وأبا حنيفة من أصحاب الظواهر، ومما سنح لي على الإجمال من الدليل على كون مذهب الإمام أبي حنيفة موافقًا للحديث والأثر، موافقته لمذهب الإمام أحمد إلا ما قلّ وندر، ولا ريب أن مذهب الإمام مؤسَّس على الأحاديث الصحيحة والآثار الصريحة، وما ذكر في كتبنا من الدلائل العقلية والقياسات الفقهية إنما هي لترجيح بعض الأحاديث على بعض بالخصوص، وليس كما زعم المخالفون من قبيل القياس في مقابلة النصوص، وأيضًا ما يضعّفه الشافعية من بعض الأحاديث التي تمسك بها أبو حنيفة كما ذكر في الكتاب، فهو بضعف بعض الرواة الذين جاؤوا بعده، لا في الذين قبله، فهو عنده كان صحيحًا بلا شك وارتياب، ومن مذهب أبي حنيفة وجوب تقليد الصحابي فيما قال، والشافعي يقول: نحن رجال وهم رجال (٢)، وأبو حنيفة ﵀ يقدم أقسامًا من الحديث على القياس من غير خلاف ونزاع، فهو أكثر موافقةً للأحاديث، وأدخل وأثبت قدمًا في الاتِّباع.
стр. 90
وإن هذا الشرح قد وقع فيه من الإطناب والتطويل ما يثقل حمله على أرباب الكسل، وتتعسر مطالعته والخوض فيه على بعض أصحاب التحصيل، وكنت أردت في بدء الأمر أن أسلك في هذا الشرح سبيل الاقتصار، ولا أكتب إلا ما يحتاج إليه في مطالعة الأحاديث على وجه الضرورة والاضطرار، ولكن لما منّ اللَّه سبحانه عليّ بغنائم فضله وإحسانه، وفتح عليّ خزائن جُوده وامتنانه على الإطلاق، ما أمسكت في إنفاقها على الطالبين متحرِّزًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠].
وما تركت حديثًا إلا شرحته وتكلمت فيه وإن قلّ، ضبطًا لأحاديث الكتاب، وتشرفًا لها، بخلاف طريق الشارح الأول، وقد ضبط الشارح الأحاديث بالأول والثاني، وكتب اسم الراوي في كل فصل من الفصول، ورقّمت أنا لعددها رومًا للاختصار، وكتبت اسم الصحابي في الهامش (١) على طريقة (جامع الأصول) (٢)، والتزمت في شرح تراجم الأبواب ذكر معانيها وأحكامها، مما فيه تحقيق ذلك المقام، فاندرجت في ذلك علوم جمة، وفوائد مهمة، بتوفيق الملك العلّام، وسميته بـ (لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح)، وأرجو من اللَّه أن يجعلني فيما عملت في هذا الشرح مأجورًا، ويجعل سعيي في سلوك طريق جمعه وتأليفه مشكورًا، ولا يضيع ما كابدت في الهواجر، وسهرت في الدياجر في الأيام والليالي، إنه لا يضيع أجر عمل عامل من الأداني والأعالي، وإني لا أسأل أحدًا على ذلك أجرًا، إن أجري إلا على اللَّه، وهو تعالى حَسْبُ من توكل عليه وكفاه، اللهم أغنِنا بفضلك عمن سواك، واجعلنا ممن أعطيته
стр. 91
إذا سأل، وأجبته إذا دعاك، واجعلنا من أفقر عبادك إليك، وأغنِنا عن الخلق اكتفاءً بفضلك وتوكلًا عليك.
والمأمول من اللَّه سبحانه أن ينفع به الطالبين، ويجعله مقبولًا لديه، وأن يجعله وسيلة لي في حضرة حبيبه، وسببًا لبياض الوجه عنده بشرح كلامه وإثبات سنته، وتجديد أمر دينه وتأييد ملته ﷺ ، وأن يوفقني ثانيًا لإتمام الشرح الفارسي أيضًا، ويحفظ أوقاتي عن الضياع والتفرقة والفتور، إنه جواد كريم ملك برّ رؤف غفور شكور.
