← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ"، وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا" فِي (بَابِ الْمَلَاحِم)، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاس فِي (بَاب قصَّة ابْن الصياد) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [خ: ٣٤٤٠، م: ١٦٩]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٤٨٤ - [٢١] عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ: قَالَ (١): فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ تَجُرُّ شَعَرَهَا، ــ كانوا يطوفون بالبيت قبل أن يمنعوا من قربهم المسجد الحرام. وقال الطيبي (٢): هذه رؤيا رآها ﷺ ، وتعبيرها أنه رأى أن عيسى سيظهر يحول حول الدين لإقامته وإصلاح ما فيه من الخلل، وأن الدجال سيظهر يحول حوله يبغي العوج والفساد. الفصل الثاني ٥٤٨٤ - [٢١] (فاطمة بنت قيس) قوله: (بامرأة تجر شعرها) لطول شعرها كما قال في الحديث السابق: (أهلب كثير الشعر)، وقيل في تطبيقه بالحديث السابق الذي ذكر فيه الدابة: إنه يمكن أن يكون للدجال جاسوسان دابة وامرأة، وإنه يصح إطلاق الدابة على الإنسان لغة، فإنه اسم لكل ما يدب، وقد وقع إطلاقها عليه في القرآن في غير موضع، والتخصيص بذوات الأربع أو أخص منه إنما هو بحسب العرف العام، أو لأن الجساسة كانت شيطانة تتمثل بأي صورة شاءت، وهذا أولى وأظهر؛

стр. 5147

قَالَ: مَا أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْقَصْرِ، فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا رَجُلٌ يَجُرُّ شَعَرَهُ مُسَلْسَلٌ فِي الأَغْلَالِ، يَنْزُو فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الدَّجَّال. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٣٢٥]. ٥٤٨٥ - [٢٢] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنِّي حَدَّثْتُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لَا تَعْقِلُوا، إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ قَصِيرٌ، أَفْحَجُ، جَعْدٌ، أَعْوَرُ، مَطْمُوسُ الْعَيْنِ، لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ وَلَا جَحْرَاءَ، ــ لأن المرأة والدابة كيف تتجسس له أخبار العالم، إلا أن يخصص تجسسه بأحوال المراكب التي تمر بذلك الموضع، واللَّه أعلم. وقوله: (قال: ما أنت؟ ) الظاهر الموافق للسياق (قلت)، ولكن هكذا وقع في النسخ. وقوله: (ينزو) أي: يتحرك، نزا ينزو نزوًا ونزاءًا بالضم ونزوانًا: وثب. وقوله: (فيما بين السماء والأرض) إما متعلق بـ (ينزو) أو بـ (مسلسل). ٥٤٨٥ - [٢٢] (عبادة بن الصامت) قوله: (حتى خشيت أن لا تعقلوا) أي: حدثتكم أحاديث كثيرة شتى حتى خشيت أن لا تعقلوا ويلتبس عليكم حاله وكذبه، فاعقلوا، وقيل: خشيت بمعنى وجدت، و (لا) زائدة، وهذا الوجه بعيد, ولو التزم ارتكاب البعيد فيمكن أن يقال: (حتى) بمعنى لام التعليل، و (أن) مقدرة بعدها، أي: لأن خشيت، أي: لأجل خشيتي وخوفي وهو في عدم تعقلكم، واللَّه أعلم. وقوله: (قصير) وإن كان عظيمًا بطينًا سمينًا مشوه الخلق، و (أفحج) بتقديم الحاء على الجيم، فحج في مشيته: تدانى صدور قدميه وتباعد عقباه، والفحج محركة

стр. 5148

فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٣٢٠]. ٥٤٨٦ - [٢٣] وَعَن أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ بَعْدَ نُوحٍ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَ الدَّجَّالَ قَوْمَهُ، وَإِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ"، فَوَصَفَهُ لنا، قَالَ: "لَعَلَّهُ سَيُدْرِكهُ بَعْضُ مَنْ رَآنِي أَوْ سَمِعَ كَلَامِي"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ قُلُوبُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "مِثْلُهَا"، يَعْنِي الْيَوْمَ، "أَوْ خَيْرٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٢٣٤، د: ٤٧٥٦]. ٥٤٨٧ - [٢٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصّديق قَالَ: . . . . . ــ والتفحج: التفريج بين الرجلين، و (جحرت العين) بتقديم جيم على الحاء: غارت، وعين جحراء: متجحرة، والجحر بالفتح: الغار البعيد القعر. (فإن ألبس) على لفظ المجهول، من الإلباس، أي: إن اشتبه (عليكم) أمره في دعوى الألوهية. ٥٤٨٦ - [٢٣] (أبو عبيدة بن الجراح) قوله: (بعد نوح) أي: بعد إنذار نوح، وليس المعنى نبي موجود بعد زمان نوح، فلا يخالف الحديث السابق الدال على إنذار نوح أيضًا قومه. وقوله: (قد أنذر الدجال قومه) قدم المفعول الثاني للاهتمام، وبعد إرجاع الضمير إلى المفعولين قدم الأول كما هو الأصل، لأنه لو قدم الثاني لوجب الانفصال وفات الاختصار. وقوله: (وسمع كلامي) أي: وصل إليه كلامي ولو بعد طول الزمان. ٥٤٨٧ - [٢٤] (عمرو بن حريث) قوله: (عن عمرو بن حريث) بالحاء المهملة

стр. 5149

حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الدَّجَّالُ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا: خُرَاسَانُ، يَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطَرَّقَةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢٣٧]. ٥٤٨٨ - [٢٥] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَمِعَ بالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ مِنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣١٩]. ٥٤٨٩ - [٢٦] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَمْكُثُ الدَّجَّالُ فِي الأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، ــ والثاء المثلثة بلفظ التصغير. وقوله: (كأن وجوههم المجان المطرقة) قد سبق معناه في (كتاب الفتن)، وحاصله كالأتراس التي يطبق عليها الجلود بعضها على بعض. ٥٤٨٨ - [٢٥] (عمران بن حصين) قوله: (فلينأ) أي: فليبعد, أصله ينأى فحذفت الألف جزمًا. وقوله: (وهو يحسب أنه) الضمائر للرجل، أي: يحسب نفسه (أنه مؤمن) موقن لا يتزلزل إيمانه، فإذا رأى ما مع الدجال من السحر وإحياء الأموات وأمثال ذلك وقع في الكفر والضلالة، فيتبع الرجل الدجال. ٥٤٨٩ - [٢٦] (أسماء) قوله: (يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة) قد سبق في (الفصل الأول) من حديث النواس بن سمعان أن لبثه أربعون يومًا، فقيل:

стр. 5150

وَالْيَوْمُ كَاضْطِرَامِ السَّعَفَةِ فِي النَّارِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٤٢٦٤]. ٥٤٩٠ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ السِّيجَانُ". رَوَاهُ فِي "شرح السّنة". [شرح السنة: ٤٢٦٥]. ٥٤٩١ - [٢٨] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ فِي بَيْتِي، فَذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: "إِنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ سِنِينَ: سَنَةٌ تُمْسِكُ السَّمَاءُ فِيهَا ثُلُثَ قَطْرِهَا وَالأَرْضُ ثُلُثَ نَبَاتِهَا، وَالثَّانِيَةُ تُمْسِكُ السَّمَاءُ ثُلُثَيْ قَطْرِهَا وَالأَرْضُ ثُلُثَيْ نَبَاتِهَا، وَالثَّالِثَةُ تُمْسِكُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا كُلَّهُ، وَالأَرْضُ نَبَاتَهَا كُلَّهُ، فَلَا يَبْقَى ذَاتُ ظِلْفٍ. . . . . ــ يمكن أن يكون المراد بالأول لبثه مقارنًا للفتنة، وبالثاني مطلق المكث، فتدبر. وقوله: (كاضطرام السعفة) السعف محركة: جريد النخل أو ورقه، وأكثر ما يقال إذا يبست، وإذا كانت رطبة فشطبة، وقد سبق في أشراط الساعة: (الجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة). ٥٤٩٠ - [٢٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (عليهم السيجان) جمع ساج، وهو الطيلسان الأخضر أو الأسود. ٥٤٩١ - [٢٨] (أسماء بنت يزيد) قوله: (ذات ظلف): الظلف بالكسر للبقرة والشاة والظبي وشبهه بمنزلة القدم منَّا، كالخف للبعير، وقد يكون للنعام، ولا يكون

