← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

٥٥٢٠ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ" لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ عَامًا "فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ فِي النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ ــ شاءه اللَّه تعالى، أو ظرف فاعله (من ذلك)، أي: سيكون شيء من ذلك مدة مشيئة اللَّه تعالى، وذلك آخر الزمان الذي أراد اللَّه تعالى فيه إهلاكهم. ٥٥٢٠ - [٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لا أدري. . . إلخ)، هذا من كلام عبد اللَّه، أي: لا أدري أيًّا من هذه الثلاثة أراد ﷺ ، وقد ورد في بعض الأحاديث: يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة، وفي بعضها: أربعين يومًا، وقد سبق وجه تطبيق بينهما أيضًا فتذكر. وقوله: (كأنه عروة بن مسعود) هو أبو مسعود، وقيل: أبو يعفور عروة بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي، وليس مسعود هذا أبا عبد اللَّه بن مسعود، وليس عروة أخاه، فإنه عبد اللَّه بن مسعود بن غافل الهذلي. وقوله: (يمكث في الناس سبع سنين) هذا المكث بعد إهلاك الدجال، فلا ينافي ما سبق في (باب نزول عيسى) من أن عيسى يمكث خمسًا وأربعين سنة، كذا في الحاشية. وقوله: (في كبد جبل) الكبد: الجوف بكماله، ووسط الشيء ومعظمه، كذا في (القاموس) (١).

стр. 5182

لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ" قَالَ: "فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا" ــ وقوله: (في خفة الطير وأحلام السباع) أي: يكونون في سرعتهم إلى الشرور وقضاء الشهوات والفساد كالطير، وفي ظلم بعضهم على بعض والسفك والقتل في أخلاق السباع، كذا في (مجمع البحار) (١)، ولعل الأحلام هنا جمع حلم بالكسر بمعنى العقل والأناة، والمراد به التثبت والتمكن من القتل والإهلاك. وقوله: (ألا تستجيبون) يردعهم عن الفسق والفساد تلبيسًا عليهم ودعوة على عبادة الأوثان وإلى ما هو أشد وأشنع من الفسق وهو الشرك. وقوله: (دار رزقهم) من الدرور وهو الصب والسيلان. (إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا)، الليت بالكسر: صفحة العنق، والإصغاء: الإمالة، أي: يصعق السامع خوفًا ودهشة، فيسقط رأسه قواه فيميل ليتًا ويرفع ليتًا، والإسناد مجازي إن كان للنفخ، وإن كان لأحد فحقيقي، وقيل: إن هذا عبارة عن تطلب المستمع حقيقة ما ورد على سمعه من الصوت، وتعقب بأن هذا إنما يوجد في استماع الأصوات التي يبقى من الإنسان عند استماعها حس أو شعور، والأمر في استماع النفخة أعظم وأهون من ذلك، وإنما المراد أن السامع يدهش ويسقط عقله أو يموت وينشق قلبه، فيظهر أثر

стр. 5183

قَالَ: "وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ فَيَصْعَقُ وَيَصْعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ، فَيَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلى رَبِّكُمْ قِفُوهُمْ إِنَّهم مَسْؤُولُونَ فَيُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ. فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ كَمْ؟ ــ ذلك في سقوط رأسه إلى أحد شقه. وقوله: (يلوط حوض إبله) أي: يطينه ويصلحه ليسقيه فيه، في (القاموس) (١): لاط الحوض: طينه. وقوله: (هلم) أي: تعالوا وارجعوا، خطاب للناس يستوي فيه الواحد والجمع، والخطاب في (قفوهم) للملائكة وضمير المفعول للناس، أي: احبسوهم، وفي بعض النسخ: (وقفوهم) بواو العطف، فقال الطيبي (٢): عطف على (يقال) على سبيل التقدير، أي: يقال للناس: هلم، ويقال للملائكة: قفوهم، انتهى، ويمكن أن يكون حكاية لنظم القرآن كما هو، وهو قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٣ - ٢٤]، وهو هناك عطف على قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ وهو أيضًا خطاب للملائكة. وقوله: (أخرجوا بعث النار) أي: من يبعث إليها، وفي (القاموس) (٣): البعث وبحرك: الجيش والجمع بعوث. وقوله: (من كم كم؟ ) أي: كم نفسًا من الموقوفين؟ كم نفسًا من المبعوثين

стр. 5184

فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ" قَالَ: "فَذَلِكَ يَوْمٌ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، وَذَلِكَ يَوْمٌ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤٠]. ــ يخرج؟ ، (فيقال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين)، وقد فسر به قوله تعالى حكاية عن الشيطان: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨]، وهم الذين استوجبوا النار بذنوبهم يتركون فيها بقدر ذنوبهم، ويجوز أن يصرفوا عن طريق جهنم، أو يخرجوا منها بالشفاعة. وقوله: (فذلك يوم يجعل الولدان شيبًا) كناية عن طول ذلك اليوم وشدة المحنة فيه. وقوله: (ذلك يوم يكشف عن ساق) أي: يوم يشتد الأمر ويصعب الخطب، وكشف الساق مثل في ذلك، يقال: كشفت الحرب عن ساقها على المجاز، (أو يوم يكشف) عن أصل الأمر وحقيقته بحيث يصير عيانًا مستعار عن ساق الشجر وساق الإنسان، وفي (مجمع البحار) (١): هو لغة: الأمر الشديد، وكشف الساق مثل في الشدة ولا ساق هناك ولا كشف، كما يقال للأقطع الشحيح: يده مغلولة، وأصله أن من وقع في أمر شديد يقال: شمر ساعده وكشف عن ساقه للاهتمام به، وقال الطيبي (٢): هو مما يجب التوقف فيه عند السلف، أو يأوَّل بالكشف عن أمر فظيع، وهو إقبال الآخرة وذهاب الدنيا، وفي (القاموس) (٣): ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي: عن شدة، ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩]: آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة، يذكرون