والمأمول من الأصحاب أن يُسبلوا ذيل العفو على خطيئاتي، ويُغمضوا الطرف بالعفو والصفح عن زلّاتي، وينظروا بعين العناية والإحسان، وَيعذروني فيما وقع من الخطأ، فإن الإنسان يساوق السهو والنسيان، وأن يردوا الفساد إلى الصلاح، والخطأ إلى الصواب، وباللَّه التوفيق، ومنه إلهام الحق، وإليه المرجع والمآب، والصلاة والسلام أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، على النبي الكريم، صاحب الخلق العظيم، والفضل المبين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحزابه أجمعين، هُداة طريق الحق، ومحيي علوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد اللَّه رب العالمين.
ثم اعلم أنه قد أجازني سيدي الشيخ عبد الوهاب وغيره من المشايخ أولي الألباب بجميع ما تجوز روايته منهم من الصحاح الست وغيرها من كتب الأحاديث وعلوم الدين، من كتب المتقدمين والمتأخرين، ودخل في عمومها كتاب (المشكاة)، ولكنه لم يتفق منهم الإجازة بخصوصية الأثبات، وقال شيخي بعد إتمام قراءتي إياه عليه: أجزناكم رواية هذا الكتاب كما أجازنا المشايخ من غير ذكر الإسناد، وما حصل لي روايته بخصوصيته بالإسناد، إلا من قبل الشيخ العالم العامل الفاضل الكامل، تذكرة السلف، بقية المحدثين، مولانا الشيخ حميد الدين السندي مولدًا، والمدني موطنًا،
стр. 92
والمكي مدفنًا (١)، وهو من الشيخ الإمام الهمام خطيب المسجد النبوي ﷺ نور الدين علي بن عرَّاق (٢) رحمة اللَّه عليه رحمة واسعة، قال: أخبرنا به شيخنا أقضى القضاة شرف الدين عبد الكريم الرافعي إذنًا شفاهًا، عن الإمام أبي الفتح المراغي المدني (٣) إذنًا،
стр. 93
وإن لم يكن سماعًا لبعضه، قال: أخبرني به والدي قاضي طيبة أبو بكر بن الحسين المراغي (١)، أخبرنا به العلامة إمام الدين علي بن مبارك شاه الصديقي (٢) قال: أخبرنا به مؤلفه الخطيب أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه العمري التبريزي قراءة لجميعه، وإجازة لما تجدد إلحاقه بعد القراءة.
* * *
стр. 94
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمَةٌ فِي بَيَانِ بَعْضِ مُصْطَلَحَاتِ عِلْمِ الحدِيثِ مِمَّا يَكْفِيْ فِي شَرْحِ الكِتَابِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيْلٍ وإِطْنَابٍ
* [تَعْرِيف الحَدِيث]:
اعلم أن الحديث في اصطلاح جمهور المحدثين يطلق على قول النبي ﷺ وفعله وتقريره.
ومعنى التقرير: أنه فَعَلَ أحدٌ أو قال شيئًا في حضرته ﷺ ، ولم ينكره ولم ينهه عن ذلك بل سكت وقرر.
وكذلك يطلق -الحديث- على قول الصحابي وفعله وتقريره، وعلى قول التابعي وفعله وتقريره.
* [الْمَرْفُوع]:
فَمَا انْتهى إِلَى النَّبِي ﷺ يُقَال لَهُ الْمَرْفُوع.
* [الْمَوْقُوف]:
وَمَا انْتهى إِلَى الصَّحَابِيّ يُقَال لَهُ الْمَوْقُوف، كَمَا يُقَال: قَالَ، أَو فعل، أَو قرر ابْن عَبَّاس، أَو عَن ابْن عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، أَو مَوْقُوف على ابْن عَبَّاس.