стр. 5151

وَلَا ذَاتُ ضِرْسٍ مِنَ الْبَهَائِم إِلَّا هَلَكَ، وَإِنَّ مِنْ أَشَدِّ فِتْنَتِهِ أَنَّهُ يَأْتِي الأَعْرَابِيَّ فَيَقُولُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْيَيْتُ لَكَ إِبِلَكَ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنِّي رَبَّكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيُمَثِّلُ لَهُ الشَّيْطَانَ نَحْوَ إِبِلِهِ كَأَحْسَنِ مَا يَكُونُ ضُرُوعًا وَأَعْظَمِهِ أَسْنِمَةً"، قَالَ: "وَيَأْتِي الرَّجُلَ قَدْ مَاتَ أَخُوهُ وَمَاتَ أَبُوهُ فَيَقُولُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْيَيْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأَخَاكَ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنِّي ربُكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيُمَثِّلُ لَهُ الشَّيَاطِينَ نَحْوَ أَبِيهِ وَنَحْوَ أَخِيهِ"، قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَالْقَوْمُ فِي اهْتِمَامٍ وَغَمِّ مِمَّا حَدَّثَهُمْ، قَالَتْ: فَأَخَذَ بِلَحْمَتَي الْبَابِ. . . . . ــ إلا لهما، والحافر للفرس، وقال في (القاموس) (١): حافر واحد حوافر الدابة، وقال في (الصراح) (٢): الحافر: سم ستور، وهذا بالمعنى الأول. وقوله: (من البهائم) في (القاموس) (٣): البهيمة: كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، وكل حيٍّ لا يميز، والجمع بهائم. وقوله: (فيمثل له) أي: الدجال للأعرابي، وفي بعض النسخ: (الشياطين) فاعلًا لـ (يمثل)، وهذا أوفق لما بعده من قوله: (فيمثل له الشياطين نحو أبيه). وقوله: (فأخذ بلحمتي الباب) هكذا وقع في نسخ (المشكاة) و (المصابيح) (لحمتا الباب) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة وبالميم المفتوحة، أي: بناحيتي الباب، ولم يذكر في (الصحاح) و (القاموس) اللحمة بهذا المعنى، وقال الطيبي (٤):

стр. 5152

فَقَالَ: "مَهْيَمْ أَسْمَاءُ؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ خَلَعْتَ أَفْئِدَتَنَا بِذِكْرِ الدَّجَّالِ، قَالَ: "إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا حَيٌّ فَأَنَا حَجِيجُهُ، وَإِلَّا فإِنَّ رَبِّي خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاللَّهِ إِنَّا لَنَعْحِنُ عَجِينَنَا فَمَا نَخْبِزُهُ حَتَّى نَجُوعَ، فَكَيْفَ بِالْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "يُجْزِئُهُمْ مَا يُجْزِئُ أَهْلَ السَّمَاءِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ". . . . . ــ الصواب (بلجفتي الباب) بالجيم مكان الحاء والفاء بدل الميم، وقد ذكر في كتب اللغة (اللجفة) بالجيم والفاء بمعنى عضادة الباب، وألجاف البئر: جوانبه، وذكر في (القاموس) (١): اللجيف كأمير، وقال: ولجيفتا الباب: جنبتاه، واللجف: الحفر في جوانب البئر. وقوله: (مهيم أسماء) أي: يا أسماء، و (مهيم) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء المثناة التحتية كلمة استفهام، أي: ما حالك أو ما شأنك، أو ما وراءك، أو أَحَدَثَ لك شيء، كذا في (القاموس) (٢). وقوله: (لقد خلعت) في (القاموس) (٣): الخلع: النزع، إلا أن في الخلع مهلة. وقوله: (إنا لنعجن عجيننا) أي: نعد العجين لنخبزه فلا نقدر على خبزه لخوف الدجال حين ذكرته لنا وخلعت أفئدتنا بذكره حتى نبقى جائعين، فكيف حال من ابتلي بزمانه؟ والمراد بقوله: (يجزئهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح والتقديس) أنه تعالى يسلّيهم ببركة التسبيح والتقديس، وسمعت من بعض مشايخي أن المعنى:

стр. 5153

رَوَاهُ (١). [حم: ٦/ ٤٥٣]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٤٩٢ - [٢٩] عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ، وَإِنَّهُ قَالَ لِي: "مَا يَضُرُّكَ؟ " قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهَرَ مَاءٍ، قَالَ: "هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٠٥، م: ٢١٥٢]. ــ نحن نعجن فنجوع لتأخير الخبز، وهذه طبيعة الإنسان في الجوع، فكيف بالذين في زمانه من المسلمين لا يجدون ما يأكلونه؟ فكيف يصبرون على الجوع وعدم ما يجعلونه غذاء؟ وهذا المعنى أظهر وأنسب بقوله: (يجزئهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح والتقديس) يعني وغذاؤهم اليوم التسبيح والتقديس كما للملائكة، يعني من ابتلي بزمانه لا يحتاج إلى الأكل والشرب كما لا يحتاج الملائكة إليهما. الفصل الثالث ٥٤٩٢ - [٢٩] (المغيرة بن شعبة) قوله: (هو أهون على اللَّه من ذلك) أي: الدجال هو أهون على اللَّه تعالى من أن يخلق على يده شيئًا، كونه مضلًّا للمؤمنين مشككًا لهم، بل ليزدادوا إيمانًا، أو هو، أي: عدم الإضلال به أهون على اللَّه من إيجاد جبل خبز ونهر ماء على يده، أو الدجال أهون على اللَّه من ذلك، أي: من أن يخلق على يده شيئًا من ذلك حقيقة، بل هو سحر باطل ليس له حقيقة ولا وجود

стр. 5154

٥٤٩٣ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ عَلَى حِمَارٍ أَقْمَرَ مَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ سَبْعُونَ بَاعًا". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ" (١). * * * ٤ - باب قصة ابن صياد (٢) ــ في الواقع. ٥٤٩٣ - [٣٠] (أبو هريرة) قوله: (أقمر) في (القاموس) (٣): القمرة بالضم: لون إلى الخضرة أو حمرة فيه كدرة (٤)، حمار أقمر وأتان قمراء، قال أيضًا: الأقمر الأبيض. و (الباع) قدر اليدين كالبوع، ويضم، والأظهر طول ذراعي الإنسان وما بينهما، والضمير في (أذنيه) للحمار. ٤ - باب قصة ابن صياد ويقال له: ابن صائد أيضًا، واسمه عبد اللَّه، وقيل: صاف، وقد اختلف فيه كثيرًا، وهو من يهود المدينة أو دخيل فيهم، وكان عنده شيء من الكهانة والسحر، وجملة أمره أنه كان فتنة امتحن اللَّه به المؤمنين، فقيل: إنه تاب في كبره ومات بالمدينة وصلوا

стр. 5155

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٤٩٤ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قِبَلَ ابْنِ الصَّيَّادِ (١) حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصّبيانِ فِي أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ (٢) يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثم قَالَ: "أتَشهدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ " فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: . . . . . ــ عليه، وقيل: فقد يوم الحرة، وهذا القول أصح، وكان يكتهن فيصدق أحيانًا ويكذب كثيرًا، وشاع حديثه، ويحدث أنه الدجال، وأشكل أمره ولم يبين اللَّه شيئًا من أمره، والحق أنه من الدجاجلة وليس هو المسيح الدجال، وقيل: هو الدجال المعهود, وكان فيه قرائن محتملة لذلك، فلذلك لم يصرح النبي ﷺ بأحد الطرفين، واختلفت الصحابة أيضًا، وأما الاستدلال بأنه قد أسلم وحج وجاهد وولد له ولد ودخل مكة والمدينة وغير ذلك مما لا يجوز وجوده من الدجال فمما لا يتم؛ لأن ذلك إنما يكون في زمان الخروج، واستدل على كونه غير الدجال بحديث تميم الداري، وباقي أحواله ينكشف أثناء شرح الأحاديث، واللَّه أعلم. الفصل الأول ٥٤٩٤ - [١] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (في أطم بني مغالة) الأطم بضمتين: القصر وكل حصن مبني بالحجارة، والجمع آطام وأطوم، وبنو مغالة بفتح الميم وتخفيف