стр. 5185

وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ: "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ" فِي "بَاب التَّوْبَة". ــ الساق إذا أرادوا شدة الأمر والإخبار عن هوله، انتهى، ويروى: (يكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن) أي: يكشف عن شدة يرتفع بها سواتر الامتحان فيتميز عنده أهل اليقين بالسجود من أهل الريب، وقيل: المراد النور العظيم، وقيل: جماعة الملائكة، والمراد يوم القيامة أو وقت النزع، وتمامه في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ الآية [القلم: ٤٢]. وقوله: (وذكر حديث معاوية: لا تنقطع الهجرة) وفيه ذكر طلوع الشمس من مغربها، وهذا الباب خال عن الفصل الثاني، ولم يذكره المؤلف نسيانًا، ولم يورد الفصل الثالث أيضًا. تم بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد الثامن ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد التاسع وأوله: (كتاب أحوال يوم القيامة). وصلَّى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا. * * *

стр. 5186

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ) تأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي المولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى تحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي طبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة المجلد التاسع دار النوادر

стр. 5187

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5188

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (٩)

стр. 5189

دار النوادر المؤسس والمالك نور الدين طالب مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م. سوريا - دمشق - الحلبوني: ص. ب: ٣٤٣٠٦ جميع الحقوق محفوظة للمحقق يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة. الطبعة الأولى ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م E-mail: info@daralnawader.com Website: www.daralnawader.com شركات شقيقة دار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) دار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥) دار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦) مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية مظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند الهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١ الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١ متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١ البريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com

стр. 5190

(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق

стр. 5191

(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق ١ - باب النفخ في الصور ــ ١ - باب النفخ في الصور في (القاموس) (١): نفخ بفمه: أخرج منه الريح، والصور بالضم: القرن ينفخ فيه، والمراد القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، وهما نفختان، الأولى: يصعق به من في السماوات والأرض إلا من شاء، والثاني: يخرج به الموتى من القبور ويبعثون، وقد قيل بثلاث نفخات، الأولى: نفخة الفزع المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧]، والثانية: نفخة الصعق لقوله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨]، والثالثة: نفخة البعث كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. والمشهور هنا نفختان، وكأنه جعلت نفخة الفزع والصعق واحدة، والصعق من تتمة الفزع، أو الفزع توطئة للصعق، وقول الطيبي (٢) في تفسير الصور: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عند بعث الموتى إلى المحشر، لا يعقل فيه التخصيص بالبعث.

стр. 5192

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٥٢١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ" قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ. "ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ" قَالَ: "وَلَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ لَا يَبْلَى إِلَّا. . . . . ــ وفي (الصراح) (١): صور بالضم: شاخ وآنجه إسرافيل دروى دمد بجهت ميرانيدن وزنده كردن خلق، وقد يفسر الصور في الآيات الكريمة بجمع الصور، يريد صور الموتى تنفخ فيها الأرواح، وقد قرأ الحسن: (يوم ينفخ في الصُّوَر) بالتحريك، والصحيح هو الأول، فإن الأحاديث متظاهرة فيه، وقول البيضاوي: وقيل: إنه تمثيل لانبعاث الموتى بانبعاث الجيش إذا نفخ في البوق. أبعد وأبعد، ولعل القائل بذلك المتفلسفة من أهل الإِسلام، والمراد بمن استثني بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وقيل: الحور والخزنة وحملة العرش، وقيل: الشهداء، وقيل: موسى ﵇؛ لأنه صعق مرة، ولعل المراد ما يعم ذلك، كذا في (تفسير البيضاوي) (٢). الفصل الأول ٥٥٢١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (أبيت) أي: عن أن أجزم بأنه أربعون يومًا، أو امتنعت عن الجواب فإني لا أعلم. وقوله (وليس من الإنسان شيء لا يبلى) بلفظ المعلوم من سمع يسمع، (إلا

стр. 5193

عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ". [خ: ٤٨١٤، م: ٢٩٥٥]. ــ عظمًا) نصبه إما على تأويل الكلام السابق بالموجب، أي: يبلى كل شيء إلا عظمًا، وقد جاء في بعض الروايات: (كل ابن آدم يبلى إلا عجيب الذنب)، وكما تؤيده الرواية الأخرى، أو يجعل (لا يبلى) صفة (شيء) و (إلا عظمًا) خبره، والاستثناء مفرغ، أي: ليس شيء هو لا يبلى شيئًا إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب بفتح العين وسكون الجيم وفتح الذال والنون، وهو العظم في أسفل الصلب عند العجزتين الأليتين، وهو مكان الذنب من الحيوانات، قالوا: وأمر العجب عجيب فإنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى، ويقال بالميم مكان الباء، في (القاموس) (١): العجم: أصل الذنب، وحكى بعضهم بتثليث العين مع الباء، ففيه ست لغات. ثم قال الطيبي (٢) نقلًا عن المظهر: المراد طول بقائه؛ لأنه لا يبلى أصلًا؛ لأنه خلاف المحسوس، انتهى، يفهم أنه أنّا قد نحسّ بلاه بعد طول الزمان، ويتجه عليه أنه لابد من بقائه إلى يوم البعث ليركب منه الخلق يوم القيامة، والبلى بعده غير معقول، وإذا أبلي قبله فكيف يركب منه، ولو أريد بالبلاء كونه مفتوتًا لا ترابًا فلا يظهر معنى: (كل شيء يبلى إلا عجب الذنب)، نعم ما ورد من: أنه (أول ما يخلق وآخر ما يبلى) يدل على بلاه آخرًا، ولكنه لا يخلو عن شيء، ويختلج في صدري أن المراد بكونه (آخر ما يبلى) كونه مما لا يبلى، وكناية عنه، واللَّه أعلم فتدبر، ثم اعلم أنه