* [الْمَقْطُوع]:
وَمَا انْتهى إِلَى التَّابِعِيّ يُقَال لَهُ الْمَقْطُوع.
стр. 95
* [الحَدِيث والأثر]:
وَقد خصص بَعضهم الحَدِيث بالمرفوع وَالْمَوْقُوف، إِذ الْمَقْطُوع يُقَال لَهُ: الأَثر، وَقد يُطلق الأَثر على الْمَرْفُوع أَيْضا كَمَا يُقَال: الأَدْعِية المأثورة، لما جَاءَ من الأَدْعِيَة عَن النَّبِي ﷺ .
والطحاوي (١) سمى كتابه المشتمل على بيان الأحاديث النبوية وآثار الصحابة بـ (شرح معاني الآثار)، وقال السخاوي (٢): إن للطبري (٣) كتابًا مسمًّى بـ (تهذيب
стр. 96
الآثار) مع أنه مخصوص بالمرفوع، وما ذكرى فيه من الموقوف فبطريق التبع والتطفل.
* [الْخَبَر والحَدِيث]:
والخبر والحديث في المشهور بمعنى واحد، وبعضهم خصوا الحديث بما جاء عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، والخبر بما جاء عن أخبار الملوك والسلاطين والأيام الماضية، ولهذا يقال لمن يشتغل بالسنة: محدث، ولمن يشتغل بالتواريخ: أخباري.
* [الرّفْع قِسْمَانِ صَرِيح وحكمي]:
والرفع قد يكون صريحًا وقد يكون حكمًا.
* [القولي الصَّرِيح]:
أما صريحًا ففي القولي كقول الصحابي: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول كذا، أو كقوله أو قول غيره: قال رسول اللَّه ﷺ ، أو: عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال كذا.
* [الفِعْلِيّ الصَّرِيح]:
وفي الفعلي كقول الصحابي: رأيت رسول اللَّه ﷺ فعل كذا، أو عن رسول اللَّه ﷺ أنه فعل كذا، أو عن الصحابي أو غيره مرفوعًا أو رفعه أنه فعل كذا.
* [التقريري الصَّرِيح]:
وفي التقريري أن يقول الصحابي أو غيره: فعل فلان أو أحد بحضرة النبي ﷺ كذا، ولا يذكر إنكاره.
стр. 97
* [القولي الْحكمِي]:
وأما حكمًا فكإخبار الصحابي -الذي لم يخبر عن الكتب المتقدمة- ما لا مجال فيه للاجتهاد عن الأحوال الماضية كأخبار الأنبياء وأممهم، والإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق، أو الآتية كالملاحم والفتن وأهوال يوم القيامة، أو عن ترتب ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص على فعل، فإنه لا سبيل إليه إلا السماع عن النبي ﷺ .
* [الْفعْلِيّ الْحكمِي]:
أو يفعل الصحابي ما لا مجال للاجتهاد فيه.
* [التقريري الْحكمِي]:
أو يخبر الصحابي بأنهم كانوا يفعلون كذا في زمان النبي ﷺ ؛ لأن الظاهر اطِّلاعه ﷺ -على ذلك ونزول الوحي به، أو يقولون: من السنة كذا؛ لأن الظاهر أن السنة سنة رسول اللَّه ﷺ ، وقال بعضهم: إنه يحتمل سنة الصحابة وسنة الخلفاء الراشدين، فإن السنة تطلق عليه.
* * *
فصل
* [السَّنَد]:
السند: طريق الحديث، وهو رجاله الذين رووه.
* [الإِسْنَاد]:
والإسناد بمعناه، وقد يجيء بمعنى ذكر السند والحكاية عن طريق المتن .
* [الْمَتْن]:
والمتن ما انتهى إليه الإسناد.