стр. 5156

أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَصَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "آمَنْتُ باللَّهِ وَبِرُسُلِهِ"، ثُمَّ قَالَ لِابْنِ صيَّاد: "مَاذَا تَرَى؟ " قَالَ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيئًا". . . . . ــ الغين المعجمة: قوم من اليهود. وقوله: (رسول الأميين) أي: العرب، ومنطوقه حق ومفهومه باطل من قبيل ما يلقى إلى الكهان من الأباطيل. وقوله: (فرصه النبي ﷺ ) بصاد مهملة، في (القاموس) (١): رص: ألزق بعضه ببعض، وضم، كرصصه، وفي بعض الروايات: (فرفضه) بفاء وضاد معجمة، أي: تركه، يعني ترك سؤاله عن الإسلام لعدم نفعه فيه، وأما قوله ﷺ : (آمنت باللَّه وبرسله) رد على ابن صياد أحسن رد, فإنه لا حاجة إلى استعجال التصريح برده، فإن دعواه ظاهر البطلان، وفيه من إرخاء العنان والتبكيت ما لا يخفى، وقد صرح به ما ظهر بعد ظهور حاله أنه كاهن ومخلط عليه، وقال: (اخسأ فلن تعدو قدرك)، ثم سأله عن حاله بعد القطع ببطلان دعوى رسالته ليظهر عليه أيضًا، وقد اعترف بحقيقة حاله موافقًا لما عليه الكهان بقوله: (يأتيني صادق وكاذب)، أي: يأتي عليّ بعض الأشياء صادقًا وبعضه كاذبًا، وقد تحقق بها أنه ليس برسول، فإن الرسول لا يأتيه الكاذب، ولذا قال ﷺ : (خلط عليك الأمر)، من التخليط، أي: يأتيك به شيطان مخلِّط للحق بالباطل. وقوله: (قد خبأت لك خبيئًا) الخبء: كل شيء غائب مستور، خبأته، أي:

стр. 5157

وَخَبَّأَ لَه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، فَقَالَ: هُوَ الدُّخُّ. فَقَالَ: "اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ". قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَأْذَنُ لي فِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ يَكُنْ هُوَ لَا تُسَلَّطْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ. . . . . ــ أخفيته وسترته، والخباء والخبيء والخبيئة: الشيء المخبوء، أي: المستور، والمروي في الحديث خبيئًا بوزن ضمير كما في رواية الكتاب، وخبء بوزن صعب كما في غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: القطر ﴿وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥]، أي: النبات، ومقصوده ﷺ من ذلك أن يحريه ويمتحنه هل يعلم ذلك المضمر أو لا، ليبرز أمره أساحر أو كاهن أو ممن يأتيه جني. (فقال: هو الدخ) بضم الدال وفتحها بمعنى الدخان، ولم يقدر على الزيادة، وتمام الآية التي أضمرها رسول اللَّه ﷺ إلا بهذه اللفظة الناقصة على عادة الكهان من اختطاف بعض الكلمات، وهذا إما لكونه ﷺ تكلم في نفسه أو كلمه بعض أصحابه فسمعه الشيطان فألقاه إليه، وقيل: إضماره ﷺ هذه الآية رمز إلى أن الدجال يقتله عيسى بجبل يقال له: جبل الدخان، فلعله أراد تعريضًا بقتله لأنه قد ظن أنه الدجال. وقوله: (فقال: اخسأ) كلمة زجر واستهانة، يقال: خسأ الكلب كمنع: طرده خسئًا وخسوءًا، والخاسيء من الكلاب والخنازير: المبعد لا يترك أن يدنو من الناس. وقوله: (فلن تعدو قدرك) أي: قدرك في إظهار الخبيئات ليس إلا أن تأتي بكلمة ناقصة من كلام طويل، فكيف تدعي النبوة؟ فرده صريحًا بعد امتحانه حتى لا يبقى شبهة عليه وعلى الحاضرين. وقوله: (إن يكن هو) الضمير المستكن لابن صياد والمنفصل للدجال، أو

стр. 5158

قَالَ ابْنُ عُمَرَ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَهُوَ يَخْتِلُ أنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا زَمْزَمَة، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ. فَقَالَتْ: أَيْ صَافِ -وَهُوَ اسْمُهُ- هَذَا مُحَمَّد. فتَنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ". . . . . ــ بالعكس، وعلى كل تقدير الظاهر (إياه)، فوضع المرفوع موضع المنصوب. وقوله: (يؤمان) أي: يقصدان. وقوله: (وهو) أي: رسول اللَّه ﷺ ، (يختل) الختل: الخداع، ختله يختله، أي: يراوده ويطلبه من حيث لا يشعر، أي: يخدع ابن صياد ويستغفله ليسمع منه شيئًا يتكلم في خلوته ويعلم الحاضرون بكهانته أو سحره. وقوله: (زمزمة) بزائين معجمتين، وفي بعض الروايات برائين مهملتين، والمعنى واحد وهو الصوت البعيد له دوي وتتابع صوت الرعد, وهو أحسنه صوتًا وأثبته مطرًا، كذا في (القاموس) (١)، وقال الطيبي (٢): هو صوت خفي لا يكاد يفهم أو لا يفهم، وروي: (رمزة) براء فزاي وبحذف الميم الثانية. وقوله: (فتناهى ابن صياد) انتهى الشيء وتناهى: بلغ منتهاه، أي: تناهى عما كان وسكت. وقوله: (لو تركته بين) أي: لو تركته أمه يزمزم لتبين حاله وما في ضميره.

стр. 5159

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: "إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٥٤، م: ٢٩٣٠]. ٥٤٩٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَقِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ -يَعْنِي ابْنَ صَيَّادٍ- فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ " فَقَالَ هُوَ: أتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "آمَنْتُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، مَاذَا تَرَى؟ " قَالَ: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ"، قال: "وَمَا تَرَى؟ " قَالَ: أَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا أَوْ كَاذِبَيْنِ وَصَادِقًا. . . . . ــ وقوله: (ثم ذكر الدجال) ظاهر الأحاديث أنه لم يجزم النبي ﷺ بأنه الدجال مع احتمال ذلك، وهذا الذكر على هذا الاحتمال، ويحتمل أنه ذكر الدجال الذي يأتي من جهة رؤية بعض صفاته. ٥٤٩٥ - [٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ترى عرش إبليس على البحر) فإن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه يفتنون الناس كما سبق في أول الكتاب في (باب الوسوسة). وقوله: (أرى صادقين وكاذبًا) أي: أرى شخصين يخبران عما هو صادق وآخر عما هو كذب. وقوله: (أو كاذبين وصادقًا) شك من الراوي، ويحتمل أن يكون شكًا من ابن

стр. 5160

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لُبِسَ عَلَيْهِ فَدَعُوهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٢٥]. ٥٤٩٦ - [٣] وَعَنْهُ: أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ. فَقَالَ: "دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٢٨]. ٥٤٩٧ - [٤] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَيَّادٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ قَوْلًا أَغْضَبَهُ فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلأَ السِّكَّةَ. فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حَفْصَةَ وَقَدْ بَلَغَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ مَا أَرَدْتَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٣٢]. ــ صياد، وهذا أدخل في اختلال أمره والتباسه وتخليطه. وقوله: (لبس عليه) بلفظ المجهول من اللبس بالفتح بمعنى الخلط والالتباس. ٥٤٩٦ - [٣] (وعنه) قوله: (درمكة بيضاء مسك خالص) في (القاموس) (١): الدرمك كجعفر: الدقيق الحوُّارى، والتراب الناعم، والحوارى بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء: الدقيق الأبيض وهو لباب الدقيق، فقوله: (بيضاء) صفة مؤكدة ومشعر بأن التشبيه من جهة البياض، وقد يعتبر من جهة نعومتها أيضًا. ٥٤٩٧ - [٤] (نافع) قوله: (حتى ملأ السكة) بالكسر. وقوله: (وقد بلغها) أي: بلغ حفصة خبر إغضاب ابن عمر ابن صياد فمنعته من إغضابه، فإن الدجال إنما يخرج حين يغضب.