стр. 5194

٥٥٢٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨١٢، م: ٢٧٨٧]. ٥٥٢٣ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ -وَفِي رِوَايَة: يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الأُخْرَى- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أينَ الجبَّارونَ؟ أينَ المُتَكَبِّرُونَ؟ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٨٨]. ــ ينبغي أنه قد يخص من هذا العموم الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أجمعين فإنهم أحياء بأجسادهم. ٥٥٢٢ - [٢] (وعنه) قوله: (يقبض اللَّه الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه) قال البيضاوي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]: هذا تنبيه على عظمته تعالى وحقارة الأفعال العظيمة التي تتحير فيها الأوهام بالإِضافة إلى قدرته ودلالته على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين لا حقيقة ولا مجازًا كقولهم: شابت لمته. ٥٥٢٣ - [٣] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (يطوي اللَّه السماوات. . . إلخ)، هذا أيضًا كما قال البيضاوي: تمثيل وتخييل لعظمته، وكذلك قول الحق :

стр. 5195

٥٥٢٤ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى أُصْبُعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى أُصْبُعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا اللَّهُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨١١، م: ٢٧٨٦]. ــ (أنا الملك. . . إلخ)، ويحتمل الحقيقة أيضًا. ٥٥٢٤ - [٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (حبر من اليهود) الحبر بالفتح والكسر: العالم، والجمع أحبار، وشاع ذكره في علماء أهل الكتاب، وقال في (القاموس) (١): الحبر بالكسر: العالم أو الصالح، ويفتح، والجمع أحبار وحبور. و (الثرى) في (القاموس) (٢): الثرى: الندى، والتراب النديّ، أو الذي إذا بُلَّ لم يصر طينًا لازبًا، كالثَّرْياءِ ممدودة. وقوله: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾) أي: ما قدروا عظمته في أنفسهم حق تعظيمه حيث جعلوا له شريكًا ووصفوه بما لا يليق، وقيل: ما عظموا اللَّه حق عظمته، وقيل: ما عبدوه حق عبادته، وقيل: ما عرفوه حق معرفته.

стр. 5196

٥٥٢٥ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: . . . . . ــ ٥٥٢٥ - [٥] (عائشة) قوله: (﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾) التبديل قد يكون في الذات كقولك: بدلت الدراهم بالدنانير، وفي الصفة كقولك: بدلت الحلقة خاتمًا: إذا أذبتها وغيرت شكلها، والآية تحتملهما، والآثار غالبة في الثاني، قال ابن عباس: هي تلك الأرض وإنما تغير صفاتها وأنشد: وما الناس بالناس الذين عهدتم ... وما الدار بالدار التي كنت تعلم وروي عن أبي هريرة قال: ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فتبسط وتمد مدّ الأديم، لا ترى فيه عوجًا ولا أمتًا، ويحتمل أن اللَّه تعالى يخلق أرضًا وسماوات أخر، وقد ذهب إليه بعض، كما روي عن علي ﵁: تبدل أرضًا من فضة وسماوات من ذهب، وهو نص في تبديل الذات، وما روي عن ابن مسعود وأنس: (يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة) (١) ظاهر فيه. وقال الطيبي (٢): الظاهر من الحديث وسؤال عائشة ﵂ وجواب النبي ﷺ تغير الذات، انتهى. وقد كتب في الحواشي (٣): التبديل: تنزيل الشيء عن حاله، والإبدال: جعل شيء مكان شيء آخر، والظاهر منه أن التبديل تغيير في الصفة والإبدال في الذات، ولكن الظاهر من كتب اللغة ومن استعمالاتهم أنهما بمعنى واحد، فتدبر.

стр. 5197

"عَلَى الصِّرَاطِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٩١]. ٥٥٢٦ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْم الْقِيَامَة". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٢٠٠]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٥٢٧ - [٧] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَهُ، وَأَصْغَى سَمْعَهُ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! . . . . . ــ وقوله: (على الصراط) الظاهر أن المراد الصراط المعهود، واللَّه أعلم. ٥٥٢٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (الشمس والقمر مكوران يوم القيامة) قال القاضي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]: لُفَّتْ، من كورت العمامة: إذا لففتها بمعنى رفعت؛ لأن الثوب إذا أريد رفعه لف، يعني أن بين اللف والرفع لزومًا في الجملة، وفي بعض المواضع كما في الثوب، فاللف على هذا التقدير مجاز بمعنى الرفع، أو لف ضوؤها فذهب انبساطه من الآفاق وزال أثره، فاللف على هذا التقدير مجاز عن الإعدام، لأن الضوء لكونه من الأعراض لا يتصور فيه اللف، أو ألقيت عن فلكها، من طعنه فكوره: إذا ألقاه مجتمعًا، يعني لا تتفرق الأجزاء لما في التركيب من معنى الجمع. الفصل الثاني ٥٥٢٧ - [٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (أصغى سمعه) أي: أمال أذنه ليستمع

стр. 5198

وَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ ونِعمَ الْوَكِيلُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٣١]. ٥٥٢٨ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٤٣٠، د: ٤٧٤٢، دي: ٢٨٤٠]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٥٢٩ - [٩] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]: الصُّوْرُ، ــ أمر اللَّه وإذنه بالنفخ. وقوله: (وما تأمرنا؟ ) أي: ما نفعل وبأي شيء نشتغل، وأين نفر إذا كان الأمر كذلك. (قال: قولوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل) أي: التجئوا إلى اللَّه تعالى، وفوضوا أموركم إليه، وخافوا من عذابه، وارجوا فضله ومغفرته مع عملكم بما أمر من الطاعات والعبادات غير متكلين عليها ومعجبين بها. ٥٥٢٨ - [٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الصور قرن) أي: مثل قرن في الشكل. الفصل الثالث ٥٥٢٩ - [٩] (ابن عباس) قوله: (﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾) أي: نفخ في الصور، والناقور فاعول من النقر بمعنى التصويت، وأصله القرع الذي هو سبب الصوت،