стр. 98
* [الْمُتَّصِل]:
فإن لم يسقط راو من الرواة من البين فالحديث متصل، ويسمى عدم السقوط اتصالًا.
* [الْمُنْقَطع]:
وإن سقط واحد أو أكثر فالحديث منقطع، وهذا السقوط انقطاع.
* [الْمُعَلق]:
والسقوط إما أن يكون من أول السند ويسمّى معلّقًا، وهذا الإسقاط تعليقًا، والساقط قد يكون واحدًا، وقد يكون أكثر، وقد يحذف تمام السند، كما هو عادة المصنفين يقولون: قال رسول اللَّه ﷺ .
* [تعليقات البُخَارِيّ]:
والتعليقات كثيرة في تراجم (صحيح البخاري) ولها حكم الاتصال؛ لأنه التزم في هذا الكتاب أن لا يأتي إلا بالصحيح، ولكنها ليست في مرتبة مسانيده، إلا ما ذكر منها مسندًا في موضع آخر من كتابه.
* [حكم التَّعْلِيق بِصِيغَة الْمَعْلُوم والمجهول]:
وقد يفرق فيها بأن ما ذكر بصيغة الجزم والمعلوم كقوله: "قال فلان" أو: "ذكر فلان" دلّ على ثبوت إسناده عنده فهو صحيح قطعًا، وما ذكره بصيغة التمريض والمجهول كـ "قيل، ويقال، وذُكِرَ" ففي صحته عنده كلام، ولكنه لما أورده في هذا الكتاب كان له أصل ثابت، ولهذا قالوا: تعليقات البخاري متصلة صحيحة (١).
стр. 99
* [الْمُرْسل]:
وإن كان السقوط من آخر السند فإن كان بعد التابعي فالحديث مرسل، وهذا الفعل إرسال، كقول التابعي: قال رسول اللَّه ﷺ ، وقد يجيء عند المحدثين المرسل والمنقطع بمعنًى، والاصطلاح الأول أشهر.
* [حكم الْمُرْسل]:
وحكم المرسل التوقف عند جمهور العلماء، لأنه لا يُدرى أن الساقط ثقة أو لا؛ لأن التابعي قد يروي عن التابعي، وفي التابعين ثقات وغير ثقات.
وعند أبي حنيفة ومالك: المرسل مقبول مطلقًا، وهم يقولون: إنما أرسله لكمال الوثوق والاعتماد؛ لأن الكلام في الثقة، ولو لم يكن عنده صحيحًا لم يرسله، ولم يقل: قال رسول اللَّه ﷺ .
وعند الشافعي إن اعتضد بوجه آخر مرسلٍ أو مسند وإن كان ضعيفًا قُبِلَ، وعن أحمد قولان.
وهذا كله إذا علم أن عادة ذلك التابعي أن لا يرسل إلا عن الثقات، وإن كانت عادته أن يرسل عن الثقات وعن غير الثقات، فحكمه التوقف بالاتفاق، كذا قيل، وفيه تفصيل أزيد من ذلك ذكره السخاوي في شرح (الألفية) (١).
* [المعضل]:
وإن كان السقوط من أثناء الإسناد، فإن كان الساقط اثنين متواليًا يسمّى مُعضَلًا -بفتح الضاد-.
стр. 100
* [الْمُنْقَطع]:
وإن كان واحدًا أو أكثر من غير موضع واحد يسمى منقطعًا، وعلى هذا يكون المنقطع قسمًا من غير المتصل، وقد يطلق المنقطع بمعنى غير المتصل مطلقًا شاملًا لجميع الأقسام، وبهذا المعنى يجعل مقسَّمًا.
* [طَرِيق معرفَة الانْقِطَاع]:
ويُعرف الانقطاع وسقوط الراوي بمعرفة عدم الملاقاة بين الراوي والمروي عنه، إما لعدم المعاصرة أو لعدم الاجتماع والإجازة عنه، بحكم علم التاريخ المبين لمواليد الرواة ووفياتهم وتعيين أوقات طلبهم وارتحالهم، وبهذا صار علم التاريخ أصلًا وعمدة عند المحدثين.