стр. 5161

٥٤٩٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ صَيَّادٍ إِلَى مَكَّةَ فَقَالَ لِي: مَا لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ؟ يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ، أَلَسْتَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّهُ لَا يُولَدُ لَهُ؟ ". وَقَدْ وُلِدَ لِي، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ: "هُوَ كَافِرٌ؟ ". وَأَنَا مُسْلِمٌ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ؟ " وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ. ثُمَّ قَالَ لِي فِي آخِرِ قَوْلِهِ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ وَمَكَانَهُ وَأَيْنَ هُوَ وَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: فَلَبَسَنِي، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ. قَالَ: وَقِيلَ لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ ذَاكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: فَقَالَ: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٢٧]. ٥٤٩٩ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَقِيتُهُ وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ، ــ ٥٤٩٨ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ما لقيت من الناس؟ ) استفهام للتعجب، أي: أيّ شيء لقيت. وقوله: (إني لأعلم مولده. . . إلخ)، يمكن أن يكون إشارة إلى كونه دجالًا فإنه قد يؤتى مثل هذه العبارة لمعرفة النفس، وهذا وجه قول ابن عمر. (فلبسني) بالتخفيف، أي: جعلني بحيث التبس الأمر عليّ، والأصل لبس الأمر عليه يلبسه: خلطه. وقوله: (لو عرض عليّ ما كرهت) ما نافية، أي: لو عرض عليّ صفات الدجال وأحواله كنت راضيًا، ويلزم من هذا الكلام كفره. ٥٤٩٩ - [٦] (ابن عمر) قوله: (وقد نفرت) بالنون والفاء، في (القاموس) (١):

стр. 5162

فَقُلْتُ: مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قُلْتُ: لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ، قَالَ: فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ سَمِعْتُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٣٢]. ٥٥٠٠ - [٧] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصَّيَّادِ الدَّجَّالُ. قُلْتُ: تَحْلِفُ بِاللَّهِ؟ قَالَ: . . . . . ــ نفرت العين وغيرها تنفر نفورًا: هاجت وورمت، وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (١): هذا هو الصحيح، ويروى بالقاف، ويروى فقئت وفقرت وكلاهما بمعنى، وفقرت بمعنى استخرجت، ورواه أبو عبد اللَّه المازري بقرت بالباء والقاف، والبقر: الشق والاستخراج، ويظهر من إيراد هذه الروايات في فصل الاختلاف والوهم الذي عقده في كتابه ببيان ما أخطأ فيه الناس أنها تصحيف، وقد صرح بأن الصحيح هو الأول، ولذلك قال الطيبي (٢): قد ذكر القاضي وجوهًا والظاهر أنها تصحيف. وقوله: (وهي في رأسك) فكيف لا تدري ما عرضها من الألم؟ (قال: إن شاء [اللَّهُ] خلقها) أي: العين أو وجعتها ونفرتها (في عصاك) أي: في جماد فلا تدري، فيمكن أن يكون الإنسان أيضًا لا يدري وهي فيه، وهذه حيلة وسفسطة منه، ونخر ينخر: مد الصوت في خياشيمه. ٥٥٠٠ - [٧] (محمد بن المنكدر) قوله: (يحلف باللَّه أن ابن الصياد هو الدجال) لعل المراد أنه من الدجاجلة الذين أخبر بخروجهم رسول اللَّه ﷺ لا المعهود، ولكن حديث ابن عمر صريح في أن مذهبه أنه المسيح الدجال، وقيل: هذا هو مذهب

стр. 5163

إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٥٥، م: ٢٩٢٩]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٥٠١ - [٨] عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَشُكُّ أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ابْنُ صيَّادٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "كِتَابِ الْبَعْثِ والنشور". [د: ٤٣٣٠]. ٥٥٠٢ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدْ (١) فَقَدْنَا ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٣٣٢]. ٥٥٠٣ - [١٠] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَمْكُثُ أَبُو الدَّجَّالِ ثَلَاثِينَ عَامًا، لَا يُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضْرَسُ، ــ عمر ﵁، واللَّه أعلم. الفصل الثاني ٥٥٠١ - [٨] (نافع) قوله: (ما أشك) أخبر عن اعتقاده فيه، ولعله قال هذا قبل أن يعلم أنه ليس الدجال، أو أن أمره مشكوك فيه. ٥٥٠٢ - [٩] (جابر) قوله: (فقدنا ابن صياد يوم الحرة) الظاهر من فقده من غير علم بموته، فيخالف رواية أنه مات بالمدينة، وليس المخالفة مجزومًا بها، ويوم الحرة قد سبق بيانه في الملاحم، وهو وقعة بالمدينة المطهرة في زمن يزيد بن معاوية. ٥٥٠٣ - [١٠] (أبو بكرة) قوله: (أضرس) أي: عظيم الضرس، وهو السن،

стр. 5164

وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ"، ثُمَّ نَعَتَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ فَقَالَ: "أَبُوهُ طُوَالٌ ضَرْبُ اللَّحْمِ كَأَنَّ أَنْفَهُ مِنْقَارٌ، وَأُمُّهُ امْرَأَةٌ فِرْضَاخِيَّةٌ طَوِيلَةُ الْيَدَيْنِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ فِي الْيَهُودِ بِالمَدِينَةِ. فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ، فَإِذَا نَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمَا، فَقُلْنَا: هَلْ لَكُمَا وَلَدٌ؟ . . . . . ــ وقيل: هو الذي يولد مع الضرس، ويؤيد الأول ما يأتي في حديث جابر: طالعة نابه، ثم إنه قد كتب في الحاشية من الجزري: أنه قد وقع في نسخ (المصابيح) أضرس، أي: عظيم الضرس، أو الذي يولد ومعه ضرسه، ولا شك عندي أنه تصحيف، وأن الصواب أضر شيء، وكذا هو في كتاب الترمذي الذي أخذه المؤلف منه، وبهذا يصح عطف قوله: (وأقله منفعة) عليه من غير تعسف ولا تكلف، ويكون الضمير عائدًا إلى شيء، أي: أقل شيء منفعة. وقوله: (تنام عيناه ولا ينام قلبه) لكثرة الوساوس وتوالي الأفكار الفاسدة التي يلقيها الشياطين في قلبه، و (الطوال) كغراب بمعنى الطويل، وكرمّان: المفرط الطول، كذا في (القاموس) (١)، وقال الطيبي (٢): طوال مبالغةُ طويلٍ، وبالتشديد أكثر مبالغة، انتهى، والرواية في الحديث بالتخفيف. وقوله: (ضرب اللحم) أي: خفيفه. وقوله: (امرأة فرضاخية) في (القاموس) (٣): رجل فرضاخ بالكسر: ضخم