стр. 5199

قَالَ: ﴿الرَّاجِفَةُ﴾: النَّفْخَةُ الأُولَى، وَ ﴿الرَّادِفَةُ﴾: الثَّانِيَةُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ. ٥٥٣٠ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَاحِبَ الصُّوْرِ وَقَالَ: "عَنْ يَمِينِهِ جِبْرِيلُ وَعَنْ يَسَارِهِ مِيكَائِيلُ". ٥٥٣١ - [١١] وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يُعِيدُ اللَّهُ الْخَلْقَ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: "أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي قَوْمِكَ جَدْبًا. . . . . ــ قاله البيضاوي (١). وقوله: (الراجفة: النفخة الأولى) لأنها ترجف، أي: تتحرك الأجرام الساكنة مثل الأرض والجبال عندها، فالراجفة إما صيغة النسبة أو مشتق من رجف المتعدي، قال في (القاموس) (٢): رجف: حرك وتحرك، وقال الطيبي (٣): وصفت بما يحدث بحدوثها، و (الرادفة): النفخة الثانية بما أنها تردف الأولى وتتبعها. ٥٥٣٠ - [١٠] (أبو سعيد) قوله: (صاحب الصور) يعني: إسرافيل، وكون جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، إما في وقت النفخ أو في حضرة في المرتبة، واللَّه أعلم. ٥٥٣١ - [١١] (أبو رزين العقيلي) قوله: (جدبًا) بفتح الجيم وسكون الدال بمعنى المحل والقحط، وبكسر الدال بمعنى ذي الجدب بقرينة مقابلة.

стр. 5200

ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَتِلْكَ آيَةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] ". رَوَاهُمَا رَزِينٌ. [حم: ٢٦/ ١١٢]. * * * ٢ - باب الحشر * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٥٣٢ - [١] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، ــ قوله: (خضرًا) بفتح الخاء وكسر الضاد. ٢ - باب الحشر وهو في اللغة: الجمع، وفي الشرع: جمع الموتى بعد البعث إلى المحشر بالكسر وقد يفتح وهو موضعه، وقد يطلق ويراد به البعث، والحشر يكون قبل يوم القيامة من أشراط الساعة، ويكون بعده وهو المراد هنا، وقد تحمل بعض الأحاديث الواردة فيه على الأول، وسيأتي بيانه. الفصل الأول ٥٥٣٢ - [١] (سهل بن سعد) قوله: (على أرض بيضاء عفراء) في (القاموس) (١): الأعفر: الأبيض، ليس بالشديد البياض، وهي عفراء، عفر كفرح، والاسم العفرة بالضم، وأيضًا قال: العفراء: البيضاء، وأرض بيضاء لم توطأ، وفي

стр. 5201

كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٢١، م: ٢٧٩٠]. ٥٥٣٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَتَكَفَّأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ". فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ. فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ! أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "بَلَى". قَالَ: تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً. . . . . ــ الحواشي (١): الأعفر: الأبيض الذي لا يخلص بياضه ولا يشتد بل يضرب إلى الحمرة. و(النقي) بفتح النون: الدقيق المنخول، والتشبيه في اللون والاستدارة. وقوله: (ليس فيها علم لأحد) من بناء وغيره، بل تكون مستوية وقاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، أو من ملك وتصرف، بل تكون خالية من تصرف الناس، لا يكون الملك إلا للَّه. ٥٥٣٣ - [٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها) أي: يقلبها من يد إلى يد ليسويها كما يفعل بالعجينة، إذا أريد خبزها مرققًا مستويًا، وفي رواية مسلم: (يكفأ) بسكون الكاف، كفأه كمنعه: صرفه وقلبه، وأكفأ: أمال وقلب. وقوله: (في السفر) بفتحتين: ضد الحضر، أي: يستعجل في خبزها، فيكفأها ويلقيها على الرماد الحار، وصحح بضم السين فيكون جمع سفرة بمعنى ما يوضع عليه الطعام، أي: يخبزها ويضعها على السفرة. و (النزل) بضم النون والزاي وسكونها:

стр. 5202

كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ؟ . . . . . . ــ ما يعجل للضيف قبل الطعام. والحديث قد حمله بعضهم على ظاهره، وهو أن جرم الأرض يجعلها اللَّه تعالى يومئذ خبزة مأكولة نزلًا لأهل الجنة، واللَّه تعالى قادر على كل شيء، ولا يستبعد ذلك من قدرته سبحانه، واستشكله بعضهم لا لاستبعاد قدرة اللَّه تعالى وعجائب صنعه سبحانه، بل لعدم ورود دليل على ذلك، بل لورود خلافه، حيث ورد: أن هذه الأرض برها وبحرها يمتلئ نارًا وينضم إلى جهنم، فالمعنى على تشبيه الأرض في الاستدارة والبياض بالخبزة التي يخلقها الجبار تعالى نزلًا لأهل الجنة، ويتضمن ذلك بيان عظم ما هيئ لأهل الجنة من الأخباز تكون الأرض بمنزلة واحدة منها، أو أراد أن الأرض وما فيها بالنسبة إلى ما هيئ لهم من نعيم الجنة كخبزة يستعجل بها الضيف والمسافر، فيكون حرف التشبيه محذوفًا. وقوله: (ثم ضحك) لما وجد من موافقة ما يوحى إليه لما رواه اليهودي من التوراة فسر لحصول مزيد إيقان الصحابة وقوة إيمانهم كما مر في خبر الدجال الذي رواه تميم الداري. وقوله: (حتى بدت نواجذه) النواجذ: أقصى الأضراس وهي أربعة، ويسمى ضرس الحلم؛ لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل، وقال في (القاموس) (١): أو هي الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلها، انتهى. ولا شبهة في أن إرادة هذه المعاني في الحديث أولى وأنسب لما أن في ظهور أقصى الأضراس في الضحك

стр. 5203

بَالَامٌ وَالنُّونُ. قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: ثَوْرٌ وَنُونٌ، يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٢٠، م: ٢٧٩٢]. ٥٥٣٤ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ: رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ، ــ بعدًا لا يخفى، ولا يبعد أن يقال: هذه العبارة كناية عن المبالغة في الضحك من غير ملاحظة معاني مفرداتها وإرادتها، كما قالوا في أمثالها، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (بالام والنون) أرادوا بالنون الحوت، ووقع معرفًا باللام، وأما بالام فمنكر بالباء الموحدة واللام، وقالوا في تفسيره: إنه لفظة عبرانية معناه الثور، وإلا لعرفه الصحابة من غير استفسار من اليهودي، وفي (مجمع البحار) من (النهاية): قال الخطابي (١) لعل اليهودي أراد التعمية [فقطع الهجاء]، فقدم أحد الحرفين [على الآخر] وهي لام ألفٍ وياءٌ، يريد لأي بوزن لَعْي، وهو الثور الوحشي، فصحف الراوي الياء بالباء، انتهى فافهم. وقوله: (يأكل من زائدة كبدهما) قال الكرماني (٢): زيادة الكبد: هي القطعة المتفردة المتعلقة بالكبد وهي أهنؤها وأطيبها، والمراد بـ (سبعون ألفًا) هم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وقيل: المراد به الكثرة. ٥٥٣٤ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين، راهبين) الحديث، سيجيء في (الفصل الثاني) من حديث أبي هريرة: (يحشر الناس ثلاثة أصناف: صنفًا مشاةً، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم) والأصناف الثلاثة