* [المدلس]:
ومن أقسام المنقطع المدلَّس -بضم الميم وفتح اللام المشددة-، ويقال لهذا الفعل: "التدليس" ولفاعله: "مدلِّس" بكسر اللام.
* [تَعْرِيف التَّدْلِيس اصْطِلاحًا]:
وصورته: أن لا يسمي الراوي شيخه الذي سمعه منه، بل يروي عمن فوقه بلفظ يوهم السماع ولا يقع كذبًا، كما يقول: عن فلان، وقال فلان.
* [تَعْرِيف التَّدْلِيس لُغَة]:
والتدليس في اللغة: كتمان عيب السلعة في البيع، وقد يقال: إنه مشتق من الدلس، وهو اختلاط الظلام واشتداده.
* [وَجه التَّسْمِيَة بِهِ]:
سمي به لاشتراكهما في الخفاء.
стр. 101
* [حكم المدلِّس]:
قال الشيخ (١): وحكم من ثبت عنه التدليس أن لا يقبل منه إلا إذا صرّح بالتحديث.
* [حكم التَّدْلِيس]:
قال الشُّمُنِّي (٢): التدليس حرام عند الأئمة، رُوي عن وكيع أنه قال: لا يحل تدليس الثوب فكيف بتدليس الحديث، وبالغ شعبة في ذمه.
* [حكم رِوَايَة المدلس]:
وقد اختلف العلماء في قبول رواية المدلِّس، فذهب فريق من أهل الحديث والفقه إلى أن التدليس جَرح، وأنّ من عُرف به لا يُقبل حديثه مطلقًا، وقيل: يقبل، وذهب الجمهور إلى قبول تدليس من عُرف أنه لا يدلّس إلا عن ثقة كابن عيينة، وإلى ردّ من كان يدلّس عن الضعفاء وغيرهم حتى ينصّ على سماعه بقوله: سمعت أو حدثنا أو أخبرنا.
стр. 102
* [أَسبَاب التَّدْلِيس]:
والباعث على التدليس قد يكون لبعض الناس غرض فاسد، مثل إخفاء السماع من الشيخ لصغر سنّه، أو عدم شهرته وجاهه عند الناس.
* [تَدْلِيس الأكابر]:
والذي وقع من بعض الأكابر ليس لمثل هذا، بل من جهة وثوقهم بصحة الحديث واستغنائهم بشهرة الحال.
قال الشُّمُنِّي: يحتمل أن يكون قد سمع الحديث من جماعة من الثقات وعن ذلك الرجل، فاستغنى بذكره عن ذكر أحدهم أو ذكر جميعهم لتحققه بصحة الحديث فيه كما يفعل المرسِل.
* [المضطرب]:
وإن وقع في إسناد أو متن اختلاف من الرواة بتقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصان، أو إبدال راو مكان راو آخر، أو متن مكان متن، أو بتصحيف في أسماء السند أو أجزاء المتن، أو باختصار أو حذف، أو مثل ذلك، فالحديث مضطرب.
* [حكم المضطرب من الرِّوَايَات]:
فإن أمكن الجمع فبها وإلا فالتوقف.
* [المدرج]:
وإن أدرج الراوي كلامه أو كلام غيره من صحابي أو تابعي مثلًا لغرض من الأغراض كبيان اللغة، أو تفسير للمعنى، أو تقييد للمطلق، أو نحو ذلك، فالحديث مدرج.