стр. 5165

فَقَالَا: مَكَثْنَا ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ، ثُمَّ وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضْرَسُ وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمَا، فَإِذَا هُوَ مُنْجَدِلٌ فِي الشَّمْسِ فِي قَطِيفَةٍ وَلَهُ هَمْهَمَةٌ، فَكَشَفَ عَنْ رَأْسِهِ فَقَالَ: مَا قُلْتُمَا؟ وَهَلْ سَمِعْتَ مَا قُلْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢٤٨]. ٥٥٠٤ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ وَلَدَتْ غُلَامًا مَمْسُوحَةٌ عَيْنُهُ طَالِعَةٌ نَابُهُ، فَأَشْفَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُونَ الدَّجَّالَ، فَوَجَدَهُ تَحْتَ قَطِيفَةٍ يُهَمْهِمُ. فَآذَنَتْهُ أُمُّهُ فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا أَبُو الْقَاسِمِ فَخَرَجَ مِنَ الْقَطِيفَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا لَهَا قَاتَلَهَا اللَّهُ؟ لَوْ تَرَكَتْهُ لَبَيَّنَ". فَذَكَرَ مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْتُلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَسْتَ صَاحِبَهُ، إِنَّمَا صَاحِبُهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِلَّا يَكُنْ هُوَ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَقْتُلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ". فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُشْفِقًا أَنَّهُ هُوَ الدَّجَّالُ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٤٢٧٤]. ــ عريض، أو طويل، وامرأة فرضاخة وفرضاخية: عظيمة الثديين. وقوله: (فإذا هو منجدل) أي: ملقًى على الجدالة، والجدالة كسحابة: الأرض أو ذات رمل رقيق، و (الهمهمة) الكلام الخفي لا يفهم. ٥٥٠٤ - [١١] (جابر) قوله: (طالعة نابه) وقال الطيبي (١): هكذا في (شرح

стр. 5166

وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ. * * * ٥ - باب نزول عيسى ﵇ * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٥٠٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُم ابنُ مَرْيَم حكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ. . . . . ــ السنة)، والظاهر طالعًا نابه إلا أن يراد به الجنس، والتعدد فيه على التمحل، انتهى. وفي (القاموس) (١): الناب: السن خلف الرباعية، مؤنث، والقطيفة دثار مخمل. ٥ - باب نزول عيسى ﵇ قد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن عيسى ﵇ ينزل من السماء التي فيها إلى الأرض، ويكون تابعًا لدين محمد ﷺ ، ولا يحكم إلا بشريعته، وأما بعض الأحكام التي ليست في شريعتنا الآن ويحكم به عيسى، فهو من باب بيان المدة كالنسخ فهو في ذلك الزمان من شريعة محمد ﷺ كوضع الجزية ونحوه، وعيسى عبراني أو سرياني، والنسبة إليه عيسي وعيسوي. الفصل الأول ٥٥٠٥ - [١] (أبو هريرة) قوله: (فيكسر الصليب) وهو خشبتان متقاطعتان

стр. 5167

وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". . . . . . ــ على هيئة المصلوب، ومنه الشكل الصليبي يراعونها النصارى ويحفظونها في كل شيء من أدواتهم وآلاتهم، وربما يعلقونه في أعناقهم مثل الزنار لغيرهم من الكفار، وهو هيئة صلب اليهود عيسى ﵇، وقد يجعلون فيه صورة عيسى ﵇. وفي (القاموس) (١): الصليب: المصلوب والذي للنصارى، وصلبوا: اتخذوا صليبًا، وفي (الصراح) (٢): صليب جليباى ترسيان، والمقصود إبطال النصرانية والحكم بشرع الإِسلام، وكذا قوله: (ويقتل الخنزير)، ومعناه تحريم اقتنائه وأكله وإباحة قتله، كذا قال الطيبي (٣)، والظاهر إيجاب قتله، ويحتمل أن يراد بذلك عدم تقرير أهل الذمة على دينهم وعاداتهم كما هو الآن، والأظهر أن المراد هو الأول أعني إبطال دين النصرانية ومحو آثارها بقرينة قوله: (ويضع الجزية) فإن المراد به أن يضعها عنهم ويحملهم على الإِسلام وإن لم يسلموا قتلهم، فالشريعة يومئذ إما السيف أو الإِسلام. و(يفيض المال) بفتح الياء على صيغة المضارع المعلوم من الفيض، ورفع (المال)، أو بضمها من الإفاضة ونصب (المال). وقوله: (حتى لا يقبله أحد) متعلق به. وقوله: (حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا) قال الطيبي (٤): هو غاية.

стр. 5168

ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فاقرؤا إِن شئْتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآيَة [النساء: ١٥٩]. . . . . ــ لقوله: (فيكسر الصليب. . . إلى آخره)، أي: لمجموع ما ذكر، والمعنى يتقوى ويتأكد أمر الدين والعبادة حتى يبلغ اجتهاد الناس وشوقهم إلى هذا المبلغ، ويجوز أن يتعلق بـ (يفيض المال) بعد تقيده بقوله: (حتى لا يقبله أحد) أي: أنهم يعرضون عن الدنيا وأموالها لكثرتها وعدم الاحتياج إليها، فلا طاعة في بذله والتصدق به، فلا يشتغلون إلا بالصلاة. وقوله: (فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾) ذكروا في تفسير هذه الآية وجهين: أحدهما: أن الضميرين المجرورين لعيسى ﵇، أي: وأن من أهل الكتاب أحدًا لا يؤمننّ بعيسى قبل موته، وذلك إذا نزل من السماء حين يخرج الدجال فيهلكه، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب اليهود والنصارى إلا يؤمن به، حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإِسلام، وهذا هو المشار إليه في الحديث بقوله: ثم يقول أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية. وثانيهما: أن الضمير الأول لعيسى والثاني في (قبل موته) لـ (أحد) المقدر مستثنى منه، والمعنى: ما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن بعيسى أنه عبد اللَّه ورسوله وابن أمته قبل أن يموت، ولو حين يزهق روحه ولا ينفعه إيمانه، ويؤيد ذلك أنه قرئ إلا ليؤمنن قبل موتهم بضم النون؛ لأن أحدًا في معنى الجمع، وهذا للتحريض على معالجة الإيمان قبل أن يضطروا ولم ينفعهم إيمانهم، وقيل: على هذا التقدير الضمير في (به) لنبينا محمد ﷺ أو للَّه سبحانه، والمراد الإيمان به تعالى على ما ينبغي.

стр. 5169

مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٢٢، م: ١٥٥]. ٥٥٠٦ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَاللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَيَتْرُكَنَّ الْقِلَاصَ فَلَا يَسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ والتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا قَالَ: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُم". [م: ١٥٥]. ــ ٥٥٠٦ - [٢] (وعنه) قوله: (وليتركنّ) بصيغة المعلوم والضمير لعيسى كما في قرائنه، وقد يجعل بصيغة المجهول. وقوله: (القلاص) بكسر القاف جمع قلوص بفتحها: الإبل الشابة أو الباقية على السير، أو أول ما يركب من إناثها إلى أن تثنى، ثم هي ناقة، أي: يترك القلاص، ولا يجد من يقبلها للاستغناء، ولا يعمل عليها، ولا يركب عليها، ولا يضرب في الأرض للتجارات وتحصيل الأموال. وقوله: (ولتذهبنّ الشحناء والتباغض) الشحناء: العداوة كالشحنة بالكسر، شاحنة: باغضة، وسبب ذهابها لأنها نتيجة حب الدنيا، فلما زال حبها زال ما يتبعها، أو لأن أكثر أسبابها اختلاف الأديان فلما اتحدت الملة ارتفعت. (وليدعون) على صيغة جمع المذكر الغائب المعلوم، والمفعول محذوف، أي: الناس هكذا صحح. وقوله: (وإمامكم منكم) أي: من قريش وهو المهدي، أي: عيسى ﵇ يقتدي به تكرمة لهذه الأمة المكرمة كما في الحديث الآتي، فيكون عيسى معلمًا

стр. 5170

٥٥٠٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة". قَالَ: "فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا فَيَقُولُ: لَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِه الأُمَّةَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٦]. وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي. ــ للجماعة وإمام العامة وخليفة على الناس، ولكن يكون إمام الصلاة غيره وهو المهدي ﵇ كما جاء في الأخبار، وقيل: معنى قوله: (إمامكم منكم) أنه يحكم بينكم بدينكم لا بالإنجيل، وروي: (فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم) (١)، أي: يؤمكم عيسى ﵇ حال كونه من دينكم حاكمًا بكتابكم وسنتكم، كذا في (مجمع البحار) (٢)، وهذا محمول على الإمامة بمعنى الخلافة، وأما إمامة الصلاة فالحديث الآتي صريح في كونها لغير عيسى، وعلى كل تقدير دلالة الحديث كما قيل على أن عيسى لا يكون من أمة محمد ﷺ بل مقررًا لدينه وعونًا لأمته محلّ بحث، فافهم. ٥٥٠٧ - [٣] (جابر) قوله: (إلى يوم القيامة) أي: إلى قربه وظهور أشراطه فلا يخالف حديث: (لا يقوم القيامة إلا على شرار الخلق). وقوله: (تكرمة اللَّه) منصوب على أنه مفعول له، ويجوز رفعه، أي: تأمير بعضكم على بعض تكرمة.