стр. 5204

وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوْا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٢٢، م: ٢٨٦١]. ــ مضمون ذكرهم في هذا الحديث أيضًا، فالراغبون في الجنة وفضل ربهم، الراهبون من النار وعدله تعالى، المطيعون الذين يدعون ربهم خوفًا وطمعًا هم الراكبون على تفاوت درجاتهم، منهم اثنان على بعير، ومنهم أربعة إلى عشرة على بعير، إما اجتماعًا أو مناوبة، فمن كان أعلى مرتبة كان أقلّ شركةً وأشدّ سرعةً وأكثر سبَّاقًا، ولم يذكر ما بين الأربعة والعشرة قياسًا على ما ذكر، وإنما لم يذكر الواحد؛ لأنه درجة أسبق السابقين هم الأنبياء والمرسلون، والمراد بيان أحوال الأمم. والصنفان الآخران وهم المشاة على أرجلهم، والمشاة على وجوههم مذكوران في بقيتهم الذين تحشرهم النار وتلازمهم وهم العصاة والكفار، ولو جعل الراغبون المطيعون هم الركبان، والراهبون العاصون هم المشاة، وبقيتهم الكافرون هم الماشين على وجوههم لكان له وجه، بل هذا أوجه لما دلّ الحديث الآتي عن أنس: أن المشي على الوجه مخصوص بالكافر، ولكنه لا يساعده ظاهر لفظ الحديث، فنقول: إن الراكبين هم المطيعون، والماشين بأرجلهم أضمر ذكرهم، والمشاؤون على وجوههم البقية المذكورون بقوله: (بقيتهم تحشرهم النار) فليتأمل، هذا توجيه الحديث على وجه يكفي، وأما الكلام في أن المراد بالحشر الحشر إلى المحشر وهو أرض الشام أو يوم القيامة بعد البعث من القبور فطويل، نقله الطيبي (١) من التُّورِبِشْتِي، ولعل

стр. 5205

٥٥٣٥ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا" ثُمَّ قَرَأَ: " ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، ــ الصواب هو الثاني فطالعه ثمة. ٥٥٣٥ - [٤] (ابن عباس) قوله: (إنكم محشورون حفاة) الظاهر العموم، وقد علم الركوب أيضًا، فلعل أحدهما بعد البعث من القبر، والآخر بعد السوق إلى المحشر. وقوله: (غرلا) جمع أغرل وهو الأقلف، أي: الذي لم يختن، أي: يحشرون كما خُلِقوا، لا يفقد منهم شيء، ولا يدرى أن بعد ذلك تغير خلقهم على هيئة الختان أو يبقون كذلك، والأمر محتمل، واللَّه أعلم. وما ذكر الإمام فخر الدين الرازي لشرعية الختان نكتة معقولة، وهي أن الحشفة لما كانت مستورةً بالقلفة كانت لينة وقويت لذته عند المباشرة، وإذا قطع جلد القلفة اشتد وصلب وضعفت اللذة، وبالجملة الإحساس واللمس بالسطح المستور أتم وأكمل من السطح المكشوف كما يظهر من حال الشفتين واللسان، واللائق بهذه الشريعة المعتدلة والمتوسطة بين جانبي الإفراط والتفريط التقليل. وقوله: (وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم) قيل: لأنهّ أول من عري وجرد في سبيل اللَّه من النبيين حين ألقي في النار، لا لأنه أفضل من نبينا، أو لكونه أباه، فتقدمه لعزة أبوته له ﷺ ، على أنه قيل: إن نبينا ﷺ يخرج باللباس من قبره في ثيابه التي دفن فيها، كذا في الحواشي (١).

стр. 5206

وَإِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوْا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مذْ فَارَقْتَهُمْ. فَأَقُوْلُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلى قَوْلِهِ: . . . . . ــ وقوله: (أصيحابي أصيحابي) مكررًا على صيغة التصغير لقلتهم، وقد يروى مكبرًا، والأصحاب صيغة جمع قلة، والأول أوفق بقوله: (إن ناسًا من أصحابي). قال الكرماني (١): لم يرد به خواص أصحابه ولا بالردة الرجوع عن الدين، وإنما هو التأخر عن بعض الحقوق، ولم يرتد بحمد اللَّه أحد من أصحابه، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب من المؤلفة، انتهى. وقال الخطابي (٢): لم يرتد أحد من الصحابة، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا بصيرة له في الدين، وذلك لا يقدح في الصحابة المشهورين، وليس المراد الارتداد عن الإِسلام، بل الخروج عن حد الاستقامة، وإساءة السريرة، والرجوع عما كانوا عليه من محض الإخلاص وصدق النية، والإعراض عن الدنيا، فإنه ﷺ كان يخشى عليهم من فتنة الدنيا، وقيل: يجوز استعمال الأصحاب في كل من تبعه أو أدرك حضرته، أو وفد عليه ولو مرة. وبالجملة حمل بعضهم الردة على الحقيقة، والصحابة على المجاز من جفاة العرب من أصحاب مسيلمة والأسود، وبعضهم الردة على التقصير في بعض الحقوق، والصحابة على غير الخواص من الصحابة، واللَّه أعلم. وقوله: (كما قال العبد الصالح) وهو عيسى بن مريم.