стр. 103
* تَنْبِيه:
* [الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى]:
وهذا المبحث ينجرّ إلى رواية الحديث ونقله بالمعنى، وفيه اختلاف، فالأكثرون على أنه جائز ممن هو عالم بالعربية، وماهر في أساليب الكلام، وعارف بخواص التراكيب ومفهومات الخطاب لئلا يخطئ بزيادة ونقصان. وقيل: جائز في مفردات الألفاظ دون المركبات. وقيل: جائز لمن استحضر ألفاظه حتى يتمكن من التصرف فيه. وقيل: جائز لمن يحفظ معاني الحديث ونسي ألفاظها للضرورة في تحصيل الأحكام، وأما من استحضر الألفاظ فلا يجوز له لعدم الضرورة، وهذا الخلاف في الجواز وعدمه.
* [رِوَايَة اللَّفْظ أولى]:
أما أولوية رواية اللفظ من غير تصرف فيها فمتفق عليه، لقوله ﷺ : "نضر اللَّه امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمع" (١) الحديث، والنقل بالمعنى واقع في الكتب الستة وغيرها.
* [العنعنة]:
والعنعنة رواية الحديث بلفظ: عن فلان عن فلان.
* [المعنعَن]:
والمعنى حديث روي بطريق العنعنة.
* [شُرُوط العنعنة]:
ويشترط في العنعنة المعاصرة عند مسلم، واللُّقي عند البخاري، والأخذ عند قوم
стр. 104
آخرين، ومسلم (١) ردّ على الفريقين أشد الرد وبالغ فيه، وعنعنة المدلس غير مقبول.
* [الْمسند]:
وكل حديث مرفوع سنده متصل فهو مسند، هذا هو المشهور المعتمد عليه، وبعضهم يسمّي كل متصل مسندًا وإن كان موقوفًا أو مقطوعًا، وبعضهم يسمّي المرفوع مسندًا وإن كان مرسلًا أو معضلًا أو منقطعًا.
* * *
فَصْلٌ
ومن أقسام الحديث: الشاذ و المنكر والمعلل.
* [الشاذ لُغَة]:
والشاذ في اللغة: من تفرّد من الجماعة وخرج منها.
* [الشاذ اصْطِلَاحًا]:
وفي الاصطلاح: ما روي مخالفًا لما رواه الثقات (٢)، فإن لم يكن راويه ثقة فهو مردود، وإن كان ثقة فسبيله الترجيح بمزيد حفظٍ وضبطٍ أو كثرة عدد ووجوهٍ أُخر من الترجيحات، فالراجح يسمّى محفوظًا، والمرجوح شاذًا.
* [الْمُنكر]:
والمنكر: حديث رواه ضعيف مخالف لمن هو أضعف منه (٣).
стр. 105
* [الْمَعْرُوف]:
ومقابله المعروف.
* [حكم الْمَعْرُوف وَالْمُنكر والشاذ وَالْمَحْفُوظ]:
فالمنكر والمعروف راويهما ضعيف وأحدهما أضعف من الآخر، وفي الشاذ والمحفوظ قوي، أحدهما أقوى من الآخر، والشاذ والمنكر مرجوحان، والمحفوظ والمعروف راجحان.
* [تَعْرِيف آخر للشاذ]:
وبعضهم لم يشترطوا في الشاذ والمنكر قيد المخالفة لراو آخر قويًّا كان أو ضعيفًا، وقالوا: الشاذ: ما رواه الثقة وتفرّد به، ولا يوجد له أصل موافق ومعاضد له، وهذا صادق على فرد ثقة صحيح.
* [تَعْرِيف ثَالِث للشاذ]:
وبعضهم لم يعتبروا الثقة ولا المخالفة، وكذلك المنكر لم يخصوه بالصورة المذكورة، وسمّوا حديث المطعون بفسق أو فرطِ غفلةٍ وكثرةِ غلطٍ منكرًا.
وهذه اصطلاحات لا مشاحة فيها.
* [الْمُعَلل]:
والمعلل -بفتح اللام- إسناد فيه علل وأسباب غامضة خفية قادحة في الصحة يتنبه لها الحذاق المهرة من أهل هذا الشأن، كإرسال في الموصول ووقف في المرفوع ونحو ذلك، وقد تقتصر عبارة المعلل -بكسر اللام- عن إقامة الحجة على دعواه كالصَّيْرفي في نقد الدينار والدرهم.