стр. 5171

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٥٠٨ - [٤] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَنْزِلُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ إِلَى الأَرْضِ، فَيَتَزَوَّجُ وَيُولَدُ لَهُ، وَيَمْكُثُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَمُوتُ فَيُدْفَنُ مَعِي فِي قَبْرِي، فَأَقُومُ أَنَا وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ بَيْنَ أَبَي بَكْرٍ وَعُمَرَ". رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيُّ فِي "كِتَابِ الْوَفَاءِ". * * * ٦ - باب قرب الساعة وأن من مات فقد قامت قيامته ــ الفصل الثالث ٥٥٠٨ - [٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فيدفن معي في قبري) أي: مقبرتي، وقد جاء في الأخبار أن في تلك البقعة الشريفة موضع قبر لم يتفق دفن أحد فيه، وقد قصدوا دفن الإمام الحسن بن علي ورضيت بذلك عائشة ﵂، وكذا رضيت بدفن عبد الرحمن بن عوف فلم يتيسروا، وقيل: استأذنوا عائشة بأن تدفن فقالت: إنما أدفن مع صواحبي في البقيع، قالوا: الحكمة فيه أن يدفن فيه عيسى ﵇ إذا مات في آخر الزمان، واللَّه أعلم. ٦ - باب قرب الساعة وأن من مات فقد قامت قيامته (قرب الساعة) بمضي أكثر المدة، والأجل الذي أجل له، وقد يقال: إنه إذا مضى زمان من جانب المبدأ ولو قليلًا فقد قرب، إذ المسافة منه إلى المنتهى أقل وأقرب من المبدأ إليه، والمراد هنا الأول كما هو الظاهر من الأحاديث والأخبار كما سيأتي، و (من مات فقد قامت قيامته) لفظ حديث رواه، وتسمى هذه قيامة صغرى،

стр. 5172

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٥٠٩ - [١] عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ". قَالَ شُعْبَةُ: وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ. . . . . ــ والقيامة الوسطى هي موت الطبقة من الناس الذين هم قرناء كما سيأتي في حديث عائشة ﵂، والقيامة الكبرى هي موت الناس كلهم أجمعين، وقد أثبت في القيامة الصغرى أنموذج جميع ما يكون في القيامة الكبرى من الأحوال والأهوال بالنسبة إلى الشخص الميت، وقد فسر ذلك في (إحياء العلوم)، فلينظر ثمة. الفصل الأول ٥٥٠٩ - [١] (شعبة) قوله: (بعثت أنا والساعة) بالرفع والنصب من باب جئت أنا وزيدًا، والنصب هنا أنسب معنى. وقوله: (كهاتين) وزاد في حديث مسلم بعده: (وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى)، وربطه بما قبله على تقدير أن يراد تقدم بعثته على قيام الساعة كنسبة فضل إحدى الأصبعين على الأخرى، إذ بالقران تظهر هذه النسبة في الرأي عند الناظرين، وإلا فالتقدم المذكور ثابت قرن أو لم يقرن، لا يقال: المعية تنافي الفضل؛ لأنا نقول: تلك معية مخصوصة غير حقيقية بتفاوت قليل وفضل مذكور، فافهم، وكذلك على الوجه الآخر أيضًا، وهو أن يكون المراد ارتباط دعوته بالساعة واتصالها بها بحيث لا يتخلل بينهما نبي، كما أن السبابة لا يفرق عن الوسطى ولا يتخلل بين الأصبعين أصبع أخرى، فيكون القرآن لإظهار ذلك المعنى وتأكيده، وإلا فهو ثابت في نفس الأمر، ثم رجح المعنى الأول بتصريح الراوي بذلك في تفسيره، ويأتي في حديث المستورد مصرحًا، وفي هذا الحديث المقصود منه بيان قرب الساعة بتعين هذا المعنى،

стр. 5173

فِي قَصَصِهِ كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ أَوْ قَالَهُ قَتَادَةُ؟ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٠٤، م: ٢٩٥١]. ــ فإن اتصال الدعوى وارتباطها بالقيامة بالمعنى المذكور لا يقتضي قربها كما لا يخفى، وأما في حديث: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا)، وأشار بالسبابة والوسطى، فقد قيل: إن الحمل على معنى الاتصال والمقارنة أنسب وأبلغ، فإن كونه تلو النبي ﷺ ومتأخرًا منه في دخول الجنة بهذا المقدار فضل عظيم. وأما اتصاله ومقارنته معه ﷺ فأفضل وأكمل، والمقام يقتضي المبالغة حتى إن الكرماني نقل في (شرح صحيح البخاري) عن بعضهم على تقدير الحمل على المعنى الأول أنه لما قال ﷺ هذا الكلام استوى السبابة والوسطى منه ﷺ حينئذ عيانًا، ثم عاد إلى حالها وطبيعتها الأصلية تأكيدًا لإثبات فضيلة كفالة اليتيم، والظاهر من عبارته أن ظهور المساواة في تلك الحالة كان بطريق المعجزة تقريرًا وتأكيدًا للمقصد، وأما ما ذكر في بعض الكتب الفارسية أن السبابة والوسطى منه ﷺ كانتا متساويتين بحكم الطبيعة فلم نجد له أصلًا، وكلام شراح الحديث بل متن الحديث يخالفه. وقوله: (في قصصه) بفتح القاف مصدر قص الخبر: أعلمه، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] نبين لك أحسن البيان، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): القصص بالفتح الاسم وبالكسر جمع قصة، انتهى، وصحح في الحديث بالفتح، وفي الحواشي: قصصه بكسر القاف والضمير لقتادة، فتدبر.

стр. 5174

٥٥١٠ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: "تَسْأَلُونِّي عَنِ السَّاعَةِ؟ وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يَأْتِي عَلَيْهَا مِئَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٣٨]. ــ ٥٥١٠ - [٢] (جابر) قوله: (تسألوني عن الساعة؟ ) أي: تسألوني عن القيامة الكبرى وعلمها عند اللَّه، والذي أعلم هو الوسطى والصغرى. وقوله: (أقسم باللَّه ما على الأرض من نفس. . . إلخ)، بيان لهما، فإن موت كل شخص قيامة صغرى، وموت مجموع هذه الطبقة الباقية إلى مئة سنة قيامة وسطى. وقوله: (من نفس منفوسة) أي: مولودة من النفاس بمعنى الولادة، والظاهر أن معنى الحديث أنه ما من نفس مولودة موجودة الآن تبقى إلى مئة سنة منذ اليوم، وقد وقع كما أخبر ﷺ فإنه لم يبق من الصحابة أحد إلا إلى مئة سنة أو شيء زائد من الهجرة، ولكن هذه الأخبار بعد عشر سنين منها، فلا ينافي هذا ما ثبت أنه قد عاش بعض الصحابة أكثر من مئة سنة، ولا حاجة إلى أن يقال: إنه بحسب الأكثر والأغلب، وهذا مبني على أن يكون المراد لا يعيش أحد من الموجودين اليوم مئة سنة، ويلزم منه موت الخضر ﵇، وبه تمسك من يذهب إلى موته من بعض أكابر المحدثين، وإن كان الصواب خلافه، ونقل عن محيي السنة أن أربعة من الأنبياء في الحياة: الخضر وإلياس في الأرض وعيسى وإدريس في السماء، وهم مخصوصون من الحديث، أو أراد من على وجه الأرض من أمته، وقيل: لا تمسك لموت خضر فلعله كان على البحر يومئذ أو على الهواء، وقد تواترت الأخبار بوجوده بعد ذلك، واللَّه أعلم، وإن أريد