стр. 5207

﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٤٩، م: ٢٧٦٠]. ٥٥٣٦ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ! الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٢٧، م: ٢٨٥٩]. ٥٥٣٧ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٥٠، م: ٢٨٠٦]. ٥٥٣٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. . . . . ــ ٥٥٣٦ - [٥] (عائشة) قوله: (ينظر بعضهم إلى بعض) أي: الرجال إلى الرجال والنساء وكذلك النساء، فافهم. ٥٥٣٧ - [٦] (أنس) قوله: (قادر) بالرفع على أن في (ليس) ضمير الشأن. ٥٥٣٨ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (أباه آزر) ظاهر العبارة أنه عطف بيان لـ (أباه)، والتحقيق أن آزر عم إبراهيم سمي أبًا مجازًا متعارفًا، واسم أبيه تارخ، قاله بعض المحققين من العلماء الذين نفوا الكفر عن آباء نبينا ﷺ إلى آدم ﵇، فعلى هذا ذكر آزر لبيان أن ليس المراد من الأب والده، ولعله كان اختلاط إبراهيم وألفته مع عمه هذا أكثر وأغلب من والده، وكان هو رئيس المشركين، ووقع مناظرته معه، فافهم.

стр. 5208

وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا ربِّ إِنَّك وَعَدْتَنِي أَلَّا تُخْزِيَنِيْ يَوْمَ يُبْعَثُونَ فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ لإِبْرَاهِيمَ: مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ". . . . . ــ وقوله: (وعلى وجه آزر) أتى بالمظهر موضع المضمر لئلا يتوهم أن الضمير لإبراهيم ﵇ وأن على وجهه قترة وغبرة لأجل الهم والحزن من جهة والده، وإن كان عند من يعلم أن ذلك للكفرة الفجرة دليل على خلافه، و (قترة) و (غبرة) كلاهما بفتحات، في (القاموس) (١): القتر والقترة: الغبار، وقيل: القترة: الغبرة التي معها سواد، وقيل في قوله تعالى: ﴿غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١]، أي: غبار يعلوها سواد كالدخان ولا أوحش من اجتماعهما، وقال البيضاوي (٢): غبار وكدورة يَغشاها سواد وظلمة، وهذا مبني على ما قيل: إن الغبرة: الغبار من التراب، والقترة: السواد الكائن عن الكآبة. وقوله: (من أبي الأبعد) أي: من خزي أبي، (الأبعد) من البعد بمعنى الهلاك، و (الأبعد): الخائن أيضًا، كذا في (مجمع البحار) (٣)، والمراد: الأبعد من رحمة اللَّه. وقوله: (فإذا هو بذيخ) الذيخ بكسر الذال وسكون الياء التحتانية آخرها خاء

стр. 5209

رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٣٥٠]. ٥٥٣٩ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٣٢، م: ٢٨٦٣]. ٥٥٤٠ - [٩] وَعَنِ الْمِقْدَادِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ. . . . . ــ معجمة: ذكر الضباع الكثير الشعر، والأنثى بالهاء، والجمع ذيوخ وأذباخ. وفي نسخة بموحدة ساكنة وحاء مهملة بمعنى ما يذبح، والحكمة فيه أنه لما رآه مسخًا يخرج من قلبه محبته، ولئلا يحزنه أن لو راه قد ألقي في النار على صورته، فإن قلت: قد كان تبرّأ إبراهيم من أبيه في الدنيا فما باله سأل له ربَّه في الآخرة؟ قيل: لما رآه يوم القيامة أدركته الرأفة فسأل، فلما رآه مسخ أيس منه وتبرأ تبرأً أبديًّا، وقيل: إن إبراهيم ﵇ لم يتيقن بموته على الكفر لجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع إبراهيم عليه، وكان تبرئته في الظاهر، فإذا سأل يوم القيامة ولم يقبل تيقن بذلك، ومعنى (متلطخ) بالطين أو برجيعه، كذا في (مشارق الأنوار) (١). ٥٥٣٩ - [٨١] (وعنه) قوله: (يعرق) بفتح الراء من سمع يسمع. وقوله: (ويلجمهم) أي: يصل العرق إلى أفواههم ليصير لهم كاللجام يمنعهم عن الكلام. ٥٥٤٠ - [٩] (المفداد) قوله: (كمقدار ميل) الظاهر أن المراد ميل الفرسخ، وكفى

стр. 5210

فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا"، وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٦٤]. ٥٥٤١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ. قَالَ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، ــ ذلك في تعذيبهم وإيذائهم، وأما احتمال إرادة ميل المكحلة فبعيد، وقد قيل به. وقوله: (إلى حقويه) الحقو بفتح الحاء المهملة وسكون القاف: موضع شد الإزار. ٥٥٤١ - [١٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (وما بعث النار؟ ) أي: ما مقدار بعث النار، والبعث: الجيش الذي يبعث. وقوله: (من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين) هكذا في نسخ (المشكاة) و (المصابيح)، وتقديره: أخرج من كل ألف هذا العدد، وفي (الدر المنثور) (١) للسيوطي لفظ الحديث: (تسع مئة وتسعة وتسعون) بالرفع، وهو ظاهر في جواب (وما بعث النار) أي: بعث النار هذا، ثم هذا يخالف ما جاء في حديث أبي هريرة: (من كل مئة تسعة وتسعون)، وأجاب الكرماني (٢): بأن مفهوم العدد لا اعتبار له، والمقصود من

стр. 5211

﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: "أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ"، ــ العددين تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين، ويمكن حمل حديث أبي سعيد على جميع ذرية آدم، ويحمل حديث أبي هريرة على من عدا يأجوج ومأجوج. ويستأنس لهذا التأويل بأن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة، ويحتمل أن يكون الأول يتعلق بالخلق أجمعين، والثاني مخصوص بهذه الأمة المرحومة، وأن يكون المراد بـ (بعث النار): الكفار ومن يدخل النار من العصاة، فيكون من كل ألف تسع مئة وتسعين كافرًا، ومن مئة تسعة وتسعين عاصيًا، كذا قال الشيخ ابن حجر (١). وقوله: (﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾) قال المفسرون: إنه في معنى الشرط أي: إن وجدت ذات حمل، وأول بعضهم بأن ذلك قبل قيام الساعة، أي: عند أشراطها، لكن صدر الحديث لا يلائمه، نعم وقد وقع في التنزيل وضع الأحمال في زلزلة الساعة وذلك في أشراطها، وقيل: يحتمل أن يبعث من يكون حاملًا، انتهى. أقول: وهكذا ينبغي أن يؤول في الصغار بأنهم يبعثون صغارًا فيشيبون، ثم يجعلون في الجنة شبابًا، والظاهر أن هذا كناية عن شدة المحنة والهم والحزن من غير نظر إلى خصوص معاني المفردات، واللَّه أعلم. وقوله: (وأينا ذلك الواحد؟ ) لما سمعوا أن أهل الجنة واحد من ألف استعظموا ذلك واستشعروا الخوف منه، بأنه لما كان الأمر كذلك كان أهل الجنة أقل قليل، فمن