стр. 106
* [المتابع]:
وإذا روى راوٍ حديثًا، وروى راوٍ آخر حديثًا موافقًا له، يسمّى هذا الحديث متابعًا -بصيغة اسم الفاعل-.
وهذا معنى ما يقول المحدثون: تابعه فلان، وكثيرًا ما يقول البخاري في "صحيحه"، ويقولون: وله متابعات.
* [فَائِدَة الْمُتَابَعَة]:
والمتابعة توجب التقوية والتأييد.
ولا يلزم أن يكون المتابع مساويًا في المرتبة للأصل، وإن كان دونه يصلح أيضًا للمتابعة.
* [دَرَجَات الْمُتَابَعَة]:
والمتابعة قد تكون في نفس الراوي، وقد تكون في شيخ فوقه، والأول أتم وأكمل من الثاني؛ لأن الوهن في أول الإسناد أكثر وأغلب.
* [مَتى يسْتَعْمل "مثله" و"نحوه "]:
والمتابع إن وافق الأصل في اللفظ والمعنى يقال: مثله، وإن وافق في المعنى دون اللفظ يقال: نحوه.
* [شَرط الْمُتَابَعَة]:
ويشترط في المتابعة أن يكون الحديثان من صحابي واحد.
* [الشَّاهِد]:
وإن كانا من صحابيين يقال له: شاهد، كما يقال: له شاهدٌ من حديث أبي هريرة، ويقال: له شواهد، ويشهد به حديث فلان.
стр. 107
* [تَعْرِيف آخر للمتابع وَالشَّاهِد]:
وبعضهم يخصون المتابعة بالموافقة في اللفظ، والشاهد في المعنى، سواء كان من صحابي واحد أو من صحابيين.
وقد يطلق الشاهد والمتابع بمعنى واحد والأمر في ذلك بيّن.
* [الاعْتِبَار]:
وتتبع طرق الحديث وأسانيدها لقصد معرفة المتابع والشاهد يسمى الاعتبار.
* * *
فَصْلٌ
وأصل أقسام الحديث ثلاثة: صحيح وحسن وضعيف، ف الصحيح أعلى مرتبة، والضعيف أدنى، والحسن متوسط، وسائر الأقسام التي ذكرت داخلة في هذه الثلاثة.
* [الصَّحِيح]:
فالصحيح ما ثبت بنقلِ عدلٍ تامِّ الضبط غير معلَّلٍ ولا شاذٍّ.
* [الصَّحِيح لذاته]:
فإن كانت هذه الصفات على وجه الكمال والتمام فهو الصحيح لذاته.
* [الصَّحِيح لغيره]:
وإن كان فيه نوع قصور، ووجد ما يَجبر ذلك القصور من كثرة الطرق، فهو الصحيح لغيره.
* [الْحسن لذاته]:
وإن لم يوجد فهو الحسن لذاته.
стр. 108
* [الضَّعِيف]:
وما فقدت فيه الشرائط المعتبرة في الصحيح كلًّا أو بعضًا فهو الضعيف.
* [الْحسن لغيره]:
والضعيف إن تعدد طرقه، وانجبر ضعفه، يسمّى حسنًا لغيره.
* [النُّقْصَان المُعْتَبر فِي الْحسن]:
وظاهر كلامهم أنه يجوز أن يكون جميع الصفات المذكورة في الصحيح ناقصًا في الحسن، لكن التحقيق أن النقصان الذي اعتبر في الحسن إنما هو بخفة الضبط وباقي الصفات بحالها.
* [الْعَدَالَة]:
والعدالة ملكة في الشخص تحمله على ملازمة التقوى و المروءة .