стр. 5175

٥٥١١ - [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَأْتِي مِئَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٣٩]. ٥٥١٢ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَعْرَابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيَسْأَلُونَهُ عَنِ السَّاعَةِ، فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: "إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥١١، م: ٢٩٥٤]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٥١٣ - [٥] عَنِ الْمُسْتَوْرَدِ بْنِ شَدَّادٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بُعِثْتُ فِي نَفْسِ السَّاعَةِ، فَسَبَقْتُهَا كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ هَذِهِ" وَأَشَارَ بِأُصْبَعَيْهِ السبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢١٣]. ــ أن من كان مولودًا في ذلك الزمان كما هو مدلول الحديث الآتي فلا إشكال، فتأمل. ٥٥١١ - [٣] (أبو سعيد) قوله: (اليوم) إشارة إلى زمنه ﷺ ومتعلق بـ (منفوسة)، أي: مولودة في زمان، فيخرج الخضر من عمومه. ٥٥١٢ - [٤] (عائشة) قوله: (حتى تقوم عليكم ساعتكم) وهذه هي القيامة الوسطى التي هي عبارة عن انقراض القرن، ومن هم في طبقته أجمعين، ولهذا قال: (تقوم عليكم ساعتكم). الفصل الثاني ٥٥١٣ - [٥] (المستورد بن شداد) قوله: (في نفس الساعة) بفتحتين، أي: نفسها وابتداء ظهورها، من نفس الصبح: إذا ابتلج.

стр. 5176

٥٥١٤ - [٦] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ (١) النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنِّي لأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ". قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٥٠]. ــ ٥٥١٤ - [٦] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها) عدم العجز هنا كناية عن التمكن من القربة والمكانة عند اللَّه، والمعنى أني لأرجو أن يكون لأمتي مكانة ومنزلة عند اللَّه أن يمهلهم إلى مدة خمس مئة سنة بحيث لا يكون أقل من ذلك إلى الساعة، ويحتمل أن يكون يعجز بضم ياء وكسر جيم، أي: لا يفوتهم تأخير ربها إياهم، فـ (أمتي) مفعول، و (أن يؤخرهم) فاعل، كذا في (مجمع البحار) (٢)، نقلا عن (المقاصد) شرح صحيح البخاري، وقيل: المراد تأخيرهم في الدنيا سالمين من العقوبات والشدائد والذلة. واعلم أنه قد ذكر السيوطي في رسالته المسماة بـ (الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف) أنه قد أفتى بعض العلماء في زماننا أنه يقع في المئة العاشرة خروج المهدي والدجال ونزول عيسى ﵇ وسائر الأشراط فاستبعدت ذلك ورددت عليه، وقلت: الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها خمس مئة سنة، وأنه إن تأخر الدجال على رأس ألف إلى مئة أخرى كانت المدة أكثر، ولا يمكن أن تكون المدة ألفًا وخمس مئة سنة أصلًا، انتهى، والحق أنه شيء فهموه من الأخبار والآثار التي بلغت إليهم على ما بلغ إلى أفهامهم بعد أن تكون الأخبار صحيحة، والحق أنه مبهم، ولا يمكن تعيينه، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.

стр. 5177

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٥١٥ - [٧] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ هَذِهِ الدُّنْيَا مَثَلُ ثَوْبٍ شُقَّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فَبَقِيَ مُتَعَلِّقًا بِخَيْطٍ فِي آخِرِهِ، فَيُوشِكُ ذَلِكَ الْخَيْطُ أَنْ يَنْقَطِعَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٩٧٥٩]. * * * ٧ - باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٥١٦ - [١] عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ". وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٨]. ــ الفصل الثالث ٥٥١٥ - [٧] (أنس) قوله: (فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع) إشارة إلى قلة بقاء مدة الدنيا وقرب الساعة. ٧ - باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس بإضافة (باب) إلى الجملة، ويمكن أن ينون (باب)، وهذا كثير في تراجم البخاري، وقد صحح بالوجهين. الفصل الأول ٥٥١٦ - [١] (أنس) قوله: (حتى لا يقال في الأرض: اللَّه اللَّه) أي: لا يذكر ولا يعبد، وقد صحح (اللَّه اللَّه) بالرفع، وقيل في توجيهه: إن الأول مبتدأ والثاني خبر،

стр. 5178

٥٥١٧ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ". رَوَاهُ مُسلم. [م: ٢٩٤٩]. ٥٥١٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ". وَذُو الْخَلَصَةِ: طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١١٦، م: ٢٩٠٦]. ــ أي: أنه المعبود، أو على العكس، أي: المعبود هو، وبالنصب، أي: احذروا اللَّه واعبدوه، هذا ويحتمل أن يكون بالوقف كما يقال في حالة الذكر، وفيه أن بقاء العالم ببركة ذكر اللَّه، فإذا ارتفع فني وخرب. ٥٥١٧ - [٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إلا على شرار الخلق) الظاهر أنهم الكفار وهم المرادون من شرار الناس، إذ شرار الناس شرار الخلق كلهم. ٥٥١٨ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (حتى تضطرب أليات) بفتح الهمزة وسكون اللام جمع ألية بفتح الهمزة وسكون اللام: وهي اللحمة المشرفة على الظهر والفخذ، كذا في (مجمع البحار) (١)، وفي (القاموس) (٢): الألية: العجيزة، أو ما ركب العجز من شحم ولحم، وفي (المشارق) (٣): الألية بفتح الهمزة: لحمة المؤخر من الحيوان، وهي من ابن آدم المقعدة، وجمعها أليات بفتح اللام كما في حديث: (حتى تضطرب أليات دوس) ودوس بفتح الدال وسكون الواو: قبيلة من اليمن. و(ذو الخلصة) بفتح الخاء واللام وبضمتين: بيت كان يدعى الكعبة اليمانية

стр. 5179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لخثعم كان فيه صنم اسمه الخلصة، أو لأنه كان بيت الخلصة، والخلص محركة: شجر كالكرم، يتعلق بالشجر، فيعلو، طيب الريح، واحدته بهاء، كذا في (القاموس) (١). وقال الطيبي (٢): ذو الخلصة بيت كان فيه صنم لدوس وخثعم وبجيلة وغيرهم، وقيل: هو الكعبة اليمانية التي كانت باليمن، خربها جرير بأمر النبي ﷺ ، والخلصة: اسم صنم، ويخدشه اختصاص ذو باسم الجنس، وفيه أنه قد يضاف إلى غيره كما ذكر في النحو، فليكن هذا من ذلك القبيل، أو صح ذلك لكون هذا العلم منقولًا من اسم الجنس، وفي (مجمع البحار) (٣) من (الكرماني): ذو الخلصة بفتحات على الأشهر: بيت صنم ببلاد فارس، وهي الكعبة اليمانية شابهوا بها الكعبة المشرفة، وفي جعله ببلاد فارس نظر، ولعله باعتبار أن البلاد اليمانية كانت داخلة في ملك فارس في أهل كسرى، أو باعتبار أن البلاد الفارسية كانت في جانب اليمن، واللَّه أعلم. وقد وقع في عبارة البخاري: ويقال له: الكعبة اليمانية والكعبة الشامية، وهذا مشكل لأن الكعبة الشامية هي الكعبة المشرفة، ووجهوه بأن التقدير كان يقال له: الكعبة اليمانية، والتي بمكة: الكعبة الشامية، وقد يروى ترك الواو بمعنى كان يقال هذان اللفظان، أحدهما لموضع والآخر لآخر، هذا وقد فسر في الحديث أن ذا الخلصة طاغية دوس؛ أي: صنمهم الذي كانوا يعبدونه في الجاهلية، فعلى ما ذكروا يكون فيه مسامحة، أي: بيت طاغية، واللَّه أعلم.