стр. 5212

ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ (١): "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فَكَبَّرْنَا، قَالَ: "مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٤٨، م: ٢٢٢]. ٥٥٤٢ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَكْشِفُ ربُنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ (٢) لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، ــ يكون منا أهلًا لها؟ فلا همّ بأن هؤلاء الأكثرين الذين هم بعث النار يأجوج ومأجوج، فإنهم في الكثرة على حد لو كان واحد من ألف من الناس من أهل الجنة لكانوا أكثرين. ثم أشار إلى أن الأمم السالفة ما عدا يأجوج ومأجوج أيضًا في غاية الكثرة بحيث يفوقون الحصر حتى لو كنتم نصف أهل الجنة لكنتم واحدًا من ألف من مجموع الناس غيركم لكونكم في غاية القلة بالنسبة إليهم، وإليه أشار بقوله: (ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود). وقوله: (فكبرنا) قالوا: ذلك استبشار وتعظيم بهذه النعمة. ٥٥٤٢ - [١١] (وعنه) قوله: (يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن. . . إلخ)، قيل: هذا من المتشابهات فلا يتعرض له، وقيل: يأول بشدة

стр. 5213

فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُوْدُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩١٩، م: ١٨٣]. ٥٥٤٣ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّه جَناحَ بَعُوضَةٍ". وَقَالَ: "اقْرَؤُوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٢٩، م: ٢٧٨٥]. ــ الأمر وعظمته يعني أنه تعالى يأخذهم بالشدائد كمن يكشف عن ساقه بالتشمير في أمر، فالإضافة إلى الرب إيذان بأن الساق هي الشدة التي لا يجليها لوقتها إلا هو، وقد وقع منكرًا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، والإضافة في الحديث لمعنى ذكرنا، وقد سبق ذكره في آخر (باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس). وقوله: (فيعود ظهره طبقًا) في (القاموس) (١): الطبق: عظم رقيق يفصل بين كل فَقَارين، والمراد أنه يصير ظهره عظمًا واحدًا ليس بين فقراته مفاصل يتيسر الرفع والخفض في السجود. ٥٥٤٣ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (اقرؤوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾) أول الآية: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ﴾ الآية [الكهف: ١٠٤ - ١٠٥] وقال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ الآية [المنافقون: ٤].

стр. 5214

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٥٤٤ - [١٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا أَنْ تَقُولَ: عَمِلَ عَليَّ كَذَا وَكَذَا يومَ كَذَا وَكَذَا". قَالَ: "فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [حم: ٢/ ٣٧٤، ت: ٢٤٢٩]. ٥٥٤٥ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ". قَالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَزَعَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٠٣]. ٥٥٤٦ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفًا مُشَاةً، وَصِنْفًا رُكْبَانًا، ــ الفصل الثاني ٥٥٤٤ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (على كل عبد وأمة) أي: كل ذكر وأنثى، فإن الذكور عباد اللَّه والإناث إماؤه. ٥٥٤٥ - [١٤] (وعنه) وقوله: (ازداد) أي: إحسانًا، فإن كان ازداد لازمًا كما هو الأكثر فالمحذوف تمييز، وإن كان متعديًا فهو مفعول به. وقوله: (نزع) أي: نفسه عن الإساءة. ٥٥٤٦ - [١٥] (وعنه) قوله: (صنفًا مشاةً، وصنفًا ركبانًا) وهذان الصنفان هم

стр. 5215

وَصِنْفًا عَلَى وُجُوهِهِمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: "إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَمَا إِنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٤٢]. ٥٥٤٧ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ٢٧، ت: ٣٣٣٣]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٥٤٨ - [١٧] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: إِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ ﷺ حَدَّثَنِي: "أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجٍ: . . . . . ــ أهل الإيمان عوامهم وخواصهم. وقوله: (يتقون بوجوههم كل حدب وشوك) الحدب بفتحتين: الغليظ المرتفع من الأرض، أي: يجعلون وجوههم مكان الأيدي والأرجل في التوقي عن مؤذيات الطرق والمشي إلى المقصد، وقد غلت أيديهم وأرجلهم، وذلك لما لم يجعلوها ساجدة لخالقها، والمقصود بيان ثبوت المشي المتعارف لهم لا إثبات التوقي قصدًا، فافهم. ٥٥٤٧ - [١٦] (ابن عمر) قوله: (من سره أن ينظر) كان السرور من جهة حصول مزيد الإيمان والإيقان. الفصل الثالث ٥٥٤٨ - [١٧] (أبو ذر) قوله: (يحشرون) فيه من الاختلاف ما سبق في حديث

стр. 5216

فَوْجًا رَاكِبِينَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ، وَفَوْجًا تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ، وَفَوْجًا يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ وَيُلْقِي اللَّهُ الآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ، فَلَا يَبْقَى حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٢٥٨٦]. * * * ٣ - باب الحساب والقصاص والميزان ــ أبي هريرة في (الفصل الأول) من أن هذا الحشر قبل يوم القيامة من أشراطها أو بعده حين يبعث الموتى من القبور، وسباق الحديث وسياقه ينظر إلى الأول، فتأمل. وقوله: (تسحبهم الملائكة) أي: تجرهم، سحبه: جرّه على وجه الأرض فانسحب. وقوله: (وتحشرهم النار) بالرفع كما تدل عليه الأحاديث الأخر كقوله: (ستخرج نار من أنحو، بحر حضرموت تحشر الناس) (١)، وقد ينصب، أي: تحشر الملائكة لهم النار، وتلزمهم إياها حتى لا تفارقهم، وفي بعض النسخ: (تحشرهم إلى النار). وقوله: (على الظهر) أي: المركوب، والمراد (بذات القتب) الإبل؛ لأن القتب محركة للجمل كالإكاف لغيره. ٣ - باب الحساب والقصاص والميزان الحساب مصدر حسبه حسبًا وحسبانًا بالضم، وحسبانًا وحسابًا وحسبة بكسرهن:

стр. 5217

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٥٤٩ - [١] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ". قُلْتُ: أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَاب يَهْلِكُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٣، م: ٢٨٧٦]. ٥٥٥٠ - [٢] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ. . . . . ــ عَدَّهُ، والمعدود: محسوبٌ، والقصاص: أن يفعل بالشخص مثل ما فعله من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح، وهو في الأصل بمعنى المساواة، والميزان: عبارة عما تعلم به مقادير الأعمال، والجمهور على أنه ميزان حقيقة له لسان وكفتان توزن به صحائف الأعمال، وقيل: توزن الأشخاص، وقيل: تصور الحسنات بالصور الحسنة، والسيئات بالسيئة، وأَوّلَ البعض الوزن بمقابلة الأعمال بالجزاء، والميزان تمثيل وتصوير لإرصاد الحساب، وقد جاء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، والجمع باعتبار أنواع الأعمال، أو يكون لكل أحد من المكلفين ميزانٌ، واللَّه أعلم. الفصل الأول ٥٥٤٩ - [١] (عائشة) قوله: (إنما ذلك العرض) أي: الحساب اليسير عرض الأعمال على العبد من غير مناقشة واستقصاء، وإنما المراد بقولنا: (من حوسب): من نوقش في الحساب، والمناقشة: الاستقصاء في الحساب، كذا في (القاموس) (١). ٥٥٥٠ - [٢] (عدي بن حاتم) قوله: (ترجمان) هو بفتح مثناة وقد تضم وضم

стр. 5218

وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٣٩، م: ١٠١٦]. ٥٥٥١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . . ــ جيم وقد يفتحان، كذا قال الكرماني (١)، وهو المفسر للسان بلسان، وقد ترجمه عنه، والفعل يدل على أصالة التاء. وقوله: (فينظر أيمن) وكذا قوله: (وينظر أشأم منه) النصب في (أيمن) و (أشأم) على الظرفية، والمراد جانب اليمين والشمال، وفي (القاموس) (٢): الشأمة والمشأمة: ضد اليمنة والميمنة، واليد الشؤمى: ضد اليمنى، انتهى. وفي (مجمع البحار) (٣) في صفة الإبل: ولا يأتي خيرها إلا من جانبها الأشأم يعني الشمال، ومنه لليد الشمال: الشؤمى، تأنيث الأشأم، يريد بخيرها لبنها؛ لأنها إنما تحلب وتركب من الجانب الأيسر، ومنه حديث: (فينظر أيمن منه وأشأم منه). وقوله: (ولو بشق تمرة) له معنيان؛ أحدهما: فاتقوا النار ولا تظلموا أحدًا ولو بشق تمرة، وثانيهما: اتقوها ولو بتصدق شق تمرة، وقد أورد هذا الحديث في (باب الصدقة)، وقد أشار بذكره في الموضعين إلى صحة إرادة المعنيين، والثاني أظهر، واللَّه أعلم. ٥٥٥١ - [٣] (ابن عمر) قوله: . . . . .

стр. 5219

"إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْب كَذَا؟ فَيَقُول: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ. قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوْسِ الْخَلَائِقِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٤١، م: ٢٧٦٨]. ٥٥٥٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فكَاكُكَ مِنَ النَّارِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٦٧]. ــ (كنفه) يقال: أنت في كنف اللَّه تعالى محركة، أي: في حرزه وستره، وهو الجانب، والظل، والناحية، ومن الطائر: جناحه، كذا في (القاموس) (١)، وذلك لئلا يفتضح عند أهل المحشر ويخزى. ٥٥٥٢ - [٤] (أبو موسى) قوله: (هذا فكاكك من النار) فك الرهن فكًّا وفكوكًا: خلّصه، كافْتَكّه، وفك الأسير فكًّا وفكاكًا: خلّصه، وفكاك الرهن بفتح الفاء ويكسر: ما يفك به، ولما كان لكل مكلف مقعد في الجنة ومقعد من النار فلما دخل المؤمن الجنة صار الكافر كالفكاك للمؤمنين خلص به عن النار، ولم يرد به تعذيب الكتابي بما اجترحه المسلم من الذنوب؛ لأنه لا يعذب أحد بذنوب أحد، وتخصيص اليهود والنصارى بالذكر لاشتهارهم لمضارة المسلمين، ومعرفة الحكم في غيرهم بطريق الأولى.

стр. 5220

٥٥٥٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ! فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيُقَالُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بلَّغَ"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٣٣٩]. ٥٥٥٤ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مِمَّا أَضْحَكُ؟ ". قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَقُولُ: يَا رَبِّ! أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ ". . . . . ــ ٥٥٥٣ - [٥] (أبو سعيد) قوله: (محمد وأمته) لما كان محمد ﷺ مزكيًا لهم وهو معنى قوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وكان ﷺ بتزكيته مقررًا لشهادتهم ومثبتًا كان كأنه معهم في الشهادة، فلهذا قال: (محمد وأمته). وقوله: (أمة وسطًا) والوسط محركة من كل شيء: أعدله، أي: عدولًا وخيارًا. قوله: (فقال رسول اللَّه ﷺ : فيجاء بكم) الخطاب للصحابة، ويحتمل أن يكون للحاضرين من الأمة والغائبين على سبيل التغليب. ٥٥٥٤ - [٦] (أنس) وقوله: (ألم تجرني من الظلم؟ ) أجاره: أنقذه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] وغيرهما من الآيات.
следующие страницы →