* [التَّقْوَى]:
والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيّئة من الشرك والفسق والبدعة، وفي الاجتناب عن الصغيرة خلاف، والمختار عدم اشتراطه؛ لخروجه عن الطاقة، إلا الإصرار عليها لكونه كبيرة.
* [الْمُرُوءَة]:
والمراد بالمروءة التنزه عن بعض الخسائس والنقائص التي هي خلاف مقتضى الهمّة والمروءة، مثل بعض المباحات الدنيئة كالأكل والشرب في السوق، والبول في الطريق، وأمثال ذلك.
* [عدل الرِّوَايَة أَعم من عدل الشَّهَادَة]:
وينبغي أن يعلم أن عدل الرواية أعم من عدل الشهادة، فإن عدل الشهادة
стр. 109
مخصوص بالحر، وعدل الرواية يشتمل الحر والعبد.
* [الضَّبْط]:
والمراد بالضبط حفظ المسموع وتثبيته من الفوات والاختلال بحيث يتمكن من استحضاره. وهو قسمان: ضبط الصدر وضبط الكتاب، فضبط الصدر بحفظ القلب ووعيه. وضبط الكتاب بصيانته عنده إلى وقت الأداء.
* * *
فَصْلٌ
* [وُجُوه الطعْن الْمُتَعَلّقَة بِالْعَدَالَةِ]:
أما العدالة فوجوه الطعن المتعلقة بها خمس: الأول بالكذب، والثاني باتهامه بالكذب، والثالث بالفسق، والرابع بالجهالة، والخامس بالبدعة.
[١ - الْكَذِب]:
والمراد بكذب الراوي أنه ثبت كذبُهُ في الحديث النبوي ﷺ إما بإقرار الواضع أو بغير ذلك من القرائن.
* [الْمَوْضُوع]:
وحديث المطعون بالكذب يسمى موضوعًا.
* [حكم متعمد الْكَذِب]:
ومن ثبت عنه تعمد الكذب في الحديث وإن كان وقوعه في العمر مرة، وإن تاب من ذلك لم يقبل حديثه أبدًا، بخلاف شاهد الزور إذا تاب.
* [المُرَاد بالموضوع]:
فالمراد بالحديث الموضوع في اصطلاح المحدثين هذا، لا أنه ثبت كذبه وعُلِمَ
стр. 110
ذلك في هذا الحديث بخصوصه.
* [مَسْأَلَة الحكم بِالْوَضْعِ ظنية]:
والمسألة ظنية، والحكم بالوضع والافتراء بحكم الظن الغالب، وليس إلى القطع واليقين بذلك سبيلٌ، فإن الكذوب قد يصدق.
وبهذا يندفع ما قيل في معرفة الوضع بإقرار الواضع: أنه يجوز أن يكون كاذبًا في هذا الإقرار، فإنه يعرف صدقه بغالب الظن، ولولا ذلك لما ساغ قَتْلُ الْمُقِرِّ بالقتل، ولا رَجْمُ المعترف بالزنا، فافهم.
[٢ - اتهام الرَّاوِي بِالْكَذِبِ]:
وأما اتهام الراوي بالكذب، فبأن يكون مشهورًا بالكذب ومعروفًا به في كلام الناس، ولم يثبت كذبه في الحديث النبوي.
* [الْمَتْرُوك]:
وفي حكمه رواية ما يخالف قواعد معلومةً ضروريةً في الشرع كذا قيل، ويسمى هذا القسم متروكًا، كما يقال: حديثه متروك، وفلان متروك الحديث.
* [حكم الْمُتَّهم بِالْكَذِبِ]:
وهذا الرجل إن تاب وصحت توبته وظهرت أمارات الصدق منه جاز سماع الحديث منه.
* [حكم من يكذب نَادرًا]:
والذي يقع منه الكذب أحيانًا نَادرًا في كلامه غير الحديث النبوي فذلك غير مؤثر في تسمية حديثه بالموضوع أو المتروك وإن كانت معصية.