стр. 5180

٥٥١٩ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا (١). قَالَ: "إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتُوُفِّيَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِين آبَائِهِم". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٠٧]. ــ والمراد باضطراب ألية نساء دوس حول ذي الخلصة مجيء نساء دوس إلى طواف ذي الخلصة بالارتداد وشيوع الكفر، وفي لفظ الاضطراب إشارة إلى سمنهن وفراغهن وتنعمهن بالملاذ والشهوات، وقيل: كناية عن كثرتهن حين الطواف، يعني: كثرتهن يلتصق ألية بعضهن ببعض. ٥٥١٩ - [٤] (عائشة) قوله: (اللات والعزى) اسمان لصنمين مشهورين، الأول لثقيف والثاني لغطفان وسليم. وقوله: (إن كنت لأظن) مخففة من المثقلة. وقوله: (أن ذلك تامًا) سادٌّ مسدّ مفعولي (أظن)، و (تام) يروى بالرفع، أي: كنت أظن أن عبادة الأصنام قد تمت وانقضت، ولا يكون بعده أبدًا، وبالنصب إما على الحالية، وخبر (ذلك) محذوف، أو خبر (كان) المقدر. وقوله: (إنه سيكون من ذلك ما شاء) كان تامة وما شاء اللَّه فاعله، أي: مقدار

стр. 5181

٥٥٢٠ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ" لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ عَامًا "فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ فِي النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ ــ شاءه اللَّه تعالى، أو ظرف فاعله (من ذلك)، أي: سيكون شيء من ذلك مدة مشيئة اللَّه تعالى، وذلك آخر الزمان الذي أراد اللَّه تعالى فيه إهلاكهم. ٥٥٢٠ - [٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لا أدري. . . إلخ)، هذا من كلام عبد اللَّه، أي: لا أدري أيًّا من هذه الثلاثة أراد ﷺ ، وقد ورد في بعض الأحاديث: يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة، وفي بعضها: أربعين يومًا، وقد سبق وجه تطبيق بينهما أيضًا فتذكر. وقوله: (كأنه عروة بن مسعود) هو أبو مسعود، وقيل: أبو يعفور عروة بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي، وليس مسعود هذا أبا عبد اللَّه بن مسعود، وليس عروة أخاه، فإنه عبد اللَّه بن مسعود بن غافل الهذلي. وقوله: (يمكث في الناس سبع سنين) هذا المكث بعد إهلاك الدجال، فلا ينافي ما سبق في (باب نزول عيسى) من أن عيسى يمكث خمسًا وأربعين سنة، كذا في الحاشية. وقوله: (في كبد جبل) الكبد: الجوف بكماله، ووسط الشيء ومعظمه، كذا في (القاموس) (١).

стр. 5182

لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ" قَالَ: "فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا" ــ وقوله: (في خفة الطير وأحلام السباع) أي: يكونون في سرعتهم إلى الشرور وقضاء الشهوات والفساد كالطير، وفي ظلم بعضهم على بعض والسفك والقتل في أخلاق السباع، كذا في (مجمع البحار) (١)، ولعل الأحلام هنا جمع حلم بالكسر بمعنى العقل والأناة، والمراد به التثبت والتمكن من القتل والإهلاك. وقوله: (ألا تستجيبون) يردعهم عن الفسق والفساد تلبيسًا عليهم ودعوة على عبادة الأوثان وإلى ما هو أشد وأشنع من الفسق وهو الشرك. وقوله: (دار رزقهم) من الدرور وهو الصب والسيلان. (إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا)، الليت بالكسر: صفحة العنق، والإصغاء: الإمالة، أي: يصعق السامع خوفًا ودهشة، فيسقط رأسه قواه فيميل ليتًا ويرفع ليتًا، والإسناد مجازي إن كان للنفخ، وإن كان لأحد فحقيقي، وقيل: إن هذا عبارة عن تطلب المستمع حقيقة ما ورد على سمعه من الصوت، وتعقب بأن هذا إنما يوجد في استماع الأصوات التي يبقى من الإنسان عند استماعها حس أو شعور، والأمر في استماع النفخة أعظم وأهون من ذلك، وإنما المراد أن السامع يدهش ويسقط عقله أو يموت وينشق قلبه، فيظهر أثر

стр. 5183

قَالَ: "وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ فَيَصْعَقُ وَيَصْعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ، فَيَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلى رَبِّكُمْ قِفُوهُمْ إِنَّهم مَسْؤُولُونَ فَيُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ. فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ كَمْ؟ ــ ذلك في سقوط رأسه إلى أحد شقه. وقوله: (يلوط حوض إبله) أي: يطينه ويصلحه ليسقيه فيه، في (القاموس) (١): لاط الحوض: طينه. وقوله: (هلم) أي: تعالوا وارجعوا، خطاب للناس يستوي فيه الواحد والجمع، والخطاب في (قفوهم) للملائكة وضمير المفعول للناس، أي: احبسوهم، وفي بعض النسخ: (وقفوهم) بواو العطف، فقال الطيبي (٢): عطف على (يقال) على سبيل التقدير، أي: يقال للناس: هلم، ويقال للملائكة: قفوهم، انتهى، ويمكن أن يكون حكاية لنظم القرآن كما هو، وهو قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٣ - ٢٤]، وهو هناك عطف على قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ وهو أيضًا خطاب للملائكة. وقوله: (أخرجوا بعث النار) أي: من يبعث إليها، وفي (القاموس) (٣): البعث وبحرك: الجيش والجمع بعوث. وقوله: (من كم كم؟ ) أي: كم نفسًا من الموقوفين؟ كم نفسًا من المبعوثين

стр. 5184

فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ" قَالَ: "فَذَلِكَ يَوْمٌ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، وَذَلِكَ يَوْمٌ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤٠]. ــ يخرج؟ ، (فيقال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين)، وقد فسر به قوله تعالى حكاية عن الشيطان: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨]، وهم الذين استوجبوا النار بذنوبهم يتركون فيها بقدر ذنوبهم، ويجوز أن يصرفوا عن طريق جهنم، أو يخرجوا منها بالشفاعة. وقوله: (فذلك يوم يجعل الولدان شيبًا) كناية عن طول ذلك اليوم وشدة المحنة فيه. وقوله: (ذلك يوم يكشف عن ساق) أي: يوم يشتد الأمر ويصعب الخطب، وكشف الساق مثل في ذلك، يقال: كشفت الحرب عن ساقها على المجاز، (أو يوم يكشف) عن أصل الأمر وحقيقته بحيث يصير عيانًا مستعار عن ساق الشجر وساق الإنسان، وفي (مجمع البحار) (١): هو لغة: الأمر الشديد، وكشف الساق مثل في الشدة ولا ساق هناك ولا كشف، كما يقال للأقطع الشحيح: يده مغلولة، وأصله أن من وقع في أمر شديد يقال: شمر ساعده وكشف عن ساقه للاهتمام به، وقال الطيبي (٢): هو مما يجب التوقف فيه عند السلف، أو يأوَّل بالكشف عن أمر فظيع، وهو إقبال الآخرة وذهاب الدنيا، وفي (القاموس) (٣): ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي: عن شدة، ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩]: آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة، يذكرون

стр. 5185

وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ: "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ" فِي "بَاب التَّوْبَة". ــ الساق إذا أرادوا شدة الأمر والإخبار عن هوله، انتهى، ويروى: (يكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن) أي: يكشف عن شدة يرتفع بها سواتر الامتحان فيتميز عنده أهل اليقين بالسجود من أهل الريب، وقيل: المراد النور العظيم، وقيل: جماعة الملائكة، والمراد يوم القيامة أو وقت النزع، وتمامه في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ الآية [القلم: ٤٢]. وقوله: (وذكر حديث معاوية: لا تنقطع الهجرة) وفيه ذكر طلوع الشمس من مغربها، وهذا الباب خال عن الفصل الثاني، ولم يذكره المؤلف نسيانًا، ولم يورد الفصل الثالث أيضًا. تم بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد الثامن ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد التاسع وأوله: (كتاب أحوال يوم القيامة). وصلَّى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا. * * *
следующие страницы →